26-09 مکارم الابرار المجلد السادس والعشرون ـ الياقوتة الحمراء ـ مقابله

 

 

 

الیاقوتة الحمراء

 

من مصنفات العالم الربانی و الحکیم الصمدانی

مولانا المرحوم الحاج محمد کریم الکرمانی اعلی الله مقامه

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 455 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطيبين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين الي يوم الدين.

و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابراهيم انه قد اخبرني من يجب علي طاعته بمشاجرة وقعت بينه و بين بعض المتعنتين في و انا اقل من ان يتشاجر في مثلي لقلة‌ بضاعتي و كثرة اضاعتي و كون نفسي عندي مثل الذرة بل اقل و ما عسي ان يكون دعاوي من كانت حقايقه دعاوي و ما يحتمل ان يكون مساوي من يكون محاسنه مساوي فاخبرني انه قد وقع بينه و بين رجل تشاجر في ما اكتب في اجوبة المسائل الواردة علي من المعضلات و حل ما يسئل عني من المشكلات و لعله ذكر عنده ان فلانا يجيب عن كيت و كيت فانكر عليه ذلك المتعنت غفلة عن قولهم عليهم السلام ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و عن قولهم عليهم السلام ما من عبد حبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل عن مسئلة الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسئلة فتعنت عليه ان فلانا كيف يقدر ان يجيب عن حقيقة لون هذا البساط و كان تحته بساط احمر اللون من وبر و كيف يقدر ان يكتب في ذلك رسالة و المتعنت و ان لم‌يكن له جواب عندنا الا ان المخبر ادام الله تأييده امرني ان اكتب في حقيقة الحمرة و كيفية انصباغ ذلك البساط بالحمرة كلمات و حتم علي و كان ممن لايسعني التخلف عن حكمه و يجب علي امتثال امره لازال مؤيدا بتأييدات الله و عونه فبادرت الي الجواب مستعينا بالله الجواد الوهاب و ها انا اشرح ذلك علي ما يسنح بالبال بالهام الله المتعال و اجعل رسالتي هذه مبتنية علي مقالتين و خاتمة فالمقالة الاولي في معني اللون و حقيقته و المقالة الثانية في معني الحمرة و كيفية خلقتها و نزولها من الخزائن العالية التي اشار الله سبحانه اليها بقوله و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ما ننزله الا بقدر معلوم واذكر ان شاءالله في هذه المقالة ظاهر الحمرة و تأويلها و باطنها و باطن تأويلها و تأويل باطنها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 456 *»

و لعلي اشير الي باطن باطنها علي نهج الايماء اذ لايحل علي عالم التصريح به و الخاتمة اذكر فيها كيفية انصباغ الوبر بلون الحمرة و كان حمرة ذلك البساط من اللكّ و سميتها بالياقوتة الحمراء.

المقالة الاولي

في معني اللون المطلق و حقيقته و انما قدمت هذا المعني لانه لايفهم حقيقة الحمرة الا بعد فهم حقيقة اللون و هذا المعني من المبادي القريبة و الا فالمبادي البعيدة اكثر من ان تحصي في كتاب واحد و في هذه المقالة فصول.

فصل اعلم ان حقيقة اللون قد خفيت علي الحكماء الاعلام و تاه فيه عقول العلماء الفخام حتي ان منهم من زعم ان الاجسام من حيث انفسها لا لون لها و انما الالوان تحدث من اشفاف الجسم والهواء و الضياء و عدمها و ضعفها و شدتها فالجسم الشفاف اذا انقسم الي اجزاء صغار ثم ارتكمت و تعاكس الانوار من جزء الي جزء يري ابيض كالزجاج المسحوق و الزبد في الماء و اذا كان الامر بعكس ذلك يري اسود و هذا القول بمعزل عن التحقيق بداهة فان الفضة بيضاء و ليست بشفافة و لا اجزاء صغار مرتكمة بل هي جسم صلب متلزز و كذا الاحجار البيض الصلبة و منهم من جعل الماء سببا للسواد حيث رأي ان التراب اذا بل صار اسود و الثلج اذا غمص في الماء مال الي السواد و زعم ان الماء يدخل خلل الجسم و يخرج الهواء المشف و سد منافذ الضياء فيسود فيبطل علي هؤلاء قولهم وجود لبن العذراء و ذات الرغوة و المحلولات المسترسبة فانها تبيض في جوف الماء بل محلول الفضة المسترسبة ابيض ما دام في الماء فاذا صب عنه الماء اسود قليلا و علاه ظل الفضة و منهم من زعم ان اللون هو السواد لانه لاينسلخ و البياض عارض ينسلخ و يبطل علي ذلك قوله انسلاخ سواد شعر الشاب و ابيضاض الشيب و سواد خبث الحديد اذا حل و استرسب و صيرورة الفحم رمادا و امثال ذلك مما لايحصي و منهم من ذهب الي ان الاجسام لها استعدادات اذا اشرق عليها ضوء ظهر اللون و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 457 *»

صار بالفعل و قبل الضوء ليس لها الوان بل اللون فيها بالقوة و الي ذلك ذهب الشيخ في الشفاء بعد اضطراب عظيم و اقرار منه في كثير من المواضع انه شاك ظان في امر الالوان و اقر في المسئلة الهالة انه جاهل بالوانها واطال الكلام من غير طائل و ذكر ما حاصله ان الجسم علي قسمين شاف و حاجب و الحاجب من ذلك علي قسمين قسم يري بذاته فهو المضيء و قسم يري باشراق غيره فهو الملون و اللون بالفعل يحدث بسبب النور فان لم‌يكن كان اسود فقط لكنه بالقوة ملون و استدل علي ذلك بان اللون لو كان موجودا في الظلمة لكان يري فان الهواء المظلم مشف بل الظلمة و السواد حال ما يقبل الاستنارة فعند عدم النور لونه السواد و ليس فيه لون بالفعل و اكد الاستدلال بان النور يري و المشف لايري و لا لون له فالظلمة لون الحاجب و قد خبط في المسئلة خبط عشواء فانا لانسلم قوله ان اللون لو كان موجودا لكان يري فانا نقول ان الشيء علي ثلثة اقسام اما يكون لطيفته اكثر من نفسه فهو المضيء فذاك يري بنفسه و يري غيره بفضل لطيفته و اما يكون لطيفته بقدر نفسه فهو الظاهر بنفسه كالجمرة فهي تري و لو في الظلمة و لاتري غيرها لانه لا فاضل لها يشرق علي غيرها و اما يكون لطيفته اقل من نفسه فلايظهر و انما يحتاج في الظهور الي فضل وجود غيره و هذا التقسيم باب من العلم يفتح منه الف باب فاحفظه فالاجسام الغير الضيئة لطيفتها اقل من نفسها فلاتظهر بنفسها لا انها لا الوان لها فالالوان تحتاج في ظهورها الي ضياء يكملها حتي يظهرها لا في وجودها فان وجودها من طبيعة الجسم كما يأتي و اما قوله الظلمة ليست بلون الهواء لانه مشف و انما هو لون الحاجب فذلك ايضا قول خابط و استدل علي ذلك بانك لو كنت في غار تري ما كان مستنيرا خارجا و وجه الخبط ان الظلمة بنفسها شيء موجود و ليست محض عدم النور لقوله سبحانه جعل الظلمات و النور فهي شيء مجعول قد تعلق به مشية الله سبحانه و اوجده الا انها ليست بجس حاجب و انما هي لون مشف يعرض الهواء المشف فلاجل ذلك لايحجب ما كان خارج الغار مستنيرا فالهواء يعرضه الظلمة كما تعرض الاجسام الحاجبة بلاتفاوت هذا و الذي يري من جوف الغار اشباح الالوان المستنيرة و تلك الاشباح ايضا نيرة تنير ما تقع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 458 *»

عليه من الهواء علي انا قد حققنا في علم المناظر ان الرؤية بالانطباع و ورود الصور لا بخروج الشعاع من العين فالصور النيرة الواردة تنير الهواء و ترفع ظلمته و سبب عدم رؤية الالوان في الظلمة قلة لطيفتها لا عدم وجودها اصلا و علم من ذلك ان تخصيصه الالوان بالاجسام الحاجبة ايضا خبط فان الجسم كما سنذكره له لون الا ان الجسم المشف لونه مشف فلايري و الجسم الحاجب لونه حاجب فيري اذا استنار فتبين و ظهر ان قول الشيخ من مبدئه الي منتهاه فاسد لم‌يصدر عن تحقيق و من راجع الشفاء عرف انه قد ذكر جميع ما ذكر عن ظن و شبهة و مثله ابن هيثم علي ما نقل عنه في شرح التجريد فانه صرح بان ما اختاره من اشتراط وجود اللون بالضوء انما هو بالحدس و يجوز ان يكون اللون طبيعة غير مشروط بشيء من مراتب الضوء فيوجد تلك الطبيعة في الظلمة فيوجد اللون في ضمنها الا ان الحدس يحكم بما ذكرنا فظهر لمن نظر ان الفحول قد تحيروا في امر اللون و جهلوا معناه و انما يذكرون ما يذكرون بالحدس و الظنون لا بمشاهدة العيون و منهم من قال ان الاسطقصات كلها مشفة و انها اذا تركبت حدث منها البياض علي الصفة المذكورة من قول الاولين و بان يكون ما يلي البصر سطوحا مسطحة من المشف فينفذ فيها البصر و ان السواد يعرض اذا كان ما يلي البصر من الجسم زوايا يمنع الاشفاف و هذا القول ايضا بمعزل عن التحقيق لمكان البياض في غير الشفاف و كون التراب الموجود غير مشف و تركب المركبات من هذا التراب و غيره الا تري البياض في بعض المعادن و الاحجار و النباتات و الحيوانات و ليس شيء منها بمشف و منهم من اقر بان الجسم لايخلو من لون الا انهم انكروا الاجسام المشفة و زعموا ان رؤية ما ورائها لمسامات فيها و هذا القول ايضا باطل فان المسامات خلوة‌عن جسم شاف فيلزم الخلاء او مشغولة فيثبت الشاف هذا و المسام الذي يري منه ما ورائه كيف حجب عن العين في البلور و الالماس و الياقوت و الشاف المستدير يشف عما ورائه من كل جهة و من كل جزؤ فاذا كان جميعه المسام فما الجسم و فيما الصلابة و الوزن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 459 *»

فتبين و ظهر ان جميع هذه الاقوال خارجة عن الاعتدال معزولة عن التحقيق و الحق في المسئلة ان المركب له لون سواء كان في الاجسام الظاهرة الزمانية ام الاجسام المثالية البرزخية ام الاجسام الدهرية النفسانية ام المركبات الجبروتية و تختلف مراتب اللون بحسب اختلاف مراتب المركب فان المركب ان كان لطيفا كان اللون لطيفا و ان كان كثيفا كان كثيفا و لنا علي ذلك استدلالات من الكتاب و السنة و الحس الظاهر و العقل الباهر.

فصل _ الذي يدل علي وجود اللون للمركبات من كتاب الله المجيد آيات فمنها قوله سبحانه و من آياته اختلاف السنتكم و الوانكم حيث اضاف الالوان الي الاشخاص فلو كان اللون شيئا يحدث من تعاكس الانوار من الاجسام الشافة في الهواء فكان لون الهواء او لون الضياء المتعاكس او كان امرا خياليا لا حقيقة له كما زعمه بعضهم و كلام الحكيم محمول علي الحقيقة لايجوز صرفه عنها الا بقرينة دالة و اذ لا قرينة في الكلام وجب صرفه الي الحقيقة بداهة فالاشخاص ذوواالوان و هي من آيات الله سبحانه خلقها و ليست بامر خيالي حدث من اختلاط الهواء و الاشعة و لو كانت كذا لكانت صفة الاشعة و الوان الاشعة و لكان ينبغي ان يقول اختلاف السنتكم و الوان الاشعة و منها قوله الم تر ان الله انزل من السماء ماءا فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها و من الجبال جدد بيض و حمر مختلف الوانها و غرابيب سود و من الناس و الدواب و الانعام مختلف الوانه فاضاف في جميع ذلك الالوان الي الاجسام و وجب صرفه الي الحقيقة و قال ما ذرأ لكم في الارض مختلفا الوانه و قال يخرج به زرعا مختلفا الوانه ثم يهيج فتراه مصفرا الاية و قال شراب مختلف الوانه و قال من الشجر الاخضر نارا الي غير ذلك من الايات الباهرات الواضحات و الذي يدل علي وجود الالوان في العوالم العالية قوله سبحانه و ان من شيء الا عندنا خزانه و ما ننزله الا بقدر معلوم و الالوان اشياء موجودة فلها خزائن نزلت منها و تصعد اليها فلها خزائن عالية من لدن المشية الي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 460 *»

هذا العالم و هي الوان في جميع تلك الخزائن و مزيدا علي ذلك قوله سبحانه في صفة شراب الجنة بيضاء لذة‌ للشاربين و قوله في لباسهم يلبسون ثيابا خضرا و في متكاتهم رفرف خضر و عبقري حسان و قال عاليهم ثياب سندس خضر و استبرق و قال يوم تبيض وجوه و تسود وجوه فمن تدبر في هذه الايات الباهرات علم ان الالوان ثابتة في جميع العوالم كما ذكرناه و سنبرهن عليه فيما بعد ان شاءالله.

فصل _ و اما الاستدلال علي ذلك من الاخبار فقول الصادق عليه السلام في حديث مفضل حيث يقول جعل لكل حاسة محسوسا تعمل فيه و لكل محسوس حاسة تدركه و مع هذا فقد جعلت اشياء متوسطة بين الحواس و المحسوسات لاتتم الحواس الا بها كمثل الضياء و الهواء فانه لو لم‌يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون و لو لم يكن هواء يؤدي الصوت الي السمع لم‌يكن السمع يدرك الصوت فهل يخفي علي من صح نظره و اعمل فكره ان مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس و المحسوسات بعضها يلقي بعضا و تهيئة اشياء اخر بها تتم الحواس لايكون الا بعمد و تقدير من لطيف خبير الخبر انظر في هذا الحديث الشريف كيف ابان عن حقيقة الامر و قال لو لم‌يكن ضياء يظهر اللون و لم‌يقل يوجد اللون او يحدثه و كيف صرح ان الضياء غير اللون حيث قال تهيئة اشياء اخر بها تتم الحواس فجعل الضياء شيئا غير اللون و قال بها تتم الحواس و لم يقل المحسوسات فليس الضياء من تمام وجود اللون بل هو سبب ظهوره كما صرح به فظهر لمن اعتقد كون آل محمد عليهم السلام اعلم الخلق بعد الخالق ان الضياء سبب ظهور اللون لا وجوده و انه شيء غير ذلك اللون البتة واسطة بين الحاس الذي هو البصر و المحسوس الذي هو ذلك اللون هذا في الظاهر و اما في العوالم الغيبية فالاخبار في وجود الالوان فيها اكثر من ان تحصي في صفة الجنة و بدء الخلق وانوار العرش و ساير العوالم لايحتاج الي ذكرها فثبت للعالم المسلم بالكتاب و السنة ان الالوان موجودة في جميع العوالم و انها موجودة في المركبات

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 461 *»

علي حسب طبايعها و انما الضياء مظهر لها لا موجد و علة تمام الادراك لاتكون اللون و اخراجه من القوة الي الفعل كما ذهب اليه الشيخ في الشفا و في الحقيقة بعد الكتاب و السنة لايحتاج الي دليل آخر الا انا نزيلهما بساير الادلة ايضاحا ان شاء الله و اما القوم فمعذورون عن عدم الاطلاع علي الكتاب و السنة و من عدم تطبيقهم عقايدهم بهما فانهم لم‌يشترطوا في حكمتهم مطابقة الشرع و مقرون بذلك علي انفسهم و فرقوا بين الحكمة و الكلام باشتراط المطابقة و عدمه ولكنهم و ان شرطوا في الكلام المطابقة لكنهم لم يفوا به و ذهبوا مذاهب الكفرة و المشركين و النواصب من الاشعرية و المعتزلة و اليونانيين و امثالهم تركوا الرجوع الي الكتاب و السنة مع ان الله سبحانه يقول و ان تنازعتم في شيء فردوه الي الله و الرسول و روي ما من امر يختلف فيه اثنان الا و له اصل في كتاب الله بالجملة لنا ديننا و لهم دينهم لا نسأل عما يفعلون و لايسألون عما نفعل.

فصل _ و اما الدليل علي ذلك من المحسوسات انه لا شك ان الحدث يحدث من بين الفاعل و القابل و يختلف الحدث وجودا باختلاف الفاعل و ظهورا باختلاف القابل و نحن نري عيانا في اجسام متضادة الصفة و القابلية في انوار مختلفة القوة لونا واحدا كما انك تري البياض في الصلب كالفضة و الرخو كالثلج و في المتصلة الاجزاء كالحجر الابيض و المنفصلة الاجزاء كما اذا سحق ناعما و في الكثيف الحاجب كالكافور و اللطيف الشفاف كالبلور المسحوق و في الماء كلبن العذراء و خارجه كالاسفيداج و في الجمادات و المعادن و النباتات و الحيوانات و السفليات و العلويات فلو كان اللون من صبغ الضوء الحاصل من استعداد الشيء لما كان يتفق الوان هذه الاجسام المتخلف الاستعداد في نور واحد و كذلك يوجد ساير الالوان في اجسام مختلفة كذلك و لو كان شيء من تلك الاقوال صادقا لما كانت الالوان توجد في جميع انحاء الاجسام كما تشاهد و لو كان السواد في غير الشفاف لما كان الزجاج الاسود اسود بل اذا دق يكون ايضا اسود و كذا الماء الملون بالسواد المشف اذا ازبد كان زبده ايضا اسود في الجملة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 462 *»

و لو كان البياض في الشفاف لا في غيره لما كان الفاريقون مثلا ابيض و لما كان الاسفيداج ابيض و لو كان خروج الهواء و دخول الماء سبب السواد لما كانت المحلولات المسترسبة ابيض فلما رأينا الاجسام المتضادة في الصفات من الرخاوة و الصلابة و التلزز و التخلخل و تشاكل الاجزاء و اختلافها و الملاسة و الخشونة و الصقالة و الكدورة و الذوب و الجمود و في الماء و خارجه و التركيب من اللطيف و الكثيف و السفلي و العلوي علي لون واحد عرفنا ان اللون ليس بشيء حادث من ما ذكروه فانه لايطرد شيء من اقوالهم في جميع الموارد فلو كان الامر كما زعموه لكان ينبغي اذا وجد لون في جسم علي صفة يكون لون جسم آخر علي ضد صفته علي ضد لونه هذا  كل احد اذا راجع فطرته من غير استيناس بكلمات القوم يري بالفطرة ان علي الجسم المرئي شيئين نور هو من اثر المنير و ظله و لون هو من صفة الجسم الا ان الافهام اذا تغيرت فطرتها بالشبهات يشكل عليها الامر الاتري ان الشيء الابيض اذا نظرت اليه تراه ابيض سواء ضعف النور او اشتد و اذا اشتد يشتد بريق اللون و لمعانه لا اصل اللون و في الضوء الواحد يقل لون الشيء الواحد و يزيد و من الناس من يميز باقل ضياء و لو من الكوكب الوان الاشياء و يقرؤ الخطوط و منهم من لايري في الظلمة شيئا و هذان دليلان مونسان مقربان مؤيدان في الجملة و تشكيك من يقول لولا النور لم‌يكن لون بعينه كتشكيك من يقول لو لم‌ينظر احد الي السماء لايكون سماء و لو لم‌ينظر احد الي ظل الشخص في الشمس لا ظل اصلا و الوجدان يعرف خلاف ذلك فكذلك الوجدان يعرف ان البريق و اللمعان صفة غير اللون و ان البريق يعرض علي اللون فيجعله براقا و لاجل ذلك قد تتوجه الي البريق فلاتري اللون و قد تتوجه الي اللون فلاتري البريق و تري بالبداهة ان البريق يظهر اللون و لايوجده و هل بعد العيان من بيان فمن كان صحيح الوجدان يكتفي بالتنبيه و من كان مختل الوجدان فليراجع الي ما مر من الدليل و البرهان و يأتي ان‌شاءالله.

فصل _ و اما الدليل العقلي علي ذلك فوجهه خفي لايدرك الا برسم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 463 *»

مقدمات و لو علي نهج الاختصار فالاولي ان تعرف ان العالي اي المؤثر معري عن حدود الداني منزه عن كثراته فلايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه فهو احدي بالنسبة الي آثاره فلاينتهي الي ذوات آثاره و لا الي صفاتها فهو نافذ باحديته في جميع امكنة وجودية آثاره فلاجل ذلك صار اظهر من جميع ظهوراته كما روي في تفسير قوله تعالي اولم يكف بربك انه علي كل شيء شهيد يعني موجود في غيبتك و حضرتك و في الدعاء أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي يكون الاثار هي التي توصلني اليك و ايضا في الدعاء لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك و الثانية ان تعرف ان للظهور معنيين احدهما الظهور الكوني و هو نفس الكون في الخارج لانه ظهور المكون فهذا الظهور يعم النور و الظلمة الظاهرين و الخفاء و البدو و الغيب و الشهود لانها كلها ظهور المؤثر و في الدعاء يا من الظلمة عنده ضياء و ثانيها الظهور الشرعي و نريد به ظهور اثر لاثر و هذا الظهور يضاده الخفاء بخلاف الظهور الاول فانه لا ضد له اذا العدم ليس محض و ليس بموجود فلايخفي عليه خافية في الارض و لا في السماء و لايعزب عن علمه مثقال ذرة و اما الظهور الثاني فضده الخفاء اذ كل شيء حضر عندك فهو ظاهر لك و ما غاب عنك فهو خفي عليك و الثالثة ان تعرف ان الشيء لايظهر لك الا ان يكون بينك و بينه حجاب يستره من جسدك او خارج جسدك او مانع من نفس الشيء فان نفسك الدراكة في غيب بدنك و الاشياء لها صفات فمن الاشياء الصوت و جميع بدنك ساتر بينه و بين نفسك و لا طريق لها اليه الا من باب الاذن و الرايحة و جميع بدنك ساتر بينها و بينها و لا طريق لها اليها الا من باب الانف و هكذا و من الاشياء اللون و جميع بدنك ساتر بين نفسك و بينه و لاطريق لها اليه الا من باب العين فان كان باب النفس الي الشيء مفتوحا و لا حجاب بينها و بينه تدركه والا فلا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 464 *»

و الرابعة ان تعرف ان الشيء ان كان لطيفته اي اثر العالي الاحدي الظاهر زائدة علي نفسه او مساوية له يكون له ظهور و نور و اشراق و الا فلا و ذلك الظهور هو انبساط المثال العالي الملقي في هوية الاثر كما قال عليه السلام القي في هويتها مثاله و اظهر عنها افعاله و هي تلك الظهورات و الاشباح فالنفس و ان كانت دراكة و الباب مفتوحا و الحجاب مرتفعا فما لم‌يكن للشيء شعاع و ظهور ليس يظهر للمدرك لوجود المانع من نفس الشيء الاتري ان الصوت ان كان ضعيفا لاتكاد تسمعه و ان كانت نفسك دراكة‌ و اذنك صحيحة و كذلك اذا كان الشيء دقيقا جدا لاتكاد تدركه و ان كانت نفسك دراكة و عينك صحيحة و الضياء قويا فلا كل لون يدرك و ان كان الضياء موجودا قويا و العين صحيحة و النفس دراكة فانه مع ذلك لابد و ان يكون لطيفته قوية بحيث يظهر لك و الخامسة ان تعرف ان الشيء اما لطيفته في نفسه قوية فيظهر بنفسه و لايحتاج الي تكميل مكمل كالشمس و اما تكون ضعيفة خفية فان كمله مكمل آخر بفضل لطيفته ظهر و الا بقي علي خفائه و هذا شأن كل خفي و ضعيف في اثره فذلك كجرم القمر يظهر بفضل نور الشمس اذا اشرقت عليه الشمس و الا خفي عن البصر فاذا عرفت هذه المقدمات نقول ان اللون هو كيفية من شأنها الظهور للبصر كما ان الرايحة كيفية من شأنها الظهور للشم و الطعم كيفية من شأنها الظهور للذوق و الصوت اثر من شأنه الظهور للسمع و هكذا و لا ظهور لشيء الا للعالي المؤثر فانه الاحد النافذ باحديته الغير المتناهي كما عرفت فكل شيء من الاثار يظهر و ينبسط علي مقدار ما حكم له المؤثر من انبساطه و ظهوره فكل اثر يكون اقرب الي المؤثر يكون اشد ظهورا و انبساطا و اعظم نورا و شعاعا و كل اثر يكون ابعد عن المؤثر يكون اضعف ظهورا و انبساطا و نورا و شعاعا و الاثر بجميع شؤنه و حدوده و كمه و كيفه و ما يضاف اليه مستمد من مؤثره و المؤثر يمده من فضله علي حسب قابليته و ذلك المدد الذي هو الظهور الكلي البسيط ينصبغ في تلك الشؤن و الحدود علي حسبها فيسطع عن الشيء من حيث الجهات انوار شتي فمنها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 465 *»

ما يظهر للسمع و منها ما يظهر للعين و منها ما يظهر للشم و منها ما يظهر للذوق و منها ما يظهر لللمس و منها ما يظهر للحواس البرزخية الباطنة و منها ما يظهر للنفس و منها ما يظهر للعقل و كل ذلك فضل ظهور المؤثر العالي الملقي علي مرايا قوابل شؤن الشيء و حدوده فصح انه لايكون لغيره من الظهور ما ليس لها و صح انه لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك فافهم ما اقول لك و انظر فيها بنظر الانصاف لا الجحود و الاعتساف. فاللون في الظاهر هو ما من شأنه ان يظهر للعين بفضل ظهور المؤثر فان كان هذه الكيفية قريبة من المبدء في غاية القرب كانت اكثر بساطة و اشد ظهورا فتسمي بالضوء و ان كانت بعيدة عنه في غاية البعد تكون لونا غير ظاهر بنفسه و يحتاج في ظهوره الي تكميل لون آخر كامل قوي الظهور من عرضه فالضوء لطيف اللون و قويه و اللون ضعيف الضوء و كثيفه و هما متغايران شخصا و نوعا و هما من جنس واحد و لذلك تري الضوء ينصبغ باللون لما فيه من سر اللون و يتقوي اللون به لما فيه من سر الضوء فلو كانا غير متجانسين لما كان يقع بينهما التفاعل كما ان الضياء لاينصبغ بالرايحة و الرايحة لاتتقوي به ابدا و انما ذلك لانهما غير متجانسين و ما لم‌يكن الشيئان في صقع واحد لم‌يؤثر احدهما في صاحبه و لاجل ذلك صار الضوء واسطة بين البصر و اللون و صار الضوء بنفسه ظاهرا للبصر و اللون يتكمل به فيظهر افهم ما اقول لك فانه دقيق دقيق بالتعمق فيه حقيق و لم‌يتنبه لما ذكرته لك احد من الحكماء و العلماء الا من شاء الله و الحمد لله فالضوء روحانية اللون و هو لون متروح و اللون جسدانيته و هو ضوء متجسد فهما شيئان شخصا و نوعا و شيء واحد جنسا و مثلهما الروح و الجسد فهما شيئان من حيث و شيء واحد من حيث آخر و قد نقل عن بعض العلماء كلمات ناقصة في هذا الباب فقال ان الضوء في الشمس شدة ظهور لونه و اللون اذا بهر البصر لشدة ظهوره رؤي بريق و لمعان يخفي اللون لعجز البصر لا لخفائه في نفسه و قال بعضهم ان الضوء هو اللون و ليس علي سطح الجسم الا لون بياض او سواد قد ظهر للحس و قالوا الظهور المطلق هو الضوء و الخفاء المطلق هو الظلمة و المتوسط

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 466 *»

بينهما هو الظل و يتفاوت مراتب الظل بحسب القرب و البعد من الطرفين فتلك الكلمات ناقصة يصدق علي الناطقين بها قول الشاعر علمت شيئا و غابت عنك اشياء و كلمات الذين ردوا عليهم اكثر نقصانا و اشد ضعفا فانهم ردوا علي هؤلاء بان البلور اذا اشرق عليه ضوء و انار ما يواجهه بلحكه يري ضوء و لا لون و لعمري هو كلام لم‌يصدر عن حكمة فان للقائلين بان الضوء هو اللون الظاهر ان يقولوا انا نقول ان كل ضوء هو لون ظاهر سواء كان ضوء النيرات العلوية او النار و انت من اين جئت بنور يشرق علي البلور لم‌يكن بلون و ذلك اللحك هو بنفسه ضوء و لون اما ابيض او اصفر او احمر او اخضر غاية الامر انه رقيق الم تلتفت الي نور الشمس انه اصفر بالمقايسة الي نور القمر و هو ابيض بالمقايسة الي نور الشمس و نور السراج و النار اصفران بالنسبة الي الشمس فهذا البريق الذي بالنهار علي الاجسام اصفر و انت لاتري لونا بحقيقته بل كل لون تراه مشيب بالصفرة البتة و اعتبر ذلك بثوب آسمانجوني اذا نظرت اليه في ضوء السراج فتراه اخضر البتة و انما ذلك لمخالطة صفرة نوره مع زرقه الثوب و كذلك يغير الالوان نور الشمس لصفرته الا ان الصفرة لما صارت عامة في كل الالوان صرت لاتدركها و لاتميزها لعدم خلو لون و مكان منها فصرت تقايس نفس الالوان فلو قست البياض المرئي في ضوء الشمس ببياض لم‌يكن تحته لرأيت الابيض تحت الشمس اصفر و اعتبر ذلك بالمناظر الخضراء فانك اذا الفت عينك بخضرتها لاتكاد تدرك بعد الخضرة و تميز الالوان و تقيس بعضها الي بعض ولكن اذا نظرت من خارج المنظرة الي لون و من المنظرة الي مثله رأيته في المنظرة مشيبا بالخضرة فهذه الاضواء كلها ملونة و من اين جاء هذا الانسان الراد بنور خال عن اللون و منهم من رد القول بان السواد و البياض متشاركان في الضوء متخالفان في ماهيتهما و ما به الاشتراك غير ما به الاختلاف و لعمري لم‌يفهم المراد و ارسل في غير سدد فان الذي يقول الضوء هو اللون لايقول الضوء المشرق عين اللون المشرق عليه بل يقول ان ضوء الشمس عين لونها و ضوء القمر عين لونه واشتراك الشمس و القمر في الضوء و اختلافهما في البياض و الصفرة لايصير سبب نفي كون قوة ظهور اللون ضوءا فانه لاينكر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 467 *»

احد ان زيدا انسان و عمروا انسان و ان كان صورة شخصية احدهما غير صورة شخصية الاخر فكذلك لون القمر ضوء و لون الشمس ضوء و هما مشتركان في الضوئية و الخصوصيات مميزات فيصدق علي الصفرة انها لون و علي البياض انه لون لان الكلي يعطي تحته حده و رسمه و اسمه و يلزم هؤلاء ان يقولوا ان الصفرة و البياض غير اللون فان اللون هو ايضا الحد المشترك بينهما و يختلفان في الماهية الشخصية في الوجود الخارج بالبداهة فهما ليسا بلون ايضا و لايكادون يقبلون ذلك فكما انهما لون هما ضوء و لا غرو و منهم من استدل بتغايرهما بالحس فلعمري هو ايضا رد من غير فهم المراد فان حسهم يقول ان الضوء المشرق علي الجدار غير الجدار كما صرح به القوشجي في شرح التجريد و قال ان الجسم الابيض او الاسود اذا وقع عليه ضوء الشمس شهد الحس بوجود شيئين علي سحطه احدهما ظاهر بنفسه و الاخر ظاهر له بسبب الاول و كلام الرجل في ان ضوء الشمس عين لونها و لونها عين ضوئها لا ان ضوؤها عين لون الجدار او الجسم الابيض او الاسود و لا اظن عاقلا يقول ان جميع الالوان ضوء فتبين و ظهر ان كلام القائلين بان ضوء الضيء عين لونه كلام ناقص و رد الرادين عليهم اشد نقصانا و القول الفصل في ذلك ان الضوء و اللون من جنس واحد الا ان الضوء اقربه الي المبدء و احكي لظهور العالي حتي انه صار ظاهرا بنفسه و اللون ابعده عن المبدء و لايحكي ظهور المبدء فهو كالميت مثال ذلك ان السماء جسم و الارض جسم الا ان السماء لقربها من المبدء صارت حية متحركة شاعرة و الارض لبعدها عن المبدء صارت ميتة ساكنة‌ غير شاعرة و كذلك اللون اذا قرب من المبدء صار ظاهرا بنفسه ككمودة زحل و بياض المشتري و حمرة المريخ و صفرة الشمس و اذا بعد عن المبدء صار خاليا عن الظهور بنفسه و يحتاج في ظهوره الي فضل من الالوان المشرقة كما يحتاج الارض في حيوتها الي الروح الحيوانية الفلكية و ذلك باب ينفتح عن مسئل كثيرة اذ هو سر ترتب جميع الموجودات ما تري في خلق الرحمان من تفاوت.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 468 *»

فصل _ اذا عرفت ان اللون هو كيفية من شأنها الظهور للبصر بلاواسطة كالضوء اي اللون القوي اللطيف او بواسطة كاللون الضعيف الكثيف فنقول ان هذه الكيفية تحدث في الشيء من امتزاج اجزائه و بسائطه والاثر لابد و ان يكون مربع الكيفية عند حدوثه من مؤثره و ذلك ان الاثر شبح منفصل من فعل المؤثر و حركته الايجادية و من البين ان الحركة تحدث الحرارة و اليبوسة فالاثر من حيث الاعلي اي الصدور من حركة الفاعل الايجادية حار يابس و من حيث نفسه من حيث هو هو بارد يابس لان الحركة كلها من الفاعل و هو من حيث نفسه مفعول و المفعول ساكن و السكون يقتضي البرودة و اليبوسة و الحرارة و اليبوسة حيزها مما يلي الفاعل و الاعلي و البرودة و اليبوسة حيزها مما يلي نفس المفعول و الاسفل فالحرارة و اليبوسة بنفسها صاعدة و البرودة و اليبوسة بنفسها نازلة و هما ضدان في جميع الخصا ل و لاتزعم انهما مشتركتان في اليبوسة كما زعمه الطبيعيون فان يبوسة النار هي الاستقرار في ظل المؤثر لاتخرج منه الي غيره كما في الدعاء باسمك الذي استقر في ظلك و لايخرج منك الي غيرك و ليس هذه اليبوسة منها عدم المطاوعة و سرعة التشكل فانها اطوع شيء للفاعل و ارق مراتب الاثر جسما الاتري ان كرة النار ارق من كرة الهواء بل هي ارق منها بسبعين مرة فهي اطوع للفاعل من الهواء بسبعين مرة و اما يبوسة جهة النفس فهي يبوسة عدم المطاوعة و عدم الامتثال لفعل الفاعل فانها غاية ظهور الفعل و منتهاه فصارت يابسة بمعني عدم المطاوعة فسمع الطبيعيون ان النار يابسة و التراب يابس و لم‌يعرفوا حقيقة المراد و النار ارق من التراب بسبعين الف مرة فهي اسرع تشكلا من الماء بسبعمائة مرة فان كانت الرطوبة سريعة التشكل و المطاوعة فالنار رطبة و بهذا اللحاظ قال الله سبحانه من الماء كل شيء حي و روي اول ما خلق الله الماء والنار اول ما خلق من مراتب الاثر فهي من باب الرقة و اللطافة و سرعة التشكل و كونها المبدء و حيوة كل حي ماء و من باب انها اول صادر عن الحركة الايجادية نار بالجملة لما كان الجهة العليا حارة يابسة صاعدة و الجهة السفلي باردة يابسة‌

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 469 *»

نازلة لم‌يمكن في الحكمة ارتباطهما الا بالقسر و هو لايصدر عن الغني فلم‌يقع التناكح و التفاعل و الامتزاج و الاقتران بينهما و حصل الشقاق بينهما و الجهة العليا هي الذكر لغلبة‌جهة الفاعل فيها و الجهة السفلي هي الانثي لانها جهة المفعول فلم‌يمكن الائتلاف بينهما و الوفاق و حصل الشقاق و جري عليهما قوله تعالي ان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله و حكما من اهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما فبعث الله سبحانه من رأفته بخلقه بين الجهتين حكمين حكما من اهله اي من جنس جانب الفاعل المؤثر و هو الحار الرطب فمن جهة انه من اهله حار و من جهة انه حكم رطب و حكما من اهلها و هو البارد الرطب فحكم من جهة الرطوبة و من اهلها من جهة البرودة فجلسا فيما بين هذين الزوجين مشتركين في الحكومة و هي الرطوبة المؤلفة متمايزين بالحرارة و البرودة فالحكم من اهله تعلق به من جهة الحرارة و تعلق بالحكم بالاخر من جهة‌ الرطوبة و الحكم من اهلها تعلق بها من جهة البرودة و تعلق بالحكم المتعلق به اي بالرجل من جهة الرطوبة فلما ارادا اصلاحا و حصول الضم و الاستنتاج وفق الله بينهما فمنع التراب الذي هو المرأة النار التي هي المرأ من الصعود لتعلقه بها و منع المرأ المرأة من النزول لتعلقه بها فحصل بينهما التعانق و التضام و الزواج و الالتيام فتولد من هذين الابوين ولد المركب و هو الامر الخامس فالنار هي الرجل و جهة زوجيته الهواء والتراب هو المرأة و جهة زوجيتها هي الماء فلاجل ذلك تقول لهما زوجان و كل واحد منهما زوج الاخر و انت تعلم ان الزوج فردان و الزوجان اربعة افراد فكيف يكونان اربعة و هذا هو سر اربعيتهما فزيد قبل تزوجه زيد و ليس بزوج الا اذا نكح امرأة و وقع عليه ظلها فهو و ذلك الظل اي النسبة زوج و تلك النسبة لها جهتان جهة انها ظل المرأة و جهة وقوعها علي زيد بخصوصه فتلك النسبة الواقعة التي هي بمنزلة الهواء الحار الرطب مع زيد زوج اي فردان و زينب مثلا قبل تزويج نفسها زينب ليست بزوجة فاذا وقع عليها ظل زيد اي نسبته بها صارت زوجة و تلك النسبة بمنزلة الماء فالنار زيد و الهواء زوج و التراب زينب و الماء زوجة او نقول ان النار ذات و الهواء ظهورها بالفاعلية و التراب ذات و الماء ظهورها بالانفعال لدي فعل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 470 *»

الفاعل بالجملة الاثر لايتحقق الا في هذه الكيفيات الاربع و يعبر عنها في الطبيعيات بالنار و الهواء و الماء و التراب و النار هي مبدء بسايطه و اقرب اجزائه الي المبدئ ثم يليه الهواء ثم الماء و ابعد مراتبه عن المبدء هو التراب فالنار تحكي صفة المؤثر العالي للطافتها و رقتها و لاتحجب شيئا منها فهي اشدها ظهورا و اشفافا و رقة و وحدانية و تشاكلا من حيث الاجزاء ثم يليها الهواء فهو ايضا لانه فاعلية المبدء و من جهته و هو حار يشاكل صفة المؤثر و لايحجب العالي فله ايضا ظهور و اشفاف و رقة و وحدانية و تشاكل من جهة الاجزاء الا انه في كل ذلك اكثف ثم يليه الماء فذلك ايضا لرطوبته المايلة الي المبدء المنفعلة عن فعله المتصلة به صار يحكي ظهور المبدء و صار شافا و رقيقا و له وحدانية و تشاكل الا انه في غاية الضعف و اما التراب فلبعده عن المبدء و عدم تشاكل اجزائه و وحدانيته و عدم ظهور المبدء فيه و كونه علي خلاف المبدء كما روي في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و في العلوي تجلي لها بها و بها امتنع منها صار يحجب ظل المبدء و ظهوره فلم‌يبق فيه حيوة و لا نور فتبين و ظهر ان النار اشد ظهورا و اقوي بروزا من الهواء ثم الهواء من المائ و الماء غاية الظهور و نهاية النور و اما التراب فهو مقام الظلمة لحجبه انوار المبدء و ظهوراته فعلي ذلك مراتب النور ثلثة و مرتبة‌ الظلمة واحدة فاصول الاضواء ثلثة و اصول الالوان اربعة و ليس الامر كما زعموه ان جميع الالوان يحدث من بين البياض و السواد فان البياض ان اختلط السواد يحدث الكدرة ثم الغبرة ثم الدكنة ثم الرمادية ثم القتمة ثم الدهمة ثم الاسود و لايحدث فيه لون غير ذلك بالبداهة فساير الالوان لابد و ان يكن لها اصول غيرهما فاصول الالوان البياض و الصفرة و الحمرة و السواد كما يأتي ان شاءالله.

فصل _ اذا عرفت ان الاثر لابد و ان يكون له هذه الكيفيات الاربع و هو مركب منها فاعلم ان العالي بنفسه و ذاته ليس يظهر في رتبة الداني ابدا و لاتدركه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 471 *»

الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير فمشاعر الاثار لاتحيط بذات العالي اذ الالات تشير الي نظائرها و الادوات تحد انفسها و جميع انحاء الادراك يدور علي ثلثة اقطاب ادراك بالانطباع و الورود و هو فرع الصورة و ليس للعالي صورة تنطبع في مشاعر الداني لانه احد و ادراك بالاحاطة و هو ادراك المؤثر للاثر و العالي ليس اثرا للداني و ادراك بالاتحاد و هو ادراك الشيء نفسه و ليس العالي نفس الداني فامتنع ادراك الداني للعالي الا من حيث الظهور و الوجه ففي عالم الاقتران و الاضافات و الادراكات الانطباعية ليس يظهر العالي الا في اشياء تدرك بالحواس و ينطبع صورها فيها فما كان في الاداني من مراتب قريبة من المبدء كان بسيطا بالنسبة شافا لطيفا و كانت صورته ايضا شافة لطيفة لاتظهر للعيون الكثيفة لعدم المناسبة الابعد ان يتكثف بكثافة كثيف مجانس للعين فعلي هذا لاينبغي ان يكون للاجسام العلوية و لا النار و لا الهواء و لا الماء ظهور للعين المخلوقة من التراب الا بعد انصباغها بصبغ التراب و لولا الانصباغ لايكاد يدرك شيء منها بادراك العيون المخلوقة من التراب فلاجل ذلك لاتري اجسامها و تكون شفافة لطيفة تشف عما وراءها و اما الكواكب العلوية فهي لتلزز اجسامها وتراكم اجزائها تري و ان كانت من جنس الافلاك الشافة كما تري الزجاج المسحوق و ان لم‌يداخله شيء من غير جنسه و الماء المزبد يري و ان لم‌يداخله شيء و انما ذلك لتراكم الاجزاء الشفافة و تعاكس انوارها فترتكم و تظهر للعين فالكواكب في الافلاك بمنزلة قطع الزبد في البحر فتري بيضاء نقية مع ان ماء البحر شفاف فالافلاك في انفسها ضيئة نيرة الا ان ضياءها للطافتها لاتدرك بالاعين الترابية فاذا تلزز اجزاء منها و تراكمت و شابهت الكثافة الترابية التي للعين لتراكمها و كثافتها و تعاكس النور عن كل جزء علي كل جزء و تراكمت الانوار رؤيت لزوال الاشفاف و انما ذلك لان الاشفاف يحصل في الجسم اذا كانت متشاكلة الاجزاء في الذات و الصفات متصلا بعضها ببعض فاذا تلززت الاجزاء و تراكمت غلظت و رؤيت و آية ذلك ظاهر في المعادن المحلولة في المياه الحادة الرائقة فانك اذا حللت الذهب في الماء الحاد المسمي بالكواريس تراه ينفصل عن الذهب دائما

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 472 *»

صفايح رقيقة مشفة الي ان ينحل كله في الماء و لايتفاوت ترويق الماء و اشفافه ابدا فهو بعد الانحلال ماء مشف براق لايحجب ما وراءه فاذا طيرت عنه الماء تراه ترابا اصفر مرتكمة‌ الاجزاء حاجبا لما وراءه مرئيا للعين فاذا اذبته في البوطق صار ذهبا ابريزا كالاول فعرفنا من ذلك ان اجزاء المشف اذا ارتكمت و تلززت رؤيت فجميع الذهب المرئي من اجزاء مشفة لطيفة و انما رؤيت اذا تلززت و يؤيد ذلك ما يحكي عن الحكماء الاولين انهم حفروا الارض الي ان وصلوا الي مرتبة كانت تقلهم و تعمل فيها معاولهم و تثقل الدلاء اذا جعلت فيها و ما كانت تري بالعين و انما صارت تري بعد التركيب بساير العناصر و هي كلها مشفة بالبداهة و المقصود ان الاجزاء اللطيفة اذا تراكمت و تلززت تري فالكواكب ايضا تري لتلزز اجزائها بتقدير الحكيم الخبير العزيز العليم و اما ساير اجزاء الافلاك فهي كمحلول الذهب لاتري و كذلك النار و الهواء و الماء و الارض البسيطة كالزجاج و البلور فلما كانت هذه الاجسام الشافة لطيفة كانت الوانها و اضواؤها ايضا لطيفة لاتدرك لا انها لا اضواء و لا الوان لها و كيف و الضوء و اللون هو ظهور العالي في الداني و كلما يقرب من المبدء يكون اشد ظهورا و نورا و اقوي لونا و كلما يبعد يكون اضعف فالضوء و اللون في الاجسام المشفة اقوي و اشد الا ان قوة اللون و شدته ليست بالرؤية و عدمها بعدمها بل هما بالقرب و البعد كما عرفت نعم اذا انصبغ الضوء اللطيف باللون الكثيف رؤي و كان ضوءا بالمعني الظاهر و اول حده الابصار و ان يكون الكثافة بقدر بدو الظهور للعين في اقل مراتبها و كلما قوي الكثافة ضعف النور حتي بلغ مبلغا خفي النور لغلبة الكثافة و حصلت الظلمة اللازمة للكثافة الغير الحاكية للمبدء فالضوء اي المشرق المرئي هو ظهور المبدء المصبوغ في كثيف يصير سبب رؤيته و يختلف ذلك بحسب الصبغ الثيف و قوة الابصار و ضعفها اعتبر ذلك من الشعلة التي دخانها كثيف كدخان التبن و الزبل و الشعلة التي دخانها من دهن مروق لطيف براق فانك تجد الشعلة الحاصلة من الدهن اشد بريقا و لمعانا من الشعلة الحاصلة من التبن و كذلك الفحم فانه فانه المظهر الكثيف و لما كان في غاية الكثافة صار الضوء المصبوغ به احمر فمن اجل ذلك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 473 *»

اختلف مراتب الاضواء و ادناها الحمرة ثم اذا رق المظهر و نعم وصفي صار الضوء اصفر ثم اذا رق و لطف اكثر صار الضوء ابيض كما يأتي شرح ذلك فيما بعد في المقالة الثانية ان شاءالله و الذي نريد بيانه هنا ان الجسم الشفاف ما دام شفافا له ضوء ولكن لايري و له لون غير مرئي فاذا انصبغ بكثافة حاصلة في نفسه من تلزز اجزائه و تراكمها او من مظهر آخر رؤي علي حسب المظهر اعتبر من الفضة المحلولة فانها ماء مروق لا لون له في العين فاذا طير الماء ابيضت و كذا اذا سبكت و انما ذلك لتراكم اجزائها فالزجاج الذي يمثلون به في حدوث البياض و الماء المزبد فان البياض يحدث فيهما لانهما ابيضان في انفسهما الا انهما ما داما مشفين لايري لهما لون فاذا حصل فيهما التكثر و التراكم ظهر ذلك اللون اللطيف للعين و غلظ فرأي ابيض ألاتري ان كان عاقل يصف الماء و البلور الصافي بالبياض بالفطرة فلوكان بلور اصفر او ما ء اصفر فسحق ذلك و ازبد الاخر لم‌يبيض البتة و صار اصفر غليظا كما كان و آية ذلك الذهب المحلول هو ماء اصفر شفاف كالزيت الصافي فاذا طير ماؤه صار ترابا اصفر علي لون الذهب و لايبيض فبطل ما اصلوه و جعلوه عماد استدلالهم فحاصل هذا الفصل ان الجسم الشاف لايظهر له ضوء و لون الا بعد الكثافة الحاصلة له او المكتسبة و قد ثبت و ظهر لمن نظر و ابصر و تعمق فاعتبر و الحمد لله ما اردنا ايراده في هذا الفصل.

فصـل: و نريد ان نذكر في هذا الفصل ان لكل جسم بل لكل مركب لونا يري ام لايري فاصغ لما اقول و ترقب المأمول اعلم ان كل اثر له جهتان جهة الي ربه و هي حيث اثريته و مشاكلته لصفة الفاعل و جهة الي نفسه و هي حيث مخالفته لها اي لصفة الفاعل و هي هويته و طبيعته المشاراليها في حديث علي7 القي في هويتها مثاله و في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي فجهته الي ربه هي مثال الرب و ظهوره له به و به لغيره و جهته الي نفسه هي حيث خفائه لانه لاظهور الا للرب جل شأنه كما في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 474 *»

الدعاء أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك و هاتان الجهتان متحادتان متداخلتان و يمثل لهما في الاجسام بالكرتين المتداخلتين او المخروطين المتداخلين و في السطوح بالمثلثين المتداخلين فقاعدة جهة الرب عند المبدأ و رأس مخروطها عند قاعدة جهة النفس و قاعدة جهة النفس عند المنتهي و رأس مخروطها عند قاعدة جهة الرب كمارسمناه في الهامش فلاشئ من جهة‌الرب الا و له جهة النفس و لاشئ من جهة‌ النفس الا و له جهة الرب لقول الرضا7 ان الله سبحانه لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه فجهة الرب قائمة بجهة النفس قيام ظهور و جهة النفس قائمة بجهة الرب قيام تحقق فلولا جهة‌النفس لماظهرت للحواس جهة الرب و لولا جهة الرب لماتحققت جهة النفس فظهور جهة الرب و مثاله بجهة النفس لا بنفسها لانها علي طبق صفة الرب الخفي عن درك الابصار لا من جهة ضعفها بل لشدة‌ظهورها فان الشئ اذا تجاوز الحد خفي عن الحس المميز للاشياء بحدودها فاذا اقترن ذلك الظهور الغير المحصور بحدود جهة للنفس امكن تميزه و ادراكه فقوة ظهوره يدور مدار الحدود فكلما كانت الحدود اوسع و الطف كان خفاء ذلك اكثر و كلماكانت اضيق و اكثف كان الظهور الذي هو فرع التمييز اكثر في القدسي كنت كنزاً مخفيا يعني قبل الخلق لشدة الظهور و فرط الاحدية النافذة فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق اي الحدود الخلقية حتي اتجلي لها بها و يتقدر ظهوري بقدرها لكي اعرف في تلك الحدود بتلك الحدود فلولا الخلق اي جهة الخلق كان الرب اي جهة الرب مخفياً لفرط الظهور فتبين ان الظهور للحس المحدود لايكون الا بالتجلي في الحدود و كلما كان الحدود اغلظ كان الظهور ابين الاتري ان الشمس ما لم‌تشرق علي كثيف لم‌يظهر نورها  فالهواء الازرق

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 475 *»

المعروف بالسماء مظلم لعدم كون كثافة فيه و عدم ظهور النور عليه مع انه نور الشمس موجود فيه بلاشك لعدم جواز الطفرة فتبني ان جهة‌الرب التي هي مثاله و علي طبق صفته لاتظهر الا في الحدود اي حدود جهة النفس و جهة النفس صارت جهة الحدود لبعدها عن المبدأ الاحدي الواسع فهي متقدرة متكثرة و هذه التقادير اصولها ستة وقت و مكان و جهة و رتبة‌و كمية و كيفية فجهة الرب من حيث الرب ليس لها شئ من هذه التقادير لانها مثال الاحد و اما جهة النفس فهي مقدرة بهذه التقادير و ليس كلامنا في هذه الرسالة في ساير الحدود و انما المقصود بيان الكيفية و لماكانت هذه الجهة مركبة من اربع كيفيات نار و هواء و ماء و تراب في كل رتبة بحسبها حدثت لها من كل واحدة كيفية فالكيفية الحادثة له من جهة النار هي اللون و لاجل ذلك لايدرك البصر المخلوق من اجزاء لطيفة نارية الا الاضواء و الالوان و الكيفية الحادثة له من جهة الهواء هي الصوت و لاجل ذلك لايدرك السمع المخلوق من الاجزاء الهوائية الا الصوت و الكيفية الحادثة له من جهة الماء هي الريح و لاريح الا من اجزاء لطيفة مائية متبخرة و لاجل ذلك لايدرك الشم المخلوق من الاجزاء المائية الا الريح و الكيفية الحادثة له من جهة لاتراب هي الطعم و لاطعم الا في الاجزاء الترابية اللطيفة المنحلة في الماء و الا فالماء تفه و الهواء لاطعم له كالنار فلاجل ذلك لايدرك الذوق المخلوق من الاجزاء الترابية الا الطعم و حدثت من تركيب الجميع له كيفيات مشتركة كالملاسة و الخشونة و الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و الحركة و السكون و الصلابة و الرخاوة و امثال ذلك فلاجل ذلك لايدرك اللمس المخلوق من جميع الكيفيات الا هذه الكيفيات و كل كيفية تحدث عند غلبة احد الطبايع بالجملة اللون و الضوء كيفية موجودة في كل مركب لما فيه من جهة‌ الطبع الناري المقتضي للبروز و الظهور و كما انه لايخلو مركب من هذا الطبع كماعرفت آنفا لايخلو من ضوء و جميع الاضواء التي في الاشياء من جهة ما فيها من عنصر النار كماعرفت فلماالقي العالي مثاله في الداني و ظهر به انصبغ ظهوره

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 476 *»

في كل طبع من طباع الداني فظهر بكل طبع منه لمدرك من المدارك خلق من ذلك الطبع فظهر الرب الخفي جل شأنه في طبع الاشياء الناري لمدرك البصر المخلوق منه و ذلك لقول اميرالمؤمنين7 انما تحد الادوات انفسها و تشير الالات الي نظائرها فلم‌يدرك الضوء الذي هو ظهور الرب بما في الاثر من الطبع الناري الا البصر المخلوق من ذلك الطبع ولكن لما كمنت الطبايع في التراب و انصبغت بصبغه و خلق البدن من التراب الا ان كل عضو منه من فعلية طبع كامن فيه صارت المشاعر الجسمانية غليظة الا ان كل عضو منسوب الي طبع و صارت لاتدرك الا مدركات غليظة فلاجل ذلك صار العين لاتدرك المشفات و الاضواء اللطيفة الا بعد تغلظها و تكثفها بنفسها او بغيرها حتي يحصل التشاكل فلم‌تدرك الاجزام العلوية و النار و الهواء و الماء الا بعد تغلظها بنفسها او بكثافة التراب فلم‌تدرك للمشفات الوانا و اضواء و تدرك للحواجب الوانها و اضوائها علي ما تري و الا فكل اثر و مركب له لون و ضوء البتة سواء كان المركب من الاجسام او من الامثلة البرزخية او من الصور المجردة الدهرية او من المعاني العقلية و لاجل ذلك قلنا ان العقل ابيض و الروح اصفر و النفس اخضر و الطبع احمر و المادة اغبر و المثال ادهم و الجسم اسود و وردت بذلك الاخبار و شهد به صحيح الاعتبار و ورد ان العرش له اربعة انوار نور ابيض منه ابيض البياض و نور اصفر منه اصفرت الصفرة و نور اخضر منه اخضرت الخضرة و نور احمر منه احمرت الحمرة و ورد في وصف الجنان و النيران و الاخرة و البرزخ الوان عن اهل العصمة و الطهارة: و تري في منامك الوانا في عالم المثال و نشير ان‌شاء الله في المقالة الثانية الي كيفية تولد الالوان في الشهادة و الغيب ثم لماكانت هذه الكيفيات ناشئة من تلك الطبايع فتكون شرافتها و خساستها و صفاءها و كدروتها علي حسب مراتب الطبايع ففي عالم الشهادة و الملك تكون خسيسة كدرة و في عالم الملكوت و الغيب تكون شريفة صافية فلعلك تعرف بذلك شرافة الوان الجنة و صفاء اضوائها و حسن نغماتها و طيب ارواحها و نعامة اجسامها و ملابسها و لذة طعومها و لولا ان بناء هذه الرسالة علي ذكر محض اللون بل الحمرة لاسمعتك تغريد الورقاء

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 477 *»

علي الافنان بفنون الالحان الا ان لكل مسألة جواب و مع كل مخالط علي حسب مسألته خطاب و لو زدتم في السؤال حرفاً واحداً لزدنا في الجواب حرفا واحدا فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و تفكر و اعتبر حقيقة معني اللون و مراتبه في العوالم و سره ما لم‌يسطر في كتاب و لم‌يجر ذكره في خطاب و لاتعرف مقدار ما ذكرت من الجواب الا بعد ان‌تراجع كتب المتكلمين و الحكماء و الاصحاب فتعرف تحيرهم و عدم عضهم علي المسألة بضرس قاطع و اختلاف كلماتهم الكاشف عن عدم كونها من عند الله كماقال سبحانه و لو كان من عند غير ا لله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً و هذا طريقتنا و طريقتهم فلايعلمون والله الا ظاهراً من الحيوة الدنيا و هم عنالاخرة هم غافلون و هذه كتبهم التي قد سطروا فيها اشرف ما يعلمون تشهد بما ذكرنا ان افتريته فعلي اجرامي و انا برئ مما تجرمون.

المقالة الثانية

في معني الحمرة‌و كيفية خلقتها و نزولها من الخزائن العالية التي اشار الله سبحانه اليها بقوله و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ما ننزله الا بقدر معلوم و بيان ظاهرها و تأويلها و باطنها و باطن تأويلها و تأويل باطنها و الاشارة الي باطن باطنها ففي هذه المقالة ايضا فصول هي في الحقيقة وصول الي اصول.

فصـل: اعلم انك لاتجد معني الحمرة و كيفية خلقتها حتي تعرف معاني ساير اصول الالوان و كيفية حدوثها فلنذكر الالوان و كيفية تولدها و اصولها و فروعها اعلم ان من العلماء من زعم ان اصول الالوان البياض و السواد و ساير الالوان تتركيب منهما و خطاؤهم ابين من الشمس و اوضح من الامس فان البياض لون معروف و السواد لون معروف و الدرجات التي بينهما معروفة فان البياض اذا اخذ في طريق السواد اغبر اولا ثم صار ادكن ثم صار رماديا ثم فيليا ثم صار اقتم ثم ادهم ثم صار اسود و لايشك احد في ان الصفرة و الحمرة و الخضرة ليست في طريق البياض الي السواد فذلك قول بما يخالف الحس و منهم من زعم ان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 478 *»

اصل اللون هو السواد و اما البياض فليس بلون و انما هو شئ يحدث من الضياء و الهواء و زعم ان لذلك لاينسلخ السواد و البياض ينسلخ و يذهب و منهم من قال ان اصول الالوان اربعة البياض و الصفرة و الحمرة و السواد و منهم من انكر ان‌يكون البياض لونا و صبغا و القول الحق من ذلك ان اصول الالوان بالقول المطلق اربعة البياض و الصفرة و الحمرة و السواد و اصول الالوان الشافة اربعة البياض و الصفرة و الحمرة و السواد و اصول الالوان الشافة اربعة البياض و الصفرة و الحمرة و الخضرة و يشهد بذلك من الاخبار ما رواه في الكافي عن اميرالمؤمنين7 ان العرش خلقه الله تعالي من انوار اربعة نور احمر منه احمرت الحمرة‌و نور اخضر منه اخضرت الخضرة و نور اصفر منه اصفرت الصفرة و نور ابيض منه البياض الخبر و المراد بالعرش جملة الملك لقوله7 في قوله تعالي الرحمن علي العرش استوي علي الملك احتوي فالمك مخلوق من اربعة انوار و هي ما عرفت و هي الاصول التي عليها يدور رحي جميعالانوار و جميع ما في الملك من الانوار الجزئية فانما هو من تفاصيل هذه الانوار الكلية و ظهوراتها يحكي كل شئ منه علي حسب استعداده و قابليته نورا من تلك الانوار فان لاحظت اللون المطلق فالسواد من الاصول و الخضرة حاصلة من الصفرة و الزرقة المركبة من البياض و السواد و ان لاحظت اللون المشرق فالسواد ليس مما يشرق و هو واقع في الظلمة الخارجة عن النور و اما من قال ان البياض ليس بلون و من قال انه لون فلكل وجه هفو لون من باب انه من مقتضي الطبايع و في عرض الالوان يزول و يأتي و يشهد لهم بذلك قول احدهم: في انوار العرش منه ابيض البياض علي معني الانصباغ و ليس بلون من باب انه قطبها معري عن حدودها و يرد الكل عليه و لايرد علي غيره و يشهد لهم بذلك قول علي7 حيث قال احمرت الحمرة و اخضرت الخضرة‌ و اصفرت الصفرة علي معني الانفعال و الانصباغ و في البياض قال منه البياض و لم‌يذكره علي معني الانصباغ فهو في الحقيقة برزخ بين العالي المعري عن اللون و الداني المصبوغ بالالوان و لاجل ذلك قال في وصف النور الابيض علي بن الحسين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 479 *»

8 انه نور الانوار و منه ضوء النهار فهو نور الانوار و المراد بالانوار النور الاحمر و الاخضر و الاصفر كماه و في صدر الحديث و نور الكل الجامع لها النور الابيض و لاجل ذلك تراه ينصبغ بكل صبغ و لاينصبغ به شئ من الالوان فهو ابسط الالوان و ارقها و احكاها للعالي المتنزه عن الالوان و قلبها ثم يليه في البساطة الصفرة ثم يليها الحمرة ثم يليها الخضرة في الانوار و السواد في الالوان كما هو ظاهر فلون البياض اقرب الالوان من المبدأ و اشبهها به ثم بعده الصفرة ثم الحمرة ثم الخضرة او السواد و تلك هي اصول الالوان تتركب منها فان اخذ الابيض في طريق الصفرة صار تبنيا اول شئ ثم اترجيا ثم زعفرانيا ثم نارنجيا ثم ناريا و ان اخذ في طريق الحمرة يصير ورد يا اول مرة ثم شقايقيا ثم ارجوانيا ثم كبديا ثم فرفيريا و ان اخذ في طريق الخضرة يصير اول دفعة فستقيا ثم كراثيا ثم زنجاريا ثم جوزيا ثم باذنجانيا ثم نفطيا و ان اخذ في طريق السواد صار اول وهلة اغبر ثم ادكن ثم رماديا ثم فيليا ثم اقتم ثم ادهم ثم اسود و جميع هذه الالوان اذا تراكمت و تكتفت آل الي السواد الحاجب للمبدأ.

فصـل: اعلم انك لما عرفت مما قدمنا ان كل اثر لابد و ان‌يكون مربع الكيفية يعني لايوجد اثر الا و له اربع كيفيات كيفية نارية و هي الحرارة و اليبوسة و هوائية و هي الحرارة و الرطوبة و مائية و هي البرودة و الرطوبة و ترابية و هي البرودة و اليبوسة و لكل من هذه الكيفيات مقتضاء خاص بها و استعداد اذا ظهر بها ضياء المبدأ ظهر بلون خاص بها.

فالحرارة و اليبوسة اذا كانتا في جوهر تقتضي يبوسته التي هي استقراره في ظل مبدئه و توجهه من كل جهة اليه اتحاد حيز اجزاء ذلك الجوهر لميل الكل الي الاحد فيقتضي ذلك له الاجتماع و التضام مع الصعود بمقتضي حرارته فلاجل ذلك يكون هيئته الدقة و الرفعة و الاستقامة و اذ غلب في مركب اقتضي فيه الدقة و الرفعة و الطول فلاجل ذلك نقول ان هيئته هيئة الالف القائم و روي اول ما خلق الله القلم و انما كل ذلك لميل جميع اجزائه الي مركز واحد و حيز واحد فيتضام

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 480 *»

لامحة فيتراكم و تقتضي حرارته التلطيف و التنعيم و التكليس و الترقيق و الترويق و الاشفاف فاذا اجتمع هذه الخصال مع التراكم في لطافة الاجزاء لكونه اول صادر عن المبدأ الاحدي اقتضي الحمرة و ليست الحمرة الا هذا و لو كانت الاجزاء‌ كثيفة كانت تقتضي الزنجارية كماثبت في الفلسفة ان الزنجارية من شدة الحمرة في الاجزاء الكثيفة كماتري ان صدأ النحاس الاحمر زنجار و يصبغ الفضة احمر اذا القي عليها فلماكانت اجزاؤها لطيفة شفافة براقة اقتضت الحمرة و هي الشفافة مع التراكم و اللطافة فلاجل ذلك يكون لون النار احمر و لماكانت الطف العناصر و ارقها يكون لونها ايضا رقيقا يخفي عن ابصار العيون الكثيفة المخلوقة من التراب اللهم الا ان‌تظهر في تراب كثيف و تحيله الي لونها و تنصبغ بصبغه فحينئذ تري حمري كثيفة كماتري في الفحمة و الشعلة و الحديدة المحماة.

و اما الحرارة و الرطوبة فاذا كانتا في جوهر تقتضي رطوبته الانتشار و الانبساط و تفرق الاجزاء علي ضد اليبوسة و تقتضي حرارته ما ذكرناه من الدقة و الرفعة و الصعود فتتهيئ علي هيئة ثمرة الصنوبر في الاجسام و في السطوح علي هيئة المثلث هكذا لانه من جهة‌ الحرارة يقتضي الصعود و من جهة الرطوبة التي هي تحت الحرارة و من صفات انيته الانبساط فيتهيئ علي ما ذكر فمن حيث الاعلي يقتضي التراكم و التضام و من حيث الاسفل يقتضي الانبساط فانبساطه يقتضي البياض كمايأتي و تضامه يقتضي الحمرة فيتركب لونه من بين هذين لونا برزخيا فيحدث اصفر فيكون لون الهواء الاصفر و هيئته هيئة ورقة الآس و ثمرة الصنوبر و القلب و اذا اغلب في مركب يقتضي تلك الهيئة و ذلك اللون و لماكان رقيقا شفافا لايدرك بالعين الكثيفة الترابية الا ان‌ينصبغ بكثافة كثيف فيدرك كمايشاهد في الاجسام المركبة‌ الحارة الرطبة اذا لم‌يعرضها عارض و هو مشاهد في العلقة الصفراء التي في القلب و حمرة‌ الدم عرضية كصفرة الصفراء في البدن.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 481 *»

و اما البرودة و الرطوبة فاذا كانتا في جوهر يقتضي يبوسته التراكم و التضام و التكثر المقتضي للكدورة‌ و لاتقتضي برودته رقة و دقة و لطافة بل تقتضي التكاثف و التسفل فيحدث بذلك اللون الاسود الحاجب لانوار المبدأ فيكون ظلمانيا ميتا لاحيوة له و يكون شكله شكل متضرس ذو زوايا و شظايا عديدة حاجبا لما وراءه فذلك مقتضي كل كيفية و منها تتولد تلك الالوان و هي اصول الالوان و حقيقتها خذها اليك ما لاتجده في كتاب و لاتسمعه من خطاب فاذا تركب مركب من هذه الكيفيات فان كانت علي ميزان الاعتدال الكمي و الكيفي حدث منه لون برزخي بين جميع هذه الالوان و ان غلب عليه احدي هذه الكيفيات او ثنتان او ثلث حدث فيه لون بحسبه كماعرفت فهذه اصول الالوان و تواليدها و معانيها و حقايقها.

فصـل: المركب لايخلو اما ان‌يكون كثيف الاجزاء و البسايط كالسفليات او لطيف الاجزاء و البسايط كالعلويات فان كانت لطيفة الاجزاء شفافة براقة غير حاجبة لانوار المبدأ و ظهوره و تحكي سر المبدأ الاحدي الذي هو اظهر من كل شئ صارت الوانه الوانا مشرقة براقة ذات لمعان و تشعشع و ينصبغ ظهور المبدأ و نوره بكيفية تلك الالوان و تنبسط فيكون المركب ضيئا نيرا و هو الذي لطيفته اكثر من كثيفته و يكون له فضل ثم يختلف زيادة فضله و قلته علي حسب رقة

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 482 *»

اجزائه و غلظتها فكلما كان كيفياته و بسايطه ارق و الطف كان اشد بريقا و تشعشعا و لمعانا و كلما كان اغلظ و اكثف بالنسبة يكون اشد حجبا لنور المبدأ فيكون تشعشعه و لمعانه و بريقه اقل ولكن يؤدي شدة صفاء الاجزاء الي حد لاتصبغ نور المبدأ و ظهوره حتي لايري بالعين فيخفي و انما ذلك لشدة‌الظهور حينئذ و ذلك لما قلنا ان غلظة ‌الاجزاء بالنسبة ‌تكسر سورة الظهور و تغلظه و تظلمه في الجملة و تحده حتي تجعله مدركة للعين المحدودة و لاجل ذلك لايدرك نور العرش مع انه اضوء من الكرسي بسبعين مرة و لايدرك نور الكرسي مع انه اضوء من نور الشمس بسبعين مرة و لايدرك نور الكرسي مع انه اضوء من نور الشمس بسبعين مرة و انما يدرك نور الشمس لما قلنا من تراكم اجزائها و قد روي في الكافي عن ابي‌عبدالله7 الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي و الكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش و العرش جزء من سبعين جزئ من نور الحجاب و الحجاب جزء من سبعين جزء من نور الستر الخبر. و لماكان جسم ما فوق الشمس لطيفا لايري بنفسه صار لايصبغ ظهور المبدأ و لانوره فلايري و من البين ان الصبغ ظلمة في الجملة فاذا ضعف الظلمة‌قوي النور و اشتد ظهوره فالاجسام العالية علي الشمس قد خفيت من كثرة ظهورها و استترت من عظم نورها و بذلك اعرف قوله سبحانه لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و قوله في القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف الخبر. بالجملة الاجسام العلوية صارت ارق لونا و اشد نورا لاجل ذلك فان تراكمت رؤيت كالكواكب و الا فخفيت و اما الاجسام السفلية فلكثافتها حجبت انوار المبدأ و لم‌تظهر عليها فلم‌تكن ضيئة نيرة الا كرة الاثير منها البرزخية بين العلوية و السفلية الاتري انها تتحرك بمشايعة الافلاك فهي لها ضوء قليل بفضل ظهور الانوار العلوية الا انها كثيفة بالنسبة الي الافلاك و اما باقي السفليات فلبعدها عن المبدأ و كثافتها بقدر ما يحجب المبدأ اللطيف الاحدي صارت ذات لون و لابريق لها و لا لمعان الا ان الاعين لماكانت مخلوقة من التراب الكثيف و هي مركبة صارت لاتدرك البسايط الا ان‌تتركب فاذا تركت و تكثفت بالتركيب و التراكم تراها و تري عليها لونا علي حسب غلبة كيفية من الكيفيات فهذه الالوان المرئية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 483 *»

علي الاجسام ليست علي صرافتها كما في البسائط و انما هي مشيبة بظلمة التراب و سواده و بظلمة‌ التركيب و الا فلو كانت علي صرافتها لماكادت تدرك بالاعين كما لاتري لون النار البسيطة و الهواء و الماء بل حكي عن الحكماء القدماء انهم حفروا الارض و صلوا الي مقام ما كانوا يرون التراب بالعين و يحسون بشئ ثقيل فهذا التراب المرئي مركب بل جميع العناصر الان مركب الا ان بعضها شديد التركيب و من الغلايظ و بعضها ضعيف التركيب و من اللطائف و دوران الافلاك و اثارتها السفليات لم‌يدع عنصرا علي بساطته بل و حدث منه فيها اي في الافلاك تعاكس انوار و قوي لم‌يدعها علي بساطتها و فيها ايضا اعراض ضعيفة و بها تصدر عنها بعض حركات غير طبيعية في الجملة فتبين و ظهر ان النور لون مشرق و اللون نور متكاثف و كلاهما من جنس واحد و نسبتهما نسبة ‌الروح و الجسد فتدبر.

فصـل: اذا عرفت انه لايمكن ان‌يصدر اثر عن مؤثره الا و له هذه الكيفيات فكل اثر له لون و ضوء سواء كان من الاثار الغيبية او من الاثار الشهادية فاذ قد فرغنا من بيان الاثار الشهادية فلنذكر الان الاثار الغيبية و قد قال الرضا7 قد علم اولواالالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و قد قال الصادق7 العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية قال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق او لم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد يعني موجود في غيبتك و حضرتك انتهي فاذ قد علمت في الشهادة و العبودية فاعرفه في الغيب و الربوبية و مراتب الغيب هي الخزائن المشاراليها في قوله سبحانه و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فنقول ان الله سبحانه خلق الف الف عالم و الف الف آدم و انتم في آخر تلك العوالم و اولئك الادميين كماروي عن اهل العطمة و الطهارة فالشئ الذي في هذه الدنيا نازل من تلك العوالم المتقدمة و له في كلها ذكر علي حسب تلك العوالم و من الاشياء

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 484 *»

الالوان فلها حقائق و اذكار في تلك العوالم لبطلان الطفرة و عدم امكان اثر في غاية البعد مع خلو المراتب المتوسطة بينه و بين مبدئه عن ذكره فللالوان ذكر في تلك ال عوالم العالية التي هي لها خزائن و لاتعرف صفة تلك الاذكار الا بان‌تعرف ما ذكرناه في عالم الشهادة علي التحقيق و لماكانت جميع تلك العوالم اثر مشية الله سبحانه و الاثر لايوجد الا و له كيفيات اربع فلكل اثر في تلك العوالم هذه الكيفيات الا انها في كل عالم بحسبه من اللطافة و الكثافة و الرقة و الغلظة بحسب قربها من المبدأ و بعدها و اذا قد عرفت ان نور الكرسي و العرش و الحجاب و الستر قد خفي عن درك الابصار لشدة ظهورها و قلة‌ الظلمة فيها فبالحري ان لايري نور تلك العوالم و هي اشد ظهورا و اقل ظلمة فكيف يكون الرب جل شأنه فما اقل عقل من زعم ان الرب جل شأنه يري بنحو من الابصار و هو لايدرك نور الكرسي و العرش المتنزلين عن المبدأ بالف الف مرتبة و كل عالم اعلي اقوي نورا من ادناه بسبعين مرة فتعالي الجبار ان‌يدرك بالابصار او يحيط به خواطر الافكار او يمثله غوامض الظنون في الاسرار بالجملة كليات تلك العوالم المتقدمة تنحصر في ثمان مراتب اعلاها عالم الفؤآد و نور الله فتلك الاضواء فيها اضواء حقيقية منزهة عن درك ا لعقول مبراة عن ظلمات الانيات الخلقية فهي ليست الا نور الرب الحقيقي و هناك تتحد الالوان اتحادا احديا و ليس فيها تعدد بوجه من الوجوه و شدة ظهوره تحير العقول و الالباب فلاتراه بوجه من الوجوه و هو المشاراليه بقوله7 ان لله تعالي سبعين الف حجابا من نور و ظلمة لو كشفت لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه فهو لايري الا بعينه سبحانه فلنعم ما قال الشاعر:

رأت قمر السماء فذكرتني   ليالي وصلها بالرقمتين
كلانا ناظر قمرا ولكن   رأيت بعينها و رأت بعيني

قال7 اعرفوا الله بالله ثم من دون ذلك عالم العقول فهو عالم الكلية و المعنوية و الوحدانية الواحدية فهنالك ايضا تتحد الانوار اتحادا واحديا و فيها تكثر و تعدد معنوي لاصوري ثم من دون ذلك عالم الارواح و هناك صور رقيقة برزخية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 485 *»

بين المعني و الصورة‌المحضة‌و هناك تتفاوت الالوان تفاوتاً برزخيا و تتمايز تمايزا روحانيا فهي متحدة من جهة ‌متمايزة من جهة ثم من دون ذلك عالم النفوس المجردة الملكوتية فهنالك تتمايز الالوان تمايزا صوريا ولكن علي نحو التجرد عن الواد الزمانية‌ثم من دون ذلك عالم الطبايع فهنالك تتمايز الالوان تمايزا طبيعيا جنسيا و تتفصل تفصلا قحيقيا شهاديا ثم من دون ذلك عالم الهباء فتتمايز هنالك تمايزا ماديا و تتبين مواد تلك الكيفيات بالنوعية و التبين الفصلي الشهادي ثم من دون ذلك عالم المثال فهيهنا تتميز تمايزا شخصيا صوريا واقعيا و تتشخص علي ما تراه في المنام و بالحس المشترك و اسفل ذلك العالم ما تراه في المرآة من الاشباح فان محل الاشباح اسفل عالم المثال المرتبط بالاجسام فتري بالعين اذا غلظت في المرآة و تنتزع بالحس المشترك و تحتفظ في الخيال ثم من دون ذلك عالم الاجسام فهيهنا يتميز الالوان علي ما تراه و ذكرناه فهذه هي خزائن الالوان التي نزلت منها و تصعد اليها و تختلف لطافتها و كثافتها بحسب لطافة تلك العوالم و كثافتها و اكثف تلك العوالم عالم المثال و هو الطف من عالم الاجسام بسبعين مرة و ما ذكرناه بالغ في بيان المراد لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و لو اردنا شرح هذه المطالب علي سبيل التحقيق في كل مقدمة مقدمة لفني العمر قبل ان‌يفني البيان فلو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان‌تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا.

فصـل: و اذ قد عرفت مما ذكرنا ظاهر الحمرة و انها لون قد حدث من الحرارة و اليبوسة في الجسم المقتضية لتضام الاشياء و تراكمها مع اللطافة و الرقة و الشفافة فلنذكر الان تأويلها في هذا الفصل فاقول التأويل هو صرف اللفظ الي بعض خزائن الشئ الكونية سواء كانت شهادية او غيبية كما يأول قوله سبحانه و انزلنا من السماء ماءاً فسالت اودية بقدرها ان المراد بالسماء في التأوي المشية لانها مبدأ الوجودات و اعلاها و هي جهة‌الفاعل المتحرك الممد واقعة في السمو و العلو و المراد بالماء في التأويل الوجود المقيد النازل منها و هو الماء الذي منه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 486 *»

كل شئ حي وجودي كوني و اول صادر عن سماء المشية حامل لحيوتها و اشعتها و به يحيي موات القوابل الكونية و المراد بالاودية في التأويل القوابل الكونية فلما نزل ماء الوجود سالت اودية القوابل بقدرها القابلية الواسعة بقدرها و الضيقة بقدرها و هكذا نأول جميع الايات و الاخبار او يأول الي غير مدلول اللفظ مما في عرضه كما يأول الجبل مثلا بالجسد و العناصر بالاخلاط و امثال ذلك و ليس ذلك شأن كل احد و لايجوز لكل احد و انما هو جايز لمن عرف تطابق العوالم و وجوهه و اطلع علي اشارت الكتاب و السنة‌و عرف شواهد التأويل من التنزيل و لماكان هذا العالم هو الكتاب التدويني الذي كتبه الله بقلم الاختراع علي لوح الابداع كماروي ان اول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب قال ما اكتب قال ما كان و ما يكون الي يوم القيمة فكتب فختم علي فم القلم فلاينطق بعد نقلته بالمعني و اشار الي انه كتاب بقوله فقد لبثتم في كتاب الله الي يوم البعث و بقوله  قال فمابال القرون الاولي قا علمها عند ربي في كتاب و هو كلام الله المجيد الذي تكلم به فكله كتاب و اجناسه اجزاء و انواعه سور و اصنافه آيات و اشخاصه كلمات و ابعاضها حروف كما سمي الله سبحانه اصنافها بالايات و قال سنريهم آياتنا في الافاق و اشخاصه بالكلمات كاقال في عيسي بكلمة منه اسمه المسيح و باعتبار سماه آية و قال و جعلنا ابن مريم و امه آية و سمي الكل بالكتاب كما سمعت فلماكان كذلك يكون الحمرة باعتبار حرفا من هذا الكتاب و باعتبار كلمة و باعتبار آية كماقال و من آياته اختلاف السنتكم و الوانكم فله تأويل كمايكون للكتاب تأويل فتأويل الحمرة في وجه هي الطبيعة في هذا العالم لان عالم الشهادة كلية له اربع كيفيات و اربع طبايع نار و هي الطبيعة الكونية و هواء و هو المثال الكوني و ماء و هو المادة‌ الكونية و تراب و هو الجسم و ترتيب عناصر تلك العوالم علي خلاف العالم الزماني الشهادي و علي وفق عالم الغيب و لسنا الان بصدد بيانه فالحمرة‌تأويلها الطبيعة الكونية‌ المشاراليها في الخبر ان الله سبحانه خلق ياقوتة حمراء فنظر اليها بنظر الهيبة فذابت و صارت ماء فخلق من زبد ذلك الماء الارض

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 487 *»

و من بخاره السماء فالياقوتة هي الطبيعة‌ فنظر الله اليها بنظر الهيبة فذابت و صارت ماء و هو المادة‌و خلق من بخاره السماء و هو عالم المثال و من ترابه الارض و هو عالم الاجسام او نأول الحمرة الي البطش و الغضب و الفتك او الي الصفراء‌التي في بدن الانسان او الي السباع او الي النار او المريخ او الشمس او الي الرياسة و السياسة او النقبا او الترك او السيف او النحاس او اكسير الذهب و امثال ذلك و لسنا الان بصدد بيان وجوه هذه الامور اذ لو بنينا ان‌نذكر جميع ما يتوقف عليه المسألة و نوضح جميع ما يجري علي القلم لاقتضي ذلك ان‌نشرح جميع فنون العلم و ذلك غير ممكن لنا في كل كتاب و من اراد شرح اكثر من ذلك فليراجع ساير كتبنا بالجملة للحمرة في هذا العالم تأويلات عديدة كماشرحنا و بينا و هي الركن الايسر الاسفل من العرش الذي هو الملك كما اشار اميرالمؤمنين7 بقوله نور احمر منه احمرت الحمرة ‌فالحمرة التي احمرت في هذه الدنيا فهي من حمرة ذلك الركن و قد مر الحديث بتمامه فذلك احد تأويلات الحمرة‌ و يسعنا و الحمدلله ان نأولها الي كل شئ في هذه الدنيا و نريها في كل شئ اياك كماتري كفك اذ كل شئ فيه معني كل شئ ولكن فيما ذكرنا كفاية و بلاغ و قد تقدم شواهد الصدق فيما مر من البيان من ذكر خزائنها.

فصـل: و اما باطن الحمرة فهو سيدالشهداء روحي لترتبه الفداء فان عرش الولاية المستوي عليه رحمان النبوة له اربعة اركان ركن اصفر و هو علي7 و قد اصفر حين رحلته حتي انه ك ان علي رأسه عصابة صفراء لايفرق بينها و بين وجهه المبارك من شدة الصفرة و ركن اخضر و هو الحسن7 و قد اخضر عند موته لشدة السم في الظاهر و لغلبة سر الباطن عليه عند الرحلة و ركن احمر و هو سيدالشهداء المضرج بدمه حين رحلته و هذا هو سر ما روي انهما8 طلبا من جدهما9 يوم عيد لباسا فنزل لهما حلتان بيضاءتان فلم‌يرضيا بهما الا ان‌تكونا ملونتين فاحضر الطست و الابريق لغسلهما بامر جبرئيل فسأل الحسن اي لون تريد قال اريدها خضراء و سأل الحسين فقال

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 488 *»

اريدها حمراء فصار حلة الحسن كالزبرجد و حلة الحسين كالياقوت فتوجها الي امهما لابسين للحلتين فسر النبي و بكي جبرئيل فسأله النبي9 عنه قال لابد للحسن ان‌يسقوه السم فيخضر لون جسده من عظم السم و لابد للحسين ان‌يقتلوه و يذبحوه و يخضب بدنه من دمه انتهي ملخص الخبر و هذا سر لبس النبي9 الحسين حلة من زغب جبرئيل و هو حامل الركن الاحمر من العرش و هو سر ان قصر الحسن7 في الجنة من الزمرد و قصر الحسين من الياقوت و في الرجعة يبني الله سبحانه له قبة من ياقوتة‌حمراء و اما الركن الابيض فهو القائم عجل الله فرجه مجدد العالم و معيده علي ما خلقه الله سبحانه اول مرة و هو آية النبي9 و سميه و كنيه فهو لكونه مبدأ سر الولاية و آية النبوة صار صاحب النور الابيض بالجملة لسنا بصدد تفصيل غير موضع السؤال فباطن الحمرة هو الحسين7 لما ذكرناه.

فصـل: و اما باطن تأويلها فاذا قد عرفت ان تأويل الحمرة الطبيعة  فباطن الطبيعة‌هو جبرئيل الذي هو جلوة‌طبيعة النبي9 و هو حامل ركن العرش الايسر الاسفل ركن الخلق و لذا روي الورد الاحمر من عرق جبرئيل و طبعه حار يابس لانه صاحب الخلق و من اعوانه الملكان الخلاقان اللذان يقتحمان من فم الام و يخلقان النطفة علي ما امرهما الله سبحانه او يفسر بالقائم باعتبار السفك و البطش و النقمة و لاجل ذلك كوكبه المريخ او بالحسين و اصحابه من حيث كثرة‌ سفكهم فقد روي انه7 قتل بنفسه مأة الف نفس و كانوا اربع‌مأة الف نفس و قتل اصحابه منهم ماشاء الله او بظاهر الولي لانه باب باطنه فيه الرحمة‌و ظاهره من قبله العذاب او يفسر باصحاب القائم لكثرة سفكهم او بالولاية لانها الاكسير الذي يلقي علي اجساد القلوب فيطهرها او بعلوم المحبة‌ و المعرفة من جهة‌ ما روي انه سئل الصادق7 عن العشق فقال  نار تطلع علي الافئدة فتحرق غير المحبوب و امثال ذلك و لايسعني الان شرح ازيد من ذلك بل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 489 *»

لايجوز فان الناس في قلوبهم زيغ عن الحق ابدا فاذا عرفوا باب التأويل و الباطن بجميع جهاته يأولون جميع الشرايع و الاحكام علي حسب مشتهياتهم فيضلون و يضلون و هم غافلون عما روي عن الصادق7 ان قوما آمنوا بالظاهر و كذبوا بالباطن فلم‌ينفعهم ذلك شيئا و لاايمان ظاهر الا بباطن و لاباطن الا بظاهر انتهي و بذلك هلك جمع كثير من الناس حيث دخلوا في تأويلات هذا الباب باب جهنم الذي فتح علي وجه اهله في هذه الازمان و فاح عليهم فوحها و مسهم لهيبها فالتقطهم من بين العباد و البلاد كما يلتقط الطير الحب فبلعهم بلعا اوصلهم الي قعر الجحيم و كانوا يشربون من غساق تأويلاته شرب الهيم و هذا نزلهم يوم الدين و ما ربك بظلام للعالمين فاولوا جميع الشرايع و السنن و تركوها و آلوا الي بدعهم و لم‌يهلكوا الا بهذه التأويلات التي تعلموها و لم‌يتعلموا تمام العلم حتي يرتفع الزيغ عن قلوبهم فاتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله كماقال الله سبحانه منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله الاية و كلما دعوتهم ليرجعوا الي المحكمات و يفيئوا الي الحق جعلوا اصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم و اصروا و استكبروا استكبارا حتي اني كتبت في ردهم كتبا لعلها ستة او خمسة مبسوطة و وصل بعضها اليهم فلم‌يفيئوا الي الحق و والله ما كانوا علي يقين من امرهم و ان كانوا الا علي حمية ركبتهم و عصبية‌لزمتهم و غرور منهم ساقهم الي النيران فقالوا النار و لا العار و لاتزعم ان الانسان ما لم‌يكن علي يقين لايصبر علي القتل صبرا فان احدا من اصحاب الخوارج طعنه احد من اصحابنا برمح في صدره فخاط نفسه بالرمح و مشي الي طاعنه و الرمح ينفذ في صدره و يقرأ و عجلت اليك رب لترضي و ان صالحاً علي نبينا و آله و عليه السلام اوعد قومه نزول العذاب و قال يصفر وجوهكم اول يوم ثم يحمر ثاني يوم ثم يسود ثالث يوم ثم تهلكون فاصفر لونهم فلم‌يؤمنوا و احمر لونهم فلم‌يؤمنوا فقالوا لن‌نؤمن بصالح و لو هلكنا فاسود لونهم فلم‌يؤمنوا حتي هلكوا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 490 *»

و اعلم ان النفس خلقت من ظل الربوبية و انها اذا عصت و طغت تصبر علي عذاب الابد و لاترجع عن ادعائها و ماعزمت عليها فالمرء يقتل نفسه عيانا من غيرته و يرمي نفسه من الجبل لضجره و امثال ذلك كثيرة‌و والله لم‌يتبعوا هؤلاء الاظنا و ماكانوا بمستيقنين و كلمن يتعجب من صبرهم علي قطع رؤسهم فانما هو من ضعف نفسه حيث يري من نفسه انه لو هدد بضرب عنقه ليرجع من ايمانه يرجع فيتعجب انهم كيف لم‌يرجعوا و النفوس مختلفة فلرب نفس تقتل علي درهمين فلايخرجهما من كفه بالجملة لم‌نكن بصدد ذكر هؤلاء ولكن نفثة صدرت و شقشقة هدرت فلنرجع الي ما كنا فيه.

فصـل: و اما تأويل باطنها فاذا عرفت ان باطن الحمرة‌ هو الحسين7 فنأول الحسين7 الي العقل المقهور بيد النفس الامارة فان العقل من نوره7 و النفس الامارة من ظل اعداءه فاذا تقاتلا في بدن انسان في كربلاء قلبه و غلبت النفس الامارة و ابادت اصحاب العقل اي الملئكة الموكلين بالخيرات و قتلت العقل و اصحابه بافناء آثارهم عن القلب و ابطال احكامهم فقد جري تأويل وقعة كربلا حرفا بحرف كماشرحناه في مباحثاتنا مفصلا و ان لله علي الناس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة فالحجة‌ الباطنة العقول و هي من شعاعهم لان شيعتهم خلقوا من شعاع نورهم و النور علي حسب المنير فاذا صار باطن الحمرة الحسين7 لانه قتل فيكون تأويله العقول التي هي من شعاعه و نوره و قد قتلت بيد النفس الامارة و اعوانها و وجوه هذه التأويلات خفية و انا في شغل من ذلك و لاسيما ان السائل متعنت و التعنت يمنع الانسان من الاقبال الي الجواب و كل ذلك كلفة و لم‌آجب الا لحكم صدر و امر وقع و الا فلم‌يكن لذلك عندي واب و لو كلمة و قد قال الصادق7 اسئل العلماء ما جهلت و اياك ان تسئلهم تعنتا و تجرة هذا و لاكل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله و اني والله اغار علي علمي ان‌يقع الي من لايعرف قدره و يزدريه و يهينه فلم‌يكن الا امتثال الامر و اتباع الحكم.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 491 *»

فصـل: و باطن الباطن فقد ضرب دونه حجب الغيوب و حرام ذكره و الافصاح به خوفا من فرعون و ملائه ان‌يفتنهم و ان فرعون لعلا في الارض و جعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم اي المؤمنين يذبحون ابناءهم اي اهل الباطن و المعني و يستحيون نساءهم اي اهل الظاهر و الصورة فلايجوز الافصاح به و لاتعريف الذكران و الرجال فرقا من الفتك ولكن لامانع من الاشارة احيانا و الايهام في العبارة لا بيانا و هذا هو العلم الذي قال علي بن الحسين8 في وصفه:

اني لاكتم من علمي جواهره
  كيلا يري الحق ذوجهل فيفتتنا
و رب جوهر علم لو ابوح به
  لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا
و لاستحل رجال مسلمون دمي
  يرون اقبح ما يأتونه حسنا
لقد تقدم في هذا ابوحسن
  الي الحسين و وصي قبله الحسنا

ولكنا في فسحة من البيان فنذكر الحواشي دون المتون و نطوف حول الحمي خوفا من حرس العيون و من طاف حول الحمي فيوشك ان‌يقع في الحمي فنقول ان الحمرة اذا ارتفعت الي عالم الامر فتقع فيه علي الكلمة التامة التي انزجر لها العمق الاكبر اذ لها مراتب من النقطة و الالف و الحروف وا لكلمة و اذا ارتفعت الي الاسم فاختصت بمقام الظهور التام اذا كان مقاماتها اربعة الباطن و الباطن من حيث البطون و الظاهر و الظاهر من حيث الظهور و ذلك جملة عرش الاسماء المستوي عليه الرحمن و ان لاحظته في خصوص الاسماء الكلية فالاسم المخصوص بالحمرة هو الاسم القابض اذ جميع عرش الموجودات تربي باربعة‌ اسماء القابض البديع المميت الباعث و ذلك قوله سبحانه الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم و علي هذه الاربع تدور رحي الايجاد و ترتيب الاسماء علي ما ذكرت و القابض هو الاسم المربي للركن الاحمر و في الاسماء الجزئية فالاسم المخصوص به المنتقم و المعذب و القاهر و القادر الغالب العزيز السلطان الولي المهلك المدرك و امثال ذلك و كل ذلك ذووا الوان حمر في مقامه و جميع ذلك من بواطن الحمرة و لها باطن في هذه البواطن بل بواطن في هذه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 492 *»

البواطن و لولا تصالح الزمان علي دفع الحق لذكرت ولكني لمعذور.

اغار عليك من غيري و مني   و منك و من مكانك و الزمان
و لو اني جعلتك في عيوني   الي يوم القيمة ما كفاني

و اعلم ان اشرف الدرجات و اسني المقامات ما يصير سبب التقرب الي خالق البريات و الفوز بالنجاة و العقول تترقي و الاحلام تتزايد فما يلقي الي الاحلام الناقصة اولا ظاهر و ما يلقي اليها بعد ترقيها و نضجها هو اخفي و ابطن ثم هكذا كلما وضعت لهم حلما رفعت لهم علما ليس للعلوم غاية و لانهاية فتدبر فيما القي الي هذا الخلق شيئاً بعد شئ تفز بالمراد و تنل الرشاد فافهم هذه الكليمات المختصرة فقد اشرت بها الي ما اشرت فانقلب الظاهر باطنا و الباطن ظاهرا و انما بطن باطن الباطن في البطون لظهوره في الظهور فخفي لشدة ظهوره و استتر لعظم نوره والله يقول الحق و هو يهدي السبيل و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ.

و الخاتمــة

في ذكر ما وعدناه في صدر الكتاب من كيفية صبغ البساط فاعلم ان الحركات الظاهرة باسرها تابعة للطبايع الباطنة اذا كان الانسان منهمكا في الطبايع و للمشتهيات الحيوانية اذا كان مقهورا في الشهوات الحيوانية و للارادات الانسانية و امتثالاته اذا كان تابعا للاوامر الالهية و النواهي السبحانية فلاتصدر حركة منه في الظاهر الا بمقتضي هذه البواعث الباطنة فان كانت البواعث الطبيعية او الحيوانية كانت تلك البواعث بمقتضي الاسباب الفلكية و كواكبها و اوضاعها و طبايعها مما هو معروف عند اهله و ان كانت انسانية كانت بمقتضي الاوامر و النواهي الشرعية التي هي تابعة للاسباب النبوية بمقتضي قوله ان اتبع الا ما يوحي الي و ان كنتم تحبون الله فاتبعوني فالمتحركون في هذه الدنيا ان كانوا تابعين للطبايع جرت افعالهم علي حسب الطبيعة فكل طبع غلب عليهم بالذات او بالعرض دعاهم الي مقتضاه و طاوعته الاعضاء و الجوارح و ساعده التقادير الفلكية فصدر عنهم افعال بمقتضي ذلك الطبع فصبغ الحمرة من مشتهيات الصفراء بالذات و الدم بالعرض و يساعدهما المريخ ع لي ذلك و الشمس فاذا غلبا علي امرأ طلب

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 493 *»

الحمرة لامحة و اشتهي الثياب المضرجة و المشبعة و التجمل بها و يشتهي البسط الحمر المشرقة لامحة فلاجل ذلك اغلب من يشتهي الحمرة الاطفال و الشبان الغالب علي امزجتهم الدم و الصفراء و اذا كهلوا و هرموا يعرضون عن تلك الالوان البهية‌ الضيئة و يشتهون الالوان الغبرة و الكدرة بالبداهة و كذا السلاطين لماكانت نفوسهم نفوساً علية لها استعلاء و استيلاء ذاتي تنقاد لهم النفوس بالفطرة و الطبع ففيهم حرارة‌ فلكية غالبة و ان لم‌تكن حرارة طبيعية غالبة فهم ايضا يشتهون الثياب الحمر المشرقة و يتزينون بها و يأمرون عساكرهم و خدمهم بها و يجعلون فرشهم و بسطهم حمرا و الوانا مشرقة و يتزينون بالجواهر المشرقة لاجل ذلك و يلبسون الحمر عند الغضب لظهور سلطان الصفراء و الدم عليهم فطلب الحمر من غلبة الطبيعة في اهلها و غلبة الغضب و الاستعلاء و الاستيلاء في اهلها و يساعدهم المريخ و الشمس و لاسيما اذا كان طالعهم من بيوتهما و يكون المستولي عليه احدهما فانهم يشتهون ذلك بالطبع و علي هذه فقس ماسويها من الالوان و ان كان الباعث الانساني الممتثل للاوامر الشرعية و نواهيها فانه يستكرهها لتذللها بين يدي الله سبحانه و غلبة الرهبة و الخوف عليه وا لعبودية فيلبس لبس العبيد البسة دكنة كدرة غبرة و لذلك روي الميثرة الحمراء ميثرة الابليس و روي تكره الصلوة في الثوب المشبع بالعصفر و المضرح بالزعفران في الصلوة اللهم الا ان‌يكون بامر الشارع و من باب و اعدوا لهم ما استطعتم من قوة الاية او لاجل التحديث بالنعمة لله و في الله بالجملة اختلاف الحركات باختلاف المحركات و هي علي ما سمعت فتدبر و اما كيفية صبغ ما يكون من الوبر باللك فهي مما يتشاح عليه الصباغون و لايعلمه كل احد منهم في بلادنا و انا ابذلها لمن اراد فاعلم ان كيفية صبغه ان‌تأخذ اللك الجيد و تنظفه من الاعواد و التراب ثم تطحنه بالرحي حتي يكون كالخبة ثم تنخلقه من منخلة الدقيق و تطحن ثانياً ماكان جريشا ثم تأخذ منه نصف وزن ما تريد صبغه من الشالات او البسط او غيرها ثم تجعله في كيس ثم تستحلبه في مزجج بالماء الحار حتي ينصبغ الماء جدا ثم تسكب الماء في اناء و تعيد الاستحلاب بماء

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 494 *»

جديد حار حتي لايبقي فيه لون و ذلك يكون الي عشر مرات ثم تجمع المياه في قدر و تضيف اليه الطرطر المسحوق فان كان اللك خمسين يجعل من الطرطر ثمانية و يغليه ثم يأخذ من الماء الحاد ثمانية و يحل فيه القصدير اثنين ثم يصبه في القدر و يلقي عليه واحدا نوشادر مسحوقا و يغليه جيدا فاذا تروق و صفا يلقي فيه البساط او الثوب و يغليه الي ان‌يصير الماء اصفر و ينصبغ الثوب فيخرجه و يعصره و يجففه حتي اذا كان فيه قليل نداوة يطويه علي نورد طيا شديداً و يدعه حتي يجف و من احب ادخل معه محلوب نصف اللك من الفوه فيأتي كمايحب فهذا هو صبغ اللك الذي عليه التشاع بينهم و اعلم اني ذكرت ما ذكرت في هذه الرسالة مع ان المتعنت لاجواب له لامرين احدهما امتثال امر المخبر ادام الله تأييده و الثاني حفظا لامر هذه السلسلة الجليلة و الشرذمة القليلة التي احتشدت الشياطين خيلهم و رجلهم علي اطفاء نورهم و ادحاض امرهم و ابطال حجتهم و يرمونهم بكل رمي و يتهمونهم بكل تهمة و يبتلونهم بكل بلية و يمتحنونهم بكل امتحان و يسألونهم عما لايسئل عن مثله العلماء و لم‌يسئل الي الان فرأيت ان لم‌اجب عن مثل هذا السؤال يقدحون فيهم و يعيبون عليهم و من العجايب ما سألني عنه بعض الطلبة عما لم‌يقع السؤال عن مثله الي الآن فقال انك تدعي ان جميع ما في الكتاب التدويني موجود في الكتاب التكويني فعرفني في الكتاب التكويني الغير المنصرف و جميع اسباب منع الصرف فالهمني الله الجواب عنه بما لم‌يلهمه احدا و الحمدلله فاجبته بما لامزيد عليه بل اوضحت له الغير المنصرف في العالم الكبير و الوسيط و الصغير بحول الله و قوته فاختم رسالتي هذه بدوبيتي في وصف الشيخ اعلي الله مقامه فقال الشاعر:

لزين الدين احمد نور فضل   تضاء به القلوب المدلهمة
يريد الحاسدون ليطفئوه   و يأبي الله الا ان‌يتمه

و انا معتذر الي الجناب المخبر ايده الله انه قد وقع سؤاله في ايام تزاور العيد و انا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 495 *»

في جميع اوقات الليل و النهار مزور او زاير فان ابطأت في الجواب فكان لعدم الفرصة و مع ذلك ماكتبته الا في اقل من يومين تخمينا علي تفرقة و العذر عند كرام الناس مقبول و قد ختم علي يد مصنفه العبد الاثيم كريم بن ابرهيم في عصر يوم الخميس السابع و العشرين من شهر ذي‌الحجة‌الحرام من شهور سنة سبع و ستين بعد المأتين و الالف حامداً مصلياً مستغفراً تمت.