22-16 مکارم الابرار المجلد الثانی والعشرون ـ رسالة في طهارة الزبيب المطبوخ ـ مقابله

 

رسالة في طهارة الزبيب المطبوخ

 

من مصنفات العالم الربانی و الحکیم الصمدانی

مولانا المرحوم الحاج محمد کریم الکرمانی اعلی الله مقامه

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 339 *»

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمدلله رب العالمين و الصلوة علي محمد و آله الطاهرين.

و بعــد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد وردت علي مسألة من بعض الاخوان الذي اوجبت علي نفسي اجابته و التزمت طاعته في الزبيب هل ينجس بالطبخ ام لا؟ فبادرت في جوابه ساعة ورودها و احببت ان اكتب جوابه مع دليله و لو علي وجه الاقتصار ليكون اسكن لقلبه متكلاً في ذلك علي جودة ذهنه و ذكاء فهمه و من الله الاستعانة و التوفيق.

اعلم يا اخي وفقك الله و ايدك ان هذه المسألة مما قد اختلفت العلماء فيها لاختلاف انظارهم و فهمهم لاخبار اهل‌البيت: فمن المتأخرين القائلين بنجاسته شيخنا اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه في احد قوليه فاني سمعت السيد الاستاد اطال الله بقاه و ادام ظله علي رؤس من والاه ان الشيخ اعلي الله مقامه كان يقول بنجاسة مطبوخ الزبيب زماناً و رأيته يوماً و قد اكل علي مائدة من لون فاخبر بان فيه الزبيب المطبوخ فعدل عن اكله و اكل من لون آخر من غير ان‌يغسل يده و هو يدل علي انه اعلي الله مقامه عدل عن القول بالنجاسة و كان السيد الاستاد امد الله ظله علي رؤس العباد في الاوائل يقول بطهارته الا انه كان يمنع عن اكله و يستحرمه و علي ما اخبرنا انه عدل في هذه الايام عن الطهارة و قال بنجاسته ايضاً.

و قال شيخنا اعلي الله مقامه في الحيدرية في المطلب الذي عد فيه النجاسات قال و العصير العنبي اذا غلا و اشتد علي المشهور الاصح ما لم‌يذهب ثلثاه و اما الزبيبي و التمري فالمشهور الطهارة و الحلية و نقل عليه الاجماع و ظاهر جمع منهم التحريم بل قيل بالنجاسة اذا اشتد و لم‌يذهب ثلثاه و الظاهر ان الاجماع غير ثابت و ان اجتناب ذلك احوط انتهي.

و قال الشيخ يوسف في الحدائق اما عصير العنب‌ـ(التمرـ‌ظ) و الزبيب فالظاهر انه لاخلاف في طهارته و عدم نجاسته بالغليان فاني لم‌اقف علي قائل بالنجاسة هنا و بذلك صرح في الذخيرة ايضاً

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 340 *»

فقال بعد الكلام في نجاسة العصير العنبي و هل يلحق به عصير الزبيب اذا غلا في النجاسة لااعلم بذلك قائلاً و اما في التحريم فالاكثر علي عدمه انتهي. و يلوح من كلام شيخنا الشهيد الثاني وقوع الخلاف هنا حيث قال بعد كلام نجاسة عصير العنب و لايلحق به عصير التمر و غيره كالزبيب علي الاصح حتي يذهب ثلثاه ما لم‌يحصل فيه خاصية الفقاع للاصل و خروجه عن مسمي العنب و ذهاب ثلثيه بالشمس انتهي كلام الشيخ يوسف.

و هذا الذي اطلعت عليه من اقوال العلماء و يظهر من ذلمك ان القول بالنجاسة نادر جداً و قد اعترف الشيخ اعلي الله مقامه بان المشهور الطهارة كما رأيت و اللازم بعد ذلك نقل اخبار المسألة و بيان طريق نظر كل واحد من العلماء ثم الترجيح بالنظر القاصر و نذكر ايضاً ادلة التحريم حتي ينكشف النقاب عن المسئلتين فمما استدل به علي التحريم رواية علي بن جعفر عن اخيه موسي بن جعفر قال سألته عن الزبيب هل يصلح ان‌يطبخ حتي يخرج طعمه ثم يأخذ ذلك الماء فيطبخ حتي يذهب ثلثاه و يبقي الثلث ثم يرفع و يشرب منه السنة قال لابأس و هذا الخبر كماتري ليس فيه في جواب الامام7 شيء يدل علي تحريم مطبوخه ما لم‌يذهب ثلثا مائه بوجه من الوجوه لا بالمطابقة و لا بالتضمن و لا بالالتزام اذ هو7 اجاب عن موضع السؤال من غير تعرض لغيره و ربما يستدل عليه بما رواه الكليني في باب صفة الشراب الحلال بسنده عن عمار بن موسي الساباطي قال وصف لي ابوعبدالله7 المطبوخ كيف يطبخ حتي يصير حلالاً فقال لي خذ ربعاً من زبيب و تنقيه و صب عليه اثني‌عشر رطلاً من ماء ثم انقعه ليلة فاذا كان ايام الصيف و خشيت ان‌ينش جعلته في تنور مسجور قليلاً حتي لاينش ثم تنزع الماء منه كله حتي اذا اصبحت صببت عليه من الماء بقدر ما يغمره ثم تغليه حتي يتذهب حلاوته ثم تنزع ماءه الآخر فتصب عليه الماء الاول

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 341 *»

ثم تكيله كله فتنظر كم الماء ثم تكيل ثلثه فتطرحه في الاناء الذي تريد ان‌تطبخه و تقدره بعود و تجعل قدره قصبة او عوداً فتحدها علي قدر منتهي الماء ثم تغلي الثلث الاخير حتي يذهب الماء الباقي ثم تغليه بالنار فلاتزال تغليه حتي يذهب الثلثان و يبقي الثلث ثم تأخذ لكل ربع رطلاً من العسل فتغليه حتي يذهب رغوة العسل و تذهب غشاوة العسل في المطبوخ ثم تضربه بعود ضرباً شديداً حتي تختلط و ان شئت ان‌تطيبه بشيء من زعفران او بشيء من زنجيل فافعل فاشربه و ان احببت ان‌يطول مكثه عندك فروقه قوله7 ينش من النشيش و هو صوت غليان القدر ماء كان فيه او غيره و التنور المسجور المحما بالنار و الذكي يعرف ان هذا الخبر ايضاً لادلالة فيه بوجه اذ المراد بكونه حلالاً يعني في مقابلة النبيذ المحرم لا من جهة الغليان و الاشتداد و ما يوهم من قوله و خشيت ان‌ينش فانما هو لفساد في مزاج الماء لان المايع لاينش بنفسه الا اذا فسدت حرارته الغريزية فان كان فيه حلاوة يتغير و يصير خمراً فامره بوضعه في التنور المسجور ليكون نشيشه اذا نش بالنار لا من نفسه فيصير خمراً و لو كان الحذر من مطلق النشيش لما امره بوضعه في التنور المسجور فانه احر من الخارج يقيناً و ينش فيه اكثر فليس الحذر من مطلق النشيش بل مما ذكرنا من غليان نفسه و الدليل علي ان وصفه بالحلية ليس في مقابلة الغليان و عدم ذهاب الثلثين بل في مقابلة التغير ما رواه الكليني في خبر آخر قريب من مضمون ما ذكرنا و قال7 فيه حتي يذهب ثلثاه و يبقي ثلثه ثم تجعل عليه نصف رطل عسل و تأخذ مقدار العسل حتي تذهب تلك الزيادة ثم تأخذ زنجبيلاً و قولنجاناً و دارصيني الي ان قال في آخره و هو شراب طيب لايتغير اذا بقي ان‌شاء الله.

فصار واضحاً ان الزبيب اذا طبخ و وضع يتغير فيصير خمراً فارادوا: تعليم الشراب الحلال يعني الذي لايتغير كلما بقي و يزيد ذلك بياناً و وضوحاً انهم سألوهم عن الشراب الحلال فوصفوا لهم و امروهم باذهاب الثلثين و ادخال العسل و الزعفران و الزنجبيل و امثال ذلك من الافاويه فلو كان كلما اجابوا في هذه الاخبار من شروط تحليل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 342 *»

العصارة لكان عصارة الزبيب لايحل بعد الغليان الا اذا ادخلوا فيه العسل و تلك الافاويه و ليس كذلك بالضرورة و بالجملة كلما اورد الكليني في هذا الباب باب الشراب الحلال فيه امر بادخال الافاويه و ليس ادخالها من شروط حلية العصارة و الحقيقة في ذلك انهم ارادوا ان‌يعلموا شيعتهم شراباً يكون له خاصية تلك الاشربة المحرمة في تقوية البدن و الهاضمة و لايكون مسكراً فامروهم بهذا و سمي بالشراب الحلال في مقابل الشراب الحرام و من هذا النوع الشراب الحلال الرضوي المعروف و هذا المطلب اوضح عندي من الشمس في رابعة النهار و ان اردت الاطلاع علي ما اطلعت عليه اطلع علي الباب المذكور في الكتاب المذكور فليس يدل هذه الاخبار علي ان ذهاب الثلثين من شروط حلية ماء الزبيب بل لاجل عدم التغير عند البقاء و هذا واضح ان‌شاء الله و يزيد ذلك وضوحاً رواية ابن هشام قال كتبت الي ابي‌الحسن7 جعلت فداك عندنا شراب يسمي الميبه نعمد الي السفرجل فنقشره و نلقيه في الماء ثم نعمد الي العصير فنطبخه علي الثلث ثم ندق ذلك السفرجل و نأخذ ماءه ثم نعمد الي ماء هذا الثلث و هذا السفرجل فنلقي عليه المسك و الافاويه و الزعفران و العسل و نطبخه حتي يذهب ثلثاه و يبقي ثلثه أيحل شربه فكتب لابأس به ما لم‌يتغير. فطبخ ذلك علي الثلث ليس الا لاجل الخاصية كما يصفه الاطباء في كتبهم و لئلايتغير اذا بقي.

و كذلك الزبيب في تلك الاخبار نعم روي عن زيد النرسي عن اصله عن الصادق7 في الزبيب يدق و يلقي في القدر و يصب عليه الماء قال حرام حتي يذهب ثلثاه قلت الزبيب كما هو يلقي في القدر قال هو كذلك سواء اذا ردت الحلاوة الي الماء فقد فسد كلما غلا بنفسه او بالنار فقد حرم الا ان‌يذهب ثلثاه ولكن كتاب زيد النرسي قد اختلف اصحاب الرجال فيه فعن الشيخ الطوسي لهما اصلان اي لزيد النرسي و زيد الزراد قال لم‌يروها محمد بن علي بن الحسين بن بابويه و قال في فهرسته لم‌يروها محمد بن الحسن الوليد و كان يقول هما موضوعان و كذا كتاب خالد بن عبدالله بن سدير و كان يقول وضع هذه الاصول محمد بن موسي الهمداني و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 343 *»

كذا عن ابي‌جعفر ابن بابويه ان كتابهما موضوع وضعهما محمد بن موسي السمان و قال بعضهم ان اباجعفر غلط في هذا لانه رواهما ابن ابي‌عمير و قد اجمعت العصابة علي تصحيح ما يصح عنه ولكن الجارح مقدم علي المعدل و ليس لمن لايعلم حجة علي من يعلم فشهادة هذين السندين اقدم لانهما شهدا بوضعه و غاية الامر ان ابن ابي‌عمير لم‌يطلع علي وضعهما و اعتمد علي من نسب اليهما و اشتهر كونهما عنهما و اقل ما يحصل في الباب عدم الاطمئنان في روايتهما لما نسب اليهما و عدم امكان ابتناء الحكم الشرعي علي مثله مع انه يحتمل قوياً ان‌يكون المراد بالحرمة انه يتغير و يحرم كما مر في ساير الشربات و كانوا يتوسلون بهذه الحيل الي النبيذ فنهوهم عن ذلك و استدلوا ايضاً بصحيحة عبدالله بن سنان عن ابي‌عبدالله7 قال كل عصير اصابته النار حرام حتي يذهب ثلثاه و يبقي ثلثه. وجه الاستدلال ان العصير كلما يعصر من ذي ماء فماء الزبيب ايضاً حرام و الجواب ان العصير حقيقة عرفية في ماء العنب و يجب حمل الخبر عليه قبل اللغة كما هو محقق في محله ذلك ان لم‌ندع انه حقيقة شريعة و لغوية ايضاً في عصير العنب خاصة اما الحقيقة الشرعية فيدل عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن ابي‌عبدالله7 قال قال رسول‌الله9 الخمر من خمسة العصير من الكرم و النقيع من الزبيب و التبع من العسل و المزر من الشعير و النبيذ من التمر.

قال في القاموس الكرم العنب و قال في الحديث لاتسموا العنب الكرم فانما الكرم الرجل المسلم و قال في المجمع الكرم كفلس العنب الي ان قال فلما جاء الله بالاسلام و حرم الخمر نهاهم النبي9 عن قولهم ذلك و قال لاتقولوا الكرم فان الكرم قلب المؤمن لانه معدن التقوي الي غير ذلك فانظر الي صراحة الخبر ان العصير مخصوص بالكرم و ان ماء الزبيب يسمي بالنقيع و قال في المجمع و العصير من العنب يقال عصرت العنب من باب ضرب استخرجت ماءه و اسم الماء العصير و يأتي من قول اهل اللغة ما يزيد ذلك بياناً.

انظر في وضوح العصير في عصير العنب و لو اردنا ان‌نأخذ لفظ العصير في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 344 *»

الماء المستخرج من كل ذي ماء فاذا يحرم ماء جميع البقول و الفواكه و الثمار و الانوار و الازهار اذا غلا ما لم‌يطبخ علي الثلث و لم‌يقل به احد فاذاً ليس العصير بهذا المعني قطعاً فينبغي تخصيصه بعصير دون عصير و المحرم المنصوص عليه المقطوع به و المجمع عليه العصير العنبي و غيره محل خلاف و شك و دلالة الحديث علي غيره غير معلوم فيبقي الباقي علي اصل الحلية حتي تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و في الاخبار الصحاح انما الحرام ما حرم الله و ليس الحرام الا ما حرم الله و من الاخبار المستدل بها علي المقام صحيحة معوية بن عمار قال سألت اباعبدالله7 عن الرجل يأتي من اهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول قد طبخ علي الثلث و انا اعلم انه يشربه علي النصف أفاشربه بقوله و هو يشربه علي النصف فقال لاتشربه و روي هذا الخبر عن التهذيب فقال خمر لاتشربه. و البختج بالباء الموحدة ثم المعجمة الفوقانية ثم التاء المثناة الفوقانية ثم المعجمة التحتانية العصير المطبوخ كما في المجمع ان كان بحسب اللغة و الا فيمكن ان‌يقال هذا فرع العلم ببختجات ذلك اليوم فلايتم الاستدلال به.

و اذا عرفت ان العصير ظاهر في العنب فلايتم الاستدلال به فانه لو كان كماتزعم لكان المرق و المشوي حراماً فان الماء الذي في اللحم غلا و لم‌يعلم انه ذهب ثلثاه و لكان البختج من جميع البقول و الفواكه حراماً و ليس كذلك بالاجماع فالعصير شيء مخصوص فاذا تتبعت في العرف قديماً و حديثاً عرفت انه ظاهر في عصير العنب ذلك مع انا نقول ان العام اذا علم علماً قطعياً انه ليس علي حقيقته و لم‌يجر الحكم المتعلق به في جميع الافراد يقيناً ولكن لم‌يعلم اي فرد يستثني لاجمال علمه يفيد اجمال العام بالضرورة فلايحكم به في جميع الافراد بالضرورة لقطعية التخصيص المجمل لايقال ان الحكم المتعلق بالعام يقيني و العام حقيقة في افراده فلايستثني منه الا اليقيني لانا نقول ليس الحكم متعلقاً بالعام علي حقيقته بداهة و الا لكان كذباً و انما تعلق به في معناه المجازي و هو مجهول فهذا الخبر و امثاله ان تنزلنا عن القول بظهور العصير في العنب عرفاً و شرعاً مجمل لايصح الاستناد به لانه ليس علي حقيقة بالضرورة و لاقرينة معينة لفرد خاص و كذا اذا تعارضت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 345 *»

القراين و الادلة في بقاء اللفظ علي الحقيقة اللغوية و نقله الي الحقيقة العرفية يحصل الشك في معناه فيكون متشابهاً و يرد حكمه الي الله و رسوله9 و لايمكن الاستدلال به لقيام الاحتمال المساوي فيبقي الشيء علي اصله.

و اما ما يستدل عليه بانه بمحض الغليان يصير مسكراً و يصير خمراً فهو حرام و نجس دعوي بلابينة و الحكمة تخالفه فان الشيء ما لم‌يتغير و تفسد حرارته الغريزية لايخمر العقل و الخبر ظاهر في العنب و ليس كل عصير اذا غلا خمراً و هل يمكن بناء الاحكام الشرعية علي مثل هذه الخيالات؟

و بالجملة هذا غاية ما استدلوا به للتحريم و قد عرفت انه لادلالة لشيء منها علي التحريم غير رواية زيد النرسي و قد عرفت حالها لايقال انتم تقولون ان كل خبر ليس له معارض من الكتاب و السنة فهو مقرر و يجب العمل به و خبر زيد لامعارض له فلاي وجه لاتعملون به لانا نقول ان خبر زيد معارض بماذكرنا من شهادة ابن‌بابويه و شيخه اذ قالوا علي سبيل القطع بوضعه و لم‌يذكر احد صحته علي سبيل القطع و لسنا نعمل نحن بكل خبر ليس له معارض من كتاب و سنة فانه اذا وضع اليوم احد خبراً في شيء غير منصوص في الكتاب و السنة و نحن نعلم انه موضوع ليس يمكن العمل به لانه غير معارض بالكتاب و السنة لان علي الامام7 تعريف الحق و الباطل و قد عرفنا بطلانه و كذلك هذا الخبر فانه قد شهدوا فيه بشهادة لم‌يشهدوا بمثلها في شيء من الاخبار فاذاً لايسكن القلب عند هذا الخبر اذا شهد بوضعه مثل هذين السندين عن علم و محض رواية ابن ابي‌عمير كتابه لايفيد عدم وضعه لانه ربما لم‌يطلع علي وضعه و ليس لمن لايعلم حجة علي من يعلم و لتعارض رواية ابن ابي‌عمير مع رواية هذين السندين و كلهم ثقات و لامرجح في البين يكون صدوره غيرمقطوع به و لامظنون و الناس في سعة ما لم‌يعلموا و قال7 ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم‌تعلموا فردوه الينا فهذا الخبر مردود الي قائله و قال7 امر بين رشده فيتبع و امر بين غيه فيجتنب و امر مشكل يرد حكمه الي الله و رسوله و قال كل شيء لك حلال

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 346 *»

حتي تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و قال كل شيء لك مطلق حتي يرد فيه نص و قال الله تعالي احل لكم الطيبات و قال7 في صحيحة محمد بن مسلم انما الحرام ما حرم الله و رسوله في كتابه و عن احدهما8 في صحيحة زرارة انما الحرام ما حرم الله في كتابه عقيب الامر بقرائة قوله تعالي قل لااجد في ما اوحي الي محرماً الآية و عن ابي‌جعفر7 في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم انما الحرام ما حرم الله عزوجل في القرآن و قوله في صحيحة محمد بن مسلم ليس الحرام الا ما حرم الله في كتابه ثم قال اقرء هذه الآية قل لااجد الآية فاذا ليس ماء الزبيب في الكتاب و لم‌يحرم فيه.

و اما العصير فقد حرم بالنص و الاجماع و هو من بواطن الكتاب او هو خمر فيشمله تحريم الخمر و ماء الزبيب ليس في ظاهر القرآن و لا فيه نص و لااجماع فكيف يمكن تحريمه و قد خلق لكم ما في الارض جميعاً ثم نحن نتنزل عن ذلك و نقول هب نحن قد قلنا بتحريم عصير الزبيب فمن المعلوم ان الفاظ الشرع يحمل علي ما هو الشايع المتعارف و علي ما يتبادر منه في الذهن و لايجوز في الشرع عندنا تنقيح المناط و الاستبعاد فاذا العصير ما يعتصر من شيء بوضع شيء ثقيل علي شيء او بالفتل او بالدوس او بالغمز حتي يستخرج ماؤه قال في المجمع عصر الثوب و نحوه هو فتله لاخراج مائه و قال في القاموس عصر العنب و نحوه يعصره فهو معصور و عصير و اعتصره استخرج ما فيه الي ان قال و عصيره ما يحلب منه فالعصير مأخوذ فيه استخراج الماء عرفاً و لغةً فلو طبخ الزبيب في غذاء او مطبوخ كما هو الغرض من السؤال اين حصل العصر و هل يقال للزبيب المطبوخ عصير الزبيب او يقال للماء الذي فيه عصير قبل ان‌يعتصر حاشا ثم حاشا كما لايقال للماء الذي في العنب عصير ما لم‌يستخرج و ليس لاحد ان‌ينقح المناط في الاحكام او يستنبط العلة فيحكم و هل كان الامام يعجزه ان‌يقول ان ماء العنب لو طبخ يحرم حتي يذهب الثلثان فكما انهم لم‌يقيسوا بالعنب الزبيب للاسم و كذا لم‌يقيسوا بهما الحصرم للاسم و انما يحكمون بحرمة المعصور من الزبيب بعد النش بنص

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 347 *»

علي زعمهم لا لان اصله العنب فكذا ينبغي ان لايحكم علي الزبيب المطبوخ قياساً علي العصير فان ذلك ليس بعصير عرفاً و لغةً و امثال ذلك كثيرة في الاحكام كما انهم يحكمون في الكلب المستحيل ملحاً مثلاً انه طاهر لانه ملح و ليس بكلب مع ان اصله الكلب و لايجوزون السجود علي الملح لانه ليس بارض مع ان اصله الارض و هكذا يدور جميع احكام الفقه مدار الاسماء فكذلك الزبيب المطبوخ ليس بعصير فلايجري عليه احكام العصير بل لقائل ان‌يقول ان احكام العصير ايضاً يجري علي العصير اذا كان طبخه علي القاعدة المعتادة للدبس و البختج فانه الشايع المعروف فليس ما طبخ علي غير المتعارف مع اخلاط اخر حراماً كما اذا اخلط ماء العنب مع العقاقير في المطبوخ دواءاً و اخلط ماء العنب في غذاء و طبخ و قد ذهب الي عدم الحرمة في هذا النوع بعض اصحابنا لان طبخ العصير يحمل علي الشايع المتعارف و اما الطبخ بقسم نادر فلايدخل تحت العمومات و ان كان تحتها حقيقة ولكن الاحسن الاستدلال في هذا الحكم بما كتب الي ابي‌الحسن علي بن محمد7 عندنا طبيخ يجعل فيه الحصرم و ربما يجعل فيه العصير من العنب و انما هو لحم يطبخ به و قد روي عنهم في العصير انه اذا جعل علي النار لم‌يشرب حتي يذهب ثلثاه و يبقي ثلثه و ان الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة و قد اجتنبوا اكله الي ان‌نستأذن مولانا في ذلك فكتب لابأس بذلك.

انظر كيف استثني الامام7 الذي يجعل في القدر مع اللحم عن العصير المشهور و اجري حكم اخبارهم علي الغالب و قد عمل بهذا الخبر الشيخ الحر في الهداية و احتمل بعضهم ان قوله7 لابأس بذلك يعني لابأس بهذا التفريع الذي فرعت و جعلت المغلي مع اللحم كالمغلي وحده و هو بعيد غاية البعد عند المنصف و ظاهره انه لابأس به مع اللحم الا ان المنقول من الاصحاب عدم الفرق بين المطبوخ مع شيء آخر و المطبوخ وحده و ظاهر هذا الخبر كماتري واضح في خلافه و ظاهر الشيخ العمل به علي حسب ما اورده في الهداية ولكن الاحتياط في هذا القسم شديد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 348 *»

فتلخص من جميع ما شرحنا و اوضحنا ان ماء الزبيب لايحرم بغليه و نشيشه و طبخه ابداً و اما نجاسته فلم‌اجد لاحد من الاصحاب بعد التتبع تعرضاً في الاستدلال عليه و لم‌يذكر احد دليلاً للقائل به بل ادعوا الاجماع علي خلافه و ها ان ما ذكرنا لك جميع ما يتعلق بامر الزبيب و لم‌يكن في شيء منه دليل علي النجاسة ولكني اقول لعل حكمهم بذلك لخبر وصل اليهم دوننا فهو تكليفهم دوننا او لاجل نظرهم في ان هذا عصير يقيناً و العصير اذا غلا ينجس علي ما هو المشهور و لانه اذا غلا يكون خمراً علي ما قاله ابن بابويه و كل خمر نجس فماء الزبيب نجس ولكن قولهم هذا عصير ليس بصحيح عرفاً و شرعاً كماعرفت في الاخبار ان العصير من الكرم و النقيع من الزبيب بل و لغة اذ قد صرح اهل اللغة في الفرق بين العصر و النقع ان العصر في الاجسام التي لها ماء و النقع في الاجسام الصلبة التي لاماء لها و انما يوضع في الماء لينتقع فماء الزبيب نقيع لاعصير.

و عن النهاية النقيع شراب يتخذ من زبيب او غيره ينقع في الماء من غير طبخ و كذا في القاموس انه ما ينقع في الماء من الدواء و النبيذ و انه شراب من زبيب او كل ما ينقع تمراً او زبيباً و قال في المجمع و النقيع شراب يتخذ من زبيب ينقع في الماء من غير طبخ.

و عن المصباح المنير ان النقيع هو نقيع التمر و الزبيب و غيره اذا ترك في الماء حتي ينقع من غير طبخ

و بالجملة ماء الزبيب و امثاله نقيع ليس بعصير و العصير يطلق لغة علي ما له ماء سائل من نفسه او ماء العنب خاصة قال في القاموس عصر العنب و نحوه يعصره فهو معصور و عصير و اعتصره استخرج ما فيه الي ان قال و عصيره ما تحلب منه و قال في المجمع و العصير من العنب يقال عصرت العنب من باب ضرب استخرجت ماءه و اسم الماء العصير فماء الزبيب ليس بعصير لاشرعاً و لالغةً و لاعرفاً و مع التنزل و المداراة مشكوك فيه بعد هذه الادلة القريبة فلايتم الحجة و لايمكن الاستدلال لوجود الاحتمال المساوي بل الغالب.

و اما قولهم كل عصير نجس ليس بمسلم علي كليته اذا المشهور بينهم ان العصير العنبي اذا غلا و اشتد نجس و بذلك لاتثبت نجاسة كل عصير و قال بعضهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 349 *»

ان المسألة غير منصوصة و ليس القول بنجاسته مشهوراً بحيث يكون خلافه نادراً بل قال بطهارته جمع من الاصحاب من متقدميهم و متأخريهم فليس بمجمع عليه اجماعاً مشهورياً امرنا بأخذه و لا بمنصوص باتفاق العلماء نعم استدل بعضهم بمارواه معوية بن عمار قال سألت الصادق7 عن الرجل من اهل المعرفة يأتيني بالبختج علي الثلث و انا اعرف انه يشربه علي النصف فقال خمر لاتشربه. و هذا الخبر مروي من التهذيب و روي هذا الخبر بعينه في الكافي و ليس فيه لفظة خمر و قالوا هذا يوهن في الاعتماد علي رواية تهذيب مع ما عرف من كثرة سهو الشيخ في الزيادة و النقصان في السند و المتن ولكن اقول يحتمل ان‌يكون وقع السؤال مرتين او عن شخصين في الواقع و احتمال الزيادة ابعد من احتمال النقصان ولكن غير معلوم ان البختجات ذلك اليوم بأية كيفية كانت و هل كان فيها عكرة ام لا و هل كانت تشرب يوم طبخها او توضع اياماً و الظاهر انها تبقي فتتغير اذا كانت منصفة فبهذا الخبر لاتثبت نجاسة العصير و ان كان ظاهره لغة ان العصير المطبوخ علي النصف خمر اذ البختج لغة شراب يطبخ من العصير و لايخلط معه الطين فيصير بذلك حامضاً قليلاً ولكن هو شربة تبقي فان كان منصفاً يتغير بمرور الايام فيصير خمراً و لعله قد منع الامام7 و قال هو خمر لاجل ذلك و الا فغير معهود ان‌يطبخه الانسان كلما اراد شربه فالوجه فيه كالوجه في الشراب الحلال و لعل بذلك لم‌يستدل بهذا الخبر احد من العلماء المتقدمين و المتأخرين الا الامين الاسترابادي. ولكن ظاهر الخبر بحسب اللغة كماقلنا ان العصير اذا غلا خمراً ما لم‌يطبخ علي الثلث فلعل قول الصدوق و والده «ان العصير اذا غلا بنفسه او بالنار يصير خمراً ما لم‌يبلغ الثلث» مبني علي هذا الخبر او خبر آخر بلغهم فنجاسة العصير بعد ان كان بختجات ذلك اليوم علي ما نقله اهل اللغة فرع القول بنجاسة الخمر و ذلك خارج عن محل السؤال و الا لبسطنا القول فيه ايضاً و علي اي حال النقيع ليس بعصير حتي يصير بالغليان خمراً اذ العصير كماعرفت شرعاً من الكرم و كذا من اللغة و ماء الزبيب نقيع لاعصير فلايمكن الاستدلال بهذا الخبر علي النجاسة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 22 صفحه 350 *»

فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الزبيب المطبوخ ليس بحرام و لانجس لان مبني جميع هذه الادلة علي العصير و الزبيب المطبوخ ليس بعصير بداهة و هذا اوضح من الشمس في رابعة النهار و عدول الشيخ اعلي الله مقامه عن القول بالنجاسة اوضح دليل علي وهن مستند النجاسة فانه مازاد يوماً فيوماً الا تتبعاً و معرفة بالاخبار و لحنها و تعاريضها هذا مع ما عرفت من نقل الاجماع علي طهارته و عدم القائل به من السابقين ولكن لما ذهب السيد الاستاد اليها ينبغي لك و لنا التوقي منه مهما امكن و الحمدلله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين.

كتب ذلك كريم بن ابرهيم عفي عنهما بيمناه الداثرة في الثالث و العشرين من شهر جمادي الثانية سنة 1256 حامداً مصلياً مستغفراً اولاً و آخراً تمت.