29-05 مکارم الابرار المجلد التاسع والعشرون ـ تأويل الاحاديث في علم الرؤيا ـ مقابله

 

 

تأويل الاحاديث في علم الرؤيا

 

 

من مصنفات العالم الربانی و الحکیم الصمدانی

مولانا المرحوم الحاج محمد کریم الکرمانی اعلی الله مقامه

 

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 303 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد خاتم النبيين و آله الطيبين الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين.

و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد سألني قرة عيني و فلذة كبدي و ثمرة فؤادي ابني محمد الملقب بالرحيم اطال الله بقاه و بلغه في دينه و دنياه و اولاه و اخراه جميع ما يتمناه ان‌اصنف له رسالة في علم الرؤياء و تعبيرها لانه اطال الله بقاه بالطبع مائل الي العلوم الغريبة و لم‌يكن يتفق لي فرصة ان‌اصنف له ذلك حتي اطلعه علي ما فيها و اوقفه علي ظاهرها و خافيها الي ان قدر الله سبحانه لي سفراً الي بلدة الصالحين «خبيص» و حصل لي فراغ في الجملة عن الاشغال و استراح القلب عن البلبال فاحببت ان اكتب له كتاباً بحسب ما يمكنني في هذه الايام القلائل و ذلك اني لم‌اعزم علي اقامة عشرة ايام فيها هذا و هو علم مكتوم من علوم الانبياء و المرسلين و اوصيائهم المكرمين و لايبلغ جميع اطرافه عقولنا و لايحيط به فهومنا و ليس يجوز لنا ان نشرح في الدفاتر ما فتح الله منه علينا اذ ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله ولكن الميسور لايسقط بالمعسور و علي الله المعول في جميع الامور و  اسأل الله سبحانه ان‌يجري في هذا العلم علي قلمي ما يكون صلاحاً لديني و دنياي و آخرتي فانه بالاجابة جدير و علي كل شيء قدير و لاحول و لاقوة الا بالله العلي العظيم و هذا الكتاب مشتمل علي مقدمة و ابواب و سميته بـ «تأويل الاحاديث».

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 304 *»

المقدمة: في ذكر امور يجب تقديمها في هذا العلم لتكون علي بصيرة و تطلع علي حقيقة امر الرؤيا و فيها فصول:

فصل: اعلم يا بني ارشدك الله ان ما يجب ان‌تعلمه اولاً في هذا العلم امر الحواس الباطنة فان الرؤيا هي ما تراه بحواسك الباطنة بعد ما تعطلت حواسك الظاهرة عن الادراك فلابد ان‌تعلم الحواس الباطنة و تعلم عددها و خواصها و افعالها و صفة ادراكها و لما كان تفصيل ذلك من علم اعلي ليس هنا موضع تفصيله فلنذكرها علي نحو الاشارة ولكني لااترك شيئاً ان‌شاءالله الا و اشير اليه لئلاتحتاج الي غير هذا الكتاب و لو اردت التفصيل لكان الواجب ان افرد كتاباً في علم الحواس.

فاقول اعلم يا بني و اعرني لبك لتفهم ما منح الله علي ابيك من الحكمة ما لم‌يؤته كثيراً من خلقه و القيه اليك بحول الله و قوته و تأييده و توفيقه ان الله سبحانه احد بلانهاية و حد فهو كامل لايترقب حصول كمال لنفسه فهو واجد جميع الكمالات غير المتناهية بالفعل فخلق خلقاً يسمي من حيث الاعلي تجليه سبحانه الاعظم و اول ظهوره الاكرم و ضياؤه المشرق و نوره المتألق و ذكره الاجل الاعلي و اسمه الاعز الاسني و هو ظهور لاغاية له و لامنتهي و ليس له حد يستقصي و هو تعريفه سبحانه نفسه لخلقه بالكاملية غير المتناهية و الجامعية المتعالية و هو جمع الله المشار اليه في تعويذ الليالي و تعويذ الرمد و قد سئل ما جمع الله قال كل الله و القدس الذي ملأ الدهر كما في الدعاء و من حيث الاسفل و النسبة الي انواره يسمي بالمشية و الاسم الذي انزجر له العمق الاكبر فلما تم خلق هذا الخلق الشريف اشرق به جميع القوابل الامكانية التي لم‌تكن الا به و ان كانت في عرصة العلم علمية ولكنها لم‌تكن امكانية و صارت امكانية في الامكان الذي هو محل ذلك الخلق الاول فلما اشرقت بها صارت كونية فامكانيتها بالمشية الامكانية بعد ما كانت في العلم ازلية و هذا الازل هو الازلية الاولي لا ازل الازال

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 305 *»

و كونيتها بتعلق المشية الكونية بها تعلق تكوين و انت قد علمت منا ان الامكان بحر سيال متشاكل الاجزاء فكل جزء منه صالح لكل ما يصلح له الجزء الآخر فصلوح ذلك الامكان مما لانهاية له لانه موضع قدرة الله سبحانه التي لاتعجز عن شيء و استطال بها علي كل شيء فلما اخذ من ذلك الامكان حصة لمكون و كون منها كون كانت تلك الحصة من حيث الامكان صالحة لكل شيء بلانهاية و ان كانت من حيث الكون خاصة بذلك الكون الذي صيغت علي هيئته كالحصة المدادية المصورة بالصورة الالفية فانها من حيث المدادية صالحة لكل حرف ولكن من حيث الالفية لاتصلح لغير الالف فبذلك الامكان صار كل شيء فيه معني كل شيء ثم لما كانت القوابل بعضها ارق من بعض و اكثر لطافة و صفاء من بعض صار كل قابلية اصفي و الطف احكي لكمالات تلك المشية و اشد اظهاراً لها و كمالات تلك المشية الكاملة منها اكثر فعلية مما كان دونها في الرقة و اللطافة و الصفاء و الشفافة البتة و لما كان ارق القوابل و الطفها و اصفيها و اشفها قابلية الانسان كما حقق في محله صار الانسان احكي لكمالات المشية و اشد اظهاراً و تبييناً و فعلية لها حتي ان اشرف افراد الانسان صار حاكياً لجميع كمالاتها و مظهراً اياه بالفعل فالقت في هويته مثالها و اظهرت عنه افعالها فجعله الله سبحانه محلاً لمشيته و وكرا لارادته ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليه و في بيته الصادر عما فصل من احكام العباد فاذا شاء ما شاء حرك من سريرته كوامن ما ابطن فيه و اجري لسانه و جوارحه بما اضمر فيه فماتشاؤن الا ان يشاء الله لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون ثم مادون ذلك علي حسب درجاتهم و مقامهم سواء كانوا اناسي شرعيين او كونيين بالجملة الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي مجموع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و قد نسب الي علي عليه‌السلام:

دواؤك فيك و ما تشعر

و داؤك منك و ما تبصر

و انت الکتاب المبين الذی

باحرفه يظهر المضمر  

اتزعم انك جرم صغير

و فيك انطوي العالم الاكبر

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 306 *»

فالانسان هو احكي القوابل لمشية الله سبحانه و اكثر الاشياء فعلية للقوي الكامنة في محل قدرة الله سبحانه و مشيته فلاجل ذلك خلقه الله خلقة جامعة لجميع المراتب حائزة لجميع المقامات حتي يظهر فيه و منه جميع شؤن الكمالات و يصدر منه جميع انواع الفعليات فاول ما خلق الله من مراتبه عقله الذي هو اول غصن نابت في جنان الصاقورة و هو اول الوجودات المقيدة ثم قال له ادبر اي بالاشراق و التوجه الي اقصي مراتب البعد فادبر فنزل الي ارض الزعفران و الرقايق ثم الي الجزيرة الخضراء ثم الي الكثيب الاحمر ثم الي البحر الابيض ثم الي الاظلة و جابلقا و جابرصا ثم الي هذا العالم الي العرش ثم الي الكرسي ثم الي الافلاك ثم الي العناصر الي التراب و هذا الادبار هو للتمكين و خزن الكمالات في كل مقام ثم دعاه الي الاقبال و انشاء الكون فجعله كيلوساً ثم كيموساً ثم دماً صالحاً روحانياً صاعداً ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم كساه لحماً ثم انشأه خلقاً آخر حيوانياً ثم اخرجه من بطن الام انساناً وليداً ثم رضيعاً ثم فطيماً ثم يافعاً ثم ناشياً ثم مترعرعاً ثم خروراً ثم مراهقاً ثم محتلماً ثم بالغاً ثم مستوياً شاباً و قد كمل فيه قوة النفس الناطقة ثم اتاه حكماً و علماً ان شاء ثم رقاه في المدارج العلمية فصار عليماً ثم بصيراً ثم حكيماً ثم رقاه في المدارج العملية فصار مؤمناً صالحاً متقياً مخلصاً ثم شرح صدره فجعله من اهل مشاهدة هورقليا و الاظلة ثم من اهل مشاهدة عالم الهباء ثم من اهل مشاهدة عالم الطبايع ثم من اهل مشاهدة عالم النفوس ثم من اهل مشاهدة عالم الارواح ثم من اهل مشاهدة عالم العقول ثم من اهل مشاهدة عالم الفؤاد فلما كمل له العلم و العمل رقاه الي مدارج الاسماء و الصفات و علمه اياها و هي ثمانية و عشرون اسماً فصار فعالا بقوة كل اسم فيما يتكون به و يتربي يقول للشيء كن فيكون و لسنا الآن بصدد بيان تلك المقامات و انما جري ذلك لتمام الكلام لا لبيان المرام فلما كون الله الانسان بعد ما مكنه من جميع الكمالات التي في المقامات خلق له في كل عالم ادوات و آلات ينال بها ما خلق الله في تلك المرتبة كما تري في هذا العالم انه بعد ما خلق الله جميع الاشياء من الطبايع و اختلافها باختلاف

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 307 *»

موادها كماً و كيفاً و خلق الانسان في هذا العالم ايضا منها خلق له مشاعر من الطبايع معتدلة و منحرفة حتي يدرك بها جميع ما خلق الله من الطبايع فان الآلات تشير الي نظائرها و تدرك ما هو من جنسها فخلق له عيناً من ضوء النار ليدرك بها الاضواء و الالوان و ما من النار و اذناً من الهواء ليدرك بها ما من الهواء و شماً من الماء ليدرك به ما من الماء و ذوقاً من التراب ليدرك به ما هو من التراب و لمساً من المجموع المركب ليدرك المعلومات المركبة من الجميع و جميع هذه المشاعر ادوات خالية من حيث نفسها عن النقوش و المعلومات صالحة لادراك ما يصل اليها من صفات الاشياء و اشباحها كما حققناه في ساير كتبنا مفصلاً و شرحناه في دروسنا بما لامزيد عليه قد علمه المستحفظون عنا و لاقوة الا بالله فجميع هذه المشاعر مرايا صافية ان كانت علي الفطرة ليس فيها شبح معلوم الا ما يرد عليها من الخارج فينطبع فيها كما ينطبع الشبح في المرآة فتدركه ادراكاً ضعيفاً طبعانياً بفضل ما فيها من ظل الروح و انما الادراك الكامل للروح كما روي عن المناقب لابن شهر اشوب مما اجاب الرضا عليه‌السلام بحضرة المأمون لضباع بن نصر الهندي و عمران الصابي عن مسائلهما قال عمران العين نور مركبة ام الروح تبصر الاشياء من منظرها قال عليه‌السلام العين شحمة و هو البياض و السواد و النظر للروح دليله انك تنظر فيه فتري صورتك في وسطه و الانسان لايري صورته الا في ماء او مرآة و ما اشبه ذلك قال ضباع اذا عميت العين كيف صارت الروح قائمة و النظر ذاهب قال كالشمس طالعة يغشاها الظلام قال اين تذهب الروح قال اين يذهب الضوء الطالع من الكوة في البيت اذا سدت الكوة قال اوضح لي ذلك قال الروح مسكنها الدماغ و شعاعها منبث في الجسد بمنزلة الشمس دارتها في السماء و شعاعها منبسط علي الارض فاذا غابت الدارة فلا شمس و اذا قطعت الرأس فلا روح انتهي. ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و الناظر المدرك من جميع المشاعر هو الروح و انما المشعر آلة صالحة لقبول الاشباح الآتية من الاشياء و عرض ما يصل اليها من الخارج علي الروح كالمنظرة

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 308 *»

البلورية تقبل شبح الخط و تعرضه عليك فانت تدركه بباصرتك و كذلك هذه الحواس فجسمانية هذه الحواس آلة القبول و العرض و قد جلس علي كرسيها سلطان القوي فالباصرة في العين و السامعة في الاذن و الشامة في الانف و الذائقة في الفم و اللامسة في الاعضاء و هذه القوي هي فاعلية الروح للادراك و هي شعاعها المتعلق بهذه الاعضاء المصبوغ بصبغها المتهيء بهيئة قبولها و عرضها و الا فشعاع الروح من حيث الروح لاتعين فيه بادراك ضوء او صوت او غيرهما و انما هو دراك مبهم صالح لادراك ما وصل اليه فاذا وقع الشعاع في العين و العين صيقلية صافية شفافة ينطبع فيها الاضواء و الالوان استعد لادراك الاضواء و الالوان خاصة و ادركها متعينة و ليس يدرك ذلك الشعاع من هذا المشعر الاصوات لان هذا المشعر لايقبل الاصوات و لايقدر علي عرضها علي الروح و ليس يدرك الروح ما لم‌يعرض عليه و ما لم‌يعد لادراكه اياه فبذلك اختص الشعاع الذي في العين بادراك الاضواء من حيث العين و كذلك اختص الشعاع الذي في الاذن بالمسموعات و الاصوات و الذي في الانف بالروايح و هكذا و لهذه المشاعر خاصية اخري قد اشرنا اليها من اعداد الواصل لادراك ذلك الشعاع فان المثل الخارجية كثيفة مناسبة للمواد الخارجية و ليست بقابلة علي العرض علي الارواح الغيبية فاذا وصلت الي الحواس تلطفت في بطونها بلطافتها فاذا ادتها الي البنطاسيا ازدادت تلطفا فصلحت للعرض علي الروح و تلطيف المحل الشعاع الواصل محسوس في البلورات الشفافة اذا وصل اليها نور الشمس فانه فيها الطف و اضوء و اشد خطفاً للبصر منه في ساير الزجاجات البتة و حر الشمس في البلور اكثر من حرها في الماء مثلاً و اللون في المواد الكثيفة اكثف منها في المواد الشفافة و هكذا بالجملة تختلف المثل في اللطافة بحسب المواد الحاملة اختلافاً بيناً فاذا انطبعت المثل في الحواس تلطفت و صحت للعرض علي بنطاسيا و اذا انطبعت في بنطاسيا تلطفت و صلحت للعرض علي الروح فاذا عرضت عليه ادركها و لسنا الآن بصدد بيان اكثر من ذلك ثم فوق المشاعر الجسمانيه مشعر آخر يسمي بنطاسيا و هو مشعر اسفله متصل بالاجسام و اعلاه بالملكوت و ليس بجسم زماني بل هو جسم هورقلياوي

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 309 *»

نافذ في جميع البدن و هو علي هيئة الانسان الزماني بعينه مركب من عناصر هورقليا و هو الاقليم الثامن و تراب ذلك العالم الطف من عرش عالم الاجسام و اعلي منه رتبة لا علواً جسمانياً كعلو العرش بالنسبة الي الكرسي بل علواً ذاتياً و ذلك الاقليم له عرش و كرسي و افلاك و عناصر و مواليد من جماد و نبات و حيوان و انسان و كل مولود منه مركب من تسع قبضات من افلاكه و قبضة من ارضه الا ان هذه القبضات الفلكية في الجماد و النبات منه كامنة و بالقوة و القبضة الارضية بالفعل و لها آثار الا ان في الجماد ظواهرها بالفعل و بواطنها بالقوة و في النبات كلتاهما بالفعل و في الحيوان منه تكون القبضة الارضية و القبضة التي من فلك القمر بالفعل و البواقي فيه بالقوة و اما في الانسان فعلي اختلاف مراتبهم فمنهم من يكون القبضات السبع السماوية فيه بالفعل و قبضة الكرسي و العرش فيه بالقوة و منهم من يكون قبضة الكرسي فيه ايضاً بالفعل و منهم من يكون قبضة العرش فيه ايضاً بالفعل فيصدر عنه ما يصدر من جميع العالم و لكل درجات مما عملوا و كذلك امر هذا الجسد الجسماني في تركيبه و ان لم‌نذكره لوضوحه في الجملة فالبدن الهورقلياوي هو الحس المشترك المرتبط من حيث الاسفل بهذا العالم و من حيث الاعلي بالملكوت و وجه ارتباطه ان اسفله غليظ يناسب في غلظته المواد الجسمانية و المدد الزمانية و منه الصورة التي تراها في المرآة و هي تتعلق بالاجسام الزمانية و تقع عليها و تظهر عليها فهو صورة فعلية في الجملة عالية علي الزمان متعلقة بالمواد و المدد يجري عليها من حيث الاسفل التنقلات الزمانية ففي عالمها غدوة و عشية و من حيث الاعلي مرتبطة بالصورة‌ العارية عن المواد الخالية عن القوة و الاستعداد الفعلية المحضة فهي ليست في الفعلية كالصور الملكوتية و لا في القوة و المادية كالاجسام الزمانية الملكية فهي في الافتقار الي المواد و لزوم القوة و الاستعداد و التنقلات بين‌بين فمقامها بين الفعلية المحضة و القوة و هذا البدن هو الذي تراه في منامك و تري فيه سماء و ارضاً و نجوماً و مواليد مثل هذه الدنيا بعينها و تري بدنك مثل هذا البدن و لربما يري ذلك العالم بهذا العين اذا انجذبت الي الاعلي بقوة التوجه الي ذلك العالم فتدرك بعض آثاره و لايدركه

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 310 *»

من لم‌يكن كذلك كما يشاهد الجني الجن بعينه و لايراه غيره و يسمع الخايف الدهشان في الظلمات ما لايسمعه غيره و يري ما لايراه غيره و هذا المشعر هو مشعر رؤية الرؤيا و هذا العالم هو عالم الرؤيا فهو لارتباطه بالاسفل متكثر كتكثر هذا العالم بعينه و من حيث الاعلي يجمع الصور الماضية الزمانية و الصور الآتية فلربما يري الانسان بعينه تلك مثل ما مر في سوالف الزمان او ما يأتي من خوالف الدهر و ان لم‌يكن بجامعية الملكوت.

فصل: ان الحس المشترك اي البنطاسيا اي البدن الهورقلياوي ليس له من حيث نفسه فيه تعين و لا في مداركه صور و علوم الا ما اكتسبه من جهة الجسم الزماني الا تري ان الاعمي من الولادة ليس يمكنه تصور الاضواء و الالوان ابداً و ليس يميز لوناً من لون و الاصم بالولادة ليس يمكنه معني الصوت و لاتصوره و تمييز صوت عن صوت و هكذا ساير ما يدركه بحواسه الظاهرة فان لم‌تؤد هذه المشاعر الظاهرة هذه التمايزات اليه ليس يمكنه تمييزها و انما هو مشعر بسيط دراك غير مدرك بالفعل كالمرآة التي لم‌تقابل بشيء فهي جسم صيقلي صالح لان ينطبع فيه شيء اذا قوبل به و ليس له من ذات نفسه صبغ و لا هيئة و كذلك الحسن المشترك مرآة صافية فان لم‌يقابل بشيء من الصور المميزة الجسمانية الزمانية ليس يتعين فيه شيء و لايتصوره ابداً و كذلك صورة نفسه اي نفس البنطاسيا فليس له صورة مميزة الا ما اكتسبه من الاعمال الظاهرة فحسنه و قبحه و استقامته و اعوجاجه و لونه و شكله من جهة ما اكتسبه من الاعمال الظاهرة و بذلك الاكتساب يمتاز جسم زيد الهورقلياوي عن جسم عمرو و بكر عن خالد و مع قطع النظر عن الاعمال هو مادة صالحة لزيد و عمرو و بكر و خالد كما ان بدن زيد في الدنيا يمتاز عن عمرو بهذه الصورة الاكتسابية عن هيئات الاسباب الواردة المربية له و لولا هذا الاكتساب لكان تراباً صالحاً لصورة عمرو و بكر و خالد و غيرهم ايضاً فالمواد الظاهرة صورها من هيئات الاسباب الواردة و تصورها علي حسب استعدادها و المواد البرزخية صورها ايضا من اكتسابات من هيئات

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 311 *»

الاسباب الواردة و تصورها ايضا علي حسب استعدادها و منه ما كان يقال المرء علي دين خليله فاذا توارد علي المرء اسباب السماوات و الارض و ما بينهما يكتسب منها جسمه الهورقلياوي صورة فان كانت الاسباب كونية اكتسبت صورة كونية فكان زيداً دون عمرو او شرعية اكتسبت صورة شرعية فكان شقياً لا سعيداً و امثال ذلك افهم ما اقول لك فالحس المشترك من ذات نفسه بدن متشاكل الاجزاء الا انه يتلقي الاضواء و الالوان و يختص بها في العين لما يكتسب من صورة الباصرة في العين و يتلقي الاصوات في الاذن و يختص بها في الاذن و هكذا فيصير كوناً بهذا الاكتساب مميز العين و في الصور الشرعية يحتاج الي اكتسابات شرعية و امتثالات للامر و النهي و الاعتقاد فيتصور كوناً و شرعاً بصور خاصة بعد الاكتساب كما نبهتك عليه فهو كمرآة صالحة للتصور باي شكل انطبع فيها و لابد و ان‌يأخذه من هذا العالم و من هذه الابواب فان الشيء ما لم‌يأت هذا العالم و ما لم‌يتصور في هذا العالم هو في مخزن المشية و ليس فيه تعين بوجه او مخزن الارادة و ليس فيه تعين شخصي او مخزن القدر و ليس فيه تعين صوري تمييزي فاذا خرج الي هذا العالم و وقع القضاء بالامضاء تشخص الشيء بالفعل و تعين و تميز عن غيره فليس لبنطاسيا موضع يأخذ منه معلوماً معيناً و مدركاً مميزاً عن غيره الا من لوح القضاء بالامضاء و لاجل ذلك جميع تعينات عالم الغيب مأخوذ من هذه العرصة عرصة القضاء بالامضاء حتي ان تعينات العقل و الفؤاد ايضاً مما اكتسبا من هذه العرصة و ذلك سره و وجهه و قد خفي علي كثير من العالمين الا ان البنطاسيا يكتسب صورة برزخية و النفس صورة مجردة و الروح رقيقة ملكوتية و العقل معني جبروتياً و الفؤاد حقيقة سرمدية و كلها مكتسبة من هذا العالم.

فصل: اعلم انه ما من شيء مما في هذا العالم الا و هو بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فبالمشية يخلق اذكاره اي مواده النوعية و بالارادة يعزم عليه اي صوره النوعية و بالقدر يخلق هندساته اي مواده الشخصية و بالقضاء يخلق تركيبه اي صوره الشخصية فيمضي خارجاً مشروح العلل مبين

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 312 *»

الاسباب و بالاذن يخرج من الامكان الي الكون في كل مرتبة و بالاجل يحدد قوة تركيبه و ضعفه و اول كونه و منتهاه و بالكتاب يكتب في لوح الامضاء و هو قوله سبحانه و ان من شيء الا  عندنا خزائه و ما ننزله الا بقدر معلوم قال يا موسي ان خزائني بين الكاف و النون فالشيء لاتعين فيه مشخصاً محدوداً معيناً الا بعد ان‌يخرج في عرصة الامضاء و يكتب في لوحه و قبل ذلك كل شيء علي حد الابهام صالح للمحو و الارتسام فاذا خرج مشروح العلل مبين الاسباب و امضي و كتب في لوح الزمان يمحي عنه ليرسم بعده غيره و يرسم هذا الممحو في لوح الملكوت و اللوح المحفوظ فلايمحي بعد ذلك و هو قوله سبحانه يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب فيبقي في ام الكتاب محفوظاً و هو في غيب هذا العالم و هو المشار اليه بقوله سبحانه قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و هو لوح اذا توجه اليه النفس و عرفت موضع رسم ما تريد وجدته كما رأته و منه ما تتوجه في يوم السبت الي زيد يوم الجمعة وقت الزوال في المسجد و هو يصلي و تلك الصورة كانت في ذلك الوقت زمانية فمحيت عن المادة الزمانية و صارت من حيث تلك المادة بالقوة ولكن من حيث هي صورة مجردة ملكوتية محفوظة في عالمها و هي الملكوت و سر محوها من الزمان و رسمها في الملكوت ان المادة الزمانية لغلظها و كثافتها و جمودها لاتقدر علي الظهور بصورتين في آن واحد و مكان واحد فاذا كانت علي صورة و ارادت ان‌تلبس اخري لابد من ان‌تنزعها منها و تدخلها في مخزن قوتها و تستخرج عنها اخري فتلبسها اياها بالفعل و هكذا ولكن المادة الدهرية المطلقة لرقتها و لطافتها و ذوبانها و علوها عن الزمان و اطلاقها عن قيودها صالحة لان‌تلبس في آن واحد الف الف صورة من غير تمانع فتتجلي بجميع الصور الزمانية في امكنتها و اوقاتها الا تري ان جسمك الزماني اما قاعد و اما قائم و اما متحرك و اما ساكن و لاتقدر ان تكون في آن واحد قائماً قاعداً متحركاً ساكناً و اما جسدك الاصلي الساري في صغرك و كبرك و حيوتك و موتك هو قائم في محله قاعد في محله متحرك في

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 313 *»

محلها (محله ظ) ساكن في محله ناطق في محله ساكت في محله صبي في محله شيخ في محله و هكذا فالمادة الزمانية لاتتحمل صورتين في آن واحد و المادة الدهرية تتحمل الف الف صورة في آن واحد دهري فالشخص اذا تلبس بصورة و اراد لبس اخري لابد و ان‌تنزع تلك الصورة حتي‌يلبس الاخري فاذا نزعت صارت المنزوعة بالنسبة‌ اليها عائدة عن الفعلية الي القوة و هذا معني محوها ولكنها بالنسبة الي المادة النوعية لاحاجة الي نزعها حتي‌تلبس الاخري فهي متلبسة بهما جميعاً في محليهما فالصورة المنزوعة بعد النزع قائمة بالمادة النوعية في محلها و ليست قائمة بها بلاواسطة مادة شخصية بل كما تنزع الصورة تنزع مادية المادة و الصورة قائمة بمادتها و هي قائمة بالمادة النوعية الا تري انك اذا تصورت زيداً امس تتصوره كما تراه في يومك له مادة كالمادة الزمانية و له صورة اخري عليها من قيام او قعود و امثال ذلك فالصورة الشخصية ابداً قائمة بالمادة النوعية بواسطة المادة الشخصية و اما ما لم‌يأت من الصور فهي ليست بحاصلة للمادة الزمانية و لما تخرج من القوة الي الفعلية و هي بالنسبة الي المادة الشخصية قابلة للبداء و التغيير و التبديل كشمعة صالحة لان تصورها علي هيئة انسان او حيوان او نبات او غيرها و لماتصورها و هي بعد تحت اختيارك فان شئت تصورها علي هيئة اردتها و ان شئت تركتها علي حالها و لك البداء فيها كيف شئت و اما بالنسبة الي المادة النوعية فهي حاصلة لها في محالها و اوقاتها الآتية و هي صور علمية لله سبحانه يعلمها الله سبحانه انها كيف تكون و اي صورة مما في القوة تخرج الي عرصة‌ الفعلية فانه سبحانه احدي نافذ في جميع مخلوقاته باحديته لايعزب عن علمه شيء و لوح رسم هذا العلم هو المادة النوعية و هي لهيمنتها علي ما كان و ما يكون صالحة لتلبسها و بجميعها في امكنتها و هو قوله عليه‌السلام علمه بها قبل كونها کعلمه بها بعد كونها و هذا العلم هو علم الغيب الذي عنده مفاتحه اي مخازنه و اليه الاشارة بقوله عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا من ارتضي من رسول و روي ان الشهادة ما قد كان و الغيب ما لم‌يكن و هو علم ستره الله عن انبيائه و ملائكته فلا

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 314 *»

يظهر عليه احداً الا علي سبيل الوحي الخاص و اراءة اسباب الوقوع القطعية لا غير ذلك فانه بعد بالنسبة اليهم علي حد القوة و الامكان و ان كان بالنسبة اليه سبحانه علي حد الفعلية فانه احد لانهاية لوجوده فلوح المادة النوعية هو ام الكتاب و اللوح المحفوظ الذي لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها و ما من غايبة في السموات و الارض الا في كتاب مبين ثم يظهر بعد ذلك من ذلك اللوح شيئاً بعد شيء بمشيته و ارادته و قدره و قضائه و اذنه و اجله و كتابه ما يشاء في عرصة‌ الزمان كما يشاء كيف يشاء اني يشاء ثم يمحوه بعد ما اثبته ثم يعيده الي اللوح المحفوظ كما كان و بالنسبة‌ الي اللوح المحفوظ لادخول و لاخروج و لامحو و لااثبات و اما بالنسبة الی لوح الزمان دخول و خروج و اثبات و محو فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم فجميع ما كان و ما يكون بالنسبة الي علمه سبحانه ممضي بالفعل و ليس في علمه حالة ترقب و جهل و استزادة و اما بالنسبة‌ الي لوح الزمان فمشاء و مراد و مقدر و مقضي و ممضي فالبداء في المشية ما لم‌يرد و في الارادة ما لم‌يقدر و في القدر ما لم‌يقض و في القضاء ما لم‌يمض و لو ابرم ابراماً فاذا وقع القضاء بالامضاء فلابداء فبالنسبة‌ اليه سبحانه لابداء ابداً و اما بالنسبة الينا يبدو ما لم‌يكن بادياً فافهم و لسنا بصدد بيان هذه المسائل و قد تكفل بذلك ساير طروسنا و دروسنا و لاقوة الا بالله و انما المقصود هنا ذكرها علي سبيل الاشارة.

فصل: ان المدرك لما رسم في لوح الزمان و القاري له المشاعر الظاهرة كما شرحناه آنفاً و المدرك للصور المرسومة في ام الكتاب في ورقته الوسطي و القاري لها هو البنطاسيا كما ان المدرك لورقته العليا و القاري لها هو النفس الملكوتية و كما ان لهذه الورقة السفلي سطوراً سطر الاضواء و سطر الاصوات و سطر الروايح و سطر الطعوم و سطر الكيفيات الملموسة و لكل سطر لك مشعر خاص به يقرؤه كذلك للورقة الوسطي سطور و لك لكل سطر مشعر خاص به يقرؤه و ذلك ان البنطاسيا كما ذكرنا بدن كبدنك في هذه الدنيا منتشر في بدنك هذا فلاجل ذلك

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 315 *»

يكتسب من كل عضو ما يدركه و يقرؤه من حيث الاسفل و يوصلها من حيث الاعلي الي النفس فله بصر و سمع و شم و ذوق و لمس و ان كانت متعينة بواسطة مشاعر هذا البدن باكتساب الهيئات و الاصباغ كما ذكرنا و له مشاعر فلكية من قبضاته الفلکية كما ان لبدنك هذا صدراً و قلباً فله قبضة من فلك القمر من عالمه منها حيوته و قبضة من فلك عطارد منها فكره و قبضة من فلك الزهرة و منها خياله و قبضة من فلك الشمس و منها مادته الثانية و قبضة من فلك المريخ و منها واهمته و قبضة من فلك المشتري و منها عالمته و قبضة من فلك زحل و منها عاقلته و قبضة من كرسي عالمه و منها نفسه و قبضة من عرش عالمه و منها عقله و هو مركب من هذه القبضات و بها تم بدناً كاملاً و كلما يكتسب من العالم الظاهر باسفله يؤديه الي افلاكه فتلطفه الي ان‌تنهيه الي عرشه فيصير في غاية اللطافة قابلاً للعرض علي النفس فيؤديه الي المادة العليا فحينئذ يصير قابلاً لادراك النفس فتدركه كما ان الحواس الظاهرة العنصرية ما لم‌تؤد ما ادركته الي الروح البخاري الدخاني و لم‌يؤده الروح البخاري الي مقاماته الفلكية اي الدخانية التي في الدماغ و لم‌تؤده كرسويته الصدرية و عرشيته القلبية الي مطلق جسمه لم‌يعرض ما ادركه علي البنطاسيا فان اسفل مقامات بنطاسيا و هو ترابه الطف من محدب العرش و ما هو كذلك ليس يمكن اكتسابه من المشاعر العنصرية من غير واسطة ‌فافهم هذه المسائل الخفية التي لايتنبه بها الا واحد بعد واحد فينطبع شبح المرئي مثلاً في عينك كما ينطبع الشبح في الماء و المرآة ثم ينطبع منها و هي جسم كالدر في الروح البخاري القلبي و هو جسم مثله في التركيب و الفرق بينها و بين الروح هو الفرق بين بخار القِدر و الماء الذي في القدر مثلاً فينصبغ الروح البخاري و هو قبضة من فلك القمر في الجسم ثم ينطبع من البخار و الموج المكفوف في الدخان اي الروح الدخاني الدماغي و هو ايضاً منتشر في البدن و ان كان اصله في الدماغ كما مر في الخبر كما ان الروح القلبي البخاري اصله في القلب و هو منتشر في البدن و في اصطلاح المتطببين يسمي البخار القلبي بالروح الحيواني و ينتشر في البدن بواسطة الشرايين و العروق و الدخان الدماغي بالروح النفساني و ينتشر

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 316 *»

في البدن بواسطة الاعصاب و النسبة بينهما كبخار صعد من الارض بحرّ الشمس ثم اشتد عليه فجففه فصيره دخاناً لطيفاً غايباً عن درك الابصار و ذلك الدخان الدماغي له مراتب ثلث اولاً اوليها مرتبة‌ التحريك و وسطيها مرتبة‌ محل الارادة و العليا مرتبة محل الادراك و لهذه العليا مرتبتان ادناها متعلقة بالحواس الظاهرة بها ادراكها و اعلاها محال للحواس الباطنة. بالجملة اذا انطبع الشبح في الدخان وصل من اسفله الي اعلاه كما ينتشر الضوء في الهواء الي ان‌يصل الي الطف مراتبه و هو مرتبته التي فيه بمنزلة‌ العرش فاذا وصل الي تلك المرتبة اداه الي مطلق جسمه فانه قد عم و انتشر في جميع قبضاته و هو من عالم بنطاسيا اي اسفله فاداه الي عين بنطاسيا فيراه بعينه البرزخية و منه دارة الشعلة المدارة بسرعة التي تراها بعينك و لاتراها دائرة الا بهذا الترتيب فاذا وصل الشبح الي عين بنطاسيا ادته الي روحه البخاري العنصري البرزخي فاداه الي روحه الدخاني علي ترتيب ذكرنا الي ان‌يؤديه الي المثال المطلق بعد ما انتشر في جميع مراتبه فيعرض حينئذ علي النفس فتدركه بعد هذا التلطيف و التلطف بترتيب ذكرته لك فانه لايجوز الطفرة في حكمة الايجاد و القبضات الفلكية التي لبنطاسيا هي محال لاشراق النفس و فعلها و الادراك من النفس و من فعلها ولكن في بنطاسيا كما ان الادراك للروح ولكن في العين كما مر في الخبر و النفس و ان كانت مدركة بنفسها للصور لكنها محل لاشراق العقل و فعله و الادراك له و قد انصبغ في النفس و كذلك  العقل و ان كان مدركاً للمعاني ولكنه محل لادراك الفؤاد و جميع الادراك له و لذلك تقول رأيت انا و تصورت انا و علمت انا و فهمت المعني انا و ادركت الحقيقة و عرفتها انا فتنسب جميع انحاء الادراك الي من تعبر عنه بانا و هو ذلك الفؤاد و في الحقيقة هو ايضاً محل لمشية الله علي حذو ما عرفت و هو السميع البصير العليم الخبير الحكيم المدرك المحرك لاغير فافهم ان كنت تفهم فلا فاعل في العالم الا الله سبحانه و كل فاعل فانما هو فاعل بفضل فاعليته سبحانه و انما يجري هذه الكلمات علي القلم لتمام الكلام لا لبيان المرام و الكلام شجون و الحكمة فنون فلنذهب الي ما كنا بصدده

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 317 *»

فبنطاسيا له قبضات من افلاكه كما ذكرنا و هي محال لافعال النفس و اشراقها و المدرك منها هو فعل النفس الا ان لها بنفسها ادراكاً برزخياً اقوي من ادراك الروح الدخاني الزماني و هو بمشاعره السفلية و العلوية يتوجه الي مدركات عالمه و هي ما رسم في لوح الامضاء بالنسبة اليه لا الي الله سبحانه فيدرك ظواهر عالمه بمشاعره العنصرية التي من عالمها و بواطن عالمه بمشاعره الفلكية التي من عالمها الا تري انك تدرك في منامك اضواء و اصواتاً و روايح و طعوماً و كيفيات و تري نفسك في المنام تتخيل و تتفكر و تتوهم و تعلم و تعقل مثل هذا العالم حرفاً بحرف فبنطاسيا و هو البدن الظلي البرزخي هو شخص الرائي للرؤي علي ما وصفت و بينت و اوضحت و شرحت.

فصل: جميع مشاعر الانسان شهاديها و غيبيها انما يدرك ما يدرك بالانطباع ما تري في خلق الرحمن من تفاوت و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و قد حققنا في كتابنا ضياء البصاير في علم المرايا و المناظر ان الحواس الظاهرة كلها مدركة بالانطباع لاغير فاذا كان الامر كذلك فاعلم ان في حصول الصورة في المشعر علتين فاعلية و صورية فالعلة‌ الفاعلية هي صورة الشاخص المقابل يلقي شبحه في المشعر و الشبح صدوراً منه علي حسب صورة الشاخص بعينها بلاتفاوت فانه اثره و الاثر يشابه صفة مؤثره قل كل يعمل علي شاكلته و العلة الصورية هي المشعر فهو ان كان صافياً منزهاً عن الالوان و الاشكال حكي تلك الصورة علي ما هي عليه بلاتفاوت كما تحكي المرآة المستقيمة الصافية شبح الشاخص بلازيادة و لانقيصة فان كان فيها اعوجاج او صبغ غيرت الشبح الواصل اليها و بدلت فلربما غيرت تغييراً غير بعيد فيعرف و لربما غيرت تغييراً بعيداً فينكر كما تري من بعض المرايا انها تحكي صورتك اكثر صفرة في الجملة او اكثر حمرة و امثال ذلك و منها ما يري وجهك اطول قليلاً او اعرض قليلاً ولكن لاتنكره و تقول هذه صورتي و اذا رآها غيرك عرفها و قال هذه صورة فلان فلربما بلغ التغيير مبلغاً تنكر الصورة و ينكرها غيرك فلايعرفها و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 318 *»

لايقول انها صورتك و قد صنع الافرنجيون مرآةً كل‌من ينظر فيها يري فيها شبح خنزير او كلب و امثال ذلك و لايري فيها صورة انسان فكذلك الحواس الظاهرة الانسانية فان لم‌يكن فيها صبغ و اعوجاج حكت الصورة و ادركتها كما هي و ان كانت معوجة عن الوضع الالهي منحرفة عن اعتدال الحكومة ادركت الصورة متغيرة حتي تري الاحمر اخضر و الاخضر اسود و الواحد اثنين و الصغير كبيراً و هكذا فكذلك الحواس الباطنة اذا كانت مستقيمة غير مصبوغة حكت الصورة التي توجهت اليها كما هي و ان كانت مصبوغة او معوجة تراها علي حسب صبغها و اعوجاجها البتة فتشاهد و هي مخالفة للواقع فتري العدو صديقاً و بالعكس و  تري الضلال حقاً و بالعكس و الخير شراً و بالعكس و القريب بعيداً و بالعكس فحينئذ تدعي الرؤية و المشاهدة و هو علي خلاف الحق و بذلك اختلف كشوف الناس و كلهم يدعون المشاهدة و رؤياهم للامر الواحد و هو علي خلاف الحق فانها تختلف علي حسب اختلاف اصباغهم كما يأتي ان‌شاءالله و ميزان الاستواء الموازنة مع كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و سيرة الانبياء و الاولياء فان وافقهم المرآة فما يري فيها حق و الا فباطل و كذلك المكشوف ان وافق ما اقيم عليه البرهان الحق فهو حق و الا فباطل الا تري انك ميزان الصورة في المرآة التي تدعي حكايتك و صدقها فان وافقت وجهك فهي صادقة في كشفها و الا فهي كاذبة لاعبرة بها و سيأتي ان شاء الله تمام القول في ذلك في محاله. بالجملة اذا كانت مرآة الحس المشترك صافية مستقيمة و قابلت شيئاً رأته كما هو بلازيادة و لانقيصة و الا زادت فيه و نقصت و غيرت و بدلت بحسب تغير المرآة بقي شيء و هو انه قد يكون الشاخص ساذجاً ليس فيه  نقش و لا رسم كحايط ابيض عريض طويل مسطح ولكن تصنع مرآة لها اصباغ جوهرية و هيئات بالنحت فتقابل بها هذا الحائط فتري في المرآة حينئذ نقوشاً و رسوماً علي حسب ما في المرآة فان المرآة حينئذ كالقالب و الشبح كالطين فيتهيأ بهيئة القالب فاذا نظر الناظر في المرآة لم‌يعرف ان هذه النقوش جاءت من قبل الشاخص او هي من المرآة و ربما اشتبه الامر فظن انها من قبل الشاخص و هو ساذج كما عرفت

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 319 *»

و كذلك الحس المشترك فلربما يهيأه الانسان بهيئات عديدة كيف ما شاء و يجعله علي صفة انسان له الف رأس و بدن واحد او علي هيئة بحر ذهب مواج او شموس او اقمار عديدة فيقابله بالجسم المطلق الساذج عن النقوش و الرسوم فانه فوقه قادر علي التوجه اليه فينطبع مادة ما يري من قبل شبح الجسم المطلق فيتصور في بطن حسه فيظهر فيه انسان له الف رأس او بحر من ذهب يموج بعضه في بعض او شموس او اقمار او غير ذلك علي حسب ما صور حسه و ليس مما تصور في الخارج عين و لا اثر و تلك الهيئات التي تهيأ حسه عليها فانما هي مما رآه في الخارج فانا اسلفنا سابقاً انه لايتهيؤ الا بهيئة اكتسبها من الخارج فيؤلف تلك الهيئات علي حسب ما يريد فيجعل حسه كذلك لرقته و سرعة مطاوعته فيري ما يري كما يحب كمثل من يضع يده تحت حدقة عينه و يرفعها و يقلبها عن وضعها فيري الواحد اثنين.

فصل: في معني النوم و كيفيته. اعلم ان اليقظة عبارة عن توجه الروح الي ظاهر الاعضاء و استعماله اياها في حوايجها فهو لحرصه علي الاعمال يستعملها في حوائجها حتي تكل و تتعب و تعيي عروقها و اعصابها فحينئذ يتركها الروح لتستريح عن التعب و يقيم الروح الطبيعي عوجها و يثقف اودها و يمدها و يربيها و يعوضها عن ما تحلل منها فيذهب في القلب الذي هو بيت تكونه و مسقط رأسه و مولده و كرسي استقراره و يجتمع فيه و اول ما ينتزع ينتزع عن الاطراف كالارجل و الايدي ثم عن الرأس فيجتمع في القلب و يستلقي علي قفاه فتسترخي الاعضاء و تترهل و المراد بهذا الروح هو الروح النفساني لا الحيواني فان الروح الحيواني منتشر في البدن مادام الانسان حياً و لاينتزع الا عند الموت الصادق و الروح الحيواني هو الذي منه الحركة القبضية و البسطية التي يلمس في المنابض و هو لايتفاوت في اليقظة و المنام و لذلك تري الحيوانات اقل استغراقاً في النوم لضعف الروح النفساني فيها و الروح الحيواني غير منتزع و كلما كانت النفسانية اقوي كان النوم اشد فالانسان اكثر استغراقاً في النوم بل النوم حقيقة للانسان و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 320 *»

الذي للحيوان سنة و لذلك فسرنا قوله تعالي لاتأخذه سنة و لانوم انه سبحانه ليس حيوته كالحيوانات فيتوسن بل و لا كالانسان فينام بل هو الحي القيوم اي دائم القيام و شديد القيام بالامر و الربوبية بلافتور فصار ترتيب الكلام علي نهج الحكمة و لم‌يعرف وجهه المفسرون فانهم رأوا ان في الكلام المنفي يترقي من الاكثر و الاشد الي الاقل و الاضعف فيقال ليس لفلان مأة و لا واحد و ليس له ذهب و لا فضة بخلاف المثبت فانه بعكس ذلك فيقال عنده فضة بل و ذهب و له واحد بل و مأة و هذه الفقرة قد جرت في انظارهم علي خلاف ذلك فانه منفي و ترقي من الاضعف الي الاقوي فتحيروا في وجهه و قد تبين مما شرحنا انه علي نهج الحكمة فيقول ان حيوته سبحانه ليست كحيوة الحيوانات بل و لا كالانسان فالحيوان اكثر منقصة فنفي حيوته عنه سبحانه ثم ترقي فقال و لا كالانسان الذي هو عندكم شريف و قوي و اقل منقصة بل هو حي دايم القيام بالامور. بالجملة فالانسان لكون الروح النفساني فيه قوياً صار اشد نوماً فيذهب روحه النفساني المستعمل لآلاته و ادواته في اراداته و خدماته في القلب و يبقي الروح الحيواني الذي هو شعاعه في البدن و به حيوته و حركته البسطية و القبضية و لذلك روي عن ابي‌جعفر عليه‌السلام انه قال ما من احد ينام الا عرجت نفسه الي السماء و بقيت روحه في بدنه و صار بينهما سبب كشعاع الشمس فاذا اذن الله في قبض الارواح اجابت الروح النفس و ان اذن الله في رد الروح اجابت النفس الروح و هو قوله سبحانه الله يتوفي الانفس حين موتها و التي لم‌تمت في منامها الآية فمهما رأت في ملكوت السماوات فهو مما له تأويل و ما رأت فيما بين السماء و الارض فهو مما يخيله الشيطان و لاتأويل له انتهي انظر كيف فرق بين النفس و الروح و قال ان المتوفاة هي النفس و الروح باق في البدن و اصرح من ذلك ما روي عن ابي‌الحسن عليه‌السلام ان المرء اذا نام فان روح الحيوان باقية في البدن و الذي يخرج منه روح العقل فقال عبد الغفار الاسلمي يقول الله عزوجل يتوفي الانفس حين موتها الي قوله الي اجل مسمي

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 321 *»

 أ فليس تري الارواح كلها تصير اليه عند منامها فيمسك ما يشاء و يرسل ما يشاء فقال له ابوالحسن عليه‌السلام انما يصير اليه روح العقول فاما ارواح الحيوة فانها في الابدان لاتخرج الا بالموت ولكنه اذا قضي علي نفس الموت قبض الروح الذي فيه العقل و لو كانت روح الحيوة خارجة لكان بدناً ملقي لايتحرك و لقد ضرب الله لهذا مثلاً في كتابه في اصحاب الكهف حيث قال و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال أ فلا تري ان ارواحهم فيهم بالحركات فالنفس المتوفاة هي الروح النفسانية فهي التي تترك الاعضاء و تذهب الي جوف القلب الذي هو كرسي استقراره و عرش استوائه فيبقي الاعضاء ساكنة و يشايعها الروح الحيوانية ايضاً قليلاً لانه مركبها فيميل نحو القلب و لذلك يسترخي الاعضاء و يلقي البدن لايحس كالميت و اما الحيوانات فلغلبة الروح الحيواني فيها و ضعف النفساني لاتستغرق في النوم و لها حالة كالسنة تتنبه بادني شيء فلرب حيوان لاينام لاضمحلال نفسانيته و ذلك محسوس منها فاذا اجتمعت النفسانية في القلب و قطع تعلقها التدبيري عن البدن تذكرت عالمها فانها من الملكوت و ليس لها انبعاث من البدن كما روي عن ابي‌بصير عن احدهما عليهماالسلام قال سألته عن قوله و يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي قال التي في الدواب و الناس قلت و ما هي قال هي من الملكوت من القدرة فاذا تذكرت الملكوت توجهت اليه و لما كان غرضي تفهيمك اشرح ذلك في الجملة.

اعلم ان النفس لاتدخل اولاً حتي‌تخرج آخراً بل النفس قائمة في الملكوت اولاً و آخراً و ليست من اجزاء عنصرية حتي تدخل في العنصريات و تخرج عنها بل هي ابداً في الملكوت و دخولها تعلق تدبير و خروجها رفع التدبير و لذا قال ابوعبدالله عليه‌السلام ان الارواح لاتمازج البدن و انما هي كلل للبدن محيطة به و روي عن ابي‌بصير انه سأل اباعبدالله عليه‌السلام الرجل النائم هنا و المرأة النائمة يريان انهما بمكة او بمصر من الامصار ارواحهما خارجة من ابدانهما قال لا يا ابابصير فان الروح اذا فارقت البدن لم‌تعد اليه غير انها بمنزلة عين الشمس هي مركبة في السماء و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 322 *»

 شعاعها في الدنيا انتهي. و افهم المثل فان النفس في المكوت و شعاعها في الروح في البدن و معني قولي «تعلق التدبير» ليس انها تتوجه الي البدن و تستدبر عنه بل هي علي حالة واحدة و انما تعلق التدبير من اسباب سفلية و رفعه منها الا تري انك اذا وضعت مرآة ملطوخة بحاجب لم‌تر فيها الشمس فاذا ازلت الحاجب رأيت فيها الشمس فاذا عاد الحاجب لم‌تر فيها الشمس فكذلك العقل في محله فاذا كان مرآة الدماغ صافية صحيحة اشرق بالعقل و اضاء و دبره العقل و ظهر اثر تدبيره فاذا ملئ رطوبة و فسد حجبت تلك الرطوبة العقل فرفع العقل تدبيره عنه و كذلك امر النوم و رفع النفس تعلق تدبيرها عنه و توفيها فان البدن مادام هو سليماً صحيحاً غير تعبان و لاعيي و لاكسلان و لامريض حكي النفس و ظهر آثار تدبيرها فيه فيكون يقظان فاذا حصل فيه ابخرة و صعدت الي دماغه و تراكمت غيومها حجبت نور النفس عن الاعضاء فانقطع تدبيرها و صعود الابخرة اما علي نحو طبيعي و اما علي نحو خارج عن ديدن الطبيعة اما الوجه الطبيعي فان في البدن رطوبات مما يأكل و يشرب فاذا دام اشراق النفس علي البدن كالشمس في حال الصحو لطفت شيئاً بعد شيء تلك الرطوبات و بخرتها و صعدت بها الي الدماغ و ملأ فضاء البدن كالضباب المالي للجو و الفضاء فحجب بين البدن و بين شمس النفس فلم‌تشرق و لم‌تضئ البدن فغابت و رفع تدبيرها عن البدن فنام فتركد تلك الابخرة شيئاً بعد شيء و تنزل الي ان‌تقع علي ارض البدن و صحي الفضاء و صفي فبدي وجهها و وقع شعاعها فتيقظ و انتبه و قام في مرادات النفس فيبقي زماناً في الصحو و يبدأ الابخرة في الصعود الي ان‌تتراكم كاول مرة فتحجب اثر النفس ثانياً فينام و لو عرضه عارض ازداد به الرطوبات اللطيفة في بدنه و ازدادت الابخرة ازداد نومه حتي ربما يأخذه السبات فلاينتبه فيكون كالشتاء و اذا عرضه عارض قل في بدنه به الرطوبات و قلت الابخرة فلاينام حتي‌يبتلي بالسهر فيكون كالصيف و اذا كانت الرطوبات بالاعتدال تبخرت بالتناوب فيكون صحو وراء غيم و غيم وراء صحو كفصل الربيع و انما جعل الله ذلك كذلك ليستريح البدن عن التعب و يعود

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 323 *»

اليه بدل ما ذهب من قوته و يغتذي بدل ما يتحلل و يتفرغ الروح الطبيعي لتربية البدن فانه في اوقات تعلق النفس به مسخر لها تجذبه حيث تشاء فيغفل عن تدبير البدن كما ينبغي فهذا معني قولنا ان سبب النوم اجتماع الروح في القلب عند تعب الاعضاء ليعود اليها قوتها و انت تعلم ان ورود النوم امر طبيعي و ليس بارادة النفس و هواها اليه فاذا ورد لايمكنها دفعه و اذا امتنع لايمكنها جلبه فيتيقظ من غير روية و ينام في وقته من غير تدبير و هذا كان سر الامر اولاً و آخراً و اسباب زيادة الرطوبات و قلتها معلومة في الطب و لربما جاءك هنا بعض ذلك فالنفس في مكانها كالشمس و لها اشراق دايمي و البدن كالارض و الفضاء و النوم و اليقظة بتوارد الغيوم و الصحو واحداً بعد واحد و كذلك تقدير العزيز العليم فاذا حجبت الغيوم بين الشمس و بين الارض اي حجبت الابخرة بين النفس و البدن لم‌يصل من الخارج شيء جديد اليها لانسداد ابوابها فلاتؤدي العين و الاذن و الشم و الذوق و اللمس اليها شيئاً و لاتلتفت و لاتشتغل بهذه الحواس و لم‌تدرك منها شيئاً فاشتغلت بما لها و علمته في سوالف الاوقات و بما اكتسبتها سابقاً و ذلك ان النفس دائمة الدوران و دائمة الحركة لايمكنها الاستقرار و لابد و ان‌تتحرك و تتوجه الي جهة و تعمل عملاً و تدرك شيئاً و آيتها الافلاك الدوارة غير القارة فانها اشبه الاشياء بها و لامستقر لها فاذا لم‌تدرك النفس شيئاً من باب الحواس الظاهرة شغلت نفسها بالادراك بالحواس الباطنة فصرفتها نحو المثل و وجهتها الي لوح القضاء او القدر و اشتغلت بادراكها معتدلة صافية او معوجة مصبوغة و هذا الادراك منها هو الرؤيا للانسان علي تفصيل يأتي ان‌شاءالله و مرادي بلوح القضاء محل الصور التي قد خرجت في عالم الزمان و اثبتت فيه ثم محيت كما عرفت و رسمت في محل وجودها و هو محل رسمها من لوح القضاء اي اللوح المحفوظ فعرصة الصور الشخصية ماضية و آتية بالنسبة‌ الي العالي المؤثر عرصة القضاء بالامضاء و اما بالنسبة‌ الي الداني فعرصة الحال و الماضي عرصة القضاء بالامضاء و اما عرصة الآتي فانها بعد في القدر او الارادة او المشية فانها لاتعين للصور و لافعلية لها فيها و انما هي بعد في القوة و الاستعداد

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 324 *»

فعرصة المادة الشخصية عرصة القدر و عرصة الصورة النوعية عرصة الارادة و عرصة المادة النوعية عرصة المشية فالنفس اذا يأست من التصرف بالحواس توجهت الي عرصة القضاء اي الماضي و الحال او الي عرصة القدر و الارادة و المشية بالنسبة الي الآتي فادركتها علي حسب صفائها و اعتدالها كما يأتي ان‌شاء‌الله و اما سر دوام حركة النفس انها اثر المشية مخلوقة من ظلها فهي طالبة ابداً لابراز قواتها الي الفعلية كالافلاك فانها لاجل قربها من المبدء و شدة شباهتها بمؤثرها و رقة انيتها تسعي دائماً في ابراز ما جعل فيها بالقوة الي عرصية الفعلية لتكون شبيهة بمؤثرها فتتحرك دائماً و تدور علي حسب رقة انيتها و عدم حجبها اثر المبدء فلو ازداد رقتها ازداد سرعتها فالمؤثر في آن واحد في كل مكان و هذه صفته فلو قدرت هي اي الافلاك ان‌تكون في كل آن في كل مكان لكانت لكنها تمنعها عن ذلك تقيدها بحدودها فلما كانت تريد الكون في كل مكان و لو في آنات دارت ليخرج الي الفعلية ما جعل فيها كامناً من مثال المبدء فانه قد القي فيها مثاله و هو علي حسبه لاحسبها فاظهر عنها افعاله علي حسبها فانها اليد في الاظهار فالمثال الملقي في الافلاك هو في كل مكان علي حسب المبدء و يظهر عنها افعاله علي حسبها فيكون في كل موضع ولكن في الآنات اذا تعذرت الحقيقة فاقرب المجازات متحقق فافهم العبارات الظاهرة و كذلك النفس تكون دائمة الحركة لاظهار كوامن ما ابطن فيها و جعل بالقوة و الي تحصيل الاكتسابات الظاهرية او الباطنية المحمودة او المذمومة علي حسب استعداداتها فاذا عجزت عن الاكتساب من ابوابها الظاهرة توجهت الي الاكتسابات الباطنية و عملت في الباطن فادركت و توجهت و عملت و تصرفت فيها فكساها الله سبحانه و الزمها ما اكتسبها و كل انسان الزمناه طائره في عنقه بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية و يهديهم ربهم بايمانهم فافهم ان‌شاءالله ما ذكرته لك و شرحته لتفوز مع الفايزين فهذا مجمل ما اردنا ايراده في المقدمة و ان اردت التفصيل فراجع ساير كتبنا و رسائلنا و ان عييت فاسأل شفاهاً حتي اوقفك

 

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 325 *»

عليه ان‌شاء‌الله تعالي.

الباب الاول

في تقسيم الرؤيا صدقاً و كذباً و فيه تحقيقات

الاول: اعلم ان النفس اذا رفعت تعلق التدبير عن البدن و توجهت الي عالمها رأت فيه اموراً اما صادقة و اما كاذبة و من اسباب الصدق و الكذب انها لاتخلو اما ان‌تتوجه الي سماوات عالمها التي هي غيب هذه السماوات او الي ارضيها التي هي غيب هذه الارضين فان نظرت الي السماوات التي هي جهة المبدء و ليس فيها علة اخري مما يأتي رأت فيها اموراً محققة ثابتة حقة و ان نظرت الي الارضين رأت فيها اموراً باطلة مجتثة فان السماوات هي عليون و مسكن الملائكة الطاهرين المعصومين و موضع التقدير و محل افعال الله سبحانه و اراداته فما رأته النفس فيها كانت حقاً ان لم‌تكن علة اخري و الارضين هي سجين و مسكن الشياطين الفاسقين و موضع التشابه و الالتباس و الخلط و اللطخ و الاباطيل فما رأته فيها كان اضغاث احلام و كذباً لاعبرة به و يدل علي ذلك قول ابي‌جعفر عليه‌السلام في حديث مر فمهما رأت في ملكوت السموات فهو مما له تأويل و ما رأت فيما بين السماء و الارض فهو مما يخيله الشيطان و لاتأويل له و عنه عليه‌السلام ان العباد اذا ناموا خرجت ارواحهم الي السماء فما رأت الروح في السماء فهو الحق و ما رأت في الهواء فهو الاضغاث الخبر. و عن النوفلي قال قلت لابي‌عبدالله الصادق عليه‌السلام المؤمن يري الرؤيا فتكون كما رآها و ربما رأي الرؤيا فلاتكون شيئاً فقال ان المؤمن اذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة الي السماء فكلما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير و التدبير فهو الحق و كلما رآه في الارض فهو اضغاث احلام فقلت له و تصعد روح المؤمن الي السماء قال نعم قلت حتي لايبقي شيء في بدنه فقال لا لو خرجت كلها حتي لايبقي منها شيء اذاً

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 326 *»

 لمات قلت فكيف تخرج فقال اما تري الشمس في السماء في موضعها و ضوءها و شعاعها في الارض فكذلك الروح اصلها في البدن و حركتها ممدودة انتهي. المراد بالحركة الممدودة توجه الروح الي الملكوت و المراد بكون اصل الروح في البدن كون اصلها في غيب البدن لانه لم‌يحصل اسباب انقطاعها عنه بالكلية و انما حصل المانع من تدبيره للبدن فتحركت اي توجهت الي التقلب في الملكوت و قد مر في حديث ابي‌بصير في المقدمة ايضاً ما يدل علي ذلك و عن علي عليه‌السلام قال سألت رسول‌الله صلي الله عليه و آله عن الرجل ينام فيري الرؤيا فربما كانت حقاً و ربما كانت باطلاً فقال رسول‌الله صلي الله عليه و آله يا علي ما من عبد ينام الا عرج بروحه الي رب العالمين فما رأي عند رب العالمين فهو حق ثم اذا امر الله العزيز الجبار برد روحه الي جسده فصارت الروح بين السماء و الارض فما رأته فهو اضغاث احلام انتهي. و لهذا المعني تحقيق فيه تفهيم فان غرضي فهمك المطلب.

اعلم يا بني ان النفس ليست بوالجة في البدن ولوج جسم في جسم حتي‌تخرج خروج جسم عن جسم و ان النفس كما ذكرت لك في ملكوتها و هذه النفس الرائية هي النفس البرزخية اي الحس المشترك و اذا غلبت علي البدن الابخرة كما عرفت منعت من ظهور تدبير النفس كما اذا عميت العين او صمت الاذن لم‌يظهر تدبير النفس فيهما و ادراكها عنهما كما اذا انكسرت المرآة لم‌يظهر عكس نور الشمس علي الجدار و الشمس غير والجة في المرآة و لا بخارجة عنها و ولوجها تعلق تدبير و خروجها رفع تدبير فاذا رفعت النفس تدبيرها عن البدن باصطكاك ابوابها الي الخارج توجهت الي عالم المثال و البرزخ و لها جهتان جهة عقلانية و الي ربها و جهة نفسانية و الي نفسها فجهتها العقلانية و الربانية هي جهة سماواتها و قبضات سماواتها و لطائفها و سواذجها و صوافيها و جهتها النفسانية هي جهة اعراضها و عاداتها و طبايعها و شهواتها و غضبها و الحادها و شقاوتها فان نظرت الي المثل بصرافة فطرتها الاولية‌ الالهية التي خلقها الله عليها بمقتضي مشيته رأت المثل علي

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 327 *»

ما هي عليه و انطبعت في جهتها تلك و هي حصصها السماوية فرأتها في ملكوت السموات و كانت حقة كما رأت بلاتفاوت و ان نظرت الي المثل بعين جهتها النفسانية فرأتها كما اعتادت و تطبعت او اشتهت او غضبت او الحدت او بدلت فانطبعت المثل فيها متغيرة كما ينطبع الشيء في المرآة التي حكيتها لك الافرنجية فكانت اضغاث احلام و باطلاً و كذباً لاتفيد شيئا و آية ذلك انك اذا تدبرت في مسألة بعين الانصاف و محض طلب الحق وجدتها كما هي في الواقع و ان نظرت اليها بعين العادة او الطبيعة او الشهوة او العداوة او غير ذلك وجدتها علي خلاف الحق و الواقع فتري الحسن قبيحاً و القبيح حسناً و العدو صديقاً و الصديق عدواً و الضار نافعاً و النافع ضاراً فعين الانصاف عين سماوية ملكية الهية تجد الشيء بها عند رب العالمين و في السماء و تتلقاه من الملائكة و عين الاعتساف عين ارضية شيطانية نفسانية تجد الشيء بها عند الشيطان و في الارض و تتلقاه من الشياطين فكذلك اذا خرجت الروح عن البدن و نظرت في السماوات في موضع التقدير و التدبير رأت المثل مرسومة فيها علي ما شاءها الله و اراد و قدر و قضي و دبر فتكون حقة و ان نظرت في الارض رأتها متغيرة متبدلة و ذلك ان الروح لاتجد الشيء الا في نفسها و المرآة ان كانت صافية تحكي الشبح علي ما هو عليه و صفاؤها من جهتها الي ربها فان الصفاء و الصقالة من توحد اجزائها في الصفة و تشاكلها و هو اشبه بالمبدء و المؤثر المتعال فصفاؤ المرآة و خلوها عن النقائص من جهتها الي ربها و كذلك كل شيء غلب عليه جهة الرب صار صافياً صقيلاً شافاً فاذا صار كذلك صار منصفاً عدلاً و رأي كل شيء علي ما هو عليه و هذه الخصال خصال القبضات السماوية فيري ما يري في السماء و ينظر بعين سماوية اي بعين هي قبضة من السماوات و ان كانت المرآة كدرة معوجة قد لحقها الاعراض و الامراض و ضعفت بنيتها عن الدفع و مرضت ثم انصبغ الشبح فيها بتلك الامراض ادته علي خلاف ما هو عليه و كذلك كل شيء غلب عليه جهة نفسه و جهة غير ربه صار كدراً مصبوغاً

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 328 *»

معوجاً فاذا صار كذلك صار معتسفاً و رأي كل شيء علي حسب اصباغه و اشكاله و هو علي خلاف الواقع و هذه الخصال خصال القبضات الارضية فيري ما يري في اراضي نفسه و ينظر بعين ارضية اي بعين هي قبضة من الارضين هكذا اعرف يا بني معاني الاخبار و اعرف لغة آل‌محمد الاخيار عليهم صلوات الله الملك الجبار و انهم صلوات الله عليهم اهل علم و اصطلاح و قد يعبر عن ذلك و يفسر بان السماوات مواضع الارواح الصافية الملكية حملة التقدير و اصحاب التدبير و ان الشياطين ممنوعون عن السماوات برجمهم بالكواكب المضيئة و النجوم الهادية فاذا صعدت النفس الي السماوات و تلطفت حتي ساوتها و صار حيزها حيز السموات و استعلت عن منال الشياطين سكنة الهواء و الارض رأت فيها اموراً واقعية حقيقية و تلقت الامر من الملائكة الذين هم اصحاب شمعون و زيتون و سيمون حملة‌ الصور الخيالية و الفكرية فكان ما رأتها في السماوات حقاً محفوظاً عن تطرق الشياطين و الكذب و الفرية و البطلان و ان رأت ما رأت في الارض تلقتها من الشياطين حملة‌ الخيالات الفاسدة الباطلة و المحزنة انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئاً الا باذن الله بالجملة بهذه الوجوه و امثالها كلما رأت النفس في السماوات كان حقاً و كلما رأته بين السماء و الارض في الهواء و الارض كان باطلاً.

الثاني: اعلم ان من اسباب صدق الرؤيا و كذبها ان يري الانسان الرؤيا في اول الليل او في آخره في السحر فما رآه في اول الليل قبل النصف كان باطلاً اي هذا السبب من اسباب البطلان ان لم‌يمنع مانع او يكن مقتضي الخلاف اقوي فهذا السبب بنفسه من اسباب البطلان و يدل علي ذلك ما روي عن الكافي عن درست بن ابي‌منصور عن ابي‌بصير قال قلت لابي‌عبدالله عليه‌السلام جعلت فداك الرؤيا الصادقة و الكاذبة مخرجهما من موضع واحد قال صدقت اما الكاذبة المختلفة فان الرجل يراها في اول ليله في سلطان المردة الفسقة و انما هي شيء يخيل الي الرجل و هي كاذبة مخالفة لاخير فيها و اما الصادقة اذا رآها بعد الثلثين من الليل

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 329 *»

 مع حلول الملئكة و ذلك قبل السحر فهي صادقة لاتختلف ان‌شاء‌الله الا ان‌يكون جنباً او يكون علي غير طهر او لم‌يذكر الله عزوجل حقيقة ذكره فانها تختلف و تبطي علي صاحبها([1]) انتهي. و الوجه الظاهر الكاشف عن الباطن ما ذكره الامام عليه‌السلام ان في اول الليل سلطان الشياطين في الدنيا فهم غالبون في الارض و الهواء فاذا نام المؤمن و خرجت نفسه تلقتها الشياطين في الهواء فيخيلون اليه اموراً باطلة فيراها المؤمن و يحسبها اموراً واقعية فيحزن لما رأي و هي باطلة و محض تخييل من الشياطين و اما في السحر فالشياطين يضمحل سلطانهم بسبب ظهور سلطان الملائكة و ظهور الانوار و نزول ملائكة الاستجابة و الرحمة و فتح ابواب السماء و لذلك ندب المؤمنون الي ناشية الليل و التهجد و الدعاء و ملئ من الملائكة الفضاء فما رآه المؤمن بعد الثلثين فهو مما تلقيه من ملائكة الله النازلة في السماء و رأي مكتوباً في جباههم و اجنحتهم و صدورهم فيكون حقاً ان لم‌يكن مانع يعني ان هذا السبب بفرده من اسباب صحة الرؤيا ان لم‌يكن مقتض بخلافه او مانع اقوي و ًالوجه في غلبة‌ سلطان الشياطين في اول الليل ان الشمس قد عملت في الارض طول النهار و صعدت منها الابخرة و الادخنة و العفونات و الاهبية فملأت الفضاء منها و هي مسكن الشيطان و جنوده و معرسهم ففي اول الليل يكون الفضاء مطبقاً به و السماوات محجوبة بها و انوار الكواكب محجوبة بها و الآثار السماوية غير واقعة بالصحة علي طبق رضاء المؤثر فما رأته النفس في الهواء و الفضاء و في الارض كان من هذا القبيل و لاعبرة بشيء منه ابداً و اما اذا صار السحر و حدث شتاء اليوم ركدت تلك الابخرة و الادخنة و اضمحلت تلك العفونات و صحي الهواء و بدي انوار الكواكب و صدقت تأثيرات السماء في الارض صدقت الرؤياء و كان ما يراه حقاً ان لم‌يمنع من ذلك مانع آخر و يتلقي ما يتلقي من ايدي الملائكة و ما كتب في اجنحتهم في السماوات فيكون حقاً البتة.

و وجه آخر لذلك ان الانسان قد اكل اكلاً في نهاره و ليله و امتلأت معدته

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 330 *»

و عملت نفسه في بدنه طول نهاره و اشرق شمسها في اطرافه و في ارض معدته فصعدت منها ابخرة كثيرة الي دماغه كما مر و تلك الابخرة هي مساكن الشياطين و مبيتهم فتصعد الي الدماغ و تخالط الروح التي في الدماغ فتخيل اليها الشياطين صوراً و اشباحاً باطلة لا اصل لها في الخارج فتكذب الرؤيا فاذا كان السحر و تحلل الغذاء و ركدت الابخرة و صفي الدماغ و صحي فضاؤه بقي الروح علي الفطرة فينظر في الاشياء بعين الله سبحانه فيري الاشياء كما هي فتصدق الرؤيا و سبب آخر لذلك ان الانسان في النهار و ما بقي يقظان في اول الليل قد هاج في بدنه شياطين العادات و الطبايع و الشهوات و العداوات و غيرها و قد استولوا علي روحه و ان احتيوا بفضل حيوته فهم مثارون مهيجون في بدنه فاذا نام في اول الليل يخيل اولئك الشياطين المثارة المهيجة تلك الامور التي قد قيضت لها الي روحه فيراها و هي امور كاسدة فاسدة كالوساوس التي يوسوس بها في صدور الناس الخناس في النهار لابدء لها و لامنتهي و لاطائل تحتها و لاتستقصي فكذلك ما يراه النائم في اول الليل فهو من هذا القبيل بعينه مع ما يضم اليه من اسباب اخر فيري اضغاث احلام لاتأويل لها و لاخير فيها و اما اذا جاء السحر و سكنت تلك الشياطين و نسي الانسان ذلك الهوس و الوسوسة تتوجه نفسه خالصة صافية بتأييد الملائكة فتري كل شيء كما هو و هذه الوجوه لها سر احب ان اشير لك اليه لانك ولدي و لايكتم الاب الشفيق عن ولده ما يري فيه صلاحه.

اعلم يا ولدي ان الله سبحانه خلق كل شيء بمشيته التي هي في عرض ذلك الشيء و فيه و منه و حيث كونه مشية له سبحانه رأس من رؤس المشية الكلية و المشية ما لم‌تتشكل بشكل المشاء لم‌يحدث عنها المشاء المعين كما ان حركة يدك ما لم‌تتهيأ بهيئة الالف لم‌تحدث بها الالف فاذا تشكلت المشية بشكل الالف اضاءت بنور علي هيئة الالف فوقع ذلك النور علي ارض المادة المأخوذة التي منها يخلق الشيء كالمداد للالف مثلاً فيمكنه اولاً لقبول الايجاد ثم يكون منه ما يشاء فذلك النور هو آلة التمكين ثم التكوين كالحرارة العرضية الواقعة من

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 331 *»

النار علي الدهن فتمكنه للاشتعال اولاً بالتسخين و التجفيف الي ان‌يستعد لقبول الاشتعال فاذا تمكن و استعد تشعله شعلة مضيئة فتلك الحرارة العرضية هي آلة النار في التمكين و التكوين و وجه النار الي الشعلة و يدها في تدبير امرها و هي مقامها مقام الملك في تدبير المخلوق و هي غير النار الذاتية و غير الشعلة المرئية فمن زعم ان الملك هو طبيعة ذلك المخلوق او قوة منه فقد خالف الكتاب و السنة بل هو خلق برزخي بين المشية و المشاء يأخذ من المشية و يوصل الي المشاء و هو غيرهما كما عرفت روح مستقل فهم ارواح مطهرون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون اولي اجنحة مثني و ثلث و رباع يزيد في الخلق ما يشاء مستمدون ممدون مدبرون و منهم خلاقة و منهم رزاقة و منهم محيية و منهم مميتة علي حسب ما ورد في الكتاب و السنة مطابقون لمشية‌ الله متبعون لارادة الله و للخلق مقامان مقام تكوين و مقام تشريع فالمشية المتعلقة بتكوين الاشياء تكوينية و المشية المتعلقة بتشريع الاشياء تشريعية فالارواح المتوسطة ايضاً نوعان ارواح تكوينية و ارواح تشريعية و مرادي هنا بالتكوين محض الايجاد و ادخال الشيء به في عرصة الوجود و كل الخلق مشتركون في هذا الايجاد و كلهم صادرون عن مشيته و امورهم آئلة الي امره لانه سبحانه كما في الدعاء ابتدع بقدرته الخلق ابتداعاً و اخترعهم علي مشيته اختراعاً ثم سلك بهم طريق ارادته و بعثهم في سبيل محبته لايملكون تأخيراً عما قدمهم اليه و لايستطيعون تقدماً الي ما اخرهم عنه فكلهم من هذا الوجه مؤتمرون بامره منقادون لحكمه فالوسائط الذين بينهم و بين تلك المشية كلهم ملائكة معصومون طاهرون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و مرادي بالتشريع هنا الوجود الاضافي النسبي اي اذا نسب بعضهم ببعض فلهم من هذا الحيث وجود آخر صوري عارضي علي ذلك الوجود العارضي و في هذا الوجود يأتي الحسن و القبح و السعادة و الشقاوة و الخير و الشر و الجنة و النار و النعمة و الشقاء و امثال ذلك من الاضداد و الوجودات المزدوجة و لله سبحانه في ايجاد هذه الصورة لخلقه ايضاً مشية ولكن هذه المشية مشيتان

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 332 *»

مزدوجتان فالمشية المتعلقة بالابرار و الاخيار مشية محبوبة لله سبحانه قد جرت علي حسب رضاه و هي مصورة كما عرفت علي صورة محبوبة و صورة خير حتي حدثت منها الاشياء المحبوبة و المشية المتعلقة بالاشرار مشية مصورة علي صورة‌ الشر حتي حدثت منها صورة الشر و هي مشية مبغوضة مسخوطة و تسمي بالخذلانية قد جرت لا علي طبق محبته بل لاتمام الحجة و قطع العذر و تمام الكلمة كلاً نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظوراً و بين هاتين المشيتين و بين اثريهما واسطة روحانية فالواسطة بين المشية المحبوبة و بين الصورة المحبوبة روح محبوب مطيع منقاد لله سبحانه طاهر مطهر غيرهما و هو الملك التشريعي الممد المؤيد المسدد الموفق المبشر صاحب رحمة الله و عطف الله علي عبده و تلك الواسطة التي بين المشية المبغوضة و بين الصورة المبغوضة روح مبغوضة لله سبحانه هو الشيطان المضل الخاذل المفسد المقيض و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين انا ارسلنا الشياطين علي الكافرين تؤزهم ازاً و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون و استفزز من استطعت منهم بصوتك و اجلب عليهم بخيلك و رجلك و شاركهم في الاموال و الاولاد و عدهم و ما يعدهم الشيطان الا غروراً و لذلك قد ينسب فعل اولئك الملائكة و اولئك الشياطين الي الله سبحانه اذا لوحظ ان الكل بمشيته يقول الله سبحانه زينا لهم اعمالهم و زين لهم الشيطان اعمالهم و يقول يضل من يشاء و يقول و لاضلنهم و لاغوينهم فافهم هذه المشكلات التي تنحل ببركة مولانا بقيةالله صلوات‌الله‌عليه و قد بقيت مشكلة علي اقوام فالحمدلله علي ما فضلنا علي كثير من خلقه تفضيلاً و لو كنا بصدد بيان هذه المسألة لشرحناها اكثر و اتينا بآيات و اخبار كثيرة ولكن فيما ذكرنا كفاية و بلاغ لاهل التسليم. فاذا عرفت الملائكة و الشياطين فاعلم انه ما من شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن كان يزعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرك فان من خير و شر و صدق و كذب و حق و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 333 *»

باطل الا بمشيته سبحانه و يجري المحبوبات بمشيته علي ايدي ملائكته و يجري المبغوضات علي ايدي الشياطين فكل طيب و طهر و خير و نور و كمال و عدل و قسط و حق و صدق من الملائكة و هي متعلقة بالملائكة اليها تنزل و فيها تسكن و بها تتعلق و لها تحمل و بها تأنس و كل ما هي ضد ذلك فهي متعلقة بالشياطين اليها تنزل و فيها تسكن و بها تتعلق و لها تحمل و بها تأنس فلاجل ذلك صارت السموات مأوي الملائكة و الارضون مسكن الشياطين فاذا خطر ببال الانسان من خير فهو من القاء الملائكة و قد تلقاه من الملائكة و سكنة السموات و كل ما خطر بباله من شر فهو من القاء الشيطان و قد تلقاه من الشيطان و كل حادثة جرت في العالم علي نحو الخير فهي بسبب الملائكة و علي ايديهم و كل حادثة جرت علي نحو الشر فهي بسبب الشياطين و علي ايديهم و جميع ما هو من العادات و الطبايع و الشهوات و الغضب و الالحاد و الشقاوات و الامراض و السوء و الابخرة و الادخنة و ما منه ستر الانوار و الجهل و اللبس و الخطايا و امثال ذلك فهو من الشياطين و اضداد ذلك من الملائكة فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان في اول الليل عند صعود الابخرة و الادخنة في العالم او في البدن بسبب الاكل و الشرب و الخواطر غير المنسوبة الي الله سبحانه كلها سلطان الشياطين و غلبتهم و السحر عند ركود الابخرة و الادخنة في العالم و في البدن و هدوء الخواطر السيئة و خنوس الوساوس الردية و الاحاديث النفسية سلطان الملائكة و حال نزولهم بالرحمة و البركات و الخيرات و استجابة الدعوات و الالهامات و الفيوض و امثال ذلك فافهم يا بني فقد علمتك حاق الواقع و اسقيتك ماءً غدقاً و ما زويت عنك شيئاً يصلحك و يزيد في علمك و يبصرك و لاحرمتك عن العلم و المعرفة فالرؤيا التي يراها الانسان في اول الليل من الوساوس الشيطانية و ما يراه قبيل السحر فهو من الهام الملائكة و قد زعم القوم ان ما يراه الانسان في الفجر و اول النهار فهو حق و ما اري ذلك قولاً وثيقاً فان من نام عن صلوته و نام بين الطلوعين و اول طلوع الشمس فان ذلك من استيلاء الشيطان عليه و لولا انه نوم شيطاني ما نهي

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 334 *»

عنه الشارع صلوات‌الله‌عليه فلاعبرة برؤيا من انامه الشيطان و الهاه عن ذكر الله سبحانه و النوم في الاوقات المنهية مضر ممرض فكيف يكون ما يراه المريض حقاً و هو بالهذيان اقرب فعن ابي‌عبدالله عليه‌السلام ليس من عبد الا يوقظ في كل ليلة مرة او مرتين او مرارا فان قام و الا فجاء الشيطان فبال في اذنه أ و لايري احدكم انه اذا قام و لم‌يكن ذلك منه قام و هو متحير ثقيل كسلان انتهي و ذلك الشيطان هو شيطان الليل و يسمي بـ«الزها» كما روي عن ابي‌جعفر عليه‌السلام و هو الذي يخدع الانسان كلما يتنبه و يقول لم‌يأن لك حتي يطلع الفجر ثم يبول في اذنه و يمصع بذنبه فخراً و يصيح و هو الذي يناجي الانسان في نومه بما يكره ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئاً الا باذن الله و عن ابي‌الحسن الاخير عليه‌السلام اياك و النوم بين صلوة الليل و الفجر و لكن ضجعة بلانوم فان صاحبه لايحمد علي ما قدم من صلوته و عن الصادق عليه‌السلام نومة الغداة مشومة تطرد الرزق و تصفر اللون و تقبحه و تغيره و هو نوم كل مشوم و روي ماعجت الارض الي ربها كعجيجها من ثلث دم حرام يسفك عليها او اغتسال من الزنا و النوم عليها حتي تطلع الشمس و عن الباقر عليه‌السلام النوم اول النهار خرق و القائلة نعمة و النوم بعد العصر حمق و النوم بين العشائين يحرم الرزق و قد ذكرنا الوجوه الطبيعية للمنامات المكروهة في كتابنا حقايق الطب فان شئت فراجع. بالجملة الرؤيا في المنامات المكروهة كاذبة فانها من القاء الشياطين و وساوسهم نعم بعد الثلثين من الليل تصدق الرؤيا اذا لم‌ينم عن صلوة الليل و احسن من الكل الرؤيا في وقت القيلولة قبيل الظهر كما روي قيلوا فان الشيطان لايقيل و عن مجالس الصدوق في حديث ان الحسين عليه‌السلام نزل العذيب فقال فيها قائلة‌ الظهيرة ثم انتبه من نومه باكياً فقال له ابنه ما يبكيك يا ابه فقال يا بني انها ساعة لاتكذب الرؤيا فيها و انه عرض لي في منامي عارض فقال تسرعون السير و المنايا تسير بكم الي الجنة الحديث. و عن الصادق عليه‌السلام اسرعها تأويلاً

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 335 *»

 رؤيا القيلولة. بالجملة اول الليل الابخرة و الادخنة في الهواء كثيرة و الشياطين متعلقة بها و تدخل جوف الانسان و تخالط روحه و تصعد الي دماغه و تخيل اليه اموراً باطلة و كذلك الخيالات و الوساوس الشيطانية التي كانت له في النهار باقية في صدره الي الثلثين من الليل و هي متعلقة بروحه و ابخرة الاغذية و الاشربة موجودة في بدنه و كل ذلك مراكب الشياطين فيخيلون اليه اموراً باطلة فلا خير فيها و لما كان غرضي تفهيمك و تلقينك الحكمة لابد و ان‌اذكر لك ان الابخرة كيف تصعد الي الدماغ و تصير منشأ تلك الصور التي يراها الانسان في منامه و الشياطين كيف تمثل له بتلك الصور. اعلم يا ثمرة فؤادي ان الغذاء اذا ورد البدن بعد ما يقضمه الانسان باسنانه و يمزجه بلعابه و نزل الي المعدة و صب عليه الماء و عمل فيه حرارة البدن و المعدة انحل بهاضمتها التي هي من الحرارة و الرطوبة ككشك الشعير ماءً غليظاً كالرب فجذبت الكبد من عروق دقيقة منها الي المعدة تسمي بـ«ماساريقا» منه ماء فيه قوي تلك الاغذية حتي يبقي في المعدة فضول ذلك الكشك كالعجين فينحدر الي المصارين فينصب من المرارة الي الامعاء المرة لتنبه الانسان للدفع و يقوم اليه فيصفر و لما كان روحه و محل الحرارة الغريزية فيه ذلك الماء الذي ذهب الي الكبد و قد خرج عنه و مات نتن تلك الفضلة و خرجت منتنة ثم ذلك الماء الذي خرج من الغذاء و ذهب الي الكبد يعمل فيه الكبد بهاضمتها و تنضجه نضجاً و تحله حلاً طبيعياً و تميز منه فضولاً اخر دهنية فتبعثها الي المرارة و مائية بورقية فتبعثها الي الكلية و ملحية فتبعثها الي الطحال و يبقي الجوهر الياقوتي الناضج الصافي الخالص و هو الغذاء المشاكل فتبعث اعدله الي القلب فيعمل فيه القلب بحرارته فهنالك يصير كالدهن في السراج و يتكلس بحرارة‌ القلب و يتبخر كالدخان الحاصل من الدهن بحرارة النار فهنالك تشتعل فيه الحرارة الفلكية المنبثة في العالم بواسطة انوار الكواكب و شعلاتها فيحيي و يتحرك بالقبض و البسط كما حققناه في ساير كتبنا فيصير حيواناً و يجري ذلك البخار في الاوردة النابتة من القلب المنبثة في البدن و يحيي البدن و هذا الحيوان

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 336 *»

في شكله و طبعه تابع لذلك الدخان و البخار و الا فالحيوة الفلكية من حيث الفلك لاتعين فيها لحيوان من الحيوانات و ليست بسبع و لابهيمة و لاطير و لاانسان و انما يحدث هذه الصور من البخار فانه ان كان ذلك البخار صفراوياً صار سبعاً او بلغمياً صار سمكاً او ترابياً صار بهيمة او هوائياً صار طيراً او معتدلاً صار ناطقاً ثم اختلاف اشكالها علي حسب اختلاف اجزاء البخار كماً و كيفاً و اختلاف البخار من اختلاف المادة المأخوذة في تكون اصل البنية و هي بعد خميرة ما يرد عليها فتغيره و تحيله علي حسب طبعها كما يحيل الثدي الدم الي اللبن و اوعية المني الي المني و اذكر المسائل بالاجمال و الاشارة لاني ذكرتها في غير هذا المحل بالتفصيل ثم يصعد ذلك البخار بغلبة الحرارة عليه الي الدماغ دخاناً احر و ايبس مما كان فيقوي اثر الافلاك فيه لشدة‌ التشاكل فيشتعل هناك بنفوس الافلاك متخيلاً متفكراً متوهماً عالماً و عاقلاً و امثال ذلك و يختلف ظهور هذه القوي فيه بحسب اختلاف مزاج الدخان و لذلك تري الناس في هذه القوي مختلفة و الا فهذه القوي من الافلاك ليست بمختلفة و لا بمتعينة و لا بمتخصصة بواحد غير واحد فمن كان دخان رأسه صافياً معتدلاً ليس يغلب عليه طبع دون طبع و يكون كالمرآة الصافية المستقيمة هو الحاكم بالحق و القسط فاذا تخيل امراً تخيله علي ما في الواقع و اذا تفكر وجد الامر كما في الواقع و هكذا اذا استعمل ساير قواه و اذا كان ذلك الدخان غير معتدل و غلب عليه لون و فيه كثافة و اعوجاج كلما انطبع فيه من الخارج كان علي حسب صبغه كالمرآة المصبوغة العوجاء فهو الحاكم الجاير و المعتدل الحقيقي هو المعصوم و هو بشر سماوي و روحه الدخاني كالسماء المصونة عن صعود شياطين الاصباغ و الانحرافات الصاعدة من ارض الطبايع فهو ملكي الصفات سماوي السمات و هو الميزان الحق العارف بالاشياء بالحق الناطق بها بالصدق لايتطرق فيه الشيطان و كل من سواه منحرف عن الاعتدال ففيهم تطرق الشياطين و تصعد الي سموات دماغهم و تسترق السمع و ليس فيهم شهب لانه لم‌يبعث نبي عقلهم و لم‌يستول علي ملك بدنهم و لم‌يمنع الشياطين عن سماوات دماغهم فيأتون باخبار كاذبة و يخيلون اليه اموراً باطلة اللهم الا الاقلين و هم اكابر

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 337 *»

الشيعة و آحادهم الذين حفظ الله قلوبهم و صدورهم عن تطرق الشياطين ببركة ولاية ساداتهم الا ان المؤمنين محفوظون عن ضرر الشياطين و ليس بضارهم شيئاً الا باذن الله و اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون فكل ما ظهر في الناس من خلاف الاعتدال فانما هو من الشيطان فاعلم يا بني انه كما كان الحيوان من حيث الفلك لاتعين فيه و انما التعين من الدخان الذي هو الروح الطبيعي و باختلاف الروح الطبيعي صار الاسد اسداً و الغنم غنماً كذلك في الانسان اذا بلغ الانحراف مبلغاً صار علي جهة الضد مع المؤمنين و الاولياء تعين تلك الحيوة فيهم بالشيطانية و هو قوله سبحانه شياطين الانس و الجن و قوله الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس فيكون ذلك الدخان المحيي شيطاناً بنفسه و ان كان ذلك الدخان مشاكلاً للاولياء و الانبياء تعين الحيوة فيه بتعين الايمان و تعين بالانسانية فكان انساناً و مؤمناً قال عليه‌السلام الناس كلهم بهائم الا المؤمن و قال الله تعالي ان هم الا كالانعام بل هم اضل فافهم ما اقوله لك فالشيطان ذاتيه الشيطنة ثم بالعرض قد يفعل خيراً و غايته الشيطنة و المؤمن ذاتيه الايمان و قد يفعل شراً بالعرض و سيغفر له و ليس بضارهم شيئاً ثم ان الانسان اذا صار انساناً بحسب الظاهر كائناً ما كان ربما يحدث في بدنه اخلاط منحرفة ممرضة في عضو من اعضائه و عملت فيه الحرارة و هي فاسدة فبخرتها بخاراً منحرفاً فاسداً اشتعل فيه من روح الانسان روح كما يشتعل الدخان الصاعد عن الفتيلة المطفية اذا قرب من السراج فيحيي ذلك البخار في بدن الانسان اين ما كان و هو شيطان له حركات و اقوال منحرفة لا خير فيها اما تري المرضي يهجرون و لهم قلق و كرب و سوء خلق كل ذلك من حركات ذلك الشيطان حتي ان الصداع شيطان و الشياطين كالاناسي منهم اعمي و منهم بصير و منهم اصم و منهم سميع و منهم ناطق و منهم ابكم منهم حليم منهم غضوب منهم مدار و منهم طاش منهم كسلان و منهم فاره و هكذا و كلهم يفعلون مايفعلون لغير الله و كل من يعمل عملاً علي خلاف الحكمة و خلاف الشريعة المطهرة التي هي طريق العدل و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 338 *»

الحكمة و الانصاف او يقول قولاً علي خلافها فانما ذلك من الشيطان الساكن في بدنه فكل الناس ممسوسون بالشياطين مخبطون بالابالسة ولكن لايشعرون فاذا اكل الانسان و شرب زايداً صعد مما اكل و شرب في بدنه ابخرة و تحيي بفضل حيوته شيطاناً كسلاً نواماً غبياً بليداً و ينتشر ذلك الشيطان في بدنه و يمنعه عن الخير و ذلك باق الي ان‌يركد ذلك البخار فيموت ذلك الشيطان فينشط الانسان للخير و العبادة و يزداد فهمه و علي هذه فقس ما سواها فاذا عرفت الحق فاسع في متابعة الشريعة الغراء المطهرة فانها سبب هلاك الشياطين و الابالسة و زيادة الملئكة و نزولهم علي الانسان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اولياؤكم في الحيوة الدنيا و في الاخرة و اهل الحق لما كان نظرهم الي الارواح قالوا ملائكة و شياطين و اهل الحكمة الطبيعية غافلون عن الارواح فقالوا بخار و دخان و انا لما اردت تفهيمك عبرت بذلك و لما عرفت الملك و الشيطان فعبر بتعبير الانبياء و الاولياء فانه الحق الا تري انك اذا نظرت الي انسان جاء قلت انسان جاء مثلاً و من لاخبرة له بحيوته و انسانيته يقول اري جسماً تحرك او لحماً تحرك و هو لاعلم له بحيوته التي في جسمه ففي اول الليل تلك الابخرة التي هي محال الشياطين تصعد الي دماغ الانسان و الشياطين راكبة فيها فتدخل دماغ الانسان و تمتزج الروح التي في الدماغ و تعوجه و تصبغه و تنطبع اشباحها في الخيال و الحس المشترك و تلك الشياطين علي هيآت مختلفة و تنطق باقوال و تتحرك بحركات متفاوتة فيدركها الانسان و يراها رؤيا فامثال هذه الرؤي لاعبرة بها ابداً و انما هي مثل ما يراها صاحب السرسام من الصور و ربما تكون مهولة و ربما تكون مأنوسة محبوبة او مبغوضة منكرة و كذلك الابخرة الصاعدة في العالم تركبها الشياطين لما حييت بشعلات الكواكب في الجو و تصعد الشياطين و تطير في الهواء و تذهب صاعدة الي السماء فان صعدت الي قرب الفلك و كرة النار احترقت تلك الابخرة و رجمت بشعلات الكواكب فاحترق ذلك الشيطان و مات و وقع علي الارض

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 339 *»

ففي اول الليل الشياطين المنبثة في العالم تدخل ابدان الناس من طريق التنفس و يصعدون الي دماغهم و يمازجون ارواحهم و مشاعرهم فيخيلون اليهم اموراً باطلة كما عرفتك فلاعبرة بخيالات اول الليل و لاعبرة برؤياهم هذا و الناس كلهم مملوون من الشياطين من هذه الوجوه و من وجوه اخر و لربما يكون انسان لايصدق رؤياه و لو في السحر فان شياطينه لم‌تمت و لم‌تركد كما يأتي و اسباب صدق الرؤيا و كذبها كثيرة و ما ذكرنا في هذا الفصل بعضها.

الثالث: و يختلف صدق الرؤيا و كذبها بحسب غلبة الاخلاط و الامراض في البدن هذا و ان ظهر مما بينا في الفصل السابق في الجملة الا اني اردت ان‌افصله في هذا الفصل فاقول ان الاخلاط اذا غلب بعضها علي الانسان غلبة ممرضة تعلق به شيطان من جنسه فان من الشياطين منهم سكنة النار و من الشياطين منهم سكنة الهواء و من الشياطين منهم سكنة الماء و من الشياطين منهم سكنة التراب فاذا غلب علي الانسان الصفراء غلبة ممرضة تعلق بها شياطين هم سكنة النار فاغلب ما يخيلون اليه النار و البرق و الشعلات و الاشياء الصفر و الحروب و الجدال و النزاع و الطيش و الغضب و التطيرات و التوحشات و الاسلحة و السباع و امثال ذلك مما ذكرناه في كتابنا اسرار النقاط و اذا غلب علي الانسان الدم غلبة ممرضة تعلق به شياطين هم سكنة الهواء فاغلب ما يخيلون اليه الجروح و القروح و الدم و الاشياء الحمر و النكاح و العشق و المحبة و الانس و الالفة و الشجاعة و الطيران في الهواء و الطيور و الرياح و امثال ذلك مما ذكرناه في ذلك الكتاب و اذا غلب علي الانسان البلغم غلبة ممرضة تعلق به الشياطين المائية سكنة الماء فاغلب ما يخيلون اليه الثلج و المطر و البحار و الانهار و الوحل و الاشياء البيض و النسوان و المفاكهة و الاشياء اللينة و الاشخاص الجميلة و السمك و امثال ذلك مما هو مذكور في ذلك الكتاب و اذا غلب علي الانسان السوداء غلبة ممرضة تعلق به الشياطين الترابية

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 340 *»

سكنة التراب فاغلب ما يخيلون اليه المواضع الضيقة المظلمة و السجون و المحابس و القيد و الغل و الاشياء السود و الضباب و الظلمة و الصور المهولة و الاجنة و الحيات و الديدان و ذوات الحمة و الوحشة و امثال ذلك مما هو مذكور في ذلك الكتاب فاذا اتاك آت برؤياً و تفطنت من هيئته و احواله و سابق علمك به انه قد غلب عليه احد هذه الاخلاط كماً او فسد عليه كيفاً و ذكر رؤيا مما يناسب ذلك الخلط فلاتتصد لتعبيرها و تأويلها فتقع في الخطا و لاتقل ان رؤياك كاذبة من هذه الجهة ‌او هي من الشيطان فتؤذيه بل اسكت عنه او قل الله اعلم او سوف اتفكر فيه ان‌شاءالله و اجبه بالتي هي احسن و اعلم  انه لاتأويل لها و انها قد نشأت في خياله من تخييل الشيطان فلاجل ما سمعت و ستسمع قلما يصدق رؤيا الناس و لاعبرة برؤيهم كما لاعبرة بخيالاتهم. و اعلم ان اصح الناس خيالا في اليقظة اصحهم رؤياً و اشدهم تشوشاً في الخيال في اليقظة و الوساوس اكذبهم رؤياً لان الخيالات مخرجها مع مخرج الرؤيا واحد و اسبابهما من نوع واحد و قل في الناس من يعتبر خياله و يمكن ان‌يعتني به و كذلك رؤياهم فاغلبها اضغاث احلام و لا اعتناء بها و ليست بقابلة للذكر و التأويل فعن الصادق عليه‌السلام في حديث مفضل قال: فكر يا مفضل في الاحلام كيف دبر الامر فيها فمزج صادقها بكاذبها فانها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم انبياء و لو كانت كلهاتكذب لم‌يكن فيها منفعة بل كانت فضلاً لامعني له فصارت تصدق احياناً فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي لها او مضرة يتحذر منها و تكذب كثيراً لئلايعتمد عليها كل الاعتماد الخبر. و روي اكثر المنام رأي الاحلام فاغلب الرؤيا اباطيل اضغاث احلام لاخير فيها و لايعتمد عليها اللهم الا ان‌يجتمع شروطها اتفاقاً كما يأتيك.

الرابع: و قد يختلف الرؤيا بحسب الليالي و الايام المتبركة و غير المتبركة فان بعض الليالي و الايام فيه ظهور آثار الربوبية و نزول الرحمة و الملئكة و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 341 *»

البركات السماوية كليالي القدر و ليالي الجمعة و ليالي شهر رمضان عموماً و ساير الليالي و الايام المتبركة المندوبة فيها العبادة و الطاعة و زيارة الائمة عليهم‌السلام و امثال ذلك و بعضها فيه سلطان الشياطين و هو منحوس قد امر بالحذر عنه كاول الشهر و نصفه و آخره و المحاق و يوم الاربعاء و ايام الكوامل و امثالها فانها تختلف البتة و كذا الليالي و الايام التي يقع فيها قران منحوس او نظر منحوس او يسوء فيها حال الشمس و القمر و الزهرة كوكب الخيال و عطارد كوكب الفكر او يكون كسوف او خسوف او رياح او زلازل او نزول عذاب او برد في غير محله او حر في غير اوانه او عفونة في الهواء و وباء و طاعون او يكون القمر في وباله و الطريقة المحترقة او القمر في العقرب و امثال ذلك مما يورث تغيراً في الهواء و كرباً و وحشة و فزعاً و امثال ذلك فان في جميع هذه الاحوال تستولي الشياطين علي العالم و يستولون علي الخيالات و يخيلون الي الناس في يقظتهم و نومهم اموراً باطلة و لاعبرة بخيالاتهم و السبب في استيلاء الشياطين في هذه الاوقات ما مر نوعاً ان كل امر يجري في العالم علي خلاف الفطرة علي نهج الكراهة لله سبحانه من عذاب او خذلان و بمقتضي المعاصي و السيئات فانه بمشيته سبحانه المكروهة و ظل تلك المشية روح سفلي و شيطان هو يد لله سبحانه كوناً و ان كان ذلك الروح مبغوضاً لله سبحانه شرعاً و لاينافي كونه يداً ان‌يكون معذباً بالنار مع قرنائهم الاشرار فان الشيطان قد عصي الله سبحانه في وجه محبته و رضاه في التشريع و يستحق العذاب و انما اعطاه الله سبحانه الروح الخبيث بمقتضي سؤاله و قابليته و كون الشيء مخلوقاً لله بمشيته و يداً له في الكون لاينافي كونه معذباً في الشرع كما حقق في محله الا تري ان الكافر يقتل مؤمنا و الله يتوفي الانفس حين موتها و يعطي صدقة و الله يرزق من يشاء ما يشاء و ينصر مؤمناً و ليس له من دون الله ولي و لا‌‌نصير و امثال ذلك و كذلك الشيطان يصير فعله فعل الله كوناً و ليس هو و لافعله بمرضي لله شرعاً فيكون معذباً و تفصيل ذلك  مذكور في ساير كتبنا و لعلك قد حزته منا و مر هنا ما يدل علي ذلك بالجملة كل يوم و ليلة فيه سلطان الملئكة و نزول رحمة و ظهور آثار سلطنة

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 342 *»

الله و رحمة الله و غفران الله فيكون الرؤيا فيه ان لم‌يكن مانع آخر صادقة و ان كان فيه ظهور سلطان الشيطان و نزول نقمة و عذاب و تغير في الهواء فالرؤيا فيه كاذبة ان لم‌يكن مقتض آخر للصدق اقوي فالملئكة تنزل مع شعلات الكواكب بالرحمة اذا كانت علي نهج القوة و الفرح و الاعتدال و الخير و النفع و تنزل بالسخط اذا كانت بخلاف ذلك و تغتنم الشياطين اذا رأوا الملئكة قد نزلت بالنقمة و العذاب علي اهل الارض فيعلمون ان الملئكة لاتمنعهم عن اذي الخلق و اغوائهم و اضلالهم و اهلاكهم فيقومون بطراً و يركبون مراكبهم و يجولون في اطراف العالم و يمصعون باذنابهم و يصيحون و ينحزون و يصفقون و يفعلون ما مكنوا منه فلاعبرة بالرؤيا في تلك الاحوال و اما الاوقات المتبركة فتنزل الملئكة بالرأفة و الرحمة علي العباد فاذا رأوا الشياطين ذلك علموا انهم ممنوعون من بني‌آدم و لايتمكنون منهم و لو خرجوا يحترقون بانوار الملئكة و ان الرحمة اكتنفتهم و الملئكة احاطت بهم و الانوار قد غطتهم فييأسون عن اضلالهم فيحتجبون بجحورهم كيلا يحترقوا فيصدق الرؤيا في تلك الاوقات هذا و احوال العالم اذا صلحت و الاوضاع الفلكية اذا اعتدلت تؤثر في الابدان و النفوس فتصلح المزاج و تعدله فيجري علي الاستقامة و الوضع الالهي المحبوب فيتوجه النفس الي المثل المكتوبة في الواح السماوات و الارض فتراها كما هي و يصير نظرها سماوياً و اذا فسدت الاحوال و الاوضاع و جرت بالنقمة تفسد الامزجة و تخرجها عن الوضع الالهي المحبوب فيفسد مشاعرهم و تعتل فلاتدرك تلك المثل بحقيقتها و يصير نظرها في الارض منكوساً فيري اموراً باطلة كاذبة كما اشرنا اليه و اني لم‌اترك شيئاً بقدر عربی جهدي الا و قد اشرت لك اليه كيلا تجهل حقيقة الامر.

الخامس: و قد تختلف الرؤيا بحسب  الامكنة فان من الامكنة ما هو مسكن الشياطين كالكناسات و المزابل و المقابر و المواضع القفرة و المظلمة و النجسة و منها الفراش النجس الكثيف و اذا نام وحده و بيت فيه كلب او خنزير او كافر

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 343 *»

او خمر او يشرب فيه الخمر او يعصي فيه كثيراً و امثال ذلك فان في هذه الامكنة سلطان الشياطين و هي مقيلهم و مسكنهم ومأواهم فلو نام الانسان في هذه الامكنة تعلقت به و دخلت في بدنه و عروقه و تعلقت بارواحه و صعدت الي دماغه و خيلت اليه اموراً باطلة و افزعوه و ارعبوه و اوحشوه و اروه صوراً باطلة و من الامكنة ما هو مهبط الملئكة و منزل الرحمة كالمشاهد المشرفة و المساجد و المواضع الطيبة الطاهرة و منها الفراش الطاهر و بيت ليس فيه كلب و لا خنزير و لا كافر و لا اناء بول و امثال ذلك فان فيها تنزل الملئكة بالرحمة لاسيما اذا كان يقرأ فيها القرآن و الدعوات و يتطيب بالطيوب و يعلق فيها احراز و عوذات و قرآن و امثال ذلك بشرط ان‌ لاينام في ذلك البيت  وحده فان الشيطان يكون قريباً من الذي ينام وحده و يلعب به و ملعون من نام في بيت وحده ففي هذه الامكنة اذا رأي الانسان رؤياً تكون معتبرة ان لم‌يمنع عنه مانع آخر و اما الامكنة الاولي فحرية بان‌تكذب فيها الرؤيا و تكون باطلة و لااستحسن النوم مع جنب او حايض و لا استأمنه من تطرق الشياطين بل مطلق المرأة خاصة غير المأمونة فانها محل الشيطان بالجملة هذه الاسباب ايضا مما يختلف بسببه الرؤيا اختلافاً فاحشاً. و اعلم ان المقتضيات للشيء الواحد في الدنيا كثيرة و الموانع عنه كثيرة كما قد رأيت في کتابنا اسرار النقاط و سمعت من علم النجوم و لابد للانسان من ملاحظة جميع ذلك و مقابلة المقتضيات بالموانع و الحق المحض ما خلص من الموانع بالكلية و حصلت له المقتضيات و الباطل المحض ما حصل له الموانع و  عدم فيه المقتضيات فاذا اختلطا يكون الامر بين بين و ان كان الاغلب اقوي و اكثر عربی جراً الي جانبه ولكن الله سبحانه لايحرم المانع الضعيف عن مقتضاه بوجود  المقتضي القوي و لايمنع المقتضي الضعيف عن رحمته بواسطة وجود المانع القوي بل يعطي كل ذي حق حقه فافهم ذلك و اجره في كل مقام و لاتحكم ابدا بالصرف عند الشوب و غلبة جهة فان الله ذو الفضل العظيم و قل‌ما يوجد في الدنيا صرف قال علي عليه السلام ما معناه لو خلص الحق لم‌يخف علي ذي‌حجي و لو ان الباطل خلص لم‌يخف علي عاقل ولكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 344 *»

فيأتيان جميعاً ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و الدنيا كذلك مادامت دولة الباطلة قائمة فاذا صار الرجعة و قتل الشيطان عند الروحا في الوقت المعلوم خلص العالم عن شوب الباطل و ظهر امر الله و اما هذه الايام فامر محكم و قضاء مبرم و لم‌يرد الله الا هكذا حتي‌يبلغ الكتاب اجله فراع المقتضيات و الموانع ان احطت بها خبراً و احكم لكل بقدره و لما كانت المقتضيات لاتحصي و الموانع لاتستقصي لارتباط جميع اجزاء هذا العالم بعضه ببعض صار هذه العلوم علي ما تري كثيرها لايدرك و قليلها لاينفع ولكن قليلها لاينفع في جلب نفع محذور او دفع بلاء مقدور و في الحكم علي النتيجة بالبت و القطع ولكن في العلم بالاسباب و العلل ينفع و ينفع و الحكيم ليس بحكيم حتي‌يفهم هذه المسائل حق الفهم و يعرف حقايق الاشياء فلاتملن عن اخذ العلم بالاسباب و العلل اذا لم‌تصب النتيجة فانك ان لم‌تصب النتيجة المطلوبة ظاهراً اصبت معرفة حقايق الاشياء و ينفعك في معرفة ربك و في ساير العلوم العقلية الكلية التي ليس لها اعراض و اسباب مختلفة و هي تجري علي القطع و اليقين.

السادس: و تختلف الرؤيا بحسب الاحوال فان الانسان اذا نام علي طهارة ظاهرية و باطنية مستقبل القبلة ذاكراً لله سبحانه متوجهاً اليه و قد استغفر لذنوبه و تطهر بماء التوبة من اقذار الخطيئات و ذكر الله حتي غلب عليه النوم و اسكته و استعاذ بالله من الشيطان و احترز بالاحراز المأثورة و استعاذ بتعويذات مروية ‌و قرأ القرآن و احتجب به عن شر الشياطين لاسيما آية السخرة فانها آية لله سبحانه في هذا الامر و نام علي ذلك و هو مستكمل ساير الشروط و استتمها بهذا الامر ان كان فيها نقص فان هذا اقويها فانه يصدق رؤياه و يصعد نفسه الي السموات البتة و يري ما يري في السموات و يحف به الملئكة و تمنعه عن الشياطين فلايدخلونه و لايلعبون به لاسيما اذا كان خفيف البطن صائم النهار قائم الليل في وقت صلوة الليل و اما اذا نام علي غير طهارة و علي غير ذكر و توبة و قرائة و استعاذة و لاسيما وحده او في بيت وحده او ممتلي البطن فان ما يراه اضغاث احلام اللهم الا ان‌يمنعه

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 345 *»

مانع و اعلم هذه الاسباب في هذه العلوم كالطب فانه يقال ان الدارصيني يسخن يعني هو  وحده طبعه كذا و اما اذا خلطه شاربه باضعافه ماء الحصرم فانه لايحس له بسخونة البتة و يقال ان الدواء الفلاني مسهل لكن اذا خلطه باضعافه افيون ليس يظهر له اسهال و كذلك الاعمال الشرعية و الثوابات الموعودة لها و العقابات المذكورة فيها و الا يلزم التناقض في اقوال الحكيم و الحكيم ليس يخالف كلام منه كلاماً آخر اعتبر من قول الامام في شرح قوله تعالي و من يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم يقول ان جازاه و كذلك هذه الاسباب تقتضي ذلك يعني لو لم‌يكن مانع و الموانع و المقتضيات للاشياء لاتحصي و لايقدر علي موازنتها كلها و استخراج النتيجة منها الا من يحصي الخلايق اجمعين و احصي كل شيء في امام مبين و يضع الموازين القسط ليوم القيمة.

السابع: عن المجالس باسناده عن ابي‌هريرة عن النبي صلي الله عليه و آله قال: اذا تقارب الزمان لم‌تكذب رؤيا المؤمن و اصدقهم رؤياً اصدقهم حديثاً و روي اذا اقترب الزمان لم‌تكد رؤيا المؤمن تكذب و قيل فی شرحه انه اراد اقتراب الساعة و يؤيد هذا المعني ما روي من طريق العامة ايضا عن ابي‌هريرة قال قال رسول‌الله صلي الله عليه و آله اذا كان آخر الزمان لم‌يكد رؤيا المؤمن تكذب و من طريقنا ما روي عن الكافي بسنده عن هشام بن سالم عن ابي‌عبدالله عليه‌السلام قال سمعته يقول رأي المؤمن و رؤياه في آخر الزمان علي سبعين جزءاً من اجزاء النبوة و قيل معناه اعتدال النهار و الليل و استوائهما نظراً الي ما يقوله المعبرون ان وقت ادراك الثمار و ينعها يكون الرؤيا اصدق و لاشك ان الاول اوجه لشهادة الخبر بمضمونه فيكون رؤيا المؤمن في آخر الزمان اصدق و الوجه في ذلك ان الاحلام تترقي و الافهام تتزايد و المؤمن الثابت علي الايمان في آخر الزمان اثبت ايمانا و ارسخ في الدين و لذلك ثبت علي الدين و قد ملأت الدنيا ظلماً و جوراً و قد غربل اهل الزمان غربلة حتي خرج من لم‌يكن من اهل

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 346 *»

الايمان الحقيقي و ارتد و لم‌يبق الا الثابت الماحض الايمان هذا و يصفو الزمان و يقترب الملكوت و يترقي الزمان و الكون و المكان فيكون المؤمن اقرب الي ملكوت السموات فما يراه برأيه في يقظته او برؤياه في منامه لم‌يكد يكذب و اما رأي المنافقين و رؤياهم في آخر الزمان لم‌يكد يصدق لاستيلاء الشياطين عليهم و نفوذهم فيهم فلاينظر من اعينهم الا الشيطان ولاينطق من السنتهم الا الشيطان و لايدرك بمشاعرهم الا الشيطان ففي هذه الايام يكون رؤيا المؤمن اصدق و رأيه اصوب و رؤيا المنافق اكذب و رأيه اخطأ و اما آخر الخبر الاول ان اصدقهم رؤيا اصدقهم حديثا فاحد معانيه ان الذي لايبالي في اخباره عن الامور المحسوسة التي يتبين خطاؤه ان‌يكذب لايبالي في قصته الرؤيا ان‌يزيد و ينقص و يكذب فمن كان اكثر احتياطاً في اخباره عن الامور الظاهرة ان لايزيد و لاينقص يكون رؤياه اصدق و يطمئن المعبر باخباره انه رأي كذلك و ليس يغرق في كلامه و ليس يسامح فيطمئن بقوله فيعبره بحسب ما يراه و يحصل الظن بوقوع التأويل و اما الكاذب فلايقدر الانسان علي تصديقه انه رأي رؤيا اصلاً او رآها كما حكي بلازيادة و لانقيصة فلايقدر علي تأويلها و يمكن ان‌يراد به ان الصادق في قوله هو الذي قد عود نفسه بتحقيق الامور و التوجه الي الاشياء بكله حتي‌يفهمها علي الحقيقة ليكون اذا اخبر عنها صادقاً لايكذب و اما الكاذب فلايبالي بالاشياء و فهمها و لايبالي في اخباره عن الامور ان‌يخالف الواقع  فمن كان نفسه معتادة بتحقيق الامور يكون توجه نفسه في المنام الي الاشياء عن اعتناء و دقة فتحققها فتصيب في رؤياه و من كان نفسه معتادة بالتسامح في تحقيق الامور و تكون حواسه مشوشة بالاكاذيب التي يقولها لاتحقق نفسه في الرؤيا الامور فلاتصيب في ادراكها هذا و الرؤيا شأن من شؤن النبوة و النبي هو المخبر عن الله سبحانه و الله سبحانه لايستنبئ كاذباً و لايتخذه مخبراً عنه فلايلهمه الله في منامه خير الناس ليكون بشارة لهم و لاشرهم ليكون انذاراً لهم فالكاذب محروم عن الهام الله سبحانه و الذي يدل علي ان الرؤيا من شؤن النبوة كثيرة منها ما مر هنا و منها ما روي عن البصاير بسنده عن زرارة قال

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 347 *»

سألت اباجعفر عليه‌السلام من الرسول و من النبي و من المحدث فقال الرسول الذي يأتيه جبرئيل فيكلمه قبلاً فيراه كما يري احدكم صاحبه الذي يكلمه فهذا الرسول و النبي الذي يؤتي في النوم نحو رؤيا ابرهيم و نحو ما كان يأخذ رسول الله صلي الله عليه و آله من السبات اذا اتاه جبرئيل في النوم فهكذا النبي و منهم من تجمع له الرسالة و  النبوة فكان رسول الله صلي الله عليه و آله رسولاً نبياً يأتيه جبرئيل قبلاً فيكلمه و يراه و يأتيه في النوم و اما المحدث فهو الذي يسمع كلام الملك فيحدثه من غير ان‌يراه و من غير ان‌يأتيه في النوم و الاخبار بهذا المعني كثيرة و عن الصادق عليه‌السلام اذا كان العبد علي معصية الله عزوجل و اراد الله به خيراً اراه في منامه ما يروعه فينزجر بها عن تلك المعصية و ان الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوة و عن النبي صلي الله عليه و آله ان الرؤيا جزء من ستة و اربعين جزءاً من النبوة و هي علي رجل طاير فاذا حدثت بها وقعت فالله سبحانه لايتخذ الكاذب نبياً مخبراً عنه بغيبه و تبشيره و انذاره.

و اما الوجه في قوله ان الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوة فان المؤمن خلق من شعاع النبي صلي الله عليه و آله و نسبة الشعاع الي المنير نسبة الواحد الي السبعين كما يظهر من الاخبار و هذا الواحد غير ذلك السبعين بل هو واحد آخر ادني من اجزاء السبعين خلق من اسفل جزء من اجزاء كينونة العالي لان الاثر شبح اسفل مراتب وجودات العالي و قسم مراتب العالي علي السبعين اشارة الي ان مقامه بالنسبة‌الي الداني مقام المشية بالنسبة الي المشاء و المشية يعبر عنها بكن و كن قواها سبعون.

و اما الوجه في الستة و الاربعين فان العالي قد تم وجوده في اربعة ادوار ثلث دورات لتمام قابليته و دورة لتمام مقبوله و كل دورة منه مركب من عشر قبضات تسع من الافلاك و واحدة من الارض كما حقق في محله فتم له اربعون مقاماً كما قال الله سبحانه و واعدنا موسي ثلثين ليلة و اتممناها بعشر فتم ميقات ربه اربعين ليلة و له في مقام التعين و التشخص حدود ستة فذلك ستة و اربعون

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 348 *»

مقاماً و الاثر بهذا الاعتبار عربی جزء من ستة و اربعين جزءاً فانه اثر اسفل مقاماته و انه كالعرض بالنسبة الي المؤثر و ظهور منه بالجملة رؤيا المؤمن و رأيه ظل جزء من اجزاء النبوة البتة و ان لم‌تكن في آخر الزمان و ان كانت تتأكد في آخر الزمان كما روي عن كتاب المؤمن للحسين بن سعيد باسناده عن ابي‌عبدالله عليه‌السلام قال رأي المؤمن و رؤياه جزء من سبعين جزءاً من النبوة و منهم من يعطي علي الثلث و عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم‌السلام قال رؤيا الانبياء وحي انتهي. و ليس رؤيا المؤمن وحي ولكنها الهام من الله و ليس حد التحدث كالائمة عليهم السلام كما روي من المجالس بسنده عن هرون بن حمزة قال سمعت اباعبدالله عليه‌السلام يقول ان منا لمن ينكت في قلبه و ان منا لمن يؤتي في منامه و ان منا لمن يسمع الصوت مثل صوت السلسلة في الطشت و ان منا (ظ) لمن يأتيه صورة اعظم من جبرئيل و ميكائيل انتهي. بالجملة اذا تقارب الزمان لم‌يكد يكذب رؤيا المؤمن و اصدقهم رؤياً اصدق حديثاً و اما قول المعبرين ان الرؤيا تصدق عند ايناع الثمار فهو قريب فان وقت ايناع الثمار آخر الصيف و اول الخريف و عند ذلك يصفو الهواء و يتحلل الابخرة و الرطوبات الشتائية و الربيعية بغلبة حر الصيف و تجفيفها لها كما روي عن الرضا عليه السلام ان في ايلول يطيب الهواء و يقوي سلطان المرة السوداء الخبر. و فيه يدرك الثمار فاذا طاب الهواء قل الشياطين و صح الرؤيا ثم في تشرين الاول قال عليه‌السلام تهب الرياح المختلفة و يتنفس فيه ريح الصباء انتهي. و يحدث فيه امراض و اوباء لاختلاف الرياح فلاعبرة بالمنام فيه فتبين ان في اول الخريف يصدق الرؤيا ان لم‌يكن مانع هذا و في اول الخريف اول سلطان السوداء و هي في حالة الصفاء صايبة الرأي دقيقة الفكر ثابتة العزم تتدقق في الامور فالانسان فيه حري بان‌يصدق رؤياه فافهم.

الثامن: و تختلف الرؤيا بسبب الهمة فمن كان في يومه او في اول ليله

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 349 *»

مهتماً بامر حتي‌يملكه و يغلب عليه و يجري بباله من غير روية و عزيمة و تعمد بحيث لاينقلع ذهنه عنه الا بعسرة و مهما غفل عاد الي تلك الهمة فانه اذا نام رأي ما يناسب همه البتة و لاعبرة بمثل هذه الرؤيا و ذلك كالعاشق المبتلي بالمعشوق الغالب فكره فيه فانه بمحض ما نام يري معشوقه و ما يتعلق به و الخائف عن اللصوص يري اللصوص و العطشان يري الماء و المرتقب يري ما يرتقبه فلاعبرة بشيء من هذه الرؤي البتة و لا تأويل لها و العلة في ذلك ان مرآة الحس المشترك الذي هو موضع الرؤيا مصبوغة متشكلة بتلك الاشكال و هو متطبع بها فاذا خلي و طبعه الثاني يتشكل بشكله فاذا تشكل بشكله ينصبغ بصبغه و يتشكل بشكله كل ما ينطبع فيه حتي انه ربما يري في اليقظة صورة همته في كل شيء ينظر اليه و كذلك في المنام الا تري انك لو نحتت المرآة علي هيئة و صبغتها بصبغ و قابلت بها الجدار رأيت الجدار علي هيئة المرآة لا‌الجدار فالحس المشترك اذا تطبع بطبع يري كل ما يري علي هيئة طبعه الثانوي و اما السر في تطبعه فهو دقيق و سأخبرك به حتي لاتجهل حقيقة الحكمة فيه اعلم ان الشيء كلما كان اغلظ و ايبس يكون اقل مطاوعة و كلما كان ارق و ارطب يكون اسرع مطاوعة فلاجل ذلك الابدان الكثيفة الغليظة ابعد انفعالاً عن العوارض العارضة و الابدان الرقيقة الناعمة اسرع انفعالاً عن العوارض فالبدن بالنسبة الي الروح اغلظ و اكثف و ايبس فالبدن ابعد انفعالاً عن العوارض العارضة و اما الروح لشدة رقته و رطوبته اقرب انفعالاً و لذا روي الروح جسم لطيف البس قالباً كثيفاً فالروح سريع الانقلاب و الاستحالة و الانفعال فاذا توجه الانسان بروحه الي النار و وقع فيه مثال النار يغيره نحوه و اذا توجه الي الماء و وقع فيه شبحه غيره نحوه و هكذا كل شیء يتوجه اليه الانسان يتغير روحه و يتشكل بشكله في الفور لرقته و لطافته فاذا توارد عليه مثل عديدة واحد بعد واحد علي التعاقب لم‌يتمكن فيه واحد منها فاذا دام عليه مثال واحد تشكل بشكله مادام مواجهاً به و في مقامه ما لم‌يكن الروح سوداوياً يابساً فيه حدة لم‌يثبت علي شيء مدة و الارواح

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 350 *»

الرطوبية غير ثابتة علي شيء و ينمحي عنها سريعاً و تنساه و يصير كالنقش علي الماء و اذا كان في مقامه سوداوياً ترابياً متحجراً يثبت  عليه كل ما انتقش فيه زماناً ممتداً و ينمحي عنه ببطؤ هذا و مداومته علي الشيء الواحد و عدم تنقله عنه ايضاً يزيد في السوداء و التحجر كما ان الحركة تحدث الحرارة و الحرارة ايضاً تقوي الحركة فسوداويته مورثة للمداومة و مداومته ايضاً تورث غلبة السوداء علي حذو قول الشاعر:

مسألة الدور عربی جرت بيني و بين من احب

لولا مشيبي ما جفا لولا جفاه لم‌اشب

و قول الصادق عليه السلام بالحكمة يستخرج غور العقل و بالعقل يستخرج غور الحكمة فاذا ازداد يبسه تحجر و اذا تحجر ثبت عليه المثال و اذا ثبت عليه المثال انفعل به انفعالاً يشبه الذاتية فتطبع عليه فصار بحيث اذا خلي و ميله عاد الي تلك الصورة اللهم الا ان‌يتعمد فلايمتنع عليه لرقته النوعية النسبية ولكن ليبوسته النسبية يعود الي تطبعه بمحض التخلية و لذلك تجد صاحب الهمة دائم النظر فيما يهتم و كلما ترك اشتغل باله بما يهتم به فاذا نام صاحب الهمة و بطل تعمداته بالقهر عاد روحه الي شكله الاكتسابي و طبعه فرأي صورة همته لامحالة و اعظم ذلك اثراً اذا سهر شيئاً في همته فان سهره فيها يزيد في يبسه و تطبعه و يكون اقرب الي النوم حتي انه يتفق لنا و لغيرنا ان سهرنا في الفكر في عبارة او مسألة رأيناها في المنام بل و اذا انتبهنا اول ما يجري ببالنا من غير عزيمة بل بالطبيعة تلك العبارة بالجملة التطبع الحاصل ليلاً لاسيما ما سهر الانسان فيه قليلاً او اهتم به في فراشه و نام عليه يراه في نومه البتة فلاجل ذلك اذا رأي المهتم بالعلم من المطوعين العلم او بالصنايع الصنايع او بالمناصب المناصب او غير ذلك لايعبؤ برؤياه البتة نعم لو رأي شيئاً بغتة من غير الباب المهتم به فيحتمل ان‌يكون صادقاً اذا حصل له ساير الشرايط و لاجل ذلك نجد من يعتني بالرؤيا و التعبير و له حسن ظن بها و يريد ان‌يري رؤياً كاشفة عن الامور يكون اكثر رؤياً و من لايعتني بالرؤي و لايظن بها خيراً هو قليل الرؤيا و رؤياه قليلة‌ الاصابة و لاجل ذلك رغب الحجج عليهم‌السلام

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 351 *»

اولياءهم في الرؤيا ليستأنسوا بعالم الغيب و يستكشفوا الامور و يتوجهوا الي تلقي الالهامات و ينتظروها و يسألوا الله سبحانه بلسان حالهم و مقالهم ذلك و يصير محل تعلق الالهام و يتطرقوا في عرصة الغيب و يستأنسوا بالملئكة و الروحانيين و يأتيهم مبشرات و منذرات و الهامات فمن ذلك ما روي عن الاختصاص بسنده عن موسي بن جعفر عليه‌السلام قال سمعته يقول من كانت له الي الله حاجة و اراد ان‌يرانا و يعرف موضعه فليغتسل ثلث ليال يناجي بنا فانه يرانا و يغفر له بنا و لايخفي عليه موضعه قيل سيدي فان رجلاً رآك في المنام و هو يشرب النبيذ قال ليس النبيذ يفسد عليه دينه انما يفسد عليه تركنا و تخلفه عنا الخبر. المراد بقوله يناجي بنا اما المراد ان‌يناجي بنا ربه فيعزم عليه بنا و يتوسل اليه بنا ان‌يرينا اياه او يناجي بنا يعني يهتم برؤيتنا و يحدث نفسه بنا و رؤيتنا و محبتنا فانه يراهم. و عن الكافي بسنده عن عمرو بن خلاد عن الرضا عليه السلام قال ان رسول‌الله صلي الله عليه و آله اذا اصبح قال لاصحابه هل من مبشرات يعني به الرؤيا و روي عنهم عليهم السلام ان رؤيا المؤمن صحيحة لان نفسه طيبة و يقينه صحيح و تخرج فتتلقي من الملئكة فهي وحي من الله العزيز الجبار و روي انقطع الوحي و بقي المبشرات الا و هي نوم الصالحين و الصالحات و عن الكافي بسنده عن جابر عن ابي‌جعفر عليه‌السلام قال قال رجل لرسول‌الله صلي الله عليه و آله في قول الله عزوجل لهم البشري في الحيوة الدنيا قال هي الرؤيا الحسنة يري المؤمن فيبشر بها في الدنيا و يأتي ما يدل علي ذلك و انما الغرض اهتمام المؤمن بالرؤيا للاستيناس بعالم الغيب و الملئكة و الوحي و الالهام و فيه منافع جليلة خلافاً علي بعض منتحلي العلم حيث لم‌يعتنوا بامر الرؤيا كما يأتي اقوالهم ان‌شاءالله للعبرة.

التاسع: و من اسباب اختلاف الرؤيا الاعتقاد و هو ايضاً امر عظيم و سر عربی جسيم فان الاعتقاد هو انعقاد الروح علي امر و تحجره عليه و ما لم‌يكن الامر كذلك لم‌يسم عقيدةً و اعتقاداً فاذا تحجر الروح علي امر و لم‌يلتفت الي خلافه او

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 352 *»

لم‌يعتن بخلافه فلم‌يتزلزل و انصبغ نفسه و روحه و حواسه علي ذلك فهو لاجل ما ذكرنا في الفصل السابق لايري في الرؤيا الا ما يوافق اعتقاده حقاً كان او باطلاً فاذا اعتقد في رجل خيراً يري له رؤياً صالحةً و ان كان الرجل من اهل الباطل و اذا اعتقد فيه شراً يري له رؤياً طالحة و يراه باسوء حال و ان كان الرجل في الواقع من الكاملين و ذلك ان الاشباح في المرايا علي حسب المرايا سواء طابقت الواقع ام خالفت فاذا اعتقد في مؤمن انه كافر يراه في سموم و حميم و ظل من يحموم لابارد و لاكريم و هو لم‌يقرأ الا حروف نفسه و لم‌ير الا صبغ ذهنه و اذا اعتقد في كافر انه مؤمن يراه في جنات و نعيم و مقام كريم  و نعمة و راحة و عز و جلال و لم‌ير الا اصباغ ذهنه و الدستور الكلي لك في الباب انه لايصدق الرؤيا الا من رجل كان ذهنه صافياً خالياً عن كل غش و غل و صبغ و شكل اللهم الا ان‌يكون مصبوغاً بصبغ يوافق الواقع اتفاقاً فيوافق رؤياه الواقع و الشارع المستقيم في الباب ان‌يكون صافياً خالياً عن الاصباغ و نحن نذكر بعض اسباب الصبغ لاجل التنبه بنوع المسألة و بيان حكم الاسباب و الا فالقاعدة الموضوعة هي ما ذكرت فللاعتقاد في هذا الباب دخل عظيم و لاجل ذلك تري كل متدين بدين يري رجال ذلك الدين في خير و يري كل من يخالف دينه في شر و ليس ذلك مما يقدح في امر الرؤيا و ليس يسقطها عن الاعتبار اذا تحقق شروطها فالواجب للمعبر ان‌يسأل عن اعتقاد الرائي فاذا وجده علي خلاف الحق و قد رأي الرجل ما يوافق اعتقاده لايعتني به و لايأوله و يعلم انه اضغاث احلام و من الشيطان بل هي ليست برؤياً باصطلاح الائمة عليهم‌السلام بلی هي حلم كما روي عن النبي صلي الله عليه و آله الرؤيا من الله و الحلم من الشيطان انتهي. فلايعد مثل ذلك من الرؤيا نعم اذا كان الرجل مؤمناً يعتقد الحق حقاً و يعتقد الباطل باطلاً فمثل هذا الاعتقاد ليس يضر بالرؤيا و ما يجده حق لانه و ان كان ذهنه مصبوغاً الا انه مصبوغ بما يوافق الواقع فما رآه حسناً حسن حقيقة و ما رآه قبيحاً فهو قبيح حقيقة و لذلك ورد مدح رؤيا المؤمن و اشترط في صحتها الايمان كما مر عنهم في الفصل السابق ان رؤيا المؤمن صحيحة لان نفسه طيبة

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 353 *»

 و يقينه صحيح و روي عن ابي‌عبدالله عليه‌السلام رأي المؤمن و رؤياه جزء من سبعين جزءاً من النبوة و منهم من يعطي علي الثلث بالجملة اعتقاد المؤمن غير مضر و اعتقاد الكافر مضر اللهم الا ان‌يري علي خلاف اعتقاده فهو حجة من الله عليه و سيأتي في ذلك  مزيد بيان ان‌شاءالله تعالي في الرد علي غير المعتبرين بالرؤيا و في رؤيا النبي و الائمة عليهم السلام و شيعتهم.

العاشر: و مما يختلف بسببه الرؤيا صدقاً و كذباً الخصال النفسية و الخواص الارضية و هي العادة و الطبيعة و الشهوة و الغضب و الالحاد و الشقاوة فهذه اصباغ صعبة الزوال ترد علي النفس و تصبغها فيختلف بذلك رأي الانسان و رؤياه.

اما العادة فان الانسان اذا اعتاد شيئاً و داوم عليه برهة من الدهر حتي صار يصدر عنه من غير كلفة و يأوي اليه كلما غفل عن ضده و يعسر عليه الانقلاع عنه فان النفس تطبع بذلك الطبع و يصير تلك العادة طبيعة ثانية و تصير النفس كأنها هي ذاتيتها فكل ما يرد عليها من المثل ينصبغ بصبغها لامحالة فيراه علي حسب ما اعتاده حتي ان المعتاد بالسفر يري نفسه دائماً في السفر و معتاد الحضر قل‌ما يري نفسه في السفر و المعتاد بالعز يري نفسه غالباً في عزة و المعتاد بالفقر يري نفسه دائماً في فقره و هكذا ساير العادات و من اجل ذلك يري الناس في الغالب المواضع المعتادة و الاشخاص التي اعتاد بمعاشرتهم و الصنايع المعتادة فقل‌ما يري الناس ما لم‌يعتادوه فذلك ايضاً اذا كان العادة بخلاف الحق لايعبؤ بما رآه و هو حلم و من الشيطان.

و اما الطبع فقد شرحناه سابقاً و ان الروح البخاري حادث من الاخلاط و يختلف احواله بحسب اختلافها كماً و كيفاً و الروح الدخاني يتولد من الروح البخاري و يسري اصباغه في الحس المشترك لتعلقه بالمواد الجسمانية كما مر فينصبغ الحس بصبغ الطبايع و لذا يري كل ذي طبع غالب ما يشاكل طبعه فما يراه ذوالطبع الغالب حلم لاعبرة به.

و اما الشهوة فهي ايضاً من اسباب الصبغ فان الشهوة تنشأ من مشاكلة النفس

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 354 *»

مع شيء في الكينونة المغيرة المبدلة عن الفطرة الالهية فتشتهي ذلك الشيء زعماً منها انها تتقوي به و تتوق اليه و تلتذ بتقاربه و تحزن بمفارقته زعماً منها انه يضعفها و اصل ذلك من التطبعات العارضة فانها اذا غلبت الصفراء مثلاً تتوق الي الاستعلاء و السفك و الرياسة و الشهرة و امساك المال و البخل و امثال ذلك و اذا غلب الدم مثلاً تشتهي الزنا و اللواط و النساء المحرمة و الاخدان و امثال ذلك و اذا غلب البلغم عليها تشتهي المفعولية و الهدنة و الراحة و كثرة الاكل و الشرب و الزينة و التجمل و امثالها و اذا غلب السوداء تشتهي امساك المال و التفرد و القبض و الخمول و امثال ذلك فاصل الشهوة من الطبع الفاسد الغالب فتزعم النفس التقوي فيما يشاكلها و التضعف بما يخالفها فتشتهي تحصيل الموافق و اجتناب المخالف.

و اما الغضب فهو ايضاً اصله من الطبايع فتكره ما يخالفها مع العزيمة علي دفعه و قهره فهو علي خلاف الجبن فان الجبن فرار النفس عن الشيء مع وجدان ضعف عن دفعه و الغضب هو نفور النفس عن الشيء مع وجدان قوة علي دفعه فتبادر الي الخارج طلباً لدفعه عن نفسها بالجملة‌ الاصباغ الحاصلة له عن الطبايع تكره اضدادها و تبغضها فاذا كانت للنفس مع ذلك حرارة تكره كراهة طيش و غضب و اذا كان لها مع ذلك برودة تكره كراهة جبن و خوف و كلاهما من اصناف الغضب بالمعني الاعم و هو ايضاً صبغ عظيم للنفس و اعظم منها الالحاد و هو صبغ فاسد حاصل للنفس راسخ فيها مغير لذاتيتها في الجملة حتي‌يجعلها علي خلاف الحق و اهله فتميل طبعاً عن الصراط المستقيم فتميل ان‌يكون كل حق علي خلاف ما هو به حق و تأول كل حق يرد عليها و لامحيص لها عنه حتي‌تجعله علي خلاف الحق و يحصل ذلك للانسان و العياذ بالله اذا سري فساد طبايعه الي ارواحه فكما ان الانسان اذا حصل له فساد في طبايعه تميل الي الاغذية المستنكرة الردية و تشتهيها و تتوق نفسه اليها يفسد روحه ايضاً اذا سري فساد الطبيعة اليها فيصير شاهيتها شاهية روحانية لما يناسبها ففي هذا الباب تشتهي الي الميل عن كل حق و يستمجه فهمها و ذهنها و تشمئز من سماعه فاذا اولته الي باطل و عدلت اليه او سمعت بباطل سكنت

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 355 *»

و لي هنا تحقيق شريف اريد ان‌ابذل به لك.

اعلم ان كل اثر كائناً ما كان بالغاً ما بلغ مخلوق من اربع طبايع حارتين و باردتين كما حققناه في ساير كتبنا الطبية و الفلسفية فهذه الطبايع في زيادتها و نقيصتها في كمها و كيفها و خلوصها و شوبها و اعتدالها و انحرافها هي سبب اختلاف الآثار المتولدة منها و هذه الطبايع تتلطف صاعدة الي غاية‌ القرب من المبدء اي العقل و تتغلظ و تتكثف هابطة الي الاجسام ففي العقول عقلانية و في النفوس نفسانية و في الاجسام جسمانية و هي في جميع المراتب من نوع واحد الا انها تختلف في اللطافة و الكثافة و كذلك مقتضياتها (بالفتح) في جميع المراتب من نوع واحد الا انها تختلف في اللطافة و الكثافة و الروحانية و الجسدانية مثلاً ان البرودة و الرطوبة البلغمية تقتضي في الجسد الرخاوة و البرودة الملمسية و في الروح تقتضي برودة الروح حتي ان كل احد يحسن ان فلاناً بارد في ضحكه و كلامه و حركاته و منظره و اخلاقه بحيث كأنه يحس ذلك بادواته الجسمانية‌ و يحسن كل احد ان فلاناٌ حار او يابس او رطب بل حلو او حامض او مر او مليح حتي كأنه يذوق ذلك و ذلك محسوس العقلاء و هكذا تختلف الطبايع في المراتب و في كل مرتبة لها مقتضيات بحسب مقامها و مثال ذلك في الظاهر ايضاً واضح فالنار مثلاً في الكم تقتضي الطول و في اللون تقتضي الحمرة و في الوزن تقتضي الخفة و في الطعم تقتضي المرارة و في الرايحة تقتضي الحدة و في الحيز تقتضي الرفعة و في الحالات الحركة مع السرعة و امثال ذلك كما فصلناه في كتابنا «اسرار النقاط» فهي كذلك تقتضي في الاخلاق حب الشهرة و الشح و التهور و السفك و الشجاعة و الطيش و سرعة الكلام و هكذا و في النفس تقتضي دقة الفهم و النفوذ في الاشياء و العلوم الرفيعة و السماوية و الالهية و امثال ذلك و في العقل تقتضي الاستعلاء علي ما دق و جل و علم المشية و الارادة و القوة و القدرة بل و علم الازلية الاولية و الكينونة الظاهرة و امثال ذلك و علي هذه فقس ماسويها و من هذا الباب ما روي عن علي عليه‌السلام ان للجسم ستة احوال الصحة و المرض و الموت و الحيوة و النوم و اليقظة و كذلك الروح فحيوتها علمها و موتها

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 356 *»

 جهلها و مرضها شكها و صحتها يقينها و نومها غفلتها و يقظتها حفظها فهذه الطبايع اذا اعتدلت اقتضت اموراً معتدلة مطابقة لمشية الله سبحانه العدل القائمة بالقسط فتجري علي حسب ارادة الله في الخلق و يأتي منها ما خلقت لاجله و الفت له في جميع ما يتعلق بها و اذا فسدت و انحرفت تختلف مقتضياتها علي حسب اختلافها و وجوه اختلافها لاتحصي عدداً فكما ان الطبايع البدنية اذا اعتدلت في البدن تشتهي الاغذية‌ الصالحة المحللة التي فيها قوامها و صلاحها و قوتها و اذا انحرفت اقتضت بحسب انحرافها اموراً فاسدة حتي انها تشتهي الخزف و لقد رأينا امرأة بلغت من امرها انها كانت تأكل الفحم و كانت تتوق نفسها الي فحم الصفصاف لرخاوته و تجمعه و تدخره و تأكله و كذلك يبلغ الفساد في طبايع الانسان و اعراضها بروحانيته فيظهر فيها فواسد روحانية فمنها انحراف عادي هو طبيعة ثانية له و منها فساد طبيعي اولي و منها فساد يفسد به شهواته و منها ما به يفسد غضبه و منها ما به يلحد كما مر و منها ما به يشقي نعوذ بالله و هو اعظم من الكل فهو انحراف ذاتي نعوذ بالله لايرجي منه معه خير و لايؤمن منه معه عن شر و يعادي الحق و اهله و يوالي الباطل و اهله و هو الانحراف الكلي و هو كالمرض المهلك الذي لابرء له في الجسد او كالمانيا و الجنون الذي لابرء له نعوذ بالله و لكل واحد من ذلك اقسام لاتحصي فاذا حصلت هذه الاصباغ للنفس و هذه الاعوجاجات تكذب رؤياه لامحالة فيري الاشياء في حسه المشترك في منامه علي حسب اصباغه فلاعبرة بما يرونه في منامهم و كله حلم و من الشيطان و الي الشيطان و لذلك روي عن ابي‌محمد العسكري عليه‌السلام في اكثر المنام رأي الاحلام يعني ان الناس لانحرافهم عن نهج الحق و الصواب لايرون في اكثر مناماتهم الا الاحلام و قد عرفت ان الحلم هو الذي من الشيطان و لذلك قال الله سبحانه اضغاث احلام اي قطعات احلام الفت و ركبت كقبضات نباتات مختلفة تجمع و العجب ممن فسر هذا الخبر بانه عليه‌السلام عني ان طلب الدنيا كالنوم و ما يصير منها كالحلم و ما ادري كيف فهم هذا المعني من هذا الخبر و منهم من فسره ان كثرة الغفلة عن ذكر الله و عن الموت و امور الآخرة موجبة للاماني الباطلة‌ و الخيالات الفاسدة

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 357 *»

التي هي كاضغاث احلام و لايلتفت اليها الكرام و ذلك ايضاً في عدم المناسبة بمحل و المعني ما ذكرته لك و حاصله ان اكثر رؤيا الناس احلام شيطانية لاعبرة بها كما هو ظاهر.

الحادي‌عشر: اعلم ان الاحاديث النفسية و الادراكات البرزخية و الكشوف الحاصلة للمرتاضين و الطيوف كلها من باب واحد و يتبع بعضها بعضاً في الاعتبار و الصحة و مخرج كلها البنطاسيا فاذا كان الحس سليماً عن كل صبغ و شكل ذاتي او عرضي و نظر الي شيء عرفه بعينه و رآه كما هو و ادرك حقيقته علي ما هي عليه فجاء ما ادركه مطابقاً للواقع و الوضع الالهي فاذا كان مصبوغاً بصبغ او متشكلاً بشكل صار ما ادركه منحرفاً علي حسب انحرافه فيجيء احاديث نفسه و كشفه و ادراكه و طيفه كلها باطلة منحرفة عن الحق و هو يدعي الادراك و الكشف و الوصول و الرؤية و هو لايعلم بطلان ذلك و يزعم الجهال ذلك منه فتحاً لعين بصيرته و وصولاً الي حقايق الاشياء فلو كان ذلك حقاً لما اختلفت الكشوف و الادراكات و كلهم يدعون الجزم و الرؤية فلاعبرة بشيء من ذلك ما لم‌يوزن الطبع و الحس بالقسطاس المستقيم و هم المعصومون المعتدلون الذين باعتدال طبايعهم و مشاعرهم صاروا معصومين عصمهم الله به و اصطفيهم به و به اعطوا الحكمة و الكتاب و المعجز و الآيات البينات و الدلالات الواضحات فمن كان وزانهم فهو صحيح الحديث و الكشف و الادراك و الطيف و من كان بخلافهم فهو لاعبرة بشيء من رأيه و ادراكه و كشفه و لو ادعي الرؤية عياناً و علمت انه صادق و طيفه فجميع ذلك اضغاث احلام لايؤل الي خير ابداً و هذه الامور التي عددناها كلها في البنطاسيا الا ان الانسان لكونه ذا قلب واحد و توجه واحد لايقدر علي التوجه الي جهتين في آن واحد صريحاً الا علي نحو التعاقب فان اسرع كانا ضعيفين ناقصين و الا كانا قويين صريحين و ان كان التوجه الي جهة تاماً و نظر الي غيره بتوجه ناقص كان ادراكه له ضعيفاً مثال ذلك انك لاتقدر علي النظر الي شيئين في آن واحد فان اسرعت بالتعاقب اليهما لم‌تدركهما بيناً صريحاً و ان ابطأت بالتعاقب رأيتهما

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 358 *»

بينة و ان نظرت الي شيء و توجهت الي اطرافه توجهاً ناقصاً رأيته واضحاً و رأيتها غير بينة صريحة و ان كان توجهك الناقص الي الاطراف ايضاً ينقص من توجهك الي نفس ذلك الشيء و هكذا الامر في جميع الادراكات فاذا كان التوجه الانسان الكامل الي الحواس الظاهرة الدنياوية لايقدر علي التوجه الكامل الي بنطاسيا فاما لايري به شيئاً اذا كان خالص التوجه الي الحواس الظاهرة و اما ان‌يتوجه بتوجه ضعيف الي الحس المشترك ايضاً فينقص من توجهه الي الظاهر في الجملة و يدرك ما في الحس المشترك ايضاً كادراكه اطراف المنظور اليه و بذلك يحصل له حديث النفس فاذا كان توجهه الي بنطاسيا اقوي من الاول يضعف ادراكه الظاهر اكثر و يقوي ادراكه ببنطاسيا فيحدث منه الادراكات البرزخية كالخيال و الفكر و الوهم و امثال ذلك فاذا قطع التوجه عن الظاهر قطعاً ناقصاً و عمدة توجهه الي الحس المشترك يتمثل له الصور البرزخية عياناً و يراها كالممسوس الذي يري الجن و يكالمهم و يؤاكلهم و له حالة فيما بين النوم و اليقظة حتي اذا افاق يقول لم‌اكن في عالمكم و ما كنت اراكم و اسمعكم صريحاً و هذه الحالة حالة الكشف و الطيف فاذا قطع التوجه عن الحواس الظاهرة بالكلية استرخي اعضاؤه و نام فالانسان اذا كان نفسه مصبوغة مشكلة يكون جميع هذه الاحوال منه علي هيئة نفسه لان المشاعر الباطنة كالظاهرة و كلها كالمرآة ما قابلها انطبع فيها فيظهر فيها علي حسب صبغها و شكلها لامحالة فلاجل ذلك لاعبرة بكشوف اهل الكشف ما لم‌يكونوا علي الحق فان الحق هو الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم و الدين القيم هو ما يقتضي للنفس مطابقة صفات الله العادلة الغير المتصفة بصفات الكثرات المنحرفة المخالفة للوحدة و الوحدة هي الصفاء عن كل كثرة و التوسط و الاعتدال و الدين القيم يوحد النفس و يعدلها و يجعلها حكماً قسطاً فاذا كانت متدينة بالدين القيم كانت حكماً عدلاً قسطاً تحكم بالحق فتري الاشياء كما هي و ليس لها ماهية خاصة افهم ما القيه اليك من مكنون الاسرار بلاغبار و ميزان تلك العدالة موافقة العادلين المقسطين و هم المعصومون المصطفون صلوات‌الله‌عليهم فلاعبرة بكشف الحايدين عن الحق

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 359 *»

و اهله فالواجب اولاً تصفية النفس عن الاغراض و الامراض و القوانين المستنبطة و القواعد الموضوعة المسلمة الغير المأخوذة عن اهل الحق و النواميس الملتزمة ثم النظر في الاشياء ثم توزين ما انكشف فان وافق الحق صح و احمد الله و الا فحد الي الحق و مل اليه و اترك ما انكشف لك فانه من نجوي الشياطين و السماء رفعها و وضع الميزان الا تطغوا في الميزان و اقيموا الوزن بالقسط و لاتخسروا الميزان و ناهيك ما ذكرنا هنا لمعرفتك بخطراتك و خطرات غيرك و ادعاء المنتحلين الكشف و احلام اهل المنام فان اكثرها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئاً و وجد الله عنده فوفيه حسابه و الله سريع الحساب ففي اكثر الكشف و المنام رأي الاحلام و لذا تري السني يدعي الكشف فيري مشايخه في احسن حال في الكشف و الرؤيا و يري علياً عليه‌السلام في اسوء حال و لربما يري اهل كشفهم الشيعي المتقي بصورة خنزير و يري السني الفاجر بصورة الانسان كما نقل عنهم و كذلك يري اليهودي اليهود كذلك و النصراني النصراني و هكذا كل قوم يرون احلاماً مبشرةً فيما هم عليه فاي عبرة بهذه الاحلام الشيطانية اللهم الا و ان يري احدهم خلاف ما هو عليه فذلك حجة من الله عليه و في ما ذكرنا في هذا الباب في اختلاف اقسام الرؤيا في الصدق و الكذب كفاية و بلاغ.

الباب الثاني

في اقسام الرؤيا

فقد روي عن تفسير علي بن ابرهيم في قوله تعالي لهم البشري في الحيوة الدنيا و في الآخرة قال في الحيوة الدنيا الرؤيا الحسنة يراها المؤمن و في الآخرة عند الموت الخبر و المراد بالحسنة ما يكون له فيه سرور كما هو المعروف و المؤمن الصحيح الاعتقاد هو المسلم لآل‌محمد عليهم‌السلام في الجل و القل و كم من رجل يظهر الاقرار بآل‌محمد عليهم‌السلام و هو في علمه و عقايده متبع لاعدائهم فذلك معوج النفس ليس بذلك الذي يصح رؤياه و كشفه كما روي

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 360 *»

عن مجالس الصدوق بسنده عن ابرهيم الكرخي قال قلت للصادق عليه‌السلام جعفر بن محمد عليهماالسلام ان رجلاً رأي ربه عزوجل في منامه فما يكون ذلك فقال ذلك رجل لادين له ان الله تبارك و تعالي لايري في اليقظة و لا في المنام و لا في الدنيا و لا في الاخرة انتهي. و يأتي لذلك مزيد بيان في رؤية النبي صلي الله عليه و آله و اما اذا كان مسلماً لهم متبعاً في عقايده ولكنه في اعماله مخالف لهم فذلك يصدق رؤياه في بعض الاحيان و كذبها اكثر و اكثر ام نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الارض ام نجعل المتقين كالفجار فعن المحاسن بسنده عن داود عن اخيه عبدالله قال بعثني انسان الي ابي‌عبدالله عليه‌السلام زعم انه يفزع في منامه من امرأة تأتيه قال فصحت حتي سمع الجيران فقال ابوعبدالله عليه‌السلام اذهب فقل انك لاتؤدي الزكوة قال بلي والله اني لاؤديها فقال قل له ان كنت تؤديها لاتؤديها الي اهلها و عن الاختصاص قال الصادق عليه‌السلام اذا كان العبد علي معصية الله عزوجل و اراد الله به خيراً اراه في منامه رؤياً تروعه فينزجر بها عن تلك المعصية و ان الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوة و عن جامع الاخبار عنهم عليهم‌السلام انقطع الوحي و بقي المبشرات الا و هي نوم الصالحين و الصالحات و عن الكافي بسنده عن عمرو بن خلاد عن الرضا عليه‌السلام قال ان رسول‌الله صلي الله عليه و آله قال لاصحابه هل من مبشرات يعني به الرؤيا انتهي. اعلم ان من اسباب كثرة وقوع الرؤي و اسباب صدقها كون نبي او ولي او عالم داع الي الله سبحانه بين ظهراني القوم فان النفوس بمجاورتهم و رؤيتهم و معاشرتهم و التأدب بآدابهم و التخلق باخلاقهم تستعدل و تتصفي و لو بالعرض فيصير اكثرهم رؤيهم صادقة مطابقة للواقع و لاجل ان الشياطين يحترقون من انوارهم في ذلك البلد و بهم يدفع الله اكثر البلايا و الامراض و الحوادث و الفتن و في بلدهم ينزل البركات و الملئكة و الامداد الرحمانية و الرحيمية فيمتلي فضاءهم من الملئكة و يحترق الشياطين من نورهم او يفرون فيخلص اكثر القلوب من

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 361 *»

الوساوس اذا غفلت عن الكفر و النفاق ان كانا فيقع من الناس رؤيا كثيرة صادقة و يكون الكثرة و الصدق بقدر تولاهم لاولئك الانوار و معاشرتهم حتي انهم لو لم‌يعاشروهم و لم‌يساوروهم و لم‌يطيعوهم يتفاوت رؤيهم و تكثر و يكثر صدقها البتة و ماكان الله ليعذبهم و انت فيهم و ماكان الله معذبهم و هم يستغفرون و عن الكافي بسنده عن سعد بن ابي‌خلف عن ابي‌عبدالله عليه‌السلام قال الرؤيا علي ثلثة وجوه بشارة من الله للمؤمن و تحذير من الشيطان و اضغاث احلام انتهي. و يحتمل قوياً ان‌يكون لفظ التحذير تصحيفاً و كان لفظه التحزين اشارة الي قوله انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و يؤيد ذلك ما روي من طريق العامة في حديث عن النبي صلي الله عليه و آله الرؤيا ثلثة رؤيا بشري من الله و رؤيا ما يحدث الرجل به نفسه و رؤيا من تحزين الشيطان فاذا رأي احدكم ما يكره فلايحدث به و ليقم و ليصل الخبر. فيكون المراد باضغاث الاحلام ما كان من حديث النفس و ما روي عن التبصرة لعلي بن بابويه بسنده عن موسي بن اسمعيل بن موسي بن جعفر عن ابيه عن آبائه عليهم‌السلام قال قال رسول‌الله صلي الله عليه و اله الرؤيا علي ثلثة بشري من الله و تحزين من الشيطان و الذي يحدث به الانسان نفسه فيراه في منامه و عن مجالس ابن‌الشيخ بسنده عن عبدالله بن علي عن الرضا عليه‌السلام عن آبائه عن علي عليهم‌السلام قال رؤيا الانبياء وحي و عن الدر المنثور من عدة كتب باسانيد عن ابي‌الدرداء عن النبي صلي الله عليه و آله في قوله تعالي لهم البشري في الحيوة الدنيا و في الاخرة قال هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم او تري له فهي بشراه في الحيوة الدنيا و بشراه في الاخرة الجنة و باسانيد اخر في هذه الآية عنه صلي الله عليه و آله قال الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن جزء من ستة و اربعين جزءاً من النبوة فمن رأي ذلك فليخبر بها وادا و من رأي سوي ذلك فانما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلثاً و لايخبر بها احداً و عن ابي‌سعيد الخدري عنه صلي الله عليه و آله قال اذا رأي احدكم الرؤيا يحبها فانما هي من الله فليحمد الله عليها و ليحدث بها و اذا رأي غيره مما يكره

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 362 *»

 فانما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها و لايذكرها لاحد فانها لاتضره و عن عبادة بن الصامت عنه صلي الله عليه و آله في الآية المذكورة قال هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه او تري له و هو كلام يكلم به ربك عبده في المنام انتهي. فالذي ظهر من هذه الاخبار ان الرؤيا علي اقسام منها وحي من الله و هو مخصوص بالانبياء عليهم‌السلام و منها بشري من الله و هو الهام من الله سبحانه عبده و كلام من الله يكلم به عبده ليبشره برحمة منه و غفران تلحقه في الدنيا او في الآخرة يراها المؤمن في السماء و يتلقيها من الملئكة و منها تحزين من الشيطان فيتمثل له في خياله بصور منكرة ليحزنه و يأتي ان‌شاء‌الله تفصيله في اثرها و علته و منها اضغاث احلام و هي تمثلات احاديث النفس في اليقظة فكل خيال تعود به نفسه تمثله اذا خليت و طبعها كما مر و قد ذكر المعبرون لها اقساماً اخر و نقلوا عن دانيال عليه‌السلام ان للرؤيا اصلين احدهما ما يكشف عن حقيقة الاحوال و ثانيهما ما يظهر عاقبة الامور و هذان علي اربعة اقسام رؤيا آمرة و رؤيا زاجرة و رؤيا منذرة و رؤيا مبشرة و رووا عن الصادق عليه‌السلام ان الرؤيا علي ثلثة اقسام محكم و متشابه و اضغاث احلام و ذكروا ان الاضغاث رؤيا اربع طوائف المرضي و السكاري و الذين اكلوا طعاماً غليظاً كالباذنجان و المملوحة و العدس و الحوامض و ما يشبهها و الصبيان و عن بعضهم ان الاضغاث تحصل من غلبة الطبايع و تمثيل الشيطان و حديث النفس و عن بعضهم ان الرؤيا ثلث تبشير و تحذير و الهام و عن بعضهم ان الرؤيا الكاذبة ثلث همة و علة و من الشيطان.

اقول ان الرؤيا اصلها من شيئين فاما هي حاصلة مما يراها الرائي في السماء و يتلقيها من الملئكة او حاصلة مما يراها في الارض و يدل علي ذلك اخبار عديدة منها ما روي عن مجالس الصدوق بسنده عن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن ابي‌طالب عن ابيه عن جده عن علي عليه‌السلام قال سألت رسول‌الله صلي

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 363 *»

 الله عليه و آله عن الرجل ينام فيري الرؤيا فربما كانت حقاً و ربما كانت باطلاً فقال رسول‌الله صلي الله عليه و آله يا علي ما من عبد ينام الا عرج بروحه الي رب العالمين فما رأي عند رب العالمين فهو حق ثم اذا امر الله العزيز الجبار برد روحه الي جسده فصارت الروح بين السماء و الارض فما رأته فهو اضغاث احلام الي غير ذلك و قد مرت فما يراه المؤمن في السماء هو حق و له اقسام: فانه ربما يري حقيقة الاشياء او يري من يخبره او يري في كتاب فهو الهام من الله سبحانه و تعليم منه علم به خلقه كما كان يقع لشيخنا الاستاد اعلي الله مقامه منه كثيراً و ربما يري الجنة او شيئاً من مقتضيات الرحمة و المغفرة من الحسنات في الدنيا كالسراء و الغني و الصحة و حصول المطالب و الحاجات او من يخبره بذلك فذلك بشارة من الله سبحانه و ربما يري النار او شيئاً من مقتضيات النقمة و العذاب لينزجر عن المعاصي التي هو عليها كما مر في حديث مانع الزكوة فذلك تحذير من الله سبحانه لعبده و ربما رأي الانسان شرح حال هو عليها فيري لحاله او صفته او لحال غيره او صفته صوراً في الرؤيا و ذلك كما روي عن الكافي عن اسمعيل بن عبدالله القرشي قال اتي الي ابي‌عبدالله عليه السلام رجل فقال يابن رسول‌الله رأيت في منامي كأني خارج من مدينة الكوفة في موضع اعرفه و كان شيخاً من خشب او رجلاً منحوتاً من خشب علي فرس من خشب يلوح بسيفه و انا اشاهده فزعاً مرعوباً فقال له عليه‌السلام انت رجل تريد اغتيال رجل في معيشته فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك فقال الرجل اشهد انك قد اوتيت علماً و استنبطته من معدنه اخبرك يابن رسول‌الله عما قد فسرت لي ان رجلا من جيراني جاءني و عرض علي ضيعته فهممت ان‌املكها بوكس كثير لما عرفت انه ليس لها طالب غيري فقال ابوعبدالله عليه‌السلام و صاحبك يتولانا و يبرؤ من عدونا فقال نعم يابن رسول‌الله رجل جيد البصيرة مستحكم الدين و انا تائب الي الله عزوجل و اليك من (ظ) ما هممت به و نويته فاخبرني يابن رسول‌الله لو كان ناصبياً حل لي اغتياله فقال اد الامانة لمن ائتمنك و اراد منك النصيحة و لو الي قاتل الحسين عليه‌السلام انتهي. فهذا الخبر

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 364 *»

يدل علي ان الرؤيا قد يكون شرح حال و تمثيل عمل ليس بتبشير و لا انذار فاذا رأيت الرؤيا ليس من بابهما و لا من باب معرفة الحقايق و ساير الشرايط للصحة فهو شرح حال و تمثال احوال و وجه التعبير ان الرجل من خشب ليس برجل و يري انه رجل و يلوح بسيفه و هو آلة القطع و قال الله سبحانه اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم الاية فوصف من يظهر الايمان و يبطن الكفر بالخشب فالرجل كان يري النصيحة و يبطن الغش و يريد القطع بسيفه ثم شاهد الامام عليه‌السلام من احواله و مقامه و حده و رتبته ان نفاقه و اغتياله ليس يزيد علي ذلك و خارج الكوفة محل المزارع و الضياع فعبره عليه السلام بما عبر و يأتي لوجوه التعبير قواعد كلية ان‌شاءالله تنبهك علي امور عجيبة فترقب.

و ربما يكون الرؤيا رؤيا امر او زجر كقول ابرهيم اني اري في المنام اني اذبحك فانظر ماذا تري قال يا ابت افعل ما تؤمر فذلك باب آخر وحي من الله للنبي صلي الله عليه ان كان منه و الهام منه للمؤمنين ان كان منهم و ربما يكون الرؤيا اخباراً بالحوادث الماضية او الحادثة كما روي عن الخرايج عن ابي‌عمارة المعروف بالطيان قال قلت لابي‌عبدالله عليه‌السلام رأيت في النوم كأن معي قناة قال كان فيها زج قلت لا قال لو رأيت فيها زجاً لولد لك غلام لكنه تولد جارية ثم مكث ساعة ثم قال كم في القناة من كعب قلت اثنا عشر كعباً قال تلد الجارية اثني‌عشر بنتاً قال محمد بن يحيي فحدثت بهذا الحديث العباس بن الوليد فقال انا من واحدة منهن ولي احدي‌عشر خالة و ابوعمارة جدي و كما روي عن المناقب عن ياسر الخادم قال قلت لابي‌الحسن الرضا عليه‌السلام رأيت في النوم كأن قفصاً فيه سبعة عشر قارورة اذ وقع القفص فتكسرت القوارير فقال ان صدقت رؤياك يخرج رجل من اهل بيتي يملك سبعة‌عشر يوماً ثم يموت فخرج محمد بن ابرهيم بالكوفة مع ابي السرايا فمكث سبعةعشر يوماً ثم مات فذلك ستة اقسام من اقسام الرؤيا الصادقة.

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 365 *»

و اما الرؤيا التي يراها الانسان في الارض فذلك ايضاً ستة اقسام منها ان‌يكون للانسان وساوس و احاديث نفس في اليقظة فيراها ممثلة في منامه و ذلك هو اضغاث احلام كما مر في الاخبار و منها تحزين من الشيطان فيري المؤمن اباطيل محزنة عداوة له و حسداً او يريه اموراً يؤيسه بها و يقنطه من رحمة‌ الله او يفزعه و يروعه و كل ذلك من القاء الشيطان عداوةً منه للمؤمنين كما روي عن جابر قال اتي النبي صلي الله عليه و آله رجل و هو يخطب فقال يا رسول‌الله رأيت فيما يري النائم البارحة كان عنقي ضربت فسقط رأسي فاتبعته فاخذته ثم اعدته مكانه فقال رسول‌الله صلي الله عليه و آله اذا لعب الشيطان باحدكم في منامه فلايحدثن به الناس و عن النبي صلي الله عليه و آله الرؤيا الصالحة من الله فاذا رأي احدكم ما يحب فلايحدث به الا من يحب و اذا رأي ما يكره فلايحدث به و ليتفل عن يساره و ليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم و من شر ما رأي فانها لن‌تضره و منها هذيان يراه من غلبة العلة في البدن و صعود الابخرة الردية الي الدماغ كما مر شرحه فتخالط الروح و تصبغه فينطبع فيه ما يقابله علي حسب صبغه و ليس ذلك بشيء و لا عبرة به و منها من امتلاء البطن و صعود الابخرة الي الدماغ و هو ايضا كسابقه و منها من الظن و الاعتقاد حسناً كان او سيئاً فيري منامات علي حسب ظنه و اعتقاده و منها من فساد في اصل الدماغ من غلبة المرة عليه او البلغم او الدم و فساد روحه فعند ذلك يقع منه رؤي باطلة جداً بل ربما يحصل له كشوف بحسب ظنه في اليقظة و يشاهد الاشياء و يخبر عنها و كلها احلام فاسدة لايؤل الي خير. فذلك اثني‌عشر قسماً من اقسام الرؤيا الصادقة السماوية و الارضية علي ما استنبطناه  من الاخبار و صحيح الاعتبار و  جزئياتها لاتحصي فقولهم عليهم السلام الرؤيا ثلثة بشري و تحزين و اضغاث فانما هو علي الغالب او ان العمدة منها او المراد انها خير او شر او ما ليس بخير و لا شر و جميع اقسام الرؤيا لايخرج عن هذه الاقسام البتة و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 366 *»

كفي بما ذكرنا هنا دستوراً لك لاقسام الرؤيا و كلياتها ما ذكرت لك فتدبر.

 

الباب الثالث

في بيان سر اختلاف صورة بعض الاشياء في عالم المثال مع صورته في هذه الدنيا و ذلك علم جليل و يحتاج الي بسط و تطويل و نشرح من ذلك ما يتيسر و يقتضيه الحال بعون الله الفضال و فيه فصول:

فصل: اعلم يا بني وفقك الله و سددك ان الشيء مركب من مادة هي عرصة قوته و استعداده للانفعال و صورة هي عرصة فعليته و هي غير مستعدة للتغيير و التبديل و قد اشار اليهما اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة العالم العلوي فقال صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد و جعل عرصة المواد عرصة القوة و الاستعداد في مقابلة الصورة التي هي عرصة الفعلية و الوجود و التمثل الخارجي. و الصورة قبل ان‌تخرج الي الفعلية و الشهود كانت كامنة في المادة لا علي نحو الامتياز عن اخواتها بل علي نحو الابهام و عدم التمايز فلم‌يكن لها رجحان من نفسها فاضل علي اخواتها و انما المرجح قد جاء من الخارج فصاغها في ملبنة ترجيحه فانسبكت فيها كما صاغها و سبكها فكانت علي صفة الملبنة ولكن المادة تختلف بحسب المراتب و العوالم في الرقة و الغلظة و بذلك اختلفت قواتها و استعداداتها فلم‌تصلح المادة الكثيفة في القوة المشرفة لما تصلح له المادة الرقيقة و لا العكس كماتري ان المداد مادة للحروف و الحديد مادة للسيوف فلايصلح المداد بالقوة المشرفة علي الفعلية للسيوف و ان كان يمكن في الامكان بعد احالته حديداً ثم صوغ السيوف منه و لايصلح الحديد لكتب الحروف في القوة المشرفة و ان كان يمكن في الامكان بعد حله و كتب الحروف منه و هذا هو الفرق بين المادة و مادة المادة و مادة مادة المادة و هكذا و الكلام في المادة القريبة المقترنة بالصورة لا المواد العليا فالمواد تختلف بحسب العوالم فلا سواء مادة العقول و مادة النفوس و مادة الاجسام و ان كانت كلها من تنزلات المادة

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 367 *»

الحقيقية العليا فمادة العقول لايمكن تصويرها بصور النفوس و لا الاجسام و هي باقية علي معنويتها و مادة النفوس لايمكن ان‌تتصور بصور العقول و لا صور الاجسام و مادة الاجسام لايمكن ان‌تتصور بصور النفوس و العقول فاذا اراد الصانع تصوير مادة عقل زيد في عالم العقول بما يناسب زيداً يصورها زيداً عقلانياً فليس صورة زيد العقلاني لها ابعاد جسمانية و حمرة و صفرة او طعم او ريح او وزن او نعامة او خشونة مما يناسب الاجسام بل لها صورة معنوية كلية في مقامها مجردة عن الخواص الجسمانية بحذافيرها و عن الخواص النفسانية البتة لرقة مادتها و عدم استعدادها للصور الكثيفة بالقوة القريبة و اذا اراد تصوير مادة نفس زيد يصورها بصورة اغلظ من صورة العقل و الطف من صورة الجسم لتوسط مادتها و اذا اراد تصوير مادة جسم زيد صورها بما يناسبها و تستعد له كما تشاهد فلايجب ان‌يكون عقل زيد رجلاً طويلاً له رأس فوق و رجلان تحت و ايد في الوسط و رقبة و بطن و اعضاء ‌كما تري بل علي ما يستعد مادة عقل زيد و يناسبها و كذلك لايجب ان‌يكون نفس زيد علي صورة بدن زيد في عالم النفوس فان المادة الجسمانية غليظة جامدة تقبل التشققات و تقف علي ما صورت كالطين و مادة النفس لاتقبل ذلك كالماء مثلاً و اني و اني نعم اذا اجمدت مادة عقل زيد جمود الجسم تصورت كصورة جسم زيد و اذا رققت مادة جسم زيد رقة مادة العقل تصورت كصورة العقل ولكن حال كون كل واحدة علي ما هي عليه لاتقبل صورة الاخري فصورة ‌عقل زيد علي خلاف صورة نفسه و صورة نفسه علي خلاف صورة جسده و مع ذلك عقله مطابق مع نفسه و نفسه مطابقة مع جسده و الظاهر عنوان الباطن و العبودية شهود الربوبية فما خفي في الربوبية‌ اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية فافهم ما ذكرته لك فهو اصل.

فصل: قد يتغير الصورة عما تقتضيه مادتها بسبب الاعراض الخارجة عن ذاتيتها فان الاعراض ربما ترقق المادة ازيد مما ينبغي و ربما تغلظها اكثر مما

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 368 *»

ينبغي و تغير استعدادها للانفعال فاذا وضعت في ملبنة الترجيح تصورت بصورة مخالفة لصورتها لو صيغت مجردة عن الاعراض و ذلك محسوس في علم الفلسفة فان الشيء الواحد بتدبير واحد يتغير صورته مجرداً و مشيباً بالاعراض فاذا كان الجسم مشيباً بالاعراض و النفس غير مشيبة تغير الجسم عن صورة كانت تنزل صورة نفسه و اذا كان النفس مشيبة بالاعراض و العقل غير مشيب تغير صورتها عن صورة كانت تنزل عقلها بذلك اختلفت الصور المشهودة في عالم الاجسام مع الصور البرزخية و  الاخروية فلربما كان الشخص في الدنيا علی صورة الانسان و كان في البرزخ علي صورة غير الانسان و في الآخرة علي صورة اخري فكانت انسانيته في الدنيا عرضية و من هذا الباب يقع المسخ اذا غلبت خصال النفوس الشقية علي الشخص و استولت عليه فتهتك ستر اعراض ظاهرهم و يظهرون بصور ذاتية اجسادهم المطابقة لصور نفوسهم الحاصلة من صور اعمالهم فيصيرون بذلك وزغاً و قردة و خنازير و كلاباً و امثال ذلك و لماكان في ذكر المسوخات عون لك علي التعبير و معرفة الصور اذكر لك ما وصلني منها و اجردها عن ذكر الاسانيد و المروي عنهم صلوات الله عليهم و لااذكر لك الا ما وجدته في اخبار الآل.

فاعلم ان الفيل رجل لوطي لايدع رطباً و لايابساً و روي ملك زناء لوطي و روي ينكح البهائم.

و الدب رجل مؤنث يدعوا الرجال الي نفسه و روي اعرابي ديوث و روي يسرق الحاج.

و الارنب امرأة قذرة لاتغتسل من حيض و لا غير ذلك و روي تخون زوجها و لاتغتسل.

و العقرب رجل هماز لايسلم منه احد و روي نمام و روي هماز لماز.

و الضب رجل اعرابي يسرق الحجاج بمحجنه و روي يقتل الناس و روي يضل الناس في الطرق.

و العنكبوت امرأة سحرت زوجها و روي سيئة الخلق عاصية لزوجها مولية عنه و روي زانية.

و الدعموص رجل نمام يقطع بين الاحبة و روي رجل زان و روي رجل لم‌يغتسل من الجنابة.

و الجري رجل ديوث يجلب الرجال علي حلائله و روي في الجري و الضب انهما من نصاري لم‌يؤمنوا بعد المائدة و روي في الجري انه تاجر يبخس في

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 369 *»

المكيال.

و الوطواط رجل سارق يسرق الرطب من رؤس النخل.

و القردة يهودي اعتدي في السبت.

و الخنزير نصراني اشتد تكذيبه بعد نزول المائدة و روي فيه كالقردة.

و السهيل رجل عشار.

و الزهرة امرأة تسمي ناهيد التي تقول الناس افتتن بها هاروت و ماروت.

و الزنبور لحام يسرق في الميزان.

و الخفاش امرأة سحرت ضرة لها فمسخها الله.

و الفار سبط من اليهود.

و البعوض رجل يستهزئ بالانبياء.

و القملة ايضاً رجل من بني اسرائيل استهزء بنبي.

و الوزغ يهودي سب اولاد الانبياء و ابغضهم.

و العنقا من غضب الله عليه فمسخه.

و الجريث رجل نمام و روي ديوث يدعوا الرجال الي اهله.

و القنفذ رجل سيء الخلق و روي يستتر عن الضيف و لايطعمهم.

و الطاوس رجل جميل زني بامرأة فمسها طاووسين انثي و ذكر.

و العظاية رجل اذي الائمة عليهم السلام.

هذا ما وجدت في الاخبار و اختلاف الاخبار فيها محمول علي ان اسباب المسخ الي صورة واحدة عديدة و قد وقع كل واحد لان الغالب في الحيوان الواحد طباع عديدة و كل طبع منها يقتضي تلك الصورة فلاتنافي و الحمد لله فمن رأي هذه الحيوانات في منامه يعبر باولئك الرجال في يقظته و لم‌نكن بصدد بيان التعبير ولكن جاء استطراداً و الغرض ان الصور الاصلية قد تختلف مع الصور العرضية كما عرفت و كما تختلف في الانسان تختلف في الحيوان و النبات و الجماد و المساكن و الاعمال و الاقوال و الخصال كما روي ان الموت يأتي يوم القيمة بصورة كبش املح و مسجد الكوفة يأتي بصورة رجل محرم و القرآن يأتي بصورة رجل و اخبار الآل عليهم السلام مملوة من وجوه اختلاف الصور و كلها من اسباب علم التأويل و سأعطيك قواعد‌ كلية عند تعليم التأويل و التعبير و هو علم صعب و كان من علوم يوسف علي نبينا و آله و عليه السلام و حقيقته عند المعصومين عليهم السلام و للحكماء حظ بقدر غزارة علومهم. ثم اعلم ان السهيل و الزهرة علي ما هو المعروف نجمان و انما سميا باسم دابتين في البحر تشبيهاً كما سمي الحمل و الثور و السرطان و العقرب باسم دواب

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 370 *»

البر فالسهيل و الزهرة دابتان من دواب البحر سمي النجمان باسمهما كما روي عن الرضا عليه السلام كما روي في كنز الدقايق عن علي بن محمد بن الجهم قال سمعت المأمون يسأل الرضا عليه السلام عما ترويه الناس من امر الزهرة و انها امرأة فتن بها هاروت و ماروت و ما يرونه من امر سهيل و انه كان عشاراً باليمن فقال الرضا عليه السلام كذبوا في قولهم انهما كوكبان و انما كانتا دابتين من دواب البحر فغلط الناس و ظنوا انهما كوكبان و ما كان الله تعالي ليمسخ اعداءه انواراً مضيئة ثم يبقيها ما بقيت السماوات و الارض و ان المسوخ لم‌يبق اكثر من ثلثة ايام حتي مات و ما يتناسل منها شيء الخبر. فلايذهبن بك المذاهب في امر السهيل و الزهرة بالجملة صورة الشيء في عالم المثال علي خلاف صورته في عالم الزمان نعم اسفل عالم المثال المتصل بعالم الزمان يشاكل صور الزمانيات.

فصل: ان الروح اذا قطع التوجه عن ظاهر البدن بواسطة حصول الابخرة الحاجبة بين شمسه و ارض البدن عند كثرة اشراقها علي البدن و تسخينها له و تلطيفها لرطوباته و تبخيرها اياها في فضاء البدن حتي حجبت بين شمس الروح و البدن و نام الانسان اي استرخت اعضاء بدنه بواسطة خفاء الروح عنه و لم‌يشعر الروح من مشاعر البدن بواسطة حجب تلك الابخرة بينه و بينها التفت الروح الي نفسه و ما في صقعه و اشتد توجهه بالمشاعر الباطنة اذا لم‌يجد في ظاهر البدن موضع توجه قام يجليها في عالم المثال و يدرك بها صريحاً بلاغبار فاما ان‌يتوجه الي ادني عالم المثال المرتبط بعالم الزمان و المواد الزمانية بسبب عدم الحجاب بينه و بين اسفل الزمان و عدم انقطاعه عنه بالكلية فيري الاشياء كما هي في عالم الزمان ان لم‌يكن له صبغ آخر فيري زيداً بصورته الزمانية ان جاء كمجيئه في الدنيا و تكلم و اكل و شرب و هكذا كما يري الرائي في الدنيا بعينه الظاهرة و اما اذا انقطع توجه الروح عن اسفل عالم المثال ايضاً و اظطلم عليه كما اظطلم عليه الزمان توجه الي اعلي عالم المثال فيجد الاشياء هناك علي صور غير صورها الدنياوية مثلاً يري الزاني اللوطي علي صورة فيل و ان لم‌يصعد عن اسفل المثال

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 371 *»

يراه بصورته في الدنيا و يري اذا صعد المؤنث بصورة الدب و الا بصورته في الدنيا و يري العلم اذا صعد بصورة اللبن و الا فبصورته في الدنيا من قول او خط و امثال ذلك و من هذا الباب ما مر عن الخرايج من رواية معروف الطيان و رؤية القناة و ما مر عن المناقب من رواية ياسر الخادم و رؤية القفص و القوارير و ما روي عن الكشي بسنده عن ياسر الخادم ان اباالحسن الثاني عليه السلام اصبح في بعض الايام قال فقال رأيت البارحة مولي لعلي بن اليقطين و بين عينيه غرة بيضاء فتأولت ذلك علي الدين و ما روي عن الكافي عن ابن اذينة ان رجلاً دخل علي ابي‌عبدالله عليه السلام فقال رأيت كان الشمس طالعة علي رأسي دون جسدي فقال تنال امراً جسيماً و نوراً ساطعاً و ديناً شاملاً فلو غطتك لانغمست فيه ولكنها غطت رأسك اما قرأت فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي فلما افلت  تبرأ منها ابرهيم قال قلت جعلت فداك انهم يقولون ان الشمس خليفة او ملك فقال ما اراك تنال الخلافة و لم‌يكن في آبائك و اجدادك ملك و اي خلافة و ملوكية اكثر من الدين و النور ترجو به دخول الجنة انهم يغلطون فقلت صدقت جعلت فداك و عنه ايضاً بالاسناد المتقدم عن رجل رأي كان الشمس طالعة علي قدميه دون جسده قال مال يناله من نبات الارض من بر او تمر يطأه بقدميه و يتسع فيه و هو حلال الا انه يكد فيه كما كد آدم عليه السلام و هكذا و نحن نعنون لك باباً في التعبيرات المروية لتهتدي بها و الغرض هنا اعلامك ان الرؤيا الصادقة اذا كانت صورتها مطابقة مع صورة الشيء في الزمان فهو دليل عدم صعود الروح و عدم توجهه الي اعلی عالم المثال و ان رأي صوراً علي خلاف صور الاشياء في الزمان فهو دليل صعود الروح الي اعلي عالم المثال و انقطاعه عن الاسفل و لصعود الروح الي الاعلي اسباب روحانية و اسباب جسدانية اما الاسباب الجسدانية فان لايكون الروح البخاري لكثرة رطوبته و غلظته كثير التجسد كروح الحيوانات فلايستغرق في النوم لتجسد روحه و قلما يتفاوت نومه و يقظته و ذلك كارواح الصبيان و النسوان و السوداويين

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 372 *»

فان ارواح هؤلاء غليظة مجسدة قليلة الانقلاع فتخلد ارواحهم في ابدانهم و لذلك تجدهم يتحرك ابدانهم بتحرك روحهم في المنام فيمشي ابدانهم بمشي روحهم و يتكلم ابدانهم بتكلم ارواحهم حتي ان من هؤلاء من يتحرك اعضاؤه بواسطة تخيلاتهم فيتكلمون بما يتخيلون حال تخيلهم و يتحرك اعضاؤهم علي حسب خيالهم و انما ذلك لغلظة ارواحهم و ممازجتها اجسادهم و عدم مفارقتها عنها بالكلية و اما بطؤ تنبه الاطفال و النسوان لكثرة ابخرة ابدانهم الحاجبة بين ارواحهم و اجسادهم و ان كانت ارواحهم ايضاً غليظة و اما السوداويون فلقلة رطوباتهم فهم و ان ناموا ولكنهم سريعوا التنبه البتة و ان لايكون البدن قليل البخار لقلة الرطوبات فيه فيقل ابخرة بدنهم فلاتصير بحد تحجب بين روحهم و بين جسدهم فلا يرفع تعلق الروح بالكلية و لايتمحض تعلقه باعلي عالم المثال فهم ارواحهم تسير في وسط الهواء و تشاهد الاشياء بصورها الزمانية و لذلك يكون الرؤيا في السحر و بين الطلوعين و اول النهار علي هيئة الاشياء في الزمان غالباً فيقع عين ما يري ان لم‌يكن مانع آخر من صبغ نفس الروح و قد يكون ذلك بسبب شرب اشربة حارة يابسة كالسمن و الشاء الخطائي و القهوة و امثالها او اغذية سوداوية فانها كلها يحلل بخار البدن و يقلله فلايحجب بين الروح و البدن فلايستغرق في النوم و ان جاهد نفسه فلايصعد روحه الي الاعلي.

و اما الاسباب الروحانية فان لايكون الشخص مهتماً بامر شديد الفكر فيه فيضعف انقلاع روحه عن جسده و لايتجاوز اسفل عالم المثال فيري غالباً الاشياء علي هيئتها و ان كان اكثرها فيما يهتم به و ان‌يكون قد نام من غير ذكر و لاطهارة فان روحه حينئذ متسفل ضعيف بارد لايصعد الي اعلي عالم المثال و يكون لبرده ممازجاً للاسفل كالروح المتجسد الذي لم‌يكن ينقلع علي حد قوله سبحانه و لو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب الاية. فالذي لايذكر الله و لايتطهر يبعد روحه عن المبدء و يغلب عليه رطوبات البعد و الكسالة عن الطاعة و التقرب فيغلظ و يبرد فيبقي ممازجاً لاعالي البدن و اسافل المثال فيري الاشياء بصورها الزمانية فاذا تذكر و تطهر اشتد حرارته الغريزية و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 373 *»

تلطف و تقوي و اشتد مفارقته فانقلع عن اسفل عالم المثال فصعد كالروح الذي هو شديد الحرارة اي حرارته الغريزية شديدة و الا فالحرارة‌ البدنية اذا اشتدت قلت الرطوبات و البخار و رق النوم و لم‌يصعد الروح فافهم و ان‌يكون الرجل مؤمناً صالحاً متقياً و لاسيما اذا كان عالماً لاسيما اذا كان حكيماً عارفاً و لاسيما اذا كان من اهل الكشف و المجاهدات و الرياضات فان ارواح هؤلاء بانفسها معلقة بالملأ الاعلي قليلة التعلق بظاهر الحيوة الدنيا فهم نوعاً تصعد ارواحهم الي اعلي المثال و لنعم ما قال الشاعر:

قوم فعلوا خيراً فعلوا

و علي درج العليا درجوا

صحبوا الدنيا بجسومهم

و اليك بانفسهم عرجوا

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في وصفهم صحبوا الدنيا بابدان ارواحها معلقة بالملأ الاعلي و بذلك صار كثير من رؤيا المعصومين بصور مخالفة لصور الزمانيات فمنها ما مر عن الكشي في رؤيا ابي‌الحسن الثاني مولي لعلي بن يقطين و بين عينيه غرقة بيضاء فتأول ذلك علي الدين و عن الكافي بسنده عن زرارة عن ابي‌جعفر عليه السلام قال رأيت كأني علي رأس جبل و الناس يصعدون اليه من كل جانب حتي اذا كثروا عليه تطاول بهم في السماء و جعل الناس يتساقطون عنه من كل جانب حتي لم‌يبق منهم الا عصابة يسيرة ففعل ذلك خمس مرات في كل ذلك يتساقط عنه الناس و تبقي تلك العصابة اما ان قيس بن عبدالله بن عجلان في تلك العصابة فمامكث الا نحواً من خمس حتي هلك و عنه ايضاً بسنده عن علي بن عيسي القماط عن عمه عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال رأي رسول الله صلي الله عليه و اله بني امية يصعدون علي منبره من بعده و يضلون الناس عن الصراط القهقري الخبر. و قد رآهم بصورة القردة و عن مجالس الصدوق صفة رؤيا اميرالمؤمنين عليه السلام بنينوي و هو بشط الفرات فقال رأيت في منامي كأني برجال قد نزلوا من السماء معهم اعلام بيض قد تقلدوا سيوفهم و هي بيض تلمع و قد خطوا  حول هذه الارض خطة ثم رأ‌يت كان هذه النخيل قد ضربت باغصانها

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 374 *»

 الارض يضطرب بدم عبيط و كأني بالحسين فرخي و مضغتي و مخي قد غرق فيه يستغيث فلايغاث و كان الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه و يقولون صبراً آل الرسول فانكم تقتلون علي ايدي شرار الناس و هذه الجنة يا اباعبدالله اليك مشتاقة ثم يعزوني و يقولون يا ابا الحسن ابشر فقد اقر الله عينك به يوم يقوم الناس لرب العالمين ثم انتهبت هكذا و عن مناقب الخوارزمي قال لما كان وقت السحر في الليلة التي حوصر فيها الحسين عليه السلام خفق برأسه خفقة ثم استيقظ فقال رأيت في منامي الساعة كأن كلاباً قد شدت علي لتنهشني و فيها كلب ابقع رأيته اشدها علي و اظن ان الذي يتولي قتلي رجل ابرص من بين هؤلاء القوم الخبر. و منها رؤيا يوسف احد‌عشر كوكباً و الشمس و القمر رآهم له ساجدين و كان التأويل اخوته و اباه و امه الي غير ذلك فعندي الرؤيا التي تخالف صورتها صورة الزمانيات ارفع مقاماً و اعلي درجة و اقرب الي الملكوت و التي توافق صورتها الزمانيات و تقع كما رأي الرائي بعينه هي عندي انزل رتبة و اقرب الي الملك و ان كان الناس يستعظمون هذه و لايعتنون بتلك كثيراً فما رآه الرائي في اعلي عالم المثال يحتاج الي التأويل و التعبير و ما رآه في اسفل عالم المثال لايحتاج الي تعبير ان لم‌يكن صبغ من نفس الروح و الا فيصدق جنسها او نوعها او بعض اجزائها او لايصدق ابداً كما مر فافهم ذلك و تبصر بصرك الله و علمك ما لم‌تكن تعلم.

الباب الرابع

في كليات في علم التأويل و قواعد يقتدر الانسان بسببها علي تعبير الرؤيا و في هذا الباب ايضا فصول:

فصل: اعلم ان التأويل هو صرف الشيء عن ظاهره الي امر مماثل له في النوع فالقانون الكلي في التأويل ان‌تأخذ الشيء مجرداً عن خصوص شخصيته و تنظر الي النوع الساري فيه و في مثله الذي به استحق ذلك الاسم النوعي فتأول

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 375 *»

هذا الاسم عن ذلك المعني الظاهر المعروف الي فرد آخر من افراد ذلك النوع مثلاً لفظ الميزان ظاهره هو الالة المعروفة ذات الكفتين التي يوزن بها الاجسام الثقيلة فتجرده عن المعني الشخصي و هو كونه ذا‌كفتين فتقول ان الميزان يقال له ميزان لانه يوزن به الجسم فالقفان مثلا هو ايضاً ميزان لانه يوزن به الجسم فتأوله عن معناه الظاهر الي القفان او تأخذ نوع النوع فتقول ان الميزان ما يوزن به الكم فالفرجار الذي يوزن به طول الخطوط و قصرها هو ايضاً ميزان فتأول الميزان عن ظاهره الي الفرجار فانه ايضاً ميزان يوزن به الكميات و الكم اعم من الثقلية او الهندسية او تأخذ نوعاً اعلي فتقول ان الميزان ما يوزن به مجهول المقدار فالمفاعيل العروضية ايضاً ميزان يستعلم به مقدار حروف الأشعار فيعلم ايها زايد و ايها ناقص فتأول الميزان الي العروض و مفاعيله او تأخذ نوعاً اعلي و تقول ان الميزان ما يعلم به المنحرف عما يقاس به غير المطابق به فالنحو ايضاً ميزان اللغة فانه تعرض علي قواعده فما طابقها و وافقها فهو راجح و ما انحرف عنها و لم‌يطابقها فهو مرجوح فتأول الميزان الي علم النحو او تأخذ نوعاً اعلي و تقول ان الميزان ما يوزن به الشيء و يقاس به و يعلم رجحانه اي حقيته عن مرجوحه اي باطليته فان الحق ثابت ثقيل متأصل و الباطل زايل خفيف مجتث غير متأصل و منه قوله من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية فالموازين الثقيلة ليست الا الحسنات و من خفت موازينه فامه هاوية فالموازين الخفيفة ليست الا السيئات فالميزان ما يعلم به الحق الثقيل عن الباطل الخفيف فاذاً كلام الله و كلام رسوله و حججه عليهم السلام هو الميزان و القسطاس المسقتيم فانه يعرف بالقياس به الحق من الباطل ما وافقه فهو حق ثقيل و ما خالفه فهو باطل خفيف و تأول الميزان الي القرآن و سنة النبي صلي الله عليه و آله و مرة تأخذ الميزان في النوع الاعلي و تقول ان الميزان هو ما يعرف المتأصل عن المستأصل فان المتأصل ثقيل ثابت و المستأصل خفيف زاهق فذوات الحجج عليهم السلام هي الميزان فمن وافقهم فهو ثابت متأصل و في

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 376 *»

الجنة و العيش الابدي دائم مخلد و من خالفهم فهو مستأصل خفيف زاهق فمثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار و هكذا فيصعد درجات التأويل بقدر سير العالم طولاً و ينتشر عرضاً في الافراد بقدر سيره عرضاً و لكل درجات مما عملوا و فوق كل ذي علم عليم. مثال آخر لذلك الكلمة مثلاً ظاهرها ما يتكلم به الرجل فتقول ان الكلمة لفظ مركب من حروف و سمي الحرف حرفاً لانه طرف الكلمة و اللفظ هو الرمي و سمي الكلمة لفظاً لانها ترمي من الفم و اظهار تلك الكلمة رميها فالكلمة هي المركبة من حروف رميت من مخرجها فمارمي اي ظهر من اليد في الكتابة فهو ايضاً كلمة غاية الامر انها تدوينية و ما ظهر من الفم منطوقية و كذلك اذا ظهر من اليد لا من مادة مدادية بل من خشب او حديد فان صاغ الانسان من الخشب حروفاً مركبةً فهي ايضاً كلمة مصنوعية و كلمة و كذلك اذا صنعها من لحم او عظم و دم و جلد فانها مركبة من حروف و اطراف و رميت و ظهرت باليد فهي ايضاً كلمة و كذا لايلزم ان‌تكون بخط النسخ او التعليق او الرقاع او الكوفي او غير ذلك  بل باي خط كان فالانسان ايضاً كلمة رمتها و اظهرتها يد الصنع و هي ايضاً مركبة من حروف و اطراف و كذلك العرش كلمة و الكرسي كلمة و الافلاك كلمات و العناصر كلمات و كل مولود كلمة ثم تصعد ذلك فتقول لايجب ان‌تكون من حروف جسمية و من نوعها الحروف النوعية فالمثال كلمة و المادة كلمة و الطبع كلمة و النفس كلمة و العقل كلمة و تقول من النوع الاعلي النور بالمعني الاعم فالمشية كلمة و الارادة كلمة و القدر كلمة و القضاء كلمة و هكذا فعلي هذه فقس ماسواها و اعرف درجات التأويل و اعلم ان القرآن الذي يقول سبحانه فيه تبياناً لكل شيء و يقول مافرطنا في الكتاب من شيء و هكذا يجمع الكتاب جميع ما خلق الله سبحانه و يستخرج منه تفصيل كل شيء و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و بذلك اختلفت الاخبار في معني كلمة واحدة و ليست باختلاف بل كلها

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 377 *»

حق مراد واقع ولكن لايعلمه الجاهلون فالراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا و مايذكر الا اولوا الالباب فافهم فقد فتحت علي وجهك باباً اوسع من السماء و الارض و اقدرتك ان اقدرت علي كثير من العلوم و علمتك ان تعلمت ابواباً من علم الكتاب و السنة فاعلم من ذلك انه ليس التأويل كما يزعمه الجهال ان تصرف الكلمة الي معني ليس من صنف الظاهر و لا من نوعه و لا من جنسه و لا من جنس جنسه و هكذا و لو سلكت هذا الطريق لم‌تخط في التأويل كما اخطأ الصوفية خذلهم الله فاولوا قوله سبحانه لهم عذاب عظيم اي عذوبة عظيمة و حكموا برفع العذاب بذلك عن الكفار او كمن يأول هم في جهنم خالدون يعني في نار العشق خالدون و كتأويلات البابية‌ الفجرة حيث اولوا جميع الشرايع في نفوسهم الخبيثة و ادعوا جميع المقامات الالهية ‌كما اظهرنا خطاءهم في كتابنا «ازهاق الباطل» فالتأويل الحق له صراط مستقيم من سلكه وصل و من الحد فيه ضل و في هذا المقام روي ان لنا في كل خلف عدولاً ينفون عن ديننا تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين فالتأويل ان كان في التشريع يأول الكلمات الحقة الي اصنافها و انواعها و اجناسها الحقة و الكلمات الباطلة الي اصنافها و انواعها و اجناسها الباطلة‌و ان كان في التكوين تصرف الي اصناف و انواع و اجناس كونية ثم لاكرامة و لامذلة و لامنقبة و لامثلبة فافهم ما القيته اليك من مكنون العلم فليس من اي الي اي كما زعمه الجاهلون فخبطوا خبط عشواء و ابطلوا الشرايع ثم انكروا الظواهر و تمسكوا بتأويلاتهم الباطلة و خلطوا التكوين بالتشريع فافسدوا بذلك الشرايع و السنن و ظواهر الدين فاستعذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فالتأويل الحق لكلمة لابد و ان‌يطابق مع ظاهر كلمة اخري و الا فلايجوز فهذا هو القانون الكلي في علم التأويل في الرؤيا و  غير الرؤيا فبذلك تعرف ان اكثر تعبيرات المعبرين خبط عشواء لايستند الي مأخذ و ما عسي ان‌يقولوا و شيخهم ابن سيرين السني المعاند للراسخين في العلم صلوات الله عليهم الناصب لهم و لا حق في الدنيا الا ما خرج عنهم و لو تدبرت في ما

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 378 *»

ذكرت لك استغنيت عن بسط تأويل كل شيء شيء و كنت غنياً عن كتبهم عالماً بالتأويل حق العلم فاشكر الله سبحانه علي ما اتيك الله.

فصل: فاذا عرفت قانون التأويل طولاً و عرضاً فلابد لك و ان‌تعرف حال الرائي و درجته و مقامه من انه هل يجب ان‌يأول رؤياه طولاً الي الصنف او النوع او الجنس او جنس الجنس و عرضاً الي اي مصانف او مناوع او مجانس فان الاشخاص يختلفون في الدرجة و الرتبة و الطبيعة اعتبر من تأويل ابي‌عبدالله عليه السلام رؤيا رجل قال رأيت كأن الشمس طالعة علي رأسي دون جسدي قال له تنال امراً جسيماً و نوراً ساطعاً و ديناً شاملاً فلو غطتك لانغمست فيه ولكنها غطت رأسك اما قرأت فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي فلما افلت تبرأ منها ابرهيم قال الرائي جعلت فداك انهم يقولون ان الشمس خليفة او ملك فقال ما اراك تنال الخلافة و لم‌يكن في آبائك و اجدادك ملك و اي خلافة و ملوكية اكثر من الدين و النور ترجو به دخول الجنة انهم يغلطون فقال صدقت جعلت فداك انتهي. فاول الشمس الي جنس يناسب حال الرجل فانه اخذ جنس الشمس و هو ما له النور الساطع الذي يهتدي به الناس في تقلباتهم فالشمس هي مأولة الي رسول‌الله صلي الله عليه و اله كما روي  في و الشمس و ضحيها و نورها يأول الي دينه صلي الله عليه و آله و هداه الذي يهتدي به الناس و طلوعها علي رأس الرجل ظهور الدين لمشاعره و مداركه فيفهمه و يدركه و يناله و عدم تغطيته ساير بدنه عدم انغماسه في الدين اي عمله به باركانه و اعضائه و استدلاله بالاية‌ ان الشمس هي المربية و تبرئ ابرهيم عنها لافولها فالشمس التي لاافول لها و هو محمد صلي الله عليه و آله هو المربي الحقيقي كما قال ابرهيم وجهت وجهي للذي فطر السموات و الارض فالشمس هي المربية لكن ليست بالحقيقية فاولها الي الحقيقية و اخذ الجنس و ترك الخصوصية و هذا هو الوجه الحقيقي في تفسيره الرؤيا و قال المجلسي رحمه الله وجه التعبير ان ابرهيم اهتدي ببزوغ الشمس و افولها الي الحق فانت ايضاً تهتدي الي الدين بطلوع الشمس علي رأسك و ذلك خارج عن قانون التأويل

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 379 *»

فانه لا كل احد يهتدي ببزوغ الشمس حتي‌يكون ذلك  قانوناً كلياً فذلك خارج عن قانون التأويل و الحق احق ان‌يتبع و هو ما ذكرنا و لما كان الرجل ممن يمكن ان‌يهتدي و ينال الدين اخذ له هذا الجنس و لم‌يأخذ له جنس كون الشمس النير الاعظم و سلطان الكواكب و صاحبة الخلافة و الملك فاشراقه علي رأسه يكون له نيلاً بالخلافة و الملوكية فلو رأي هذه الرؤيا احد ابناء الملوك يكون المناسب له التأويل بالخلافة و الملك فالواجب ملاحظة حال الرائي و درجته و مقامه و كما ان الحد المشترك يختلف صوره التي هي مناط الاحكام و الخصوصيات بالقوابل المميزة كذلك الرؤيا فانه يراها كل احد و هي الحد المشترك و تتخصص و تتعين في بطون قوابل الرائيين مثاله الحرارة مثلاً التي هي الحد المشترك فانها في الكم تقتضي الطول و في اللون تقتضي الحمرة و في الوزن تقتضي الخفة و في الطعوم الحدة و في الروايح النافذة و في الجهات المغرب و في الخصال الشجاعة و في الحيوانات السبعية و في الاحوال الكبر و الانفة و في الانفاق البخل و في الرتبة العلو و هكذا فتتصور في بطن كل قابلية بصورتها

كقطر الماء في الاصداف در

و في فم الافاعي صار سما

و كذلك الامر في الاحكام النجومية و الرملية و القيافة فدلايل النحوسة ‌تقتضي نحوسة‌ بحسب مقام الرجل و في فنه و كسبه و رتبته و بلده و هكذا و دلائل السعادة تقتضي السعادة بحسب مقامه و فنه و كسبه و رتبته و بلده و هكذا فلابد من ملاحظة جميع ذلك حتي‌يستقيم الحكم و التأويل فكل رؤيا يمكن ان‌يراها كل احد ولكنها في قابلية كل احد تتغير صورها و احكامها و تعيناتها فلاتغفل عن ذلك فسجار اتون الحمام اذا ترقي صار مستأجر الحمام و المستوفي اذا ترقي صار وزيراً و ولد الملك اذا ترقي صار ملكاً و الملك اذا ترقي غلب علي الملوك و سخر الاقاليم و كذلك تنزل هؤلاء فكن بصيراً خبيراً و انظر فيما تعبر و لمن تعبر و كما تراعي الاشخاص راع الامكنة و الازمنة و الاحوال و السن و الذكورة والانوثة و الكسب و الصنعة وجميع الخصوصيات فاذا اولت لسلطان الايران انك تسخر بلداً ليس بلده الصين و انما هي بلدة قريبة المنال له و اذا اولت انك تجد مالاً فهو

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 380 *»

مال يمكن في ذلك الزمان و هكذا في البواقي فعبر لكل احد في عرصته و حده و مقامه و شغله و ما يناسبه فافهم.

فصل: قد روي عن الكافي بسنده عن معمر بن خلاد قال سمعت اباالحسن عليه السلام يقول انما رأيت الرؤيا فاعبرها و الرؤيا علي ما تعبر. و بسنده عن جابر بن يزيد عن ابي‌جعفر عليه السلام ان رسول‌الله صلي الله عليه و اله كان يقول ان رؤيا المؤمن ترف بين السماء و الارض علي رأس صاحبها حتي‌يعبرها لنفسه او يعتبرها له مثله فاذا عبرت لزمت الارض فلاتقصوا رؤياكم الا علي من يعقل و عن ابي‌بصير عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول‌الله صلي الله عليه و آله الرؤيا لاتقص الا علي مؤمن خلا من الحسد و البغي و روي عنه صلي الله عليه و آله الرؤيا علي رجل طاير فاذا حدثت بها وقعت و احسبه قال لاتحدث بها الا حبيباً او لبيباً و روي الرؤيا علي رجل طاير ما لم‌تعبر فاذا عبرت وقعت و احسبه قال و لاتقصها الا علي واد و ذي رأي و عنه صلي الله عليه و اله الرؤيا تقع علي ما عبرت و مثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متي يضعها و اذا رأي احدكم رؤيا فلايحدث بها الا ناصحاً او عالماً و يأتي ان امرأة رأت رؤيا فقصتها علي رجل اعسر لعنه الله فعبر لها سوء فبلغ النبي صلي الله عليه و اله فقال الا كان عبر لها خيراً انتهي. و لنعم ما قيل في الرؤيا ان الرؤيا طاير فاذا قص وقع و يظهر من هذه الاخبار التي يساعدها صريح (صحيح ظ) الاعتبار ان الرؤيا ليس لتعبيرها طريق معين حتمي فيكون تعبير فلان فلاناً لاغير بل هي علي ما تعبر من خير او شر اما لو كان للتأويل شاهد يسكن به قلب المعبر و المعبر له و قلب المستمعين و كان المعبر ممن يثق به الرائي وثوقاً تاماً و يحسن الظن به و بعلمه و باحاطته بوجوه التأويل من الكتاب و السنة كانت الرؤيا اسرع وقوعاً فتدبر فيما ابديت لك و ما ساذكره من سر ذلك فقد علمتك جميع علم التأويل في هذا الفصل فاسع في ان‌تأول الرؤيا من طريق ذكرته لك في الفصول السابقة ليثق بك الرائي و بعلمك و يتعمق علمك و يتسع

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 381 *»

في باب التأويل و الا فبمقتضي هذه الاخبار و يساعده صحيح الاعتبار الرؤيا علي ما تعبر كيف ما عبر بشرط ان‌يثق به نفس الرائي و يقبل قوله و الا فان لم‌يعتن به و لم‌يسكن قلبه فلاتقع فما قيل ان الرؤيا لاول عابر حق اذا سكن بقوله القلب و الا فلا و ان شئت ان‌تفهم سر كون الرؤيا علي ما تعبر فاصغ لما اقول.

اعلم ان مشاعر الانسان كالمرآة كما ذكرته مكرراً ينطبع فيها كل ما قابلها و الصورة التي فيها لها مادة و صورة مادتها من ظل الشاخص و شبحه المنفصل عنه و صورتها من نفس المرآة من استقامتها و اعوجاجها و صبغها و غير ذلك كما تشاهد في المرايا و قد ظهر لكل احد لكثرة ما كررناه في كتبنا و مباحثاتنا ثم انه قد تحقق عندنا و عند اهل التحقيق ان مناط الاحكام الصور لا المواد الا تري ان الخشب لو صور بصورة صنم يهان و تعظيمه كفر و بصورة ضريح معصوم يكرم و يعظم و اهانته كفر بالله العلي العظيم و الكلب نجس مادام كلباً فاذا استحال ملحاً طهر و صار شفاء و كذلك قال الفقهاء اذا نزي كلب علي شاة فان كان ولدها علي صورة كلب فهو نجس او علي صورة‌ شاة فهو طاهر فالمناط في الاحكام علي الصور و لاينحصر كون مناط الاحكام الصور ان‌يكون بالنسبة‌ الي العباد بل مناط الامداد النازلة الصور فانها تستمد بحسبها و الامداد علي حسب الاستمداد فلذلك كل حبة تزرع تجري امداده علي حسب استمداد تلك الحبة ان كانت حنطة فحنطة او شعيراً فشعير قل لايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم. قل كل يعمل علي شاكلته و وذلك ان المواد متحدة في النوع فلو كان مناط نزول الامداد المواد لكانت الاشياء كلها علي حقيقة واحدة فتبين ان مناط الامداد النازلة و مناط الاحكام الواقعة و مناط التعارف و التعامل في عالم الكثرة الصور السعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه و ام الشيء صورته كما حققناه في محله بما لامزيد عليه فاذ قد تبين لك ذلك فاعلم ان الرائي لايخلو اما ان‌يصعد روحه الي السماء و يخلص عن شوائب الارض و مقتضياتها و اما ان لايصعد فينكب علي وجهه في الارض علي ما بينا فان صعد الي السماء فلايخلو اما ان‌يتوجه الي اعلي عالم المثال المتصل المرتبط بعالم النفوس و اما ان‌يتوجه الي اسفله كما بينا و علي اي حال فاما

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 382 *»

ان‌يتوجه الي باب القدر و اما ان‌يتوجه الي باب القضاء و علي اي حال اما تكون اسباب الوقوع مهياة في الغيب و الشهادة فتقع الرؤيا بلامهلة‌و اما تكون مهياة في الغيب دون الشهادة فيصير القص من اسباب الوقوع و ان كان اسباب القدر مهياة و اسباب القضاء غير مهياة في الغيب و الشهادة معاً او في الشهادة وحدها صار القص من اسباب القضاء و يقضي الامر بمهلة بعد القص علي تفصيل اذكره لك و ان انكب علي وجهه و رأي ما رأي في الارض فرآه في بخارات صاعدة من معدته الي دماغه فكان الشاخص تلك البخارات و وقع اشباحها في مرآة الخيال فرآها كما هي او كما هو فذلك كذب و كذا ان كان في الخارج ابخرة و ادخنة و اغبرة فدخلت جوف الانسان و صعدت الي دماغه فصارت شاخصاً لمرآة الدماغ و الخيال فرآه كما هو او كما هو اي كما يكون الخيال عليه و كذا ان كان مكان الرؤيا مأوي الشياطين و مخبة فتعلقوا به و دخلوا جوفه و قابلوا خياله فوقع اشباحهم فيه فرآهم كما هم او كما هو و كذا اذا كانت الاوضاع الفلكية سبب تغير الاوضاع السفلية و تغيرت الاوضاع فتوجه الخيال الي الشياطين المثارة فواجهوا خياله فرآهم كما هم او كما هو و هكذا ما يشاكلها مما مر ففي جميع هذه الاحوال يري الانسان صوراً باطلة غير مطابقة و غير واقعة كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئاً و وجد الله عنده فوفيه حسابه و الله سريع الحساب و قد يكون الخيال مضطرباً فيري بعض الاشياء في السماء و بعض الاشياء في الارض في منام واحد فيصدق بعضه و يكذب بعضه و اما التعبير فهو من متممات قابلية الوقوع و من مقلبات الرؤيا ان كان ممن يوثق بقوله و يطمئن به النفس و الا فلا فهذه فذلكة امر الرؤيا و التعبير قد احتوت علي اسرار عربی جمة و نعنون فصلاً آخر لبيان براهين ما ذكرناه في هذا الفصل لتكون علي بصيرة.

فصل: اعلم انه ما من شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب و كل شيء عند مؤثره القريب مخلوق

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 383 *»

بنفسه فهو فعل للعالي و هو مفعول بنفسه من حيث انها فعل العالي فاذاً لكل شيء مراتب فعلية و هي السبعة‌ المذكورة فمقام كون الشيء مشية ذكره الاول اي مادته النوعية فذكره الاول من حيث الاعلي مشية و من حيث هو مشاء و مقام كونه ارادة صورته النوعية فهي من حيث الاعلي ارادة و من حيث هي مرادة و مقام كونه قدراً مادته الشخصية من حيث الاعلي و هي من حيث هي مقدرة و مقام كونه قضاء صورته الشخصية من حيث الاعلي و هي من حيث هي مقضية و حيث كونه في كل مرتبة واقفاً موقف الاستيذان مستأذن و من حيث الاعلي بعد وجود المقتضي و فقد المانع اذن و من حيث محصوريته بين مبدء و منتهي ذو اجل و من حيث الاعلي اجل الله و من حيث نفسه مكتوب في لوح حده و مقامه و من حيث الاعلي كتب الله سبحانه و ان من شيء يوجد في العالم الا بهذه السبعة و هي امور اضافية‌ فالبيت مثلاً في الماء و التراب تحت المشية واقف ببابها و في الطين تحت الارادة واقف ببابها و في اللبن تحت القدر واقف ببابه و في التركيب تحت القضاء واقف ببابه فاذا ابرم و تم وقع القضاء ‌بالامضاء افهم ما اقول لك فالاشياء مشروحة العلل مبينة الاسباب مكتوبة في لوح القضاء فان مضت فهي مثبتة في اللوح المحفوظ و هو لوح الامضاء و اما قبل كتبها في لوح القضاء فهي في فوارة القدر و قبلها في عين الارادة و قبلها في بحر المشية و يمكن للناظر في الشيء الممضي ان‌يري فيه هذه المراتب كما هو بينن فالشيء لايخرج من بحر المشية الي ساحل الارادة الا ان‌يوجد المقتضي و يرفع المانع فالمقتضي له من اسباب السموات و الارض و ما بينهما و ابي الله ان‌يجري الاشياء الا باسبابها. مثاله في المثال المذكور موجود و هو ان الماء و التراب موجودان و لاطين فان سألك سائل و لم‌يكن مانع قمت و عجنت التراب بالماء و صنعت الطين و الا فلا فان وجدت الاسباب المقتضية و فقدت الموانع جري الطين و ماجري فبارادة الله سبحانه فتعلقت الارادة بالطين عند طلب الطالب منك و وجود الاسباب و تحريكك الماء و الطين و جمعك لهما فافيض عليهما صورة‌ الطين بارادة الله بالاضافة الي البنا قال الله سبحانه بكفرهم لعناهم و قال يهديهم ربهم بايمانهم و قال بل طبع الله عليها بكفرهم و امثال

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 384 *»

ذلك فما جري بوجود المقتضي و فقد المانع فهو المنفعل بالجري و المجري هو الله سبحانه هذا حكم كل شيء من الدرة الي الذرة افهم ما افهمتك و حز ما القيت اليك من مكنون العلم فاذا دخل الشيء في عين الارادة فليس يجري في فوارة القدر الا بوجود المقتضي و فقد المانع علي حسب ما بينت فاذا جري في فوارة القدر فلايجري منه في مصنع القضاء الا بوجود المقتضي و فقد المانع و لايمضي الا بعد تحقق العلل و الاسباب المقتضية لوجوده جميعاً و فقد موانعه جميعاً فمادام موانع التركيب موجودة و مقتضيه مفقوداً كان الشيء تحت القدر و ذلك في عالم الشخصيات ففي ذلك العالم الاشياء كلها واقفة تحت القدر الي ان‌يأذن الله بها بالخروج عند وجود اسباب القضاء و تتقلب في مدارج القضاء الي ان‌يمضي فاذا عرفت هذا التفصيل فافهم ان الشخص اذا رأي رؤياً و ليس في نفسه و لا في الخارج اسباب شيطانية مغيرة لمرآته كما ذكرنا و رأي الشيء في لوح الامضاء فتعبير تلك الرؤيا قبل حصولها فانه قد رأي ما امضي و مضي و ما سيأتيك لم‌يمض عند الخلق و لايحيط به الخلق الجزوي الذي هو في عرض الجزئيات الا بوحي خاص و الا فالعلم بما سيأتي مخصوص بالله سبحانه عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا من ارتضي من رسول و روي ان الشهادة ما قد كان و الغيب ما لم‌يكن و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا و ماتدري نفس باي ارض تموت اللهم الا بوحي و تعليم خاص و الا ما هو بعد في فوارة القدر يحتمل البداء و الخروج و عدم الخروج و لما يوجد مقتضي خروجه و لما يرفع موانعه فهو بعد في الامكان و العلم الامكاني مخصوص بالله سبحانه لانه المحيط بما كان و ما يكون و العالم بان ما يكون اذا كان كيف يكون لايعلمه الا الله و ان الساعة آتية اكاد اخفيها من نفسي لتجزي كل نفس بما تسعي فعنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو و ما علمه الحجج من الامور الاتية من غير طريق الوحي الخاص فبالاطلاع علي اسباب السماوات و الارض و ذلك مما يمكن فيه البداء فلايحكمون بعدم البداء الا من طريق الوحي فما رآه الرائي في لوح الامضاء فتأويله قبل رؤيته و ما رآه في لوح القضاء فذلك يقع بعينه بلامهلة فيراه متي ما فتح عينه لانه رآه في لوح القضاء الحاضر و ربما

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 385 *»

رآه في لوح القضاء و لم‌يبرم في الشهادة ابراماً و ان ابرم في الغيب ولكن لما ينزل فذلك الموقوف الذي يتوقف الي حصول المقتضي في الشهادة و رفع الموانع و من اسباب وقوع الرؤيا المقتضية قضاءها في الخارج و ابرامه القص فمن ذلك روي ما معناه ان الرؤيا طاير فاذا قص وقع و ذلك ان الرؤيا اذا قصت تأكدت صورتها في الخيال و ارتسمت فهي مستمدة متوقعة من الله سبحانه وقوعه في الخارج فهذه الرؤيا موقوفة تترفرف فوق رأس صاحبها فاذا قصت وقعت و لربما وقعت بعد حين من غير قص الا ان التفكر في الرؤيا و تجديد تصورها و قصها الذي هو تكميل تصويرها في الالواح الظاهرة من اسباب سرعة الوقوع و ذلك لاجل ان نفس الانسان سابقة علي الاجسام و مقدمة علي العرش و ما فيها فاذا ادام الانسان تصور الشيء وقع ظله علي الكواكب السماوية و  جرت به كما يجري اعضاؤك بمقتضي خيالك ان لم‌يكن مانع اقوي فاذا جرت النجوم به نزلت آثارها في السفليات و تصور الامر المطلوب مقضياً فان كان ذلك  الانسان كلياً وقع شبح ما في نفسه في النجوم و جرت به لان القوي لايمنع من ارادته مانع و ان كان ضعيفاً يدور الامر مدار الضعف و القوة و لذلك لاينبغي للمؤمن ان‌يتعول علي سعود النجوم و نحوسها و توكله يقهر النجوم و دعاؤ المؤمن للمطر او غيره من المطالب و المآرب يقهر النجوم و يجريها علي حسب ميله و مسألته افهم ما القيه اليك من مكنون العلوم بالفاظ موجزة مثال ذلك انك لو وضعت مرآة تحت السماء انطبع فيها مثال كل السماء و ينطبع فيها كل نجم نجم و ان كان صغيراً فالنفس الكلية هي المنطبع في النجوم عكسها و النفوس الجزئية ايضاً ينطبع عكسها في السماء و النجوم فاذا كان في نفس صورة‌ انطبع مثال تلك الصورة‌ في الافلاك و النجوم ايضاً فان لم‌يكن مانع اقوي جرت به و الا انتظرت رفع الموانع فتصور المؤمن من اسباب وقوع الصورة في العالم و لو كان قوياً لوقع جميع ما يريد كما قال ذلك المؤمن «انا نترك ما نريد لما يريد فاذا اردنا شيئاً يريد» اعرني لبك و افهم ما اقول فاذا رأي المؤمن شيئاً في لوح القضاء و قد تم اسباب وجوده في الغيب و الشهادة وقع بلامهلة و ان تم في الغيب

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 386 *»

و لم‌يتم في الشهادة فتذكر المؤمن رؤياه بعد التنبه و قصه من اسباب وقوع الرؤيا و ان كان ضعيفاً فيقع بعد مهلة الي ان‌تكمل اسباب الوقوع ان شاء فالرؤيا طاير فاذا قص وقع و كذلك اذا رآها عند فوارة القدر و قابل بذهنه الي فوارة القدر و رآها و لم‌يقض في الغيب و لا الشهادة فذلك اكثر تمهلاً و يحتاج الي قوة شديدة فان كان قوياً كان تصويره لها و نظره فيها ثم قصها من اسباب تهيئة القضاء و وقوعه بالامضاء و لايمنع منه مانع و الا فبحسب قوته و ضعفه فان اعانه الله بتهيئة ساير المقتضيات و رفع الموانع كان رؤيته ذلك من احد اسباب الوقوع المقتضية له البتة فتدبر و ان رأي ما رأي في الارض و بالشواخص الارضية فلايؤل الي خير فانه لم‌يكن مما شيء و اريد و قدر و قضي في الافلاك و لم‌يجر به الاسباب العلوية و انما هي صور باطلة سجينية و لايغير الاسباب العلوية البتة فهي كاذبة ثم ان عبرت الرؤيا علي معني غير ما تصوره الرائي في منامه فينمحي عن نفسه صورة ما رأي و يثبت فيها صورة ما اوله المأول مثلا اذا رأي انه شرب لبناً و اول المأول انه علم و تكتسب علماً فينمحي عن ذهنه صورة‌ اللبن و يثبت فيه صورة العلم فاذا ثبت في نفسه صورة‌ العلم و رسخت فيها وقع ظل العلم في النجوم و جرت به كما ذكرنا فالتعبير يغير الصور النفسية البتة كما هو مشاهد فيرجع الامر الي ما في النفس و لو كان التعبير قد صدر من المعبر علي خلاف الحكمة لمصلحة كما روي عن الكافي بسنده عن الحسن بن الجهم قال سمعت اباالحسن عليه السلام يقول الرؤيا علي ما تعبر فقلت له ان بعض اصحابنا روي ان رؤيا الملك كانت اضغاث احلام فقال ابوالحسن عليه‌السلام ان امرأة رأت علي عهد رسول الله صلي الله عليه و آله ان جذع بيتها انكسرت فاتت رسول الله صلي الله عليه و آله فقصت عليه الرؤيا فقال لها النبي صلي الله عليه و آله يقدم زوجك و يأتي و هو صالح و قد كان زوجها غائباً فقدم كما قال النبي صلي الله عليه و آله ثم غاب عنها زوجها غيبة اخري فرأت في المنام كأن جذع بيتها قد انكسرت فاتت النبي صلي الله عليه و آله فقصت عليه الرؤيا فقال لها يقدم زوجك و يأتي صالحاً فقدم علي

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 387 *»

 ما قال ثم غاب زوجها ثالثة فرأت في منامها ان جذع بيتها قد انكسر فلقيت رجلا اعسر فقصت عليه الرؤيا فقال لها الرجل السوء يموت زوجك فبلغ النبي صلي الله عليه و آله فقال الا كان عبر لها خيراً و عن روايات العامة ان ذلك الرجل كان ابابكر و قال لها النبي صلي الله عليه و آله هل قصصتها علي احد قالت نعم قال هو كما قيل لك انتهي. و الغرض ان الرؤيا علي ما تعبر و ان كان علي خلاف الحكمة لمصلحة كما صنعه النبي صلي الله عليه و آله فان انكسار الجذع في الحكمة فوت الزوج ولكن قلب النبي صلي الله عليه و آله رؤياها عطفاً بها و تفألاً بالخير فوقع كما عبر و اما الرجل الاعسر لعنه الله و هو المشوم لم‌يعطف عليها و لم‌يتفأل بالخير من شومه فوقع كما قال فان الرؤيا علي ما تعبر فان ذهنها انصبغ بتأويله فجري كما مر و كانت الاسباب المقتضية ايضاً موجودة و الموانع مفقودة فجري ما جري و لعل النبي صلي الله عليه و آله لم‌يغير التعبير لانه قضي الامر و الا فالحق انه ليست الرؤيا لاول عابر بل الرؤيا لاقوي العابرين كما يأتي من تعبير الصادق عليه‌السلام و ابي‌حنيفة و وقوع ما قال عليه‌السلام دون ما قال ابوحنيفة لعنه‌الله بل اقول الرائي و ان كذب الرؤيا و لم‌يرها و عبر المعبر و انتقض في ذهن الرائي ذلك وقع تعبيره كما وقع تعبير رؤيا يوسف عليه‌السلام في السجن و انكر الرائي رؤياه فقال عليه‌السلام قضي الامر الذي فيه تستفتيان فان المناط انتقاش الصورة فاذا فهمت ذلك علمت انه لايشترط في وقوع الصور الخيالية المنام و الرؤية فيه بل اذا تخيل الانسان في اليقظة و رسخ فيه و عزم عليه وقع ما تخيله و علي ذلك مناط علم الصوفية النقشبندية الذي يتصورون الاسم المطابق لمطلبهم و ينقشونه علي جدار و يديمون النظر اليه حتي‌يقع حاجتهم و سمعت ان بعض الجوكية اذا مرضوا تصوروا الصحة حتي اذا قوي تصورهم صحوا عن مرضهم و وقوع آثار التخيلات لاتخفي علي ممارس و ان الله عند ظن عبده ان خيراً فخيراً و ان شراً فشراً فمن راقب خيراً من الله وجده و من راقب شراً وجده و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم فاصبحتم من الخاسرين. فيا ولدي احسن الظن بالله

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 388 *»

حتي‌تجد ظنك احسن الظن و لو بحجر يلقي الله مطلوبك فيه و من هذا الباب ما روي عن الكافي بسنده عن عمرو بن حريث قال قال ابوعبدالله عليه‌السلام الطيرة علي ما تجعلها ان هونتها تهونت و ان شددتها تشددت و ان لم‌تجعلها شيئاً لم‌تكن شيئاً انتهي. و من هذه الجهة نفوا الطيرة نهياً لئلا ترتسم في نفوسهم صور مكروهة فتقع عليهم و قد روي عن الكافي بسنده عن السكوني عن ابي‌عبدالله عليه‌السلام كفارة الطيرة التوكل و انما ذلك لانه يرتسم في نفوسهم بعد صورة الطيرة صورة كفاية الله و دفعه الشر فيحسن ظنه بالله فيقع ما ظنه فقد روي في الكافي بسنده عن ابي‌عبيدة الحذاء عن ابي‌جعفر عليه‌السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال الله تبارك و تعالي في حديث ولكن برحمتي فليثقوا و فضلي فليرجوا و الي حسن الظن بي فليطمئنوا فان رحمتي عند ذلك تدركهم و مني يبلغهم رضواني و مغفرتي تلبسهم عفوي فاني انا الله الرحمن الرحيم و بذلك تسميت و عن اسمعيل بن بزيع عن الرضا عليه‌السلام احسن الظن بالله فان الله عزوجل يقول انا عند ظن عبدي المؤمن بي ان خيراً فخيراً و ان شراً فشراً و لا علينا ان‌نعنون لذلك فصلا آخر فان لنا فيه علماً رفيعاً و مطالب جليلة.

فصل: اعلم ان موضع الرؤيا و موضع التصورات في اليقظة واحد فان موضعهما كليهما بنطاسيا كما حققنا سابقاً و الفرق بين الرؤيا و ساير التصورات في شدة التوجه الي بنطاسيا و ضعفه ففي الرؤيا يتعطل الحواس الظاهرة و يتوجه النفس الي بنطاسيا بكلها و اما في اليقظة فهي متوجهة الي الظاهر ايضاً علي نحو التعاقب فلايتمحض ادراكها بالبنطاسيا فلاتري منه صافياً بيناً بخلاف الرؤيا فلو محضت التوجه الي بنطاسيا او قوته رأت ما فيه اوضح و ابين بل ربما يؤدي ذلك الي عدم احساسها بالحواس الظاهرة‌كما يشاهد ممن يتعمق في التفكر و الخيال فلافرق بين التصور و الرؤيا بوجه الا في الضعف و الشدة و كل اثر يترتب علي الرؤيا يترتب علي التصور البتة الا ان اثر التصور اضعف و لذا روي عن ابي‌عبدالله

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 389 *»

عليه السلام رأي المؤمن و رؤياه جزء من سبعين جزءاً من النبوة و منهم من يعطي علي الثلث و لو ترك الانسان التعمد و الصبغ فلربما جري في ذهن الانسان صورة ما مضي من الاشياء او صورة ما بقي ألم‌‌تجرب ان الانسان ربما يكون جالساً خالياً فيجري في ذهنه صورة شيء او يشتهي شيئاً فاذاً بذلك الشيء قد حضر و لو بعد لميحة او آنات علي صفة ما ورد في ذهنه او بادني تأويل و هو تعبير تصوره و قد وقع او ربما يلهم بشيء بالجملة لم‌اجد فرقاً علماً و عملاً و تجربة بين التصورات الواردة في الخيال و بين الرؤيا و لكليهما اثر خارجي البتة فان بنطاسيا فوق العرش و ارض عالمه الطف من محدب العرش بسبعين مرة فكل ما يقع في بنطاسيا ينطبع مثاله في العرش البتة ثم في الكرسي ثم في الافلاك ثم ينزل الي الارض غاية الامر انه لا كل تصور يظهر اثره كما ان لا كل رؤيا يظهر اثرها فان الرؤيا ما كان منها من السماء و في السماء ظهرت آثارها ان لم‌يبد لله سبحانه فانها من منازل التقدير و ماكان منها من الارض و في الارض لا اثر لها لانها لم‌تأت من منازل التقدير فكذلك التصور ما كان من الارض اي من ارض الممات او العادة او الطبيعة او الشهوة او الغضب او الالحاد او الشقاوة و ما كان منه متلقي من ايدي الشياطين الساكنة في هذه الاراضي فليس بسماوي و لا اثر له اللهم الا ان‌يكون التصور متلقي من ايدي الشياطين المادية او الجنية او الانسية التي هي من وراء هذه الافلاك فان بنطاسيا اذا تلقيها من ايديهم و رأي في الاراضي الدهرية و طبقاتها الدهرية فان ذلك يمكن ان‌يؤثر في هذه الدنيا و يجري في السموات و النجوم و تجري به فان هذه الدنيا بسماواتها و ارضيها ملتقي الجمان جم الملئكة و جم الشياطين و جم النور و جم الظلمة و لذلك يخرق شياطين الجن و سكنة بنطاسيا هذه السماوات و الذين لايخرقون هذه السماوات سكنة هذه الارض من شياطين طبيعية و شياطين جمادية و نباتية فانهم منعوا من خرق السماوات و اما شياطين الجن فانهم يخرقونها نعم لايخرقون سماوات بنطاسيا و شياطين الانس يخرقون هذه السماوات و سماوات بنطاسيا و لايخرقون سماوات النفوس فافهم فما تلقاه الانسان من ايدي اولئك الشياطين الخارقين و ثبت في نفسه فيمكن ان‌يلقي الشبح في هذه النجوم و تجري

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 390 *»

به ان لم‌يكن مانع اقوي و من ذلك يؤثر حسد الحاسد في المحسود و يزول نعمته بحسده فان الحاسد دائم التصور لزوال نعمة المحسود فيقع شبحه في النجوم و تجري بزوال نعمة المحسود و لذلك امر الله بالاستعاذة به من شر حاسد اذا حسد و روي في الكافي بسنده عن السكوني عن ابي‌عبدالله عليه‌السلام قال قال رسول‌الله صلي الله عليه و آله كاد الفقر ان‌يكون كفراً و كاد الحسد ان‌يغلب القدر انتهي. فالحاسد اذا تمني زوال نعمة المحسود و دام علي ذلك ليلاً و نهاراً حتي رسخ في نفسه صريحاً بيناً صار منشأ مثال فان الشبح في المرآة ما لم‌يتصرع لم‌يقع منه مثال في مرآة اخري فاذا تصرح تمني الزوال في نفس الحاسد وقع مثاله في النجوم و جرت به فزال نعمة المحسود و ازالة‌ الله نعمة المحسود بهذا السبب فتنة منه له او عقوبة لمعصية صدرت منه او من اسباب الفناء كما يزيل الصحة بلسع العقرب او لذع الحية بلاتفاوت و من هذا الباب عين العيان فان العيان اما يستحسن شيئاً و هو غير متذكر انه نعمة الله و فضله و بمشيته و ارادته و يري في المخلوق نفسه كمالاً منقطعاً عن الله فاذا رسخ في نفسه حسنه منقطعاً عن الله و كماله و قوته من غير روية فضل يستحق بذلك انقطاع المدد عن الله سبحانه فاذا وقع شبح ذلك في النجوم جرت بانقطاع المدد عنه و زوال نعمته سواء كانت النعمة في نفسه او جسم غيره. فان قلت اما في نفسه فلاضير فان استحسانها منقطعة عن الله عصيان و يذوق وبال عصيانه و اما في غير فلم قلت لان الابدان العرضية‌ الدنياوية لاتخصيص لها بشخص دون شخص و ان هي الا جماد صالح لكل شخص بعد الكسر و الذوب و النفوس مهيمنة عليها و نفس العيان مهيمنة عليها فاذا استحسنها منقطعاً عن الله سبحانه انقطع المدد عنها فيؤثر عين زيد في بدن عمرو كما يؤثر في الجدار و الجبل و الشجر و الدواب و غيرها فافهم فانه دقيق و لاتسمعه الا عنا و لاتجده الا عندنا ببركة محمد و آل‌محمد عليهم‌السلام و لذلك روي عن نوادر الراوندي باسناده عن موسي بن جعفر عن آبائه عليهم‌السلام قال قال رسول‌الله صلي الله

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 391 *»

 عليه و آله مارفع الناس ابصارهم الي شيء الا وضعه الله و عن اميرالمؤمنين عليه‌السلام ماقال الناس لشيء طوبي له الا و قد خبأ له الدهر يوم سوء و روي ان العضباء ناقة النبي صلي الله عليه و آله لم‌تكن تسبق فجاء اعرابي علي قعود له فسابق بها فسبقها انتهي. و لو نظر الناظر العيان الي شيء و استحسن نعمة الله عليه و استكثر فضل الله عليه و ذكر الله لم‌يضره كما قال سبحانه لولا اذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لاقوة الا بالله و روي عن النبي صلي الله عليه و آله اذا نظر احدكم الي انسان او دابة او الي شيء حسن فاعجبه فليقل آمنت بالله و صلي الله علي محمد و آله فانه لايضره عينه و عنه صلي الله عليه و آله العين حق فمن اعجبه من اخيه شيء فليذكر الله في ذلك فانه اذا ذكر الله لم‌يضره و عن ابي‌عبدالله عليه‌السلام العين حق و ليس تأمنها منك علي نفسك و لا منك علي غيرك فاذا خفت شيئاً من ذلك فقل ما شاء الله لاحول و لاقوة الا بالله العلي العظيم ثلثاً و عنه صلي الله عليه و آله من اعجبه من اخيه شيء فليبارك عليه فان العين حق و عنه عليه السلام لو كان شيء يسبق القدر لسبقه العين. و اما يحسد العيان و يتحسر علي فقده لتلك الحال او الجمال و علي وجودهما في غيره و يشير الي ذلك رقية جبرئيل للنبي صلي الله عليه و آله بسم الله ارقيك من كل عين حاسد الله يشفيك فان ضر من باب الحسد فكما مر و للناس في سبب ضرر العين اقوال يضحك منه الثكلي فمنهم من قال انه يخرج من العين الصائبة الي الشيء المستحسن اجزاء لطيفة تتصل به و تؤثر فيه و منهم من قال انه فعل الله بالعادة لضرب من المصلحة و منهم من زعم انه غير ممتنع ان‌يكون تغيير نعمة زيد مصلحة لعمرو العيان و اذا ذكر الله العيان يقوم ذكره مقام المصلحة و قيل ان بعض النفوس كما يؤثر في بدنه لايبعد ان‌يؤثر في ابدان غيره و ذكرت ما ذكرت استطراداً و لتعلم مقدار فهم الناس و علومهم و كل ذلك لاجل ان الصور النفسانية فوق الاجسام و تقع اشباحها في الافلاك و النجوم و تجري به و يجري آثارها في السفليات و ليس ذلك بمؤثر الا بشرط ان لايكون مانع اقوي و يساعده

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 392 *»

ساير المقتضيات التي هي قوابل مشية الله فما شاء الله كان و ما لم‌يشأ لم‌يكن و لاحول و لاقوة الا بالله نعم ان ذلك احد المقتضيات فان كانت البواقي موجودة فهو من المتممات و المؤيدات و الا فلايقع التأثير لا من العين و لا من الحسد و لا من وضع من الاوضاع الفلكية و لا غيرها الا ان‌يشاء الله فاذا اراد الله شيئاً هيأ اسبابه و قرب المقتضيات و بعد الموانع حتي‌يجري ما اراد كما قال تعالي و اذ يريكموهم اذا التقيتم في اعينكم قليلاً و يقللكم في اعينهم ليقضي الله امراً كان مفعولاً و الي الله ترجع الامور و للشيء الواحد اسباب عديدة بل كل شيء له مدخلية في كل شيء و كذلك امر التصورات في اليقظة فاذا كانت ثابتة في النفس راسخة كانت من اسباب القضاء ان لم‌يكن مانع اقوي فان كان المتصور تصوره اقوي الاشياء لقوة نفسه دفع الموانع و قوي ساير المقتضيات و وقع ما تصور مقضياً ممضي و الا فهو احد الاسباب ينتظر به الي تكمل الاسباب و رفع الموانع و ليس يهلك في ملك الله سبحانه فان لم‌يجر و لم‌يقض في الملك لعدم اتفاق المقتضيات و عدم دفع الموانع يؤتاه في الملكوت و لذلك لايرد دعائ المؤمن ابداً اذا احسن الظن بربه و ظن الاستجابة و عاود الدعاء عند ضعفه او دعا مرة عند قوته فاذا كان الداعي قوياً لايرد له دعوة ابداً ادعوني استجب لكم اجيب دعوة الداع اذا دعان فافهم هذه النكات العجيبات التي لاتكاد تراها في كتاب و تسمعها من خطاب الا من ابيك فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان رسوخ الصورة في النفس ان لم‌تكن منطبعة فيها من الارض و كانت من السماوات او من الملكوت من اعظم اسباب القضاء فان تلقتها من الملئكة و اخذتها من باب القدر متوجهة الي الله فيها فيقع اثرها في الدنيا فيضاً و تسديداً و نعمةً و فضلاً و ان تلقتها من الشياطين الملكوتية و اخذتها من الارض منقطعة عن الله سبحانه يقع اثرها كما شاء الله خذلاناً و استدراجاً او تنبيهاً و تذكيراً فللتصورات الراسخة آثار عظيمة و احوال عجيبة لاتنكر و مدار الشرع علي ذلك و جميع العقايد و الخصال القلبية التي بها تصلح امور الدنيا و الاخرة من هذا الباب ولكن اكثر الناس لايعلمون ان تخفوا شيئاً في انفسكم او تبدوه يحاسبكم به الله فافهم و لااحب الافصاح بجميع ما علمني الله من هذا العلم

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 393 *»

فلا كل مايعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله.

فصل: اعلم انه قد روي روايات كثيرة في ان من رأي النبي صلي الله عليه و آله او آله او احداً من شيعتهم فقد رآهم و ان الشيطان لايتمثل بصورتهم فمنها ما روي عن جامع الاخبار و العيون و المحاسن للصدوق عن النبي صلي الله عليه و آله ان رسول‌الله صلي الله عليه و آله قال من رآني في منامه فقد رآني فان الشيطان لايتمثل في صورتي و لا في صورة احد من اوصيائي و لا في صورة احد من شيعتهم و ان الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة و روي من رآني فقد رآني فان الشيطان لايتشبه بي و روي من رآني نائماً فكأنما رآني يقظاناً و روي من رآني فقد رأي الحق فان الشيطان لايترائي بي و للناس في معني هذه الاخبار اقوال فمنهم من زعم ان من رآهم علي الطاعات فقد رآهم و من رأي امثالهم علي المعاصي فلم‌يرهم و من رأي امثالاً في غير طاعة و معصية فهو محل شك و استدلوا لجواز تمثل الشيطان بصورتهم ان البشر يدعي في اليقظة انه اله فما المانع من ان‌يدعي ابليس عند المنام بوسوسة له انه نبي و برؤية الشيعي و السني و الناصبي النبي صلي الله عليه و آله في منامه و امره له بما يناسب دينه و مذهبه و منهم من قال ان المراد رؤيتهم بصورهم الاصلية و منهم من قال باي صورة كانوا و قيل ليس المراد من قوله من رآني فقد رآني انه رآه بل رأي مثالاً صار آلة يتأدي بها معني في نفسي اليه و صار واسطة بينه و بيني في تعريف الحق اياه و الحق ان ما يراه حقيقة روحه المقدس و يعلم الرائي كونه النبي بخلق علم لاغير و قيل فقد رآني اي رؤياه ليست اضغاث احلام و لاتخييلات الشيطان كما روي فقد رأي الحق ثم الرؤية بخلق الله لايشترط فيها مواجهة و لا مقابلة فان قيل كثيراًما يري علي خلاف صفته و يراه شخصان في حالة في مكانين قلت ذلك ظن الرائي انه كذلك و قد يظن الظان بعض الخيالات مرئياً لكونه مرتبطاً بما يراه عادة فذاته الشريفة هي مرئية عادة و منهم من انكر ذلك و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 394 *»

قال هذا قول يدرك فساده باوائل العقول و يلزم عليه ان لايراه احد الا علي صورته التي مات عليها و ان لايراه رائيان في آن واحد في مكانين و ان يحيي الآن و يخرج من قبره و يمشي في الاسواق و يخاطب الناس و يخاطبونه و يلزم من ذلك ان‌يخلو قبره من جسده و منهم من قال انها ليست رؤية بالحقيقة و انما هو بحصول الصورة في الحس المشترك او غيره بقدرة الله تعالي و الغرض من ذلك بيان حقيقة الرؤيا و انها من الله لا من الشيطان و هذا المعني هو الشايع في مثل هذه العبارة كأن يقول رجل من اراد ان‌يراني فلير فلاناً او من رأي فلاناً فقد رآني او من وصل فلاناً فقد وصلني الي غير ذلك من الاقوال المتهافتة التي لاتسمن و لاتغني من جوع و اما التحقيق في ذلك ان الله سبحانه خلق اهله من عليين قلوبهم و ابدانهم فلايطلبون الا هناك و لايوجدون الا هناك كما بدأهم يعودون و خلق اهل الباطل من سجين قلوبهم و ابدانهم فلايطلبون و لايوجدون الا هناك فمن رام النظر الي السماء رفع رأسه و نظر اليها و من رام النظر الي الارض دلي رأسه و نظر اليها و قد قدمنا سابقاً ان اصل الرؤيا ان‌ينظر الانسان بعين بنطاسيا و مشعره في عالم المثال الي المثل المكتوبة في لوح البرزخ فينطبع في مرآة حسه اشباح تلك المثل و تلك المثل كالشواخص و اشباحها الاتية الي بنطاسيا مادة الرؤيا و صورتها من صورة مرآة بنطاسيا و استقامتها و اعوجاجها و صفائها و كدورتها و الوانها فالمرئي في بنطاسيا مركب من مادة و صورة ولكنه وسيلة النفس الي الشواخص الخارجية كما ان الشيء ما لم‌ينطبع مثاله و شبحه في عينك لم‌تره و المرئي في العين و هو وسيلة الي الاشياء الخارجية فالمقصود المتوجه اليه هو الشيء الخارجي الا ان الوسيلة اليه هي ما في الحس و مع كون المرئي في الحس ترفع رأسك الي السماء ان قصدتها و تدلي رأسك الي الارض ان قصدتها و ليست الارض اصل مادة المرئي ان رأيت السماء و ليس السماء اصل مادة الارض ان رأيت الارض فافهم ما اقول لك و ما لم‌تواجه شيئاً لم‌تره و كذلك خيالك ما لم‌يتوجه الي شيء و لم‌يواجهه في نوم او يقظة لم‌ينطبع فيه شيء و لم‌يتصوره البتة فاذا توجه الي مثال زيد انطبع فيه شبح زيد فكان لتصوره شبح زيد مادة و كانت الصورة من مرآة

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 395 *»

خياله ان كانت مستقيمة فمستقيمة و الا فمعوجة و اذا توجه الي مثال عمرو يأتيه شبحه مادة و تتصور بصورة خياله فاذا توجه الي زيد لايمكن ان‌يصير شبح عمرو مادة خياله و اذا توجه الي عمرو لايمكن ان‌يصير شبح زيد مادة خياله نعم يأتي الخلاف في صورة الخيال المكتسبة من مرآته و هي اي الصورة هي مناط الاحكام و الخطاء و الصواب و الحسن و القبح و الصدق و الكذب و امثال ذلك  لا المادة فاذا توجه الي زيد و مرآة‌ خياله  عوجاء يتعوج مثال زيد فيها البتة و ان كانت مستقيمة يظهر فيها مثال زيد كما هو فالتخالف من قبل مرآة‌ الخيال و المقصود المتوجه اليه واحد اللهم الا ان‌يعتقد المتخيل غلطاً ان زيداً عمرو فتوجه الي زيد لارادته عمرواً فحينئذ يأتي الخلاف من قبل المادة فيخبر عن خياله اني رأيت زيداً و سمعت زيداً و الذي توجه اليه هو عمرو و هو لايعلم  عن قصور او تقصير فحينئذ يكذب في اخباره عن زيد و هو لايعلم و قد تشبه له بزيد عمرو و لبس عليه الامر و هو لايعلم فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاخبرني ان النبي صلي الله عليه و آله و آله عليهم‌السلام و شيعتهم هل خلقوا من عليين او سجين بل من عليين فيطلبون في عليين او في سجين و يوجدون في عليين او في سجين و يرون في عليين او في سجين بل في جميع ذلك في عليين فكل من قصدهم في يقظة او في منام توجه بمرآة خياله الي عليين البتة لا غير ذلك فاذا توجه الي عليين هل يكون هناك شيطان يجعل شبحه مادة خياله و تصوره ام لا بل لايكون و قد طرده الله من عليين و الجنة و اخرجه منها فليس هناك شيطان حتي‌يتصور و يتمثل بهم و يجعل شبحه مادة خيال الرائي و كذلك اذا كان اعتقاد الرائي صحيحاً حقاً في حق النبي صلي الله عليه و اله و في حق آله و في حق شيعتهم فتلك الصورة ايضاً صورة حق لا باطل فاذاً صورة ما في الخيال و مادته كلتاهما حق و عليينية ليس للشيطان فيهما مدخل فتبين مما ذكرنا ان الذي اعتقاده في حق اهل الحق صحيح و هو عارف بهم مقر بفضلهم و ما خصهم الله به و بذلك استقام مرآة خيالهم و صار علي حذو مشية الله سبحانه و ارادته و محبته ثم توجه الي عليين مستقرهم و مقامهم وجدهم البتة و هم

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 396 *»

انوار الله سبحانه المضيئة و كان مرئيه طيب المادة طاهر الصورة نوراً في نور فاذاً محال ان‌يتطرق الشيطان فيه و لم‌يجعل الله له سلطاناً علي الذين آمنوا و علي ربهم يتوكلون و الشيطان هو ظلمة و خبيث مادته ظلمة و صورته نقمة كما ان اهل الحق مادتهم نور و صورتهم رحمة فاخبرني يا ذا الحكمة و العقل ان هذا المرئي الذي مادته قد جاءت من عليين و صورته من رحمة الله سبحانه المكتوبة كيف يمكن ان‌يكون شيطانيا فمن رآهم فقد رآهم في اي صورة رآهم و قد قال علي عليه‌السلام انا اتقلب في الصور كيف شاء الله من رآهم فقد رآني و من رآني فقد رآهم و روي عن النبي صلي الله عليه و اله من رآني في المنام فقد رآني فاني (ظ) اري في كل صورة انتهي. و انت تعلم ان هذه الصورة خير و ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه.

بالجملة كل من تصور اهل الحق في خياله في يقظته او رآهم في منامه فقد رآهم بعد ان كان معتقداً فيهم كما هم و كل من تصور اهل الباطل في خياله في يقظته او رآهم في منامه فقد رآهم بعد ان كان معتقداً فيهم كما هم و اما اذا اعتقد في اهل الحق باطلاً فيتوجه الي نبي كما يظن و امام و شيعة كما يظن و الذي يظنه و يطلبه ليس في عليين بل هو في سجين و ذلك شيطان فاذا رأي السني و الناصب النبي صلي الله عليه و آله بظنه و امره بولاية ابي‌بكر و هو معتقد بنبي لاينصب ولياً و يجتهد في الدين بالظنون و يرفع امرأته علي جدار المسجد لتنظر السودان و ضربهم الطبول و هكذا من العقايد الفاسدة فذلك النبي هو نبي سجيني ليس من الله و لا الي الله و هو شيطان من الشياطين فهو لم‌يره حتي‌يقال انه قد رآه و النبي صلي الله عليه و آله قال من رآني فقد رآني و هو هو و لم‌يقل من رأي غيري فقد رآني و النبي الذي يراه المخالف غير رسول‌الله صلي الله عليه و آله فكيف يكون رؤية غير النبي رؤية النبي صلي الله عليه و آله و كذلك الامر في رؤية الائمة و شيعتهم فقل من يري النبي صلي الله عليه و آله في هذه الازمنة من منكري فضائل آل محمد عليهم‌السلام و ناصبي شيعتهم فان من يظنونه من سجين

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 397 *»

و الي سجين قال الله سبحانه قل يا ايها الكافرون لااعبد ما تعبدون فتبصر و كن خبيراً بوجه التعبير.

و اعلم ان لكل احد خلقين خلق اولي و له فيه مادة و صورة مادته من الانوار الملكوتية او ظلماتها و صورته من عقايده و اعماله و اقواله و خصاله و فضائله او مثالبه كما حققناه في محله و يأتي يوم القيمة بصورة عقايده و اعماله سيجزيهم وصفهم، و جاءت سكرة الموت بالحق، و لباس التقوي ذلك خير فافهم و خلق ثانوي دنياوي له مادة شهادية و صورة عرضية مشهودة قال علي عليه السلام الذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه فصورة زيد المؤمن في الخلق الثانوي الدنياوي تخطيطاته المشهودة و كمه و كيفه و ساير حدوده التي بها يمتاز عن عمرو و اما صورته الاصلية في الخلق الاولي فعقايده بالله و برسوله صلي الله عليه و آله و بالائمة و بالشيعة عليهم‌السلام و بالشرايع و الاحكام و صلوته و صيامه و حجه و بره و جوده و حسن خلقه و امثال ذلك فتلك هي الصورة المشار اليها في ما روي ان الله خلق آدم علي صورته و ذكر في التورية فصورة آدم في الخلق الاولي الحق و الخير و البر و الفضل و الكمال و المحاسن كما مر و هي صفات مشية الله سبحانه التي هي كمال الله سبحانه و ظهوره و تجليه فالله سبحانه خلق آدم علي صفة تجليه و صورته افهم ما قلت فالنبي و الولي عليهم‌السلام و شيعتهم صورتهم الاصلية ما يخصهم من البر و الفضائل و العقايد و الاعمال و الخصال المحمودة و اما هذه الصورة الدنياوية فهي عرضية تزول و تفني عرضت بمقتضي مواد هذه الدنيا و هي دائمة التغير من حال الصبي الي الكهولة و في الحجج هي باختيارهم ان شاءوا خلعوها و لبسوا غيرها و هم هم في كل حال كما يظهر عربی جبرئيل بصورة دحية مرة و بصورة الاعرابي اخري و بصورة شاب تارة و هو جبرئيل و لم‌يتغير صورته الاصلية التي هو بها جبرئيل ممتازاً عن عمرو فكذلك اهل الحق لهم صورة بها يمتاز بعضهم عن بعض و بها يأتون الاخرة و لهم صورة عرضية دنياوية ليست منهم و لا اليهم فمن رأي النبي صلي الله عليه و اله او الامام عليه‌السلام او الشيعة بصورته فقد رآه

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 398 *»

فرؤية النبي بصورته صلوات الله عليه ان يري معصوماً مطهراً اول ما خلق الله و اعظم صفات الله و اسمائه و اكبر آياته و هكذا فبالله عليك هل تجوز ان‌تري هكذا شخصاً و يكون هو الشيطان ٭فنحن بوادي و العذول بوادي٭ و اعتبر الناس ما قالوا و ما ظنوا و اين هم فلاتغتر باقوال جماعة اشرف بضاعتهم قال فلان و قال فلان.

فدع عنك قول الشافعي و مالك

و احمد و المروي عن كعب الاحبار

و خذ عن اناس قولهم و حديثهم

روي جدنا عن جبرئيل عن الباري

و ان قلت ان الذي يري النبي في المنام يري رجلاً في المنام علي انه نبي اي معتقداً في منامه انه نبي و لربما ليس بملتفت الي ما قلت من الفضائل فكيف لايمكن ان‌يكون هو شيطاناً القي في روعه انه نبي قلت اليس يعتقد في المنام انه محمد رسول‌الله و محمد رسول‌الله صلي الله عليه و آله هو من يعرفه و اليس هو بمتوجه الي محمد المعروف عنده بما هو معروف فهو متوجه الي محمد صلي الله عليه و اله و هو کما قلت بل اقول هو متوجه الي محمد و يري محمداً صلي الله عليه و آله و ان تقلب مرئيه في المنام الف مرة و تراءي بصور مختلفة في منام واحد فان الرائي يراه محمداً في كل تلك الصور و هو متوجه الي محمد كما انك اذا تشرفت بلقائه في الدنيا و رأيته جالساً علي سرير ثم تقلب لك في ذلك المجلس معجزة في الف صورة فهو هو في كل تلك الصور و انت رائي رسول‌الله صلي الله عليه و اله متكلم معه و كذا لو كان جالساً في مجلسه و يراه الف نفس بالف صورة فان اولئك الالف يرون رجلاً واحداً بصورة واحدة اصلية و ان كانوا يرونه بالف صورة عرضية و يدل علي ذلك مارواه في البحار عن ابي‌القاسم بن القاسم عن خادم علي بن محمد عليهما‌ السلام قال كان المتوكل يمنع الناس من الدخول الي علي بن محمد عليهما السلام و خرجت يوماً و هو في دار المتوكل فاذاً جماعة من الشيعة جلوس خلف الدار فقلت ما شأنكم جلستم هيهنا قالوا ننتظر انصراف مولانا لننظر اليه و نسلم عليه و ننصرف فقلت لهم اذا رأيتموه تعرفونه قالوا كلنا نعرفه فلما

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 399 *»

وافي قاموا اليه فسلموا عليه و نزل فدخل داره و اراد اولئك الانصراف فقلت يا فتيان اصبروا حتي‌اسألكم اليس قد رأيتم مولاكم قالوا نعم قلت فصفوه فقال واحد هو شيخ ابيض الرأس ابيض مشرب بحمرة و قال آخر لاتكذب ما هو الا اسمر اسود اللحية و قال الاخر لا لعمري ما هو كذلك هو كهل ما بين البياض و السمرة فقلت اليس زعمتم انكم تعرفونه انصرفوا في حفظ الله انتهي. و هو عليه‌السلام عند جميعهم علي بن محمد عليهما السلام و له صورة واحدة عند جميعهم و هي الصورة الهادوية و ان كان له صور عديدة عرضية في اعينهم الدنياوية و في حديث جابر بن يزيد الجعفي عن علي بن الحسين عليه‌السلام في حديث الخيط و قد احضر بعض الشيعة بحضرة الامام فقال له عليه‌السلام سلهم هل يقدر علي بن الحسين ان‌يصير صورة ابنه محمد قال جابر فسألتهم فامسكوا و سكتوا قال عليه‌السلام يا جابر سلهم هل يقدر محمد ان‌يكون بصورتي قال جابر فسألتهم فامسكوا و سكتوا قال فنظر الي و قال يا جابر هذا ما اخبرتك انه قد بقي عليهم بقية فقلت لهم ما لكم لاتجيبون امامكم فسكتوا و شكوا فنظر اليهم و قال يا جابر هذا ما اخبرتك به قد بقي عليهم بقية و قال الباقر عليه‌السلام ما لكم لاتنطقون فنظر بعضهم الي بعض يتساءلون قالوا يابن رسول‌الله لاعلم لنا فعلمنا قال فنظر الامام سيد العابدين علي بن الحسين عليهما السلام لابنه محمد الباقر و قال لهم من هذا قالوا ابنك فقال لهم من انا قالوا ابوه علي بن الحسين قال فتكلم بكلام لم‌نفهم فاذاً محمد بصورة ابيه علي بن الحسين و اذاً علي بصورة ابنه محمد عليهما السلام قالوا لا اله الا الله فقال الامام عليه‌السلام لاتعجبوا من قدرة الله انا محمد و محمد انا و قال يا قوم لاتعجبوا من امر الله انا علي و علي انا و كلنا واحد من نور واحد و روحنا من امر الله اولنا محمد و آخرنا محمد و كلنا محمد الخبر الشريف. فعلي عليه‌السلام هو علي بصورة علويته و ان تصور في الظاهر بصورة محمد عليه‌السلام و محمد عليه السلام هو محمد بصورة محمديته و ان تصور في الظاهر بصورة علي عليه السلام و كما وقع ذلك في اليقظة و الظاهر فكذلك

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 400 *»

يقع في الخيال و في الرؤيا و لايكون سبب نقض فمن رآهم بصورتهم الاصلية فقد رآهم و ان رآهم في كل ليلة بصورة او في ليلة واحدة بصور عديدة او اشخاص عديدة في صور عديدة فكلهم يتوجهون الي صورة واحدة اصلية فاذا سألتم كلهم يقولون رأيت البارحة فلان بن فلان فان وافقوا في الاعتقاد به فقد رأوا شخصاً واحداً و الا رأوا اشخاصاً عديدة كما نبهتك به و الحمد لله و لو كان نقض القوم نقضاً ان البشر كما يجوز ان‌يدعي الالوهية في اليقظة يجوز ان‌يدعي الشيطان النبوة في المنام لزمهم ان‌يجوزوا ان‌يدعي الشيطان الالوهية فيلزمهم ان‌يقولوا بجواز ان‌يكون توجه المؤمن الي ربه و صفاته و اسمائه و انواره توجهاً الي الشيطان فيكون الشيطان قد حضر في قلبه و انتحل الاسماء و الصفات فاذ لم‌يجز ذلك لم‌يجز ايضاً ان‌ينتحل النبوة في خيال و لامنام فانه لايقدر ان يتصور بصورة الرحمة و القدس و العصمة و الايمان ابداً و يحترق لو رام ذلك و انه ليس له سلطان علي الذين آمنوا و علي ربهم يتوكلون. و اما من ينتحل النبوة في اليقظة فليس المؤمن يراه نبياً بل يقول المؤمن رأيت كافراً انتحل النبوة و تنبي و لايبعد كذلك ان‌يري المؤمن في المنام متنبياً باطلاً او مدعياً للامامة باطلاً بل مدعياً للالوهية فيصبح المؤمن و يقول رأيت البارحة رجلاً يدعي النبوة او الامامة او الالوهية كمايقول في اليقظة و ليس يقول رأيت نبياً و لا اماماً فانه لم‌ير موصوفاً بصفة النبي و انما رأي مدعياً كاذباً فيقول رأيت مدعياً كاذباً و اما اذا رأي النبي باعتقاد صحيح فيصبح و يقول رأيت النبي صلي الله عليه و آله فهو قد كان توجه الي عليين و نفسه متصورة بصورة الرحمة و الخير فجاء مادة رؤياه من عند النبي لانه توجه اليه و صورته من اعتقاده الصحيح الحق و روي عنه صلي الله عليه و آله من رآني فقد رأي الحق فاذ قد رأي الحق فالحق معهم و فيهم و منهم و بهم و ان قلت فما بالنا اذا تصورنا النبي و سألناه في تصورنا شيئاً و اعطانا او وعدنا او ارانا بتصورنا شيئاً لايقع و لايكون بل يكون محض تصور لااصل له قلت اني قد اخبرتك ان التصور و كذا الرؤيا مادته مأخوذة من حيث توجهت و صورته من ذهنك و مناط الاسماء و الاحكام من الصورة فان كانت الصورة حقاً و المادة

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 401 *»

حقاً هو منهم و اليهم و الا فلا و انت اذا توجهت الي النبي صلي الله عليه باعتقاد صحيح و توجه خالص اخذت مادة تصورك منه و هي كما هو لا كما انت و انت بتصوير مثاله في ذهنك تجعله كما انت فتصوره ناطقاً او ساكتاً او معطياً او مانعاً او متحركاً او ساكناً او راضياً او ساخطاً او آخذاً او تاركاً او ضارباً او ناصراً او غير ذلك فهذه الصورة ان كانت باطلاً من شهواتك او عاداتك او طبايعك او غضبك او من ارض من الارضين فتلك صورة شيطانية و المرآة الشيطانية منكوسة متوجهة الي سجين لاعليين و لو اتبع الحق اهوائهم لفسدت السموات و الارض فانك لعلك تصوره قاتل زيد و عازل عمرو و مهلك بكر و مخرب دار او غير ذلك فلو وقع ما تريد لفسدت السموات و الارض فانت اذا كانت نفسك مصورة بصورة باطل فالذي توجهت اليه و اردت منه الباطل و اجابك الي الباطل ليس بنبي بل عباد مكرمون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و مثال النبي لايتصور بصورة باطل و ليس بقابل لذلك فانت قد توجهت الي نبي يفعل لك ذلك و يجيبك الي ما تريد و هو غير النبي الحق و قد قال الله سبحانه فيه و ما تشاءون الا ان‌يشاء الله فالذي في نفسك و خيالك و قد اجابك الي الباطل ليس بنبي ارأيت لو رأيت رجلاً في بادية و قلت له اضرب عنق فلان بلاجرم منه و ضرب عنقه او سألت منه خلاف الحكمة و اجابك اليه لم‌يكن بنبي معصوم و النبي المعصوم لايجيب الرعية الا في ما يطابق الحكمة و يطابق رضاء الله سبحانه قال الله سبحانه و اعلموا ان فيكم رسول‌الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم الآية. فالمطيع ليس بنبي فالذي تصورته مجيباً بما لايريده الله و لم‌يشأ ليس بنبي فتصورك هذا اضغاث تصورات و ليس بشيء نعم لو لم‌تغير نفسك و كانت ساذجة صافية و تصورت النبي صلي الله عليه و اله بذهن صاف فاذا اخبرك بشيء او فعل لك شيئاً فهو الحق الظاهر لك كما هو لا كما انت و يقع البتة و وقع امثال ذلك لاهله و لو دام رجل علي ذلك لشاهد الصدق و كذا لو كان صورة نفسك محبوبة مرضية لله سبحانه صلاحاً مطابقاً لاسباب القضاء الحكمي

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 402 *»

فيقع البتة و من هذا الباب استجابة الدعوات الصالحة و وقوعها لا غير اذا ظننت الاجابة و تصورت بحسن ظن جريان مشيته بما سألت فافهم بل هذا جار في الائمة و المؤمنين فمن تصورهم او رآهم في المنام فقد رآهم بلاشك و كان ما برز عنهم بالشروط المذكورة حقاً البتة فافهمه و صنه الا عن اهله.

فصل: و ان اعترض معترض برؤيا فاطمة عليهاالسلام و هي التي روي عن تفسير علي بن ابرهيم في قوله تعالي انما النجوي من الشيطان بسنده عن ابي‌بصير عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال كان سبب نزول هذه الاية ان فاطمة عليها السلام رأت في منامها ان رسول‌الله صلي الله عليه و آله هم ان‌يخرج هو و فاطمة و علي و الحسن و الحسين عليهم السلام من المدينة فخرجوا حتي جاوزوا من حيطان المدينة فتعرض لهم طريقان فاخذ رسول‌الله صلي الله عليه و آله ذات اليمين حتي انتهي بهم الي موضع فيه نخل و ماء فاشتري رسول الله صلي الله عليه و اله شاة كبراء و هي التي في اذنيها نقط بيض فامر بذبحها فلما اكلوا ماتوا في مكانهم فانتبهت فاطمة باكية ذعرة فلم‌تخبر رسول‌الله صلي الله عليه و اله بذلك فلما اصبحت جاء رسول‌الله صلي الله عليه و اله بحمار فاركب عليه فاطمة و امر ان‌يخرج اميرالمؤمنين و الحسن و الحسين عليهم السلام من المدينة كما رأت فاطمة في نومها فلما خرجوا من حيطان المدينة عرض له طريقان فاخذ رسول‌الله صلي الله عليه و آله ذات اليمين كما رأت فاطمة عليها السلام حتي انتهوا الي موضع فيه نخل و ماء فاشتري رسول‌الله صلي الله عليه و آله شاة كبري كما رأت فاطمة فامر بذبحها فذبحت و شويت فلما ارادوا اكلها قامت فاطمة و تنحت ناحية منهم تبكي مخافة ان‌يموتوا فطلبها رسول‌الله صلي الله عليه و آله حتي وقع عليها و هي تبكي فقال ما شأنك يا بنية قالت يا رسول‌الله رأيت كذا و كذا في نومي و قد فعلت انت كما رأيته فتنحيت عنكم فلااريكم تموتون فقام رسول‌الله صلي

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 403 *»

 الله عليه و آله فصلي ركعتين ثم ناجي ربه فنزل عليه جبرئيل فقال يا محمد هذا شيطان يقال له الدهار و في بعض النسخ الزها و هو الذي اري فاطمة هذه الرؤيا و يؤذي المؤمنين في نومهم ما يغتمون به فامر عربی جبرئيل فجاء به الي رسول‌الله صلي الله عليه و آله فقال له انت اريت فاطمة هذه الرؤيا فقال نعم يا محمد فبزق عليه ثلاث بزقات فشجه في ثلث مواضع ثم قال جبرئيل لمحمد قل يا محمد اذا رأيت في منامك شيئاً تكرهه او رأي احد من المؤمنين فليقل اعوذ بما عاذت به ملئكة الله المقربون و انبياؤه المرسلون و عباده الصالحون من شر ما رأيت من رؤياي و تقرؤ الحمد و المعوذتين و قل هو الله احد و تتفل عن يسارك ثلث تفلات فانه لايضره ما رأي و انزل الله علي رسوله انما النجوي من الشيطان الاية. و روي انه اعطي النبي صلي الله عليه و آله العهد و الميثاق انه لايتصور في صورته و لا في صورة احد من خلفائه المعصومين و لا في صورة احد من شيعتهم. و روي ان الرها ملك و عن مجالس الصدوق باسناده عن ابي‌بصير عن ابي‌جعفر عليه السلام قال سمعته يقول ان لابليس شيطاناً يقال له هزع يملأ المشرق و المغرب في كل ليلة يأتي الناس في المنام انتهي. اقول يمكن ان‌يكون هذا الشيطان هو الموكل بسواد الليل بقرينة قوله يملأ ما بين المشرق و المغرب و ان هزيع الليل طائفة منه او نحو ثلثه او ربعه و الهزيعة الخوف و تهزع بمعني تعبس و روي عن العياشي عن ابي‌بصير عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال رأت فاطمة عليها السلام في النوم كان الحسن و الحسين عليهما السلام ذبحا او قتلا فاحزنها ذلك فاخبرت به رسول‌الله صلي الله عليه و آله فقال يا رؤيا فتمثلت بين يديه قال انت اريت فاطمة هذا البلاء قالت لا فقال يا اضغاث و انت اريت فاطمة هذا البلاء قالت نعم يا رسول‌الله قال ما اردت بذلك قالت اردت احزنها فقال صلي الله عليه و آله لفاطمة اسمعي ليس هذا بشيء انتهي.

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 404 *»

و قد اشكل هذان الخبران علي الناس فان الله سبحانه يقول ان عبادي ليس لك عليهم سلطان فاجابوا عن ذلك بما لايؤل الي علم و فائدة كساير اجوبتهم في المسايل المشكلة. اقول لاشك ان رؤياها صلوات الله عليها صادقة فانها وقعت و الموت و ان لم‌يقع بعينه ولكن وقع بتأويله و لايجب ان‌يقع رؤيا المعصومين بعينها بل ربما يقع تأويلها كما سمعت فالموت فيهم تأويله انقطاعهم الي الله سبحانه عن الخلق و توجههم الي الاعلي و كذلك ذبح الحسن و الحسين عليهما السلام او قتلهما و الترديد من الراوي فانه وقع و لايجب ان‌يقع رؤياهم بلافاصلة بل يجوز ان‌يقع بمهلة كما رأي اميرالمؤمنين وقعة الطف و وقع تأويلها بعد وفاته و وفاة الحسن عليه السلام فكلتا الرؤيائين واقعة صادقة فمرءاهما السماء البتة فان الرؤيا الصادقة ماتري في السماء و الشيطان لايدخل السماء البتة و يرجم بالنجوم فليس جميع الرؤيا من اراءة الشيطان البتة فانها كانت حقاً و الشيطان لايفعل الحق و لايصدر عنه حق فالذي كان من الشيطان تحزين فاطمة عليها السلام و كما يحزنها الشياطين الانسية حزنها الشيطان الجني فحال بينها و بين ان‌تتذكر انها اي الرؤيا قد تقع بتأويلها لا بصورتها فحزنت لذلك و ذعرت و بكت كما قال يوشع و ما انسانيه الا الشيطان ان‌اذكره كما قالت الاضغاث اردت ان‌احزنها و قد قال سبحانه في تلك الواقعة انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا فكانت رؤيا فاطمة عليها السلام التي من الشيطان نجواه لعنه الله فناجاها ان الذي رأيت هو بعينه واقع فحزنت لذلك و الرؤيا تصدق علي كل ما يفهمه الانسان في المنام او يسمعه او يراه او يحسه باحد حواسه فالمشار اليه بقوله صلي الله عليه و آله في الحديث الاول هذه الرؤيا اي ذلك النجوي و يصدق الرؤيا علي بعض الرؤيا ايضاً اذ كل جزء منها رؤياً و لم‌يقل له انت تصورت بصورتي و في الحديث الثاني هذا البلاء و لم‌يقل انت تصورت بصورتي و اي بلاء اعظم من تحزين فاطمة عليها السلام و يمكن ان‌تري فاطمة عليها السلام في المنام الشيطان و يمكن ان‌تري الملك و لايضر بعصمتها و اما

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 405 *»

حيلولته اي الشيطان بينها و بين ان‌تتذكر ان الرؤيا لايجب ان‌تقع بعينها و يمكن فيها التأويل و نجواه اياها بانها مطابقة للواقع و حزنها له فكذلك لاينافي العصمة اذا كانت متوجهة الي غير حقيقة الامر لمصلحة فناجاها الشيطان بانها هي الواقعة لما رأي فرصة فاحزنها ذلك النجوي حتي نبهها النبي صلي الله عليه و اله و عدم توجهها الي حقيقة هذا الامر لمصلحة و هي ان‌تصير رؤياها منشأ رحمة و ظهور نعمة و كثيراً كان الامام في اليقظة متوجهاً الي شيء فكان يسأل من انت و ما تريد و امثال ذلك فان البدن البشري خواطره تدريجية فان كان خاطره شيء ليس شيء آخر في خاطره الا ان‌يسأل او يتوجه عمداً فانهم اذا شاؤا علموا و تأخر سورة الكهف اياماً كان لاجل ذلك و ذلك ليس بضار بالعصمة بوجه فتبين و ظهر ان الذي كان من الزها و هو شيطان الكذب و الباطل نجواه كما انزل الله سبحانه في ذلك المحل و نجواه حديث حدث فاطمة في المنام من وقوع رؤياها كما هي بصورتها و هي المحزنة و ذلك النجوي من اجزاء الرؤيا و هو رؤيا و الاشارة اليها و هو البلاء في الحديث الاخر و لاينافي ذلك اخذ العهد عنه بعد ما ظهر ان لايتصور بصورته و لاصورة اوصيائه و لاصورة احد من شيعتهم و انما اخذ العهد لان‌يحدث بذلك و يظهره و يعرف المؤمنين انه عاهد ان لايتشبه بصورة اهل الحق و لايجسر علي نقض عهده فلايتشبه ابداً الا تري انه لم‌يعاهد ان لايحزن المؤمنين بعد و يحزن ابداً فان تحزينه لايخالف الحكمة و ليس بضارهم شيئاً الا باذن الله و انما هو تخفيف لآثامهم فتبين و ظهر ان الشيطان لم‌يتمثل بصورة النبي صلي الله عليه و اله و صورة علي و الحسن و الحسين و ليس يناقض هذا الخبر ساير الاخبار و انما الذي كان منه نجواه و القاؤه في خيال فاطمة عليها السلام انها تقع و كان ذلك امر كالخطرة و جوز وقوعها فاطمة عليها السلام لما علمت ان لله البداء في افعاله يقدم ما يشاء و يؤخر ما يشاء يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب كما انها لو اخبرت في يقظتها و شبلاها غايبان انهما قتلا كانت تذعر و تدهش و تبكي بلافرق فالحبيب لايطيق ان‌يخطر بباله سوء في حبيبه البتة فللّه الحمد علي ما الهمنا فهم كلمات ساداتنا ببركات مولينا صاحب

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 406 *»

الزمان صلوات الله عليه فسبحانك لاعلم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم.

فصل: فاذا قد اتينا علي ما قدر الله سبحانه من الحكم في علم الرؤيا فلا علينا ان‌نذكر لك بعض وجوه التأويل و ان كان الرؤيا علي ما تعبر كما قدمنا فان لسكون قلب الرائي علي التأويل دخلاً عظيماً في وقوع الاثر و في مناسبة التأويل مدخل اعظم في سكون القلب لاسيما اذا كان الرائي من اهل العلم و الفهم فانه يحتاج الي وجه مناسبة لتأويل رؤياه حتي‌يسكن قلبه فوجوه المناسبة كثيرة نذكر هنا ما يتيسر.

الاول: ان‌تأولها بالوجوه الكتابية كأن‌ تأول رؤيا من اشتري بيضاً انه يتزوج لقوله سبحانه كأنهن بيض مكنون او اشتري لؤلؤاً انه يشتري غلماناً لقوله تعالي كأنهم لؤلؤ مكنون او اوقد ناراً بين جماعة انه يفسد بينهم و يوقع حرباً بينهم لقوله تعالي كلما اوقدوا ناراً للحرب او ركب سفينةً انه ينجو من الفتن لقوله تعالي فانجيناه و اصحاب السفينة و امثال ذلك و لابد لمن رام ذلك ان‌يقرأ القرآن بالتدبر في آياته و مناسبات كلماته.

الثاني: التعبير بالسنة كأن‌ تفسر الغراب بالرجل الفاسق لما روي انه سماه النبي صلي الله عليه و آله فاسقاً و تفسر الفارة بالمرأة الفاسقة لانه سماها فويسقة و تفسر الضلع بالمرأة لما روي ان المرأة كالضلع الاعوج و تفسر تلك الحيوانات المسوخة بما مسخوا عنه كما قدمنا لتلك الاخبار و لابد لمن رام ذلك من التدبر في اخبار الآل عليهم السلام لاسيما خطب اميرالمؤمنين عليه السلام المشحونة بالتشبيهات السديدة الكاملة كأن تفسر رؤيا من لبس قميصاً ضيقاً بانه ينتحل ما ليس له لقوله اما والله لقد تقمصها ابن ابي‌قحافة او جري من تحته الماء بالرتبة العالية و الملك لقوله ينحدر عني السيل و كذا اذا طار طير اليه و لم‌يبلغه لقوله و لايرقي الي الطير او جلس في وسط رحي ان‌يصير مدار امور الخلق عليه لقوله و هو يعلم ان محلي منها محل القطب من الرحي و امثال ذلك و في كتاب الدرر و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 407 *»

الغرر و نهج البلاغة ابواب كثيرة للتأويل و قد فتحتها عليك و علي هذه فقس ماسواها.

الثالث: التأويل بالوجوه الحكمية كأن تأول العرش بالمكان العلي و العظمة في القدر الباطني و العلوم الباطنة و تأول الكرسي بالرفعة و العلوم الظاهرة و تأول الشمس بالسلطان و الدين و الرياسة و الملك و امثال ذلك و القمر بالنيابة و الخلافة و الوصاية و الوزارة و هكذا و قد سمعت منا من هذا الباب اموراً لو ضبطتها استغنيت عن كتب المأولين و المعبرين.

الرابع: ان‌تأول بالامثال المضروبة كأن تعبر حفر البئر بالمكر للمثل الساير «من حفر بئراً لاخيه وقع فيها» و جواز الماء عن الجبال باشتداد الامر و الفتنة لقولهم «فقد جاوز الماء الزبي» و الزبي بئر في الجبال تحفر لصيد الاسد و رمي السهم معوجاً بالكلام في غير محله للمثل «ترسل في غير سدد» و انحلال الحزام بمن لايبالي ما يقولهم للمثل «انك لقلق الوضين» و قرة العين بالولد و اليد بالعون و الخادم و الظهر بالاخ و الرجل بالدابة و امثال ذلك.

الخامس: ان‌تأول بالتشبيه كأن تأول من رأي نفسه علي النعش انه يركب الاعناق و المريض خرج من داره ساكتاً او نزع فروة عليه انه يموت و ينزع فروة بدنه و منه تأويل احمل فوق رأسي خبزاً يأكل الطير منه بانه يصلب و يأكل الطير من رأسه و ركوب الاسد بخدمة السلطان فان راكب الاسد يغبط بموضعه و هو في نفسه خائف مضطرب كخادم السلطان و الطيران بالسفر و الصلوة بالحج و الزنا بالام الحج و بالاخت زيارة‌ المشاهد و معانقة الاب بزيارة الحسين عليه السلام و الميت بالغايب و امثال ذلك و هو باب واسع.

السادس: التأويل باللوازم كوضع الرأس علي الركبة بالهم و شرب الغليان بالحزن و حمرة الوجه بالسرور و الرجفة بالخوف و الاحتراق بالنار بالعشق او بالفراق او بالعصيان و التواضع بالرفعة و الترفع بالضعة و الطمع بالذلة و القناعة بالعزة و امثال ذلك و لابد لمن رام ذلك ان‌يكون نبيهاً بلوازم الامور.

السابع: التأويل بالاسامي فمن عانق من اسمه حسين يزور الحسين عليه

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 408 *»

السلام و من رأي مسمي بالراشد يرشد و بالصالح يعمل صالحاً و امثال ذلك و هذا من باب الفال و يأتي في الاخبار مايدل علي ذلك.

الثامن: التأويل بالاقتران فان من رأي مقاماً خطيراً و ليس هو من اهله يناله اخوه او ابوه او قريبه ممن له اهل و ان رأي احداً ليس في البلد مثلاً يري نسيبه او اقاربه او الملازمين له او رأي انه زار السلطان او جالسه فلربما يجالس وزيره او بعض ارباب المناصب او خدامه و هكذا و هذا ايضاً باب واسع مجرب و لابد من ملاحظة حال الاشخاص و ما يمكن لهم و ما لايمكن فتدبر.

التاسع: التأويل بالدرجة و الرتبة فان من رأي مايدل علي ارتفاعه يرتفع بقدر درجته فارتفاع الفلاح غير ارتفاع الوزير و ارتفاع الوزير غير ارتفاع السلطان و من رأي ما يدل علي العلم يزداد علماً في صنعته فلاينال الصايغ الحكمة الالهية و لا الطبيب الفقاهة و لا الفقيه الحكمة و امثال ذلك فاعرف قدر كل راء حتي لاتخطي.

العاشر: التأويل بنوع عين ما رأي او جنسه و قد نبهنا علي ذلك سابقاً فمن رأي انه صعد جبلاً تقول تصل الي رتبة شامخة و درجة علية و من رأي انه شرب ماءً تقول تنال علماً فتأول التمر بعلم الحقيقة و الفواكه بعلم الطريقة و البقول بعلم الشريعة و رعي الغنم بالرياسة و ركوب البحر بارتكاب الامور المهولة و الغوص فيه بالغوص في الفتن و ان كان البحر حلواً صافياً بعلم غزير و امثال ذلك و تراعي الاشخاص في ذلك ايضاً.

الحادي‌عشر: التأويل بالصفة كورد لادوام له بحبيب لاوفاء له و حي العالم و الاشجار الخضر صيفاً و شتاءً بحبيب له وفاء و آلات البيت بالخدم و الدواجن بالاضياف و التنور بالقهرمان و السنور بالانيس و الفار بالسارق كالعقعق و الببغاء بالخطيب و البلبل بالمغني و الخطاف بالمستجير و النعل بالزوجة و امثال ذلك فتنظر صفة المرئي الغالبة عليه المعروف بها فتأول الي صفته.

الثاني‌عشر: التأويل باختلاف الاحوال كالفاكهة في اوانه شفاء و في غير اوانه مرض و الدهن قليله مال و كثيره وبال و النار قليلها منفعة و كثيرها مضرة و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 409 *»

الماء قليله حيوة و كثيرة فتنة و بلية و المطر في اوانه رحمة و في غير اوانه نقمة و قليله رحمة و كثيره نقمة و هكذا تلاحظ احوال كل شيء مع مقارناته و كذلك قد يأول بالمضادة و بدلالة الطبع و بدلالة العادة و بدلالة الصحة و بدلالة الكسب و الصنعة و امثال ذلك و كفي بما ذكرنا تمثيلاً و اعلم انه قد يكون الرؤيا في منام واحد بعضها حقاً و بعضها باطلاً و بعضها يقع بعينه و بعضها باحد الوجوه و الرؤيا الواحدة تختلف من اشخاص عديدة و في اسنان و اوقات و احوال و امكنة و بلاد و سنين و دهور و بعضها يقع عن قريب و بعضها يقع بعد سنين و لو ثلثين فلاتزعم انك اخطأت التعبير اذا لم‌تره عاجلاً و كفي بما ذكرنا في هذه العجالة من امر التأويل اذ لايسع الوقت التفصيل.

الباب الخامس

في نبذ مما جاء في التأويل عن آل الله الجليل

اذكره تبركاً بذكرهم صلوات‌الله‌عليهم و لتعلم طريق تأويلهم

فعن قرب الاسناد بسنده عن مسعدة بن زياد عن ابي‌عبدالله عليه‌السلام قال من رأي انه في الحرم و كان خائفاً امن اقول انما ذلك لقوله جعلنا لهم حرماً آمناً يجبي اليه ثمرات كل شيء و تنبه قوله و كان خائفاً فان غير الخائف لايؤل له هكذا فلرب رجل رأي انه في الحرم و نال قرب السلطان و رب رجل ينال درجات القرب الي الله و هكذا فانظر كيف شرط خوفه و كيف اول بالكتاب و عن الخرايج عن ابي‌عمارة المعروف بالطيان قال قلت لابي‌عبدالله عليه‌السلام رأيت في النوم كان معي قناة قال كان فيها زج قلت لا قال لو رأيت فيها زجاً لولد لك غلام لكنه تولد جارية ثم مكث ساعة ثم قال كم في القناة من كعب قلت اثناعشر كعباً قال تلد الجارية اثني‌عشر بنتاً قال محمد بن يحيي فحدثت بهذا الحديث العباس بن الوليد فقال انا من واحدة منهن و لي احدعشر خالة و ابوعمارة جدي. اقول الزج (بالضم) الحديدة في طرف الرمح و الكعب ما بين الانبوبين من

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 410 *»

القصب فاول عليه‌السلام القناة بالولد لان الانسان بها يدفع الضيم و يمنع عن الاهل و يحمي الجار و جعلها مزججة ذكراً و غير مزججة انثي لقوة المزججة و ضعف غيرها و تعطله و عدم امكان الدفع به و ان كان صالحاً في الجملة ثم جعل كعابها اولادها لانها اجزاءها و الولد جزء الوالدين و جعلها بنات لعدم الزج و عن المناقب عن ياسر الخادم قال قلت لابي‌الحسن الرضا عليه‌السلام رأيت في النوم كان قفصاً فيه سبعةعشر قارورة اذ وقع القفص فتكسرت القوارير فقال ان صدقت رؤياك يخرج رجل من اهل بيتي يملك سبعةعشر يوماً ثم يموت فخرج محمد بن ابرهيم بالكوفة مع ابي‌السرايا فمكث سبعةعشر يوماً ثم مات. اقول وجه التعبير شبه القفص بالانسان لاضلاعه الشبيهة بالقفص و شبه القوارير بكرة السماء اللطيفة الشفافة و كل قارورة دورة يوم و لما لم‌يكن في القفص الا سبعةعشر قال ما يملك الا سبعةعشر يوماً و لما كان الرائي خادمه و لعله كان من بيته ايضاً قال من اهل بيتي. عن الكشي بسنده عن ياسر الخادم ان اباالحسن الثاني عليه‌السلام اصبح في بعض الايام قال فقال لي رأيت البارحة مولي لعلي بن يقطين و بين عينيه غرة بيضاء فتأولت ذلك علي الدين. اقول تشبيهاً بالخيل المعقود بنواصيها الخير و يشبه المؤمن بها كما يقال لعلي عليه‌السلام قائد الغر المحجلين فتأوله علي الدين انه يصير متديناً و من شيعة علي عليه ‌السلام. و عن دعوات الراوندي حدث ابوبكر بن عياش قال كنت عند ابي‌عبدالله عليه‌السلام فجاء رجل فقال رأيتك في النوم كأني اقول لك كم بقي من اجلي فقلت لي بيدك هكذا و اومأ الي خمس و قد شغل ذلك قلبي فقال عليه‌السلام انك سألتني عن شيء لايعلمه الا الله عزوجل و هي خمس تفرد الله بها ان الله عنده علم الساعة و ينزل الغيث الي قوله عليم خبير. و عن الكافي بسنده عن ابن‌اذينة ان رجلاً دخل علي ابي‌عبدالله عليه‌السلام فقال رأيت كان الشمس طالعة علي رأسي دون جسدي فقال تنال امراً جسيماً و نوراً ساطعاً و ديناً شاملاً فلو غطتك لانغمست فيه ولكنها غطت رأسك اما قرأت

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 411 *»

 فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي فلما افلت تبرأ منها ابرهيم قال قلت جعلت فداك انهم يقولون ان الشمس خليفة او ملك فقال مااريك تنال الخلافة و لم‌يكن في آبائك و اجدادك ملك و اي خلافة و ملوكية اكثر من الدين و النور ترجو به دخول الجنة انهم يغلطون فقلت صدقت جعلت فداك انتهي. اقول اوله بالدين لان الشمس آية رسول‌الله و نوره دينه و قد طلعت علي رأسه و مشاعره فيهتدي بهداه و لم‌يتأول علي الخلافة لاجل عدم مناسبة‌ الرائي فتدبر. و عنه عن ابن‌اذينة عن رجل رأي كان الشمس طالعة علي قدميه دون جسده قال مال يناله من نبات الارض من بر او تمر يطاؤه بقدميه و يتسع فيه و هو حلال الا انه يكد فيه كما كد آدم عليه‌السلام انتهي. لما كان من تأويل الشمس الملوكية و المالكية و اشرقت علي اقدامه فتأوله بمال مملوك يطاؤه بقدمه و الرائي كان مناسباً ليكون ماله من نبات الارض و لو رآه سلطان لعله كان يقول له تطاؤ الذهب و جعله حلالاً لشرافة الشمس و كونها من السماء و اول انه يكد فيه اي يلح في الطلب. و عنه بسنده عن محمد بن مسلم قال دخلت علي ابي‌عبدالله عليه‌السلام و عنده ابوحنيفة فقلت جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة فقال يابن مسلم هاتها فان العالم بها جالس و اومي بيده الي ابي‌حنيفة قال فقلت رأيت كأني دخلت داري و اذاً اهلي قد خرجت علي فكسرت جوزاً كثيراً و نثرته علي فتعجبت من هذه الرؤيا فقال ابوحنيفة انت رجل تخاصم و تجادل لئاماً في مواريث اهلك فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها ان شاء الله فقال ابوعبدالله عليه‌السلام اصبت والله يا اباحنيفة قال ثم خرج ابوحنيفة من عنده فقلت جعلت فداك اني كرهت تعبير هذا الناصب فقال يابن مسلم لايسؤك الله فمايواطي تعبيرهم تعبيرنا و لاتعبيرنا تعبيرهم و ليس التعبير كما عبره فقلت جعلت فداك فقولك اصبت و تحلف عليه و هو مخطي قال نعم حلفت عليه انه اصاب الخطاء قال فقلت له فما تأويلها قال يابن مسلم انك تتمتع بامرأة فتعلمها اهلك فتخرق عليك ثياباً جدداً فان القشر كسوة

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 412 *»

 اللب قال ابن‌مسلم فوالله ماكان من تعبيره و تصحيح الرؤيا الا صبيحة الجمعة فلما كان غداة الجمعة انا جالس بالباب اذ مرت بي جارية فاعجبتني فامرت غلامي بردها ثم ادخلها داري فتمتعت بها فاحست بي و بها اهلي فدخلت علينا البيت فبادرت الجارية نحو الباب فبقيت انا فمزقت علي ثياباً جدداً كنت البسها في الاعياد الخبر. قلت قوله عليه‌السلام فمايواطي تعبيرهم تعبيرنا و لا تعبيرنا تعبيرهم و ما ورد في اخبار متكثرة علي الاطلاق الرشد في خلافهم يعطينا قاعدة كلية ان‌نخالف العامة في علم التعبير كما يجب مخالفتهم في ساير الفتاوي فاقتفاء ابن‌سيرين و غيره في التعبير ضلال محض و لاينبغي للعالم ان‌يعبر الرؤيا علي حسب كتب العامة و علي حسب كتب المقتفين اثر كتب العامة و هذا مما لم‌يلتفت اليه احد و يقلدون ابن‌سيرين و غيره من علماء العامة العمياء عمياناً فكن يا بني شيعياً و خالف العامة ما استطعت فان الرشد بقول مطلق في خلافهم فانهم ناكسون الي سجين و كل ما يقولون يقولونه من سجين و يرونه في سجين و هو سراب باطل و زبد مجتث زايل و وجه التعبير ان الجوز كسوته قشره فلما كسرتها و نثرتها عليه ناسب ان‌يكون التأويل ثيابه و غضب المرأة‌ غالباً من الضرات و لعله اي محمد بن مسلم كان شبقاً كثير التمتع كما يشهد به عمله فتأوله علي ذلك. و عنه جاء موسي الزوار العطار الي ابي‌عبدالله عليه‌السلام فقال له  يابن رسول‌الله رأيت روياً هالتني رأيت صهراً لي ميتاً و قد عانقني و قد خفت ان‌يكون الاجل قد اقترب فقال يا موسي توقع الموت صباحاً و مساءً فانه ملاقينا و معانقة الاموات للاحياء اطول لاعمارهم فما كان اسم صهرك قال حسين قال اما رؤياك تدل علي بقائك و زيارتك اباعبدالله عليه‌السلام فان كل من عانق سمي الحسين يزوره ان شاء الله تعالي انتهي. اقول معانقة الاموات طول العمر فان الاموات في دار البقاء و معانقتهم تدل علي طول البقاء في الدنيا و تأولها علي زيارة الحسين بقاعدة التفأل بالاسم. و عن اسمعيل بن عبدالله القرشي قال اتي الي ابي‌عبدالله عليه‌السلام رجل فقال يابن رسول‌الله رأيت في منامي كأني خارج من مدينة الكوفة في موضع

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 413 *»

اعرفه و كان شيخاً من خشب او رجلاً منحوتا من خشب علي فرس من خشب يلوح بسيفه و انا اشاهده فزعاً مرعوباً فقال له عليه‌السلام انت رجل تريد اغتيال رجل في معيشته فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك فقال الرجل اشهد انك اوتيت علماً و استنبطته من معدنه اخبرك يابن رسول‌الله عما قد فسرت لي ان رجلاً من جيراني جاني([2]) و عرض علي ضيعته فهممت ان‌املكها بوكس كثير لما عرفت انه ليس لها طالب غيري فقال ابوعبدالله عليه‌السلام و صاحبك يتولانا و يبرء من عدونا فقال نعم يابن رسول‌الله رجل جيد البصيرة مستحكم الدين و انا تائب الي الله عزوجل و اليك مما هممت به و نويته فاخبرني يابن رسول‌الله لو كان ناصبياً حل لي اغتياله فقال اد الامانة لمن ائتمنك و اراد منك النصيحة و لو الي قاتل الحسين انتهي. وجه التأويل ان الرجل من الخشب علي فرس من خشب يدل علي رجل منافق قال الله سبحانه كأنهم خشب و يخدع الانسان و يري انه رجل و هو خشب فهو يغتال و يخدع الناس و السيف آلة القطع ففسر له ان ما رأيت صفتك تري الناس انك صديق مؤمن و لست به و تريد القطع عليهم و الباقي عرف من حاله. و عن الكافي بسنده عن الحسن بن الجهم قال سمعت اباالحسن عليه‌السلام يقول الرؤيا علي ما تعبر فقلت له ان بعض اصحابنا روي ان رؤيا الملك كانت اضغاث احلام فقال ابوالحسن عليه‌السلام ان امرأة رأت علي عهد رسول‌الله صلي الله عليه و آله ان جذع بيتها انكسرت فاتت رسول‌الله صلي الله عليه و آله فقصت عليه الرؤيا فقال لها النبي صلي الله عليه و آله يقدم زوجك و يأتي و هو صالح و قد كان زوجها غائباً فقدم كما قال النبي صلي الله عليه و آله ثم غاب عنها زوجها غيبة اخري فرأت في المنام كأن جذع بيتها قد انكسرت فاتت النبي صلي الله عليه و آله فقصت عليه الرؤيا فقال لها يقدم زوجك و يأتي صالحاً فقدم علي ما قال ثم غاب زوجها ثالثة فرأت في منامها ان جذع بيتها قد انكسر فلقيت رجلاً اعسر فقصت عليه الرؤيا فقال لها الرجل السوء يموت زوجك فبلغ النبي صلي الله

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 414 *»

 عليه و آله فقال الا كان عبر لها خيراً انتهي. وجه تأويل النبي صلي الله عليه و آله ان الجذع عليه قوام بيت المرأة و هو مثل زوجها الذي عليه قوام بيتها و انكسارها نزولها بلحاظ و نزول الزوج الغايب رجوعه من غيبته. و عنه عن ابي‌جعفر عليه‌السلام قال رأيت كأني علي رأس جبل و الناس يصعدون اليه من كل جانب حتي اذا كثروا عليه تطاول بهم في السماء و جعل الناس يتساقطون عنه من كل جانب حتي لم‌يبق منهم الا عصابة يسيرة ففعل ذلك خمس مرات في كل ذلك يتساقط عنه الناس و تبقي تلك العصابة اما ان قيس بن عبدالله عجلان في تلك العصابة فما مكث بعد ذلك الا نحو من خمس حتي هلك و في رواية اما ان ميسر بن عبدالعزيز و عبدالله بن عجلان في تلك العصابة فمامكث بعد ذلك الا نحواً من سنتين حتي هلك انتهي. و الظاهر فمامكث من قول الراوي و ليس من تأويل و الظاهر ان تأويل الرؤيا كونه علي ذروة الجبل كونه في المحل الارفع مقام الامامة و الناس يصعدون اليه يميلون ليتشرفوا بمجاورته و يتعلموا من علومه فيرتفع بهم الي السماء لان مقامهم ببركاتهم في الدنيا يرتفع و تساقطهم ارتداد جمع منهم عن الدين و بقاء بعض ثبوت بعض علي الدين. و عن مجالس الصدوق بسنده عن ابرهيم الكرخي قال قلت للصادق جعفر بن محمد عليه‌السلام ان رجلاً رأي ربه عزوجل في منامه فما يكون ذلك فقال ذلك رجل لا دين له ان الله تبارك و تعالي لايري في اليقظة و لا في المنام و لا في الدنيا و لا في الاخرة. و روي في البحار ان ام‌ايمن قالت يا رسول‌الله رأيت في ليلتي هذه كان بعض اعضائك ملقي في بيتي فقال رسول‌الله صلي الله عليه و آله تلد فاطمة الحسين فتربينه و تلفينه فيكون بعض اعضائي في بيتك. عن غوالي اللئالي قال رسول‌الله صلي الله عليه و آله بينا انا نائم اذا اتيت بقدح فيه لبن فشربت منه حتي اني لاري الري يخرج من بين اظافيري قالوا بما اولت ذلك يا رسول‌الله قال العلم.

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 415 *»

 و عن كمال الدين يروي في الاخبار الصحيحة عن ائمتنا عليهم‌السلام ان من رأي رسول‌الله صلي الله عليه و آله او احداً من الائمة قد دخل مدينة او قرية في منامه فانه امن لاهل المدينة او القرية مما يخافون و يحذرون و بلوغ لما يأملون و يرجون. و روي عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال للناس يوم احد رأيت في سيفي ثلمة و رأيت كأني مردف كبشاً فتأولت ثلمة السيف اني اصاب في اصحابي و انه يقتل كبش القوم. و عن مناقب الخوارزمي قال لما کان وقت السحر في الليلة التي حوصر فيها الحسين عليه‌السلام خفق برأسه خفقة ثم استيقظ فقال رأيت في منامي الساعة کان کلاباً قد شدت علي لتنهشني و فيها کلب ابقع رأيته اشدها علي و اظن ان الذي يتولي قتلي رجل ابرص من بين هؤلاء القوم الخبر. و عن مجالس الصدوق بسنده عن حنان بن سدير الصيرفي قال سمعت ابي يقول رأيت رسول‌الله صلي الله عليه و آله فيما يري النائم و بين يديه طبق مغطي بمنديل فدنوت منه و سلمت عليه فرد السلام ثم كشف المنديل عن الطبق فاذا فيه رطب فجعل يأكل منه فدنوت منه فقلت يا رسول‌الله ناولني رطبة فناولني واحدة فاكلتها ثم قلت يا رسول‌الله ناولني اخري فناولنيها فاكلتها فجعلت كلما اكلت واحدة سألته اخري حتي اعطاني ثمان رطبات فاكلتها ثم طلبت منه اخري فقال لي حسبك قال فانتبهت من منامي فلما كان من الغد دخلت علي جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام و بين يديه طبق مغطي بمنديل كأنه الذي رأيته في المنام بين يدي رسول‌الله صلي الله عليه و آله فسلمت عليه فرد علي السلام ثم كشف الطبق فاذاً فيه رطب فجعل يأكل منه فعجبت لذلك و قلت جعلت فداك ناولني رطبة فناولني فاكلتها ثم طلبت اخري حتي اكلت ثمان رطبات ثم طلبت منه اخري فقال لي لو زادك جدي رسول‌الله صلي الله عليه و آله لزدناك فاخبرته الخبر فتبسم تبسم عارف بما كان انتهي.

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 416 *»

و ذكرت هذه الاخبار تبركاً و تعليماً لبعض وجوه التعبير و استشهاداً بها لوجوه قد ذكرتها في الباب السابق و اريد ان‌ازين كتابي ببعض رؤي الشيخ الاجل الامجد و الاستاد الاوحد الشيخ احمد الاحسائي اعلي الله مقامه و رفع في دار الخلد اعلامه فانها من العجايب فاعنون لذلك فصلاً.

فصل: رأيت رسالة عنه اعلي الله مقامه ما هذا لفظها:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي محمد و آله الطاهرين اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين ان بعض الاخوان في الله طلب مني ان‌اذكر له مضمون رؤيا رأيتها و ان‌اكتبها له فاعتذرت اليه لغايات و الح علي فكتبت مما يحضرني منها و هو كأني رأيت اني في مسجد و رأيت اشخاصاً قياما و سمعت قائلاً يقول يا سيدي فدنوت منهم فقلت من هذا فقال ذلك القائل هذا الحسن بن علي بن ابي‌طالب عليهماالسلام فاتيته و قبلت يده و معه اثنان فظننت ان احدهما الحسين عليه‌السلام و الآخر علي بن الحسين عليهماالسلام و قلت له بذلك فقال هذا علي بن الحسين عليهماالسلام و هذا محمد الباقر عليه‌السلام فقبلت يديهما و سمعت ذلك القائل يقول يا سيدي كم اعيش في الدنيا فقال اربع و خمس او قال و اربع او خمس فقلت الحمدلله رضيت و كأني حين هذا القول مضطجع علي قفاي و رأسي الي جهة نقطة الجنوب و كأنهم عليهم‌السلام واقفون مقابلوا جهة المغرب الاعتدالي و الحسن عليه‌السلام عند رأسي قائم و يليه علي بن الحسين و يليه الباقر عليه‌السلام فلما سمع الحسن عليه‌السلام قولي الحمدلله رضيت قعد و انكب علي و وضع فمه علي فمي فقال احد القائمين عليهماالسلام اصلح فرجه فقال الحسن عليه‌السلام الفرج لايخاف منه و ان اعقمه الله و انما يخاف من القلب فتعلقت به فمسح بيده علي رأسي و صدري حتي احسست بالبرودة في قلبي ثم كأنا قائمون و ذلك الرجل القائل يتكلم معه عليه‌السلام فقلت للامام عليه‌السلام يا سيدي علمني دعاء اذا قرأته رأيتكم فقرأ

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 417 *»

لي هذه الابيات:

كن عن امورك معرضاً

و كل الامور الي القضا

ولرب امر متعب

لك في عواقبه رضا

الله يفعل ما يشاء

و لاتكن متعرضا

الله عودك الجميل

فقس علي ما قد مضي

و قرأ ايضا:

رب امر ضاقت النفس به

جاءها من قبل الله الفرج

لاتكن من وجه روح آيساً

ربما قد فرجت تلك الرتج

بينما المرء كئيب دنف

جاءه الله بروح و فرج

و كان عليه‌السلام يقرأ من هذا مصراع بيت و من هذا مصراع بيت و من هذا مصراع بيت علي ترتيب لم‌احفظه ثم اني احببت ان‌يسيروا لئلااشتغل و انسي الابيات فانتبهت و بقيت اقرأها و لااري احداً منهم مدة من الزمان فتذكرت و تنبهت انه يريد مني التخلق بمعانيها و الاتصاف بما تدل عليه و تشير ثم توجهت الي اخلاص العمل ان لااكون من الغافلين فلما كنت كذلك انفتح لي قفل الباب و اتصلت لي عري الاسباب فكنت اكثر الليالي اريهم فرأيت الحسن عليه‌السلام مرة ثانية فوضع فمه في فمي فصب لي من ريقه ماء ساخناً و انا ارشفه قدر ساعة و هو الذ من الشهد المصفي و رأيت بعد ذلك ما لم‌يره غيري من جميع الائمة و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين.

و رأيت عنه اعلي الله مقامه في هامش رسالة في شرح حديث رأس الجالوت المعروف عن الرضا عليه‌السلام قال اعلي الله مقامه اني كنت في اول امري كلما رأيت شيئاً او سمعته و اشتبه علي رأيت في المنام بيانه بما يطابق الواقع و الحق و الآن لما كثرت علي الاشغال و تشتت البال قل ورود ذلك الحال علي الا انه لم‌يرتفع بالكلية و بعد ان كتبت هذه الكلمات في بيان هذا الحديث و لم‌نجده مسنداً و انما نقل هكذا رأيت في المنام ان عندي كتابا مجلداً كبيراً في حجمه و ثخنه و كأنه من تأليف المحدثين من اصحاب الائمة عليهم‌السلام او من يقربون

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 418 *»

منهم و اذاً في بعض استدلالاته كلمات من متن هذا الحديث و يسند روايته الي طلحة بن زيد فلما انتبهت خطر ببالي انه يجوز انه مروي من طريقين احدهما عن طلحة بن زيد عن الصادق عليه‌السلام و الآخر عن الرضا عليه‌السلام و يجوز ان اسناده عن الرضا سهو من الكاتب او الراوي و انما لم‌يترجح عندي في خاطري اختلاف رؤياي لما اطمئنت نفسي اليه من ان ما اجد في المنام من امثال ذلك لايكاد يخالف الواقع و ان كان يجوز اختلافه في هذه المرة انتهي.

و قال اعلي الله مقامه في شرح الفوائد و لقد رأيت في المنام كأني اتيت الي بستان من بساتين الجنة و فيه اشجار و زرع و رأيت جميع اوراق تلك الاشجار و الزرع تنظر كل واحدة الي بعينين نظر المتعقل و هي ورقة و هي حيوان.

و قال اعلي الله مقامه في شرح الزيارة و لقد رأيت في ايام اقبالي و توجهي رؤياً عجيبةً ملخصها اني رأيت في المنام كأني في صحراء واسعة مد البصر و فيها ضياء شديد اشد من نور الشمس بحيث لايكاد البصر يدرك شيئاً لشدة النور و سمعت صوتاً اخاطب به ينبعث الي من كل جهة من الجهات الست بلسان واحد و احس ان كلي سمع لاتختص الاذن بسماعه و لم‌افهمه حال انبعاثه لاستدارة كل حرف منه علي كالكرة و انا له كالقطب فلما انقطع فهمت معناه و استعظمته علي نفسي لاني فيما اعرف من نفسي لست اهلاً لذلك ثم رأيت المتكلم شخصاً نورانياً قائماً في الهواء ارتفاع مكانه تقريباً من ثلاثين قامة و لشدة صفائه كاد يخفي عن بصري و هو رامق الي بطرفه و كتمت امري مدة قدر ستة اشهر لم‌اتكلم به ثم رأيت ليلة النبي صلي الله عليه و آله و سألته عن المتكلم فقال ذلك انا فقلت يا سيدي انا اعلم بنفسي و انت تعلم بي اني لااستحق ذلك الخطاب بذلك المعني و لست اهلاً له فاي شيء استحققت به ذلك فقال بغير سبب و انما امرت ان‌اقول هكذا قلت امرت ان‌تقول هكذا في شأني قال نعم و امرت ان‌اقول ان فلاناً من اهل الجنة و كان المشار اليه شيعياً الا انه جاهل لامعرفة له قال و امرت ان‌اقول ان عبدالله الغويدري يكون من اهل الجنة و كان ذلك الرجل من اهل السنة و هو عشار و حاكم علي محلة و لم‌يظهر لاحد منه شيء من الخير قط الا ان في

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 419 *»

تلك المحلة جماعة من السادة الاعزاء و كان يعظمهم و يوقرهم كثيراً و يخدمهم و يسمع كلامهم و يصدق قولهم فقلت يا سيدي عبدالله الغويدري يكون من اهل الجنة قال لاتغتر في ان ظاهره خبيث فانه يرجع الينا و لو ان عند خروج روحه فكان من القدر طايفة من الشيعة من اهل القطيف اقتتلوا مع طائفة من غير الشيعة من البوادي فخرج هذا الرجل مع اناس من اهل محلته ممن هو حاكم عليهم لنصرة الذين هم من اهل القطيف و قتل و اخبرت بهذا الكلام اناساً فقال رجل من الشيعة قد كان بينه و بين عبدالله المذكور صداقة و اختصاص ان عبدالله الغويدري شيعي قلنا معاذ الله قال اي والله لايعلم بتشيعه الا الله و انا اثبتت الرؤيا ملخصة انتهي.

و انا سألت السيد الاستاد العالم السيد كاظم انار الله برهانه و اعلي شأنه ما قال له رسول‌الله صلي الله عليه و آله حين خاطبه قال قال له انت القطب.

و قال اعلي الله مقامه في الرسالة‌ السلطانية و لقد رأيت في الطيف بعض المنافقين و رئيسهم انه اتي به في عيون بقر يعذب فيه و كنت سمعت ذلك الاسم و لااعلم موضعه و كنت في اليقظة قاعداً مع جماعة و معنا رجل كبير من العرب فذكر شخص منا عيون بقر فقال الرجل هل تعرفون عيون بقر فقلت لانعرف ذلك فقال هو واد من ناحية الشام و كنا نقرب منه من بعيد منخفض لايمكن ان‌ينظر اليه و له دوي شديد و دخان يصعد منه و لاشك انه من اودية جهنم و ان لكل واحد منها سكاناً و المثل عندنا بذلك مشهور فانهم اذا غضبوا علي شخص قد ولي عنهم قيل سقر و عيون بقر و كنا لانعرف ذلك الا في الطيف انه يعذب فيه ذلك المنافق لعنه‌الله و من هذا الرجل الذي وصفه ابتداء منه بما تدل القرائن الحالية علي صدقه و كان ذلك الطيف في زمان المكاشفات و المبشرات التي ترد علي.

و قال اعلي الله مقامه في شرح العرشية و لقد كنت في اول امري مقبلاً علي شأني منقطعاً عن الخلق في اغلب احوالي و كنت اري في المنام اموراً عجيبة و بيانات لما اشكل علي في اليقظة لااكاد احصيها لايخالف منها شيء شيئاً من الامور المنقولة و المعقولة و قد اتت بلدنا امرأة من العامة فاجرة ذات علم و قد تولعت بها الزناة حتي ماتت في بلدنا و كانت جميلة الصورة فرأيت في المنام مقبرة فيها

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 420 *»

قبور يفور منها الشرر و الدخان و رأيت بعض الرجال فيها امواتاً غير مقبورين بل هم جيف و ميتة اجسامهم عظيمة و هي مفتولة كالحبال و الخيوط بصور تذهل من قبحها العقول و رأيت تلك المرأة الفاجرة و كان اسمها حسناء جيفة في تلك القبور غير مقبورة و هي في صورة فرس عظيمة قبيحة المنظر لايكاد الناظر اليها يملأ عينه منها لقبحها و ذلك لما كانت الفرس الغالب عليها شهوة النكاح جداً كما ذكره العلماء و الحكماء في خواص الحيوانات و كانت تلك المرأة بهذه الحالة كانت بصورة الفرس قد عظم جرمها للنار استجير بالله من النار مع اني رأيت المرأة في صغري و وقت رؤيتي لها بعد اقبالي ولكن قبل علمي بطبع الفرس.

و قال فيه ايضا الاشياء تسير الي الآخرة بارجل اعمالها و اقوالها و افعالها و احوالها و ما كان منها و لقد شاهدت كيفية ذلك في المنام و هو اني كنت في ايام اقبالي رأيت في المنام كأن جميع الخلايق يسيرون في ارض واسعة لاتري اطرافها من جهة المشرق الي المغرب و كلهم صامتون ما يسمع منهم الا صوت ارجلهم في المشي و لايلتفت منهم احد الي جهة و لاتوجه لاحد بشيء الا لمحض سيره ذلك و رأيت كأني معهم واقف و عندي كتاب كبير مارأيت  في الدنيا كتاباً مثله و عن يساري رجل لااعرفه واقف معي و انا فاتح لذلك الكتاب و هو يعرفني في معانيه في الصفحة اليمني منه و انا اجد في نفسي اعتمادي علي ذلك الرجل و ثقتي ببيانه و احسن([3]) اني انا و الرجل نحن واقفان و جميع الخلايق يسيرون سيراً حثيثاً و كل الخلايق يسيرون بما ينقلني ذلك الرجل اليه من معاني ذلك الكتاب فانتبهت و كان نومي وقت القيلولة فرأيت ان الشمس مازالت فسبغت الوضوء و نمت و اول دخولي في النوم كنت علي تلك الحال مع الرجل و هو يعرفني ذلك الكتاب و نحن واقفان و الخلايق تسير و نحن نسير بما ننتقل اليه من معاني ذلك الكتاب لا بارجلنا و اري الخلايق تسعي بارجلهم و انا اعلم ان المحرك لارجلهم في السعي هو تنقلنا في معاني ذلك الكتاب فكانت عندي معاني ذلك الكتاب و تنقلنا فيها لنا و لساير الخلايق كالسفينة تسير براكبها و هم فيها قاعدون فلما انتبهت و رجعت الي وجداني و الي ما قسم لي ربي من فهم كتابه و سنة نبيه صلي الله عليه

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 421 *»

و آله و اخبار اوليائه عليهم‌السلام وجدت ان الخلق كلهم يسيرون الي الاخرة باعمالهم و اقوالهم و اعتقاداتهم ثم اقول روي عن جعفر بن محمد عليهماالسلام ماكل ما يعلم يقال و لاكل ما يقال حان وقته و لا ما حان وقته حضر اهله انتهي.

اقول قد حان في الجملة وقت ان‌انبهك علي نحو الاشارة ان‌تدبر في سكونه اعلي الله مقامه و سير الخلايق كلهم بتنقله في معاني ذلك الكتاب و مشي الخلايق بارجلهم بمشيه النفساني في المعاني و انه هو المحرك لجميع الارجل فلنقبض العنان فان للحيطان آذاناً و اذ قد اتينا علي ما وصل الينا من بعض ما حدث به في منامه فليكن ذلك آخر هذا الباب فختامه مسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون.

الباب السادس

في بعض اقوال العلماء من العامة و الخاصة في امر الرؤيا ذكرتها اعتباراً

فعن البيضاوي الرؤيا كالرؤية غير انها مختصة بما يكون في النوم و فرق بينهما بحرف التأنيث كالقربة و القربي و هي انطباع الصورة المنحدرة من افق المتخيلة الي الحس المشترك و الصادقة منها انما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغه من تدبير البدن ادني فراغ فيصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلة هناك ثم ان المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها الي الحس المشترك فتصير مشاهدة ثم ان كانت شديدة المناسبة لذلك المعني بحيث لايكون التفاوت الا بالكلية و الجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير و الا احتاجت اليه انتهي.

اعلم ان للانسان ثلث قوي: منها فؤاده الذي به يدرك الحقايق المجردة عن المعني و الصورة فيدرك الاشياء بنفسه و هو حقيقة الانسان المدركة بكل مراتبه المحركة لها و هي المعبر عنها بـ‌انا كما في القدسي اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفنا و باطنك انا علي تفسير ظاهر الظاهر و منها عقله و به يدرك المعاني و هو عين للفؤاد مفتوحة في عالم المعاني فيدرك به كل معني قابله و لامعني في الفؤاد و لايأتيه معني منه بل ما يأتي منه قوة دراكة مجردة و انما العقل يفيد الفؤاد

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 422 *»

المعني قال عليه‌السلام علمته علمي و علمني علمه فافهم و منها نفسه و هي عينه المفتوحة في عالم الصور المجردة فيدرك الفؤاد بعقله منها الصور المجردة عن المواد العنصرية و المدد الزمانية و لايأتيها صورة من الاعلي بل كما ذكرت يأتيها قوة دراكة و تأييد فؤادي بالعقل قد تغلظ في بطن العقل ثم نزل الي النفس و هي التي تدرك الصور و تحضرها في محضر العقل فيدرك معناها و يحضر المعني عند الفؤاد فيدرك حقيقته فهي اي النفس هي التي تفيد العقل علم الصورة في رتبتها ثم للنفس مشاعر الي عالم البرزخ و حواس لعالم الشهادة فالمشاعر البرزخية هي الدراكة للصور المثالية البرزخية و هي التي تفيد النفس العلم بالصور المثالية في عالمها اي عالم المشاعر و تحضرها بحضرة النفس فلما احضرتها عند النفس تنتزع النفس منها صورة مجردة و تصير عالمة بها و التي تأتي المشاعر البرزخية من النفس قوة دراكة غليظة قابلة لدرك الصور المثالية بسيطة بالنسبة فاذا وقعت في المشاعر البرزخية انصبغت تلك القوة البسيطة التي هي فعل النفس باصباغها فادركت من كل مشعر ما يناسبه فالذي يفيدها النفس قوة بسيطة لاصور مجردة بل المشاعر تفيد النفس صوراً و لولا افادتها للنفس لم‌تكن للنفس صورة مجردة بل الصورة المجردة التي عندها منتزعة من المشاعر و يتضح لك الامر في الحواس فان التي تأتي العين من النفس قوة دراكة لااختصاص لها ببصر و لاسمع و لاشم و لاذوق و لالمس بل هي فعل ادراك بسيط فاذا وقع في العين انصبغ فيها و صار بصراً دراكاً للاضواء و الالوان و لما وقع في الاذن انصبغ فيها و صار سمعاً دراكاً للاصوات و هكذا البواقي و ليس يأتي العين مبصر من الاعلي ابتداء و لا الاذن صوت ابتداء و كذا البواقي بل المبصر يأتي العين من الخارج فتحضره عند النفس فتنزع عنه صورة مجردة و المسموع يأتي الاذن من الخارج فتنزع عنه النفس صورة مجردة و كذا البواقي و ليس يأتيها من الاعلي محسوسات بل يأتيها من الاعلي احساس بسيط و كما شاهدت في الشهادة افهم في الغيب ما تري في خلق الرحمن من تفاوت قال الرضا عليه‌السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و قال الصادق عليه‌السلام العبودية جوهرة كنهها

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 423 *»

 الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية الخبر. فتبين بدليل الحكمة ان المشاعر الباطنة هي التي تفيد النفس العلم بالصور المجردة و ليس يأتي المشاعر منها الا قوة مجردة بسيطة فقوله عليه ما عليه ان المتخيلة تحاكي ما في النفس و ترسلها الي الحس المشترك غلط اذ لافرق بين ما يراه العين و بين ما يدركه الحس المشترك و المتخيلة فكما يدرك العين المثل الظاهرة و لم‌يأتها من الاعلي الا قوة الابصار فكذلك لايأتي المتخيلة من النفس الا قوة التخيل البسيطة و الصور الخيالية يأتي الخيال من الامثال المكتوبة في لوح البرزخ لا من النفس و ليست تحاكي النفس بل النفس تنتزع مما ادركته صوراً مجردة و تصير عالمة بها فاذا نام الانسان كما بينا سدت النفس ابواب الحواس الظاهرة و فتحت ابواب المشاعر البرزخية فادركت بها المثل البرزخية كما كانت في اليقظة تدرك المثل الزمانية فاذا ادركت المشاعر تلك المثل انتزع منها النفس صورها المجردة و العقل معانيها و الفؤاد حقيقتها الاتري انك في المنام ايضا تدرك مثلاً ثم تدرك صورها و معانيها و حقائقها كما في اليقظة بلا تفاوت.

و ان قلت ان كان لاينعكس من النفس الي المشاعر و البدن فما بالنا انا نشاهد الرجل اذا رأي في منامه المباشرة يحتلم بدنه و ينزل و كذا قد ينطق البدن و يتحرك بما يراه في المنام و نري آثار الغضب تظهر من النفس في البدن و ليس يأتي البدن من الخارج شيء قلت ان النفي يستعمل المشاعر نحو ما تريد من المثل البرزخية فينطبع فيها اشباحها فاذا كانت متعلقة بالبدن و كانت قليلة التجرد و الانتزاع لغلظتها او لشدة توجهها الي البدن سرت الاشباح الي الحس المشترك لان الحس المشترك من حيث الاعلي مرتبط بها و من جنسها ثم تسري منه الي الاعصاب فتتحرك و الي الدم الذي في القلب فتنبعث كحال اليقظة و لم‌يأت البدن من النفس شيء غير انها استعملها في جهات مطالبها و منها سرت الي البدن فافهم. و صفة استعمال النفس المشاعر و البدن ان لطايف البدن و روحه تشتعل بالنفس الكلية اي بمسها و مثالها و ذلك المثال فينصبغ بتلك اللطائف انصباغ مثال النار الجوهرية الملكوتية بالدخان و قد اشتعلت بها لان النفس نافذة فيها و

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 424 *»

كامنة و بالقوة فاذا رقت الحجب ابدتها و طاوعتها مطلقة ثم جميع تعينات افعالها و ادراكاتها من اللطائف القت في هويتها مثالها فاظهرت عنها افعالها كما هي لا كما هي فالنفس من حيث هي مطلقة و جميع كمالاتها في اللطايف و من اللطايف و دهرية تلك الكمالات و الفعليات اي معراة عن الخصوصيات البرزخية و الدنياوية هذه النفس الخاصة بذلك البدن و تلك الكمالات تمثلاتها و وجوداتها و فعلياتها المفصلة فصورة النفس مكتسبة من فعلياتها بها تسعد و تشقي سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم، قل كل يعمل علي شاكلته فاين ما ذكره السوداوي من اتيان الصور من النفس الي المتخيلة فتدبر.

بقي شيء مهم قد خفي علي الاكثرين و هو ان الحكماء زعموا ان الحافظة و الذاكرة من القوي البرزخية و المشاعر الباطنية و عندي هذا القول خطاء محض فان المشاعر الباطنة في نفسها دخان صاعد من القلب الي الدماغ و هو في اول صعوده بلطافة فلك القمر فيتعلق به نفس فلك القمر و هي روح الحيوة فيحيي و يتحرك بالانقباض و الانبساط و المشاعر فيه بالقوة فاذا صعد الي الدماغ و لطف و ساوي فلك عطارد تعلق به نفس فلك عطارد و هي الفكر و اذا ساوي لطافته في المنزل الآخر فلك زهرة تعلق به نفسها و هي الخيال و اذا ساوي فلك المريخ في اللطافة تعلق به نفسه و هي الواهمة و اذا ساوي فلك المشتري تعلق به نفسه و هي العالمة و اذا ساوي فلك زحل تعلق به نفسه و هي العاقلة و اذا ساوي الكرسي تعلق به نفسه و هي الناطقة القدسية و اذا ساوي العرش تعلق به نفسه و هي العقل و هو القلب ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب و ظواهرها كالحواس الظاهرة اجسام صافية مرآتية اذا قابلها شيء انطبع فيها شبحه و الا فليس فيها شيء و هي دراكة بالنفوس المتعلقة بها كالعين الدراكة للاضواء و الالوان بالنفس المتعلقة بها و الاذن الدراكة للاصوات بالنفس المتعلقة بها فالمشاعر من حيث ظواهرها كظواهر الحواس الا انها الطف و اشرف و اصفي فليس يبقي فيها مثال اذا غاب عنها الشيء كما لايبقي مثال في العين و المرآة اذا غاب عنها الشيء فليس فيها مشعر يبقي فيها صور ما ادركه الانسان من اول عمره الي وقته فكيف تحفظ

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 425 *»

الصور و كيف تذكره بل لو كان فيها شيء ليس بقابل ان‌ينعكس فيها شيء مادام هو فيها كالمرآة اللهم الا ان‌يغيب عنه الشيء فيغيب عنه مثاله و ينمحي فينطبع فيها الصورة‌ الثانية من الشيء الذي قابلها ثانياً افهم ما اقول لك فاين الحافظة و اين الذاكرة فالحافظة هي النفس الملكوتية التي لايمتنع حضور صور عديدة عندها و حصول ملكات عديدة لها و هي التي تعلم موضع كل شبح من اللوح المحفوظ فاذا ارادت النفس ان‌تدرك مثالاً من المثل الماضية وجهت خيالها اليه قابلته به فانطبع فيه صورته فيعرضها علي النفس فتعرفها و تذكر انها قد رأتها مرة اخري و تتذكر ما رأته سابقاً و انما ذلك لاجل حضور عربی جميع الصور التي علمتها و حصلتها لديها بخلاف الحواس الباطنة فانها لايحضرها الا ما يكون مواجهاً لها حال المقابلة فاذا ارادت النفس شيئاً مما علمتها حيناً ما ان‌تصوره مرة اخري امرت الخيال و استعملته و قابلت به ذلك الموضع من اللوح المحفوظ فينطبع فيه صورته و شبحه كما انها تعلم ان الكتاب الفلاني قد وضعته في الطاق الفلاني فتقابله بالعين فينطبع فيها صورته و ليس الصورة الحاصلة في العين مما نزل من النفس بل من الكتاب الموضوع في الطاق افهم فاذا حصل المثال في الخيال امسكه الخيال لعمل الفكر فيه فتستعمل النفس الفكر و تجمع بين المختلفات و تفرق بين المجتمعات و يرتبها كما يشاء و يستنتجها فيحصل لدي المتفكرة النسب الحكمية و التصديقات و كذا يمسك الخيال الصورة لعمل الواهمة فتنظر فيه الواهمة و تستنبط منه بعض المعاني الجزئية كما هو شأنها فالفكر من خدام النفس و الواهمة من خدام العقل فيعرض الفكر ما حصل له علي المشتري اي العالمة و هي تعرضه علي الكرسي و الواهمة تعرض ما حصل لها علي زحل اي العاقلة و هي تعرضه علي العرش فينتزع نفس الكرسي من العالمة صورة مجردة و تنتزع نفس العرش من الواهمة معاني كلية و ايضاً مما حصل للكرسي تنتزع معاني كلية فالعاقلة فعل العرش و عينه و العالمة فعل الكرسي و عينه بهما ينظران الي الاشياء و يتدبران و الخيال كاللوح الموضوع لديهما و الفكر يد النفس و الوهم يد العقل بهما يقلبان ما في ذلك اللوح و يعملان فيما فيه كيف ما يشاءان

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 426 *»

و ان قيل فما بالنا نجد الرجل بغلبة البرودة و الرطوبة عليه يقل حفظه و بغلبة الحرارة و اليبوسة عليه يزداد حفظه و هي لاتتصرف الا في جسم المشاعر قلت ان النفس كما ذكرت هي التي تقابل بالمشاعر الي المثل لتنطبع فيها و المشعر اذا غلب عليه البرودة و الرطوبة تغلظ و قل مطاوعته للنفس و قل صقالته فلايطاوع و ان طاوع بكلفة ليس ينطبع فيه المثال فلايحضره الصورة و اما اذا غلب عليه الحرارة و اليبوسة ازداد صقالة و مطاوعة فيطاوع اسرع و ينطبع فيه الشبح باسهل وجه فيتذكر و لذلك تجد البلغمي قليل الفهم و الحفظ و تجد الصفراوي كثير الفهم و الحفظ و اما السوداوي المحض فهو ايضاً قليل الفهم لعدم المطاوعة و قليل الذكر لما نسيه اما اذا تذكر فليس ينمحي عن ذكره ما انتقش فافهم و احتفظ بما نقحته لك و اوضحته و بينته بما لاتجده في كتاب و لاتسمعه من خطاب فقول السوداوي ان جميع الرؤيا يأتي من عالم النفس كلام باطل و زبد زايل ذلك مبلغهم من العلم و هذا القول هو المنقول عن الحكماء و هو حاصل اقوالهم فانهم قالوا ان النفوس الانسانية لها مناسبة الجنسية الي المبادي العالية المتنقشة بجميع ما كان و ما سيكون و ما هو كاين في الحال و لها ان‌تتصل بها اتصالاً روحانياً و ان‌تتنقش بما هو مرتسم فيها فاذا انخنس الروح الي الباطن تعطلت الحواس فتتصل النفس بتلك المبادي فيرتسم فيها بعض ما انتقش في تلك المبادي و القوة المتخيلة جبلت محاكية لما يرد عليها فتحاكي تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور عربی جزئية‌ ثم تصير تلك الصور الي الحس المشترك فتصير مشاهدة و هذه هي الرؤيا الصادقة ثم ان الصور التي تركبها المتخيلة ان كانت شديدة المناسبة بلا تفاوت فهي غنية عن التعبير و ان كان بينهما مناسبة‌ما فهي محتاجة الي التعبير و الا فهي من قبيل اضغاث الاحلام هذا ملخص قولهم و قال المجلسي رحمه‌الله و لايخفي ان هذا رجم بالغيب و تقول بالظن و الريب و لم‌يستند الي دليل و برهان و لا الي مشاهدة و عيان و لا الي وحي الهي مع ابتنائه علي اثبات العقول المجردة و النفوس الفلكية و هما مما نفتهما الشريعة المقدسة كما تقرر في محله.

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 427 *»

اقول لا ذا و لا ذاك اما قول الحكماء فقد بينا الامر فيه مفصلاً و اما الرؤيا الصادقة و الكاذبة فقد شرحناها في اول الكتاب مفصلاً فقول المجلسي رحمه‌الله هذا رجم بالغيب في محله و اما نفيه العقل المجرد و النفوس الفلكية فذلك سهو منه اما انكاره المجردات فهو في غير محله لقول علي عليه‌السلام في جواب السائل حين سأل عن العالم العلوي فقال صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت و القي في هويتها مثاله فاظهر منها افعاله و خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها و اذا اعتدل مزاجها و صح (نسخة) منهاجها (نسخة) و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد رواه الامدي في الدرر و الغرر و ضعف الخبر منجبر بدليل العقل المستنير و لا ضير فاثبت عليه‌السلام صوراً عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد و هو المراد بالتجرد و لانريد البساطة المحضة فانها مخصوصة بالله سبحانه و كل ممكن زوج تركيبي باتفاق الحكماء و في حديث الاعرابي في صفة النفس اللاهوتية الملكوتية قوة لاهوتية جوهرة بسيطة حية بالذات الخبر فانكاره رحمه‌الله المجردات في غير محله و اما النفوس الفلكية فقد قال علي عليه‌السلام في حديث الاعرابي في صفة النفس الحيوانية فقال يا مولاي و ما النفس الحيوانية قال قوة فلكية و حرارة غريزية اصلها الافلاك الخبر. فتبين ان للافلاك حيوة و هي حية و ضعف الخبر منجبر بالدليل العقل القاطع و لو علم تأويل قوله و ان الدار الاخرة لهي الحيوان لم‌ينكر حيوة الافلاك. بالجملة لسنا بصدد اثبات هذه الامور في هذه الرسالة و عن بعض المتكلمين ان الرؤيا خيال باطل عند جمهور المتكلمين اما عند المعتزلة فلفقد شرائط الادراك حالة النوم من المقابلة و اثبات الشعاع و توسط الهواء الشفاف و النسبة المخصوصة و انتفاء الحجاب الي غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الادراك فما يراه النائم ليس من الادراكات في شيء بل هو من قبيل الخيالات الفاسدة و الاوهام الباطلة و اما عند الاصحاب اذ لم‌يشترطوا في الادراك شيئاً من ذلك فلانه خلاف العادة اي

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 428 *»

لم‌تجر عادته تعالي بخلق الادراكات في الشخص النائم و لان النوم ضد الادراك فلايجامعه فلايكون الرؤيا ادراكاً حقيقة بل هو من قبيل الخيال الباطل انتهي. و هذا القول بعد شهادة الكتاب و السنة و اتفاق المحققين و حصول التجارب بصدق كثير منها و الاطلاع علي امور غريبة فيها و بها بالهذيان اشبه.

و عن السيد المرتضي رحمه‌الله اعلم ان النائم غير كامل العقل لان النوم ضرب من السهو و السهو ينفي العلوم و لهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة لنقصان عقله و فقد علومه و جميع المنامات انما هي اعتقادات يبتديها النائم في نفسه و لايجوز ان‌تكون من فعل غيره فيه لان من عداه من المحدثين سواء كانوا بشراً او ملائكة او جناً اجسام و الجسم لايقدر ان‌يفعل في غيره اعتقاداً ابتداءً بل و لا شيئاً من الاجناس علي هذا الوجه و انما يفعل ذلك في نفسه علي سبيل الابتداء و القديم تعالي هو القادر ان‌يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب اجناس الاعتقادات و لايجوز ان‌يفعل في قلب النائم اعتقاداً لان اكثر اعتقادات النائم جهل لانه يعتقد انه يري و يمشي و انه راكب و علي صفات كثيرة و كل ذلك علي خلاف ما هو به و هو تعالي لايفعل الجهل فلم‌يبق الا ان الاعتقادات كلها من جهة النائم و ينبغي ان‌يقسم ما يتخيل النائم انه يراه الي اقسام ثلثة منها ما يكون من غير سبب يقتضيه و لا داع يدعوه اليه اعتقاداً مبتدءاً و منها ما يكون من وسواس الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاماً خفياً يتضمن اشياء مخصوصة فيعتقد النائم اذا سمع ذلك الكلام انه يراه فقد نجد كثيراً من النيام يسمعون حديث من يتحدث بالقرب منهم فيعتقدون انهم يرون ذلك الحديث في منامهم. و منها ما يكون سببه و الداعي اليه خاطراً يفعله الله تعالي او يأمر بعض الملائكة يفعله و معني هذا الخاطر ان‌يكون كلاماً يفعل في داخل السمع فيعتقد النائم ايضاً ما يتضمن ذلك الكلام و المنامات الداعية الي الخير و الصلاح في الدين يجب ان‌تكون الي هذا الوجه مصروفة كما انها يقتضي الشر منها الاولي ان‌تكون الي وسواس الشيطان مصروفة الي ان قال فاما ما يهذي اليه الفلاسفة في هذا الباب فهو مما يضحك الثكلي لانهم ينسبون ما صح من المنامات لما اعيتهم الحيل في ذكر سببه الي ان النفس اطلعت الي عالمها

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 429 *»

فاشرقت علي ما يكون و هذا الذي يذهبون اليه في حقيقة النفس غير مفهوم و لامضبوط فكيف اذا اضيف الي الاطلاع علي عالمها و ما هذا الاطلاع و الي اي شيء يشيرون بعالم النفس و لم‌يجب ان‌تعرف الكاينات عند هذا الاطلاع فكل هذا زخرفة و مخرقة و تهاويل لايتحصل منها شيء و قول صالح([4]) فيه مع انه تجاهل محض اقرب الي ان‌يكون مفهوماً من قول الفلاسفة لان صالحاً ادعي ان النائم يري علي الحقيقة ما ليس يراه فلم‌يشر الي امر غير معقول و لا مفهوم بل ادعي ما ليس بصحيح و ان كان مفهوماً و هؤلاء عولوا علي ما لايفهم مع الاجتهاد و لايعقل مع قوة التأمل و الفرق بينهما واضح انتهي. تأمل رحمك‌الله الي هؤلاء الاعلام و اسمهم و رسمهم بين الانام و تصرفهم في العلوم و نقدهم الرسوم و قولهم فيما لايعلمون و قدحهم في ما يجهلون. بالجملة بعد ما بينا من الايات و الاخبار تعرف مقدار هذه الاقوال و كل امرء مخبوء تحت لسانه فانظر الي ما قال و لاتنظر الي من قال و قال المجلسي رحمه‌الله ان الرؤيا تستند الي امور شتي فمنها ان للروح في حالة النوم حركة الي السماء اما بنفسها بناءً علي تجسمها كما هو الظاهر من الاخبار او بتعلقها بجسد مثالي ان قلنا به في حال الحيوة ايضاً بان‌يكون للروح جسدان اصلي و مثالي يشتد تعلقها في حال اليقظة بهذا الجسد الاصلي و يضعف تعلقها بالآخر و ينعكس الامر في حال النوم او بتوجهها و اقبالها الي عالم الارواح بعد ضعف تعلقها بالجسد بنفسها من غير عربی جسد مثالي و علي تقدير التجسيم ايضاً يحتمل ذلك كما يؤمي اليه بعض الاخيار بان‌يكون حركتها كناية عن اعراضها عن هذا الجسد و اقبالها الي عالم آخر و توجهها الي نشأة اخري و بعد حركتها باي معني كانت تري اشياء في الملكوت الاعلي و تطالع بعض الالواح التي اثبت فيها التقديرات فان كان لها صفاء و لعينها ضياء تري الاشياء كما اثبتت فلاتحتاج رؤياه الي تعبير و ان استدلت علي عين قلبه اغطية ارماد التعلقات الجسمانية و الشهوات النفسانية فيري الاشياء بصور شبيهة لها كما ان ضعيف البصر و مؤف العين يري الاشياء علي غير ما هي عليه و العارف

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 430 *»

بعقله يعرف ان هذه الصورة المشبهة التي اشتبهت عليه صورة لاي شيء فهذا شأن المعبر العارف بداء كل شخص و علته و يمكن ايضاً ان‌يظهر الله عليه الاشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة كما ان الانسان قد يري المال في النوم بصورة حية و قد يري الدرهم بصورة عذرة ليعرف انهما يضران و هما مستقذران واقعاً فينبغي ان‌يتحرز عنها و يجتنبها و قد تري في الهواء اشياء فهي الرؤيا الكاذبة التي لاحقيقة لها و يحتمل ان‌يكون المراد بما يراه في الهواء ما آنس به من الامور المألوفة و الشهوات و الخيالات الباطلة و قد مضي ما يدل علي هذين النوعين في رواية محمد بن القاسم و رواية معوية بن عمار و غيرها. و منها ما هو بسبب افاضة الله تعالي عليه في منامه اما بتوسط الملائكة او بدونه كما يؤمي اليه خبر ابي‌بصير و سعد بن ابي‌خلف. و منها ما هو بسبب وسواس الشيطان و استيلائه عليه بسبب المعاصي التي عملها في اليقظة او الطاعات التي تركها فيها او الكثافات و النجاسات الظاهرية او الباطنية التي لوث نفسه بها كما مر في رواية هزع و رواية تارك الزكوة و غيرهما و تدل عليه آية النجوي علي بعض الوجوه و منها بسبب ما بقي في ذهنه من الخيالات الواهية و الامور الباطلة و يؤمي اليه خبر ابن ابي‌خلف و غيره و اما ما وراء ذلك مما سبق ذكره و ان كان بعضها محتملاً و يمكن تطبيق الآيات و الاخبار عليه لكن لم‌يدل عليه دليل و التجويز و الامكان لايقومان مقام البرهان مع انه ليس من الامور التي يجب تحقيقها و الاذعان بكيفيتها انتهي. اقول رحم الله معشر الماضين و العلم فضل الله يؤتيه من يشاء و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيراً كثيراً، و ما يذكر الا اولوا الالباب ذلك مبلغهم من العلم و لو تدبرت فيما ذكرنا في كتابنا هذا اطلعت علي حقيقة الرؤيا و اسبابها و منتهاها و لاحول و لاقوة الا بالله و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ و لما كان في يدي كتب و رسائل اخر مهمة و كان تتميمها من اللوازم ختمنا هذا الكتاب هنا لكي‌نتفرغ بتتميمها و اسأل الله التوفيق و العصمة عن الخطاء و جعل ما يخرج من قلمي خالصاً لوجهه مطابقاً لحكمة محمد

 

«* مكارم الابرار عربی جلد 29 صفحه 431 *»

و آل‌محمد عليهم‌السلام فكان فراغي من هذا الكتاب في ليلة الثلثا السادسة و العشرين من شهر ربيع الآخر من شهور سنة احدي و سبعين بعد المأتين و الالف حامداً مصلياً مستغفراً و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين تمت.

[1]  هذا الخبر يدل علي ان السحر بعد الثلثين من الليل.

  • جاءني ظ

[3]  احس ظ

[4]  صالح هو رجل معروف بصالح قبة كان يذهب الي ان ما يراه النائم علي الحقيقة. منه