26-03 مکارم الابرار المجلد السادس والعشرون ـ رسالة في تزييف کتاب افرنجي في حرکات الافلاک ـ مقابله

 

 

رسالة فى تزييف کتاب افرنجى فى حرکات الافلاک

 

 

من مصنفات العالم الربانی و الحکیم الصمدانی

مولانا المرحوم الحاج محمد کریم الکرمانی اعلی الله مقامه

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 201 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله على اعدائهم اجمعين.

و بعد؛ يقول العبد الاثيم کريم بن ابراهيم انه قد ارسل الىّ قرة عينى المکرم و حبيب قلبى المعظم و فلذة کبدى المفخم اخى خسروخان من بلدة قراجه‌داغ برسالة ترجمت من بعض کتب النصارى فى حرکات الافلاک و قد ترجمت بلسان الفرس و طلب منى ان‌اکتب عليها ما يخطر بالبال من صحتها و سقمها و لما کانت بلسان الفرس و المطالب الحکمية على نهج التحقيق لايقضى حقها بذلک اللسان لضيق الفاظه و سعة الحکمة فلم‌احب ان‌اجيبه بلسان الفرس خوف فوات نکات الحکمة فلاجرم عزمت ان‌اترجم موضع الحاجة منها فى مقدمة کتابى هذا بلسان العرب ثم اذکر ما يسنح بالبال من صحته و سقمه.

قال ما حاصله: ان الحکماء لم‌يزالوا مختلفين فى هيئة العالم فى عدد اجرامه او فى اوضاعها و ترتيبها او فى حرکاتها و سکناتها فاتباع فيثاغورس و جمهور المشائين و اکثر اهل الهيئة تصوروا اوضاع العالم على ثلثة اقسام الى ان استقرت الآراء على ثلثة مذاهب الاول مذهب ارسطو استاد الحکمة و تابعه بطلميوس استاد الهيئة، الثانى مذهب فيثاغورس و افلاطون من المتقدمين و قوفرونقوش صاحب الرصد، الثالث مذهب تيقهوبراهه صاحب الرصد المتأخر عنهم، و يسمى علماء لاتن الهيئة الموافقة للمذهب الاول بالهيئة القديمة و الاخيرتين بالجديدة.

ثم قال: المذهب الاول الذى هو مذهب ارسطاطاليس و تابعه بطلميوس و توابعهما و اکثر حکماء الاسلام فعلى قوله الاجرام الاثيرية کلياتها تسعة و فى الوسط اى وسط العالم جزؤ موهوم هو مرکز العالم و قد اختلف هؤلاء فى بعض الجزئيات

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 202 *»

فارسطو منهم قال بثمانية افلاک و رأى ان المحرک الاول فلک البروج و منهم من اثبت تسعة افلاک لما رأى فيها تسع حرکات و قال بأن المحرک للکل الفلک الاطلس و وافق هذا الرأى ارصاد اهل الاسلام. و منهم من قال ان فلک البروج قد يتحرک غير حرکته الثانية حرکة غريبة من المشرق الى المغرب و من المغرب الى المشرق بالاقبال و الادبار و من الشمال الى الجنوب و من الجنوب الى الشمال على نحو الاضطراب و هى سبب الاختلاف المدرک فى الميل الکلى فاثبتوا فوق فلک البروج فلکين آخرين هما منشأ هاتين الحرکتين و متکلموا النصارى اثبتوا فوق الفلک الحادى‌عشر على هذا الرأى فلکاً آخر سموه فلک اهل الايمان و زعموا انه دار البقاء و المعاد. و قد اختلفوا ايضاً فى امکان الخلاء و عدمه فوق الافلاک بعد اتفاقهم على انه ليس بين الافلاک جسم زايد و لا خلاء و قد سمى فيثاغورس و بعض الحکماء الاول ذلک الخلاء بالبعد المجرد و متکلموا الاسلام بالبعد الموهوم فمن هؤلاء من تصدى باثبات امتناعه و منهم من اعترف بالعجز عن فهمه. ثم قال: لما لم‌يف مجرد اثبات کليات الافلاک بضبط حالات الافلاک و رأوا حرکات مختلفة فيها اثبتوا فيها افلاکاً جزئية.

ثم قال: المذهب الثانى فهؤلاء قالوا بأن الشمس مرکز الکل و هى فى وسط العالم و قد شيّد بنيان هذا المذهب فورقوشيوش الحکيم المسيحى و قال لم‌ينقطع من القديم الى الآن القائلون بحرکة الارض ابداً و قد نقل رئيس المشائين ارسطو انّ فيثاغورس و اتباعه جعلوا الشمس التى هى عندهم النار اکمل العناصر و مرکز العالم و عدوا الارض من السيارات حول الشمس و صرح فولتارخوش المورخ انّ افلاطون فى اواخر عمره ذهب هذا المذهب.

ثم قال: ثم شيّدوا هذا البنيان بالارصاد حتى انه اشتهر عند رهبانى ملل النصارى و قرونال القوثوانى الحکيم الفاضل قال بهذا القول ثم قال به قوفرونقوش فى بلادلِه و شيّد بنيانه بالارصاد و اشتهر هذا المذهب باسمه و قبل منه متأخروا حکماء بلاد اوروفا الى ان وصل الى قارتش‌يوش الحکيم و احکم امره حتى اشتهر فى المتأخرين باسمه ثم وصف هذا المذهب بأن الشمس المنيرة کوکب ثابت و هى مرکز العالم و قد احاط بها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 203 *»

دائرة عطارد و يقطع دورته ثلاثة اشهر و احاط بها دائرة زهرة و تقطعها فى ثمانية‌ اشهر و احاط بدائرة زهرة دائرة عظيمة و يقطعها الارض المحاطة بالماء و الهواء فى سنة و فى داخل هذه الدائرة حول جرم الارض دائرة القمر و الارض مرکزها و يقطعها فى اقلّ من شهر ثم احاط بدائرة الارض دائرة المريخ و يقطعها قريب سنتين و احاط بدائرة المريخ دائرة المشترى يقطعها فى اثنتى‌عشرة سنة ثم احاط بدائرة المشترى دائرة زحل و يقطعها فى ثلثين سنة. و کما ان القمر يدور حول الارض يدور حول المشترى اربعة کواکب اخر و کذلک يدور حول زحل خمسة کواکب آخر و قد رصدها المتأخرون و تسمى عندهم قمر جکلر اى الاقمار الصغيرة. ثم احاط بالکل دائرة‌ الثوابت و على رأى قارتش‌يوش کل کوکب من الثوابت بعظم الشمس و يجوز ان‌يدور حول کل واحد منها کواکب سيارة کما تدور سيارات حول الشمس و على هذا الرأى الارض تدور اولاً من المغرب الى المشرق تقطع دائرة البروج يوماً فيوماً بالحرکة السنوية و ثانياً تدور حول محورها حرکة يومية من المغرب الى المشرق و منها تبدل الليل و النهار و لاجل ذلک يرى ان الکواکب تسير من المشرق الى المغرب و مثل الحرکتين تدحرج کرة على الارض فان لها حينئذ حرکتين. و لما کان الشمس بين الارض و البروج ترى فى کل شهر بمقابلة برج و مرکز دائرة الارض السنوية خارج عن مرکز الشمس الى جانب الجنوب فالارض اذا کانت فى البروج الجنوبية کان مکثها فيها اکثر و قسى مدارها اوسع فيرى ان الشمس فى البروج الشمالية اکثر لبثاً و محور الارض ابداً موازٍ لمحور المعدل و بسببها يتحقق اختلاف الليل و النهر و الفصول. و ان قيل يلزم من حرکة الارض فى مدارها ان‌تکون حين کونها جنوبية اقرب الى نقطة الجنوب و ابعد عن نقطة الشمال و حين کونها شمالية‌ اقرب الى الشمال و ابعد عن الجنوب و يلزم ان‌يختلف ارتفاع القطب فى الفصول، قلنا ان جميع مدار الارض بالنسبة الى فلک البروج کنقطة واحدة و لاجل ذلک لايحس بالتفاوت ثم ذکر ان من استبعد حرکة الارض فليکن استبعاده من حرکة الفلک الاطلس مع ان عظمه اکثر.

ثم قال: ان محور الارض مع موازاته نوعاً مع محور العالم له حرکة بطيئة حول قطب دائرة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 204 *»

البروج و يرسم فى خمسة و عشرين الف سنة قبطية و ثمانمائة و ست‌عشرة سنة حول قطب دائرة البروج مداراً نصف قطره ثلث و عشرون درجة و اربعون دقيقة و يلزم من هذه الحرکة ان‌ينتقل نقطة تقاطع المعدل و المنطقة على خلاف التوالى و سموا هذه الحرکة تقدم الليل و النهار و به يظهر حرکة الثوابت على التوالى و اختلافات ابعادها من محل مساوات الليل و النهار و هذه الحرکة ايضاً مشوشة لأن من يوم ثموقهارده الى زمان بطلميوس قدر حرکة‌ الثوابت بدرجة فى کل مائة سنة و من زمان بطلميوس الى زمان الباتکنية فى کل ست و ستين سنة و فى هذا الزمان برصد تيهقو فى کل سبعين سنة و برصد کشيولش فى اثنين و سبعين سنة و تخيل قوفرونقوش هذا التشوش مع ثبات الثوابت فى حد ذاتها فى تشوش حرکة تقدم نقطة مساواة الليل و النهار و لما شاهد تيشيس و الفونيس الراصدين اختلال الميل الکلى ايضاً تخيل قوفرونقوش انه يتحرک محور الارض ايضاً من الشمال الى الجنوب و بالعکس اربعة و عشرين دقيقة و من المشرق الى المغرب و بالعکس درجتين و ثمان دقايق فطرف محور الارض يتحرک بالالتواء کاللبلاب فمحور الارض يرسم دائرة مرکبة من قطعات فى خمس و عشرين و ثمانمائة سنة على خلاف التوالى. ثم ذکر سبب استقامة الکواکب و اقامتها و رجعتها ثم اقامتها و استقامتها انها بسبب حرکة الارض فى الدائرة السنوية و وقوع الکواکب بين الناظر و اجزاء فلک البروج و لانطيل بذکره الکلام. ثم ذکر ان قارتشيوش يقول ان الارض ساکنة فى نفسها و حولها مادة لينة محيطة بها و هى تتحرک کساکن السفينة و السفينة ثم ذکر اعتراضات واهية اعترضوا بها على مذهبهم و اجاب عنهم.

الى ان قال: المذهب الثالث مذهب تيقهوربراهئوش و اتباعه فهؤلاء يقولون ان الارض مرکز العالم و الشمس مرکز حرکة السيارات سوى القمر فانه يتحرک حول الارض و يقطع الدورة قريب شهر و هو اقرب الکواکب الى الارض و الشمس ايضاً تتحرک حول الارض و تقطع الدورة فى سنة و هى فى البعد الاوسط ثم فلک البروج فى غاية البعد و يقطع الدورة فى خمسة و عشرين الف سنة و الکواکب الخمسة تدور

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 205 *»

حول الشمس و الزهرة و عطارد لايشمل حرکتهما الارض و اما العلوية تشمل حتى ان المريخ ربما يصير اقرب الى الارض من الشمس فى موضع من مداره و لم‌يذکر الحرکة اليومية فلاجرم اتباعه احتاجوا الى اثبات محرک فوق فلک البروج او الى القول بأن الافلاک لها حرکتان يومية و خاصة و اصحاب المذهبين الجديدين يجوزون الخرق و الالتيام فى الافلاک و قالوا انها اجرام لينة. و قال صاحب المذهب الاخير ان عطارد و الزهرة قد يکونان فوق الشمس و قد يکونان تحتها. و قال ان ذوات الاذناب تسير فى سطوح الافلاک انتهى مواضع الحاجة من ذلک الکتاب و کتب فى ظهر الکتاب تخيّلاً آخر لهم ان اصحاب المذهب الثانى ينسبون الحرکة اليومية الى المادة اللينة المحيطة بالارض على زعمهم و الحرکة السنوية بجذب الشمس الارض و ميل الارض الى الهبوط و رسم له هذا الشکل@ص135@: @ايضاً صورة اخرى فى ص 205 من نسخة مکارم@

 

 

 

 

و ذکر ان الشمس فى موضع س تجذب الارض و هى فى موضع م من الدائرة السنوية الى نفسها باستقامة خط س م و الارض بطبعها مائلة الى موضع جـ باستقامة خط م جـ فلتدافع هاتين الحرکتين تتحرک الارض على دائرة م ق ف و کذلک اذا وصلت الى نقطة ق تجذبها الشمس اليها باستقامة ق س و تميل الارض بطبعها الى موضع ل و لولا جذب الشمس لوصلت الى ل ولکن بتدافع الحرکتين تأتى الى موضع ف و هکذا فبذلک تتحرک الارض على الاستدارة حول الشمس.

و کتب ايضاً خارج الکتاب دليلا آخر لهم و هو انا صنعنا منارة من البلورة الصافية جوفاء و اخرجنا هواء جوفها بالآلات و علقنا شاقولاً من مرکز قاعدتها العليا بحيث اذا نزل نزل على مرکز قاعدتها السفلى و جذبنا الشاقول الى الفوق و قطعنا الخيط فرأيناه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 206 *»

يقع على غير المرکز الاسفل فاذا قسنا زمان الهبوط بالساعات و قسنا بعد مسقطه عن المرکز مع اربع و عشرين ساعة و حرکة الارض اليومية رأيناهما موافقة و جربنا ذلک مکرراً فرأيناه لايتخلف فهذا دليل حرکة الارض. هذا غاية ما وصلنا من تخيّلاتهم المسطورة فى الکتاب او خارجه و الآن نشرع فى بيان ما رزقنا الله سبحانه من العلم بحقيقة الحال.

فاقول اعلم ان بيان الحق فى هذه المقامات يقتضى رسم مقدمة و فصول و خاتمة.

المقدمــــة

فى بيان امور يجب تقديمها لابتناء بيان الحق فى هذه المسألة عليها و فى هذه المقدمة اصول:

اصـــل: اعلم ان الجسم جوهر غليظ قابل للابعاد الثلٰثة و هى الطول و العرض و العمق و کونه قابلاً هو صورته المقومة التى بها الجسم جسم و هو فى کل الحالات حافظ لصورته و ليس وجود الابعاد مما به الجسم جسم فان جميع الابعاد الممکنة للجسم لايمکن وجودها فيه فى آن واحد بل يمکن عروضها عليه على التعاقب و التبدل و الجسم ابداً جسم فالابعاد الموجودة بالفعل هى الصورة المتممة للجسم فالجسم المحسوس له مادتان و صورتان مادة نوعية هى الجوهر الغليظ و سميناه بالغليظ نظراً الى کونه اغلظ من جوهر العقول و النفوس و لولا غلظته لم‌يقبل صورة غليظة کما حققناه فى الفلسفة من ان المواد الرقيقة لاتقبل الصور الغليظة و المواد الغليظة لاتقبل الصور الرقيقة اللهم الا ان‌تستحيلا عن کيانهما کما ان مادة الرمل الغاسقة مادامت غاسقة لاتقبل صورة الزجاجة فاذا طهرت المادة و صفيت و ازيلت اوساخها تقبل صورة الزجاجة و کذا مادة الياقوت الصافية لاتلبس صورة الحجر الغاسق مادامت لطيفة الا ان‌تشاب بالاوساخ و تتوسخ فحينئذ تقبل صورة الحجر الغاسقة. فالمادة النوعية للجسم هو الجوهر الغليظ بالنسبة الى جوهر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 207 *»

العقل و النفس. و الصورة النوعية له هى الصورة المقومة و هى قابليته للابعاد الثلثة و صلوحه لتلبسها. و المادة الشخصية هى هما معاً او حصة منهما. و الصورة الشخصية هى الابعاد المعينة الموجودة التى لاتجامع اضدادها و هى متميزة عنها بخصوصيتها.

مثال ذلک فى السرير ان له مادتين و صورتين المادة الاولى النوعية هى مادة الخشب و هى الحصص المأخوذة من العناصر و الصورة الاولى النوعية هى ما به امتازت عن الحديد و الفضة و غيرهما و صلوحها لان تصير باباً و سريراً و صنماً و غيرها فاذا وجد النوع و تم اخذ منه حصة و البس عليها صورة السرير الفعلية فتلک الحصة المأخوذة هى المادة الشخصية و تلک الصورة المعينة هى الصورة الشخصية فالصورة المقومة هى قوة الصور المتممة و هى فيها مستجنة استجنان الامواج فى البحر قبل التموج و لا تعين للمتممات فيها بوجه من الوجوه. فاذا اخذ الصانع حصة من النوع اخرج بالترجيح ما يشاء من تلک القوى و کمل ما يشاء من تلک الممکنات حتى اخرجه من القوة الى الفعلية کما ان قطعة الشمع تصلح لأن‌تکون کرية او اسطوانية و لا تعين لهما فيها بوجه فانت اذا رجحت الکرية کملتها بفضل کمالک اى حرکة يدک على الاستدارة فانطبعت فى مطبع يدک على شکل حرکة يدک فظهرت بالکرية فاذا رجحت ثانياً الاسطوانية کملتها بفضل کمالک اى حرکة يدک على الاسطوانية فضعفت الکرية لعروض المنافى عليها حتى انکسرت و ذابت و انحلت فى بحر امکان الشمعة و تقوت و تکملت الاسطوانية حتى خرجت من القوة و الامکان الى الفعلية.

فلکل جسم محسوس ظاهر بالابعاد الشخصية هاتان المادتان و هاتان الصورتان البتة و المتممة من عالم الکون و الفساد و عالم الزمان لانها تتغير و تتبدل و تظهر و تخفى و تتکون و تفسد و المقومة ‌من عالم الدهر باقية ببقاء الدهر لانها ثابتة لاتتغير و لاتتبدل و ذلک جار فى جميع الامور الا ما کان کينونته [کينونية خ‌ل] و نوعه من عالم الزمان کما ان البدن مثلاً مقومته هى الهيئات النوعية التى بها يسمى بدناً و هو بدن زيد سواء قام او قعد تحرک او سکن نام او استيقظ اطاع ام عصى و اما اذا صار تراباً و تفرق اجزاؤه ليس ببدن بعد ذلک فان البدن ما کان على هيئة خاصة فافهم فمقومة البدن بما هو بدن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 208 *»

من هذه الدنيا و ليس من الدهر ولکنه حافظ لصورته فى جميع حالاته و له دهرية اضافية بالنسبة الى متمماته فتدبر و احفظ هذا الاصل.

اصــــل: ان جميع ما يرى او يحس بالحواس الظاهرة هو الصور المتممة للجسم و معروض هذه الصور هو الجسم الطبيعى و الابعاد المرئية عليه هو الجسم التعليمى لصدق حد الجسم على الجميع فالارض و الماء و الهواء و النار و الافلاک و الکواکب کلها اجسام لان لها ابعاداً محسوسة لاينکرها عاقل و منها ما حدد ابعاده و قدرت و منها ما لم‌يعرف تحديده وتقديره و عجزت المقاييس عن تحديده و لايقر ذلک بکونه جسماً فان کونه ذا ابعاد معلوم مشهود نعم فيها تفاوت فى رقة المادة و غلظتها فمادة الارض اغلظ المواد الجسمية و لذلک تلبست بصورة غليظة محسوسة و مادة الماء الطف من مادة الارض و لذلک تلبست بصورة ارق من صورة الارض بالبداهة و مادة الهواء الطف من مادة الماء و لذلک تلبست بصورة ارق من صورة الماء بالبداهة و مادة النار ارق من مادة الهواء و لذلک تلبست بصورة ارق من صورة الهواء و ذلک اذا سلطت النار على الهواء ترقق و تراه يصعد عن حيز الهواء. ألاترى انک اذا اخذت ريشة خفيفة على بعد مقدر عن النار فوقها و ترکتها تصعد و لايصعد شىء من الهواء عن موضعه من غير تسليط النار عليه فعلمنا ان النار تصعد و تصعد بالهواء و اذا سلطت النار على الماء بخرته و احالته هواء و صعد ما لم‌يبرد و ما لم‌يستحل ناريته الى الهوائية و علمنا من ذلک ايضاً ان حيز المادة الرقيقة اللطيفة و الجسم الرقيق غير حيز المادة الکثيفة و الجسم الکثيف ألاترى انک لو القيت التراب فى الماء لرسب التراب و صعد الماء و لو صببت الماء فى الهواء لنزل الماء و صعد الهواء الذى تحته و لو اشعلت ناراً لصعدت النار و نزلت الاهوية دونها فمن ذلک علمنا ان حيز الجسم الکثيف غير حيز الجسم اللطيف و ليکن حيز الکثيف تحتاً لانه مما يلى اقدامنا و حيز الجسم اللطيف اعلى لانه مما يلى رؤسنا. و نرى ايضاً ان حرارة اعالى البدن اکثر و لطافتها اشد و الارواح الرقيقة البخارية فى الوسط و الدخانية فى الاعلى و الاعضاء الغليظة الصلبة فى الاسفل و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 209 *»

لذلک يميل الارجل الى الاسفل و الرؤس الى الاعلى على حذو العناصر فلا بأس بتسميتنا حيز الارض الاسفل و معلوم ان ما يقابل الاسفل الاعلى فلا نکير على تسميتنا حيز النار الاعلى و جهة التراب الاسفل.

ثم نقول لا شک ان الافلاک ايضاً اجسام لان لها ابعاداً محسوسة اذ لها يمين و شمال و فوق و تحت وبعضها فوق بعض و مرادى باليمين و اليسار و فوق و تحت محض التسمية من جهة البيان اى بعض اجزائها واقع فى يمين الناظر و کذا بعض اجزائها واقع فى يسار الناظر و بعض اجزائها مما يلى رؤسنا و بعض اجزائها مما يلى ارجلنا و بعضها اقرب الينا و بعضها ابعد عنا و من ذلک عرفنا ان فوق کرة النار الى حيث تنتهى الانظار اجساماً و لها ابعاداً محسوسة و ان انکر منکر ذلک و احتمل عنده خلو الفضاء فسنتکلم فى ذلک فى الاصل الآتى هذا و جميع الفرق مقرون بوجود افلاک ما و کلامنا الآن فى الافلاک فالافلاک اجسام کروية بالاتفاق ثم نقول انها اجسام لطيفة شفافة غير حاجبة لما ورائها لرؤية الکواکب من ورائها اما صلبة کما يقوله بعضهم و اما لينة کما يقوله بعض آخر و ان کان الحق انها لينة کما يأتى فهى شفافة تشف عما ورائها بالبداهة و الا لکانت ترى بانفسها کالارض و لا شک ان مادة الجسم الشفاف الطف من مادة الجسم الکثيف الحاجب لما وراءه المرئى بنفسه لما مر من ان الصورة الکثيفة لاتحل الا فى المادة الکثيفة و الصورة اللطيفة لاتحل الا فى المادة اللطيفة و قد ثبت فى الفلسفة علماً و عياناً ان صورة الشفافة لايمکن ان‌تحل على المادة الا بعد تطهيرها عن الاوساخ بالمناخل الاکسيرية و ازالة الارمدة و السواد منها و محقق ذلک فى صناعة البلور و الزجاج و غيرها فمادة الافلاک لطيفة البتة.

ثم نقول ان مادة الافلاک الطف من مادة العناصر لان الهواء مثلاً اذا تراکم فى مسافة بعيدة تحجب الاضواء و ما کان على بعد کثير منا و يحجب المرئيات و الافلاک على تراکم اجزائها و متانة حجمها لاتحجب ماوراءها من الاضواء و الکواکب و اما عدم حجب الهواء اياها فلکبر الکواکب و قلة حجم الهواء بالنسبة اليها و اما حجم الافلاک و عظم ثخنها فهو اکثر من الکواکب بما لايحصى فلو قسنا کبر ضوء على الارض قد حجب بتراکم الهواء و بعد مسافة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 210 *»

الهواء بيننا و بينه بالکواکب و بعد مسافة الافلاک لعلم ان الافلاک فى المقايسة اکثر و اکثر و مع ذلک ليست تحجب الکواکب و هم مقرون ان مدار الارض بالنسبة الى فلک البروج کنقطة لايعبؤ بها و بين الهواء و بينه ثخن الافلاک فهى الطف و ارق من الهواء هذا و سرعة حرکاتها مع کبرها ادل دليل على رقة موادها و انها ارق من النار و الهواء فانهما لايکادان ‌يقبلان تلک السرعة فى الحرکات و نحن قد جربنا فى السفليات ان المادة الغليظة ابطأ حرکة اذا تحرکت من المادة الرقيقة کما ترى من اسرعية حرکة الماء اذا حرکته بالنسبة الى التراب و اسرعية حرکة الهواء بالنسبة الى الماء و اسرعية حرکة النار بالنسبة الى الهواء و ذلک ان المادة کلما کانت الطف و ارق کانت اسرع انفعالاً لفعل الفاعل فالمادة الرقيقة اسرع تحرکاً اذا حرکها محرک البتة و محرک الافلاک اى شىء کان يحرکها و هى مع عظمها تکون اسرع حرکة من العناصر و انما ذلک لان مدارها اضعاف مدار العناصر فى السعة اذا تحرکت فمن ذلک عرفنا ان مادة الافلاک ارق من مواد العناصر و شفافتها اکثر من شفافة العناصر.

فعلى فرض حرکة الارض و العناصر حرکة سنوية لو قيس مدارها بمدار زحل او المريخ لعرف ان مدارهما اوسع من مدار الارض بما لايحصى و مع‌ذلک يقطعان مدارهما فى مدة لو قيست حرکتهما بحرکة العناصر على فرض تسليمها لوجدت حرکتهما اسرع البتة فسرعة حرکتهما دليل على سرعة انفعالهما و سرعة انفعالهما دليل على ارقية مادتهما و صورتهما فاذا ثبت ارقية مادة الافلاک من العناصر فلتکن حيزهما على خلاف حيز الارض الذى کان اسفل فحيزها بهذا اللحاظ اعلى من حيز النار و نحن لانريد بالاعلى الا ذلک و کذلک کل فلک هو اوسع و ارق بالنسبة الى ما هو اضيق و اغلظ فجهة الافلاک اعلى و جهة الارض اسفل فالارض اسفل من الکل و اوسع الافلاک اعلى من الکل و لانريد الان غير اثبات ذلک. فما شک القوم فيه من کون الارض اسفل و الافلاک اعلى ليس فى محله و لايخفى ذلک على من له ادنى مسکة و ما زعموا ان کون الارض اسفل الامکنة غير مبرهن عليه و غير ثابت خطأ کما تبين فان مناط الاسفل و الاعلى رقة المادة و غلظتها.

و قد تبين ان مادة الارض اغلظ المواد فهى

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 211 *»

اسفل من الکل من جميع الجهات و الافلاک اعلى و لانريد من الاعلى و الاسفل الا ذلک و ما زعموا ان الاعلى و الاسفل بالنسبة الينا لا بالنسبة الى طبايعها خطاء محض فان الرقة و الغلظة من طبايعها و اينما يکون الرقيق هو اعلى و اينما يکون الغليظ هو اسفل و لا نزاع فى اللفظ و انما النزاع فى المعنى و قد ظهر کون الافلاک ارق و کون حيزها غير حيز الارض و کل کثيف يميل الى حيز الکثيف اذا خلى و طبعه و کل لطيف يميل الى حيز اللطيف اذا خلى و طبعه من جميع الجهات و الکثيف اخس و ادنى من اللطيف و اللطيف اشرف و اعلى من الکثيف و قد سمينا مثل هذا الکثيف اسفل من جميع الجهات و مثل ذلک اللطيف اعلى من جميع الجهات هذا و نحن صار رؤسنا اعلى و ارجلنا اسفل لاجل کثافة الارجل و لطافة الرؤس و يصعد ارواحنا الى جانب الرؤس و اثقالنا الى جانب الارجل فالارض بمنزلة رجل الانسان و العالم و السماء بمنزلة رأس الانسان و العالم فالسماء فى التسمية اعلى و الارض فى التسمية اسفل و الثقال تنزل الى جانب الارض و الخفاف تصعد الى جانب السماء و هذا هو الذى نريد اثباته لا غير و لا نزاع فى کلمات الاسماء.

فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و تفکر و اعتبر ان السماء اعلى العالم و الارض اسفل و قد سمينا هذا الاسفل من کل جانب بمرکز العالم و لا مشاحة فى التسمية فتدبر هذا و القوم لا برهان لهم على دعواهم و انما هم فى شک من معرفة الواقع و ليس للشاک حجة على العالم و هم ينادون انفسهم بالشک و محض التخيل و عدم البرهان راجع کتبهم تجد ما ذکرناه مصرحاً به و يأتيک ان‌شاء‌الله لزوم تساوى بعد سطوح الافلاک من کل جانب عن الارض ليتحقق لک مرکزية الارض لها فترقب.

اصـــل: وجود الابعاد و المکان من غير مادة شاغلة له محال فى عالم الاجسام و فوقها و ذلک ان الابعاد اما يقال انها لا شىء محض و ممتنع صرف فلا ابعاد و لا تمايز بين الطول و العرض و العمق حينئذ فان الممتنعات المحضة لايعقل تعددها و تمايزها و قولى الممتنعات محض لفظ تعبيراً عما فى القلب و سوقاً للکلام و الا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 212 *»

فکما لا حقيقة لها لا اسم لها و کذلک العدم لايحصر بين الوجودين و ليس له مسافة و اجزاء قريبة من هذا و اجزاء قريبة من هذا و تمايز بين الاجزاء فان جميع ذلک اعراض و صفات تحتاج الى محل و مادة تتلبس بها و العدم المحض ليس بمادة و لايقبل العرض و التمايز و الاوصاف و لاتتصف و الاعراض لاتقوم بلا مادة فمحال ان‌يکون بين جسمين خلاء على معنى العدم. و اما يقال انها شىء فان کانت شيئاً فلايخلو اما هو جوهر قائم بنفسه و اما هو عرض قائم بمحل فان کان جوهراً قائماً بنفسه فهو اذا مادة مستقلة و هو ينقض زعمهم الخلاء عن المادة و ان کان عرضاً قائماً بمحل فلا قوام له الا بمادة يعرض عليها فلا خلاء سواء ذلک فى خلل الاجسام او فوقها فلايوجد بعد الا لمادة هو قائم بها البتة.

و المادة التى لها ابعاد جسم فاذا فوق العناصر الى حيث ينتهى النظر ملاء من الاجسام رقيقة کانت او غليظة لطيفة کانت او کثيفة فبين النار و القمر جسم و بين القمر و عطارد جسم و بين عطارد و زهرة و بينها و بين الشمس و هکذا الى فلک البروج جسم و لا شک ان الکواکب السيارة اجسام و لايعقل سيرها فى الخلاء لما يأتى فساير المواضع التى لانرى فيها کوکباً ايضاً اجسام لطيفة شفافة و قد احدق بالعناصر اجسام الى فلک البروج ليس موضع منها خلواً من الاجسام البتة.

و ما زعموا من انه يمکن افراغ الوعاء من الهواء بالآلات الماصة له مثلاً فذلک باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و غاية ما يحصل منها ترقيق الهواء فانه جسم يقبل التلزز و الترقق فاذا ادخلوا الهواء على هواء فيه تلزز ما فيه من الهواء و اذا مصوا بعض هوائه ترقق و ذلک بعد ما يظنون انه خلى عن جسم الهواء و نسألهم هل يبقى بعد ذلک ابعاد جوفه ام لا؟ لا سبيل لهم الى انکار بقاء الابعاد، فنسألهم هل هو جوهر ام عرض؟ فان قالوا انها جوهر و لايقول به عاقل فلم‌يخل عن الجوهر و المادة الجسمانية و ان قالوا انها عرض فکيف تحقق العرض بلا جوهر هذا و ليس الابعاد الا نهايات المادة و اطرافها فما لم‌يکن مادة لايکون نهايات و اطراف فلايعقل خلو وعاء عن الهواء. و ان حفظت ذلک عرفت ان دليلهم المنارى الآتى نفخ فى غير ضرام و محض ادعاء لا اصل له.

و اما فوق عالم الاجسام فعلمه من مشکلات العلوم و ذلک ان الفلک الاعلى جسم البتة و الجسم متناه البتة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 213 *»

بدليله المقرر من دليل السلم او الترس و هو محقق فى محله لا شک فيه فله محدب ينتهى اليه البتة و ان کان لايعلم تحديد ثخنه و حجمه الا ان العقل يشهد بأن له محدباً ينتهى اليه و هو طرف مادته و نهايتها فهل فوق محدبه شىء ام لا؟ فان کان فوقه شىء هل هو جسم فننقل الکلام اليه و لابد للاجسام ان‌تنتهى کما هو مقرر فى محله او غير جسم و الجسم لايعقل ان‌ينتهى الى غير جسم من نفس او عقل او روح و امثالها فان الجسم اذا انقطع الى مقطع و کان وراءه شىء انقطع دونه و ماسه لکان له طرف و نهاية کطرف الجسم و نهايته و کان له اجزاء قريبة من حد الجسم و اجزاء بعيدة فيحصل له ابعاد کابعاد الجسم فلا جرم يکون مادته کمادة الجسم حتى تلبس بصورة کصورة الجسم و ما کان مادته کمادة الجسم و صورته کصورته هو جسم فانتقض الفرض فلايمکن ان‌يکون وراء منتهى الجسم شىء لا جسم و لا غير جسم فيکون و لا شىء وراءه ابداً لا جوهر و لا عرض و لا مکان و لا مسافة و بعد و انما المکان يتناهى هناک بانتهاء الجسم و کذا الابعاد فانها من لوازم الاجسام و قد انتهى الجسم هنالک فلا فراغ و لا فضاء وراءه.

و ان قلت فعلى ذلک قد انحد العدم بانحداد الجسم و حصل له طرف ماس طرف الجسم فان فى عرصة الجسم وجوداً و ما وراءه عدم فتناهى العدم الى منتهى الوجود فاذا هو شىء محدود، قلت ليس کذلک و لا انحد العدم بانحداد الجسم و لم‌يمس طرفه فان العدم ليس بشىء حتى ينحد و يماس فالجسم تناهى الى طرفه ولکن العدم لم‌يتناه الى طرف الجسم فانه ليس بشىء حتى يتناهى و التناهى فرض يحتاج الى محل و مادة و العدم ليس له مادة فليس له تناه و انما الباعث على الاستبعاد انک تتصور العدم فراغاً کالفضاء و الفضاء جسم و ليس کرة الاجسام فى جوف العدم اذ ليس للعدم المحض جوف و کل ذلک صفة الاجسام و العدم ليس بشىء و صفات الاجسام کلها تنتهى حيث ينتهى الجسم فليس له وراء فان الورائية صفة مادة و لا مادة.

و ان قلت فان لم‌يکن للجسم وراء فاذا هو غير متناه، قلت ان نهاية الشىء عرضه لا مادة و عرض الشىء لازم مادته و نهاية الجسم لازمة مادته و هى موجودة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 214 *»

و نهايتها طرفها و العدم ليس بعرض الجسم ولا بعرض لمادة اخرى و ليس بنفسه مادة لها عرض فوراء العرش لا شىء محض فليس وراء العرش اجزاء جوهرية او عرضية قريبة من العرش و اجزاء بعيدة منه و ليس مسافة اذ جميع ذلک من صفات الاجسام و انت بعد ما اقررت بانتهاء الجسم يلزمک ان لاتثبت صفاته لورائه و لا وراء و هذا المطلب ان‌شاء‌الله لا غبرة عليه عند العاقل. فاذا بطل الخلاء جملة ثبت انه يکون ما فوقنا الى حيث ينتهى الجسم ملاء.

و اما وعدناه من عدم امکان السير فى الخلاء فبيانه ان الساير فى مسير لابد و ان‌يفارق جزءاً و يقارن جزءاً حتى يتحقق السير و ما له جزءان ممتازان يمکن التباعد من واحد و التقارب من آخر شىء موجود لان هذه الخصال اعراض لاتقوم الا بمحل و مادة فاذا محل السير يکون شيئاً بل جسماً لان هذه الخصال خصال الاجسام. و ان قلت فعلى ذلک کيف يجوز ان‌يتحرک الفلک الاعلى فى الخلاء، قلت انه يتحرک فى نفسه و هى وجود لا فى الخلاء و ليس يفارق جزء مخصوص منه جزءاً من الخلاء و يقارن جزءاً و قد ذکرنا انه ليس فى جوف العدم و ليس مکان وجوده بعدم فليس يسير فى العدم و انما يسير فى الوجود فى نفسه فى مکان وجودى و الجزء المخصوص منه يقارن مکاناً و يفارق مکاناً و ليس لاجزاء سطحه مقابلة و مقارنة مع اجزاء وراءه بوجه من الوجوه فذلک على خلاف ما فرضنا من کون عدم و خلاء بين جسمين بعيدين يسير فيه ساير و ابطلناه فان القائل بهذا القول يزعم بين حائطين مثلاً خلاء يمکن السير من حائط الى حائط فابطلنا ذلک بانه اذا فارق الحائط الاول و سار الى الحائط الثانى يکون فى کل آن فى جزء من هذه المسافة فيتحقق لهذه المسافة اجزاء و ابعاد و ذلک من خصال الجسم بل نقول لايمکن ان‌يکون بين کرتين خلاء محض لانا لو فرضنا ان‌يسير ساير و يصعد صاعد من الاسفل الى الاعلى هل يبعد من الکرة السفلى و يقرب من العليا ام لا؟ لا سبيل له الى الانکار فان کان يبعد عن السفلى و يقرب من العليا و يمکن ان‌يصل الى العليا فبينهما اجزاء و تمايز و ابعاد و ذلک من خصال الاجسام کما عرفت هذا و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 215 *»

نقول هل بين الکرتين بون و بعد ام لا؟ فان لم‌يکن بون فهما ملتصقتان و ان کان بون فهو من خصال الاجسام و عرض جسمانى لايقوم الا بمادة جسمانية.

فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان من فوق الهواء الى منتهى الفلک الاعلى ملاء من الاجسام و قد قدمنا انها اجسام لها مواد رقيقة حتى قبلت الصورة الرقيقة الشافة و ليس فيها کثافة و کلما کان الجسم المتحرک الاسرع اعلى کان الطف و ارق و اشف فاحفظ هذه المقدمات لتفوز بالحق فيما بعد.

اصـــل: ان الجسم بنفسه لايجوز ان‌يتحرک و ينتقل من غير ان‌يحرکه شىء ما، اعلم ان الجسم من حيث انه جسم کما عرفت له مادة نوعية و صورة مقومة بها يکون الجسم جسماً و قد عرفت ان الصورة النوعية المقومة امکان الصور الفعلية المتممة و من اجل ذلک يمکن ان يطرأ عليها متممات عديدة متضادة فلو لم‌يکن صورته المقومة امکان تلک الصور و قوتها لکانت فعلية بعضها فاذا کان فعلية بعضها لکان يعدم الجسم اذا ذهب تلک الفعلية و جاء اخرى کما يعدم الکوز اذا ذهب صورته و جاء صورة اللبنة فاذا وجدنا مسمى يطرؤ عليه متممات متضادة و يصدق الاسم مع ذلک عليه بلاتفاوت علمنا ان مقومة ذلک المسمى امکان هذه المتممات و بتعاقبها لايخرج عن تلک الصورة الامکانية کما انک اذا صنعت الطين کوزاً تسميه طيناً و اذا کسرته و صنعته لبنة تسميه طيناً و اذا کسرتها و صنعته کأساً تسميه طيناً فمن ذلک عرفت ان الصورة الطينية امکان هذه الصور و لايخرج بتعاقب هذه الصور عن الطينية فالصورة الطينية مقومة الطين اى بها يکون الطين طيناً بخلاف صورة الکوز فان الطين ليس بها طيناً فان اللبنة طين و ليس صورته صورة الکوز.

فاذا عرفت هذه المقدمة فنقول ان الحرکة و السکون من متممات الجسم و ليسا من مقومته فان الجسم جسم سواء تحرک او سکن بالبداهة فالصورة الجسمية التى بها الجسم جسم امکان الحرکة و السکون فالجسم يمکن ان‌يتحرک و يمکن ان‌يسکن و کلاهما بالنسبة اليه على حد سواء و ليس الجسم حال کونه متحرکاً

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 216 *»

اولى بالجسمية من حال کونه ساکناً و بالعکس فهما فيه بالقوة اى معدومان و متشاکلان فان ذلک معنى القوة کما ان الالف و الباء فى المداد معدومتان لا تمايز بينهما فيه و ليس باحدهما اولى من الاخر و هو صالح للتشکل بالالف کما انه صالح للتشکل بالباء فاذا صار الجسم بما هو جسم صالحاً لأن‌يتحرک و صالحاً لأن‌يسکن فلايجوز ان‌يتحرک الجسم من لدن نفسه و يختار الحرکة لنفسه دون السکون او السکون دون الحرکة من غير مرجح من الخارج فان طباع الجسم بالنسبة اليهما على حد سواء و لايقتضى من حيث انه جسم الا امکانهما معاً فلايکون مادام هو هو و لايقتضى مادام هو هو الا ان‌يکون ممکن الحرکة و السکون لا متحرکاً و لا ساکناً اللهم الا ان‌يأتى شىء آخر و يرجح احد طرفى امکانه و يکمله و يقويه حتى يظهر و يخرج الى عرصة الفعلية کما بيناه سابقاً.

و هذا بعينه علة احتياج کل ممکن الى صانع و لايمکن ان‌يحدث اقتضاء الحرکة فى ذات الجسم من غير محدث فان الحادث من غير محدث محال و المعدوم المحض لايعقل ان‌يوجد بنفسه و ليس نفسه بمحدثة اقتضاء لنفسها فان الشىء حين هو على حال لايقتضى الا ان يکون على ذلک الحال فهو لايحدث لنفسه حالة اخرى ليست فيه و لايقتضيها فاقتضاء الحرکة ان کان من ذاتيات الجسم فهو متحرک و مقومته التحرک و لايجوز ان‌يسکن و ان لم‌يکن من ذاتياته فهو عرض فهو ايضاً من الفعليات التى کانت ممکنة فيه و ننقل الکلام اليه فان قلت انه حدث فيه اقتضاء آخر ننقل الکلام اليه و التسلسل کلام غير العاقل. فلايعقل ان‌يحدث فى الجسم اقتضاء بنفسه او يحدثه الجسم لنفسه فيقتضى به الحرکة فيتحرک فلابد من ان‌يکون له محرک خارجى يقوى بقوته احد شقّى امکانه و يخرجه من القوة الى الفعلية و من الامکان الى الکون و ذلک حکم عقلى لا شک فيه و لا ريب يعتريه. فلايتحرک جسم بنفسه ابداً ما لم‌يحرکه محرک ما. و اما صفة تکميل المکمل فهو فى علم اعلى ليس هىٰهنا موضع بيانه.

فتبين لکل ناظر بصير و عاقل خبير ان الجسم بما هو جسم يمکن ان‌يتحرک و يمکن ان‌يسکن و ان کان جسم لم‌تر سکونه او لم‌تر حرکته فمحض

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 217 *»

کونه تحت جسم صادق عليه و على غيره کاف فى امکان تحرکه و سکونه فاذا امکن تحرکه و سکونه و کان ذلک الامکان مقومته ثبت ان الحرکة و السکون من فعلياته الخارجة عن قوته بتکميل مکمل خارجى اى بمحرک او بمسکن و کما ان الحرکة لايمکن ان‌توجد له الا بمحرک کذلک يکون السکون و ليس ان الجسم ساکن بنفسه لولا محرک فان السکون ليس بمقومة الجسم فان المتحرک ايضاً جسم فالسکون ايضاً امر وجودى فعلى لابد و ان‌يخرج من القوة بمسکن فقد اخطأ من زعم ان السکون عدم الحرکة و لايحتاج الى سبب فافهم و تثبت على الحق و خذه مقدمة اخرى لما سيأتيک من البيان فالاجسام المتحرکة لها محرک غيرها کائناً ما کان و الاجسام الساکنة لها مسکن غيرها کائناً ما کان.

اصــــل: قد قسم الحکماء الذين لايعرفون الا ظواهر الامور و هم عن البواطن غافلون الحرکة باعتبار الى طبيعية و الى نفسانية و ذلک انهم وجدوا بعض الاشياء يتحرک الى حيزه من غير نفس له کحرکة الحجر اذا خلى و طبعه من الاعلى الى الاسفل و حرکة الهواء من اسفل الماء الى الاعلى و بعضها يتحرک بنفس غير ظاهر الجسم و هذه الحرکة اما ارادية کحرکة الحيوانية او غير ارادية کحرکة النبات الى الاطراف و زعموا ان الحرکة اذا کانت بسبب خارجى على خلاف ميل طبع المتحرک فهى قسرية کحرکة الحجر بسبب رميک الى الاعلى و انما قسموا هذا التقسيم بمحض النظر الى ظواهر الاشياء و هو تقسيم خال عن التحقيق. و ذلک انا قلنا ان الجسم بما هو جسم يمکن ان‌يکون متحرکاً و يمکن ان‌يکون ساکناً و ليست الحرکة و لا السکون من ذاتيات الجسم فذات الجسم مرکبة من مادة هى الجوهر الغليظ المذکور و صورة هى صلوح‌ الصور‌ المتممة من الابعاد المذکورة و الحرکة و السکون و غيرها و الحرکة و السکون من فعليات الجسم و صورة الشخصية المتممة کالابعاد فلايخرج شىء من الحرکة و السکون الى الفعلية الا بمرجح مکمل خارجى کما لايخرج شىء من الابعاد من القوة الى الفعلية الا بمرجح مکمل خارجى فکما ان الطين بنفسه لايصير على هيئة الکوز کذلک ليس

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 218 *»

يعقل ان‌يتحرک بنفسه و لا ان‌يسکن بنفسه حرفاً بحرف.

فما زعموه فى بعض الاشياء من الحرکة الطبيعية هو من قصور باعهم فى معرفة حقايق الاشياء. فالحجر الذى يمکن فى ذاته ان‌يتحرک و ان‌يسکن کيف يکون الباعث على حرکته الى الاسفل اذا خلى و طبعه من نفسه و ليس الحرکة من مقومته و انما هى من فعلية التى هى فى کونه حجراً غير متعينة و لا موجودة و کيف يعقل ان‌يوجد حجريته التى يکون الحرکة و السکون بالنسبة اليها على حد سواء و لا مرجح من نفسه الحرکة لنفسه دون السکون ما لم‌يکمل تحرکه شىء آخر خارج عنه ليس يساوى فيه الحرکة و السکون فلابد و ان‌يکون للحجر النازل محرک من غير نفسه مکمل له بفضل کماله و بفضل فعليته. فمن اجل ذلک انکرنا نحن الحرکة الطبيعية و السکون الطبيعى للاشياء هذا. و هم يزعمون ان الطبيعة هى الصورة التى للشىء و بها يکون هو هو و قد عرفت ان صورة‌ الجسم امکان الصور الشخصية الفعلية و هو لايقتضى احد الاشخاص الممکنة کما ان المداد الذى صورته امکان الحروف لايقتضى خصوصية الالف دون باء فکيف يقتضى صورة الحجر التى هى امکان الحرکة و السکون الحرکة دون السکون من دون سبب خارجى.

فان قيل ان صورته الثقل و الثقل يقتضى الحرکة الى الاسفل اذا خلى و طبعه، قلت هذا مصادرة فان الشىء الثقيل لايخلو اما يمکن ان‌يسکن کما يمکن ان‌يتحرک و اما لا، فان کان لايمکن فکيف يسکن الحجر حين يسکن و ان کان يمکن فلانسلم انه يقتضى الحرکة الى الاسفل و لو کان بذاتيته يقتضى الحرکة فهى مقومته ففى حال السکون ليس بحجر و کذلک يمکن فى حقه من حيث انه حجر ان‌يصعد کما يمکن ان‌ينزل ام لا فان کان لايمکن ان‌يصعد فکيف يصعد اذا رميته و ان کان يمکن فليست الحرکة الى الاسفل مقومته. و ان قلت ان صعوده و سکونه بالقسر، قلت ان القسر اول الکلام و نحن لانقول بامکان القسر ما لم‌يکن فى قوته ذلک کما سيأتيک القول فيه.

و ان قلت فما وجه حرکة العناصر و الجمادات الى حيزاتها و لانرى لها محرکاً بحسب الظاهر؟ قلت ان محرک الجسم کائناً ما کان هو النفس المهيمنة عليه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 219 *»

سواء کان النفس کامنة فى نفس ذلک الجسم او فى غير ذلک الجسم فان کانت کامنة فى نفسه فانها تحرکه من غير سبب خارجى کما يحرک نفس الانسان و الحيوان اجسامهما من غير سبب خارجى و ان کانت کامنة فى غيره فانها تحرک الغير حتى يتحرک فاذا اتصل به جسم لا نفس له يتحرک بتکميل ذلک المکمل ما فيه من قوة الحرکة کما ان لک نفساً محرکة ليدک فاذا حرکت يدک و تحرکت و قويت بالحرکة و قارنها حجر مثلاً و اتصل بها تحرک الحجر بفضل حرکة ‌يدک و تکميلها له او تحرک يدک شيئاً و يحرک ذلک الشىء شيئاً آخر و هکذا اشياء عديدة و يحرک ذلک الشىء الآخر الحجر مثلاً فهذه الوسائط و ان لم‌يکن لها نفس الا انها تتکمل بفضل حرکة يدک و سيأتيک الکلام فى حرکة النفس عن قريب و فيه تمام هذا الکلام.

فتبين و ظهر لمن انصف و اعتبر ان الحرکة الطبيعية کلام قشرى لا حقيقة له و انما يعلمون القائلون بالحرکة الطبيعية ظاهراً من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون. و اما الحرکة النفسانية فهى حق لا شبهة فيه و لا ريب يعتريه و قد حقق فى العلم الالهى ان النفس رتبتها اعلى من رتبة الاجسام و هى من عالم الملکوت و هى صورة عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلى لها ربها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقى فى هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فهى بنفسها فعلية محضة کاملة فى مقامها و هى فى وراء عالم الاجسام کما حققناه فى محله فاذا تعلقت بجسم تظهر افعالها فيه على حسب قابلية الجسم و خصوصياته و اصباغه و اشکاله کما ان الروح الحيوانية دراکة بنفسها دراکية مبهمة مطلقة فاذا ظهرت فى الجسم و تعلقت به ظهر ادراکه فى العين بالبصر و فى الاذن بالسمع و فى الانف بالشم و فى اللسان بالذوق و فى الاعضاء باللمس و کذلک هى فعالة مطلقة فاذا ظهر فعلها فى اللسان ظهر بالنطق و اذا ظهر فى اليد ظهر بالقبض و البسط و اذا ظهر فى الرجل ظهر بالمشى و هکذا و کذلک النفس فعالة مطلقة فاذا ظهرت فى الجسم ظهرت على حسب الجسم و على حسب صفائه و کدورته و لونه و شکله و غير ذلک من حدوده فاذا ظهرت مثلاً فى الجسم البسيط الکروى ظهرت بالحرکة المستديرة او

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 220 *»

فى غير الکروى ظهرت على حسبه.

فالمحرک للجسم هو النفس المهيمنة‌ عليه و هى من عالم الملکوت و هى فعالة بالفعل على الاطلاق و يظهر فعاليتها فى الاجسام على حسب الاجسام فکل جسم تحرک بلا محرک خارجى فحرکته من نفسه الملکوتية الکامنة فيه و کل جسم تحرک بمحرک خارجى فذلک المحرک الخارجى ان کان متحرکاً من دون محرک آخر خارجى فهو يتحرک بتحريک نفسه ثم اذا کمل و بلغ فى الحرکة و قوى حرک غيره و ان کان محرکه من خارج فمحرکه کذلک او محرک محرکه الى ان ينتهى الى محرک له نفس ملکوتية فالسبب الحادث فى التحريک بل و فى التسکين فان التسکين ايضاً حرکة بالمعنى الاعم و لذا تقول سکنه و تصيغ من السکون فعلاً و تقول سکن الشىء و تسکن و کل ذلک افعال و الفعل حرکة ايجادية کما حقق فى محله. فالسبب الحادث فى التحريک المطلق هو النفس.

و لو کان لک دقة و ضرس قاطع فى العلم لقلت لک ان النفس ايضاً لا حرکة لها من تلقاء نفسها و انما الحرکة و کل الحرکة و تمام الحرکة لله سبحانه بمشيته و ارادته الا ان النفس لطيفة شديدة المطاوعة و هى قد طاوعت ربها حتى اعتدلت مزاجها و فارقت الاضداد و شابهت مشية الله سبحانه کما يأتيک البيان بلغة طبيعية فلذلک صارت فعالة بالفعل کما ان ربها يفعل ما يشاء بقدرته و يحکم ما يريد بعزته. فلما کملت فى الفعالية حتى صارت فعالة بالفعل على نحو الکمال صارت تحرک کل‌ما يقارنها فاذا قارنها جسم و تعلقت به ظهر آثار حرکتها فيه على حسبه و تشعبت حرکتها فيه و تکثرت اذا کان متکثراً و ظهرت بصور مختلفة کما مثلناه لک ان فهمت. فلا محرک فى الوجود الا الله سبحانه و لايتحرک شىء من محله و مقامه الا بمشيته سبحانه وارادته و قدره و قضائه و امضائه و اذنه و اجله و کتابه و لو کان لک مسکة علم لشرحت لک شرحاً تشاهد تحريک الله سبحانه فى کل شىء و انه المحرک وحده لا شريک له هذا و ذلک من العلم الالهى فالذى نحتاج اليه فى هذا المقام منه هو انه لاتحريک الا للنفوس و سيأتيک ان حرکتها کيف تظهر فى الاجسام على انواع مختلفة ان‌شاء‌الله.

و اما الحرکة القسرية التى زعموها فذلک ايضاً کلام قشرى لاينبئ عن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 221 *»

حقيقة فان الشىء لايخلو اما ان‌يکون الحرکة فيه ممکنة مادام هو هو يعنى صورته المقومة صلوح الحرکة او لاتکون فيه ممکنة فان کان لايمکن فيه الحرکة مادام هو هو فالقاسر لايقدر على تحريکه و هو هو حافظ لصورته الا ان‌يغيره عن کيانه و يجعله غير هو هو فاذا لم‌يتحرک ذلک الشىء و انما عدم و خلق غيره فتحرک ذلک الغير کما ان الماء مثلاً لايمکن مادام هو هو ان‌يکون سيفاً مثلاً الا ان‌يجمد فيستحيل الى الحديدية فيصير حديداً فيصير الحديد سيفاً فحينئذ ليس ان الماء صار سيفاً و هو هو و انما عدم الماء و بطل صورته المائية التى بها يکون الماء ماء و رد الى امکان الماء و الحديد فخلق حديد ابتداء و جعل الحديد سيفاً. ألاترى ان الالف لايمکن ان‌تصير باء مادامت هى الفاً ولکن اذا ردت الى المداد و بطلت صورتها و عدمت فصارت مداداً يستوى فيه الالف و الباء ثم کتب المداد الذى هو عدم الالف باء فحينئذ کانت باء ابتدائية‌ فان الباء الابتدائية هى حصة من المداد الصالح لايکون الفاً و باء فليس حينئذ ان الالف محفوظة الصورة و الوجود صارت باء افهم ما اقوله لک فانه دقيق.

فالذى لايمکن فى حقه من حيث هو هو ان‌يتحرک لايمکن ان‌يتحرک بقاسر و هو هو الا ان‌يرد الى الامکان فيعود متحرکاً ابتدائياً و ان کان يمکن فى حقه ان‌يتحرک و هو هو فالحرکة کانت ممکنة فيه و صورته المقومة التى بها هو هو کانت امکان الحرکة و صلوحها فاذا حرکه محرک ليس انه قسره على الحرکة و حمله على ما لم‌يکن فيه فاذا کان مثل ذلک قسراً فجميع ما خلق الله مقسور على صفته و ما جعل عليه و لايقول به عاقل. فالشىء الذى يمکن ان‌يتحرک و صورته التى بها هو هو صلوح الحرکة اذا حرکه محرک فقد قوى القوة التى کانت فيه و کملها حتى اخرجها من الکمون الى الظهور و لذا قيل ان الحکمة ابراز ما قد کمن لا ايجاد ما لم‌يکن. فالحجر الذى ترميه الى فوق اذا صعد صعد و هو حجر و نزل و هو حجر و ليس اذا رميته الى فوق خرج من کونه حجراً. فتبين ان صلوح الحرکة الصعودية مما به الحجر حجر کالحرکة ‌النزولية بل و السکون فاذا صعدته قويت ما فيه من قوة الصعود و اذا نزل قوى منزله ـــ الذى سنذکره ـــ ما فيه من قوة النزول و اذا سکن قوى مسکنه ـــ الذى سنذکره ـــ ما فيه من قوة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 222 *»

السکون فليس صعوده و لا سکونه من القاسر کما بينا و شرحنا و اوضحنا لمن کان له ادنى مسکة.

اصــــل: اذا علمت ان المحرک للجسم لايکون الا النفس و علمت انها فى الغيب و الملکوت و ليست من الجسمانيات فان ما کان من الجسمانيات يجرى عليه حکمها و يکون کساير الاجسام مما ينبغى ان‌يتحرک بمحرک آخر مهيمن عليه، فاعلم ان الجسم اما کثيف غاسق غليظ و اما لطيف شفاف رقيق فالجسم الکثيف هو الذى يحجب ما وراءه من انوار النفس الغيبية فلايظهر عليه صفتها و آثارها و اما الجسم الرقيق اللطيف فهو الذى لايحجب ما وراءه من انوار النفس و آثارها فمهما غلظ الجسم و کثف حجب ما وراءه من انوار النفس و مهما رق و لطف حکى عما وراءه.

و ذلک کما تشاهد من امر النطفة فمهما تکن غليظة کدرة تحجب انوار النفس فلاتکون حية دراکة متحرکة و هکذا اذا صارت علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم کسيت لحماً و صارت بدناً ولکن اذا تمت اعضاؤه و اتصلت و جرى الدم من سرته الى معدته و صارت کيلوساً و ميزت المميزة بين صافيه و کدره و طراطيره الجسمانية و جذبت الکبد صافيه اليها و جعلته کيموساً و ميزت بين طراطيره الطبيعية و صافيه فجذب الصافى القلب بقوة حرارته ثم بخرته الحرارة ‌الغريزية حتى صار بخاراً لطيفاً شفافاً براقاً مرکباً من خمسة اجزاء جزء من الحرارة و جزء من البرودة و جزء من اليبوسة و جزئين من الرطوبة حکى عما وراءه من سر الروح و الحيوة فحيى فتحرک بالقبض و البسط فاذا صعد ذلک البخار الى دماغه و اعصابه و صار الطف و ارق صار يتحرک بالحرکات المختلفة و حصلت له اللامسة و الباصرة و غيرها من المشاعر حتى اذا خرج ادرک الاشياء و احس باللذات و الآلام و تحرک بحرکات مختلفة و کلما عاش و ارتاض روحه و لطف و رق و قل رطوباته قويت مشاعره و تميزه و حرکاته حتى صار يعقل عن المعانى الدقيقة و الکليات المعنوية و ظهر عليه آثار النفس. و هل ذلک الا لاجل رقة الروح البخارى و شفافيته و هل عدم ادراک النطفة و عدم حرکتها الا لاجل غلظتها و کذلک ساير

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 223 *»

الاعضاء الغليظة بعد مفارقة الروح البخارية اللطيفة تخر ميتة لا حراک لها و لا شعور و هل ذلک الا بانقطاع السبب بينها و بين الروح الغيبية من الروح البخارية؟ فاذا انقطع ذلک الجسم الرقيق الشفاف الحاکى لما وراءه من سر الروح الملکوتية و النفس بقيت الاعضاء بلا حراک و لا شعور. و انما ذلک لاجل ان الجسم الشفاف يشف عما وراءه و الکثيف لايشف و هذه الشفافة لها حد معلوم و هو الغاية التى تناسب النفس.

و ليس کل شاف يحکى عما وراءه من النفس ألاترى ان الشفافة لها مراتب فادنى مراتب الشفافة يحکى عن شىء غليظ کدر وراءه کالقرطاس الرقيق مثلاً و لايحکى عن الاشياء اللطيفة و کلما يکثر الشفافة يزيد فى ايضاح ما وراءه حتى انه يحکى عن الاشياء الدقيقة‌ التى وراءها فکذلک من مراتب الشفافة ما لايتجاوز عن حکاية الاجسام کشفافة الماء و الهواء و منها ما يتجاوز و يحکى عن الروح الغيبية ايضاً کالروح البخارية. و لهذه العناصر طراطير مانعة عن حکاية الروح کما ترى من ان الطبع اذا ورد المرکب منها عليه يميز طراطيره و يخرجها من طرقها و يستخلص الروح البخارية منه و لو کان العناصر لا طراطير لها لکان المرکب عنها بلا طراطير فان المرکب من الصوافى صوافى کما حقق فى علم الفلسفة فلاجل ذلک لايشف العناصر عما وراءها من الروح الغيبية مادام الطراطير فيها باقية فاذا صفيت حکت البتة. فتبين للناظر الخبير و المنصف البصير ان الجسم اذا اعتدل بالميزان الکمى و الکيفى و صفى و طهر عن الکثايف الحاجبة حتى رق و شف حکى عما وراءه من النفس و الا لايشف.

بقى شىء و هو انه کما سمعت من تفاوت مراتب الشفافة فى الجسمانيات و حکاية ما وراءها من الاجسام کذلک اذا صارت شفافة معتدلة بحيث حکت عما وراءها من النفس تختلف فى حکايتها للنفس فاول ذلک تحکى النفس الا انها تحکى افعالها و انوارها الغليظة و کلما ترق و تلطف اکثر تصير حکايتها لدقايق النفس و انوارها الخفية اکثر فاول ذلک انها اذا اعتدلت کماً و کيفاً حکت عن غلايظ افعال النفس و خصالها و انوارها و تسمى تلک النفس و الافعال و الانوار فى بطنها بانصباغها بغلظتها بالنفس النباتية و تظهر افعالها فى بطن نارها بالجاذبة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 224 *»

و فى بطن هوائها بالهاضمة و فى بطن مائها بالدافعة و فى بطن ترابها بالماسکة و فى بطن المرکب منها بالمربية و لما کانت الاجزاء فى النبات قليلة الايتلاف کما يشاهد فى امکان تفصيلها بآلات التفصيل على قانون الفلسفة تظهر النفس النباتية متکثرة الافعال و المربية الظاهرة فى المجموع المرکب ضعيفة التوحد و يصدر عن النفس النباتية افعال مختلفة غليظة لسر انصباغ نور النفس و فعلها فى بطن اجزائه الکدرة بالنسبة. و مثال الانصباغ ما ترى من انصباغ نور الشمس فى المرآة الکدرة بالکدورة و فى الحمراء بالحمرة و فى الصفراء بالصفرة و هکذا.

و کذلک ينصبغ افعال النفس فى بطون اجزاء النبات و تتکدر و تتغلظ فتسمى النفس الکدرة المصبوغة فيه بالنفس النباتية و الافعال المصبوغة بما ذکرنا فاذا صفت الاجزاء اکثر و زال کدورتها و اصباغها اکثر حکت عن ادق من انوار النفس و افعالها و ارق و اخفى فصارت حيواناً و سمى النفس الظاهرة فيه بالنفس الحيوانية و صارت اوحد فصارت دراکة مطلقة و فعالة مطلقة بالنسبة الى مدارک الحيوان و افعاله و انما يمتاز بصره و سمعه و ذوقه و شمه و لمسه و افعاله فى بطون الاعضاء الطبيعية النباتية. و اذا رقت و شفت اکثر من ذلک و صارت اکثر توحداً و تشاکلاً و رقة و شفافة حکت عن لطائف انوار النفس و رقايقها و خفاياها فصارت انساناً و سمى النفس الظاهرة فيها بالنفس الانسانية و صارت دراکة مطلقة و فعالة مطلقة بالنسبة الى مدارکها و افعالها و انما يمتاز متخيلته و متفکرته و متوهمته و عالمته و عاقلته و غير ذلک من مشاعره فى بطون مراتب حيوانيته.

بالجملة الغرض ان الجسم کلما صار اکثر شفافة و رقة صار احکى لدقايق النفس الغيبية و کلما کان اقل شفافة صار اقل حکاية و ان صار عديم الرقة و الشفافة صار عديم الحکاية فلاجل ذلک لاتحکى الجمادات نفساً و لايظهر عنها افعال و النبات يحکى عن انوار غليظة و يظهر عنه افعال غليظة و لذلک يسمى نفسه بالنفس الطبيعية و هى اول درجات النفس و الحيوان يحکى عن الطف منه و يسمى نفسه بالنفس الحيوانية و الانسان يحکى عن الطف منه و يسمى بالنفس الانسانية کما بينا و شرحنا و اوضحنا فاحفظ هذا الاصل فانه مهم جداً فاذا عرفت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 225 *»

هذه الاصول الاصلية التى هى ابواب لکثير من المسائل فلنشرع الآن فى الفصول و نستخرج فيها نتايج عن تلک الاصول فاحضر لبک و فهمک لتفهم ما سأذکره لک بحول الله و قوته.

 

الفصول

فى ذکر نتايج الاصول المتقدمة و بيان اظهار الحق من تلک الخيالات

فصـــل: اعلم اولاً قبل خوضنا فى الاستنتاج ان الاعتقاد ما يحصل عن ادلة قطعية و براهين بديهية منتجة لايحتمل عند محصله خلافه فى الخارج مثل ما يستدل به من وجود المصنوع على ان له صانعاً و من اتقان الصنع و کونه على نهج الحکمة و الصواب على کون صانعه حکيماً عليماً. فاذا رتب الانسان مقدمات دليله و کانت بديهية لا شبهة فيها ولا ريب يعتريها و لايحتمل خلافها استنتج النفس منها نتيجة و هى اذا ثبتت فى النفس و جزمت بها و زال عنها التردد و الريب و احتمال الخلاف فى الواقع سميت اعتقاداً و مذهباً. و اما اذا رأى اثراً و لم‌يعرف حال مؤثره و شخصية مؤثره و شک فى کون ذلک الاثر من مؤثر کذا او کذا سمى ذلک شکاً ان کان الاحتمالان متساويين، و ان کان احدهما اقوى و الآخر اضعف سمى الاحتمال الاقوى ظناً و الاخر وهماً.

توجه يا اخى الى ما اقول و تفهم عنى فان هذا القول عمدة جوابى لک. ألاترى انه اذا سمعت صوتاً من وراء جدار و رتبت البرهان على ان هذا الصوت اثر حادث لم‌يکن بالبداهة و الاثر الحادث الذى لم‌يکن لابد و ان‌يکون له مؤثر لامحالة لان الذى لم‌يکن معدوم غير متميز، فلايمکن ان‌يخرج شىء من العدم المحض الى الوجود من غير ايجاد موجد و لايعقل ان‌يکون الذى لم‌يکن موجد نفسه فله مؤثر خارجى. فتعلم على القطع و البت و الجزم الذى لا شک فيه و لا ريب يعتريه ان هذا الصوت له مصوت ما. و هذا العلم يسمى بالاعتقاد والمذهب لانک تعلم علماً قطعياً بأن علمک هذا لايخالف الواقع و الواقع لايخالف علمک فيقال انت معتقد بأن لهذا الاثر مؤثراً و جازم عليه. و اما

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 226 *»

اذا قلت يحتمل ان‌يکون مصوت هذا الصوت انساناً و قال آخر يحتمل ان‌يکون حيواناً لايقال انتما فى ذلک على مذهبين و اعتقادين فانک لا برهان لک قطعياً على ان المصوت انسان و کما يحتمل عندک انه انسان يحتمل عندک انه حيوان و کذا الذى يحتمل عنده انه حيوان يحتمل عنده انه انسان، فلست من اصحاب الاعتقاد بأنه انسان و ليس صاحبک من اصحاب القول بأنه حيوان و انتما متفقان فى الشک و التردد و احتمال الطرفين و حينئذ ليس لک ان‌تتعصب فى القول بالانسانية و ليس لصاحبک ان‌يتعصب فى القول بالحيوانية فافهم ذلک و اتقنه.

فاذا عرفت هذه المقدمة نقول ان سکنة الارض رأوا ليلاً و نهاراً و شهوراً و سنة و نزولاً للکواکب و صعوداً و استقامة و رجعة و اقامة و تقارباً و تقارناً و تباعداً و حرکة وسرعة و بطئاً و زوال نور و عود نور و غير ذلک و هذه الآثار مشهودة للکل لا شک فيها و لاريب يعتريها لکل ناظر متأمل فيها. فعلموا بالاستدلال و الفطرة ان لهذه الآثار مؤثراً و لهذه الحرکات محرکاً و جزموا على ذلک و ايقنوا عليه بلا شک و لا ارتياب و هذا اليقين هو المجمع‌عليه بين جميعهم و هو حقّ و مسلّم و اعتقاد ثابت جازم منهم. و صحّ ان‌نقول ان اعتقاد العقلاء ان لهذه الحرکات محرکاً ثم فحصوا عن معرفة المحرک لهذه المتحرکات و المؤثر لها و کيفية اظهار المؤثر هذه الآثار فصاروا فى ذلک على قسمين، فمنهم من استدل ببراهين قطعية على خصوص المؤثر و على کيفية اظهاره هذه لآثار حتى تثبتوا بعد التبين و صاروا على يقين من الامر و عرفوا المؤثر و الکيف و اللم و الکم و موصوله و مفصوله فيقال ان اعتقاد هؤلاء کذا و کذا و هم اهل اعتقاد و مذهب و قول. و منهم من قال يحتمل ان‌يکون المؤثر کذا و يحتمل ان‌يکون کذا فهؤلاء ليسوا باصحاب رأى و لا اعتقاد و لا مذهب و لا قول و انما هم اصحاب شک و ريب و تردد.

فالقسم الاول هم الحکماء الراسخون المستدلون على مؤثر هذه الآثار و صفة تأثيره و اظهاره و هم نحن و امثالنا من العلماء المستدلين بالادلة ‌البينة البديهية على ذلک کما سمعت و ستسمع ان‌شاء‌الله. و اما اصحاب الهيئة و العلوم التعليمية فهم اصحاب شک و تردد و ريب فانهم يقولون ان هذه الآثار يحتمل ان‌تظهر هکذا و تظهر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 227 *»

هکذا و لا برهان لهم به ابداً ابداً فهؤلاء ليسوا باصحاب اعتقاد و مذهب. فما تقدم منهم ان الحکماء على ثلثة مذاهب فى حرکات هذه الاجرام و سکناتها غلط باطل و مجتث زايل و ليس ذلک مذهباً لهم و هم جميعهم مقرّون معترفون مصرحون فى کتبهم ان ما يقولون تخيلات و انه لا برهان لهم بما يقولون. و لو قلت لعله هناک الف فلک بعضها فوق بعض يقولون يحتمل ذلک و لعله و لو قلت انه يحتمل ان‌تکون اقلّ مما زعمتم يقولون يحتمل ذلک. و لذلک ترى ان اصحاب ارسطوا و بطلميوس لايقدرون على نفى قول الآخرين و اصحاب فيثاغورس و افلاطون و قوفرونقوش لايقدرون على نفى قول الاولين و يقولون يحتمل ذلک و اصحاب تيقهوبراهه لايقدرون على نفى قول المتقدمين فان هؤلاء کلهم يقولون يحتمل کل ذلک. فان هؤلاء کلهم يقولون نرى هذه الآثار و يحتمل ان‌تظهر مثل هذه الآثار اذا تخيلنا عدد الافلاک کذا و حرکاتها وسکناتها کذا و يساعد هندستهم و هيئتهم و تعاليمهم کل ذلک فلا برهان لهؤلاء على اقوالهم و الاصل فى ذلک ان شأن الهندسى و اصحاب التعاليم ليس معرفة حقيقة المؤثر و صفة ايجاده الآثار و انما ذلک من اصحاب علم اعلى من علم الهيئة و التعليم و غاية حدهم معرفة الحرکات و السکنات و ضبط الهيئات و الکميات و النسب و الاشکال و امثال ذلک. فاذا حاول اولئک بقوة العلم التعليمى معرفة احوال المؤثر يخطئون خطاء فاحشاً لامحالة فانهم حاولوا ما ليس من شأنهم.

و ان قلت ان هؤلاء الحکماء الذين سميتهم کانوا اصحاب العلم الطبيعى ايضاً و ذهبوا الى ما ذهبوا بالادلة الطبيعية، قلت ان اصحاب القول بحرکة الارض مقرّون بأن ذلک تخيل منهم کما صرحوا فى عباراتهم و لم‌يقيموا دليلاً على ابطال قول ارسطو و بطلميوس و انما ذلک محض احتمال منهم و ان لم‌تصدق فراجع کتبهم او اطلب الدليل منهم على محالية خلاف ذلک و لو کان خلاف ما قاله ارسطو محالاً لماوافق الحرکات و السکنات قول فيثاغورس و قوفرونقوش و لتخالف ارصادهم و حسابهم و لو کان خلاف قول فيثاغورس محالاً لماوافق الحرکات و السکنات اختيار ارسطو و حسابه و نحن نرى ان حساب الرصدين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 228 *»

يوافق الآثار. و کذا لو کان القول الثالث محالاً لماوافق حسابه و رصده الواقع.

و مثالهم فى ذلک ان ساعياً خرج من بلد و ورد بلداً فى مدة شهر فيقول واحد يحتمل ان‌يکون قد رکب الساعى جملاً يسير کل يوم ثلثة فراسخ و ثلث فرسخ و کان بينهما مائة فرسخ. و يقول واحد يحتمل ان‌يکون قد رکب فرساً يسير کل يوم عشرين فرسخاً و کان بينهما ستمائة فرسخ. و يقول واحد يحتمل ان‌يکون قد طوى له الارض و کان يسير کل يوم ثلثة آلاف فرسخ و ثلثمائة فرسخ و ثلثة و ثلثون فرسخاً و ثلث فرسخ و کان بينهما مائة الف فرسخ و هکذا فهذه الحسبانات توافق کلها سيره من ذلک البلد الى ذلک فى شهر ولکن الکلام فى موافقة الواقع، فتوافق الحساب لاينافى عدم مطابقة الواقع اذ لعله کان بينهما فرسخ و سار کل يوم عشر ميل افهم ما اقوله لک.

و ان زعمت بسبب حسن الظن بهم انه کيف يمکن ان‌يقول مثل هذه الحکماء قولاً من غير دليل افحص فى کتبهم فان الانسان يقول احسن ما يعلم و يکتب احسن ما يقول و کتبهم منتهى علمهم فافحص فيها و انظر هل لهم دليل على حرکة الارض و محالية سکونها ام لا؟ لاتکاد تجد ابداً ابداً و ان امکنک فاسأل حکيماً من حکمائهم عن الدليل على محالية قول ارسطو و سکون الارض فانک لاتکاد تسمع منهم دليلاً اللّهم انهم يقولون يحتمل ان‌يکون کذا و ذلک ايضاً من جهة توافق الحساب لا من جهة حجة مقابل حجتهم اوجبت شکاً لهم.

و اما دليل المنارة فسنوضح لک خطاءهم فى ذلک و تسويلهم على انفسهم و تکذيب انفسهم لانفسهم ان‌شاء‌الله و غرضنا من هذا الفصل ان‌نخرج من قلبک ان هؤلاء ليسوا اصحاب مذهب و لا اعتقاد و ما قلت لک حين کونک فى کرمان انه لايقول بذلک عاقل حق صدق و ان هؤلاء لايعتقدون ذلک و لا دليل على ذلک حتى يوجب شکاً علمياً و انما هو محض تخيل تعليمى حسابى راجع عبارتهم فى السابق انه تخيل قوفرونقوش کذا و تخيل کذا حتى تصدقنى. و انت لو بقى فى قلبک شىء فانهم اذا وقع کتابى بيدهم يصدقوننى فى عدم دليل لهم على وجوب قولهم و محالية قول ارسطو و بطلميوس بل لنا قول و دليل على محالية حرکة الارض محالية طبيعية عادية کما سنبيّنه ان‌شاء‌الله ولکن طبيعة النصارى بل اغلب النصارى تميل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 229 *»

الى امر بديع و شىء جديد و ان لکل جديد لذة فاذا تنبهوا على هذا الاحتمال قووه و تعصبوا عليه و تصلبوا له و اصروا عليه ولکن الادلة الطبيعية ترفع هذا الاحتمال و ان کان الادلة ‌التعليمية لاتمنع عنه.

فصـــل: الدليل الذى يوجب الاعتقاد و البت على المطلب بعد المشاهدة و العيان هو الدليل العقلى باقسامه المقررة و اخبار الله سبحانه بعد العلم بأنه خبر صادق عن الله سبحانه و اخبار الانبياء و الرسل و حجج الله على العباد، فاذا قام مثل هذه الادلة على شىء يوجب القطع به و اما ما سوى ذلک فليس من القطع و الاعتقاد فى شىء و هو محض خرص و تخمين و الوغول فى مثل ذلک و التعصب عليه و التصلب له تضييع للعمر و محض شهوة لاظهار امر جديد و حب للشهرة کما قالوا خالف تعرف. فما اصر صاحب الکتاب فى کتابه بأن لايؤتى بدليل ينقض عليه فتله من کتب السماء و اخبار الانبياء فذلک محض وحشة عن نقض فتله و ابطال امره و الا فلا معنى لهذا الاصرار.

فان اخبر الله سبحانه الذى خلق السموات و الارض و اخبر الانبياء الذين نزلوا من السماء و صعدوا اليها عن امر فى السماء و الارض لا معنى لعدم القبول و الاصرار على الاحتمالات التى لا برهان لهم بها و لا فائدة فى الاصرار عليها. ألاترى ان الحساب و الليل و النهار و حرکات الکواکب کلها يأتى مستقيماً على حساب ارسطو و بطلميوس و قد رصدوا عليها ارصاداً و حسبوا حسابات کلها توافق الآثار الخارجية فاى فائدة فى القول بحرکة الارض و هذا الحساب الجديد الا الشهرة و شهوة الامر الجديد و تضييع العمر هذا و لاسيما اذا ابطلها الدليل العقلى و اخبار الله خالق السموات و الارض و اخبار الانبياء النازلين من السموات الصاعدين اليها. فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر انه لا فائدة فى تعصبهم على هذا الاحتمال عند العقلاء و لايفعله عاقل و اما تصديقنا لرد هذا القول السخيف فهو نصرة للدين و الکتاب و السنة و العقول السليمة و احقاق للحق و ابطال للباطل و اداء حق الاخوان السائلين عن ذلک فلا علينا ما عليهم من اللوم.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 230 *»

فصـــل: و اذ قد فرغنا من تمهيد ما يظهر للعقلاء ان ذلک التخيل ليس باعتقاد و لا مذهب و انما هو صرف تخيل نقيم الدليل القطعى على ابطال احتمالهم و انه لايحتمل ما تخيلوه ابداً و هو انه لا شک فى ان العناصر لاسيما الارض ليس لها شفافة و رقة کاشفة عما وراء عالم الاجسام من النفس المحرکة لکل جسم متحرک و انه لا حيوة لها و لا شعور ابداً ابداً و لاأظنّ ان عاقلاً يشک فى عدم حيوة الارض و الماء و الهواء و النار کيف و ما ترکب منها بل و صفى قليلاً کالنطفة لا حيوة لها و لا شعور بل و العلقة و المضغة و العظام و اللحم التى ترقت من مقام النطفة و انما هى ميتة لا حراک لها و لا شعور فانها بعد لم‌تستخلص عن شوائب الاعراض المکدرة و فيها طراطير حاجبة للنفس بالبداهة. و من عرف العلم الفلسفى او الطبيعى الحق لايکاد يخفى عليه هذا الامر. فلماکانت حاجبة لنور النفس و الجسم بنفسه کما حققنا فى الاصول ليس يتحرک بنفسه فلايجوز ان‌تتحرک العناصر بانفسها هذا.

و الارض ذات اجزاء مختلفة و لکل جزء طبيعة مخالفة للجزء الآخر فمنها اجزاء حارة و منها اجزاء باردة و منها اجزاء رطبة و منها اجزاء يابسة و هى مرکبة من العناصر البسيطة و لما يبلغ کلها المعدنية و المعدن مع کونه اصفى من الارض و اعدل لم‌يظهر فيه آثار النفس بالاتفاق و ليس بحىّ و ليس له نفس فکيف يجوز عند عاقل ان‌تتحرک الارض و تسکن الشمس التى هى الطف من الارض و ارق و اصفى و اشد حرارة ان ذلک الا قول لاينبئ عن عقل. فان اتقنت ما ذکرنا من الاصول لاتکاد لاتشک فى سکون العناصر فاذ قد تبين موت العناصر و کل حى بطل حيوته و شعوره يعود اليها و يستحيل و لا حراک لها و شعور و آثار الحرکات فى العالم موجودة فالحرکات فى الافلاک هذا و هى شفافة رقيقة صافية مستخلصة عن الطراطير و الاعراض و الغرايب کما بينّا و اوضحنا و نرى آيته فى انفسنا ان الغذاء المأکول ميت لا شعور له و لا حرکة خارجاً و حال کونه فى المعدة کيلوساً و بعد اخراج طراطيره الجسمانية‌ من طريق الامعاء و دخوله فى الکبد و فى الکبد و بعد اخراج طراطيره الثلثة من طريق المرارة و الطحال و البول و فى القلب ما لم‌يتبخر بخاراً لطيفاً و صعد عن الغلائظ الدموية فاذا تبخر بخاراً لطيفاً شفافاً صافياً

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 231 *»

مستخلصاً عن جميع الاکدار نراه يظهر فيه الحرکة و الحيوة و الشعور و الارادة و الرضا و الغضب و ان فارق ذلک البخار البدن نره يخر ميتاً لا حراک له و لا شعور و لا حيوة و لا ارادة و يتعفن و يتفسخ و يعود بعد الموت الى العناصر فيکون تراباً و ماء و هواء و ناراً علانية.

فلو تدبر متدبر فى هذا المثال الذى ارانا الله سبحانه فى انفسنا تيقن ان العناصر ميتة لا حيوة لها و لا شعور فلايعقل ان‌تکون للعناصر حرکة فاذ لم‌يبق مجال فى حرکة الارض و الليل و النهار يتعاقبان و الشمس و القمر بحسبان و الاقامة و الرجعة و الاستقامة و الصعود و النزول فى الکواکب مشهودة فالحرکة تمام الحرکة کل الحرکة من الافلاک بل الافلاک و الکواکب شاعرة دراکة حيّة حساسة لانها بشفافتها و رقتها حاکية لآثار النفس فکل کوکب يسمع و يبصر و يذوق و يشم و يلمس اذ قارنه شىء و حىّ دراک متحرک بالارادة الحيوانية بل الانسانية کما ان الروح البخارى فى بدن الانسان شاعر دراک حىّ متحرک بالارادة حرفاً بحرف کيف لا و الروح البخارى مستخلص العناصر و الفلک خالص صاف فى نفسه شفاف لطيف وحدانى الاجزاء متشاکلها.

فان قلت فما بالنا نرى ان الحجر يتحرک, قلت اما الحرکة الصعودية فهى بدفعک و تحريکک اياه بقوة حرکة روحک الحيوانى البخارى کما شرحنا و بينا او بتحریک محرک آخر و مآل حرکته الى النفس فان حرکة الروح البخارى من النفس و کذلک حرکة کل محرک. و اما نزوله فليس بطبعه کما زعموا و انما هو بقوة دافعة الافلاک فان الافلاک لصفائها و شفافتها و رقتها حاکية لفعالية النفس و لها قوة دافعة للمنافية لها بقدر منافاتها و قوة جاذبة للمناسبة بقدر مناسبتها کما ان لأعلى الشجر قوة جاذبة تجذب ما يشاکله و قوة دافعة تدفع ما ينافيه بدرجة الى ادنى بدرجة و ما ينافيه بدرجتين الى ادنی بدرجتين و ما ينافيه بثلث درجات الى ادنى بثلث درجات فاذا کان الارض جوف الفلک و له قوة دافعة من کل جانب کلما ارتفع جزؤ منها الى السماء يدفعه الفلک الى منتهى ما يمکن دفعه مثلاً اذا کان تحت الحجر الارض لايمکن دفعه ازيد لتدافع الارض من کل جانب و اما اذا کان تحته بئر يدفعه الفلک بلا مانع الى قرار البئر و اما الماء فانه يجذبه الفلک

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 232 *»

بقدر مناسبته و يدفعه بقدر منافرته و کذلک الهواء يدفعه الفلک عنه بقدر منافرته و يجذبه بقدر مناسبته و مثله النار.

و اما سر نزول الهواء فى البئر فانک اذا اخرجت تراب البئر ضاق مکان الهواء فوق الارض و دخل جوف البئر و اما سر عدم جذب الفلک هواء البئر الى الخارج لعدم امکان خلاء جوف البئر عن جسم و بعد الفلک و ضعف جاذبته و عدم مطاوعة ساير الاجسام حتى يدخل جوف البئر بدل الهواء فلذلک لاينجذب الى الاعلى و اما اذا اتيت له ببدل و ادخلت ماء فى البئر او تراباً جذب الفلک من الهواء بقدر ما جاء بدله و عدم مطاوعة الهواء للجاذب مع عدم البدل محسوس فانک اذا مصصت قارورة ضيقة الفم يطاوعک قليل من هوائها ثم يصعب عليک المص فى کل مصة بعد مصة الى ان لايطاوعک فى الخروج الا ان‌يأتيه بدل يشغل مکانه فيخرج و يطاوع بسهولة فاذا صببت الماء فى البئر و حصل البدل جذب الفلک الهواء و طاوعه و سهل له مصه الى ان‌يبلغه موضعه المناسب و اما اذا اراد الصعود عنه دفعه و اقره فى مکانه و کذلک الهواء اذا ادخلته تحت الماء و خليته فانه يجذبه الفلک الى الاعلى و يدفع الماء الى مکانه بل لو انزلت بحيلة من اهوية فوق کرة البخار هواء الى اسفل الهواء و خليته لجذبه الفلک الى اعالى الهواء و دفع الهواء الکثيف قام فى مکانه بدله الى الاسفل و انما لم‌يدفعه قبل لعدم المطاوعة و لزوم الخلاء المحال. و هکذا لو انزلت النار الى اسفل و خليتها جذب الفلک اياها و دفع ما قام مقامه من الهواء و هکذا فى ساير فروع المسألة فان الجميع بدافعة الافلاک و جاذبتها.

و قلنا بکونهما للفلک لما علمنا انها شفافة رقيقة صافية عن الطراطير و الاکدار حاکية لانوار النفس و آثارها و افعالها مثل الروح البخارى اذا صفى و لطف و شف فانه يحکى افاعيل النفس بالبداهة و حصل له جذب و دفع و ساير الافعال و الارادات و المشاعر فعرفنا ان الفلک جاذب دافع بالضرورة و نشاهد من آثار جذبه صعود الابخرة الى السماء اذا اشرق عليها الشمس و لولا جذبها لماصعدت کما انها تنزل بالليل لعدم الجذب و مدافعة الجذب و الدفع و غلبة الدفع و تشاهد دفعها فى الليالى المقمرة حيث يدفع القمر الماء الى تحت البحر فيمد و اذا اصابه حر الشمس جذبه الى الاعلى فيجزر البحر و ليس ذلک الا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 233 *»

بجذب السماء و دفعها و بجذب رأسک بالمشاکلة لما فيه من الارواح اللطيفة الى الاعلى و يدفع رجلک الى الاسفل و يجذب رؤس فروع الاشجار لدقتها و لطافتها الى الاعلى و يدفع اصولها و جذوعها الى الاسفل لغلظتها بل لو کان رأس الغصن لعارض متدلياً جذبه الى الاعلى شيئاً بعد شىء حتى يقيمه و کذلک يجذب بطون اوراق الاشجار للطافتها الى الاعلى و يدفع ظهورها لغلظتها الى الاسفل و يجذب رؤس الاشجار الى الاعلى و يدفع سوقها الى الاسفل و ان کان للنباتات بنفسها ايضاً ظل من النفس غليظ و له افعال غليظة ولکن الاثر منهما جميعاً، اما ترى انک لو زرعت فى الفىء ولم‌يصبه حر الافلاک و اثرها لمااستقام الزرع على سوقه و لماقوى مثل ما يعرض فى معرض الکواکب.

و ان قلت فعلى ما ذکرت من عدم تأثير الفلک فى غير معرضه فى النبات فلم‌يؤثر الفلک تحت السقوف فى دفع الحجر و جذب الهواء و غير ذلک، قلت ان للفلک اثرين اثراً يتبع وجوده و روحانيته و اثراً يتبع نوره فالاثر الذى يتبع نوره لايظهر تحت سقف مثلاً و اما الاثر الذى لحيوته و تربيته للسفليات فيستوى فيه المستور عنه و المعروض عليه و ذلک بيّن ان‌شاء‌الله و لو کان غرضنا البسط فى هذه الامور لشاهدت منا ما لم‌تشاهده من احد و لا قوة الا بالله ولکن بنينا ان‌نکتفى بقدر ما يظهر به سخافة قول من قال بحرکة الارض. بالجملة تبين و ظهر مما بينا ان الارض و العناصر بانفسها لا حراک لها و لا حيوة و لا شعور و تمام الحرکة للافلاک سواء اثبتنا فيها الحرکة بخصوصها او التجأنا الى الاقرار بها حيث عرفنا ان الارض لاتتحرک فلابد و ان‌يکون الحرکة للسماء و الکواکب.

فصـــل: کان [کأنّ خ‌ل] قارتشيوش من هؤلاء تنبّه على سخافة قول القائلين بحرکة الارض ولکن التعصب لهؤلاء لم‌يدعه ان‌يرجع الى الحق فاثبت حول الارض مادة لينة محيطة بها على زعمه جردابية و هى تتحرک کالسفينة و تحرک الارض فيها کحرکة ساکن السفينة و هو بنفسه ساکن و کأنه عرف فى الجملة ان المادة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 234 *»

الغليظة الارضية ميتة لا حراک لها و لابد من وجود مادة لينة رقيقة تکون قابلة لحکاية النفس و الحرکة و لم‌يدر ان هذا القول فى الخطاء کالقول بحرکة الارض فان هذه المادة اللينة الرقيقة اما ان‌يقول انها محيطة بالارض فقط فليس ذلک الا الهواء و قد اثبتنا ان الهواء بنفسه ساکن الا ان‌يتحرک بتحريک الابخرة المتحرکة بشعلات الکواکب و ذلک مرجعه الى النفس او يتحرک بتحريک اولى الارواح الحية و ذلک ايضاً راجع الى النفس. و اما ان‌يقول انها محيطة بالهواء ايضاً فالمحيط به هو النار کما هو الحق و قد اثبتنا انها بنفسها لا حرکة لها و انما المحرک لها جاذبة الافلاک و هى شديدة المطاوعة لها لرقتها و تشاکلها مع الافلاک. و اما ان‌يقول انها محيطة بالعناصر فهى ککرة محيطة بکرة فنسأله عن تلک الکرة هل هى بسيطة ام مرکبة؟ فان کانت بسيطة لها اقتضاء واحد و طبع واحد کان اللازم ان لاتتحرک الا حرکة واحدة کما هو شأن البسائط و الحال انهم يثبتون للارض حرکة سنوية و حرکة يومية و حرکة التوائية هذا و کان اللازم ان‌تقتضى حيّزاً واحداً و تلتزمه و لاتتعداه فکيف تفر من حيز و تقصد حيزاً آخر و تخلى مکاناً و تشغل مکاناً آخر و ذلک لايحصل الا بمنافرة الطبع للمکان الذى ينفر عنه و مناسبته مع ما يقصده و ذلک لايوجد فى البسيط الذى له حيز واحد باقتضاء واحد و ان کانت مرکبة فهى من سنخ المواليد من اجزاء هذا العالم حادثة بعدها و کانت الاجزاء قبلها و کانت العناصر ساکنة قبلها فکانت الحرکة للسماوات و لا باعث لتغيرها عن کيانها و لاأظن ان‌يختاره قائل هذا القول و لا ان‌يختاره عاقل فهيم.

فصـــل: من الامور البيّنة ان هذه العناصر مرکبة من العناصر ففى کل عنصر اجزاء نارية و اجزاء هوائية و اجزاء مائية و اجزاء ترابية الا ان الغالب فى کل عنصر سميه و ذلک بديهى عند کل عاقل و لکل  عنصر بسيط مقتضيات و هى اى العناصر اضداد فالنار ضد الماء و بيبوستها ضد الهواء و بحرارتها ضد التر اب ايضاً و کذلک الهواء ضد التراب و بحرارته ضد الماء و برطوبته ضد النار ايضاً فايها غلب على العناصر الظاهرة المرکبة منها غير ساير الاجزاء اولاً فاولاً و احالها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 235 *»

الى شکله بعد الغلبة التامة ألاترى انک لو سلطت النار على التراب طبخته اولاً و صيرته آجراً فاذا شددت النار عليه اذابته کالزجاجة و اذا سلطتها اکثر فرقت اجزاءه و کلسته فاذا سلطتها عليه اکثر صعدت بها و فرقتها و اعدمت اثرها حتى لايکون بعد ذلک و اذا سلطتها على الماء بخرته و افنته و احالته ناراً و هکذا و ذلک معلوم بداهة عند کل عاقل لاسيما الفلاسفة و معلوم عند کل عاقل.

و مجرب ان الحرکة تحدث الحرارة فى المتحرک حتى انه يبلغ الحرکة مبلغاً يموع بها الجامد و تذيب الاسرب و الرصاص و تحمى الحديد کالجمرة و تحرق الخشب و تجعله رماداً و ذلک محسوس سواء کان المتحرک متحرکاً بلا واسطة او مع الواسطة و من شک فى ذلک فليجرب و انتم مقرّون ببعد الشمس عن الارض قريب الف و مائتين و عشرة اجزاء على ان نصف قطر الارض جزء و نصف قطر الارض الف و مأتان و ثلثة و سبعون فرسخاً فيکون محيط دايرتکم السنوية تسعة آلاف الفاً و مأتين و ثمانية و اربعين الفاً و ثلثمأة‌ و خمسة و اربعين فرسخاً تخميناً و تقطع هذه المسافة الارض فى مدة سنة فيکون سيرها فى يوم خمسة و عشرين الفاً و ثلثمأة و ثمانية و ثلثين فرسخاً تقريباً فيکون فى ساعة الفاً و خمسة و خمسين فرسخاً تقريباً فيکون اسرع من بندقة التفک بمرات لم‌اجربها و على ذلک کان الواجب ان‌يتکلس الارض و تصير رماداً و يستحيل کلها ناراً و يعدم البخار و يصير کلها بخاراً و هواء ثم ناراً و يصير الهواء ناراً لان الحرکة تورث الحرارة بلا شک و ان الحديد بقليل حرکة يصير کالجمرة فلو کان الارض تسير على ما يقولون لکانت تعدم البتة و تفنى هذا و هم يقولون ان لها حرکة يومية على محورها تسير کل يوم ثمانية آلاف فرسخ ففى کل ساعة تسير بهذه الحرکة ايضاً ثلثمائة و ثلثة و ثلثين فرسخاً تقريباً و فى کل ثانية الفاً و مائة ذراع و عشرة اذرع و ثمن ذراع تقريباً و بندقة التفک لاتسير هذا السير و هذه الحرکة بفردها کافية فى تسخين الارض و ابطال صورتها البتة. کيف و هذه الحرکة تنضم الى تلک الحرکة و کأنهم لم‌يشعروا ابداً باثر هذه الحرکات بوجه من الوجوه و تمحضوا فى محض مطابقة الحساب.

و ان قيل فعلى ذلک لم لاتبطل صور الافلاک، قلت ان الافلاک بسايط من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 236 *»

شأنها الحرکة و البسيط الذى من شأنه الحرکة بسرعة الحرکة لايزداد الا قوة فيما هو عليه ألاترى ان النار لو تحرکت لاتزداد الا قوة فى النارية و فيما هى به هى و انما يبطل و يفنى ما يکون ضد الحرارة اذا وردت عليها فتحفظ بما قلت فانه لم‌يتنبه بذلک احد فيما اعلم و لا قوة الا بالله.

فصـــل: انا نرى عياناً ان الحجر مثلاً اذا رفع عن الارض و ترک ينزل الى سمت الارض و جهتها و کذلک لو رفع جميع اجزاء الارض و ترک ينزل الى تلک الجهة فعلى فرض ان‌يکون نزوله بطبعه کما قالوا نسألهم ان الجهة التى ينزل اليها هى عين اجزاء الارض او شىء غيرها تلک الاجزاء فيها لاأظن ان عاقلاً يقول ان الجهة هى عين الاجزاء و يرى ان کل جزء اذا ارتفع ينزل الى تلک الجهة فلو کانت الجهة عين الاجزاء لماکانت تنزل بعد لانها نفس الجهة فجهة النزول اليها و مهبطة الاجزاء هى غير الاجزاء فاذاً نقول لاصحاب قارتشيوش فان قوله اسد و بابطال قوله يبطل قول قوفرونقوش و اصحابه ايضاً فنقول لهم انا لو فرضنا کرة من المادة اللينة التى تخيلتم فهل هى ذات جهات و کل جزء منها فى جهة ام جميع اجزائها فى جهة واحدة لاأظن ان عاقلاً يقول ان الجسم الواقع تحت الفلک الاعلى جميع اجزائه فى جهة واحدة فان ذلک خلاف الحس فکل جزء من تلک المادة اللينة فى جهة و لذلک يکون الجزء المحاذى منها مع برج الحمل غير الجزء المحاذى منها الميزان البتة.

و قد مر ان الجهة غير نفس المادة و غير الارض المحاطة لها فنفرض حين کون الارض فى جهة مثلاً فى جهة برج الحمل اذا رفعت حجراً عن الارض و ترکته نراه ينزل الى مرکز الارض و کذا لو رفعت کل جزء من الارض و المرکز نقطة موهومة فى جهة معلومة فاذا انتقل الارض من تلک الجهة و حاذت الميزان تبقى تلک الجهة الاولى مشغولة بجزء آخر من المادة اللينة فاذا رفعت حينئذ الحجر کان الواجب ان‌يميل بطبعه الى الجهة الاولى فان الميل اليها مقتضى طبعه و ليس الطبع بحيوان ذى‌شعور و ارادة يسير مسير منزله و يطلب منزله اين سار حتى يسير اليه و يجده فيدخل فيه بل هو امر طبيعى ليس له الا مقتضى واحد. و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 237 *»

لماکان مقتضاه النزول الى تلک الجهة کان الواجب ان‌ينزل اليها من اين خلى و طبعه و المشهود خلافه فانه ابداً ينزل الى جهة مرکز الارض سواء کانت فى هذه الجهة من الشمس او تلک الجهة. بل نقول مقتضى القوانين الطبيعية ان لاينزل الحجر ابداً الى مرکز الارض فانکم تقولون ان المادة اللينة محيطة بالارض و تسير بها سير السفينة براکبها فاذا کان الحجر فى موضع من الهواء و تسير بالارض و الهواء و الحجر المادة اللينة بتلک القوة و السرعة التى بينا حرکة دورية حول الشمس و قوة تلک الحرکة اشد و اعظم من قوة نزول الحجر کان الواجب ان‌يسير الحجر بالحرکة الدورية فى محله و يعوقه المادة اللينة و حرکة الهواء عن الحرکة المستقيمة التى هى حرکة بخلاف جهة الحرکة الدورية فان الحرکتين اذا تعارضتا کان الفعل و النقل للاقوى کما ترى ان الريح اذا اشتدت على الحصاة رمتها الى فوق و لاتنزل الا بعد سکون الهواء و ما يرى من انه اذ ترک شىء من اعلى عمود السفينة ينزل مع انه له حرکة اخرى مع السفينة فانما هو فى تکافؤ الحرکتين و اما اذا کان احداهما قاسرة فى الغاية فانها تمنعه عن حرکة اخرى البتة کما تشاهد من عدم نزول البندقة الخارجة عن التفک اذا دفعت مستقيمة الى غرض مادام قوة الدفع باقية و الا لماأصابت الغرض فاذا سکن قوة دفع الباروط تبدؤ فى النزول جرب تجد و سير المادة اللينة اشد من سير البندقة الف مرة فلم‌يکن جايزاً ان‌ينزل الحجر ابداً.

و ان قلت انا نرى النملة تنزل من اعلى سطح الرحى الى اسفله فى طرفها [طرفة خ‌ل] بضعفها و الرحى يدور بتلک القوة فاى مانع من نزول الحجر؟ قلت ان هذا القياس مع الفارق فان النملة حيوان متحرک بالارادة و الرحى تسير بجسدها و حرکتها النزولية من روحها و حرکة الحجر طبعية ان عاقها شىء لم‌يبق له محرک آخر فلم‌يکن يجوز ان‌ينزل الى مرکز الارض بل کان الواجب ان لاينزل ابداً ان کانت المادة اللينة تسير به و الا کان الواجب ان‌ينزل الى تلک الجهة الاولى التى کان يقتضى النزول اليها بطبعه افهم ما اقوله لک.

فان قلت ان الارض مقسورة بحرکة المادة اللينة کما ان الحجر مقسور و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 238 *»

الارض تميل الى تلک الجهة کما ان الحجر يميل فاذا يکونان دائماً محفوظى النسبة فينزل الحجر الى مرکز الارض دائماً، قلت على فرض جواز ميلهما ليس کذلک ان الحجر الاعظم اذا رفع و خلى يکون اسرع نزولاً و  اشد خرقاً و دفعاً للهواء و الاصغر يکون اضعف خرقاً و دفعاً فابطؤ نزولاً من الاعظم فاذا زالت الارض من تلک الجهة کان الواجب ان‌يکون نزولها الى تلک الجهة اسرع من الحجر بما لاتحصى فتبطل النسبة فهذه الوجوه و ما يستخرج منها بالفکر الثاقب تبطل حرکة الارض بل هى مستقرة فى جهتها و کلما يرفع شىء منها قسراً على زعمهم يرجع اليها طبعاً.

و اما على ما اخترنا من ان نزول النازل و صعود الصاعد بالجذب و الدفع و لا حرکة لنفس الجسم من نفسه فنجيب بأنا نقول ان الجذب و الدفع للافلاک لا لخصوص الشمس ألاترى انک بالليل لو رفعت حجراً و خليته يندفع الى اسفل فلو کان بدفع الشمس لکان الواجب ان‌يصعد الاحجار بدفع الشمس فانما ذلک بدفع الافلاک محيطة فتدفع دائماً الکثيف و تجذب اللطيف فاما الآن فانا نقول ان الارض مندفعة من کل جهة بالسوية فوقفت فى الوسط و اما على ما تقولون من انها متحرکة حول الشمس و الشمس هى المرکز کان الواجب ان‌تندفع من کل جهة تدنو منها و تقرب من جزء من الفلک المحيط بها فان الافلاک کما شرحنا دفاعة بقوة نفسانية قوية لکل منافر و الارض تنافر الافلاک فيجب دفعها کما تشاهد من دفع الحجر بل کل جزء جزء منها اذا ادنى من السماء بالرفع فکان الواجب ان‌تندفع من محلها بقوة الافلاک المحيطة بها. و معلوم ان القوة الدافعة کلما تقرب من مبدئها تکون اشد و اقوى و کلما تبعد تکون اضعف فاذا کان الارض فى جهة برج الميزان و ما بينهما من الافلاک کان القوة الدافعة فى هذه الجهة اقوى فکان الواجب ان‌يزحفها الافلاک التى تليها الى جانب الحمل حتى توصلها الى حاق الوسط فتستوى الدافعتان فتقف هناک.

و ان قلت ان الافلاک التى [فى ظ@؟] جوف المادة اللينة على فرض کونها کرة محيطة بفلک عطارد تدفع الارض الى الوراء و الافلاک التى وراءها تدفعها الى الامام فتقف

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 239 *»

فى مدار الحرکة السنوية و مدار المادة اللينة لاتتقدم و لاتتأخر، قلت اذا سلمت دافعة الافلاک لاجل کونها ذات نفس و لاجلها تتحرک يلزمک ان‌تقول ان المادة اللينة التى زعمتها متحرکة هى ايضاً فلک لها دافعة و کليات الحکمة لاتتخصص فاذا کانت الارض من جميع جهاتها تندفع کان الواجب سکونها لا الحرکة الدورية و کذلک  اذا اقررت بحيوة الافلاک يلزمک الاقرار بحرکة الشمس ايضاً و يبطل عليک الحساب هذا. و هذه لادلة تدفع بها قول قارتشيوش القائل بالحرکة للمادة اللينة. و اما على زعم فيثاغورس و قوفرونقوش الذين يثبتان الحرکة لنفس الارض فنقول ان الارض بطبعها ان قالا بالحرکة الطبيعية تميل الى جهة خاصة لما بينا فى صدر الفصل فلا معنى لانتقالها بطبعها عنها اول مرة هذا و هم يقولون للارض بحرکات مختلفة حرکة سنوية و حرکة يومية و حرکة التوائية و الجسم الواحد لايتحرک بالطبع هذه الحرکات المختلفة فان الطبع معنى واحد مجبول على مقتضى واحد بداهة و ليس له شعور و لا حرکة ارادية کما بينا فلا معنى لهذه الحرکات المختلفة لها من اول مرة هذا و الارض جسم مختلف الاجزاء کل جزء منها له طبع و کم و کيف غير طبع الاخر و کمه و کيفه و لحرى بنا ان‌نفصل هذا المطلب فى فصل خاص ليظهر خطاؤهم کاوضح من الشمس فى رابعة النهار.

فصـــل: اعلم انا قد اسلفنا فى الاصول ان الجسم بنفسه لا حرکة له و انما هو صالح للحرکة و السکون و لابد له من محرک من الخارج و الحرکة الطبيعية خطاء من القول لايجوز الاصغاء اليه لما مر فى الاصول و قد اسلفنا ان الحرکة کلها للنفس و قد اسلفنا ان النفس فعلية محضة مطلقة لاتعين فى فعليتها بخصوصية فعل دون فعل کما انه لا خصوصية فى الروح البخارى بسمع او بصر او ذوق او غيرها و انما تنصبغ فعليته المطلقة فى بطون القوابل فتظهر افعال خاصة و قد اسلفنا ذلک کله فى الاصول. و اسلفنا ان الجسم الکثيف الغير المشف لايحکى عما وراءه و المشف يحکى عما وراءه و قد مر کل ذلک.

فالآن نقول لک ان الجسم ما لم‌يکن صافياً خالصاً عن الاکدار و الطراطير لايشف عما وراءه فاذا بلغ مبلغ

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 240 *»

الشفافة و الرقة يغلب عليه سر الوحدة لان الاجزاء ما لم‌تتشاکل لم‌تشف کما هو مبرهن عليه فى محله خصوصاً فى علم المرايا و المناظر. فاذا تشاکلت الاجزاء تقاربت بالطبع فاذا تقاربت اتحدت فى الظاهر و اقتضت حالة واحدة و کمية و کيفية واحدة فاذا ظهر سر النفس فيه انصبغ بصبغ جسمانى لکن متشاکل الاجزاء فلايظهر منه الا حرکة متشاکلة متناسقة متوافقة هى اشبه شىء بالحرکة الطبيعية التى يزعمون و لعل الاقدمين الذين سموا حرکة الافلاک طبيعية ارادوا هذا المعنى ثم لم‌يفهم من زعم انها غير حيوانية ‌فالجسم اذا کان متشاکلاً فى  اجزائه کلها يقتضى ما يقتضيه الآخر بالتشاکل فى الکم و الکيف و الطبع ظهر عليه حرکة النفس متشاکلة کما ان جميع مدارک الروح البخارى فى نفسه و حرکاته متشاکلة الا انها بعد ما نزلت الى ساير الاعضاء انصبغت فظهرت منها حرکات مختلفة و مشاعر متفاوتة.

و اما الجسم اذا کان کثيفاً و هو الجسم المختلف الاجزاء المختلف الطبايع المختلف الکم و الکيف فلايکون بشاف و لايحکى صفة النفس من اول مرة و لايظهر عليه حرکة اصلاً لعدم اتصاله بالنفس اللهم الا ان‌يحرکه ذو نفس آخر متصل بالنفس. فما ظنهم فى الارض هل هى شفافة متفقة الاجزاء فى الطبع و الکم و الکيف فيکذبهم المرأى و المسمع او مختلفتها فان فرضنا شفافتها فلايجوز ان‌تتحرک الحرکة السنوية مرة و اليومية تارة و الالتوائية اخرى و ان هذا الا خبط عشواء.

و الحکماء الاقدمون لما عرفوا هذه المعانى اثبتوا لکل حرکة شاهدوها فى الکواکب فلکاً خاصاً بها و انما کانوا حکماء علماء آخذين عن الانبياء سلام‌الله‌عليهم. و اما المتأخرون فمن باب شهوتهم فى الامور الجديدة و ان لکل جديد لذة ارادوا ان‌يظهروا امراً جديداً و لما يعضوا على العلم بضرس قاطع و اصحاب الشهوات و احباء الجديدة کانوا فى کل عصر و کانوا يخترعون شيئاً جديداً ولکن کان الحکماء الراسخون اذا وجدوه مخالفاً للاصول الالهية کانوا يقرعون رؤسهم بقوارع الادلة المحکمة.

و ان استعظمت مثل فيثاغورس انه کيف يجوز ان‌يقول قولاً بمحض حب الجديد، اقول لاتستعظم ذلک فان بطلميوس ايضاً مثله عظيم و ارسطو ايضاً عظيم و هم يقولون بخلاف ذلک و ساير الفلاسفة يقولون بخلاف

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 241 *»

ذلک و هم عظماء فان لم‌تکن انت ممن يحب الجديد فاتبع الادلة هذا و ذلک منهم محض تجويز و خيال و لا برهان لهم به و الذى يخالفهم له برهان الهى و يساعده الکتب السماوية و سنن الانبياء و تقريرهم الامم على قولهم ذلک و اجماع الناس الباقين على الفطرة من تقرير الانبياء لهم على ذلک و لسنا نتکل على ذلک وحده حتى تقول ان فلاناً يرد الحکماء بالاجماع فلا انا اتکل على الاجماع وحده و لا هؤلاء حکماء بالغون و انما الحکيم من له برهان على قوله لا من يجوز تجويزاً و نفسه من قوله فى تزلزل و ان انت يا اخى لم‌تفهم ما اقول فان اولئک ان کان لهم علم و عاشروا العلماء يفهمون ما اقول و ان کان لهم انصاف سوف يصدقون.

بالجملة ان فرضنا شفافتها فذلک حکمها و کان اللازم ان‌يکون لها حرکة واحدة متشاکلة متناسقة و ان لم‌تکن بشفافة و هى کذلک فهى ميتة لا حراک لها بنفسها لا سنوية و لا يومية و لا التوائية. فالقول بحرکة الارض نفسها اسخف الاقوال و الاقرب الى طريق الحکمة و الفلسفة قول قارتشيوش القائل بالمادة اللينة المحيطة بالارض و هو ايضاً لايستقيم الا ان‌نفرضها فلکاً حاملاً للارض ثم لايستقيم فى الحرکات المختلفة التى اثبتوها فى الارض فان الفلک الحامل المفروض اذا کان شفافاً يتحرک حرکة واحدة سنوية و باقى الحرکات يبقى بلا محرک اللهم الا ان‌يخيل ان حول الارض جسماً فلکياً محيطاً بها هو يتحرک بالحرکة اليومية و ذلک الجسم مرکوز فى فلک حامل له کالکوکب و هو يتحرک بالحرکة السنوية فحينئذ يثبت لها حرکتان و يبقى الحرکة الالتوائية بلا محرک و ليس الحرکة الالتوائية اللبلابية شأن الاجسام المشفة لانها حرکة مرکبة من المستقيمة و الدورية.

فصـــــل: و وجه آخر يبطل ادعائهم انهم يزعمون ان الارض تسير حرکة يومية و نقطة منها تسير فى اربعة و عشرين ساعة ثمانية آلاف فرسخاً و فى کل ثانية تسير الفاً و مائة ذراع و عشرة اذرع و ثمن ذراع تقريباً و هذا السير اسرع من سير الريح العاصف او کسير بندقة التفک و الهواء على قولهم ايضاً يسير هذا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 242 *»

السير من المغرب الى المشرق فنحن اذا رمينا حصاة فى وجه الريح العاصف ربما لاتذهب و يدفعها الهواء البتة و ليس سيرها بسرعة ما يقولون و نرى انا اذا رمينا حصاة الى المغرب لاتندفع و تذهب کما تذهب اذا رميناها الى المشرق هذا و الحصاة بسيرها الطبيعى على ما يقولون تسير الى المشرق بتلک السرعة و الهواء يسير بتلک السرعة و مع هذين يذهب الحصاة الى المغرب مثل ما تذهب اذا رميناها الى المشرق و ما مقدار قوتنا حتى تدفع ما يذهب کبندقة التفک على خلاف جهة الدفع و يدفعها الهواء ايضاً بتلک القوة على خلاف جهة الدفع و ان قالوا ان الحصاة المرفوعة من الارض لاتسير الى المشرق کفى فى دفعها الهواء و ان قالوا ان الهواء لايسير و لايدفع فقد انقتض قولهم رأساً و کذلک کان اللازم اذا دفع حصاتان بقوة واحدة واحدة الى المشرق و واحدة الى المغرب يکون ذهاب المدفوعة الى المشرق اکثر بمرات و ليس کذلک.

و کذلک ما کان ينبغى ان‌يتدحرج الکرة المدحرجة الى المغرب اصلاً لان لها حرکة الى المشرق بتلک القوة و القول بأن ابعاض الارض لاتسير الى المشرق و کلها تسير هذيان و لا اقل من تفاوت التدحرج تفاوتاً فاحشاً. و اما على قول قارتشيوش ان الارض ساکنة و المادة اللينة تسير بها فلاينفعهم اذا کانت تسير بالهواء و بابعاض الارض جميعاً فان الارض على اى حال تسير من المغرب الى المشرق مع الهواء ألاترى ان السفينة اذا سارت بشدة من المغرب الى المشرق تمنع من اراد المشى فيها الى المغرب البتة. و لابد لهؤلاء ايضاً ان‌يقولوا بسير الهواء ايضاً مع الارض و الا لکنا نحس بريح عاصف دائماً و المشهود خلافه ألاترى انک لو رکضت بسرعة فى هواء ساکن تحس بريح عاصف فاذ لم‌تجد ريحاً عاصفاً دائماً لابد و ان‌يقولوا بحرکة الهواء ايضاً فان قالوا بسيرهما معاً يرد عليهم ايضاً ما اوردناه اولاً فان جميع اجزاء الارض تسير هذا السير من المغرب الى المشرق کالبندقة من التفک و اينما يقدر ان‌يدفع البندقة على خلاف جهة سيرها هذا و ينضم الى ذلک ايضاً سير الدائرة السنوية و ذلک السير اعظم و ادهى فانها ايضاً من المغرب الى المشرق و فى کل ساعة تسير الفاً و خمسة و خمسين فرسخاً تقريباً فيکون اسرع من بندقة التفک مرات عديدة و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 243 *»

العاقل لايتفوه بمثل هذه الهذيانات و جميع الشواهد على خلافه و اظن ان الاکابر الذين نسب اليهم هذا القول انما صدر عنهم قول بأنه لو کان يتحرک الارض هکذا لکان يطابق الحسبانات هذا و على ما ذکرنا ليس للمتصلبين لهذا القول ان‌يبتوا على هذا القول و يجعلوه اعتقادهم لعدم دليل لهم و هم ايضاً منه على ريب و ما ذکرناه يدفع الريب اذ کانوا طالبين للحق و الصواب.

فصـــل: وجه آخر ينقض عليهم فتلهم انهم تخيلوا ان الشمس ساکنة و حولها فلک الزهرة و حول فلک الزهرة فلک عطارد و تدور الارض و العناصر حول فلک عطارد و يدور حول ذلک اجمع فلک المريخ و حول فلک المريخ فلک المشترى و حول فلک المشترى فلک زحل و حول فلک زحل فلک البروج و مما ثبت فى علم ابعاد الاجرام ان بعد عطارد عن مرکز الارض مائة و اربعة و سبعون مثلاً لنصف قطر الارض و بعد الزهرة الابعد الف و مائة و ستون مثلاً لنصف قطر الارض و بعد الشمس الابعد الف و مائتان و ستون مثلاً لنصف قطر الارض و بعد المريخ الابعد ثمانية آلاف و ثمانمائة و عشرون مثلاً لنصف قطر الارض و بعد المشترى الابعد اربعة‌عشر الفاً و مائتان و تسعة و خمسون مثلاً لنصف قطر الارض و بعد زحل الابعد تسعة‌عشر الفاً و تسعمائة و ثلثة و ستون مثلاً لنصف قطر الارض و هو البعد الاقرب للثوابت و کل بعد ابعد من الکوکب الادنى بعد اقرب للکوکب الاعلى و کل ذلک تقريبى فلو کان الارض مثلاً فى جانب برج الميزان و کان المريخ فى جانب برج الحمل لکان الواجب ان‌يکون بعده عن مرکز الارض بمقدار بعد القمر و ثخن فلکه و مقدار تمام فلک عطارد بما فيه من فلک الزهرة و الشمس و اذا کان المريخ من جانب الارض متصلاً بفلک القمر کان البعد الاقرب منه باقل من ذلک بکثير کيفما حاسبه هذا المحاسب و ليس اختلاف منظر المريخ هذا المقدار اذ لم‌ير بين بعديه ازيد من سبعة آلاف و خمسمائة و ثمانين جزء على ان نصف قطر الارض جزء و هو کيفما يريد فليحاسب فانه من جانب لابد و ان‌يتصل بفلک القمر و من جانب لابد و ان‌يبعد بقدر بعد تمام کرة فلک عطارد على

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 244 *»

زعمهم و کذلک الامر فى المشترى و زحل و ليس صغر الارض عند الافلاک بما يجعل هذا الاختلاف مما يسامح فيه فان جرم المريخ مثل جرم الارض مرة و نصفاً کما بين فى محله فاذا جاء الى جانب الارض و ماس فلک القمر کان الواجب ان‌يرى اکبر من القمر و القمر جزء من تسعة و ثلثين و ربع جزء من الارض فکان الواجب ان‌يرى المريخ حين هو فى الميزان و الارض فى محاذات الميزان اکبر من القمر بمرات و لايکون بعده الا بقدر بعد القمر الا بعد حين کونه فى البعد الاقرب و اذا جاء المريخ الى الحمل صار اصغر و صار بعده بقدر کرة فلک عطارد بما فيه و بقدر ثخن فلک القمر و ثخن کرة النار و الهواء معاً و هذا خطاء فاحش منهم و لم‌يشاهد المريخ مختلفاً بقدر ما لايسامح فيه و کذا المشترى و زحل بل و کذا عطارد حين کان فى جانب الارض و حين کان مخالفاً لها و کان الواجب ان‌يکون بعده الاقرب ابعد القمر و ابعده بقدر جميع بعد ما بين طرفى فلکه و ثخن فلکه من الطرفين و هکذا الزهرة.

و لو تفکرت فى ذلک لتبينت الخطاء فى خيالهم و ذلک ايضاً من الوجوه المحکمة. و اعلم ان هذه المقادير التى ذکرناها کانت على وجه المسامحة و الاشعار بالنوع فلو کان حساب هؤلاء او غيرهم مخالفاً لها فى الجملة فى الخصوص لايخالفها فى النوع الذى هو غرضنا من ذکرها فلايعيبن علينا المحاسبون فانه لم‌يکن موضع الحاجة منا الا اظهار محض القرب و البعد و الکبر و الصغر نوعاً و لو شئنا التدقيق لدققنا لکن محصوله يسير و تحصيله عسير و انما هو کصيد الخنزير عند من يحرمه و هذا النقض يبطل مذهب تيقهوربراهئوش و اتباعه ايضاً فراجع فانصف و تدبر.

فصـــل: فى بيان سخافة الدليل الذى زعموه من ان الشمس تجذب الارض الى نفسها و الارض بنفسها و بطبعها تميل الى جهة اذا اخرج منها خط الى مرکز الارض احدث مع خط بينه و بين الشمس قائمة مثلاً: @شکل 166@ @رسم ايضاً شکل اخرى فى نسخة مکارم ص245@

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 245 *»

 

 

 

 

 

 

نفرض الشمس موضع س و الارض موضع ا فتجذب الشمس الارض باستقامة خط س ا و الارض بنفسها مايلة‌ الى ب فبتدافع هاتين الحرکتين تسير الارض بحرکة دورية فى قوس ا جـ و لولا جذب الشمس لکانت تأتى ب باستقامة خط ا ب و کذلک الشمس دائم الجذب و الارض دائم الميل الى النزول و لولا جذب الشمس لنزلت الى د ولکن بتدافع الحرکتين تتحرک حرکة دورية فى قوس جـ ه و هکذا و هذا الدليل کأنه صدر عمن لم‌يعض على العلم بضرس قاطع فان ما وراء مسير الارض على زعمهم خلاء ام ملاء فان قال خلاء کذبه البرهان الذى مر فى الاصول من محالية الخلاء و ان کان ملاء من کرة اخرى و هى على زعمهم فلک المريخ فکيف تميل الارض ان‌تنزل الى فلک المريخ و تصير بشفافة فلک المريخ و لطافته و هى فى کثافتها و غلظتها و هو کالقول بأن الارض تميل بطبعها ان‌تسکن حيز الهواء و حيز اللطيف غير حيز الکثيف و ميل طبعه غير ميل طبع اللطيف بالبداهة هذا و جهة ا ب غير [فى خ‌ل] جهة جـ د فان کان الارض تطلب من ا جهة ب بطبعها کيف يمکن ان‌تطلب من جـ جهة د و الطبع ليس الا کيفية واحدة و ليس يطلب الا امراً واحداً بالجملة هذا القول بمعزل عن التحقيق و هو بالاعراض عنه حقيق.

فصـــل: فى اظهار خطائهم فى استدلالهم بالمنارة الجوفاء. اعلم اولاً ان تخلية المنارة عن الهواء امر محال کما بينا فى الاصول من محالية الخلاء و ذلک محض خيال منهم نعم الهواء جسم کساير الاجسام يقبل  التلزز و الترقق فان ادخل هواء على الهواء الذى فى شىء اجوف بقوة يقبل التلزز و يمکن ان‌يدخل فيه اهوية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 246 *»

اضعاف ما فيه بقوة شديدة و ان مص الاناء يخرج منه بعض الاهوية التى فيه و يترقق جسمه و لايتخلخل کما زعمه بعض من لم‌‌يعض على العلم بضرس قاطع لمحالية الخلاء کما بينا فى الاصول و ليس ذلک الا من باب الترقق و التلزز. فتخلية جوف فالمنارة عن الهواء خيال محض ثم ذلک الشاقول من اجزاء الارض و جسم ارضى او غير ارضى و انى لهم بشاقول غير ارضى فهو جسم ارضى فان کان الارض لها حرکة طبيعية من المغرب الى المشرق فذلک الشاقول له حرکة طبيعية من المغرب الى المشرق ايضاً کما اجاب اصحاب هذا المذهب قول من رد عليهم بأنا نرى ان الثقيل اذا حوذى به نقطة من سطح الارض و خلى و طبعه ينزل على تلک النقطة بعينها و لو کان الارض تتحرک لمانزل عليها، فاجابوا بان للجسم الثقيل النازل قسطاً من حرکة المادة اللينة و کما ان الارض تتحرک، ذلک الجسم الثقيل ايضاً يتحرک و مثلوا لذلک مثالين احدهما حرکة السمک فى الماء المتحرک ان السمک له قسط من حرکة الماء کما انه يتحرک بنفسه و بکرة القيت من اعلى عمود السفينة بحيث تماس العمود الى ان‌تقع فلها حرکتان حرکة نزولية من نفسها و حرکة بدفع العمود اياها.

بالجملة هم اجابوا عن رد الخصم بهذا فکيف يسوغ لهم ان‌يدعوا ان الشاقول له حرکة نزولية واحدة و الارض تسير و ليس له قسط من حرکة المادة اللينة و ان زعمتم ان سبب ذلک خلاء جوف المنارة فالخلاء محال و على فرض ان‌يکون الخلاء جايزاً ليس له مدخلية فى حرکة الاض حرکة طبيعية و الشاقول من اجزاء الارض و له حرکة کالارض. فعلى مذهب قوفرونقوش القائل بحرکة نفس الارض اوضح بطلاناً فان الشاقول على طبعه يتحرک کما تتحرک الارض من المغرب الى المشرق و الامور الطبيعية لاتتخلف. و اما على مذهب قارتشيوش القائل بسکون الارض و تحريک المادة اللينة اياها، فقد قدمنا ان المادة اللينة ان کان تحرک العناصر برمتها و جميعها فالشاقول فى جوف العناصر و من العناصر فلا معنى لعدم حرکة الشاقول الحرکة اليومية او السنوية و حرکة الباقى کما انک لاتجد فى السفينة جزء واحداً لايتحرک بحرکة السفينة و الشاقول فى جوف سفينة المادة اللينة هذا. و الخلاء محال کما قدمنا و لا فرق بين جوف المنارة و الخارج

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 247 *»

الا بالرقة و الغلظة ابداً و رقة الهواء لاتصير سبب دفع الحرکة اليومية او السنوية عن الشاقول.

و ان زعموا ان المادة اللينة هى تحرک الهواء و الهواء يحرک الماء و الارض، فاذا نحن افرغنا جوف المنارة عن الهواء يصير الشاقول مخلى بطبعه و طبعه الحرکة المستقيمة کساير اجزاء الارض فحرکة الارض قسرية بتماس الماء و حرکة الماء قسرية بتماس الهواء و حرکة الهواء قسرية بتماس المادة اللينة مثلاً او النار ثم هى متحرکة قسراً بتماس المادة اللينة فلا حاجة الى تخلية المنارة عن الهواء فانه لا تماس بين هوائها و ساير الاهوية حتى يتحرک قسراً و يحرک الشاغول.

و ان قلتم ان کان فيها هواء فالمنارة تحرکه و يحرک الشاغول و لذا نخرج هواءها، قلت فاذا لاتبلغون مناکم فان الخلاء محال و انتم لاتقولون بأن مع عدم افراغ المنارة تنزل الى خارج مرکز القاعدة السفلى. و ان قلتم ان الهواء بنفسه متحرک و يحرک ما کان جوفه فلو کان جوف المنارة هواء لحرک الشاقول، قلت ان جوف المنارة لايخلو من الهواء لمحالية الخلاء بل يصير رقيقاً و الجسم اذا رقق و لطف صار اسرع حرکة من حال کونه غليظاً کما ان الماء الرقيق اشد تموجاً من الماء الغليظ فترقيقکم الهواء لايدفع شيئاً. فما ادعيتموه من امر المنارة محض دعوى و ان استندتم الى التجربة و انکم جربتم ذلک کرات و مرات، قلت انه يقع فى قطعکم الخيط او احراقکم اياه حرکة فى الشاقول و لاجلها يقع على غير المرکز هذا و کيف يمکن افراغکم المنارة عن الهواء و انتم تدعون بأنکم تجرون خيط الشاقول الى فوق و تقطعون الخيط و تحرقون و المنفذ الذى تجرون الخيط منه يدخل منه الهواء و يبطل الخلاء الذى تزعمون و اذا احرقتم الخيط او قطعتم و وقع الشاقول يدخل الهواء من ذلک الثقب دفعة بقوة شديدة اشد من الريح العاصف لمصکم الهواء و جذب هواء الجوف الخارج اليه فذلک الريح الداخل يحرک الشاقول و يحرفه [يحرقه خ‌ل]. و على فرض انکم جربتم ذلک مراراً و وجدتموه کذلک لايفيد فان آلة الشىء اذا لم‌تتفاوت فى مرات و دبرت فى المرات بتدبير مشاکل يحدث منها اثر مشاکل ففى کل مرة يدخل ريح قوى بمقدار واحد و کيفية واحدة و يحرک تحريکاً مشاکلاً للمرة الاخرى. و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 248 *»

اما وقو عه دائما فى جهة واحدة من المرکز ان صح فانما هو لخلل و انحراف فى الآلات او لکونها على نهج اذا قطع الخيط او احرق دفع الشاقول دائماً الى جهة و ذلک من جهة اعوجاج فى بعض الآلات و وقوع الخلل فى امثال هذه الآلات کثير الوقوع کما وقع و يقع فى آلات الارصاد کثيراً کثيراً و فى الاسطرلابات و الرخائم و غيرها. و قد حقق فى علم التعليم ان الاستدلال بالآلات غير مرضى و ليس بدليل يسکت الخصم و يثبت المطلب و يحتاج فى العلم الى دليلى تعليمى او عقلى او طبيعى او غير ذلک.

بالجملة جوف المنارة اذا رق هواؤه يمص باقوى مص الهواء الخارج من کل مسام بأىّ ضيق کان و المنفذ الذى يجر الخيط منه و ينزل له منافذ يدخل الهواء قطعاً و ان دبر جوف المنارة فلکات هى تجر الخيط و تنزله و تقطعه بنفسها من دون مص يد خارجة فى المثل کفى موضع المص فى تنفس المنارة و بعد ذلک کله يقع من تلک الفلکات حرکات منافية و تمويجات للهواء الذى فيها تحرک الشاقول غاية الامر ان تلک الحرکات فى مرات التجربة متشاکلة و انى ماصنعت مثل هذه الآلة و لکنى اظن انه لو مص من جوف شىء اجوف هواءه فى اقصى غاية ما يمکن حتى لايکون يمکن مص فوقه بآلة قوية ان‌ينکسر ذلک الشىء و لو کان من الحديد او النحاس و ان لم‌ينکسر و فرض انه القى فيه شىء ان لاينزل ذلک الشىء الملقى نزولاً متعارفاً لصعوبة الخرق و الالتيام فى مثل ذلک الهواء فان من جهة غاية الرقة و قرب ان‌يخلو من الهواء يلتزم کل جزء من الهواء الذى جوفه مکانه و لايفارقه و يلتزم کل مکان ذلک الشىء الملقى فيه لشدة حاجته اليه و لايدعه ينزل اللهم الا ينزل بغاية بطؤ فان جرب ذلک و صدق الظن فذلک ايضاً مما يذکب دليل المنارة مزيداً على ما مر.

بالجملة لما ليس من شأن العالم ان‌يقول للمدعى امراً ـــ و هو عالم ـــ کذبت، لم‌نکذب هذا المدعى بأن‌نقول لم‌تجرب ذلک و سولت ذلک لمحض اسکات الخصم فالله اعلم بالواقع ولکن ان وقع تجربتهم على ذلک فانما هو من التحريکات و تمويجات الهواء التى لم‌يلتفتوا اليها و من نفوذ الهواء من المنافذ من منفذ

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 249 *»

الخيط او موضع المص او تحريکات الفلکات و غير ذلک و الدليل الدليل العقلى القاطع کما علمت يخطئهم و الآلات تخطى و تصيب. و من ذلک اختلاف الزيجات فى عصرين متقاربين بل فى عصر واحد بل فى مرصد واحد و المدعى عدم اختلاف فى الآلات مکابر.

و کفى بما ذکرنا فى هذا الفصل بياناً لرد دليلهم ان کان منصف هذا و على ما يزعمون من الحرکة اليومية تسير الارض فى کل ثانية الفاً و مائة ذراع و عشرة اذرع و ثمن ذراع تقريباً على ان دورة الارض ثمانية آلاف فرسخ و يبعد غاية البعد بناء منارة بلور و مص هوائها و يکون قطر قاعدتها الفاً و مائتين و عشرون ذراعاً و ثمنى ذراع بشرط ان‌يکون طولها بقدر نزول الحجر الى اسفلها فى ثانية و اقل من ذلک لايضبط بل و فى ضبط مبدء النزول الى منتهاه فى ثانية غاية العسر فلو نزل فى ثانية يجب على ما يقولون ان‌ينحرف عن المرکز ذلک المقدار و بناء منارة بلور بذلک الطول و بذلک الحجم و اخراج هوائه خارج عما افهم و اتصور من قدرة امثالنا و العلم عند الله و الذى ازعم انهم جعلوا هذا الکلام کالاحجيات ليعتبروا عقل الناس انهم هل يتعمقون فى هذا القول و يردون ام لايتعمقون اصلاً و يتلقون کلامهم بالقبول من غير شعور، اما عقلى فلايقبل ذلک فان صنعوا شيئاً ما فقد مر جوابه و ان ارادوا التغليط فذلک ما لايقبله عقلى کما سمعت حتى ارى.

خاتمـــة

فى بيان ما يقتضيه الاصول الحقة من اوضاع الاجسام على نهج الاجمال و الاختصار و فيها فصول استنبطت من اصول

فصـــل: اعلم ان فى هذا العالم عالم الاجسام اجساماً بسيطة و اجساماً مرکبة فالاجسام البسيطة هى ما لم‌تترکب  من جسمين مستقلين قبل الترکيب و هى بسائط اضافية لا حقيقية فانها مرکبة من مادة و صورة کما حقق فى علم اعلى بل من العناصر الجوهرية الدهرية و المرکبة ما ترکبت من جسمين او ازيد قائمين قبل الترکيب مستقلين موجودين فى الخارج کالطين المرکب من الماء المستقل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 250 *»

الموجود فى الخارج قبل الترکيب و من تراب کذلک و کلامنا فى هذا العلم فى وضع البسائط فالاجسام البسيطة اما کثيفة کدرة غاسقة حاجبة لما وراءها من نور النفس و فعلها و اثرها و اما لطيفة شفافة کاشفة عماوراءها من سر النفس و نورها و اثرها و فعلها. فالجسم الکثيف ميت لا حراک له و لا شعور و لا ارادة ساکن لايزول و لايحول الا بمحرک ذى‌نفس خارجى و الجسم اللطيف حىّ متحرک شاعر مريد ينتقل و يتغير عن حاله.

فعلى هذا الاصل الاصيل ينبغى ان‌يکون العناصر ساکنة لا حراک لها الا بمحرک يحرکها فى صورة القسر کما قدمناه فى الاصول و ينبغى ان‌يکون الافلاک متحرکة لثبوت السکون فى العناصر و وجود الحرکات و آثار الحيوة و لاجل ان الافلاک شفافة بسيطة لطيفة فالافلاک حاکية للنفس فهى جهتها و الارض غير حاکية مرية لنفسها فهى جهة لجسم و لما کانت النفس هى المربية للجسم فلتکن الافلاک هى جهة الرب و الفواعل و العناصر جهة النفس و المنفعلات فالافلاک هى الآباء و العناصر هى الامهات و المرکبات هى الاولاد الحاصلة بين هذه الآباء و هذه الامهات و قد نکحتها بالدوران و الحرکة و القت فى ارحام اجوافها نطفة شعلاتها و انوارها و آثارها حتى مکنتها و آثرت لطائفها التى هى نطفتها و ضرب بعضها ببعض حتى تولد من بينهما الاولاد فمنها ما سقط نطفة و لم‌يبلغ حد الکمال فکان منه الجماد الميت کالنطفة الميتة و منها ما سقط علقة فکان المعادن التى ظهر فيها بعض اشعة آثار النفس و منها ما سقط مضغة فکان منه البرزخ بين المعدن و النبات کالمرجان و ما يشاکله و منها ما سقط عظاماً فکان منه النبات الظاهر فيه بعض آثار النفس و منها ما سقط مکسى اللحم فکان منه البرزخ بين الحيوان و النبات کبعض الحيوانات النابتة و کالنخل و امثالها و منها ما سقط بعد نفخ الروح فيه و انشاء الخلق الآخر فکان منه الحيوان الظاهر فيه شعور النفس و ارادتها و حرکتها و منها ما تولد بشراً سوياً ذانفس ناطقة فکان انساناً تاماً کاملاً کالانسان فهذه المواليد السبعة هى اولاد السموات الفاعلة التى هى الذکر و العناصر المنفعلة التى هى الانثى. انظر الى الکلام الحق کيف ينطبق بعضه على بعض بلا تکلف.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 251 *»

فصـــل: الجسم البسيط المتشاکل الاجزاء فى الکم و الکيف و الطبع يقتضى شکلاً بسيطاً متصلاً وحدانياً لعدم وجود المقتضيات المختلفة فيه فلابد و ان‌يکون کرياً متوازى السطحين ليس له اضلاع و لا زوايا فان الاضلاع و الزوايا من مقتضيات الطبايع المختلفة کما ان ضلعاً غير ضلع و زواية غير زاوية و جهاتها مختلفة و اما الشکل الکرى فلايحيط به الا سطح واحد متشاکل متناسق. فالجسم البسيط لايجوز ان‌يتصور اذا کان بلا مانع الا بصورة الکرة. فالافلاک کلها کرات متوازية السطوح متناسبة الثخن بالضرورة و کل فلک لازم لمحله و حيزه الذى يقتضيه لايصعد عنه و لاينزل من غير قاسر ظاهرى و ليس له الا حرکة دورية فى وضعه و حيزه لانه متحرک بفضل النفس و حرکتها و هو کرى و هو بسيط ليس فيه بواعث عديدة و لا دواع و مقتضيات مختلفة فلايقتضى الا وضعاً واحداً و حيزاً واحداً فليس له حرکة مستقيمة صعوداً و نزولاً لان الحرکة المستقيمة تستلزم النفور عن وضع و الميل الى وضع آخر و ذلک لايکون الا من داعيين فى الشىء و البسيط ليس له داعيان و مقتضيان فليس له حرکة مستقيمة بمقتضى قابلية الفعلية و انتقال من وضع و لما کان و ليس له حرکة مستقيمة ليس بثقيل و لا خفيف و لا تعجب من حرکته بکبره اذا کان کل جزء منه حياً متحرکاً و لا تثاقل فيه من حرکة و لا تعب و لا نصب لانه ليس له اجزاء ميتة تحملها اجزاء حية بل کل اجزائه حية متحرکة بنفسها و لاجل ذلک نقول ان الکواکب ايضاً لها حرکة وضعية فى حيزها و محلها بل يزداد الفلک بکل حرکة و دورة شوقاً الى الحرکة و نشاطاً لا کسل و لا ملالة لعدم مقتضيها فيه و يتحرک عن شهوة و ميل لعدم ميل الى المنافى فيه و لعدم مقتضى السکون فيه فيتحرک دائماً فى وضعه و لايعرضه بوار و لا دثور لعدم لحوق المنافى اليه و عدم باعث للتغير و التبدل فهو خلق مطيع دائب فى حرکته سريع و لايعقل فيه اختلاف الحرکات من سرعة و بطؤ لعدم عروض عارض  عليه و حدوث مقتض جديد فيه و ان کان يمکن فيه و لا اختلاف الحرکات فى الجهات لوجود البساطة و عدم المقتضيات المتشتة.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 252 *»

فصـــل: و اما الخرق و الالتيام فقد تکلم فيهما الناس کثيراً و لى فيهما کلام و هو ان الافلاک جسم کما ان العناصر جسم و الجسم من حيث انه جسم صورته المقومة لمادته صلوح انواع الحرکات و السکنات و ليس شىء من الحرکات المستقيمة او المستديرة بذاتى له البتة فهى اى الافلاک من حيث انها جسم صالحة للحرکة المستقيمة و الحرکة المستديرة و صالحة للتشقق و الخرق و صالحة للالتيام بلا ارتياب الا ان الافلاک ظهرت بصنع الصانع و حکمته على صورة البساطة و الاستدارة و تشاکل الاجزاء فتفاوتت من حيث النوع مع العناصر و لها من حيث النوعية بعد تلبس حصة الجنس بالصورة النوعية احکام تلزمها ما دامت لابسة لتلک الصورة و ما لم‌يغلب عليها غالب قاهر.

فالکلام يعود الى ان الافلاک من حيث هى کرات و بسيطة حال کونها کذلک هل يجوز فيها الخرق و الالتيام ام هى من قبيل کون الجسم حاراً حين کونه بارداً؟ فنقول الصورة النوعية للافلاک البساطة و الطبيعة الواحدة و الاقتضاء الواحد فهى اذا کانت تقتضى الحرکة المستديرة لاتقتضى حين هى کذلک الحرکة المستقيمة فان الحرکة المستقيمة فرار من جهة و ميل الى جهة بالبداهة و الحرکة المستديرة حرکة لا الى جهة کذلک فان الکرة جهتها فى نفسها لاتفر من جسم و لاتقصد جسماً آخر و لاتنتقل من مکا ن و لاتأوى مکاناً آخر فمقتضى الحرکة المستقيمة غير مقتضى الحرکة المستديرة و البسيط حين هو بسيط ليس له داعيان و مقتضيان فلايعقل فيه الحرکة المستقيمة فاذا لايخرق حتى يتلزز اجزاؤه و يميل جزؤ الى جزء بالحرکة المستقيمة ثم لايلتئم فيعود کل جزء منه الى موضعه بالحرکة المستقيمة و لاينزل من الافلاک العالية نازل بالحرکة المستقيمة عن حيزه الذى يقتضيه بطبعه اليه فيخرقه و لايصعد من الافلاک الدانية صاعد بالحرکة المستقيمة عن حيزه الذى يقتضيه اليه فيخرقه و لايصل اليه واصل من العناصر لان الافلاک تدفعه دفعاً و لايمکنه الصعود اليه بل و يحترق و يفنى اذا قرب منه فلا خرق و لا التيام لها بعد کونها افلاکاً بسايط و ان کان يمکن فيها کل واحد من حيث انها جسم و ليس بممتنع و ان غلب عليها غالب بمعجز و صعد اليها خرقها البتة لانها جسم لين الين من الهواء و يجوز عليها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 253 *»

الخرق فاذا انخرقت بخرق الخارق و صعد الخارق او نزل تلتئم لطلب کل جزء منها موضعه الذى کان يقتضيه بالطبع و يحرک النفس کل جزء الى موضعه لوجود المقتضى حينئذ و هو الزوال عن موضعه فيلتئم.

و اما العرش فيجوز ايضاً فيه اذا وصل اليه الخارق لانه جسم کباقى الافلاک و لايلزم منه حرکة الجسم الى الخلاء بل اذا انخرق تلزز الاجزاء من الجانبين فى ثخنه و لو کان الجزء من محدبه فان الممنوع صعود الجسم عن سطحه المحدب و اما تلزز اجزائه فى نفسه فلا مانع منه لانه تلزز فى حيزه کما کان يدور فى حيزه فافهم و لنا کلام طويل الذيل فى صعود ادريس و ايليا و عيسى و نبينا محمد؟ص؟ باجسامهم لاينافى هذه القواعد ابداً ذکرناه فى ساير کتبنا و ليس هنا موضع بيانه اذ لا حاجة اليه فانا لااقول بامتناع الخرق و الالتيام و لااقول بوقوعهما بحسب العادة و الطبيعة اذا فرض قاسر فيها يمکن وقوعهما فيها و لو خليت و طبعها لاتنخرق و لاتلتئم و لايفسد ما هى عليه من التصاق الاجزاء بعضها ببعض و تناسق الحرکات و لا داعى لهما بالفعل فيها فتدبر.

فصـــل: ان الفضل فى خلقة الحکيم غير جايز کما ان النقصان غير جايز سواء کان الخلق من الفلکيات او العنصريات او المرکبات و لا اختصاص لمنعه فى السموات الا ان معرفة الفضل و غيره من المشکلات فلربما يکون فى الشىء جزء لانعرف مسيس الحاجة اليه و يظهر فى بادى النظر انه فضل ألاترى انه ربما يحسب الجاهل ان العينين احداهما زائدة و لايعرف مسيس الحاجة الى طاقة الشعر المعينة و ربما يرى اصبعاً واحدة فضلاً مثلاً. بالجملة‌الحد الذى يعرفه الحکيم على القطع ان الفضل و النقصان محالان فى خلقة الحکيم و اما الجزئيات فمما لايحيط به الا علم خالقها و من الهم بعلمها من عنده الا ان الذى يقتضيه القواعد الحکمية و العقول المرتاضة الموزونة الّايکون فى الافلاک المتشاکلة الاجزاء البسيطة فضول فى تداويرها و حواملها و ممثلاتها و افلاک آخر زايدة عما يرى لها آثار و حرکات و هذا هو المناسب بالخلق المتقن و الامر المحکم.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 254 *»

فصـــل: اذا عرفت ان کل فلک بسيط لازم لحيزه محدود من حيث المحدب و من حيث المقعر متحرک فيه بطبعه لا معنى لتحريک فلک آخر اياه على غير طبعه فان الفلک الآخر ايضاً فى حيزه محدود من حيث المحدب و المقعر غير مرتبط بغيره و محض المماسة لايوجب تحريک احدهما الآخر اذا کان کل واحد فى حيزه غير ممازج و لا مرتبط بالآخر و لا برزخ بينهما و الذى يرى فى السفليات ان المتحرکين المماسين على الاختلاف يقسر اقوىٰهما الاضعف فانما ذلک لتعلق بعض اجزاء احدهما بالآخر او وجود برزخ بينهما و امثال ذلک و فى الفلکيات لايعقل امثال ذلک فلايقسر جسم منها جسماً من دون حمل و نقل عن مکان و لو کان المحيط اذا تحرک تحرک المحاط لکان الواجب ان‌يتحرک العناصر حرکة قسرية بحرکة الافلاک و هى عندها کنقطة لا مقدار لها و کان يلزم ان‌يکون لها حرکة خاصة هى نتيجة حرکات الافلاک جميعها و حاصلها و لايقول به قائل و لکان فلک المشترى يتحرک نحو حرکة فلک زحل و يقطع دورة بقطعه دورة و المحرک قسراً يسکن قسراً و المسرع قسراً مبطئ قسراً فکان اللازم ان‌يمسک فلک زحل فلک المشترى بل و يمسک فلک البروج جميع الافلاک فان الاقوى يقهر الاضعف و کان اللازم ان‌يکون حرکة جميع الافلاک على حسب حرکة فلک البروج فان لم‌يکن ارتباط بين الفلکين و لايکون التماس سبب التأثير فلا تحريک و ان کان فيکون التسکين ايضاً فلا معنى لتحريک فلک فلکاً تحريکاً قسرياً جسمانياً على ما يقولون و ذلک خطاء منهم واقع.

فصـــل: اعلم انا و ان قلنا ببساطة الافلاک الا ان الغرض البساطة النسبية لا الحقيقية فبساطتها بمعنى عدم ترکبها من اجسام فلکية او عنصرية آخر و الا فهى لها مواد و صور و طبايع جوهرية اى حرارة و برودة و رطوبة و يبوسة جوهرية دهرية و منها ما هو اشد حرارة و منها ما هو اشد برودة و منها ما هو اشد‌ رطوبة و منها ما هو اشد يبوسة و بذلک اختلفت امزجة الکواکب و الوانها و کيفياتها و آثارها و ترتيبها و لطافتها و کثافتها و احيازها و سرعتها و بطؤها الى غير ذلک فلو کانت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 255 *»

بسيطة حقيقية لماکانت فيها هذه الاختلافات البينة اذ لايعقل اختلاف البسيط فاذ لم‌تکن بسيطة حقيقية لم‌يجر عليها احکام البسيط الحقيقى و يجرى عليها احکام المرکبات الدهرية لا الزمانية و جاز فيها جريان بعض احکام المرکبات فيجوز فيها الرقة و الغلظة و التلزز و التخلخل بمعنى الرخاوة و ساير ما ذکرنا من الاختلافات و امثالها مع الدوام و الثبات على الحالة الواحدة و الطبع الواحد و الاقتضاء الواحد لعدم طريان حدوث تغير فيها و کونها مصونة عن التبدل و التغير مدى الزمان و الى ما شاء الله فلاجل ذلک ترى اجرام الکواکب متلززة مرئية و ساير اجرام السموات غير مرئية و بعض الافلاک ارق اى اقل ثخناً و بعضها اکثر و بعضها متحرکاً من المشرق الى المغرب و بعضها من المغرب الى المشرق و امثال هذه الاختلافات يجوز فيها ولکن على نهج الدوام فانکار اکثر الاشياء فيها لاجل بساطتها لا معنى له لانها ليست ببسيطة حقيقية فتدبر.

فصـــل: فاذ قد اثبتنا ان الارض ساکنة لايعقل حرکتها و اثبتنا ان الحرکة للسموات و اثبتنا ان المشهود من السموات حرکات مختلفة و اثبتنا ان لکل حرکة لابد و ان‌يکون محرک خاص و مبدؤ خاص و لايجوز لفلک واحد حرکتان اختياريتان و لايتعلق بجسد واحد نفسان مدبرتان قاهرتان فى آن واحد وجب ان‌يکون الامر على ما ذهب اليه فلاسفة الاسلام و حکماؤهم و متکلموهم و اصحاب التعاليم منهم و ذهب اليه من المتقدمين ارسطو و بطلميوس و غيرهم نعم يقع بعض الاختلافات فى المسائل الجزئية التى لاتضر باصل المطلب و ذلک غير ضاير بالمراد فالحرکة الکلية اليومية من المشرق الى المغرب لفلک خاص کلى محيط بالکل و تحريکه البواقى ليس بأنه حاملها او مماس بها لما بينا و انما ذلک لاجل وقوع ظله و شعاعه الروحانى فى ساير الافلاک فاذا سار اصل الفلک سار الظل معه کما يسير نور الشمس مع الشمس و ذلک الشعاع يسير بالافلاک و تسير معه لرقتها و لطافتها و روحانيتها و سرعة مطاوعتها کما يسير البخار بسير الشمس و تسير ذوات الاذناب بمشايعة شعلات الکواکب و لاتسير العناصر بمشايعة ظل فلک

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 256 *»

الافلاک لغلظتها و کثافتها و عدم انفعالها بفعله کما لاتتحرک الصخرة بحرکة شعاع الشمس بل بحرکة الهواء ثم بعد فلک الافلاک فلک البروج فالذى تحقق عندنا من امره ان الکواکب التى فيها متحرکة و تقطع دورة فى ثلثين الف سنة و ان البروج هى الصور المعلومة لا موضع مفروض من فلک البروج بل نفس الکواکب الواقعة على الصور المعينة هى البروج و هى التى لها خواص و آثار و احکام و تعينات و امزجة و تعلقات و حصص مفروضة من فلک البروج المتشاکل الاجزاء لايختلف احکامها و آثارها و تعلقاتها و لايکون قطعة من الفلک حارة بلا جهة و قطعة باردة بلا جهة و هکذا ساير منسوبات البروج و الدرجات و حصص الافلاک المتشاکلة لاتختلف احکامها فالبروج هى الکواکب و هى التى لها نفوس مختلفة جزئية و لها آثار و احکام و تعلقات و منسوبات و غير ذلک. و من قال غير ذلک فقط خبط خبط عشواء. فالبروج تنتقل من امکنتها کما انتقل العقرب الى محل کان سابقاً محل القوس و القوس فى محل الجدى و هکذا و يتحرک محل تقاطع المعدل و المنطقة على خلاف التوالى الى ان‌يقطع دورة فى ثلثين الف سنة و الکواکب کلها ذوات تداوير و بطؤ فلک البروج فى حرکته من جهة تعارض حرکات التداوير و شعلاتها و کل کوکب يتحرک فى نفسه على مرکزه. و ما زعموه من اختلاف الميل الکلى فانما هو لاجل نقصان آلات الارصاد و عدم نقصانها مکابرة و المعصوم من عصمه الله حسب. و الفلک الواحد لايعقل له حرکتان و الاقبال و الادبار و الحرکة اقل من دورة و قد اثبتنا ذلک فى محله.

و اما الکواکب السبعة فلکل کوکب حرکة خاصة کما هو معلوم و لها الافلاک المعلومة کما هو مقرر فى الهيئة القديمة و لا حاجة الى تطويل المقال فيها اذ هى معروفة و الذى افهم ان فلک البروج ايضاً بطرح شعلاته فى الافلاک السبعة يحرکها بفضل حرکته على وفق منطقته کما يحرک العرش ساير الافلاک بل و کذا يحرک فلک زحل ما دونه و فلک المشترى ما دونه و فلک الشمس ما دونه و هکذا کل فلک اقوى يحرک ما هو اضعف منه بطرح شعاعه کما مر. و هذه الحرکة المحسوسة هى حاصل مجموع تلک الحرکات و الحرکة الحاصلة لکل کوکب غير هذه المرصودة اذ کليات الحکمة لاتخصص و ماترى فى خلق

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 257 *»

الرحمن من تفاوت.

و اما نضدها و ترتيبها فالذى ظهر لنا هو الترتيب المعروف فاولها زحل ثم المشترى ثم المريخ ثم الشمس ثم الزهرة ثم عطارد ثم القمر و کلها تدور حول الارض و الارض وسط الکل و لما لم‌يکن اقامة البرهان على هذا البنيان من وضع هذه الرسالة و کانت مقصورة على ابطال امر الهيئة الجديدة و لم‌تستدع منى ان‌ابرهن على طريقتنا لم‌نتصد بذکر الادلة مفصلاً على الهيئة القديمة هذا و الکتب به مشحونة و ان کان عندنا من الادلة عليها ما لم‌يکن عندهم.

فلنختم الرسالة هىٰهنا و اتفق الفراغ منها فى غرة شهر رجب المرجب من شهور سنة تسع و ستين من المائة الثالثة‌عشرة من الهجرة النبوية على مهاجرها الف صلوة و تحية حامداً مصلياً مستغفراً و کاتبها مصنفها العبد الاثيم کريم بن ابرهيم.

تــــــمـــــــــــــــــــــــت

و بلغنى ان من اسباب امتحان القائلين بحرکة الارض انهم بنوا بيتاً تحت خط الاستواء و علقوا فى سقفه سلسلة يقرب رأسها الارض ثم رسموا خطاً مستقيماً على الارض يکون مع السلسلة على زاوية قائمة و لعلهم رسموه الى جهة القطبين ثم جذبوا السلسلة الى جهة خلاف الخط المسامت له ثم خلوا عنها فتحرکت على متن الخط على الاستقامة و صنعوا کذلک فى ارض خمسة و ثمانين فتحرکت السلسلة حرکة دورية خارج الخط فعرفوا من ذلک ان الارض متحرکة فان الخط خرج عن تحت مسير السلسلة. فنقول لهم ان ذلک توهم محض و غلط صرف و انا اقبل الشبهة و اقول ليکن امتحانکم تحت القطب فنفرض ان السلسلة على متن المحور فاقول افرض ان الارض تحرکت حرکة دورية حول السلسلة و البيت على الارض و منها فهو ايضاً يتحرک بحرکة الارض و بطبعه حرکة دورية و السلسلة متصلة بالسقف و البيت و الارض و هى من الارض فتتحرک حرکة دورية لکن فى نفسها و وضعها فهى کالساکنة غير خارجة عن وضعها.

ثم انت يا ايها الممتحن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 26 صفحه 258 *»

من الارض و على الارض و افرض لسلسلتک وجهاً الى الخط و ظهراً الى خلافه و وجهاً يدور مع الخط ابداً لايتخلف عنه و انت واقف وراء ظهر السلسلة فتجذبها اليک و انت وجهک الى الخط ابداً لانک تدور مع الارض فانت ابداً تقسر السلسلة الى جهة خلاف الخط فى خط يسامته خط الارض فمتى‌ما ترکت السلسلة تنزل بطبعها الى جهة خط الارض و تتحرک على استقامة خط الارض لان قسرک ابداً على خلاف جهة الخط الارضى و بجذبک ارتفعت عن الارض و بترکک نزلت بطبعها على جهة فاين الحرکة الدورية. و ان زعمت انک لاتدور مع الارض بسبب الحيوانية و تزول عن موضعک فمن اين عرفت ان الارض تحرکت بل لو کانت ساکنة و زلت عن موضعک لتحرک السلسلة على غير سمت الخط الارض لانها متصلة بيدک و يکون قسرها على خلاف جهة الخط و ان فرضت على المحال انک لاتتحرک بحرکة الارض و السلسلة لاتتحرک حصل لنا دليل ان الارض لاتتحرک فانک ان رفعت حجراً و امسکته فوق نقطة من الارض ثم خليت عنه نزل على تلک النقطة ابداً و لا فرق بين الحجر و السلسلة تدبر و انصف. هذا و الاعمال اليدية لاتقوم دليلاً فى هذه الموارد لاحتمال تمويج الهواء بحرکة السلسلة و تزعزعها و زوالها قسراً عن مجرىها الطبيعية هذا و وصول الانسان الى قريب القطب مع شدة برده و الظلمات متعذر و هو محض ادعاء و محض نقل و على فرض الوصول عرفت بطلانه ان‌شاء‌الله فانصف بعد التدبر. کتبه کريم بن ابرهيم حامداً مصلياً.