16-03 مکارم الابرار المجلد السادس عشر ـ رسالة علم ‌اليقين ، در اصول فقه و ادله حصول يقين ـ مقابله

 

 

 

رسالة علم‌اليقين

 

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 283 *»

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطيبين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين ابد الآبدين.

و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه هذه درة يتيمة و جوهرة عظيمة لم‌ير عين الدهر مثلها و لم‌يحز خزانة شكلها ، من وجدها لم‌يفقد خيرا و من فقدها لم‌يجد برا ، اهديتها الي خالصي الخلان و صوافي الاخوان خالصا لوجه الله طالبا رضاه ، راغبا الي زلفاه فبشراكم ايها الاخوان انها حسناء لم‌يكشف الي الآن لثامها و طوبي لكم معشر الخلان انها مختومة لم‌يفض الي هذا الزمان ختامها ، قد حفظتها الي زمانكم هذا قلوب تقية و اودعتها صدورا نقية ، لم‌تبتذل في الطروس و لم‌يتفضل بها في الدروس اللهم الا ما برز من مشايخنا الكرام و لضالضنا الفخام اعلي الله مقامهم و رفع في الخلد اعلامهم و منا علي سبيل الاجمال تقريرا و تسطيرا صونا عليها من اطلاع الاغيار و حرصا علي كتمانها عمن ليس من اهل الدار و اني قد رأيت منكم قوابل شريفة و قوالب نظيفة و قلوبا زكية و صدورا نقية و تسليما للحق و اهله و تفويضا الي حملته و محله فلم‌استحسن كتمانها بعد عنكم و الاستيثار بها دونكم و ارجو من الله سبحانه ان يصونها عن اهل الغمص و اصحاب النقص و يوفقكم للاسترشاد بسنائها و الاستهداء بضيائها لتحصيل اليقين بها في امور دينكم بل آخرتكم و دنياكم و يزول بها عنكم كل شك و يبعد عنكم كل شرك و لاتزل قدم بعد ثبوتها و لعمري ان تمسكتم بهداها و استصبحتم بضيائها لن‌تضلوا و من تخلف عنها بقي دهره في الالتباس و يختنق في لجج الشكوك بالارتماس و يغرق في بحار المرية بالاغتماس فاعرفوا قدرها و اغلوا مهرها و هذا ابان الشروع في المقصود و جعلت لها مقدمة و ابوابا و سميتها بعلم‌اليقين و بالله علي اتمامها استعين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 284 *»

المقدمة في بعض ما رأينا ان نقدمه تنبيها للغافلين و ايقاظا للراقدين و فيه فصول :
فصل اعلم ايها الموفق بمطالعة كتابي هذا المستهدي بهداه الذي اتعبنا له انفسنا بتصنيفنا هذا الكتاب و تصدينا ان نوصله الي الحق و اليقين في كل باب ان الانسان اذا صعد من مهاوي الجمادية و ترقي عن دركات النباتية و نجا عن الحيرة البهيمية و تحقق فيه النفس المتنبهة الانسانية و رجع طرفه في اطراف هذه السموات المبنية و الارضين المدحية و هذه النجوم السايرة و الحوادث الدايرة و الاوضاع العلوية و المواليد السفلية و نظر في اصناف الناس و اختلاف آرائهم و اهوائهم و اقوالهم و افعالهم و مللهم و مذاهبهم و استيثار كل رهط منهم رأيا و سلوك كل قوم منهم طريقا و تكذيب بعضهم بعضا و تكفير بعضهم بعضا و تولي بعض بعضا و تبري بعض عن بعض و حكم بعض علي بعض بالهلاك و شهادة بعض علي بعض بالنجاة و سمع منهم اسماء رب و نبي و جنة و نار و برزخ و آخرة و صراط و ميزان و خير و شر و سعادة و شقاوة و كفر و ايمان و فرايض و فضايل و مكروهات و محرمات و محاسن و مثالب و رأي اختلافهم في معاني هذه الاسماء و رأي قرب الاجل و سرعة انقطاع الامل و توارد الآفات و تتابع البليات و امثال ذلك استوحش استيحاشا لايكاد يمكنه القرار و اضطرب اضطرابا لايعرف الليل من النهار و تلجلج قلبه و ترجرج لبه و استمر عيشه و سلب عنه النوم و حمله القلق علي طلب امر يستيقن به النجاة و دعاه الاضطراب الي تحصيل شئ يسكن معه وجيب قلبه بلا ارتياب حتي يستحلي به عيشه و يستقر به لبه لا محالة و من لم‌يكن كذلك فهو بالبهائم اشبه و الي الاموات اقرب فيستوجب الانسان النبيه المتيقظ تحصيل اليقين بالنجاة استيجابا لايماثل و يستفرضه استفراضا لايقابل و يرجحه علي اكله و نومه و يستعمل فكره فيه ليله و يومه فوجوب تحصيل يقين النجاة عليه وجوب جبلي فطري لايحتاج الي حجة و دليل و يستوجبه الانسان من غير روية استيجابه الفرار من الاسد الضاري الفاغر فاه الداني منه بالطبع بلا شك .

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 285 *»

فصل اعلم ان الانسان بعد ما استوجب تحصيل اليقين بالنجاة فشمر عن ساق الجد و عض علي النواجذ و شد الحزام و استعلم احوال الانام و استعمل عقله طالبا للنجاة غير مخاطر بنفسه خادع لها خائن اياها لاعب بها و هو مهتم بامرها عن صدق ففحص عن احوال هذا الخلق رأي اكثرهم بهائم رتع غفلة جهلة يأكلون و يتمتعون كما يتمتع الانعام اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لايرحمون انفسهم و لايصادقون ارواحهم يوقعون رأي العين انفسهم في المهالك و يضيقون علي انفسهم المسالك فان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون لايفهمون ما يقولون و لا ما يقال لهم و لايعلمون ماذا يعملون و لماذا يعملون من اين جاؤا و الي اين يروحون همهم ما يدخلونه في بطونهم فقيمتهم ما يخرجونه من بطونهم و يري انهم لايعلمون خير دنياهم فضلا عن خير اخراهم فاذا كانوا هم لايبالون بانفسهم و لا بما يقولون و لا بما يعملون فاي عبرة بهؤلاء و ليس دعاؤهم الا كخوار البقر و اجسامهم الا كالشجر و قلوبهم الا كالحجر فلا عبرة باجماعهم و تفرقهم و شهرتهم و ندورهم و اقرارهم و انكارهم و تحسينهم و تقبيحهم و لايتزلزل قلب عاقل من تفرق اباعر كما لايطمئن باجتماعهم و لايضطرب بخوارهم كما لايسكن بسكوتهم فقولهم كبولهم و عملهم كزبلهم بلا تفاوت فيعلم جملة ان جميع هؤلاء و اديانهم و آرائهم و اقوالهم و اعمالهم و مذاهبهم من حيث استنادها اليهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا و يستيقن رأي العين ان كل دليل كان بناؤه علي اتفاق هؤلاء او شهرتهم او اخبارهم او تضافرهم او استحسانهم او استقباحهم او فعلهم او سيرتهم و طريقتهم او شئ مما يضاف اليهم اوهن من بيت العنكبوت مع انه اوهن البيوت فكم من اناس اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم رأيناهم اجتمعوا علي اتباع فاسق فاجر يستشنع اعماله جميع العقول السليمة لايرحم نفسه حتي يأوي رمسه و لايعرف هرا من بر لايعرف الهر من البر اي لايعرف من يكرهه ممن يبره ، معيار .
و هو بالبهائم اشبه فاظهروا له الخلوص و الاعتقاد و استوجبوا اتباعه علي العباد و استرشدوه من ضلالتهم و استعلموه عن

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 286 *»

جهالتهم و جلسوا عنده جلسة العبيد و اطروا له بالمدح عند كل غايب و شهيد و رووا عنه كرامات و حكوا له معجزات و بذلوا دونه الارواح و الاموال و العرض و العيال ، و كم من اناس رأيناهم اجتمعوا علي المجانين العريانين كالحمير و له من كل جانب صراخ و نفير فتذللوا له تذلل البعير و اهدوا له هدايا و تحفا و رجحوه علي غيره سلفا و خلفا و استمدوا من باطنه و توجهاته و طلبوا النجاة من بركاته بزعمهم و هو متلطخ بقاذوره في المزابل يستقذره الحيوان الزكي فضلا عن الانسان الالمعي و هم يرونه وليا كاملا و انسانا بالغا ، و كم من قباب عالية و ابنية متعالية رأيناها رفعت علي ارماس جهلة و اخابيث فسقة و حوطها ( حوطوها ظ ) بضرايح عظيمة و حصون منيعة و قد شاهدناهم في حال حيوتهم و هم كارجس البهائم و انجس الحيوانات لم‌يعلموا حسنا من قبيح و لا اعجما من فصيح اخلاقهم دقيقة و وجوههم صفيقة يشمئز ذو الشامة الصحيحة من نتنهم و يستقذر السجية المستقيمة هيأتهم و يستنكف ذو السليقة القويمة من معاشرتهم قد زخرفوها بالنقوش و فرشوا فيها الفروش و قامت بخدماتها خدم و علي كنسها حشم ، و كم من اخبار متواترة و روايات متضافرة جاءتنا علي حوادث من رجال معتمدين و اناس في الظاهر معتبرين ثم تبين بعد حين انهم مااخبروا الا عن وهم و تخمين ، و كم من اناس سكتوا عما يدعي بحضرتهم و لم‌يسكتوا الا عن جهل بالقضية او خوف و تقية او عدم اعتناء بالواقعة او للتلبيس و الخلط للبرية فيحسب سكوتهم الجاهل تقريرا و تركهم الردع تصديقا ، و كم من اناس موسومين بالعلوم منتحلين للرسوم لهم كتب انيقة و تصنيفات و طروس نميقة و تأليفات يجمعون علي توثيق رجال فسقة ذوي كبائر موبقة فيوثقونهم في كتبهم و يثنون عليهم في زبرهم يطرون في مدايحهم و يلقبونهم بالقاب علية و يجرحون رجالا علماء و اناسا حكماء كادوا من الحكمة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 287 *»

ان يكونوا انبياء قد تقدس ساحتهم عن كل مثلبة و يستحقون جوامع المنقبة فماتوا فعدوا في عرض العلماء و بقي كتبهم تتداولها ايدي الفضلاء و ذلك مشهود كل ذي عين فانظر من اين الي اين ، و كم من شهود في الظاهر موثقين و عدول في الاعين معتبرين رأيناهم قد شهدوا علي باطل برشاء منّ برّ او منين و سلبوا الناس بذلك اموالهم و ضيعوا عيالهم و كم من اقوام شاهدناهم يميلون ميل الحكام فاذا مال الحكام الي مذهب تراهم يحث بعضهم بعضا علي الميل اليه و يحسنون ذلك المذهب و ينحتون له ادلة و يحوكون له براهين يزخرفونها بمتشابهات الكتاب و السنة و اقوال السالفين فيبذلون في ترويجه الاموال و يضعون من يخالفه و يحقرونه و يزرون به في المجالس و المحافل بل و يكتبون في حقيته كتبا و تصانيف و رسائل حتي يشيع ذلك الامر في قليل وقت في جميع بلادهم و ينمحي آثار خلافه ظاهرا بل و لرب اناس منتحلين لبعض العلوم الغير المبالين بالدين الغير المتحرجين بالكذب يكذبون علي رسول الله صلي الله عليه و آله و اوصيائه عليهم السلام اخبارا عديدة في تشييد مباني ذلك المذهب و تخريب ما يخالفه و كذلك ديدن الناس قديما و حديثا ، و كم من اناس يشهدون علي شئ ليسوا من اهل فهم ذلك الشئ فيسمعون شيئا او يرونه و لكن ليس لهم فهم ذلك الشئ و ليسوا من اهله فيشهدون فيه شهادة عن عيان و هم خابطون فيه خبط عشواء و بين ما يحكون و بين ذلك الشئ بون بعيد كما نري اناسا يحضرون محفل عالم و يسمعون منه فيخرجون و يحكون عنه ما لم‌يقله ابدا و لم‌يرد في كلامه ذلك بوجه و هو برئ مما يقولون و كلهم يقولون سمعنا من فلان كذا و رأيه في هذه المسألة كذا و يتبرؤ الي الله من ذلك القول و ذلك المذهب و لذلك يختلفون في النقل ، و كم من روات ليس لهم ذلك الحفظ و الغالب عليهم النسيان فيروون رواية يحرفون الكلم عن مواضعه و يغيرونه و يبدلونه و هم علي الظاهر معتبرون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 288 *»

معتمدون و لكنهم من اجل غلبة النسيان لايمكن الركون الي اخبارهم و الوثوق برواياتهم و كم من اناس حفظوا اول الكلام و حضروه و لم‌يحضروا آخره و لم‌يطلعوا عليه فيحكون اول الكلام و هو بفرده خلاف المرام ، و كم من اناس يحرفون الكلم عن مواضعه عمدا و يغيرون و يبدلون بحقدهم الباطن لصاحب الكلام و هم في الظاهر بريائهم و سمعتهم و نفاقهم مؤتمنون و قد يأخذون كتاب عالم فيضعون فيه اباطيل و اضاليل و ينسبونه الي ذلك العالم و ساحته بريئة من تلك الآراء و الاقوال فاذا نشروه بين الناس صدقهم الناس و زعموا انه قول ذلك المسكين و هو بري‌ء منه ، و كم من اناس بجهالتهم اتبعوا رجلا زعموه عدلا ثقة امينا و هو في الواقع منافق قد اظهر الايمان و العلم ليختل الجهلة و يقتنصهم فيكفر المؤمنين و المؤمنات بنفاقه و عداوته الباطنة فيصدقه اولئك البهائم بحسن ظنهم فاذا تري جماعة يبرؤن من رجل بالاجماع و اصل ذلك الاجماع عداوة ذلك الرجل المتلبس المنافق الواحد فيقوم الاجماع علي قدح ذلك الرجل المسكين و البراءة منه و تكفيره من غير اثم و لا حرج ، و لرب اناس لهم اغراض في تحصيل الدنيا و لهم نفوس ضعيفة لايقدرون علي الصيد كالاسود و السباع فيرمسون شبكة و يقدمون واحدا مثلهم و يجعلونه امامهم و مقتداهم و يبجلونه و يعظمونه في الاندية و المجالس و يدورون الصيد له و يقربونه اليه شيئا بعد شئ حتي يوقعوه في تلك الشبكة فيأكلوه و ذلك ديدن كثير من الناس حتي انهم ربما يفترون الرؤي و يبنون مقابر و يأفكون لها معجزات و كرامات و يحرصون الناس علي زيارتها و الاستشفاء بها و بناء القباب عليها و تعليق القناديل و اسراج السرج فيها ليكون لهم شبكة يصيدون بها الصيود و يذبحونها و يأكلونها و بذلك يعيشون في مدة عمرهم ، و علي هذه فقس ما سواها ، فاذا رأي العاقل اليقظان النبيه غلبة هؤلاء في الدنيا و استيلاءهم عليها و رآهم يثبتون بتوهم و ينفون بتوهم يقولون بخيال و يسكتون بخيال لهم قلوب لايفقهون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 289 *»

بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها و ان هم الا كالانعام بل هم اضل كيف يمكنه الاعتماد علي اخبارهم و تميزهم و جرحهم و تعديلهم و اتفاقهم و افتراقهم و شهرتهم و ندورهم و تولاهم و تبراهم و يقينهم و شكوكهم و كيف يعتمد علي ما يستند اليهم و يقف علي اقوالهم و اعمالهم سلفهم و خلفهم فلا والله لايعتمد عليهم الا مغرور جاهل ليس له مسكة و لا خبرة باوضاع العالم اليس في ذلك معتبر ان اهل الاقاليم السبعة اربعة اقاليم منهم عبدة الاوثان بعد و هم ايضا رجال لهم اعين و آذان و السنة و قلوب و افهام بحسب الظاهر لهم صنايع و تدابير و دول و رياسات و قريب اقليمين منهم نصاري قد خرجوا عن ملة عيسي عليه السلام و ابدعوا لهم دينا ينفع دنياهم بزعمهم و تركوا من شريعة عيسي كل ما يضر بدنياهم علي حسب افهامهم و البواقي كثير منهم يهود و مجوس و اهل السنة و البقية التي فيهم شيعي و هم اقل قليل اكثرهم اهل البوادي همهم رعي دوابهم و غزاوة بعضهم بعضا و سلب بعضهم بعضا و قتل بعضهم بعضا و قطاع طرق ثم بعد ذلك كثير منهم اهل القري همهم زروعهم و بساتينهم و عيونهم لايلتفتون الي دين و لايعرفون هرا من بر ثم اهل البلدان منهم اكثرهم اهل السوق و الكسبة ليس لهم هم الا اصلاح صنايعهم و تجاراتهم و مكاسبهم يغدون عليها و يروحون الي بيوتهم يأكلون و ينكحون كالانعام ثم بعد ذلك كثير منهم عساكر و جنود و غزاة و حواشي للحكام و السلاطين همهم ما تري ثم بعد ذلك كثير منهم طلبة الدنيا باظهار الدين طمعا في الصدقات و الاوقاف و اكرة القضاة شهود كل قضية و وكيل كل مدع و مطلق النساء و مزوج الارامل و البنات و امثال ذلك ليس لهم هم الا تحصيل دنياهم و الاقتيات و الارتزاق من اعمالهم المنكرة المذكورة و جل فساد المدن من شرور هؤلاء اللهم الا ان يبقي من كل الف‌الف نفس نفس واحدة معتنية بدينها مهتمة بامر آخرتها تنظر في امرها بنظر العبرة لاتخون نفسها و لاتريد هلاكها تطلب معرفة الضار من النافع و الحق من الباطل و اين هم و كم هم هاه هاه والله العاقل غريب غريب غريب يموت في همه و وحشته ليس له ناصر و لا معين ثم من بين اولئك الآحاد قل من وصل الي امر و تركه آفات الدنيا و اهلها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 290 *»

حتي يعيش و يبلغ منتهي مراده فانشدك بالله ايها العاقل الذي اليه وجه خطابي و له تعبي و تصنيف كتابي انت آنسني بانصافك و شاركني في همي و كربتي هل يمكن لي و لك ان نعتمد علي اولئك في شئ من امر الحق و نصدقهم او نعتمد علي دليل ينتهي مقدماته الي شئ مما يضاف اليهم او يستند اليهم فلا و ربك لايمكن لي و لك ذلك ابدا فابتغ ايها الاخ ما دامت لك فرصة في تحصيل اليقين بسبب النجاة فان آفاتنا كثيرة و اعداؤنا جمة و العمر قليل و النظر كليل و مرادي من وضع هذا الكتاب ان اعطيك دليلا في كل باب تحصل به فيه اليقين بلا ارتياب و لكن لا بد لك ان تصغي الي ما اقول حتي تنال المأمول .

فصل اعلم وفقك الله و ايدك و اعانك في هذه الوحشة و آنسك ان اليقين حالة نفسانية تحصل للانسان قهرا عند حصول اسبابها سواء رضيها الانسان او كرهها و تحصيلها بتحصيل اسبابها فلايملكها الانسان اذا امتنعت و لايقدر علي طردها اذا وردت و انما هو كالحزن و الفرح و الرضا و الغضب فليس هو بامر اختياري فما لم‌يكن اسبابه موجودة لايحدث في نفس الانسان و لا حيلة له في تحصيله و احداثه لنفسه الاتري ان يقينك بالنهار او بالسماء او بالارض او بيدك مثلا امر لاتقدر علي سلبه من نفسك ابدا و اذا رأيت شيئا من بعيد لم‌تفهم انه انسان او حيوان لم‌تقدر ان تتيقن انه انسان و لو جاهدت نفسك دهورا و الكيفيات الحاصلة لنفس الانسان من حيث الشعور ثلثة ادناها العلم و مرادنا به حضور ما علمته باحد مشاعرك الظاهرة او مشاعرك الظلية البرزخية فذلك الحضور لدينا و في اصطلاحنا علم و ليس هذا الكتاب موضع تحقيق ذلك هذا و لا مشاحة في الاصطلاح فليكن هذا علما و يقابل هذا العلم الجهل و مرادنا به عدم حضور ذلك المعلوم لديك فان لم‌تر مبصرا ابدا فهو جهل عينك و ان لم‌تسمع فهو جهل اذنك و هكذا بواقي المشاعر الظاهرة فما لم‌يجر في خيالك و فكرك فهو جهلهما به و هكذا بواقيها فالجهل عدم وجود المعلوم لديك بذاته او صورته

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 291 *»

المنفصلة ثم اليقين و هو امر عقلاني ليس من شأن الحواس الظاهرة و الباطنة و انما هو شأن العقل المعنوي المدرك للكليات و هو الجزم علي الشئ و البت عليه و صفة حصوله لك انك اذا نزل بفناء ابواب حواسك نازل و طرق باب تلك الحاسة توجه الروح نحو ذلك الباب و رفع الحجاب و اذن له بالدخول فدخل فيها بالانطباع و حضر لديه مثال المدرك فادرك بفعله المتعلق بتلك الحاسة نفسه و لايدرك به شيئا من معانيه و ما يضاف اليه و يوصف به فذلك المحسوس المنطبع هو علمه به و هو معلومه كما حقق في محله فتؤديه الحاسة الي الحس المشترك البرزخي اي البنطاسيا يعني ينطبع فيه اذا استعمل الانسان اياه لا مطلقا و ان كان لنا ان نقول ان اسفله المرتبط بالحواس الظاهرة يستعمل باستعمالها و لكن اعلاه ليس كذلك حتي يستعمله الانسان فاذا استعمله اي قابله الانسان بما انطبع في الحواس ما دام الصورة فيها ينعكس الشبح في بنطاسيا و لايدركه الانسان فيه و لاينطبع ما لم‌يتوجه الانسان اليه فحينئذ يقبل الانطباع و يدركه الانسان فيه و لكن ليس حاجته الي الاستعمال كالنفس مثلا فان له نحو ارتباط بالجسمانيات و تشاكل بها و لايحتاج الي توجه نفساني تام بل هو قريب الي الطبعانيات و الجسمانيات و علي اي حال يقبل الصورة فحينئذ لايري ما في الحواس الظاهرة و ينحصر ادراكه ببنطاسيا و العمود المشهود من القطر النازل لسرعة تعاقب الروح الي الظاهر و الباطن و كذا دارة الشعلة المدارة و امثالها و لولا ان هذا المقام ليس محل التفصيل لهذا المطلب لشرحت الامر و لكن نقتصر بما بينا ثم اذا ثبت الصورة في الحس البرزخي حفظها بماسكته لانه ينصبغ بها انصباغا طبيعيا خارجيا و ان كان اعلي من ساير الطبيعيات فيتوجه اليه النفس و تدركها فيه بفعلها المتعلق به لان ادراك بنطاسيا بفضل ادراك النفس و فعلها فحينئذ تشرف عليه النفس من الملكوت فتدركها مجردة عن المواد بخلاف الحس الظاهر الذي انطبعت فيه من الشبح المتصل بالمادة الزمانية الخارجية و الحس البرزخي الذي انطبعت فيه منتزعة عن المواد الخارجية فالنفس تدركها مجردة و علامة التجرد عدم اختصاصها بالحدود

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 292 *»

المميزة الخارجية المخصصة المشخصة فتري صورة زيد لا من حيث الكبر و الصغر و الهزال و السمن و في يوم خاص و مكان خاص و حدود خاصة و ما في العين صورة خاصة و كذا في بنطاسيا و لكن النفس تدركها بفعلها اولا ثم بذاتها و فعلها هو الخيال فينتزع فعلها الصورة من بنطاسيا و المراد بفعلها شعاعها الظاهر في الفلك الثالث من افلاك بنطاسيا الظاهرة في الروح الدخاني الذي في الدماغ و هو الافلاك الجسمانية في مراتبه فافلاك بنطاسيا حالة في الافلاك الدخانية و جميع افلاك بنطاسيا برزخية مثالية فنفس تلك الافلاك بنطاسيا و قد حل فيها فعل النفس و شعاعها كما حل شعاع بنطاسيا في الدخان الذي في الدماغ و هو حيوة ذلك الدخان و هو معني قوله تعالي و جعل القمر اي فلك الحيوة البرزخية فيهن نورا اي في السموات الدخانية و الفلك الاول من الافلاك البرزخية هو الحس المشترك المحض و فلكه الثاني و ان كان برزخيا من جنس بنطاسيا الا انه موضع الفكر و الفلك الثالث موضع الخيال كما ان جميع هذه الافلاك الظاهرة جسمانية و لكن الاول للحيوة و الثاني للفكر و الثالث للخيال فالافلاك البرزخية كلها من عالم المثال و بنطاسيا بالقول الاعم الا ان فلكها الاول خاص بالحس المشترك و حيوته باسفل مراتب فعل النفس و فلكه الثالث فلك الخيال و حيوته بفعل النفس اي خيالها فمثال فعل النفس و الفلك كالمرآة و المثال الذي فيها فالحس الخاص بالمرآة الذي من نفس المرآة هو الحس المشترك بالمعني الاعم و الحس الحاصل من المثال الذي فيه هو من فعل النفس فاذا انصبغ نفس المرآة بما انصبغت و ادركته بادراكها ادته الي المثال الملقي فيها و مثال آخر له ان للعين من حيث نفسها ادراكا جسمانيا خاصا بها بذلك تقول رأته عيني و من حيث الحيوة التي فيها اي الحس المشترك ادراك آخر اعلي و ما روي عن الرضا عليه السلام انه سئل العين نور مركبة ام الروح تبصر الاشياء من منظرها قال عليه السلام العين شحمة و هو البياض و السواد و النظر للروح الخبر ، لاينافي ذلك فان ادراك نفس العين ضعيف جدا و الادراك البين القوي للروح و ادراك نفس العين ثابت اذا كان ادراك الروح قائما عليه و الا لماتت و لم‌تكن حية مدركة و الدليل علي ذلك ما روي ان لنا مع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 293 *»

كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا حيث نسب الادراك الي الحاسة و في حديث الرضا عليه السلام ماكذب فؤاد محمد ما رأت عيناه و يشعر بذلك قوله تعالي لاتدركه الابصار بالمفهوم و قول جميع الناس في ذلك بالطبع مؤيد لذلك بالجملة كما ان للحواس الظاهرة من نفسها ادراكا ضعيفا و للروح منها ادراكا اقوي كذلك للافلاك البرزخية من حيث نفسها ادراك و هو من جنس ادراك بنطاسيا و للنفس منها ادراك بفعلها و شعاعها الملقي فيها فاذا حصلت الصورة لبنطاسيا و فعل النفس و شعاعها فيه انصبغ ذلك الفعل و الشعاع منه انفعال المثال في المرآة منها فاذا تصور بتلك الصورة الكسبية وجدها كما حققناه في محله و اما ادراك النفس الذاتي فهو بتصور النفس بما اكتسبته من مثالها و شعاعها و انتزعته مما حصل في شعاعها و ليس في ادراكها الذاتي تعدد و تميز بين الفكر و الخيال و الوهم و العلم و غيرها بل هو ادراك محض كما لايكون في الروح تعدد كتعدد العين و الاذن و الشم و غيرها و انما هو ادراك وحداني كذلك النفس دراكة بنفسها وحدانية و انما الاختلاف في افعالها و محال افعالها و وصول الشبح الي النفس كوصول المحسوسات الي بنطاسيا بعينها فالعين ينطبع فيها الشبح اولا فتؤديه الي فعل بنطاسيا و هو يؤديه الي بنطاسيا كذلك الحواس الباطنة ينطبع فيها الشبح اولا ثم تؤديه الي فعل النفس و هو يؤدي الي النفس فتجتمع عندها الصور كلها و تدع عنها الخصوصيات هناك لاجتماع الكل فيها و نظرها الي الكل بنظر واحد و حصول الكل لها حصولا واحدا فالحاصل لها مجرد عن المواد و المدد و هو صورة عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد بالجملة طال الكلام و لم‌نكن بصدد بيانه في هذا المقام فلنرجع الي المرام فاذا حصل الصورة المجردة السارية في كل الزمان في النفس انتزع العقل معناها كما انتزعت النفس الصورة الملكوتية عن البرزخ و انتزع الحس المشترك عن الملك بعينه و لكن العقل لكليته و هيمنته علي جميع الحالات و المقامات النفسانية حصل له امر نافذ في جميع تلك الحالات فلا جرم كان معنويا كليا فانه

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 294 *»

لب اللب فاذا حصل المعني في العقل انتزع كما سمعت الفؤاد الحقيقة بلا كيف و آيته ما سبق و لسنا الآن بصدد بيانه و سامثل لك مثالا بينا اذا وضعت ماء في اناء مستطيل امامك في البيت في الساعة الاولي من يوم السبت شهر كذا و سنة كذا و نظرت اليه بعينك انطبع فيها صورة الماء المستطيل بلونه و وضعه لا غير فانتقل الصورة منها الي الحس المشترك كذلك و لكن الطف و هو الماء الخاص الذي تتصوره في ذلك المكان بتلك الحدود علي حسب ما رأيت في الخارج و تراه في النوم الا انه الطف من الصورة الخارجية المرئية بالعين للطافة الحاسة و قد بلغت من لطافتها انك تقدر ان تدرك بها امسك و غدك ايضا و لكن في حدود خاصة لا غير و اما ادراكك الماء بالصورة المائية الممتاز عن التراب بها اي البرودة و الرطوبة و السيلان الخاصة بالماء فهو من شأن النفس و ليس ذلك حظ عينك و لا حواسك الباطنة فالنفس تدرك الصورة المائية علي وجه اطلاقي نسبي مجرد عن المواد و المدد الخاصة المخصصة و اما ادراكك انه عنصري او جسماني او طهور و امثال ذلك فهو من شأن العقل فان هذه الامور امور معنوية و اما ادراكك الماء بانه ماء مطلقا عن جميع القيود الخاصة الشهودية و البرزخية و عن الصورة المجردة النفسية و الامور المعنوية بحيث لاتلتفت اليها ابدا بل اليه من حيث هو هو مع قطع النظر عن كل ما هو سواه فذلك ادراك فؤادي و موضع الحاجة في هذا الكتاب بقدر الكفاية و لو وفقنا لبيان حكمي فؤادي فهو فضل من الله سبحانه زايد علي ما كان في نظرنا عند وضع الكتاب فاذا عرفت الادراك العقلاني فنقول اذا صح آلات العقل و ادواته و حكت له الامر الخارجي بالصدق من غير تبديل و تحريف و حصل له دليل عقلي معنوي علي صدقها و كان مشعر عقله صافيا انتزع مما اتي به النفس معني لايشك فيه فيحكم بالصدق و اما اذا حصل الاختلاف في الرواية و اتاه النفس مرة بشئ و مرة بخلافه او البنطاسيا او الحواس الظاهرة و لم‌يقم له دليل علي صدقها فانه لايستيقن و لايجزم بما اتاه فلايحصل له معني يقيني يحكم به بل يتردد لعدم وثوقه بالرواة

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 295 *»

فحينئذ يحتاج الي راو ثقة لايحتمل قوله الخلاف حتي يحكم علي الامر باليقين او الي ادلة معنوية عقلية تدله صريحة الي المطلوب فيستيقن فاذا ادت الادوات مرة الماء علي هيئة الماء و مرة علي هيئة الشمس التبس الامر علي العقل انه عنصري ام سماوي فشك و اما اذا حكت له بالصفة المائية لا غير و اطمأن بصدقها له حكم علي الماء باليقين بالعنصرية و لاجل عدم الوثوق بالرواة مطلقا احتاج الناس الي شاهد صدق او دليل يشهد لهم بصحة ما ادت اليهم نفوسهم و لايحصل لهم اليقين الا بشهادة ذلك الشاهد او دلالة ذلك الدليل كما يأتي انشاء الله بالجملة اذا حصل الجزم بصحة الرواية و حصل في العقل معناها فذلك هو اليقين فاليقين هو حالة عقلانية تحدث قهرا للانسان عند حدوث اسبابها و توجه العقل اليها و تدبره فيها فلايمكنه الامتناع عنها عند حصول اسبابها و لايمكنه تحصيلها اذا لم‌تتهيأ اسبابها ابدا و اذا اختلفت الروايات او الشهود له و نظر اليها و حصل فيه شبحها و كان احديها راجحة و اقرب الي الجزم و الاخري مرجوحة كان الحالة الحاصلة للعقل من الراجحة ظنا و من المرجوحة وهما و ان تساوتا في قربهما الي الجزم و تعادلتا و نظر العقل اليهما و انتزع من كل شبحا و اجتمعا لديه حصل له الاضطراب و التردد و سميت حالته شكا و هذه الحالات قهرية محال تخلفها اللهم الا بتغير اسبابها و حدوث سبب آخر او فناء ما كان فحينئذ اذا نظر اليها العقل تغير و مثال ذلك الشبح في المرآة فان عند حصول الاسباب و هي صقالة المرآة و المقابلة و الضياء وقع المثال في المرآة لا محالة و لايمكن تحريك المثال و تغييره الا بتغيير اسبابه و اما اذا لم‌تتحقق مقابلة تامة و ضياء صادق و صقالة جلية لم‌ينطبع فيها الشبح كما هو البتة و اشتبه الامر يقينا فمن هذا تبصر امرك و افهمه .

فصل كما عرفت انه قد لايحصل المعني اليقيني في العقل بسبب اختلال الآلات و اختلاف الروات فاعلم انه قد يمتنع بسبب كدورة نفس العقل بسبب العوارض العارضة عليه من غلبة الجهل و ظلماته و عدم روحانيته عليه او غلبة العادات او الطبايع او الشهوة او الغضب او الالحاد او الشقاوة عليه فان هذه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 296 *»

الامور تعمي و تصم العقل فلايدرك حقيقة الوارد كما هو و ان هو حينئذ الا كمرآة عوجاء كدرة مختلفة السطوح مصبوغة و تتوارد عليه تلك الحالات فلايمكنه تحقيق شئ مما ورد عليه و اخبره الروات به فهو دائما متردد في الريب مشوب بالعيب يزري علي غيره و هو غافل عن نفسه نعوذ بالله و قل من ينجو من هذه الاعراض اللهم الا من عصمه الله فلاجل ذلك و امثاله قل ما يحصل يقين بالواردات و سكون عند الروايات فلايسكن عند كل حاصل الا مغرور جاهل و عن اوضاع النفوس و الطبايع غافل اللهم الا امور يشهد بها جميع العقول بلا اختلاف بينهم فان ذلك مما يحصل به اليقين اضطرارا و لايشك فيه الا مريض مخبط و من انكر ذلك من نفسه فيحتاج الي معالجة طبيب حاذق و لربما لايداوي الا بسيف قاطع و لايسعي في اخماد هذا النور الا مخاطر بنفسه ساع في اهلاكها واطئ علي ادراكها فانا نري من انفسنا و كل نفس حتي الاطفال بل المجانين انهم يستيقنون بوجود النهار و وجود الليل و انهم موجودون احياء مستيقظون يتحركون و يسكنون و لاينبغي لواد نفسه ان يلبس عليها حتي تشك في امثال هذه الامور و يدخلها في عداد المرضي و اهل الزمانة و ذلك واضح انشاء الله فعن علي عليه السلام لاترتابوا فتشكوا فتكفروا و اما السر في وجود بعض اليقينيات مع اختلال العقول و الانفس و الآلات ان الانسان ما دام حيا باقيا صحيحا لا شك ان له حواس مدركة للاشياء مستقيمة او معوجة و له حيوة تتحرك و تريد و تدرك اشياء صحيحة او مغلوطة و له نفسا ناطقة ينطق بها البتة يمتاز بها عن الحيوانات و عقلا ما مميزا لبعض الامور و من انكر من نفسه ذلك يسأل عن المنكر فيه ما هو و بما ينكر فلا محالة فيه شئ ينكر ذلك و هو البغية التي نكتفي بها في هذا المقام و من لم‌يكن فيه شئ من ذلك فهو ميت و انك لاتسمع من في القبور و تنذر من كان حيا فاذا اعترف بما ذكر فنقول انه ليس من الاموات التي لا مرآة شاعرة فيه مطلقا بل فيه مرآة ما و شعور ما و لو كان عليلا ضعيفا فالمرآة التي لها صقالة ما لاتمتنع عن انطباع شئ ما فيها و انما تمتنع عن معاني المقابل لا مقابل ما فتحكم بوجود مقابل ما يقينا و ان كانت تعجز عن فهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 297 *»

معانيه و مميزاته فان صدقت بما ذكرت و لاينكر ذلك حي فنقول ان من الامور امورا بديهية كبداهة وجود مقابل و منها خفية كمعاني المقابل و مميزاته فمشاعر الناس لاتمتنع عن انطباع تلك الامور البديهية العامة ما دامت باقية ثابتة و لو عليلة و ان امتنعت عن خصوصياتها و عللها و اسبابها الخفية لعلتها و كذلك الروات و الآلات ليست تكذب في الامور العامة البديهية و ادائها الي العقول فلاجل ذلك يحصل اليقين بامور قطعا قهرا و ليس لحي دفعه عن نفسه و لو جاهد جهده لانه من لوازم الحيوة و شعور ما و ذلك مما يحتج الله به علي عباده في الدنيا و الآخرة و يحتج به الانبياء و الاولياء و الحكماء علي الناس و يؤخذون بها ثم كل ما صح المشعر و برئ عن شئ من الامراض ازداد تميزه لمعاني تلك الامور العامة و خصوصياتها و جزئياتها فيحصل له القطع بها و اليقين قهرا بحيث لايمكن دفعه له فبذلك اختلف مراتب الناس في اليقين بالاشياء و اما في الامور العامة فهم متفقون في ادراكها و اليقين بها و تسمي تلك الامور بالبديهيات الاولية التي لايحتاج الحي فيها الي كسب و اما في ما سوي ذلك فيحتاج الي التكسب بمعالجة المشاعر و العقول و رياضتها و تربيتها و اصلاحها حتي يزداد فهمها و قبولها لانطباع الامور فيها و تسمي بالنظريات و الكسبيات و كل شئ حصل للمشاعر بالمعالجة حتي استيقنت به صار عنده بديهيا لايمكنه دفعه عن نفسه البتة ، و من آيات الله سبحانه و حكمته ان جعل جميع الامور النظرية كامنة في الامور الضرورية و جعل منها اليها طريقا يمكن السير منها فيها الي الوصول اليها حتي لايبقي لاحد علي الله حجة و يتمكن كل احد من الوصول اليها و بذلك احتج الله سبحانه في كتابه و الانبياء عليهم السلام في سننهم علي الخلق بتلك الامور البديهية و راضوا اذهانهم بالتدبر فيها و التعمق في نتايجها و دلايلها فقال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في الارض آيات للموقنين و في انفسكم افلاتبصرون و قال قل انظروا ماذا في السموات و الارض الي غير ذلك من الآيات الواضحات البينات و قال الصادق عليه

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 298 *»

السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية و قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا الي غير ذلك من الاخبار فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون بالبينات و الزبر و تلك الامور البديهية هي البينات و هي صراط الله المستقيم الي كل امر نظري خفي فلاجل ذلك عد الكاظم عليه السلام من اسباب اليقين قياسا تعرف العقول عدله فان ما اتفقت العقول علي استقامته هو من ضروريات العقلاء التي لا شك فيها و هو الاجماع الذي لا ريب فيه و لا شك يعتريه فكل امر انتهي اليها في طريق تعرف العقول استقامتها فهو حق لا مرية فيه و يقوم لله فيه الحجة علي خلقه و ما لم‌ينته اليها في طريق تعرف العقول استقامتها فهو مما يسع عامة الامة و خاصتها الشك فيه و الانكار له هذا من التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه فذلك هو طريق اثبات التوحيد و النبوة و الامامة و الولاية و الشرايع و فروعها ابدا فالواجب في كل امر الانتهاء اليها في طريق تعرف جميع العقول عدلها و الا فكل يدعي انهاء مطالبه اليها و لنعم ما قال الشاعر :
و كل يدعي وصلا بليلي       ** * **      و ليلي لاتقر لهم بذاكا
اذا انبجست دموع من خدود       ** * **      تبين من بكي ممن تباكي
و انبجاس الدموع هو ما ذكرنا من استقامة طريق الانتهاء بحيث تعرفها العقول فيجب ان لايطأ السالك علي موضع قدم في طريقه الا ان يكون مما يصدقه العقول و يحصل اليقين بعدم كونه مزلة و زحلوفة فتثبت ثبتك الله بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة .

فصل في اثبات الصانع جل شأنه و هذه المسألة و ان كانت من علم اعلي و ساير رسائلنا متكفل بها الا اني احب ان لايحتاج المطلع علي كتابي هذا الي غيره من الكتب و الرسائل فاقول اعلم يا اخي و يا من اليه وجه خطابي انك لو تدبرت في نفسك التي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 299 *»

هي اقرب الاشياء اليك تجدها علانية انها لم‌تكن قبل ان تتولد في هذه الدنيا بالبداهة مدة ما كانت الدنيا في سوالف الايام و مواضي الاعوام الي ان وجدت و انك انت لم‌توجد نفسك و لم‌تركبها و لم‌تخرجها من العدم فانك لم‌تكن و كنت معدوما و تعلم من نفسك ذلك بداهة و كذا لم‌يوجدك من هو مثلك من اب او ام او اخ او غير ذلك فانهم لايحيطون بك علما فضلا عن ان يوجدوك و لايوجد المعدوم الذي لم‌يكن و لا اثر له و لا عين بنفسه من غير ان يوجده موجد آخر فلها موجد البتة و صانع و مبدع بلا شك و ان قلت ان موجدها الطبيعة فليكن ما كان و سمه ما شئت فان غرضي هنا اثبات صانع ما ايا كان و لايمكن لعاقل ان ينكر ذلك فانه من البديهيات الاولية و كذلك الامر في جميع امثالك و اقرانك و افراد نوعك و جميع المواليد من الحيوانات و النباتات و الجمادات و هي كلها مذعنة مقرة بحدوثها و افتقارها الي صانع يصنعها فان جميعا لم‌يكن بالبداهة دهورا ثم كان و لم‌يوجد نفسه بنفسه و لم‌يوجده ما هو مثله و لم‌يوجد من غير صانع بالبداهة ثم لا شك في كون وجود جميع المواليد علي نهج الحكمة و الصواب و علي ذلك اتفاق العقلاء و لايحتاج الي ذكر حكم تراكيبها و كينوناتها لكثرة وضوحها و يقصر افهام العقلاء و اوهام الحكماء عن درك جزء من مائة‌الف جزء حكمة وجود شئ جزئي فضلا عن درك حكم الكليات فضلا عن درك حكم الجميع و تفاخر الحكماء و العلماء في درك بعض حكم هذا الخلق المتقن و الامر المحكم فهذا الصنع الحكيم الذي هو اثر صانع يقينا يدل العاقل علي ان الصانع حكيم فانا لانعني بالحكيم الا من يجري افعاله علي نهج الحكمة و هذه الافاعيل كما تري جارية علي نهج غاية الحكمة و الصواب فالصانع لهذا الخلق الحكيم حكيم و هو حي اذ الميت لايصدر عنه آثار الحيوة و هو عليم فان الحكمة هي العلم و قد خلق الحكماء و العلماء و وضع كل شئ موضعه و هذه الآثار لاتصدر عن جاهل و هو لطيف اذ خلق الخلق اللطيف و خلقه من غيبه لا بآلات و ادوات خارجية و خبير بجميع ما له اذ الخبرة هي العلم و الاطلاع علي مقتضيات الاشياء و من لايعرفها لايقدر علي اجراء كل شئ علي ما يقتضي و ينبغي و هو قدير و اي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 300 *»

آية ادل علي قدرته من صنعه المقدورات و هو عادل اذ وضع كل شئ موضعه علي نهج الحكمة و اي عدل اعدل من الحكمة بالجملة كل صفة يلزم للصانع الحكيم ثابت له و يدلنا علي ذلك اتقان الصنع و احكام الخلق بحيث لايشك فيه عاقل و اثباتنا الصفات له لما رأينا من آثار الصفات في ملكه و خلقه و لم‌يدلنا الآثار علي ازيد من ثبوت مبادي لها و لم‌يدلنا علي ان تلك المبادي كالمبادي التي فينا لآثارنا كالهمامة و الروية و حدوث ضمير و ارادة و محبة فينا بل ربما تدلنا علي خلاف ذلك و لسنا بصدد بيانه الآن و هذا ما اردنا ايراده في هذا الفصل علي نهج الاختصار فتدبر .

فصل ثم من البينات البديهيات ان بني آدم مدنيوا الطبع و كل واحد منهم بعد امعان النظر يحتاج الي جميع افراد النوع و لا بد لهم من الاجتماع و التمدن و كفاية كل واحد حاجة من غيره بها تقوم مدينتهم و يبلغوا منتهي اجلهم و يستنطق صوامت قوابلهم و يخرج الي الفعلية كوامن قواهم و لا بد لكل فعل من مبدء مناسب في الفاعل كما هو مشهود فلما وجب في الحكمة ان يكفي كل واحد حاجة لاخيه و يصدر عنه فعل خلق لاجله وجب ان يكون كل واحد علي طبع مناسب لما خلق لاجله فيكون مبدء صورة ذلك الفعل و يصدر عنه علي نهج السهولة فبذلك خلقوا مختلفي الطبايع و اختلافهم مع اجتماعهم سبب التنازع و التجاذب و التدافع و كان يؤدي ذلك الي فنائهم و عدم بلوغهم الاجل المكتوب لهم و عدم خروج قواتهم الي الفعلية و قد جبلوا عليها حكمة و اتقانا للصنع فمن اعظم اسباب تمدنهم و بقائهم و تعيشهم خلق نفوس فيها مبادي الحكومة و السياسة و حفظهم عن التدافع و التمانع و التنازع و تعليمهم ما به بقاؤهم و صلاح نظامهم اذا اقتضي الحكمة ان يوجدوا جهالا في بدء تكونهم فوجب ان يكون فيهم نفوس عالمة بالرياسة و السياسة حكيمة عادلة عليمة و قد فعل و هم الانبياء و الاولياء و الحكماء و ان لايخلو الارض منهم ابدا و الاخلال بذلك اخلال بالحكمة و عبث في الخلقة و لغو محض و يري كل نفس في نفسه حاجة الي رئيس كذلك لاينكر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 301 *»

و يري انه لايقوم عيشه و حيوته الا بذلك و ليس شئ في الخلق يسد ذلك الخرق الا وجود الحكام الالهية و هم الانبياء و كل نفس سواهم يعرف من نفسه انه ليس هو بالذي يقدر علي سد هذا الخرق بداهة و يري عجزه عن ذلك و حاجته الي ذلك و ان قلت اولايكفي وجود هذه الحكام الغالبين علي البلاد قلت انا احتجنا الي الانبياء لدفع امثال هؤلاء و لدفع الظلم عن البلاد و رفع الفساد و دوران الامور معهم كسد الرمق بالرماد و التراب فهو و ان كان يسد اياما الا انه علي خلاف الحكمة و المناسبة التامة و صلاح العامة و يحتاج الناس الي غذاء مشاكل و هو الحكمة فالحاكم المحتاج اليه هو العدل الحكيم و هو النبي لا غير و ليس من الجعل الالهي وضع الفاجر مكان البار و السفيه مكان الحكيم و الجاهل مكان العالم و انما ذلك وضع خذلاني منه سبحانه عقوبة عليهم و لما كان دواعي النفوس كثيرة و بعض النفوس الناقصة من شره و طلبه للرياسة يدعي ذلك المقام و ليس للصدق علامة في ظاهر الخلقة اذ لم‌يقتض الحكمة ان يكون للصادق علامة جسدانية وجب في الحكمة ان يجعل فيهم علامة صدق و مبادي تصدر عنها افعال خارقة للعادة يعرف بها صدق الصادق عن كذب الكاذب فهي المعجزات التي خلقها الله سبحانه فيهم و آثار علم و حكمة و قدرة اظهرها منهم بل هي التي بها استعلت نفوسهم و صاروا انبياء و حكاما فبذلك خلق الله سبحانه انبياء و اولياء و اقدرهم علي افعال و اعمال خارقة لعادة ساير البشر بها تتم الحجة علي العباد و تقوم لله عليهم الحجة و بعثهم الي العباد فهم حكام الله في ارضه و سايسوا الله في عباده و رؤساء الله في بلاده يجب اتباعهم و التسليم لامرهم و الانقياد لحكمهم فمن تخلف عنهم فانما خاطر بنفسه و ان قلت لا شك ان وجود الحكام مما يقوم به عيش الانام فلم كانوا مقهورين مطرودين مغصوبين و لم‌يسوسوا الخلق و لم‌يحكموا بين العباد و منهم من غاب و منهم من قهر و منهم من قتل و منهم من غصب و لو قهروا العباد و سخروا البلاد و لم‌يطق احد مخالفتهم لكانت المدن اثبت اركانا و العباد اقوم عيشا و ارتفع من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 302 *»

بينهم التنازع و التجادل و المقاتلة و بقيت البلاد عامرة و النفوس ساكنة و الاقطار مأمونة فكان عيشهم ارخي و خروج قواتهم الي الفعلية اكثر و الحكمة التي قلتها جارية قلت نعم لو كان كذلك لكان كذلك و لكن لو كان كذلك لم‌يظهر سعادة سعيد و لا شقاوة شقي و لم‌يقدر كافر ابدا علي اظهار كفره و لا مشرك علي ابداء شركه و جاء الاجبار و ارتفع الاختيار فلم‌يخرج مستجنات الصدور و لا كوامن القلوب و ليس انهم رفعوا اليد عن العالم بالكلية فيفسد بالكلية بل ظهروا حينا و اظهروا ما به قوامهم و غابوا حينا و بقي آثارهم بقدر القوت و سد الرمق و كلما تري في العالم مما يقومون به فهو من بقايا نواميس الانبياء و لو كانت من ناموس آدم عليه السلام و لم‌يجبروا الخلق بالكلية فلم‌يقدروا علي اظهار مستجنات صدورهم فمزجوا بين الامرين ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و بهذا ابان الله سبحانه غناءه عن خلقه اذا ( اذ ظ ) الاجبار هو فعل المحتاج و التخيير هو فعل الغني فالصانع الغني ليس يحتاج الي جبر الخلق علي طاعته و الانقياد له فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا فالحكيم الغني يكون صنعه علي نهج الحكمة و الغناء و لو كان علي غير ذلك لكان دالا علي حاجته و افتقاره الي الخلق كحكام الدنيا و هل وجود الانبياء لسد الخلل الا كوجود الماء لرفع العطش فمن لم‌يشرب حتي مات فليس في صنع الحكيم نقص و انما بخس حظه من لم‌يشرب الماء و كوجود الهواء للتنفس فمن لم‌يتنفس حتي اختنق فليس في صنع الحكيم الغني نقص و انما خاطر بنفسه و اهلكها من لم‌يتنفس يا ايها الناس انتم الفقراء الي الله و الله هو الغني و ان قلت كما يقال فما بال الارض الجديدة لم‌يبعث اليهم نبي و بلادهم معمورة و كذا الجزاير و اهلها عايشون قلت اما اولا فانهم من ولد آدم اقلا و هو كان نبيا و سيرته فيهم و مودوعة عند علمائهم و في كتبهم و جروا بها نسلا بعد نسل و آثار سياسته فيهم و يسد رمقهم و اما ثانيا لانسلم عدم بعث رسول اليهم و ذلك محض ادعاء بل ربما جاؤا فقتلوهم و غاب اوصياؤهم فبقوا في فترة و طول فترة لعارض لايوجب رفع الحجة و الاكتفاء بسد الرمق اياما ببقايا آثار الانبياء

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 303 *»

السابقين انتقاما لايوجب نقصا في الحكمة و الوضع الالهي و انا اذلل لك صعوبة نفسك هنا بشئ و هو انك لو رأيت ساعة افرنجية في غاية اللطافة و الرونق و استقامة السير بحيث لاتتخلف دقيقة و عرفت بعض حكم فلكاتها و صفحاتها و مساميرها ثم وجدت هناك مسامير و فلكات لاتعرف سر وضعها في تلك المواضع هل يجوز عقلك ان تكون تلك المسامير و الفلكات من غير حاجة اليها و حكمة فيها ابدا فلا و ربك و انما تحمل ذلك علي نقصان علمك و قصور اطلاعك علي سر الحكمة فيها و اي دليل ادل علي كون جميعها علي نهج الحكمة من دورانها علي نهج الاستقامة و ارائتها الساعات و الطلوع و الغروب بلا تخلف فكذلك اذا عرفت ان هذا العالم علي نهج الحكمة و الصواب و عرفت الوفا من حكمها ثم لم‌تعرف حكمة شئ احمله علي قصورك و عدم علمك و سلم لامر الله سبحانه و اذعن بحكمته و لاتتزلزل في ايمانك و اسأل الله ان يصلح وجدانك و يعلمك الحكمة فاذا عرفت ان وجود الانبياء و الاولياء من اعظم اسباب التمدن و نظام العالم و قوام عيش بني آدم و وجودهم اكمل و اولي و احسن من عدمهم و الحكيم جل شأنه لم‌يخل في شئ بالاحسن الاولي و قد خلقوا و بعثوا و اتوا بعلم و حكمة و خوارق عادات ثم لم‌تعرف وجه عمل من اعمالهم سلم لامرهم و انقد لهم و لاتتعرض حتي يعرفك الله الوجه و الحكمة فيه و الذي نريد في هذا الكتاب علي سبيل الاجمال اثبات الصانع و نبوة الانبياء و وحدة الصانع و الاقرار باسمائه و صفاته علي نهج اليقين و اما معرفة ساير الحكم و دفع ساير الاشكالات فمحول علي ساير كتبنا و فيما ذكرنا هنا كفاية للمؤمن الطالب لليقين و اليقين غير معرفة جميع الحكم و الكيفيات و العلل و الاسباب الاتري في تلك الساعة انك متيقن لوضع آلاتها علي نهج الحكمة لما تري من دورانها صحيحا و لاتعرف وجه حكمة جميع فلكاتها و مساميرها و آلاتها و كيفية صنعها فتثبت ثبتك الله علي ما يسر الله لك من اليقين و لاتنقض يقينك في شئ بشكك في شئ آخر و هذا اصل .

فصل اذا تيقنت بوجود الصانع الحكيم العليم القدير العادل الغني و بصدق

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 304 *»

الانبياء فاستخبرهم عن ساير صفات الله سبحانه و ساير ما تقصر العقول الناقصة باستقلالها عن فهمه و صدقهم في جميع ما يخبرون عن اسماء الله و صفاته و افعاله و مراضيه و مساخطه فانهم الانبياء الحكماء الصادقون المؤيدون المسددون حتي انه يجوز لك ان تصدقهم في قدم الصانع جل شأنه و وحدته في الذات و الصفات و الافعال و العبادة و ساير اسمائه و صفاته فلو تدبرت فيهم لرأيت جميعهم قد جاؤا من عند الاله الاحد الواحد الفرد و شهدوا بوحدته و دعوا الخلق الي توحيده و انزلوا العذاب علي من انكرهم و اشرك بالواحد الفرد و اهلكوهم و مسخوهم و لو كان لك او للعالم اله آخر لاتتك رسله و لرأيت آثار ملكه و لم‌يصبر علي انكار الله سبحانه و انكار رسله اياه و قتل عبيده و امائه و انزال العذاب اليهم بشركهم و دعوتهم اياهم بنفي الآلهة و الاضداد و الانداد و الشركاء مع ما يشهد العقول السليمة بوحدته سبحانه فاي دليل ادل علي ذلك و اي شاهد اصدق علي وحدته سبحانه من ذلك فخذ بهذه الادلة الظاهرة الباهرة و اترك شبهات الفلاسفة و الحكماء فانها مضلة نعم اذا اخذت بهذه الادلة و حصلت اليقين فلا بأس بان تأخذ بادلة مؤيدة ليقينك مفصلة لاجماله و اعرض عن كل شبهة و قياس تؤدي الي خلاف يقينك و ان خطر ببالك او طرق سمعك ما يناقض يقينك و شككت فيه فلاتنقض يقينك فيما تتيقن بشكك فيما تشك فيه حتي تسلم فيا اخي اياك و اللعب بدينك و استعمال الهوس و الوسواس فيه و اياك ان تخاطر بنفسك و تداهن في امرك فان العمر قليل قصير و الامر جليل خطير و هذا مجمل ما اردنا ايراده في مقدمة كتابنا هذا فاكتف به و قس عليه ساير ما لم‌نذكره من اليقينيات فلنشرع الآن فيما قصدناه في تصنيف هذا الكتاب و بالله الاستعانة في كل باب .

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 305 *»

الباب الاول في اثبات وجوب العمل بالعلم و اليقين و حرمة العمل بالظن المطلق في الدين و في هذا الباب فصول :
فصل اعلم ان لليقين بالمعني الاعم ثلث مراتب لان الاشياء لها ثلث مراتب فالاولي يقين حقيقي و هو مرادف للمعرفة كما قال الله سبحانه و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم و ذلك ان المعرفة ضدها العام الانكار كما قال الله سبحانه ام لم‌يعرفوا رسولهم فهم له منكرون لانها هي الوصول الي الاشياء حقايقها و الكشف عنها و المشاهدة لها فان وصل اليها و شاهدها و كان له ذلك المشعر فهو من اهل المعرفة و ذلك المشعر مشعر وحداني و حقايق الاشياء وحدانية و الدليل هناك نفس المدلول به يعرف و به يستدل عليه في الدعاء بك عرفتك و انت دللتني عليك و لولا انت لم‌ادر ما انت و في آخر يا من دل علي ذاته بذاته و في الخبر اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر فالحقيقة لاتعرف الا بها و هي هي فلا تعارض بينها و بين نفسها و لا اختلاف دلالات و امارات حتي يحصل التردد فان عرفها عرفها و الا فهو منكر لها كما قال سبحانه ام لم‌يعرفوا رسولهم فهم له منكرون و يمكن ان يجحدها بعد ما عرفها كما مر في الآية المذكورة و قال الله سبحانه يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها فالانكار انكاران انكار جحود بعد المعرفة و انكار عدم المعرفة و قد يشتبه علي الناس الانكار في الاخبار فلايعرفون معناه و لايفرقون بين المعنيين و الانكار الموجب للكفر هو انكار الجحود كما روي لو ان الناس اذا جهلوا وقفوا و لم‌يجحدوا لم‌يكفروا و اما الانكار بمعني عدم حصول المعرفة فهو الجهل بالمعني الاعم و لايوجب كفرا لعدم قيام الحجة عليه و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و في حديث الكاظم عليه السلام فيما لم‌يثبت بالادلة الثلثة وسع خاص

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 306 *»

الامة و عامها الشك فيه و الانكار له مع انه ربما يكون حقا في الواقع و قد يعبر عن الانكار بمعني الجحود بعدم المعرفة كما روي من لم‌يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية و ليس المراد الجهل و ان لم‌يقصر في الطلب و قد يقع في الاخبار لم‌يعرف بمعني الجهل كالانكار كما روي انه سئل الصادق عليه السلام هل علي من لم‌يعرف شئ قال لا و لا بد من فهم لحن الاخبار كما روي انا لانعد الرجل من شيعتنا فقيها حتي يلحن له فيعرف اللحن و الثانية اليقين العقلي و هو حالة حاصلة للعقل المدرك للمعاني الكلية الجبروتية عند الاطلاع علي الادلة الكلية المعنوية و وصوله بها الي معني كلي حاصل عن تلك الادلة و انما ذلك لان الدليل لا بد و ان يكون من سنخ المدلول حتي يوصل المستدل اليه و كذا لا بد و ان يكون المستدل ايضا من سنخ المدلول حتي يصل الي المدلول فلايمكن ان يري العين مثلا بالادلة المعنوية معني كليا لانها ليست بمعنوية و كذا لايوصل الدليل المعنوي الحواس الباطنة الي درك المعني الكلي فانها دراكة للصور فالمستدل بالدليل المعنوي العقل و يوصله هو الي معني كلي و الدليل في هذا المقام غير المدلول بل هو ظله و آيته او اصله و علته و هذا اليقين لما كان حاصلا من الدليل الخارجي يضاده الشك فان الدليل ان كان مؤديا للعقل الي المدلول و هو حين كون الدليل حاكيا لتمام المدلول اذ لو لم‌يكن حاكيا لم‌يكن دليلا تيقن به بالمدلول و ان لم‌يكن مؤديا و كان حاكيا لجهة من جهاته و هناك دليل آخر يكون حاكيا لجهة اخري من المدلول و هو لايدري ان كل واحد حاك لجهة منه بل يحسبه حاكيا للكل و هما متعارضان حصل التردد له و لم‌يصل الي تمام المدلول بكل واحد و لو عرف ان كل واحد حاك لجهة ارتفع التناقض و لم‌يحصل له تردد و شك البتة فيضع كل دليل موضعه و لربما يتيقن بهما بتمام المدلول اذا كان له تانك الجهتان حسب كما اذا نظرت الي آيات الكلي في الافراد قامت لك ادلة انه داخل فيها و قامت لك ادلة اخري انه خارج فان كنت جاهلا بالامر حصل لك الشك و ترددت هل هو داخل فيها موجود بوجودها او

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 307 *»

خارج عنها و هو بالنسبة اليها كالشمس و المرايا فتشك في المسألة اذا جهلت ان كل دليل حاك لجهة من جهات الكلي و حسبت كل واحد حاكيا عن تمامه و اما اذا علمت ان كل واحد حاك لجهة من جهاته عرفت بهما جميعا انه داخل في الافراد لا كدخول شئ في شئ و خارج عنها لا كخروج شئ عن شئ و هما معا تمام معرفته في هذا الباب فافهم المثل بالجملة اذا كان الدليلان متدافعين متساويين في الدلالة حصل الشك للعقل فلم‌يتيقن باحدهما و ليس ان احد الدليلين باطل فان الباطل لايحكي و لايدل بالذات و الذي لايحكي و لايدل ليس بدليل و لايحصل منه الشك اللهم الا ان يشك في كون الدليل دليلا فهو حينئذ من هذا الحيث مدلول يحتاج الي دليل آخر فرجع ايضا الشك الي المدلول لا الدليل و ان كان احد الدليلين راجحا في حكاية كل المدلول في نظر المستدل و الآخر مرجوحا في نظره حصل في نفسه الظن من الراجح و الوهم من المرجوح فصيرورة الادلة سبب اليقين او الشك او الظن و الوهم راجعة الي حسبان المستدل و الا فنفس الادلة في الواقع حاكية لما جعلها الله حاكية له في مقامها و حدها علي حسبها و قد يحصل هذه الحالات للعقل من دليل واحد اذا جهل الانسان حد دلالته و مقدار دلالته و وجه دلالته فلربما يطلع علي دليل هو دليل في الواقع و لكن دلالته خفية لانه دليل باشارة او فحوي او حيوث و لحاظات فلايعرفها الانسان حق معرفتها فيلوح له دلالة علي مطلوبه من حيث و يلوح علي ضده دلالة من حيث فيحصل الشك له في المطلوب او يرجح دلالة حيث فيظن و يتوهم ضده حينئذ و اما ذلك الدليل في نفسه فهو دليل علي المطلوب بكله و بكل حيث منه علي كل حيث بالجملة كلما يدرك منه الدلالة هو مواجه لشاخص المدلول و يحكيه بقدر صقالته و من حيث مواجهته و اما الدليل الذي لايفصح عن كل المدلول لكدورته فليس هو دليل معاني المدلول و لايطلب منه اياها و لايستدل به عليها و انما يستدل به علي كليات المدلول لانه لايحكي الا اياها فليس كدورة الدليل الغير الحاكية سبب الشك في المدلول بل هي مورد الجهل كما يأتي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 308 *»

و اعلم ان اليقين هذا يجامع الانكار الذي هو ضد المعرفة فيمكن ان يكون الرجل متيقنا بمسئلة غير عارف بحقيقتها فان يقينه حاصل من الدليل و كل دليل لايوصل مستدلا الا الي صفة المدلول و هي مدلوليته فالمتيقن متيقن بصفة ما تيقن به و المعرفة مشاهدة ذات المعروف فيمكن اجتماع وصول الانسان الي صفة شئ مع عدم وصوله الي ذاته كما انك تري ظهور الاشياء و لاتعرف حقايقها و الثالثة اليقين الصوري و هذا اليقين مرادف للعلم الذي هو حضور المعلوم عند العالم فانت متيقن بتلك الصورة الحاصلة عندك و هذا اليقين ضده الجهل يعني عدم حضور صورة المعلوم لديك فكما انك اذا انطبع صورة زيد في عينك قلت رأيته و ان لم‌ينطبع صورته في عينك قلت لم‌اره كذلك اذا انطبع صورة زيد في ذهنك قلت علمت و اذا لم‌تنطبع قلت لم‌اعلمه و هو قوله سبحانه هل علمتم ما فعلتم بيوسف و اخيه اذ انتم جاهلون و الجهل غير الشك و قل من يتنبه بذلك فان كثيرا من الناس اذا جهل شيئا و لم‌يدر هل هو كذا او كذا يزعمه شكا و الحال ان الشك هو التردد الحاصل من الدليلين المتعارضين للعقل و هو حالة وجودية و الجهل هو حالة عدمية فلايقال اني شاك هل في فلك القمر كوكب آخر ام لا اذ لم‌يدل دليل علي وجوده و دليل علي عدمه بل هو جهل صرف و عدم حصول صورة عند النفس مطلقا فنحن لسنا بشاكين فيما لم‌يصل الينا من الاحكام الشرعية و غيرها بل نحن جهال بها و حكم الجاهل غير حكم الشاك كما يأتي في محله انشاء الله و هذا العلم و اليقين قد يحصل بمشاهدة نفس المعلوم كمشاهدة الشمس بالعين و الصوت بالاذن و قد يحصل من ادلة صورية لانه لا بد و ان يكون الدليل من سنخ المدلول فان كان الدليل حاكيا لصورة المدلول و اطلع المستدل عليها انطبع في ذهنه شبح تلك الصورة و حصل له العلم بها و الا لم‌يحصل في ذهنه صورة فيجهلها او انطبع في ذهنه منه صورة مبهمة فيحصل له العلم بتلك الصورة المبهمة و اما ما يترائي من الشك و الظن و الوهم في هذا المقام فليس ذلك من شأن النفس من حيث هي هي بل شأنها انطباع ما قابلها حسب ثم بعد الانطباع اذا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 309 *»

ادت ما وصل اليها الي العقل بواسطة فعله و ظله الذي هو فيها فالعقل هو الذي يستيقن مطابقتها للواقع او يشك او يظن او يتوهم و ليس الذهن الا كالمرآة ينطبع فيها ما قابلها علي حسبها فلايشتبهن عليك الامر فتقول اني ربما اقطع بدلالة اللفظ علي معناه و ربما اظن او اشك او اتوهم مع انه من الادلة الصورية و مدلوله ايضا صوري فكيف لايكون هنا شك و ظن و وهم فانك لاتشك في انطباع ما انطبع و عدمه و انما اليقين و الشك في مطابقته الواقع و عدمها و ذلك امر عقلي لا نفسي الاتري ان العين جسم صيقلي ينطبع فيها ما قابلها فاذا انطبع فيها صورة زيد رأيتها اما فهم ان ما رأيت هل هو مطابق للواقع او مخالف و هل هو انسان ام جماد ليس من شأن العين و انما هو من شأن العقل فكذلك شأن الذهن انطباع صورة المقابل فيه اما معرفة انها هل تطابق الواقع ام لم‌تطابق فهي من شأن العقل و ان قلت ان العقل علي ما قلت مدرك للمعاني الكلية و اما معرفة ان هذه الصورة مطابقة للواقع ام لا ليست من الكليات قلت ان المطابقة و عدمها من المعاني و ليست بامر ينطبع في مرآة الصور غاية الامر انها من المعاني الجزئية و ادراكها من شأن العاقلة التي هي حصة من فلك زحل و العاقلة فعل العقل و رأس من رؤسه المتعلقة بمعاني الاشياء الجزئية فيكتسبها ثم يؤديها الي العقل فيدركها العقل مجردة عن الجزئية كما مر في المقدمة فمثلهما كطهارة الماء مطلقا و طهارة هذا الماء الخاص فان طهارة هذا الماء امر معنوي يدرك بالعاقلة فتؤديه الي العقل فيجرده عن قيد الخصوصية و هذا معني ما يقال ان دليل المجادلة لايوصل الا الي الصور او المعاني المرتبطة بها و اعلم ان دليل الفؤاد الحكمة و هو في الحقيقة تفصيل المدلول و ظهوره اذ المعروف بالفؤاد معروف بنفسه و انما ينظر الي التفاصيل و الظهورات ليري ما يريده فيها اغلظ و اكثف اذا كان الفؤاد غليظا كثيفا عاجزا عن درك الحقايق و دليل العقل الموعظة الحسنة و هي اليقينيات الاولية المؤلفة المنتجة لمعني كلي كقوله عليه السلام ان كان الامر كما يقولون و هو كما يقولون نجوا و هلكتم و ان كان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 310 *»

الامر كما تقولون و ليس كما تقولون فانتم و هم سواء و دليل النفس المجادلة و هي اذا كانت بالتي هي احسن تأليف قضايا قطعية مشتملة علي طرفي النتيجة تنتجها بواسطة الوسط و الكتب مشحونة بها و لسنا الآن بصدد بيان ازيد من ذلك.

فصل ثم الامور بلحاظ اخر ثلثة : عقليات بالمعني الاعم و عاديات و شرعيات و لكل واحد دليل من جنسه يستدل عليه بدليل من جنسه و ينقض فيه بجنسه و يرد بجنسه و يطلب فيه يقين من جنسه و لم‌اجد من غيرنا من نقح ذلك اما العقليات فهي امور يستدل عليها بالمجادلة او الموعظة او الحكمة بادلة عقلية يقينية و حاصل الاستدلال اليقين بان هذا المعني مطابق للواقع جزما لايحتمل الخلاف فلايضره اذا خالفه كل من علي الارض و ليس يرجع عن اعتقاده و لايحتمل خلافه و لايحتمل ان يكون عند احد من العقلاء دليل علي خلافه و كل من يقول بغير ذلك هو علي خطاء فلايعارضه يقيني آخر ابدا و بهذا اليقين يجب تأويل ما يعارضه من الكتاب و السنة البتة فانه لايحتمل ارادة الله و ارادة الحجج خلافه بتة فلايجوز العمل بظواهرهما الموهمة خلافه و لكن هذا الدليل و هذا اليقين الذي يجب تأويل ما يعارضه من الكتاب و السنة ليس هذا الذي سموه بالدليل العقلي الذي هو اوهن من بيت العنكبوت اذ هو مؤلف من خيالات و شعريات و استحسانات و مصالح و توهمات يحتمل فيها احتمالات كثيرة فيقولون به يوما علي اضطراب و يرجعون عنه بعد يوم و قد ملأوا طروسهم منه و شحنوه بالاستدلال و النقض و الرد و ان قلت قلت اذ هذا في الحقيقة وقوف عند الانقطاع و العجز عن الجواب و النفس مضطربة شاكة و غيرهم يستدل علي خلافه مثلهم و يدعي البداهة فيما ذهب اليه بل هو ما اجمع عليه العقلاء بحيث لايوجد فيه خلاف او ينتهي الي ذلك بالبداهة كقولك هذا نهار و هذا ليل و هو قول الكاظم عليه السلام او قياس تعرف العقول عدله و يجب ان يكون مثل هذا الدليل مؤيدا بساير محكمات الكتاب و السنة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 311 *»

اليقينية فحينئذ ان رأينا آية مخالفة له في الظاهر او سنة معارضة له ظاهرا يأولان البتة للقطع بعدم ارادة الظاهر منهما و اما ما تعارض فيه الانظار و اختلف فيه الآراء فلايجوز تأويل الكتاب و السنة بهما ابدا و هو الاستحسان المنهي عنه و الرأي المحرم الاخذ به و ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و الي اولي الامر منكم و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و هيهنا قد ضل الاحلام و زل الاقدام و وقعوا في الآراء و الاهواء و قد تواتر الاخبار في النهي عنها و ظهور حرمتها في الشرع في مذهبنا كظهور حرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير بلا شك و لكن قد زل فيها اقدام نعوذ بالله و قد يتعارض هنا الادلة و لايحصل القطع باحدها فيحصل الشك او الظن و الوهم كما مر ، و اما العاديات فهي امور جزئية ظاهرية صورية لها ادلة عادية قد يحصل بها القطع بها قطعا عاديا اي لايحتمل عادة خلافها و ذلك كالقطع الحاصل بالقرائن و الامارات و الشياع و التواتر و السيرة و الطبايع و الملازمات و الاقتضاءات و الاسباب و العلل العادية و هذا اليقين مدركه العاقلة عرصته تحت عرصة اليقين العقلي و هو في محله يقين قطعي جزمي و يمكن ان يجامع الحالات العقلية جميعا فلربما يكون اليقين العادي في شئ و انت تتيقن به ايضا عقلا و لربما تظن عقلا او تشك او تتوهم او تجهله فانهما في مقامين و لكل واحد مشعر خاص به الاتري انك تقطع بوجود البحر المحيط مثلا بسبب تضافر السماع و ربما لم‌يقم لك دليل عقلي علي وجوب وجود البحر المحيط و ما لم‌يقم لك دليل عقلي فهو مجهول عقلي و لربما قام لك دليل ضعيف عقلي و حصل لك وهم عقلي او قام لك دليلان متعارضان فيه فحصل له شك عقلي او رجح احدهما و حصل لك ظن عقلي فلايضر شئ من ذلك باليقين العادي و من تزلزل في العاديات القطعية بالاحتمالات العقلية فهو سفيه قطعا الاتري ان ما رأيته بعينك تقطع به عادة و لم‌يقم لك دليل عقلي علي وجوب وجوده فمن قال اني لااعلم ان هذه شمس طالعة لانه لم‌يقم لي دليل عقلي علي طلوعها يعد سفيها البتة خارجا عن زمرة العقلاء بتة و كذا من

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 312 *»

شك في وجود الشمس لاجل انه يحتمل عقلا ان يكون قد اخطأ عيني و ليس عدم ضرر هذا الاحتمال لاجل انه ضعيف و كأن يقال ان الاحتمال الضعيف لايضر بالدليل بل لاجل انهما في عرصتين و لو كانا في عرصة واحدة لكان يضر البتة و ان كان اضعف ضعيف و مدار العالم و اساس عيش بني آدم في الحيوة الدنيا بهذا اليقين العادي فمن زعم انه شك او ظن لاجل الاحتمال العقلي لا بد و ان يقول بالظن في اثبات الانبياء و جميع ضروريات دينهم و يخرج بذلك عن زمرة العقلاء و يدخل به في زمرة اهل الشك و الريب في الدين بل المجانين و من قال ان اليقينيات العادية ظنيات و انما تسكن النفس علي طرف لاجل الغفلة عن الطرف الآخر فاذا توجهت الي الطرف الآخر ظن او شك البتة فانما قاله من غير تحقيق فانه ان اراد التوجه الي الاحتمالات العقلية فقد ذكرنا انهما في عرصتين و يجامعان و لايضر اجتماعهما باليقين العادي و ان اراد التوجه العادي الي الخلاف فهو ان كان علي يقين من الطرف الآخر لايضره ذلك عادة اللهم الا ان يتوجه الي الخلاف بحيث يعتاد نفسه التوجه الي الخلاف و يحصل له ماليخوليا فيرتاب اولا ثم يشك فيزول يقينه بالكلية كمن يوسوس في اعماله حتي لايكاد يقطع بانغماس يده في الماء اذا غمسها و مثل ذلك يسمي مجنونا و لهذا الجنون درجات اوائلها تشتبه بالتحقيق و التدقيق في الامور و اواخرها تبلغ الوسواس و الماليخوليا و الجنون فيفتضح فان الامراض تدريجية ، و اما التوجه العادي الي الخلاف فلايجعل اليقين ظنا و شكا ابدا كما انك اذا تعمدت التوجه الي احتمال عدم كون الشمس طالعة حين رأيتها لم‌يضرك و اما الذي يتضرر بالتوجه الي الاحتمال المخالف فانما كان غرورا او مسامحة او تكلفا و سماه يقينا غرورا او مسامحة او تكلفا علامة ذلك زواله بادني توجه الي المخالف فاذ قد امكن مجامعة هذا اليقين مع الجهل العقلي و الوهم و الشك و الظن و اليقين فليس ذلك ظنا البتة تفكر في ما اقول بعين الانصاف حتي تفوز مع الفائزين نعم ربما لم‌يحصل اليقين عادة لمكان قيام دليل آخر عادي علي خلافه فحينئذ يكون وهما ان كان مرجوحا او ظنا ان كان راجحا او شكا ان كانا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 313 *»

متساويين فاسأل من يقول بحجية الظن و انسداد باب العلم هل تقول بانسداد باب العلم العقلي و توجب العمل بظن عقلي و لم‌تؤمر بتحصيله في الدين او تقول بانسداد باب العلم العادي و توجب العمل بالظن العادي و باب العلم العادي لم‌ينسد بتأييد الحجة و حفظه و تسديده و الدلايل واضحة و القرائن قائمة في كثير من المسائل و المواضع و ان وجد موضع لم‌يحصل العلم و لعله الاقل له حكم يقيني عنهم عليهم السلام من التوقف و السعة في العمل او الاحتياط كما ذهب اليه بعض فيؤل الي العلم ايضا و هذا ايضا من العاديات فان جميع امور العالم ايضا كذلك كم من شئ في العالم يحصل به العلم العادي و كم من شئ لايحصل به علم عادي فيتوقف الانسان عن البت عليه طبعا الي ان يحصل العلم بعد ذلك و اسألهم عن هذه الاحتمالات التي يذكرونها في معاني الكتاب و السنة و استخراج المراد منها و يتزلزلون بها هل هي احتمالات عقلية و لاينبغي لكم ان تجروها في العاديات و من اجراها يعد من السفهاء البتة كما اذا كنت قاعدا تحت بناء عال محكم في النظر فتقول ان سقوط هذا السقف بغتة من الامور الممكنة و ليس بممتنع باتفاق العقلاء فيجوز وقوعه البتة ثم تقول كم من سقف في الدنيا وقع بغتة و قتل من تحته بالبداهة ثم تقول و هذا سقف من السقوف و يمكن وقوعه بغتة فنحن في شك من وقوعه و حفظ النفس واجب البتة و ان فررنا من تحت هذا السقف لايضرنا سقوطه بتة و ان وقفنا تحته يحتمل سقوطه و تضررنا منه و عدم الضرر راجح عقلا فالفرار من تحته راجح و سبب امن و اختيار المرجوح علي الراجح قبيح عقلا البتة فتقوم فتفر بسرعة دهشا ذعرا انشدك بالله هل يعد فاعل ذلك من العقلاء و هل يفرق بينه و بين المجانين و السوداويين فتبين ان هذه الاحتمالات العقلية لاتجري في العاديات و لايجوز التفوه بها و الفكر فيها لانها ممرضة مفسدة للنفس معوجة لها مخرجة اياها من زمرة العقلاء انشدك بالله هل تفرق بين قول القائل في كلمة قال رسول الله صلي الله عليه و آله و ما يشاكلها انا لانتيقن بمعناه اذ يحتمل المجاز و النقل و التحريف و السهو و جريه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 314 *»

علي عرف خاص في ذلك اليوم و الاشتراك بقسميه و امثال ذلك فمن اين نعلم انها بهذا المعني الذي نحن نفهمه الآن و بين ما ذكرنا و غيره من العقلاء يعزم عليه بعزائم الله جميعا ان معناه تكلم رسول الله صلي الله عليه و آله بلا شك و بلا ريب يعلمه كعلمه بان الشمس طالعة فهذه الاحتمالات ليست في محلها و هي ممرضة للنفس تورث الماليخوليا و اضطراب النفس فلايتيقن صاحبها بعد ابدا من دليل بشئ من امور الدنيا و اني تكلمت واحدا منهم في الظن فقال ان الحاضر في مجلس الامام لم‌يك يحصل له من كلام الامام الا الظن لوجود تلك الاحتمالات نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فاسألهم كما قدمنا هل هي احتمالات عقلية او احتمالات عادية فان قالوا هي عادية فليس كثير منها بعادية اذ جميع اهل الدنيا دائما يراجعون كتب التواريخ و كتب الادباء و الشعراء و الاطباء و المنجمين و الفلاسفة و غيرهم من ارباب العلوم و يفهمون كلماتهم و يجدونها مرتبطة مفيدة متوافقة من اول الكتاب الي آخره بل يجدون الكتب متوافقة في معاني الالفاظ و يفهمون منها العلوم و الادلة و المعالجات و يجربونها و يجدونها صحيحة و يعلمها بعضهم بعضا و يخبر بها بعضهم بعضا من غير نكير من العقلاء و من غير التفات الي هذه الترهات و الخزعبلات و الشكوك و الشبهات و يتصفحون كتب و كلمات من تقدم علي الحجج و من عاصرهم و من تأخر عنهم و يفهمون الكل و يتيقنون بالكل فما بال كلمات افصح العرب و العجم لايحصل بمعناها العلم و هي محل هذه الاحتمالات فهل ذلك الا وسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ليخرب عليهم دينهم الاتري ان الناس يقومون و يقعدون بعزيمة و قصد و لايوسوسون ابدا فاذا حضر الصلوة التي هي من الدين يوسوسون في تكبيرهم و نيتهم و ليس ذلك الا ان الشيطان عدو الدين و صديق الدنيا فيخلي عنهم في الدنيا فيجرون علي الطبع و يركبهم في امر الدين فيخربه عليهم و كذلك يحصل العلم بجميع كتب العالم في انحاء علومهم و اما كتب آل‌محمد عليهم السلام فيحتمل فيها هذه الاحتمالات هل هذا الا من وسواس الشيطان و العجب انهم سموها تحقيقا و صرفوا عمرهم فيها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 315 *»

الي ان انتهي ان دورة اصولهم لاتتم الا في ثلثين سنة و اربعين بل زعم بعضهم انها بالتحقيق لاتتم الا في الف و مأتي سنة و يعدون ذلك فخرا و يحسبونه ذخرا و لنعم ما قال الشاعر : ظفر الطالبون و اتصل الوصل       ** * **      و فاز الاحباب بالاحباب
و بقينا مذبذبين حياري       ** * **      بين حد الوصال و الاجتناب
و ادعوا لهم ببقية الشعر فاقول :
فاسقهم منك شربة تذهب الغم       ** * **      و تهدي الي طريق الصواب
فلما كان التفقه من امر الدين و عدوه ابليس اللعين قام يوسوس لهم بهذه الوساوس و الاحتمالات العقلية التي لايجوز اجراؤها في العاديات فخرب عليهم العلم و غيرهم اناس مثلهم علماء حلماء اتقياء محققون ابرار يمرون بعين تلك الاخبار و يفهمونها بلا غبار و يحصلون العلم بها و القطع العادي بمضمونها و لاامنع من وجود مواضع قليلة لايحصل العلم فيها و هي ايضا عادية فيتوقفون فيها او يفحصون حتي يحصل لهم العلم العادي ايضا و هل تظن باولئك الاخيار الاتقياء انهم في قولهم يحصل لنا العلم كاذبون او لايفرقون بين الظن و العلم حاشاهم و هم يشقون الشعر في التحقيق و ان قلت فالاخبار علي ما قلت تكون سبب حصول العلم كساير اسباب العلم فهي تفيد العلم للقائلين بالظن ايضا قهرا و ان سموه ظنا اشتباها اقول حاشا ان الاحتمالات العقلية اذا قويت و اشتدت غلبت في الخيال و انعكست منه في الحس المشترك و نزلت لهم منزلة العاديات و اضرت بعلمهم العادي حقيقة فاحالته ظنا و زلزلت اقدامهم و اضطرب بها نفوسهم كما يضطرب قلوب اهل الماليخوليا حقيقة و يرون باعينهم ما لايراه الاصحاء و يدعون البداهة في اخفي الاشياء و القرب في ابعد الاشياء و المرض في اصح الاشياء و هكذا فاصحاب الظن محي عن نفوسهم رسم العلوم و اضطربت بالظنون و هم صادقون في اخبارهم عن نفوسهم بانه انسد عليهم باب العلم و يعملون بالظن و لعمري قسما بارا انهم بعد تمكن اصولهم من انفسهم و اشتداد الاحتمالات يبلغ امرهم مبلغا يزول عنهم الظن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 316 *»

و يصيرون شكاكا في جميع امور الدنيا حتي المحسوسات كمن كان يغتسل من جنابة واحدة مائة و عشرين مرة علي العد و ماكان يحصل له العلم بالانغماس الي ان كان يختنق و يسود فيحملونه و يخرجونه عن الماء و يرشون عليه الماء البارد حتي يفيق فكان يسأل بعد هل اغتسلت ام لا و كان اذا اراد ان يعطي اجرة الحمام يمد يده نحو صاحب الحمام بالكروة فاذا اراد المسكين ان يأخذها منه قبض يده بسرعة كالمستهزئ و كان يكرر ذلك عذرا بان النية لا بد و ان تكون مقارنة لاعطائي الكروة و اني اشك هل قارنها ام لا و آخر كان يكبر تكبيرات متعددة و ينقض صلوته و يعيد مرات و آخر يغمس يده في الماء و يلتمس الناس انظروا هل اغتمست يدي في الماء ام لا و آخر كان لايصلي في الظلمة و يقول اني لااتيقن هل قابل اصابع رجلي القبلة ام لا و ان كل ذلك الا من تعويد النفس بالشكوك و الاحتمالات العقلية و اجرائها في الامور العادية و اما في نفس الاخبار و ثبوتها فبعد ان فارقنا العامة في الاقرار بالولي و الحافظ و من الله علينا بوجوده فلايحتمل شئ من الاحتمالات التي يذكرونها و فينا اليوم اخبار صحيحة هي خليفة للصادقين عليهم السلام و اليها المفزع في ايام الغيبة و هي مقررة مسددة صحيحة نعم لو كان الامر كما ظنه العامة و قلدتموهم غفلة و اشتباها من عدم وجود راع و حافظ للدين لكان الامر كما تقولون و اسوء و لعمري لم‌يكن شئ اليوم يجوز الاعتماد عليه و كان الحق معكم بل كنتم مفرطين مسامحين و لم‌يكن ظن و كان شك محض و اما بعد وجود الحجة فهو الحافظ الذي لايلهو و لايسهو و لايترك الاولي و لايجانب الاكمل و بحفظه و رأيه و تأييده نصحح الاخبار التي عليها المدار و نعرف معانيها و لانخشي احدا و نخشي الله بعد تمام النعمة و كمال الدين كما يأتي بالجملة الامور العادية لايجري فيها الاحتمالات العقلية و يجب ان يكون ادلتها ايضا عادية كما عرفت و عرصتها الجزئيات المشهودة ، و اما الشرعيات فهي امور وضعية من الشارع يستدل عليها بالامور الشرعية و ان لم‌يساعدها العقلية و العادية فهي لها يقين شرعي يجب الركون اليها و الاخذ

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 317 *»

بها و الاطمينان فيها و ان كنت فيها شاكا عقلا و عادة او ظانا بخلافه كما اذا شككت في ثوبك الطاهر هل اصابه نجس ام لا فتستدل علي طهارته بانا كنا علي يقين من طهارته و لم‌يحصل لنا يقين بنجاسته و قد حكم الشارع يقينا بان مثل ذلك طاهر فهذا طاهر يقينا و لكن بيقين شرعي و ليس لك دليل عقلي علي انه لم‌يصبه نجاسة و انت في العادة شاك في اصابة النجاسة اياه و لكن باليقين الشرعي الوضعي انت متيقن بطهارته و لايعارض هذا اليقين الشك العقلي و العادي و لا ظنهما و لا وهمهما و كاليقين الحاصل من شهادة العدلين و امثال ذلك فاليقين الشرعي نتيجة الدليل الشرعي و له عرصة خاصة و نحن نحكم به و نجري عليه و ان لم‌يكن لنا دليل عقلي او عادي و لا بد لمن اراد الثبات علي امره ان يجري في كل عرصة بما يناسبها و يستدل بما يصاقعها و يعارض بما يقاطرها حتي يكون من الفائزين فتثبت .

فصل اعلم ان الدليل العقلي آلة يحتاج اليها علي البت في معرفة الصانع و نبي مبعوث من قبله و علي جواز الاستعمال في معرفة حقايق الاشياء و كليات الامور و المعاني و لعل من كان موزون العقل و سليمه و صافيه ان يعرف بعض الاحكام الاولية و اما الدليل العادي فهو آلة يحتاج اليها في اثبات شخص النبي و ان رجلا خاصا قد جاء و ادعي النبوة و اتي بالمعجز و في صحة ما ينسب اليه من الاقوال و الافعال و في فهم معاني اقواله و اوامره و نواهيه و آدابه و في اثبات اوصيائه و به يحتج الله علي عباده و لايطلب منهم الدليل العقلي عليها و في ساير الوقايع و الحوادث و الجزئيات الظاهرة في العالم كلا و طرا فان من شئ جزئي ظاهر في عالم الشهادة الا و يسلك فيه بالعادة و يستدل عليه بالادلة العادية و يستحصل فيه اليقين العادي و اما الدليل الشرعي فهو آلة يستدل بها علي ما وضعه الشارع من الاحكام كما وضعه و اما الموضوعات لها فهي تثبت بالعادية فبهذه الادلة الثلثة عمرت الديار و عبد الجبار فمن سلك في اموره هذا المسلك و وضع كل شئ محله صار معتدلا في علمه بالغا واصلا ثبتنا الله و اياكم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 318 *»

بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة و تلك حدود الله و من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه .

فصل اعلم ان الله سبحانه غني عن خلقه لاينفعه طاعة من اطاعه و لايضره معصية من عصاه فلم‌يأمر الخلق بما هو نافع له و لم‌ينههم عما هو ضار به بل امرهم بما ينفعهم و بما فيه قوامهم و صلاح نظامهم في معاشهم و معادهم و نهاهم عما فيه فسادهم و بوارهم و ضياع معاشهم و معادهم فاذا يختلف المصالح بحسب اختلاف المراتب ثم الاعصار و الامصار و الاشخاص و الاحوال و القرانات اذ لايعقل ان يكون نسبة شيئين الي شئ واحد علي حد سواء فلما نظرنا في الخلق رأينا ان لهم اولا مرتبتين مرتبة خلوصهم عن الاعراض و الامراض و كونهم علي حسب ما اراد الله منهم في اصل الخلق و مرتبة شوبهم بالاعراض و الامراض الاتري ان الانسان في الوضع الالهي الاولي ان لم‌يمنع عنه مانع له هيئة معتدلة خاصة و اما بسبب الاعراض و الامراض تتشوه و تتغير و تعدل عن ذلك الوضع و تنحرف فكذلك للسموات و الارض و ما تولد بينهما وضع الهي في غاية الاعتدال و الكمال لو خلص الزمان عن الاعراض و الامراض ظهر و وضع ثانوي و بين هذين الوضعين تفاوت فاحش فاقتضاؤهما مختلف علي حسب اختلاف وضعهما و صلاحهما مختلف علي حسب اقتضائهما البتة و لله سبحانه احكام اولية للاشياء في عرصة حقايقها لاتظهر الا بعد خلوص الزمان عن شوب الاعراض حتي انه لو علمها عالم لم‌يجز اجراؤها اليوم و احكام ثانوية لها في دار الاعراض و الامراض و تلك تكون علي حسب اعراضها و امراضها التي منها عجزها و قوتها و جهلها و علمها و ذكاوتها و بلادتها و سفاهتها و حكمتها و قربها و بعدها و صحتها و مرضها و اتصالها و انقطاعها و معرفتها و انكارها و خوفها و امنها و حركتها و سكونها و تفردها و اجتماعها و ازمنتها و امكنتها و اقاليمها و بلادها و جيرانها و قرناؤها و حالاتها و بداواتها و امثال ذلك فبهذه و بما لايمكن حصره من الاعراض يختلف الاحكام فاصطلحنا علي الاحكام الاولة بالاولية و الواقعية و علي الثانية بالثانوية و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 319 *»

النفس الامرية اما الاحكام الاولية فقد ضرب دونها الحجب من يوم هبوط آدم علي نبينا و آله و عليه السلام و قتل قابيل هابيل و ميل الآفاق و عروض الاعراض و طروء الامراض فارتفع عن الناس تلك الاحكام و لاتقع الا في رجعة آل‌محمد عليهم السلام و قتل ابليس و صفاء الزمان و اهله حتي انه لو علم امرؤ اليوم شيئا من تلك الاحكام لايجوز له العمل به و هو مريض فضلا عن ان يجب عليه طلبه و لاجل ذلك منعنا عن استعمال الدليل العقلي في استنباط احكام اليوم فان العقل الجزئي لايدرك الا الحكم الواقعي لعدم احاطته بالاعراض فليس مثله الا كمريض لايقدر علي النهوض يعلم ان حكم الصحيح القيام في الصلوة و الجهاد و لايجوز له التكلف و العمل به و انما الواجب عليه الصلوة قاعدا و القعود عن الجهاد فكذلك المرؤ اليوم لو علم حكم الناس في الرجعة ليس له العمل به و انما الواجب عليه ما كلفه الله به اليوم فما زعموه ان الحكم الاولي ما نطق به الشارع و يجب طلبه و الثانوي ما اضطررنا اليوم بالعمل به من باب اكل الميتة فهو قول بعيد عن التحقيق فان الشارع قد بعث في زمان طروء الاعراض و عروض الامراض و قد حكم باحكام المرضي في زمانه و اودع اوصياءه احكام الازمنة الآتية و الكل حكمه و هم مأمورون من جانبه و جانب الله بايصال الاحكام الي العباد في كل عصر و هم معصومون مطهرون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و يوصلون الي كل احد حكمه اذا لم‌يعص الله و طلب العلم و اتي بيته من بابه و يجب علي كل احد ان يطلب حكمه في زمانه و ليس بمأمور بطلب حكم اهل الزمان السابق فالحكم الاولي باصطلاحهم اي ما هو حقه من عند الله هو ما يوصله اليه الحجة المستحفظ للدين باذن الله لا ما ذكروه لغيره في زمان غير زمانه و هذا هو الحكم الثانوي باصطلاحنا و من ظن ان النبي صلي الله عليه و آله حكم بحكم واحد لرعيته فقد حكم بان آل‌محمد عليهم السلام قد حكموا بغير ما انزل الله في عباده اذ الاختلاف نشأ من عندهم و هم عليهم السلام قد تعمدوا في القاء الخلاف بينهم كما يشهد به اخبارهم فقد قال ابوعبدالله عليه السلام انا نجيب علي الزيادة

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 320 *»

و النقصان و قيل له ليس شئ اشد علي من اختلاف اصحابنا قال ذلك من قبلي و كما روي موسي بن اشيم انه افتي في مسألة واحدة في مجلس واحد بثلاثة اجوبة مختلفة و عن ابي‌الحسن عليه السلام قال اختلاف اصحابي لكم رحمة و قال اذا كان ذلك جمعتكم علي امر واحد و سأل عن اختلاف اصحابنا فقال عليه السلام انا فعلت ذلك بكم لو اجتمعتم علي امر واحد لاخذ برقابكم و في رواية زرارة اجاب ابوجعفر عليه السلام في مسألة واحدة بثلثة اجوبة مختلفة فسأله زرارة عن ذلك فقال ان هذا خير لنا و لكم و لو اجتمعتم علي امر واحد لقصدكم الناس و لكان اقل لبقائنا و بقائكم الي غير ذلك من الاخبار و فيه تأويل قوله تعالي هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب و ان قيل ان حكم النبي صلي الله عليه و آله واحد و ان صدر عن الاوصياء عليهم السلام خلافه فقد صدر تقية قلت هل كان اتقاء الائمة عليهم السلام بحكم النبي صلي الله عليه و آله ام لا لايقدر ان يقول لا فان كان بحكمه فما قالوه هو الحكم النفس الامري في حال التقية و هو حكم الله يتقرب به اليه و يقبله عند عروض هذا العرض و يجب علي الرعية استعماله بحكم الله فهو الدين الالهي عند هذه الحالة قد كتبه الله لهم عند عروض هذا العرض فتقيتهم ايضا دين رسول الله صلي الله عليه و آله و ما جاء به من عند الله تعالي و حكمه فاذا كان الاختلاف من عندهم علي اي وجه كان و هم حاكمون بحكم الله و حكم رسوله في رعيتهم كان الاختلاف من عند الله و عند رسوله و ليس هذا الاختلاف بالاختلاف في الحق و انما كان الاختلاف عين الحق و صلاح كل نفس في كل عصر و من هذا الباب كان رسول الله صلي الله عليه و آله يظهر من دينه شيئا بعد شئ و ينسخ حكما بعد حكم و يغير علي حسب المصلحة و الاشخاص و الاوقات الاتري ما رواه الصدوق قال لم‌يطلق النبي صلي الله عليه و آله لبس الحرير لاحد من الرجال الا لعبدالرحمن بن عوف و ذلك انه كان رجلا قملا و كما روي عن ابي‌جعفر عليه السلام قال نهي رسول الله صلي الله عليه و آله عن اكل لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر و انما نهي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 321 *»

عن اكلها في ذلك الوقت لانها كانت حمولة الناس و انما الحرام ما حرم الله في القرآن و امثال ذلك كثيرة لمن يفهم سر السياسة و منه الاحكام التي كانت في اول الاسلام ثم نسخها و هذا هو الاختلاف بحسب القوابل الا ان القوم لايتنبهون و كلما يقولون في احكام النبي صلي الله عليه و آله نقوله في احكام آل‌محمد عليهم السلام و احكامهم هي احكامه المنزلة عليه نزلت اليه و لمايأن اوانها فاودعها اوصياءه حتي يبرزوها في اوقاتها بالجملة الحكم الثانوي باصطلاحنا هو حكم المختلفين و لا بد فيه من الاختلاف و هو من عندهم يوصلون الي كل احد حكمه و الا لم‌يعرف احد حكمه و ما وصل اليه هو حكمه الذي لو شافه الامام اجابه به و لو شافه رسول الله صلي الله عليه و آله و هو كذا اجابه به و ليس وجوب الاخذ به من باب اكل الميتة بل هو اكل من الطيبات و الميتة من الخبائث بل من باب انه حكمه من عند الله قد كتبه في اللوح المحفوظ قبل ان يخلقه و يخلق السموات و الارض كما يأتي في محله انشاء الله .

فصل لا شك ان اليقين و الظن و الشك و الوهم حالات قهرية نفسانية لاتدفع اذا عرضت و لاتجلب اذا امتنعت و في اليقين يكون القلب ساكنا مطمئنا و في البواقي يكون القلب متزلزلا مضطربا قهرا و ان كان في الظن اميل الي جانب و لكنه متزلزل يقينا و لذلك سماه الله شكا حيث قال و ان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن الآية ، فلايعلم في حالة الاضطراب هل هو حق و من عند الله او باطل و من عند غير الله و هل هو مما اراده الله منه او لم‌يرده و هل هو محبوب لله او مبغوض له و هل هو حين تمسكه به مرضي لله سبحانه او مسخوط له البتة و هل به يتقرب الي الله او يتباعد عنه اللهم الا ان يقوم دليل بتي علي ان هذا الظن مأمور باتباعه من عند الله و الدليل البتي هو الكتاب المستجمع علي تأويله و السنة التي لا اختلاف فيها و الدليل العقلي الذي اجمع العقول علي حقيته و صحته و صحة استنتاج النتيجة عنه و في هذه العقول عقول المعصومين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 322 *»

عليهم السلام و لا حجية فيه بدون ذلك فاذا قامت الادلة الثلثة او احدها و ليست تفترق البتة كما ورد في حديث الثقلين المجمع عليه سكن القلب حينئذ علي ذلك الظن و صار كأنه موضوع حكم و الحكم فيه قطعي يسكن القلب لديه و حينئذ يمكن ان يعبد به الرحمن و الا فلا و قد قام الاجماع من جميع الفرق الملية علي ان الله سبحانه لايعبد الا باليقين و لايمكن التقرب اليه الا باليقين حتي ان الذين يجوزون العمل بالظن المطلق يقيمون علي زعمهم دليلا قطعيا علي جواز الاستناد اليه فيجعلونه موضوع الحكم العقلي القطعي و من ذلك يعلم ان الله سبحانه لايعبد الا بالقطع اجماعا من المليين و ليس الظن المحض الانتهائي الا كالشك و لايتمسك به عاقل و لايسكن اليه نفس و النفس في هذه المدة القليلة من حيوتها اذا كانت نبيهة طالبة لتحصيل النجاة القطعية لاتستقر الا بالعلم بالنجاة القطعية قهرا كما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان القلب ليتجلجل في الجوف يطلب الحق فاذا اصابه اطمأن و قر الخبر ، فلااظن عاقلا يشك في ذلك بل هو امر طبيعي لايطاوع الانسان طبعه اذا اراد منه غير ذلك البتة و يزعجه دائما حتي يطلب النجاة القطعية بالدليل القطعي فالظن لايغني من الحق شيئا الا ان يقوم عليه دليل قطعي و الدليل القطعي هو كتاب الله المنبئ عن رضاء الله و سخطه فانه سبحانه اعلم بما يرضاه و ما يسخطه و لايحكم عليه احد و لايطاوع احدا ليس بامانيكم و لا اماني اهل الكتاب من يعمل سوء يجز به الا له الحكم و اليه ترجعون فلايعلم ما يرضاه و ما يسخطه الا هو فان اخبر في كتابه النازل من عنده برضاه نعلم قطعا انه راض بهذا الامر و اتباع هذا السبيل و ان اخبر بسخطه نعلم قطعا انه ساخط و كذلك اذا اخبر النبي الامين المبعوث من عنده لهداية الخلق الي مراضي الله و مساخطه علمنا ان الله سبحانه راض او ساخط ثم بعده لا مخبر عن الله سبحانه و عن رضاه و عن سخطه و اما الائمة عليهم السلام فهم يروون عنه و ليسوا بانبياء و لم‌ينزل اليهم وحي يؤسس لنا امرا فهم مقتدون برسول الله صلي الله عليه و آله متبعون لامره لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 323 *»

يفتون اذا افتوا بما اودع الله في صدورهم من علم كتابه و سنة نبيه فاخبارهم علي اليقين ايضا من اسباب حدوث اليقين فعن الصادق عليه السلام سألني ابن‌شبرمة ما تقول في القسامة في الدم فاجبته بما صنع رسول الله صلي الله عليه و آله قال ارأيت لو ان النبي صلي الله عليه و آله لم‌يصنع هكذا كيف كان يكون القول فيه قال قلت له اما ما صنع النبي صلي الله عليه و آله فقد اخبرتك و اما ما لم‌يصنع فلا علم لي به و سئل عن مسألة فاجاب فقال الرجل ان كان كذا و كذا ما كان القول فيه فقال له مه ما اجبتك فيه من شئ فهو عن رسول الله صلي الله عليه و آله لسنا من ارأيت في شئ و قال في حديث ان الله فرض ولايتنا و اوجب مودتنا والله مانقول باهوائنا و لانعمل بآرائنا و لانقول الا ما قال ربنا عز و جل و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال يا جابر انا لو كنا نحدثكم برأينا و هوانا لكنا من الهالكين و لكنا نحدثكم باحاديث نكنزها عن رسول الله صلي الله عليه و آله كما يكنزون هؤلاء ذهبهم و فضتهم و عنه عليه السلام لو انا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا و لكن حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه فبينه لنا الي غير ذلك من الاخبار فالدليل القطعي في الكتاب و السنة و اخبار العترة الطاهرة سلام الله عليهم و ما اجمعت العقول عليه و ليس ذلك الا في البديهيات و فيها عقل الحجة المعصوم فمهما قام دليل علي لزوم طاعة شئ من هذه الامور يسكن فيه القلب و الا فلا و لايعبد به الرحمن و لايكتسب به الجنان و لايجوز التعويل عليه فما يستدل عليه احدهم و يخالفه الآخر و مع ذلك دليله اوهن من بيت العنكبوت و ليس الا رأي و استحسان و قول هذا ينقاد و هذا لاينقاد و هذا ينساق و هذا لاينساق و هذا يقبله عقلي و اسلمه و هذا لايقبله عقلي و لااسلمه و ليس الا وقوفا عند العجز عن رده و النقض فيه فذلك محرم علي هذه العصابة المرحومة حرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير كما يأتي و اسأل القوم هل كان يسوغ لرسول الله صلي الله عليه و آله فيما لم‌ينزل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 324 *»

عليه جبرئيل و لم‌يوح اليه شئ من الله سبحانه ان يجتهد بعقله و يستفرغ الوسع و يحصل الظنون و يفتي به ام لا فان قالوا نعم كذبوا الله فوق عرشه فان الله سبحانه يقول ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و قال ماادري ما يفعل بي و لا بكم ان‌اتبع الا ما يوحي الي و قال لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فان لم‌يكن لرسول الله صلي الله عليه و آله فيما لم‌ينزل اليه وحي فيه ان يقول باجتهاده و نظره و رأيه و عقله كامل و قد اشهده الله خلق السموات و الارض كيف يجوز لهؤلاء ان يقولوا في كثير من المسائل بآرائهم و اجتهادهم و استحساناتهم و ادلتهم العقلية بزعمهم مع جهلهم و عقولهم الناقصة و هل هو الا نقص في الدين و ادحاض لحجتهم و تخريب للشرع المبين و ان كان لايجوز لآل‌محمد عليهم السلام ان يجتهدوا فيما لم‌ينص عليه رسول الله صلي الله عليه و آله و يستدلوا عليه بعقولهم كما سمعت و يقولون اسكتوا عما سكت الله و ابهموا ما ابهمه الله و يقولون لانعلم ما لم‌يقله رسول الله صلي الله عليه و آله فكيف يجوز لهؤلاء ان يجتهدوا و يقولوا بآرائهم و ادلتهم العقلية في الاصول و الفروع و اسألهم هل كان علي احد في عهد رسول الله صلي الله عليه و آله قبل ان يصدر عنه امر او نهي ان يجتهد و يستفرغ الوسع و يحصل الظنون و يستدل بالاستحسانات و المسلمات و غيرها و يستخرج لنفسه حلالا و حراما او لم‌يكن فان قال كان الواجب عليهم ذلك فقد كذبه اتفاق العقلاء من اهل الاسلام انه لم‌يكن كذلك و لو كان كذلك لاتسع شرع لهم قبل ان يشرعه رسول الله صلي الله عليه و آله بل كانوا واقفين موقف امره و نهيه دائما و يسكتون عما سكت عنه و يأتمرون بما امر و يجتنبون عما نهي و ماكانوا يسبقونه بوضع شريعة و مسائل جزئية فرعية او اصولية كلية يفرع عليها فروع فان لم‌يكن للامة في زمانه ان يجتهدوا و يستخرجوا بعقولهم شريعة و قواعد كلية فكيف يجوز لهؤلاء بعده ان يفعلوا ذلك و قل لهم اليس ان عبدا من عبيد السلطان اذا كان مرخصا من جانبه ان يعمل في ملكه برأيه و ما جوزه عقله و ما استحسنه هو اعظم و اكرم علي السلطان من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 325 *»

عبد له لم‌يرخصه ان يعمل بعقله في ملك السلطان اليس اعتماد السلطان علي ذلك اكثر من اعتماده علي هذا اوليس ذلك اقرب اليه من هذا افليس ان هؤلاء يجب ان يكونوا اكرم علي الله من رسوله و حججه اذا لم‌يرخصهم ان يتصرفوا في ملكه برأيهم و لم‌يأذن لعبيده باتباعهم اذا قالوا بآرائهم و رخص هؤلاء ان يقولوا بعقولهم و فرض علي المسلمين بزعمهم اتباع عقولهم و من لم‌يفعل فهو فاسق لايقبل شهادته و ان تهاون و استخف فهو كافر مخلد في نار جهنم علي زعمهم اليس هذا تناقضا في الدين و خروجا عن طريقة المسلمين و قل لهم ان هذه الاصول التي تضعونها بعقولكم و لاتقرأون عليها كتابا و لاتروون فيها حديثا و تجادلون فيها صباحا و مساء و تزعمون انه لولاها لايفهم كتاب و لا سنة و لايعلم مذهب و لا دين هل هي واجب علمها و تحصيلها ام لا فان لم‌يك واجبا فما شأنكم في هذا التضييع للعمر و تحريص الناس عليه و نكيركم علي تاركه و ان كان واجبا فهل بين الله ذلك في كتابه و شرحه نبيه في سنته ام لا و حكم الله و رسوله في ما اختلفتم فيه من مسائله ام لا فان بينا و حكما فاتلوا علينا كتاب الله و سنة نبيه فيما اختلفتم فيه و الله سبحانه يقول اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و قال و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و قال ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و قال تبيانا لكل شئ و مافرطنا في الكتاب من شئ و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و تفصيلا لكل شئ و الا فانتم القائلون بان الله انزل دينا ناقصا فاستعان بكم علي اتمامه او انزل دينا تاما فقصر الرسول عن ابلاغه او انتم شركاء لله فلكم ان تقولوا و علي الله ان يرضي و لعلكم تقولون بالاخير فاني اجدكم تقولون ان باب العلم بالواقع مسدود و نحن نعمل باجتهادنا و ظنوننا المطلقة و ان عملنا بالاخبار يوما ما فنعمل بها لا من حيث انها اخبار بل من حيث حصول الظن لنا بحكمنا و هذا الذي ظننا به ربما كان هو الحكم الواقعي الذي كلفنا به و كتبه الله في اللوح المحفوظ و انزله علي نبيه صلي الله عليه و آله و ربما لم‌يكن و ربما كان دين الله الواقعي و ربما لم‌يكن الا انا نظن بانه هو هو و كل ما ادي اليه ظنونا يجب ان يرضي الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 326 *»

به و يجعله دينه الآن و يكلف العباد به الآن فان كان مظنوناتكم هذه هي دين الله الذي كتبه عليكم في اللوح قبل اجتهادكم فانتم من عجائب الخلق حيث لايخطيه ظنونكم ابدا و تهتدي اليه دائما علي صراط مستقيم و انتم تطلبون غيره و يعجز عنه يقينكم و قد قال الله سبحانه ان الظن لايغني من الحق شيئا ، و روي ان الظن اكذب الكذب و انتم اكذب كذبكم لايخطي ما كتبه الله في اللوح المحفوظ و هذا من اعجب العجائب و ان لم‌يكن حاصل ظنونكم ما كتب الله لكم يوم اول في اللوح المحفوظ و لم‌يجعله تكليفكم و دينكم في علمه قبل ان يخلقكم فتبين انكم تقولون ان دينه الثانوي تابع لظنوننا و يجب ان يرضي بما ظننا و اجدكم تقولون ان لله تعالي دينين دينا قد سد بابه علينا و هو عنده و دينا استخرجناه بظنوننا و يجب ان يجعله دينه بعد ما حكمنا فيه بظنوننا و استخرجنا و ليس هو قبل استخراجنا بدين الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ و لم‌يجعله الله قبل ظننا له دينا و لنا تكليفا فهو تابع لكم في الدين الثاني و متي عدلتم عن دينكم الثانوي يعدل الله عنه فمااراكم الا كالمصوبة الا انهم يقولون ذلك في الدين الاولي و انتم تقولون بذلك في الدين الثانوي و اذا كان الدين الاولي مضروبا دونه الحجب و لاتصلون اليه و ليس في وسعكم الوصول اليه فلستم مكلفين به فليس بدين لكم و الذي هو دينكم يكون الله تابعا لكم فيه ثم هل يسعكم الوصول الي الدين الاولي باليقين ام لا فان لم‌يسعكم فلستم مكلفين به لقوله سبحانه لايكلف الله نفسا الا وسعها و ان كان يسعكم فما بالكم تقولون بسد بابه و ان قلتم لايسعنا الوصول اليه باليقين و لكن يسعنا الوصول اليه بالظن يقينا فهو قول مخبوط فان اليقين اذا لم‌يسع و لم‌يوصل اليه يقينا كيف يوصل الظن اليه يقينا و لااظنكم تقدرون تقولون ذلك فانكم تقولون ربما وصلنا اليه بالظن و ربما اخطأناه فليس الظن يوصل اليه يقينا و لايسعكم الوصول اليه بالظن يقينا بل يسعكم الوصول بالظن الي الحكم الثانوي الذي ظننتم و الحكم الثانوي غير واجب المطابقة مع الاولي و ليس بدين الله السابق و امر معين مكتوب كما ظننتم فاذا انتم شركاء لله في وضع الدين لكم ان تظنوا و عليه ان يرضي بعد ظنكم فهو ايضا يرضي بظنكم من باب اكل الميتة اذ

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 327 *»

لم‌يكن ايصالكم الي دينه الاصلي فرضي بظنكم من باب اكل الميتة نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين و اراكم تدعون بلوازم اقوالكم ان دين النبي صلي الله عليه و آله منسوخ و دينكم منصوب و انتم افضل من النبي صلي الله عليه و آله فانكم تقولون ان النبي بعث بدين الله الاولي ثم سد الله باب العلم به فلا احد يعرفه و لا احد يقدر علي العمل به و انكم قمتم بعده و استخرجتم احكاما بظنكم و قد يوافق دين الله و قد لايوافق و هو دين ثانوي معمول يجب العمل به فما جاء به مرفوع عن الامة و ما جئتم به منصوب في الامة و هو ماكان يجوز ان يعمل برأيه و انتم يجوز لكم فانتم رجال لكم دين ثانوي و افضل من النبي و اقوي و ان قلت نحن لسنا ندعي ان لنا دينا و لكنا نتوخي دينه و لانقول بدين آخر قلت اذا كان دين النبي لايصاب بالعلم كيف يصيبه الظن فلايسعكم ان تدعوا انكم اصبتموه و يحتمل ان يكون هذا دينه و يحتمل ان لايكون فاذا كيف يكون هذا حكم الله يقينا في حقكم و حكم الله ما نزل علي النبي و من لم‌يحكم بما انزل الله فهو كما تعلمون و اقول ايضا ان دين الله ما وضعه الله و ما وضعه غير الله فليس يقال انه دين الله و ما وضعه الله فهو ما نزل علي رسوله صلي الله عليه و آله و لم‌يتخذ نبيا آخر و ظنونكم هذه ان كانت مما وضعه الله و من دينه فاتونا بآية من كتابه تدل علي ذلك او حديث من سنة رسوله صلي الله عليه و آله كاشف عنها و ان لم‌يكن هذا الامر نزل من عنده و تقولون برأيكم و عقلكم فليس بدين له فان دين كل احد ما يضعه بعلمه فاذ لم‌يضعه الله بعلمه و وضعتم ذلك بعلمكم و عقلكم فهو دينكم لا دين الله سبحانه و مااوجب علي العباد دينكم و لستم بانبياء و لا معصومين بل ماامضاه علي انفسكم و ان قلتم ان ما نقول دين الله وجدناه بفحصنا و بحثنا عنه قلت اخبروني هل كان هذا دين الله لكم قبل ظنكم او بعد ظنكم فان قلتم انه دين الله بعد ظننا فقد قلتم بان دين الله الثانوي تابع لظنوننا و ليس له دين قبل ظنوننا و هذا تصويب ثان و قبحه واضح و ان قلتم انه دين الله قبل ظنوننا فكيف اصبتموه يقينا و انتم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 328 *»

طلبتم غيره فتصيبونه دائما بالخطاء و لاتصيبون دين الله الاولي و انتم تطلبونه و تقصدونه و تجاهدون في طلبه ان هذا الا مجازفة محضة ثم ان الله سبحانه يقول في كتابه ان فيه تبيان كل شئ و تفصيل كل شئ فهل تفصيل دينكم في كتابه ام لا و روي ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة فان قلتم ان مسائل ديننا الثانوي و تفصيله و حدوده و احكامه ليس في كتاب الله و سنة نبيه ادحضتم حجتكم و ان قلتم انه فيهما ففيهما الدين الاولي و الثانوي معا فكيف تهتدون بظنونكم الي تلك الامور و المعاني و المرادات من الكتاب و السنة و انتم لاتدرون مواضعها و مصادرها و مواردها و مع ذلك انتم قاصدون غيرها فاحصون عن الدين الاولي دونها و لاتهتدون بما اندرج فيهما من الدين الاولي فما سد عليكم باب ذلك دون هذا ثم اري لازم قولكم انكم افضل من النبي بادعائكم لان النبي صلي الله عليه و آله ماكان يعلم دين الله الا بوحي و لايستنبط دين الله الا ببيان من الله و انتم تستنبطونه بغير وحي و بيان من الله ثم ان النبي صلي الله عليه و آله بعث علي جميع الناس في الاعصار الي يوم القيمة ام لا فان قلتم لا ، ادحضتم حجتكم و ان قلتم نعم قلت هل في شرعه حكم اهل كل زمان ام لا فان قلتم لا ، ابطلتم امركم و ان قلتم نعم قلت هل حكم زمانكم مع ما انتم عليه من بلياتكم و موانعكم من اصابة الحق و اضطراركم الي الظن و تفصيل احكامكم في شرعه و دينه ام لا فان قلتم لا ، خرجتم عما انتم فيه و ان قلتم نعم قلت ما اهدي ظنونكم اليه مع عدم توجهكم اليه و عدم ارادتكم له بحيث لايخطي ابدا و ما اعجب انكم تطلبون من الله و تبتهلون اليه في معرفة غير دينكم و ما انسد عليكم بابه و تقعون علي غيره و يصير هو دينكم ثم ان انسد عليكم الدين الاولي يقينا فطلبكم له طلب محال و هو غير جايز و غير سيرة العقلاء فان طلب المحال لغو فاطلبوا دينكم الذي يمكنكم الوصول اليه و ليس بمحال فما معني انكم تطلبون غير الدين حتي تقعوا علي الدين ثم هل بلغ دينكم الثانوي اليكم ام لم‌يبلغ فان بلغ هذا فما باله وسعه ابلاغ هذا دون دينه الاولي ثم ان بلغ فلم احتجتم الي الاجتهاد و الظنون و المفروض انه بلغ دينكم الثانوي اليكم و ان لم‌يكن له دين

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 329 *»

ثانوي فالذي تقولون ما هو و ان كان هذا دينه فعليه ابلاغه ما لكم كيف تحكمون ام لكم كتاب فيه تدرسون ان لكم فيه لما تخيرون و اراكم انكم ساجلتم الانبياء و الاوصياء في فضلهم بحيث لو اراد انسان ان يساجلهم في فضلهم و يفضل نفسه عليهم مازاد علي ذلك فاني اراكم تدعون امرا يلزمكم انكم تدعون انكم افضل من الانبياء فان النبي هو المخبر عن دين الله و انتم صرتم تخبرون عن دين الله فالنبي لايخبر عن دين الله الا بوحي و انتم تخبرون بغير وحي فانتم افضل و النبي يحتاج الي نزول ملك و انتم لاتحتاجون و النبي ماكان يجوز ظنه و انتم يجوز ظنكم و ان الله لم‌يكن يتبع النبي في دينه و يتبعكم و النبي يشترط فيه العصمة و انتم لايشترط في اخباركم عن الله عصمة و النبي ان قوّل علي الله مأخوذ و انتم ان اخطأتم لكم اجر من الله يدخلكم به الجنة و النبي ينزل بالخطاء و يبعد عن الله و انتم تتقربون بالخطاء و تزدلفون لديه و يجل خطركم و قدركم بكل خطاء اخطأتم و النبي ان افتري علي الله يعزل عن النبوة و انتم ان افتريتم علي الله يصير مدادكم كدماء الشهداء و النبي مع الخطاء ليس يجب اتباعه و هو ليس بنبي و انتم مع الخطاء يجب علي الخلق تقليدكم فيه و اتباعهم لكم و النبي و ان عرف المسألة بعقله يقينا لايجوز له القول به الا بوحي من الله و انتم تقولون به و لماتحيطوا بها علما و النبي يقول لو عصيت لهويت و انتم لستم تهوون و يجل قدركم يوما فيوما و تدرون انكم غير معصومين بالجملة لوازم كلامكم انكم افضل من النبي و لايزيد متفضل عليه علي ذلك ابدا .

فصل في بعض آيات الكتاب الدالة علي حرمة العمل بالظنون مطلقا و هي كثيرة نذكر منها ما تيسر قال الله سبحانه في سورة البقرة و منهم اميون لايعلمون الكتاب الا اماني و ان هم الا يظنون فذم قوما يقلدون علمائهم بالظن فما ظنك بمن يجتهد و يفتي بالظن و قال سبحانه و قالوا لن‌تمسنا النار الا اياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 330 *»

فلن‌يخلف الله عهده ام تقولون علي الله ما لاتعلمون حيث علق الذم علي القول بغير علم و هو مشعر بالعلية و قال سبحانه كتب عليكم القتال و هو كره لكم و عسي ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسي ان تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و انتم لاتعلمون فاي عبرة بظنوننا و اهوائنا و قال في سورة الانعام سيقول الذين اشركوا لو شاء الله مااشركنا و لا آباؤنا و لاحرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتي ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان‌تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم اجمعين قل هلم شهداءكم الذين يشهدون ان الله حرم هذا فان شهدوا فلاتشهد معهم الآية ، و معلوم ان التحريم من مسائل الفروع و ذمهم بعملهم فيه بظنونهم و خرصهم و لا علم لهم مع ان لله الحجة البالغة فيما اراد من خلقه و قراين الآيات صريحة في ان الآية في الاصول و الفروع معا و قال فيها و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان‌يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون ان ربك هو اعلم من يضل عن سبيله و هو اعلم بالمهتدين فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ان كنتم بآياته مؤمنين و الآية عامة و جعل سبب اضلالهم اتباعهم الظن و الخرص و تفريع فكلوا قرينة علي خصوص ارادة الفروع ايضا و قال في سورة يونس افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون و مايتبع اكثرهم الا ظنا و ان الظن لايغني من الحق شيئا فجعل متابعة الظن خلاف الاهتداء و هدد عليه و فيها قل ارأيتم ما انزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما و حلالا قل ءالله اذن لكم ام علي الله تفترون و ما ظن الذين يفترون علي الله الكذب الآية ، فجعل التحريم و التحليل بالظن افتراء علي الله و قال في سورة النحل و يجعلون لما لايعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون و قال في سورة الحج و يعبدون من دون الله ما لم‌ينزل به سلطانا و ما ليس لهم به علم و ما للظالمين من نصير الا ان لله من في السموات

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 331 *»

و من في الارض و ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ان‌يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و الآية ظاهرة انهم ذموا من حيث اتباع الظن و لذا خصه بالذكر و لو لم‌يكن المراد خصوص مذموميتهم بالظن لذمهم بصفة اخري و قال في تلك السورة ان عندكم من سلطان بهذا اتقولون علي الله ما لاتعلمون قل ان الذين يفترون علي الله الكذب لايفلحون فذمهم بالقول بغير علم و جعله علي حد الافتراء علي الله و قال فيها مايتبع اكثرهم الا ظنا ان الظن لايغني من الحق شيئا ان الله عليم بما يفعلون فذمهم بخصوص اتباع الظن و حكم بعده بان جميع اصناف الظن لايغني من الحق شيئا من الاشياء ابدا فان الجنس المحلي يفيد العموم حيث لا عهد و النكرة الواقعة في سياق النفي ايضا تفيد العموم و قال في سورة النجم ما لهم به من علم ان‌يتبعون الا الظن و ان الظن لايغني من الحق شيئا و سياق الاستدلال بها كسابقتها و قال فيها ان‌يتبعون الا الظن و ما تهوي الانفس و لقد جاءهم من ربهم الهدي و في كثير من هذه الآيات و ان كان المورد اصول الدين و لكن الذم لخصوص اتباع الظن و علق الذم به دون خصلة اخري و الحال انه جاءهم من ربهم الهدي و قال في بني‌اسرائيل لاتقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا و كلمة ما هنا تفيد العموم بداهة و قال في زخرف و قالوا لو شاء الرحمن ماعبدناهم ما لهم بذلك من علم ان هم الا يخرصون فذمهم بعدم العلم و بالخرص دون ساير صفاتهم و العاقل لايشك في ان الذم متوجه الي عدم العلم و الي الخرص و قال في الجاثية في ذم الدهرية ما لهم بذلك من علم ان هم الا يظنون و قال في آل‌عمران ها انتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم و الله يعلم و انتم لاتعلمون و قال سبحانه في الانعام و جعلوا لله شركاء الجن و خلقهم و خرقوا له بنين و بنات بغير علم سبحانه و تعالي عما يصفون فذمهم باتباع غير العلم و فيها و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان‌يتبعون الا الظن و ان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 332 *»

هم الا يخرصون فسمي متبع الظان مضلا و فيها و ان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم ان ربك هو اعلم بالمعتدين فسمي متابعة غير العلم اعتداء و قال في البقرة يا ايها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا و لاتتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين انما يأمركم بالسوء و الفحشاء و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون و قال في الاعراف قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الاثم و البغي بغير الحق و ان تشركوا بالله ما لم‌ينزل به سلطانا و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون و حسبك ان جعل القول بغير علم عديل الفواحش و البغي و الشرك و فيها انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون الله و يحسبون انهم مهتدون فذمهم بحسبان الاهتداء و هو ظن و اذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و الله امرنا بها قل ان الله لايأمر بالفحشاء اتقولون علي الله ما لاتعلمون و قال في الانعام نبئوني بعلم ان كنتم صادقين فجعل علامة الصدق التنبئة بالعلم و قال فيها و من الابل اثنين و من البقر اثنين قل ءالذكرين حرم ام الانثيين اما اشتملت عليه ارحام الانثيين ام كنتم شهداء اذ وصيكم الله بهذا فمن اظلم ممن افتري علي الله كذبا ليضل الناس بغير علم ان الله لايهدي القوم الظالمين و قال فيها و ان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم ان ربك هو اعلم بالمهتدين و قال في سورة الروم بل اتبع الذين ظلموا اهوائهم بغير علم و في سورة لقمن و من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير و قال في الجاثية ثم جعلناك علي شريعة من الامر فاتبعها و لاتتبع اهواء الذين لايعلمون انهم لن‌يغنوا عنك من الله شيئا الي غير ذلك من الآيات و قد عدها الشيخ الحر و ذكر انها سبعين ( سبعون ظ ) آية و الكتاب آية منه حجة و الباقية تأكيد و مبالغة من الله سبحانه و لاينكر صراحتها في الاصول و الفروع و عمومها الا من يتبع هواه و يريد اطفاء نور مولاه و الا فظهورها في حرمة العمل بالظن و كونها افتراء علي الله سبحانه كالشمس في رابعة النهار و قد عد الله سبحانه الظن شكا في آية اخري حيث يقول و ان الذين اختلفوا فيه لفي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 333 *»

شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن و ماقتلوه يقينا فجعل ظنهم بقتل عيسي عليه السلام شكا فاصحاب الظن ان صدقوا في ظنهم فهم كالشكاك و لايعبد الله بالشك ابدا و ان اشتبه عليهم و كانوا في شك كما هو نتيجة اكثر اصولهم العدمية و الوجودية الغير الشرعية فهم شكاك و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ فلنعنون فصلا تأكيدا للاخبار الواضحة المنار الجارية في هذا المضمار بحيث يصير الامر كالشمس في رابعة النهار .

فصل في سرد بعض الاخبار الدالة علي حرمة العمل بغير علم و العمل بالظن المنقولة من الكتب المشهورة المعتبرة و يغني عن ذكر اسنادها تواترها و موافقتها للكتاب المستجمع علي تأويله و دليل العقل القاطع و علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور فعن الصادق عليه السلام انه قال لابي‌حنيفة في حديث انك صاحب رأي و كان الرأي من رسول الله صوابا و من دونه خطاء لانه تعالي قال احكم بما اراك الله و لم‌يقل ذلك لغيره الخبر ، و اعلم ان الرأي في هذا الخبر و غيره من الاخبار هو مؤدي النظر بعد الفكر و التدبر فيما ينبغي و مؤدي الدليل العقلي و الا فبمحض هوي النفس ماكان يفتي سني فضلا عن غيره و عن ابي‌جعفر عليه السلام في قوله تعالي و الشعراء يتبعهم الغاوون انما عني بذلك الذين وضعوا دينا بآرائهم فتبعهم الناس الخبر ، فحرام تقليد اهل الرأي و النظر فيما ليس فيه كتاب و لا سنة و عن علي عليه السلام من دان الله بالرأي لم‌يزل دهره في ارتماس و عن النبي صلي الله عليه و آله اذا تطيرت فامض و اذا ظننت فلاتقض و عن الصادق عليه السلام من افتي الناس برأيه فقد دان بما لايعلم و من دان بما لايعلم فقد ضاد الله حيث احل و حرم فيما لايعلم انتهي ، فجعل المناط الدين بما لايعلم و جعله مضادة لله سبحانه و عنه عليه السلام قد سألني ابن‌شبرمة ما تقول في القسامة في الدم فاجبته بما صنع رسول الله صلي الله عليه و آله قال ارأيت لو ان النبي صلي الله عليه و آله لم‌يصنع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 334 *»

هذا كيف كان يكون القول فيه قال قلت له اما ما صنع النبي صلي الله عليه و آله فقد اخبرتك و اما ما لم‌يصنع فلا علم لي به انتهي ، فلم‌يقل ان الاصل كان يقتضي كذا و لم‌يقل باستحسان و ادبنا لو تأدبنا ان ما لم‌يصنع فلا علم لي به و روي انه عليه السلام سئل عن مسئلة فاجاب فقال الرجل ارأيت ان كان كذا و كذا ما كان يكون القول فيه فقال له مه ما اجبتك فيه من شئ فهو عن رسول الله صلي الله عليه و آله و لسنا من ارأيت في شئ انتهي ، و هو كسابقه و عنه عليه السلام ان الله فرض ولايتنا و اوجب مودتنا والله مانقول باهوائنا و لانعمل بآرائنا و لانقول الا ما قال ربنا عز و جل و عن سعيد الاعرج قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام ان من عندنا من يتفقه يقول يرد علينا ما لانعرفه في الكتاب و لا في السنة نقول فيه بآرائنا فقال ابوعبدالله عليه السلام كذبوا ليس شئ الا جاء في الكتاب و جاءت فيه السنة انتهي ، يعني لا مجال لاحد في الرأي بعد احتوائهما بكل شئ و لا بد من الفحص عنهما دائما و عن محمد بن حكيم قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام ان قوما من اصحابنا قد تفقهوا و اصابوا علما و رووا احاديث فيرد عليهم الشئ فيقولون برأيهم فقال لا و هل هلك من مضي الا بهذا و اشباهه انتهي ، انظر كيف نهاهم عن الاجتهاد فيما لا نص فيه و القول بالرأي و هل الرأي الا ما يفيد الظن و عن ابي‌بصير قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام يرد علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب و لا سنة فننظر فيها فقال لا اما انك ان اصبت لم‌توجر و ان كان خطاء كذبت علي الله انتهي ، و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال يا جابر انا لو كنا نحدثكم برأينا و هوانا لكنا من الهالكين و لكنا نحدثكم باحاديث نكنزها عن رسول الله صلي الله عليه و آله كما يكنزون هؤلاء ذهبهم و فضتهم و عنه عليه السلام لو انا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا و لكن حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه فبينه لنا انتهي ، فاذا كان هذا حالهم في الفتوي بالرأي لو افتوا و هم عالمون بما كان و ما يكون فما ظنك باناس لايعلمون الهر من البر و غاية علمهم علم الفاظ استنبطوها بظنهم من محاورات عوام الناس و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 335 *»

عن علي عليه السلام لاتقولوا ما لاتعرفون فان اكثر الحق فيما تنكرون الي ان قال فلاتستعملوا الرأي فيما لايدرك قعره البصر و لاتتغلغل اليه الفكر و قال فيا عجبا و ما لي لااعجب من خطأ هذه الفرقة في اختلاف حججها في دينها لايقتفون اثر نبي و لايقتدون بعمل وصي يعملون في الشبهات و يسيرون في الشهوات المعروف فيهم ما عرفوا و المنكر عندهم ما انكروا مفزعهم في المعضلات الي انفسهم و تعويلهم في المبهمات علي آرائهم كان كل امرئ منهم امام نفسه الخبر ، و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل و من اضل ممن اتبع هويه بغير هدي من الله يعني من اتخذ رأيه دينه و عن ابي‌الحسن عليه السلام اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و ان جاءكم ما لاتعلمون فها و اهوي بيده الي فيه و عن الصادق عليه السلام لايسعكم فيما نزل بكم مما لاتعلمون الا الكف و التثبت و الرد الي ائمة الهدي حتي يحملوكم فيه علي القصد و يجلوا عنكم فيه العمي و يعرفوكم فيه الحق قال الله فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و عن علي بن الحسين عليه السلام ان دين الله لايصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقائيس الفاسدة و لايصاب الا بالتسليم فمن سلم لنا سلم و من اهتدي بنا هدي و من دان بالقياس و الرأي هلك و من وجد في نفسه شيئا مما نقوله او نقضي به حرجا كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم و هو لايعلم و عنهم عليهم السلام ان ادني الشرك ان يبتدع الرجل رأيا فيحب عليه و يبغض و الاخبار بهذا المعني مستفيضة و عن النبي صلي الله عليه و آله اياكم و اصحاب الرأي فانهم اعيتهم السنن ان يحفظوها فقالوا في الحلال و الحرام برأيهم فاحلوا ما حرم الله و حرموا ما احل الله فضلوا و اضلوا و هذا الخبر نهي عن تقليدهم و اخذ الدين عنهم فانه دينهم لا دين الله و عن علي عليه السلام لا رأي في الدين و عن الصادق عليه السلام ان الله تبارك و تعالي حصر عباده بآيتين ان لايقولوا حتي يعلموا و لايردوا ما لم‌يعلموا قال الله عز و جل الم‌يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لايقولوا علي الله الا الحق و قال بل كذبوا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 336 *»

بما لم‌يحيطوا بعلمه و عنه عليه السلام انهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال ان تدين الله بالباطن و تفتي الناس بما لاتعلم و عنه عليه السلام اياك و خصلتين فيهما هلك من هلك اياك ان تفتي الناس برأيك او تدين بما لاتعلم و عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من افتي الناس بغير علم لعنته ملائكة السموات و الارض و عن الصادق عليه السلام اياك و خصلتين مهلكتين ان تفتي الناس برأيك او تقول ما لاتعلم و عنه عليه السلام اياك و خصلتين هلك فيهما الرجال ان تدين بشئ من رأيك او تفتي الناس بغير علم و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال من افتي الناس بغير علم و لا هدي لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه و عن ابي‌عبدالله عليه السلام اذا سئل الرجل عما لايعلم فليقل لاادري و لايقل الله اعلم فيوقع في قلب صاحبه شكا و اذا قال المسؤل لاادري فلايتهمه السائل و عنه عليه السلام القضاة اربعة ثلثة في النار و واحد في الجنة رجل قضي بجور و هو يعلم فهو في النار و رجل قضي بجور و هو لايعلم فهو في النار و رجل قضي بالحق و هو لايعلم فهو في النار و رجل قضي بالحق و هو يعلم فهو في الجنة و عن ابي‌جعفر عليه السلام انه سئل ما حق الله علي العباد قال ان يقولوا ما يعلمون و يقفوا عند ما لايعلمون و عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه سئل عن ذلك فقال ان يقولوا ما يعلمون و يكفوا عما لايعلمون فاذا فعلوا ذلك فقد ادوا الي الله حقه و عنه عليه السلام ان من حقيقة الايمان ان لايجوز منطقك علمك و عنه عليه السلام في الرسالة المعروفة منه الي اصحابه ايتها العصابة المرحومة المفلحة ان الله اتم لكم ما آتيكم من الخير و اعلموا انه ليس من علم الله و لا من امره ان يأخذ احد من خلق الله في دينه بهوي و لا رأي و لا مقائيس قد انزل الله القرآن و جعل فيه تبيان كل شئ و جعل للقرآن و تعلم القرآن اهلا لايسع اهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه ان يأخذوا في دينهم بهوي و لا رأي و لا مقاييس الي ان قال و اتبعوا آثار

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 337 *»

رسول الله و سنته فخذوا بها و لاتتبعوا اهواءكم و رأيكم فتضلوا فان اضل الناس عند الله من اتبع هويه و رأيه بغير هدي من الله و عن يونس بن عبدالرحمن قال قلت لابي‌الحسن عليه السلام بما اوحد الله فقال يا يونس لاتكونن مبتدعا من نظر برأيه هلك و من ترك اهل بيت نبيه ضل و من ترك كتاب الله و قول نبيه كفر و عن ابي‌عبدالله عليه السلام من شك او ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و عن اميرالمؤمنين عليه السلام من عمي نسي الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه الي ان قال و من نجا من ذلك فمن فضل اليقين و عنه عليه السلام ان المؤمن لم‌يأخذ دينه عن رأيه و لكن اتاه عن ربه فاخذ به و عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ستفترق امتي علي ثلث و سبعين فرقة فرقة منها ناجية و الباقون هالكون و الناجون الذين يتمسكون بولايتكم و يقتبسون من علمكم و لايعملون برأيهم فاولئك ما عليهم من سبيل و عن ابي‌عبدالله عليه السلام ما احد احب الي منكم ان الناس سلكوا سبلا شتي منهم من اخذ بهواه و منهم من اخذ برأيه و انكم اخذتم بامر له اهل و عنه عليه السلام كلام بليغ في رسالة له الي اصحاب الرأي و الاجتهاد اما بعد فان من دعا غيره الي دينه بالارتياء و المقائيس لم‌ينصف و لم‌يصب حظه لان المدعو الي ذلك ايضا لايخلو من الارتياء و المقائيس و متي لم‌يكن بالداعي قوة في دعائه علي المدعو لم‌يؤمن علي الداعي ان يحتاج الي المدعو بعد قليل لانا قد رأينا المتعلم الطالب ربما كان فائقا لمعلمه و لو بعد حين و رأينا المعلم الداعي ربما احتاج في رأيه الي رأي من يدعو و في ذلك تحير الجاهلون و شك المرتابون و ظن الظانون و لو كان ذلك عند الله جايزا لم‌يبعث الله الرسل بما فيه الفصل و لم‌ينه عن الهزل و لم‌يعب الجهل و لكن الناس لما سفهوا الحق و غطموا ( غطوا ظ ) النعمة و استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم الله و اكتفوا بذلك عن رسله و القوام بامره و قالوا لا شئ الا ما ادركته عقولنا و عرفته البابنا فولاهم الله ما تولهم ( تولوا ظ ) و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 338 *»

اهملهم و خذلهم حتي صاروا عبدة انفسهم من حيث لايعلمون و لو كان الله رضي منهم اجتهادهم و ارتياءهم فيما ادعوا من ذلك لم‌يبعث اليهم فاصلا لما بينهم و لا زاجرا عن وصفهم و انما استدللنا ان رضي الله غير ذلك ببعثه الرسل بالامور القيمة الصحيحة و التحذير من الامور المشكلة المفسدة ثم جعلهم ابوابه و صراطه و الادلاء عليه بامور محجوبة عن الرأي و القياس فمن طلب ما عند الله بقياس و رأي لم‌يزدد من الله الا بعدا و لم‌يبعث رسولا قط ( و لم‌ير نبي ظ ) و ان طال عمره قابلا من الناس خلاف ما جاء به حتي يكون متبوعا مرة و تابعا اخري و لم‌ير ايضا فيما جاء به استعمل رأيا و لا مقياسا حتي يكون ذلك واضحا عنده كالوحي من الله و في ذلك دليل لكل ذي لب و حجي ان اصحاب الرأي و القياس مخطؤن مدحضون الحديث ، و عن معوية بن ميسرة بن شريح قال شهدت اباعبدالله عليه السلام في مسجد الخيف و هو في حلقة فيها مأتي رجل و فيهم عبدالله بن شبرمة فقال له يا باعبدالله انا نقضي بالعراق فنقضي بالكتاب و السنة ثم ترد علينا المسألة فنجتهد فيها بالرأي الي ان قال فقال ابوعبدالله عليه السلام فاي رجل كان علي ابن ابيطالب فاطراه ابن‌شبرمة و قال فيه قولا عظيما فقال ابوعبدالله عليه السلام فان عليا ابي ان يدخل في دين الله الرأي و ان يقول في شئ من دين الله بالرأي و المقائيس الي ان قال لو علم ابن‌شبرمة من اين هلك الناس مادان بالمقائيس و لا عمل بها و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الحكومة فقال من حكم برأيه بين اثنين فقد كفر و عنه عليه السلام يظن هؤلاء الذين يدعون انهم فقهاء علماء انهم قد اثبتوا جميع الفقه و الدين مما تحتاج اليه الامة و ليس كل علم رسول الله صلي الله عليه و آله علموه و لا صار اليهم من رسول الله و لاعرفوه و ذلك ان الشئ من الحلال و الحرام و الاحكام يرد عليهم فيسألون عنه و لايكون عندهم فيه اثر عن رسول الله صلي الله عليه و آله و يستحيون ان ينسبهم الناس الي الجهل و يكرهون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 339 *»

ان يسألوا فلايجيبوا الظاهر انه سقط من هنا كلمات و الحديث له ما رواه اعلي الله مقامه في فصل‌الخطاب هكذا فلايجيبون فيطلب الناس من معدنه فلذلك استعملوا الرأي و القياس في دين الله .
الله و تركوا الآثار و دانوا بالبدع و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله كل بدعة ضلالة فلو انهم اذ سئلوا عن شئ من دين الله فلم‌يكن عندهم فيه اثر عن رسول الله صلي الله عليه و آله ردوه الي الله و الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم من آل‌محمد و في حديث انه لما نزل قوله تعالي اذا جاء نصر الله و الفتح السورة ، قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله قضي الجهاد علي المؤمنين علي الفتنة بعدي الي ان قال يجاهدون علي الاحداث في الدين اذا عملوا الرأي في الدين و لا رأي في الدين انما الدين من الرب امره و نهيه و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث دعائم الكفر بني الكفر علي اربع دعائم الفسق و الغلو و الشك و الشبهة الي ان قال و الغلو علي اربع شعب علي التعمق بالرأي و التنازع فيه و الزيغ و الشقاق فمن تعمق لم‌ينب الي الحق و لم‌يزدد الا غرقا في الغمرات و لم‌تنحسر عنه فتنة الا غشيته اخري و انخرق دينه فهو يهوي في امر مريج و من نازع في الرأي و خاصم الدين شهر بالعَثْل الحمق .
من طول اللجاج و من زاغ قبحت عنده الحسنة و حسنت عنده السيئة و من شاق اوعرت عليه طرقه و اعترض عليه امره فضاق مخرجه اذا لم‌يتبع سبيل المؤمنين و عن ابن‌عمار قال قال ابوعبدالله عليه السلام مانعلم حجا لله غير التمتع انا اذا لقينا ربنا قلنا ربنا عملنا بكتابك و سنة نبيك و قال القوم عملنا برأينا فيجعلنا الله و اياهم حيث يشاء و عن ليث المرادي مثله و عن الكافي بسنده قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن الحج فقال تمتع ثم قال انا اذا وقفنا بين يدي الله عز و جل قلنا يا رب اخذنا بكتابك و اتبعنا سنة نبيك و قال الناس رأينا رأينا و عن الحلبي قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن الحج فقال تمتع ثم قال انا اذا وقفنا بين يدي الله عز و جل قلنا يا ربنا اخذنا بكتابك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 340 *»

و قال الناس رأينا رأينا و يفعل الله بنا و بهم ما اراد و عن يحيي الحلبي عن عمه عبيدالله عن ابي‌عبدالله عليه السلام انا لانعدل بكتاب الله عز و جل و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و اذا بعثنا ربنا او وردنا علي ربنا قلنا يا رب اخذنا بكتابك و سنة نبيك صلي الله عليه و آله و سلم و قال الناس رأينا رأينا و صنع الله عز و جل بنا و بهم ما شاء و عن ابي‌عبدالله عليه السلام من خالف العاقبة تثبت عن التوغل فيما لايعلم و من هجم علي امر بغير علم جذع ( جدع ظ ) انف نفسه الخبر ، الي غير ذلك من الاخبار الكثيرة التي اوردناها في فصل‌الخطاب و استطرفنا منها هذه الجملة فيا اخي تأمل في هذه الاخبار بعين الاعتبار و انظر هل فيها مجال للتأويل و التقييد و التخصيص و هل عن اتباعها محيص للشيعي الذي لايذهب في دينه اصولا و فروعا مذهب العامة ثم انظر في مطابقة ذلك مع كتاب الله ثم انظر في مخالفة ذلك مع اجماع العامة علي جواز العمل بالظن و الرشد في خلافهم و لم‌يبق في ايديهم الا استقبال القبلة و هل يبقي شبهة لفقيه بل لادني محصل ان حرمة العمل بالظن في مذهب آل‌محمد عليهم السلام من البديهيات كحرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير و هل يجوز لمتبع مسلم ان يقول مافهمت و ماسمعت او يجوز ان يدعي اجماع بخلاف هذه الآيات و الاخبار اليس ذلك من قبيل ما قال الهادي عليه السلام في حديث الجبر و التفويض اجتمعت الامة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك ان القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون و علي تصديق ما انزل الله مهتدون لقول النبي صلي الله عليه و آله لاتجتمع امتي علي ضلالة فاخبر صلي الله عليه و آله ان ما اجتمعت عليه الامة و لم‌يخالف بعضها بعضا هو الحق فهذا معني الحديث لا ما تأوله الجاهلون من ابطال حكم الكتاب و اتباع حكم الاحاديث المزورة و الروايات المزخرفة و اتباع الاهواء المردية المهلكة التي تخالف الكتاب و تحقيق الآيات الواضحات النيرات الخبر ، فكيف يحصل العلم بقول الحجة عليه السلام من اختيار جماعة معدودة امرا ينفيه سبعون آية من كتاب الله و الاخبار المتواترة من آل الله مع موافقة اجماع العامة الذين لايجمعون

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 341 *»

الا علي باطل و كيف يقوم اجماع بذلك و هل التمسك بالاجماع في ابطال الآيات و الاخبار الا من طريقة الصدر الاول الذين بنوا دينهم علي اجماع القوم في مقابلة النصوص و اقول لكم سلمنا ان لكم دليلا علي جواز العمل بالظن اليس ان لنا دليلا ايضا مخالفا لدليلكم و قد قال الله سبحانه ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول فنرد القولين الي الكتاب فيحكم لنا بسبعين لسانا و الي السنة فتحكم لنا بالتواتر و نعرضها علي العامة التي لايجمعون علي حق ابدا ان فارقهم الشيعة و لو بعضهم فنري قولكم موافقا لهم و قولنا مخالفا ثم ننظر الي الاحتياط فالاحتياط في ترك العمل بالظن ثم نراجع الاجماع فنري قيام الاجماع علي حرمة العمل بالظن كما يأتي فما بالكم مع كل ذلك تصرون علي قولكم و تؤثرونه و اعتبر من تمسكهم بعد هذه الآيات و الاخبار و الادلة بخبر لم‌يدر احد له موضعا و هو ما يروون ان المرء متعبد بظنه مع ان الكلام في معناه و دلالته علي المراد و ان قالوا كما يقولون نحن لانعمل بالظنون بل نعمل بالعلم فان كل ما ادي اليه ظنوننا هو حكم الله في حقنا قطعا لادلة قامت و ذكرت في محالها قلت ان هذا ما ادي اليه ظنونكم بالبداهة و كل ما ادي اليه ظنونكم فهو محرم عليكم اتباعه بالكتاب و السنة و دليل العقل فهذا محرم عليكم اتباعه و هل شبهتكم هذه الا كأن ينهيكم الله عن اتباع معوية مثلا ثم تستدلون انتم علي وجوب اتباعه بعقولكم ثم تقولون نحن لم‌نتبع معوية و لم‌نخالف الكتاب بل اتبعنا دليل عقلنا القطعي فيا لله ان الله يحرم عليكم العمل بالظن في كتابه و سنة نبيه و انتم تقيمون بزعمكم دليلا عقليا علي وجوب العمل به و تدعون الاجماع علي خلاف محكمات الكتاب ثم تدعون انكم عملتم بالعلم فاذا لايتحقق عصيان الله ابدا و اذا يجوز لكل احد ان يقيم دليلا بعقله علي حسن السيئات ثم يقول اني لم‌اسئ و انما احسنت لاني عملت بدليل دال علي حسن هذا العمل ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون .

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 342 *»

فصل ان هذه الآيات و الاخبار كما رأيت واضحة المنار مؤيدة بصحيح الاعتبار من اولي الابصار و لكن من القوم من خصها باصول الدين من غير مخصص و منها ( منهم ظ ) من خصها بما سوي الظنون الخاصة الحاصلة من الاخبار و ما يتعلق بها و منهم من تركها رأسا و قال علي الظن بناء العالم و اساس عيش بني آدم و استدل الذين يقولون بحجية مطلق الظنون بادلة اربعة : الاول ان مظنون المجتهد راجح و خلافه مرجوح و ترك الراجح و الاخذ بالمرجوح قبيح عقلا و الثاني ان ترك المظنون فيه مظنة الخطر و الاخذ به مظنة الامن و التحذر عن الخطر المظنون و الاخذ بالامن لازم عقلا و الثالث ان العمل بالمظنون من اجل انه مظنون لا من اجل انه حكم الله الواقعي لا ضرر فيه و ليس كذبا علي الله و لا بدعة بل هو توخ لامر الله و طلب له و الرابع ان باب العلم في غير الضروريات و الاجماعيات مسدود و التكليف باق و العمل بالاصل خروج من الدين و العمل بالاحتياط عسر ظاهر و التقليد لم‌يثبت لمن يساوي المجتهد بل يبصر بخطائه فالعمل بالظن متحتم و ليس ظن اولي من ظن اذا كان العمل بالكتاب و السنة و ما يؤل اليهما من غير وجه التعبد و ان لم‌يحصل ظن منها فان كان العمل بها من باب حصول الظن فمناط العمل الظن فمن اينما حصل الظن هو المتبع و علي الظن بناء العالم و اساس عيش بني آدم فالاصل حجية الظن الا ما خرج بالدليل القطعي ثم منهم من عمم الظن حتي في القياس و الاستحسان فان المناط هو الظن و هو حاصل و شمول الاخبار الناهية مثل زماننا غير معلوم بل النهي مخصوص بالعامة الذين يريدون معرفة الحكم بالقياس من غير رجوع الي آل‌محمد عليهم السلام و نحن نتوخي بالقياس حكم آل‌محمد عليهم السلام و شمول الاجماع الي اليوم غير معلوم فلا مانع من العمل بالظن الحاصل من القياس و لعله يكون اقوي في بعض الاحيان آه آه اللهم نصرك نصرك اللهم عجل فرج آل‌محمد عليهم السلام فاقول لهم يا قوم ان ما ذكرتم ادلة عقلية علي زعمكم و هي اجتهاد في مقابلة سبعين آية في كتاب الله قائم بين رسمها و في مقابلة اخبار متواترة لاتقبل التخصيص مؤيدة بادلة عقلية و باجماعات منقولة و رأي و نظر منكم في مقابلة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 343 *»

النصوص فما شأنكم تتكلون علي ادلة لايصححها جميع العقول و تدحضون بها حجج الله اليس لو بني الانسان علي امثال هذه الاعذار لصح له دفع جميع فرايض الله و اباحة جميع حرمات الله و الدليل المتبع و البرهان المطاع هو الكتاب المجمع علي تأويله فانه القطعي و السنة الجامعة فانها القطعية و دليل عقل تعرف جميع العقول عدله فانه القطعي و الاجماع الضروري او المحصل العام و ان ما ذكرتم ليس بشئ من هذه الاربع فما بالكم تدفعون كتاب الله و سنة نبيه المتواترة هذا و كلها مدحوضة بادلة واضحة و براهين لايحة فاقول في رد دليلهم الاول ان مظنون المجتهد راجح عقلي له او شرعي فان كان راجحا عقليا فاي قبح في ترك الراجح العقلي في دين الله و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام لولا اني رأيت رسول الله صلي الله عليه و آله يمسح ظاهر قدميه لظننت ان باطنهما اولي بالمسح من ظاهرهما و عقولنا قاصرة عن ادراك حقايق الاشياء قطعا فان قالوا راجح شرعي فهو منهي عنه في الكتاب و السنة فاي رجحان فيه و المجتهد اذا كان معتنيا بكتاب ربه و سنة نبيه كيف يرجح في نظره مظنون بعد نهي ربه عنه في سبعين آية في كتابه و نهي نبيه عنه في سنته المتواترة و قيام الاجماع علي حرمته اليس الله سبحانه يقول عسي ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسي ان تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و انتم لاتعلمون و من ذلك ترك اكثركم الظن الحاصل بالقياس فان النهي الوارد فيه يوهنه فهل رجحان ذلك في نظره الا كرجحان حلية الخمر في نظر واحد و المعتني بالكتاب و السنة و الاجماع لايرجح في نظره الخمر ابدا اللهم الا تارك لها معرض عنها فانه يمكن ان يرجح في نظره مظنون و ليس يحكم العقل برجحان كل مظنون الاتري ان الله سبحانه يقول اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم فاثبت الظن و صرح بمرجوحيته الاتري ان سوء الظن بالله مرجوح لما قام الدليل علي مرجوحيته و يقول الله و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم فاصبحتم من الخاسرين فكذلك امركم و اي دليل ادل علي مرجوحية ظنونكم من سبعين آية و اخبار متواترة و اجماعات منقولة و ادلة

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 344 *»

عقلية لخصمكم مؤيدة بالكتاب و السنة موزونة بهما ثم ان الانسان اذا لم‌يبن امره علي متابعة آل‌محمد عليهم السلام فلا شك انه في اغلب اموره يذهب مذهب العامة و يرجح في نظره ما يرجح في نظرهم فان الناس من حسب التمثال اكفاء و عقولهم متشاكلة فمن لم‌يريض عقله بطاعة محمد و آل‌محمد صلوات الله عليهم يكون عقله مشاكلا لعقل تاركي محمد و آل‌محمد عليهم السلام فيذهب مذهبهم لا محالة فاي عبرة بظن مخالف للكتاب و السنة و العقول المستنيرة و اي رجحان له و اقول في رد دليلهم الثاني ان في العمل بمظنونكم هذا يقين الخطر لنهي الله و رسوله عنه فقد روي من شك و ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و العمل بالظن القاء النفس في التهلكة فان التهلكة هي ما نهي الله عنه اين تذهبون هذا و ان زوي عنكم العلم لم‌يقم لله عليكم حجة و اذ لم‌يقم له عليكم حجة فلا ثواب و لا عقاب و ان عملتم حينئذ بظنون يحاججكم الله سبحانه باني نهيتكم عنه فلم عملتم به و تستوجبون مني العقاب فان عقابي مقدر لمن ارتكب ما نهيت عنه و قد خالفتم كتابي و عصيتم رسولي فاستحق عليكم عقابي و اني احب ان اطاع من حيث آمر و احب لا من حيث ما تحبون و تظنون و لو كنت اعلم ان صلاحكم في العمل بمظنوناتكم لم‌انهكم عنه بل امرتكم به كما امرتكم بجزئيات اموركم و لم‌اترككم سدي مهملين و لكنت اخبرتكم اني اسد عليكم باب العلم و اوجبت عليكم العمل بالظن فاذ لم‌اخبركم به و نهيتكم عنه فانا اعلم منكم الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير و هو دليل اني لم‌اسد عليكم باب العلم و ما ظننتم اني سددت عليكم باب العلم فانما هو من شبهة حصلت لكم من معاشرة كلمات اعدائي و مجانبة كلمات اوليائي الم‌تروا ان كثيرا من عبادي اتقياء ازكياء علماء يدعون حصول العلم لهم و انتم تنكرون ذلك و انتم ان تركتم العمل بظنونكم لكم الحجة علي الله فانكم تقولون يوم القيامة انك لم‌تقم لنا دليلا قطعيا علي دينك و اخبرت في كتابك ان الظن لايغني من الحق شيئا و جاءت اخبار متواترة ان العمل بالظن محرم و باطل و قد انسد علينا باب العلم بدينك فلم‌نعرف

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 345 *»

دينك و لذلك تركناه فلكم الحجة علي الله اذا و لا حجة له عليكم فلا ظن خطر في ترك مظنوناتكم بل الخطر في عملكم بظنونكم كما عرفتم بالجملة قولهم ترك المظنون فيه مظنة الخطر كلام قد صدر عنهم علي طرف النقيض من الحق كما سمعت و اقول في رد دليلهم الثالث ان العمل بالمظنون من اجل انه مظنون لا ضرر فيه و لسنا نقول انه حكم الله الواقعي ان هذا القول يضحك الثكلي فانكم بالظنون تثبتون واجبات و محرمات و مكروهات و مستحبات و مباحات و توجبون علي الخلق العمل بها و تقولون ان المخالف لها فاسق و المهاون بها كافر مخلد في النار و تحلون به الدماء و الفروج و تضعون دينا و ناموسا كذلك ثم تقولون ان الاخذ به من حيث انه مظنون لا ضرر فيه فانا لانقول انه دين الله الواقعي اليس وضعتم دينا و فرضتم العمل به فان كان هذا مما يرضي الله به فلا ضرر فيه و ان كان مما لايرضي به فهو بدعة و ضلالة فالعمل بالمظنون لا ضرر فيه اذا رضي الله به و اما اذا نهي عنه فكيف لا ضرر فيه و اذا اراد الله سبحانه نهيا عن محرم لايرضي به كيف ينبغي ان ينهي عنه و يحرمه فان كان الواجب ان يحرمه في كتابه فهذا كتابه ينهيكم عنه في سبعين آية و ان كان الواجب ان يحرمه علي لسان نبيه فهذه سنته المتواترة و ان كان الواجب ان يقرنه بالمعجز فذلك المعجز و ان كان الواجب ان يقرنه بدليل عقلي فقد استدل خصمكم بدليل عقل مصدق بالكتاب و السنة فاذا كان محرما كيف لايكون فيه ضرر و اقول في رد دليلهم الرابع ان قولكم باب العلم مسدود ماذا تعنون به هل باب العلم بالاحكام الاولية مسدود ام العلم بالاحكام الثانوية و قد شرحناهما سابقا فان كان باب العلم بالاحكام الاولية مسدودا فليس ذلك مقدمة دليلكم فان المجهولات في ملك الله كثيرة و جهلكم بها ليس مقدمة اثبات العمل في دين الله الثانوي بالظن و ذلك الباب انسد يوم نزول آدم عليه السلام و خروجه من الجنة و تغير البلاد و من عليها فلم‌يكلف العباد بذلك الامر نبي من الانبياء و ليس تكليف حال الصحة تكليف المرضي بل لو علم اليوم ذلك الامر و لم‌يكن حاصلا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 346 *»

بمقتضي اسباب تكليف اليوم لايجوز العمل به و ان قلتم انه قد انسد علينا باب العلم بتكاليفنا الثانوية فذلك ادحاض لحجتكم فاني اريكم تدعون العلم بان ما ادي اليه ظنوننا فهو حكم الله في حقنا فالعلم بالتكليف الثانوي ممكن و بالتكليف الاولي غير مأمور به فقد ذهب مقدمة دليلكم الوجدانية ثم اسألكم هل ذهبتم الي المشرق و هل ذهبتم الي المغرب و هل احطتم بما في الصدور و هل اطلعتم علي القلوب ليس لكم في شئ من ذلك ان تقولوا نعم و تقولون لا البتة فاقول لكم ان لم‌تذهبوا الي المشرق و لم‌تذهبوا الي المغرب و لم‌تحيطوا بما في الصدور و لم‌تطلعوا علي القلوب فمن اين علمتم انه انسد باب العلم علي جميع افراد المكلفين و انتم تنفون علم الغيب عن المعصومين و تثبتونه لانفسكم و الله يقول بل كذبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله و الذي عليكم و يسمع منكم و يقبل من قولكم اخباركم عن انفسكم بل الانسان علي نفسه بصيرة و لو القي معاذيره فلعل رجلا من علماء آل‌محمد عليهم السلام له طريق استنبطه من الكتاب و السنة يحصل منه العلم باحكام الله سبحانه و انتم غفلتم فكيف لكم ان تخبروا بالاطلاق ان باب العلم منسد علي وجه جميع عباد الله و سنفصل فيما بعد كيفية تحصيل العلم انشاء الله ثم اني اريكم تقولون قد انسد باب العلم و انا اسمع ان رسول الله صلي الله عليه و آله قال طلب العلم فريضة علي كل مسلم الا ان الله يحب بغاة العلم و اسمع اباعبدالله عليه السلام يقول طلب العلم فريضة علي كل حال بل الاخبار في ذلك كالمتواتر معني فهل كلف رسول الله صلي الله عليه و آله بما لايسع العباد تحصيله او كلفهم بما يسع و انتم اشتبه عليكم الامر و ان قلتم ان الظن هو العلم فقد تكلفتم من غير سلطان فان الله يقول ما لهم به من علم الا اتباع الظن و يقول هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان‌تتبعون الا الظن فجعل العلم غير الظن و جعل العلم في مقابلة الظن و اسمع عليا عليه السلام يقول ايها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم و العمل به الا و ان طلب العلم اوجب عليكم من طلب المال الخبر ، فكيف

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 347 *»

يوجب علي الخلق ما لايطيقون و لم‌يسم الظن علما و لا باعث بل يقولون من شك و ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و قال ابوعبدالله عليه السلام ان ابي كان يقول ان الله عز و جل لايقبض العلم بعد ما يهبطه و لكن يموت العالم فيذهب بما يعلم فتليهم الجفاة فيضلون و يضلون و لا خير في شئ ليس له اصل انتهي ، فاسألكم هل اهبط الله علما ام لا فان لم‌يهبط فما باله منع من الظن في آي من كتابه و ما بال رسوله منع في سنته المتواترة و كيف يوجب علي كل مسلم ما لم‌يهبطه فان اهبطه فقد اخبر الحجة ان الله لايقبض ما يهبطه فباب العلم غير مسدود و انما يلي الناس الجفاة فيضلون و يضلون و اما ما رواه في الكافي و ان لم‌تطلعوا عليه عن ابان بن تغلب قال قال ابوعبدالله عليه السلام كيف انت اذا وقعت البطشة بين المسجدين فيأرز العلم كما يأرز الحية في جحرها و اختلفت الشيعة و سمي بعضهم بعضا كذابين و تفل بعضهم في وجوه بعض قلت جعلت فداك ما عند ذلك من خير فقال لي الخير كله عند ذلك ثلثا انتهي ، فذلك حديث مجمل لانعلم ما وقوع البطشة بين المسجدين و ما اراد به و ارز العلم بعد ذلك فلايمكن ان يحمل علي انسداد باب العلم في هذه الازمان فلعله يأتي بعد ذلك قبيل ظهور الامام فتنة عمياء صماء يأرز العلم و ينسد بابه و يقع الهرج و المرج فيظهر الحجة و لذلك قال الخير كله عند ذلك هذا و ان قال عليه السلام يأرز العلم لكنه لم‌يرد كله قطعا فان الضروريات و الاجماعيات و المحفوفات بالقرائن القطعية باقية و قد نص بعدم ارز الكل علي عليه السلام في حديث يأتي في التسديد حيث قال اللهم فاني لاعلم ان العلم لايأرز كله و لاينقطع مواده و انك لاتخلي ارضك من حجة و قد قال في صدره اللهم انه لا بد لك من حجج في ارضك حجة بعد حجة علي خلقك يهدونهم الي دينك و يعلمونهم علمك كيلايتفرق اتباع اوليائك ظاهر غير مطاع او مكتتم يترقب ان غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم‌يغب عنهم قديم مبثوث علمهم و آدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة فهم بها عاملون الخبر ، فالعلم لايمكن ان يأرز عن الخلق

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 348 *»

فيبطل حجة الله نعم ربما يخفي طرقه و يصعب مسالكه و يحف بشبهات و شكوك ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و من فوايد وجود الحجة في كل عصر ان يهدي المجاهدين و يوصل الطالبين كما يأتي في باب التسديد انشاء الله و قد قال الله سبحانه و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون هذا و لم‌يغب عنا قديم مبثوث علمهم و آدابهم لدينا و امرنا بطلب ذلك العلم عن معدنه و هم الرواة له فوجدنا مقدمة دليلكم هذا مخالفا لكتاب الله سبحانه و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و الآثار و صحيح الاعتبار ان اردتم بذلك انسداد باب العلم علي العباد و رفع حجة الله عن البلاد و ان اردتم الاخبار عن انفسكم فالانسان علي نفسه بصيرة و لا ضير اذا انسد عليكم و في الامة من لم‌ينسد عليه فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و ان قلتم انا نعلم جزما خطاءهم فلانقدر علي تقليدهم قلت قولكم ذلك مخالف للكتاب و السنة و دليل العقل القاطع و قولهم موافق فهناك قوم آخرون يجزمون خطاءكم اذا شاققتم الكتاب و السنة بقولكم فتعالوا الي ما انزل الله و الي الرسول و نتحاكم اليهما عند تنازعنا و نراهما يحكمان لدينا فليس باب العلم بمسدود عن الامة و الا لارتفع حجة الله علي العباد كما سمعت من الآيات و الذكر الحكيم و يأتيك من الادلة و اما قولكم و التكليف باق فانا لاننكر بقاء التكليف و هو باق و اقراركم ببقائه دليل لنا يوجب انفتاح باب العلم و عدم انسداده فانه لو رفع الله العلم عن العالم لرفع التكليف كما قال لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و لايكلف الله نفسا الا وسعها و ان حجب الله شيئا عليكم لايسعكم الاطلاع عليه و الظن لايكشف عنه و لايسعكم الوصول اليه بالظن باقراركم اولاترون انه يقول ان الظن لايغني من الحق شيئا فالذي لايغني من الحق شيئا لايصير حجة لله الحق علي خلقه و لله الحجة البالغة بل رفع العلم يوجب ان لايكون لله دين اصلا كما قدمنا ان ظنونكم المطلقة مؤداة انظاركم تخطي و تصيب و لايمكن ان تكون مثبتة في اللوح قبل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 349 *»

ظنونكم و تقعون عليها بظنونكم فالدين الذي هو مقتضي علم الله و علم رسوله مضروب دونه الحجب و مسدود عليكم بابه و الذي هو مقتضي علمكم هو دينكم الذي وضعتم و لستم باله يعبد و لا بنبي يتبع فان كان باب العلم مسدودا فلا تكليف من الله علي خلقه و التكليف منه قبيح و هو قوله سبحانه لايكلف الله نفسا الا ما آتيها ، و روي لا تكليف الا بالبيان و قال الصادق عليه السلام ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و هو نص ان عند انسداد باب العلم يضع الله التكليف عن الخلق و في حديث المرفوعات المجمع عليه ما لايعلمون و عن النبي صلي الله عليه و آله اي رجل ركب امرا بجهالة فلا شئ عليه و الجهل ضد العلم فاذا ذهب العلم بالواقع جاء الجهل و في الدعاء اي جهل لايسعه جودك و سئل الصادق عليه السلام عمن لم‌يعرف شيئا هل عليه شئ قال لا فاذا حجب العلم و انسد بابه انقطع التكليف فالاجماع القائم علي بقاء التكليف دال علي عدم انسداد باب العلم و ان انسداد باب العلم غير مجمع عليه و انما هو شئ تدعونه و لو انا شئنا ان نستدل علي عدم انسداد باب العلم استدللنا بقيام الاجماع علي بقاء التكليف و عن الصادق عليه السلام اكتب ان من قولنا ان الله يحتج علي العباد بما آتيهم و عرفهم ثم ارسل اليهم رسولا فانزل عليهم الكتاب فامر فيه و نهي بالجملة بقاء التكليف ينقض عليكم مقدمة دليلكم الاولي فلا شك في انفتاح ( باب ظ ) العلم لبقاء التكليف ، و اما قولكم و العمل بالاصل خروج عن الدين فلو كان القول قولكم من ان العلم مرفوع عن الامة لم‌يكن العمل بالاصل خروجا عن الدين الاتري ان رسول الله صلي الله عليه و آله اول ما جاء و قال قولوا لا اله الا الله محمد رسول الله صلي الله عليه و آله و لم‌يبين شيئا آخر كان الآخذون بما قال العاملون فيما سواه بالاصل غير خارجين عن الدين فان الدين هو ما ابانه الله و ما اخفاه ليس بتكليف احد فمن اخذ بما علم هو متدين و ان ترك ما لايعلم كما روي من عمل بما علم كفي ما لم‌يعلم و قد قال الصادق عليه السلام ليس لله علي خلقه ان يعرفوا قبل ان يعرفهم و للخلق علي الله ان يعرفهم و لله علي الخلق اذا عرفهم ان يقبلوه و روي

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 350 *»

كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نص و روي الناس في سعة ما لم‌يعلموا فلو كان الامر كما تقولون و ليس كما تقولون لم‌يكن العمل بالاصل خروجا عن الدين و انما صار المعروف بين الشيعة ان العمل بالاصل اليوم خروج عن الدين لان باب العلم بالاحكام غير مسدود فمن تركها مع انفتاح بابها و عمل بالاصل فقد خرج عن الدين فالخروج عن الدين بالعمل بالاصل اليوم من ادلتنا علي عدم انسداد باب العلم اذ لو انسد لكان العمل بالاصل هو الدين للروايات المتواترة المؤيدة بالادلة العقلية ، و اما قولكم العمل بالاحتياط عسر ظاهر ففيه انكم اذا جانبتم الكتاب و السنة و مواضع الاجماع و ما يكون في كل مسئلة من الاقوال و تفكرتم في كل مسئلة انه يحتمل فيها امور غير متناهية يعسر الاحتياط بالبداهة و اما اذا راعيتم الاحوط من الاخبار او الاحوط من الاقوال فلا عسر اليس ان ذلك الاحوط هو قول فقيه آخر و لم‌يكن عسرا عليه و علي مقلديه و لو كان عسرا جانبه لقوله تعالي يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر و لقوله ماجعل عليكم في الدين من حرج هذا و في كثير من المواضع لانحتاج الي الاحتياط لوضوح الحكم فيه و الموضع الذي لانعرف فان كان الاحتياط فرضا يبلغ العسر و لعله في قليل من المواضع علي ما قلنا فنتركه لانه موضوع عنا اجماعا و اما ما لم‌يبلغ فلا باعث علي تركه فلاينبغي ترك الميسور بالمعسور اتفاقا من العقلاء و انتم دهشتم عن الاحتياط لانكم تركتم الاخبار و نظرتم في الاشياء بما يحتمل فيها عقلا من الاحكام الخمسة و اما الاخذ بالجزم من الاخبار و مواضع الاجماع و مختلف الاقوال فلا اشكال فيه البتة و لا عسر فان التزمتم بالظن لعسر الاحتياط فلا عسر علي الاطلاق و علي فرض وقوعه في موضع اتركوا ذلك الموضع و اعملوا هناك بغيره ان شئتم ، و اما قولكم التقليد لم‌يثبت ففيه انه خلاف الكتاب و السنة فان الله يقول اسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و انتم واقعون تحت قوله لاتعلمون و ان كان عدم علمكم بواسطة توارد الشبهات و الا فلا شك انكم علماء تقدرون علي استنباط الاحكام ان دخلتم من بابه و اما اذا اختل عليكم قريحتكم فعجزتم عن

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 351 *»

تحصيل العلم فالتقليد لكم اسلم اليس انكم اذا لم‌تفهموا معني عرفيا لاختلاط اذهانكم تسألون عنه العوام و تقلدونهم و تتكلون علي معرفتهم فافعلوا هنا ايضا مثل هناك هذا و علي فرض محذورية التقليد ليس محذورية التقليد باعظم من العمل بالظن المحرم في سبعين آية و السنة المتواترة فقلدوا من يدعي العلم و هو ثقة عالم اجل من ان يكذب او لايفرق بين العلم و الظن و قولوا ان التقليد كان علينا محرما و لكنا قلدنا من باب اكل الميتة حين التجأنا اليه عند فساد قرائحنا بكثرة الشكوك و الشبهات و ان قلت ان التقليد ظن اجمالي و الاجتهاد ظن تفصيلي و هو اقرب الي العلم اقول نفس هذا الكلام اجتهاد في مقابلة النص فان الله سبحانه فرض علي العباد عند عدم العلم السؤال و هو الظن الاجمالي و لم‌يفرض الاجتهاد و الظن التفصيلي بل حرمه اشد تحريم و هو يعبد من حيث يريد هذا و في الظن الاجمالي ليس مظنة الخطر و في التفصيلي مظنة الاخطار فالظن الاجمالي اولي و ذلك ان المقلد يكل الامر الي العالم و يقلده و يأمن من القول علي الله و الفرية و الفتوي بغير ما انزل الله و الشبهات و الشكوك و اما المفتي فهو كالسابح في اللجة و القبة و لايأمن الغرق فالاغتراف من البحر مع حليته اولي من السباحة في القبة فعلي فرض حرمته اي حرمة التقليد انتم مضطرون اليه و هو اولي لكم من الاجتهاد بتة مع هذا النهي الشديد الذي سمعت و التقليد بشروطه و في محله هو امر مندوب اليه و هو شيمة الصالحين اولئك الذين هدي الله فبهديهم اقتده و ان لكم في رسول الله اسوة حسنة فما بالكم تخصصون حرمة العمل بالظن بزمان انسداد باب العلم و لاتخصصون حرمة التقليد بزمانه و ان قلتم ان البالغ منا مبلغ الاجتهاد يعرف خطاء من يدعي العلم فلايجوز لنا تقليدهم و نحن نعلم انهم مخطؤن في حصول العلم لهم فبعد هذا العلم كيف يجوز لنا تقليدهم قلت هذا محض ادعاء و رجم بالغيب و لايعلم من في السموات و الارض الغيب الا الله و عنده مفاتح الغيب لا عندكم و الرجل يدعي وجود العلم في قلبه و انتم تنكرون ان هذا الا عجب عجاب و قد امرتم بترك التشكيك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 352 *»

فيما يرويه الثقة كما روي لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا و قد عرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم انتهي ، فلعل عند غيركم قواعد لاتعرفونها او سمعتم بها و لم‌تثبت لديكم و ثبت لديهم او حصل لهم قرائن للاخبار لم‌يحصل لكم بالجملة بتكم بخطائهم ليس من الانصاف من انفسكم و رجم بالغيب و هو ممنوع عنه هذا و اني اسألكم عن ان حصول العلم للفقيه في غير موارد الاجماع هل هو ممتنع كشريك الباري و اجتماع النقيضين في موضع واحد و قام الدليل العقلي البديهي علي امتناعه او هو من الممكنات و يمكن ان يتعلق به ارادة الله و يوجده ان شاء ليس لعاقل ان يقول بالاول فهو من الممكنات و يجوز وقوعه فاذا جاز وقوعه و ادعي رجال عدول ثقات علماء زهاد بحصوله لهم لايجوز لكم ان تردوا عليهم و تكذبوهم و ان قلتم انه ليس بمحال عقلي كوني و انما هو محال عادي قلت انا نري في انفسنا انه قد يحصل لنا في غير موارد الاجماع قرائن في بعض الاخبار و الاحكام فيحصل لنا العلم به بل يجد هذا كل فقيه من نفسه و لاجل ذلك ربما يدعي الاجماع في محل الخلاف و لايحصل ذلك لغيره فكيف يكون حصول العلم محالا عادة و ان قلت ان ذلك ممكن في البعض و كلامنا في الكل او الاغلب قلت اي مانع عادي ان يحصل لفقيه واحد في اغلب الاحكام علم عادي لغزارة علمه و كثرة تتبعه و ممارسته للاخبار و معرفته باللحن و اطلاعه التام باحوال الرواة و الكتب و المصنفين و حصول كتب كثيرة من العلماء له و نفس قدسية له و خلو ذهن عن الشبهات و صفاء سريرة و عدم ابتلاء بالناس و فراغ بال فيتتبع مجاهدا في الله مستعينا به مستمدا من امامه فيطلع علي حكمه الثانوي عن علم و اذا كان يمكن لفقهاء عديدة في مسائل مختلفة حصول اجماعات خاصة و قرائن مفيدة للقطع يمكن اجتماعها لواحد اذا دخل من حيث دخلوا فيحصل له قرائن قطعية في اغلب المسائل لاسيما اذا كان قائلا بالتسديد كما يأتي لااظن عاقلا ينكر امكان ذلك عادة و يجعل حصول العلم في اغلب المسائل خارقا للعادة و من قبيل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 353 *»

المعجزات بحيث اذا ادعي آتيه بالنبوة يصدق هذا و قولكم بمحاليته عادة محض ادعاء و المحال العادي غير خفي علي احد و انما هو كطيران الجبل و به يعرف الناس المعجزة و يؤمنون بسببه بالانبياء و كيف يكون محالا عاديا و قوم من علماء الشيعة يقولون لايجوز التدين بغيره ابدا و الوف منهم يدعون حصوله لهم و ينكرون كونه محالا عاديا و ان قلتم انا علماء مطلعون علي ادلتهم و كتبهم و اخبارهم و نري انهم خاطؤن في دعواهم و اشتبه الامر عليهم و لو كانت تفيد علما لافادت لنا ايضا فانا ايضا رجال مثلهم قلت ان القرائن الحالية خاصة بالمستنبط و لايقدر من حصلت له ان يلقيها الي غيره فلعلها حصلت لهم دونكم الاتري ان رجلين ينظران الي الفجر فيقول واحد ها هو الفجر و يقول الآخر لااتيقن فاذا كان مثل هذا جائزا في المحسوس كيف لايجوز في المعقول الاتري ان التواتر مورث للقطع للسليم و اما المسبوق بالشبهة فلايحصل له العلم كما لايحصل العلم بمعجزات نبينا صلي الله عليه و آله للنصاري مع تواترها عندنا فعدم حصول العلم للمسبوق بالشبهة لايستلزم عدم حصوله لكل احد و قد يفقد الانسان العلم لعادة نفسه بالشك و الاحتمال فانا نري ان رجلا يرتمس في الماء لجنابة واحدة مائة و عشرين مرة و لايتيقن بحصول الارتماس و غيره يرتمس مرة واحدة و يحصل له العلم بصحة الغسل و ليس للرجل الاول ان يقول انسد باب العلم بصحة الغسل في اغتماس واحد و انا اعلم ان كل الناس خاطؤن في ادعائهم العلم فاني رجل مثلهم مطلع علي ما اطلعوا عليه فيجب علي الكل الاغتماس مائة و عشرين مرة فكذلك الامر بطريق اولي في المعقولات فانتم بسبب كثرة الشبهات و الاحتمالات و التوغل في الاصول تزلزل اذهانكم حتي صرتم تهيئون لكل امر شبهات و لكل آية احتمالات و لكل حديث تأويلات و غيركم لايفعل ذلك و يمشي علي صرافة طبعه فيحصل له العلم كما يحصل للمرتمس في الماء مرة واحدة و هذا غير عزيز في الناس و من ذلك ابتلي كثير من الناس بالوسواس اعاذنا الله منه فاذ قد ثبت امكان حصول العلم عادة و ادعي اناس ثقات اجلاء علماء ذلك و انتم فقدتم العلم فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 354 *»

لاتعلمون و خصصوا عموم حرمة التقليد بهذا المقام كما تخصصون حرمة العمل بالظن و اما قولكم فالعمل بالظن متعين فلم‌يتعين العمل بالظن اذا صار جميع مقدمات دليلكم مخدوشة و كلها باطلة و اما قولكم و ليس ظن اولي من ظن الي آخره فهو زبد زائل و قول باطل كما يأتي و اسوء منه قول القائل انا نعمل بالاخبار لا من حيث انها اخبار بل من حيث حصول الظن لنا و ما اشبه هذا في النتيجة بقول من قال للشيطان لا اله الا الله كلمة حق لااقولها بقولك فكما انه قالها و لم‌يطع الشيطان فقد قلتم و لم‌تطيعوا مصادر الاخبار و كيف لايكون ظن اولي من ظن و الظن الغير المستند الي كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله محرم علي الشيعة اعظم من الخمر و الميتة و لحم الخنزير بسبعين آية في كتاب الله و اخبار متواترة تليت عليك و هل الرأي الا الظن و هل هذا الا قول العامة العمياء فلو عد رجل الدلايل علي حرمة لحم الخنزير لم‌يبلغ هذا المبلغ البتة فلو شاء الله ان يحرم شيئا كيف كان يجب ان يفعل و هل كان يزيد علي ذلك فكيف لايكون ظن اولي من ظن و الظنون الحاصلة من الكتاب و السنة ايا كان رجوع الي الله و رسوله و تحر لدينه و طلب لمراده غاية الامر انه يعجز عن العلم فيقف علي الظن و لايتحول عنه الي غيره لئلايتحول عن دين الله الي غيره و اما الظن المطلق الحاصل لنا من الآراء و الاهواء و الاستحسانات و المصالح و السياسات و غير ذلك فانما هو رجوع الي عقل الفقيه و تدين بدينه و تعبد له و هل فعل النصاري ازيد من ذلك في عبادتهم الفقهاء حيث نسبهم الله سبحانه الي الشرك و قال اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله و ايم الله قسما بارا ان مما كان لايظن ان يترك امرؤ من كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و لايمكنه مباينته هذا الامر و قد فعلوه و هو قول مبتدع في المتأخرين لم‌يكن قبل له ذكر و لعمري ان من ذهب هذا المذهب لايجوز تقليده علي حال و لايصدق علي الله و هو كما سمعت في الاخبار و لو اقول ازيد من ذلك ينكر مني فليكن القول فيهم ما قال آل‌محمد عليهم السلام فاقول القول مني في جميع الاشياء

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 355 *»

قول آل‌محمد عليهم السلام فيما اسروا و فيما اعلنوا آه آه قد فعلوا ما فعل الامم في اديانهم و ماابقوا صدق رسول الله صلي الله عليه و آله حيث قال لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتي انهم لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه و لعمري يقصر اللسان عن بيان عظم هذا القول و هذا الاختيار و قد مر سابقا ما يكشف عن الحال فراجع و اعظم من الجميع قولهم الاصل حجية الظن الا ما خرج بالدليل فقد جعلوا الاصل المتبع ما حرمه الله في كتابه و حرمه رسوله صلي الله عليه و آله في سنته و قام الاجماع علي حرمته و شهدت العقول عليها فلو صار مثل هذا المنكر في الاسلام معروفا فلايبقي باقية و يمكن الاستدلال علي حلية الخمر ايضا كما فعله رجل من الطلاب في عصرنا و اصر و سجل عليه لعنه الله و افظع من الكل ما ذكره الشيخ المرتضي التستري في كتابه في حجية المظنة نقلا عن بعض العلماء الذي مال او قال بالقياس في الاستدلال علي جوازه ما ملخصه ان الدليل علي حرمة القياس ان كان من الاخبار فبعضها في معاصري الائمة من العامة و بعض منها تدل علي الحرمة من حيث استلزامه لابطال الدين و محق السنة و بعض تدل علي الحرمة و وجوب التوقف اذا لم‌يوجد ما عداه و لازمه الاختصاص بصورة التمكن من ازالة التوقف بالرجوع الي الائمة عليهم السلام و لايخفي ان شيئا من الاخبار الواردة علي احد هذه الوجوه المتقدمة لايدل علي حرمة العمل بالقياس الكاشف عن صدور الحكم عن المعصوم مع عدم التمكن من تحصيل العلم به و دوران الامر بين العمل بما يظن انه صدر منهم و العمل بما يظن انه خلاف ما صدر منهم و ان كان الدليل الاجماع فثبوته في حرمته في كل زمان ممنوع الخ ، بالجملة قد فعلوا و ادخلوا القياس شيئا بعد شئ في دين الله ايضا و قد كان كثير منهم قبل ذلك يعمل بافراده فالآن ارادوا ان يكشفوا الغطاء و يجعلوه اصلا متأصلا كما فعلت العامة جهارا و فيما ذكرت و ما اذكره من الآيات و الاخبار شفاء العليل و برد الغليل فاكتف بها منا و دعنا .

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 356 *»

فصل في الاستدلال بالاجماع علي حرمة العمل بالظن قال الشيخ مرتضي التستري في رسالة له في اثبات حجية الظن في استدلاله علي ان الاصل حرمة العمل بالظن بعد ما ذكر آية و حديثا و من الاجماع ما ادعاه الفريد البهبهاني في بعض رسائله من كون عدم الجواز بديهيا عند العوام فضلا عن العلماء و قال ابن‌ادريس في السراير نقلا عن السيد المرتضي اعلم انه لا بد في الاحكام الشرعية من طريق يوصل الي العلم بها لانا متي لم‌نعلم الحكم و نقطع بالعلم علي انه مصلحة جوزنا كونه مفسدة فيقبح الاقدام منا عليه لان الاقدام علي ما لانأمن كونه فسادا او قبيحا كالاقدام علي ما لانقطع علي كونه فسادا و لهذه الجملة ابطلنا ان يكون القياس في الشريعة الذي يذهب مخالفونا اليه طريقا الي الاحكام الشرعية من حيث كان القياس موجب الظن و لايفضي الي العلم الي ان قال و لذلك ابطلنا في الشريعة العمل باخبار الآحاد لانها لاتوجب علما و لا عملا و اوجبنا ان يكون العمل تابعا للعلم الي ان قال ان اصحابنا كلهم سلفهم و خلفهم و متقدمهم و متأخرهم يمنعون من العمل باخبار الآحاد و من العمل بالقياس في الشريعة و يعيبون اشد عيب علي الذاهب اليهما و المتعلق في الشريعة بهما حتي صار هذا المذهب لظهوره و انتشاره معلوما ضرورة منهم و غير مشكوك فيه من اقوالهم الي آخر و معلوم ان مراده العمل باخبار لم‌تحفف بالقرائن القطعية التي كانت متقدموا اصحابنا يستعينون بها و يستعلمون بها الصحيح من السقيم بالجملة يستفاد من ذلك انهم كانوا مجمعين علي حرمة العمل بالظن و منعهم عن هذين لافادتهما الظن و عن الشيخ في العدة و اما الظن فعندنا و ان لم‌يكن اصلا في الشريعة تستند الاحكام اليه فانه تقف احكام كثيرة عليه نحو تنفيذ الحكم عند الشاهدين و نحو جهات القبلة و ما يجري مجراه و عن موضع آخر منه و اما القياس و الاجتهاد فعندنا انهما ليسا بدليلين بل محظور استعمالهما و قوله عندنا مؤذن بدعوي الاجماع من الشيعة كما هو دأبهم و كذا اقول من البديهيات ان معاصري الائمة عليهم السلام كانوا يعملون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 357 *»

بالاحاديث الصادرة و كتب فتاويهم الاصول الاربعمائة و لو كان لهم كتب اخر في الفتاوي لاشتهرت كما اشتهر عن المفيد قدس سره و من تأخر عنه و كتبهم مشحونة باخبار النهي عن الظنون و الآراء و الاجتهادات مطلقا و كانت من المتواترات و المجمع عليها بينهم فمن فحص عن ذلك علم عيانا انه حرمة العمل بالظن كانت معروفة بينهم كحرمة الخمر و الميتة و لحم الخنزير و لو كان بينهم رأي آخر لاشتهر فهذا الاجماع يبطل قول من يقول ان علي الظن بناء العالم سواء كان في عصر الحجج او بعدهم و اما من يقول لعلهم اجمعوا علي ذلك لان باب العلم كان ذلك اليوم مفتوحا و انسد علينا في زمان الغيبة اقول ان فتاويهم التي هي اخبارهم و هي سند اجماعهم مطلقة و مفادها ان الظن ليس من دين الله و لايعبد الله به و انه اكذب الكذب و يحبط عمل العامل به و لم‌يجمعوا علي حرمته عليهم في عصرهم حتي ان منهم من قال بمحالية التعبد به عقلا و الاجماع قطعي في معناه و امر معنوي ان كان عاما فعام و ان كان خاصا فخاص و العام المعنوي لايقبل التخصيص بل اقول قد قام الاجماع من العامة و الخاصة علي انه لايجوز التعبد بالظن في نفس الحكم مطلقا و اما الموضوع فقد يقع و بيان الاجماع انا نجد جميع المسلمين حتي القائلين بالظن المطلق يبتغون لانفسهم دليلا قطعيا علي جواز العمل بالظن فيجعلون الحكم ما حكم به عقولهم قطعا و الظن موضوعا كشهادة العدلين فيعملون به و لايطاوعهم نفوسهم ان يركنوا الي الظن اول مرة و في نفس الحكم بل لااظن ان مليا يجوز العمل بالظن في نفس الحكم و كلهم يبتغون دليلا قطعيا علي ما يختارون كائنا ما كان فاذا الاجماع علي حرمة العمل بالظن في نفس الحكم متحقق باقرار الخصم و عمله فمن كان يريد الخروج عن هذا الاجماع فعليه بالدليل القطعي و القطع في الاسلام في الكتاب المستجمع علي تأويله و السنة الجامعة و العقل الذي يعرف العقول عدله لا العقل الذي يقول واحد به و ينكره الآخر لانه محل النزاع و يجب المحاكمة فيه الي الله و رسوله و اولي الامر و ليس لخصمنا دليل منها بل كان جميع ادلتهم تلك الاربعة التي سمعت و بعض الاستحسانات لايجوز الاصغاء اليه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 358 *»

بل لااظن لهذا القول اي الظن المطلق قائلا في المتقدمين و انما هو بدعة حدثت و شر الامور محدثاتها بالجملة قام الاجماع علي العموم و المعصوم داخل فيه قطعا و هو علي وفق الكتاب و السنة و العجب ادعاء الاجماع علي جواز العمل بالظن علي خلاف كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و التمسك بحديث مجهول ان المرء متعبد بظنه الاتعتبر كيف يحكم في هذا المقام حديث الهادي عليه السلام كما قال في حديث فاخبر صلي الله عليه و آله ان ما اجتمعت عليه الامة و لم‌يخالف بعضها بعضا هو الحق فهذا معني الحديث لا ما تأوله الجاهلون من ابطال حكم الكتاب و اتباع حكم الاحاديث المزورة و الروايات المزخرفة و اتباع الاهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب و تحقيق الآيات الواضحات النيرات و نحن نسأل الله ان يوفقنا للصواب و يهدينا الي الرشاد الخبر ، و يأتي في الفصل الآتي ما يدل علي اجماع الامة عليه سلفهم و خلفهم فالاجماع من الاصحاب كان قائما بالتحقيق و النقل و الذين تخلفوا عنه مسؤلون عنه و ليس ذلك بمسألة يمكن فيها انقلاب الاجماع اذ لا سند لهم من كتاب و سنة و لو جوزنا ذلك لجاز الاتفاق و حصول الاجماع علي ترك الصلوة و الصيام فخذ بما ذكرت لك و كن من الشاكرين و الحمد لله رب العالمين .

فصل في بعض الادلة العقلية المؤيدة المسددة القائمة علي حرمة العمل بالظن في نفس احكام الله و رد بعض اقوال القوم قال الشيخ المرتضي التستري في رسالة كتبها في حجية المظنة فابتدأ في الاستدلال علي امكان التعبد به و نقل عن دليل المشهور بانا نقطع بانه لايلزم من التعبد به محال ثم قال في هذا التقرير نظر اذا القطع بعدم لزوم المحال في الواقع موقوف علي احاطة العقول بجميع الجهات المحسنة و المقبحة و علمه بانتفائها و هو ( غير ظ ) حاصل فيما نحن فيه فالاولي ان يقرر هكذا انا لانجد في عقولنا بعد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 359 *»

التأمل ما يوجب الاستحالة و هذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالامكان الخ ، هذا كلام خال عن التحقيق و الحق الحقيق بالتصديق ان التعبد به محال و تحقيق ذلك ان الظن في نفس الحكم غير الظن الذي هو موضوع الحكم فاذا كان الظن موضوع حكم و كان الحكم عليه قطعيا من الشارع ليس العمل بالظن بل العمل في الظن بالقطع كما اذا حكم الشارع قطعا بان من ظن انه صلي ثلثا يبني عليه و انت بنيت عليه لم‌تعمل بظنك و ليس الداعي الي العمل ظنك و انما هو موضوع حادث كالمرض و حكم عليه كما حكم علي المرض و انت تعمل بالحكم القطعي الاتري انه اذا قال الشارع اطع فلانا الآثم فيما قال و اطعته اطعت المعصوم و اطعت الله في قوله اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و لم‌تخالف نهي الله في قوله و لاتطع منهم آثما فانك لم‌تطعه من حيث هو بل اطعت الشارع فالظن الموضوعي غير الظن الحكمي و اما الظن الحكمي فلم‌اجد في الامة من قال بامكان التعبد به فاني رأيت ان الذي يقول بجواز العمل بالظن المطلق يقيم علي جوازه علي زعمه دليلا قطعيا فاذا اقام عليه دليلا قطعيا كان الظن المطلق موضوعا لحكم اقتضاه دليله كالظن الحاصل من اخبار الشهود نعم لو اقام دليلا ظنيا علي جواز العمل بالظن و عمل به كان قولا بالامكان و لم‌اجد احدا يعمل بالظن بدليل ظني علي زعمه فتبين انه لا قائل بامكان التعبد بالظن عند التحقيق و نتيجة اقوالهم امكان صيرورة الظن موضوع حكم و هذا لا شك فيه الاتري ان متناول الظن حينئذ غير متناول العلم فان متناول الظن حينئذ ان يكون الشئ في الخارج كذا و متناول العلم وجوب العمل به و انت تعمل به بمقتضي الحكم القطعي العلمي و هو غير معني ان الشئ في الخارج كذا فان ارادوا بامكان التعبد به امكان كونه موضوعا فمعني كونه موضوعا غير معني التعبد به فان التعبد به هو عبادة الله بالعمل به اي بالموضوع فلفظهم غير دال علي المراد و ان ارادوا امكان التعبد بالظن في نفس الحكم و في الداعي الي العمل فذلك محال عقلا فان العبادة العمل بمقتضي العبودية و السير الي الله سبحانه و التوجه اليه بما يحب و يرضاه و الاتصاف بصفاته المحبوبة المرضية له فما علمت انه كذلك و اتيت به فقد توجهت الي الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 360 *»

به و سرت اليه و تقربت اليه و ما لم‌تعلم هل هو يقربك من الله ام يبعدك و هل هو استرضاء الله او استرضاء الشيطان و هل هو اتصاف بمحاب الله ام اتصاف بمحاب الشيطان كيف يمكن تسمية ذلك خدمة لله سبحانه و عبادة له الاتري ان العبد اذا وجد رجلا في البيت و لم‌يعرفه و لم‌يدر هل هو مولاه او عدوه و امره بامر فاتمر لايقدر ان يسمي ذلك خدمة للمولي ابدا و ان قلت انه اذا ظن انه مولاه فامتثل امره لاجل ظنه انه مولاه فهو خدمة لمولاه قلت ان كان ساقه دليل قطعي بان ذلك خدمة المولي فعمله علي الدليل لا علي الظن و المفروض انه لايدري هل يرضي مولاه بالامتثال بمحض ظن انه مولاه ام لايرضي و يظن انه يرضي فلايقدر ان يسمي ذلك تقربا الي المولي و عبودية له البتة و لايطاوعه نفسه ان يسميه بذلك و لو سألته عنه يقول لاادري هل هو طاعة ام معصية غير اني اظن انه طاعة و لاادري ايعاقبني سيدي علي العمل بظني هذا ام يثيبني فتدبر فانه دقيق فالشئ ما لم‌يكن حسنا قطعا او ممكن الحسن قطعا لايحكم العقل بحسنه او بامكان حسنه قطعا فما لم‌يعلموا قطعا ان العمل بالظن ممكن الحسن كيف يحكمون بامكان التعبد به قطعا فان كانوا يعلمون ذلك فالظن موضوع و ان كانوا يظنون فعليهم ان يقولوا نظن امكان التعبد به و لانعلم هل هو ممكن ام محال فمحال ان يحكم العقل بامكان التعبد به علي القطع و لنا الدليل ان التعبد القطعي به محال فافهم و يؤيده الكتاب و السنة و الاجماع و الحكم بامكان التعبد به عجيب بعد قوله ان الظن لايغني من الحق شيئا فتجويزه تجويز صدور القبيح من الله سبحانه و قد سمي الله سبحانه الظن افتراء علي الله كما عرفت و سماه المعصوم اكذب الكذب و ان العمل به محبط للعمل فتجويز التعبد به تجويز امر الله سبحانه بالافتراء و الكذب و ما يحبط العمل و يبعد من الله و يقرب من الشيطان و طاعة الشيطان فانه الذي يأمركم بالسوء و الفحشاء و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر انه محال التعبد بالظن في نفس الاحكام نعم يمكن ان يصير الظن موضوع حكم قطعي لله سبحانه و لاجل ذلك كلهم يتوخون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 361 *»

الدليل القطعي علي تجويزه فقد قام الاجماع من الفريقين بل من العامة و الخاصة علي حرمة العمل بالظن في نفس الحكم فاذا صار تجويزه محالا فلا حاجة بنا الي ذكر اقوالهم في وقوعه و ردهم من هذا الحيث نعم الذي يقولون به و يتفردون به انه قد اقمنا دليلا عقليا قطعيا علي ان الفقيه اذا ظن ان حكم الله كذا و كذا في موضوع يجب العمل به هذا المذهب ايضا منهم خطاء فان دين الله لايصاب بالآراء و الاهواء و العقول الناقصة المخالفة في رأيها كتاب الله و سنة نبيه و الدليل المطاع كتاب الله المجمع علي تأويله و السنة التي لا اختلاف فيها و قياس يعرف العقول عدله و ليس لهم شئ من ذلك و الحال ان الامة مختلفون فيه و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و متنازعون فيه و ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول لا الي عقولكم و آرائكم و اهواءكم و اسأل من يزعم جواز العمل بالظن في نفس الحكم هل يجب علي المقلدين اتباع عقلك ام لا فان لم‌يوجب فلم يدعوهم الي نفسه و يلومهم علي تركه و يفسقهم و يكفرهم بالتهاون في الاخذ بعقله و عقل امثاله و ان اوجب فاسأله هل انت رب خالق او نبي صادق او امام حاذق و هل اشركك الله في ملكه و عباده او اشركك في نبوة نبيه و امامة خليفته ام لا و من اين قلت يجب علي من لم‌يبلغ درجة الاجتهاد اتباعي و انت خاطئ باقرارك غير معصوم و اي آية تشهد لك و اي سنة تؤيدك و اي اجماع قام علي وجوب اتباع عقلك قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين و ان النبي صلي الله عليه و آله قد وجب طاعته علي الخلق بمعجز قد جاء به و ان الامام قد وجب طاعته علي الرعية بنص من النبي صلي الله عليه و آله و انت توجب علي الخلق طاعة ظنك من غير معجز و لا نص و ان زعمت ان لك حجة فات بها ان كنت من الصادقين و الحجة كتاب مستجمع علي تأويله و السنة الجامعة و بداهة العقول و اي قوة لنفسك اوجبت لك طاعة علي العباد في غير موارد النصوص و انكم تروون ان النبي صلي الله عليه و آله امر بعرض ما يروي عنه علي الكتاب و السنة و ضرب ما يخالفهما علي الحائط و لاتجوزون عرض ظنونكم و آرائكم علي الكتاب و السنة و ترك ما يخالفهما بل توجبون رد الكتاب

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 362 *»

و السنة اذا خالفا ظنونكم و لو ان رجلا اراد ان يفضل نفسه علي الانبياء مازاد علي ما اوجبتم لانفسكم علي الناس فان كان جميع ذلك منكرا منك اذا ادعيت فلم توجب علي الخلق تصديقك بل يسعهم تكذيبك و لايسع احدا تكذيب حجة الله فانت لست بحجة الاسلام هذا و سبعون آية في كتاب الله تنهي عن العمل بالظن و الروايات المتواترة تنهي عنه و الاجماع ناد بخلافك و دليل العقل المؤيد قائم علي خطاءك فاذا ظن المجتهد ان هذا حكم الله يحرم عليه القضاء به و القول بانا قد اقمنا الدليل القطعي علي ان ما ادي اليه ظنه هو حكم الله في حقه و حق مقلديه غير مسموع الا بشاهد من كتاب الله و سنة نبيه و اي شئ اقبح من ان يدعي رجل ان لي دليلا قطعيا علي مخالفة محكمات الكتاب و متواترات السنة بل الحق ان يقال هذا ما ادي اليه ظنك و كل ما ادي اليه ظنك محرم عليك اتباعه و ايجابه علي المقلدين كالميتة و الدم و لحم الخنزير اما الصغري فهي وجدانية و اما الكبري فبسبعين آية و اخبار متواترة و عقول مؤيدة كما سمعت و تسمع و العجب انهم يردون كل حديث يخالف الكتاب و السنة و يضربون به عرض الحائط و لايردون قولا منهم يخالف سبعين آية و روايات متواترة و لايضربون به عرض الحائط فان هم لايضربون فاضرب انت لتكون من المطيعين بالجملة لما كان اقوالهم لا مستند لها مما سمعت لا حاجة الي نقلها و ردها و كفي فيها انها مأخوذة من اقوال العامة متمشية في مذهبهم لا في مذهبنا ،
فدع عنك قول الشافعي و مالك       ** * **      و احمد و المروي عن كعب‌الاحبار
و خذ عن اناس قولهم و حديثهم       ** * **      روي جدنا عن جبرئيل عن الباري
و اتبرك هنا بذكر رواية اسمعيل بن جابر و لو كانت طويلة روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث طويل قال عليه السلام و اما الرد علي من قال بالرأي و القياس و الاستحسان و الاجتهاد و من يقول ان الاختلاف رحمة فاعلم انا لما رأينا من قال بالرأي و القياس قد استعملوا الشبهات في الاحكام لما عجزوا عن عرفان اصابة الحكم و قالوا ما من حادثة الا و لله فيها حكم و لايخلو الحكم فيها من وجهين اما ان يكون نصا او

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 363 *»

دليلا فاذا رأينا الحادثة قد عدم نصها فزعنا اي رجعنا الي الاستدلال عليها باشباهها و نظائرها لانا متي لم‌نفزع الي ذلك اخليناها من ان يكون لها حكم و لايجوز ان يبطل حكم الله في حادثة من الحوادث لانه يقول سبحانه ما فرطنا في الكتاب من شئ و لما رأينا الحكم لايخلو و الحادثة لاتنفك من الحكم التمسناه من النظائر لكي لاتخلو الحادثة من الحكم بالنص و بالاستدلال و هذا جايز عندنا قالوا و قد رأينا الله قاس في كتابه بالتشبيه و التمثيل فقال خلق الانسان من صلصال كالفخار و خلق الجان من مارج من نار فشبه الشئ باقرب الاشياء له شبها قالوا و قد رأينا النبي صلي الله عليه و آله استعمل الرأي و القياس بقوله للمرأة الخثعمية حين سألته عن حجها عن ابيها فقال ارأيت لو كان علي ابيك دين لكنت تقضيه عنه فقد افتاها بشئ لم‌تسأل عنه و قوله لمعاذ بن جبل حين ارسله الي اليمن ارأيت يا معاذ ان نزلت بك حادثة لم‌تجد لها في كتاب الله اثرا و لا في السنة ما انت صانع قال استعمل رأيي فيها فقال الحمد الله الذي وفق رسول الله الي ما يرضيه قالوا و قد استعمل الرأي و القياس كثير من الصحابة و نحن علي آثارهم مقتدون و لهم احتجاج كثير في مثل هذا فقد كذبوا علي الله تعالي في قولهم انه احتاج الي القياس و كذبوا علي رسول الله صلي الله عليه و آله اذ قالوا عنه ما لم‌يقل من الجواب المستحيل فنقول لهم ردا عليهم ان اصول احكام العبادات و ما يحدث في الامة من الحوادث و النوازل لما كانت موجودة عن السمع و النطق و النص في كتاب الله و فروعها مثلها و انما اردنا الاصول في جميع العبادات و المفترضات التي نص الله عز و جل و اخبرنا عن وجوبها و عن النبي صلي الله عليه و آله و عن وصيه المنصوص عليه بعده في البيان عن اوقاتها و كيفياتها و اقدارها في تقاديرها عن الله عز و جل مثل فرض الصلوة و الزكوة و الصيام و الحج و الجهاد و حد الزنا و السرقة و اشباهها مما نزل في الكتاب مجملا بلا تفسير فكان رسول الله صلي الله عليه و آله هو المفسر و المعبر عن جملة الفرايض فعرفنا ان فرض صلوة الظهر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 364 *»

اربع و وقتها بعد زوال الشمس بمقدار ما يقرأ الانسان ثلثين آية و هذا الفرق بين صلوة الزوال و صلوة الظهر و وقت صلوة العصر آخر وقت الظهر الي وقت مهبط الشمس و ان المغرب ثلث ركعات و وقتها حين وقت الغروب الي ادبار الشفق و الحمرة و ان وقت صلوة العشاء الآخرة و هي اربع ركعات اوسع الاوقات و اول وقتها حين اشتباك النجوم و غيبوبة الشفق و انبساط الظلام و آخر وقتها ثلث الليل و روي نصفه و الصبح ركعتان و وقتها طلوع الفجر الي اسفار الصبح و ان الزكوة تجب في مال دون مال و مقدار دون مقدار و وقت دون وقت و كذلك جميع الفرايض التي اوجبها الله علي عباده مبلغ الطاعات و كنه الاستطاعات فلولا ما ورد النص به و تنزيل كتاب الله و بيان ما ابانه رسوله و فسره لنا و ابانه الاثر و صحيح الخبر لقوم آخرين لم‌يكن لاحد من الناس المأمورين باداء الفرايض ان يوجب ذلك بعقله و اقامة معاني فروضه و بيان مراد الله في جميع ما قدمنا ذكره علي حقيقة شروطها و لايصح اقامة فروضها بالقياس و الرأي و لا ان تهتدي العقول علي انفرادها الي انه يجب فرض الظهر اربعا دون خمس او ثلث و لاتفصل ايضا بين قبل الزوال و بعده و لاتقدم الركوع علي السجود او السجود علي الركوع او حد زناء المحصن و البكر و لا بين العقارات و المال الناض في وجوب الزكوة فلو خلينا بين عقولنا و بين هذه الفرايض لم‌يصح فعل ذلك كله بالعقل علي مجرده و لم‌يفصل بين القياس الذي فصلت الشريعة و النصوص اذا كانت الشريعة موجودة عن السمع و النطق الذي ليس لنا ان نتجاوز حدودها و لو جاز ذلك لاستغنينا عن ارسال الرسل الينا بالامر و النهي منه تعالي و لما كانت الاصول لاتجب علي ما هي عليه من بيان فروضها الا بالسمع و النطق فكذلك الفروع و الحوادث التي تنوب و تطرق منه تعالي لم‌يوجب الحكم فيها بالقياس دون النص بالسمع و النطق الي ان قال عليه السلام و اما الرد علي من قال بالاجتهاد فانهم يزعمون ان كل مجتهد مصيب علي انهم لايقولون انهم مع اجتهادهم اصابوا معني حقيقة الحق عند الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 365 *»

عز و جل لانهم في حال اجتهادهم ينتقلون عن اجتهاد الي اجتهاد و احتجاجهم ان الحكم به قاطع قول باطل منقطع منتقض فاي دليل ادل من هذا علي ضعف اعتقاد من قال بالاجتهاد و الرأي اذا كان امرهم يؤل الي ما وصفناه و زعموا انه محال ان يجتهد فيذهب الحق من جملتهم و قولهم بذلك فاسد لانهم ان اجتهدوا فاختلفوا فالتقصير واقع بهم و اعجب من هذا انهم يقولون مع قولهم بالرأي و الاجتهاد ان الله لم‌يكلفهم بهذا المذهب الا بما يطيقونه و كذلك النبي صلي الله عليه و آله و احتجوا بقول الله تعالي و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره و هذا بزعمهم وجه الاجتهاد و غلطوا في هذا التأويل غلطا بينا قالوا و من قول الرسول صلي الله عليه و آله لمعاذ بن جبل و ادعوا انه اجاز ذلك و الصحيح ان الله لم‌يكلفهم اجتهادا لانه قد نصب لهم ادلة و اقام لهم اعلاما و اثبت عليهم الحجة فمحال ان يضطرهم الي ما لايطيقون بعد ارساله اليهم الرسل بتفصيل الحلال و الحرام و لم‌يتركهم سدي مهما عجزوا عنه و ردوه الي الرسول و الائمة عليهم السلام كيف و هو تعالي يقول مافرطنا في الكتاب من شئ و يقول اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و يقول فيه تبيان كل شئ و من الدليل علي فساد قولهم في الاجتهاد و الرأي و القياس انه لن‌يخلو الشئ ان يكون يمثله علي اصل او يستخرج البحث عنه فان كان يبحث عنه فانه لن‌يجوز في عدل الله ان يكلف العباد ذلك و ان كان ممثلا علي اصل فلايخلو الاصل ان يكون حرم لمصلحة الخلق او لمعني في نفسه خاص فان كان حرم لمعني في نفسه خاص فقد كان ذلك فيه حلالا ثم حرم بعد ذلك لمعني فيه بل لو كان العلة المعني لم‌يكن التحريم له اولي من التحليل و لما فسد هذا الوجه من دعويهم علمنا ان الله تعالي انما حرم الاشياء لمصلحة الخلق لا للخلق التي فيها و نحن انما ننفي القول بالاجتهاد لان الحق عندنا مما قدمنا ذكره من الامور التي نصبها الله تعالي و الدلائل التي اقامها لنا كالكتاب و السنة و الامام الحجة و لن‌يخلو الخلق عندنا من هذه الوجوه التي ذكرناها و ما خالفها فهو باطل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 366 *»

و اما اعتلالهم بما اعتلوا به من شطر المسجد الحرام و البيت فمستحيل بين لان معني شطره نحوه فبطل الاجتهاد فيه و زعموا ان علي الذي لم‌يهتد الي الادلة و الاعلام المنصوصة للقبلة ان يستعمل رأيه حتي يصيب بغاية اجتهاده و لم‌يقولوا حتي يصيب نحو توجهه اليه و قد قال الله عز و جل و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره يعني تعالي علي نصب من العلامات و الادلة و هي التي نص حكمها بذكر العلامات و النجوم في ظاهر الآية ثم قال تعالي و ان الذين اوتوا الكتاب ليعلمون انه الحق من ربك و لم‌يقل و ان الذين اضطروا الي الاجتهاد فدل علي ان الله تعالي اوجب عليهم استعمال الدليل في التوجه و عند الاشتباه عليهم لاصابة الحق فمعني شطره نحوه يعني تعالي علاماته المنصوصة عليه و معني شطره نحوه ان كان مرئيا و بالدلائل و الاعلام ان كان محجوبا فلو علمت القبلة لوجب استقبالها و التولي و التوجه اليها و لو لم‌يكن الدليل عليها موجودا حتي تستوي الجهات كلها فله حينئذ ان يصلي باجتهاده حيث احب و اختار حتي يكون علي يقين من الدلالات المنصوبة و العلامات المبثوثة قيل لابي‌عبدالله عليه السلام جعلت فداك ان هؤلاء المخالفين علينا يقولون اذا اطبقت علينا او اظلمت فلم‌نعرف السماء كنا و انتم سواءا في الاجتهاد فقال ليس كما يقولون اذا كان ذلك فليصل لاربع وجوه ، منه .
فان مال عن هذا التوجه مع ما ذكرناه حتي يجعل الشرق غربا و الغرب شرقا زال معني اجتهاده و فسد حال اعتقاده و قد جاء عن النبي صلي الله عليه و آله خبر منصوص مجمع عليه ان الادلة المنصوبة علي بيت الله الحرام لاتذهب بكليتها حادثة من الحوادث منا من الله عز و جل علي عباده في اقامة ما افترضه عليهم و زعمت طائفة ممن يقول بالاجتهاد اذا اشكل عليه من جهة حتي يستوي عنده الجهات كلها و تحروا سمع اجتهاده حديث بلغ فان ذلك جائز بزعمهم و ان كان لم‌يصب وجه حقيقة القبلة و زعموا ايضا انه ان كان علي هذا السبيل مائة رجل لم‌يجز لاحد ان يتبع اجتهاد الآخر فهم بهذه الاقوال ينقضون اصل اعتقادهم و زعموا ان الضرير و المكفوف له ان يقتدي باحد هؤلاء

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 367 *»

المجتهدين فله ان ينتقل من قول الاول منهم الي قول الآخر فجعلوا مع اجتهادهم كمن لم‌يجتهد فلم‌يئل بهم الاجتهاد الا الي حال الضال و الانتقال من حال الي حال فاي دين ابدع و اي قول اشنع من هذه المقالة او ابين عجزا ممن يظن انه من اهل الاسلام و هو علي مثل هذا الحال نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدي و اتباع الهوي و اياه نستعين علي ما يقرب منه انه سميع مجيب انتهي ، ذكرت الحديث بطوله لكثرة محصوله و كانت النسخة فيها بعض الغلط و اخرجته لان الذي قصدنا منه واضح فيه بين و عن الصادق عليه السلام في رسالة له الي اصحاب الرأي و الاجتهاد اما بعد فان من دعا غيره الي دينه بالارتياء و المقائيس لم‌ينصف و لم‌يصب حظه لان المدعو الي ذلك ايضا لايخلو من الارتياء و المقائيس و متي لم‌يكن بالداعي قوة في دعائه علي المدعو لم‌يؤمن علي الداعي ان يحتاج الي المدعو بعد قليل لانا قد رأينا المتعلم الطالب ربما كان فائقا لمعلمه و لو بعد حين و رأينا المعلم الداعي ربما احتاج في رأيه الي رأي من يدعو و في ذلك تحير الجاهلون و شك المرتابون و ظن الظانون و لو كان ذلك عند الله جايزا لم‌يبعث الله الرسل بما فيه الفصل و لم‌ينه عن الهزل و لم‌يعب الجهل و لكن الناس لما سفهوا الحق و عظموا النعمة و استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم الله و اكتفوا بذلك عن رسله و القوام بامره و قالوا لا شئ الا ما ادركته عقولنا و عرفته البابنا فوليهم الله ما توليهم ( وليهم ظ ) و اهملهم و خذلهم حتي صاروا عبدة انفسهم من حيث لايعلمون و لو كان الله رضي منهم اجتهادهم و ارتياءهم فيما ادعوا من ذلك لم‌يبعث اليهم فاصلا لما بينهم و لا زاجرا عن وصفهم و انما استدللنا ان رضي الله غير ذلك ببعثه الرسل بالامور القيمة الصحيحة و التحذير من الامور المشكلة المفسدة ثم جعلهم ابوابه و صراطه و الادلاء عليه بامور محجوبة عن الرأي و القياس فمن طلب ما عند الله بقياس و رأي لم‌يزدد من الله الا بعدا و لم‌يبعث رسولا قط و ان طال عمره قابلا من الناس خلاف

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 368 *»

ما جاء به حتي يكون متبوعا مرة و تابعا اخري و لم‌ير ايضا فيما جاء به استعمل رأيا و لا مقياسا حتي يكون ذلك واضحا عنده كالوحي من الله و في ذلك دليل لكل ذي لب و حجي ان اصحاب الرأي و القياس مخطئون مدحضون انتهي ، و عن علي عليه السلام ترد علي احدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها علي غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا و الههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد فامرهم الله سبحانه بالاختلاف فاطاعوه ام نهاهم عنه فعصوه ام انزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم علي اتمامه ام كانوا شركاء له فلهم ان يقولوا و عليه ان يرضي ام انزل دينا تاما فقصر الرسول عن ابلاغه و ادائه و الله سبحانه يقول مافرطنا في الكتاب من شئ و فيه تبيان كل شئ و ذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضا و انه لا اختلاف فيه فقال سبحانه و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا الخبر ، و انما ذكرت هذه الاخبار لانها مشحونة بادلة قطعية عقلية علي عدم امكان التعبد به فضلا عن وقوعه و لنا ادلة اخري علي عدم جواز التعبد به منها ان الله سبحانه غني لاتنفعه طاعة من اطاعه و لاتضره معصية من عصاه فلم‌يكلف العباد لمنفعة نفسه و انما كلفهم لمنفعتهم و صلاحهم و نظام معاشهم و قوام معادهم فلم‌يأمر بشئ و لم‌ينه عن شئ عبثا او لمحض الابتلاء و الامتحان كما زعمه بعض لما فيه من الترجيح بلا مرجح و لقوله سبحانه ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون و غيرها من الآيات فما من شئ يقربهم من الجنة و يبعدهم من النار الا و قد امرهم به و ما من شئ يبعدهم من الجنة و يقربهم من النار الا و قد نهاهم عنه و لم‌يأمرهم الا بما فيه صلاحهم و لم‌ينههم الا عما فيه فسادهم فامر بامور في اقترانهم بها صلاحهم و لم‌ينه عن شئ الا و في اقترانهم به فسادهم و لايعلم حقايق الاشياء و لايعرف ضارها من نافعها الا المحيط بها الخالق لها و ان العقول

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 369 *»

الناقصة التي لاتعرف سر ابدانها فضلا عن سر الخليقة لاتعرف حقايق الاشياء فمحال عادة معرفة الجهال بها فلايصيبونها بعلومهم فضلا عن ظنونهم فكيف يجوز لهم العمل بالآراء و الاهواء و الاستحسانات و العقول الناقصة و القياسات و الاصول الموضوعة و كيف يؤدي اصل العدم و اصل البراءة و الاستصحاب الي ما هو ضار حقيقة في الخارج او نافع حقيقة في الخارج و هل يمكن هؤلاء معرفة العقاقير و معالجة المرضي باصل العدم و اصل عدم الضرر او عدم النفع او عدم الحرارة او عدم البرودة او استصحاب انه كان نافعا قبل فالآن نافع او كان امس ضارا فاليوم ضار فان كان لايمكن استخراج معرفة ضرر العقاقير بالادلة الاصولية فكيف يمكن استخراج منافع جميع الاقوال و الاحوال و الافعال و الحلال و الحرام و قد علمت ان الله سبحانه لم‌يأمر الا بالنافع و لم‌ينه الا عن الضار فيا ايها الناظرون انصفوني و رب البيت و احكموا بيني و بين القوم و قولوا هل معرفة العقاقير اسهل و يعرف كثيرا منها كل عجوز او معرفة الحلال و الحرام اللذين لايعرفهما الا النبي و لايعرفهما النبي الا بالوحي ما لكم كيف تحكمون و منها عدم قيام دليل يكون حجة شرعا علي الامة علي وجوب اتباع الظن المطلق و جوازه و ان هذه الادلة التي هي اوهن من بيت العنكبوت دليل صدر عن عقلهم بزعمهم و من جعل عقل واحد من الرعية حجة علي جميع الرعية و ليس بمعصوم بل من جعل عقل احد من الرعية حجة عليه في غير ما اجمعوا عليه و اين ثبت ذلك و اي كتاب دل علي ذلك و انما الذي يجب ان يثبت بالعقل وجود صانع و وجوب بعث نبي ثم يجب اتباع ذلك النبي في اصول الدين و فروعه سواء وافقه عقولنا او لم‌توافقه و اين ثبت حجية عقولنا و قام الكتاب و السنة علي خلافها و ينكرها عقول اخر موافقة للكتاب و السنة و منها انه هب استدللتم علي وجوب اتباع الظن المطلق اليس يحصل لكم ظن بمعني سبعين آية في كتاب الله ناصة علي حرمة العمل بالظن و اخبار متواترة محكمة في حرمة العمل بالظن و اجماعات منقولة و شواهد بينة فهلاقلتم انا استدللنا جملة علي وجوب العمل بالظن و هذه الآيات افادت الظن بان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 370 *»

العمل بالظن في جزئيات دين الله محرم فيجب تركه و ان لم‌تقولوا ذلك فيلزمكم الدور الظاهر فالعمل بالظن واجب و المظنون من الكتاب و السنة حرمته و الظن الحاصل من الكتاب و السنة اقوي و اقرب الي الحق و اسلم و اقرب الي العلم و التسليم البتة و منها ان الآيات و الاخبار ناصة علي حرمة العمل بالظن مطلقا كما انصف جمع منكم بل جعلها من البديهيات الاولية بل عليه اجماعكم فانكم ايضا توجبون التمسك بدليل عقلي قطعي في اثباته و لاتكتفون بدليل ظني في اثبات حجية الظن علي زعمكم فاذا دل الكتاب و السنة عموما علي حرمة العمل بالظن فتخصيصهما بدليل العقل الغير البديهي و غير المجمع عليه لا مستند له و لو جاز ذلك لجاز نسخ الكتاب و السنة بالعقل و اسقاط بعض الاحكام عن بعض الناس بالعقل و الزيادة و النقصان في الشرايع بالعقل ثم تقولون ان دليل عقلنا يشهد بان مراد الله كان ذلك و لم‌نغير دين الله فلو كان مراد الله ذلك فلم كلم علي غير مراده و دلس نعوذ بالله علي الخلق و هو العدل الشارع الذي لايستحيي من الحق و انتم تقرون ان مدلول هذه الالفاظ غير ما تقولون فمنطوق الله سبحانه غير مقصود و مقصوده غير منطوق فلم‌يقم له حجة علي الخلق و لم‌يكمل دينه و لم‌يتم نعمته الي ان جئتم و فسرتم كتابه و قيدتم و خصصتم و بينتم نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين و منها انكم قلتم بلزوم عصمة الامام لاجل انه لولا العصمة لم‌يحصل العلم للمكلف بمراد الله سبحانه و لم‌يقم لله الحجة علي عباده و لو جاز علي الامام الخطاء و وقع منه الخطاء و امر الله باتباعه للزم امر الله سبحانه بمتابعة الخطاء و الغلط و هو قبيح فما بالكم جوزتم هنا اجتهاد المجتهد مع انه يخطي و اوجبتم طاعته من غير عصمة فيكون امر المجتهد اعظم من امر النبي و الامام فانه مع خطائه واجب الاطاعة و المعصوم لم‌يكن كذلك و ان قلت انتم ايضا توجبون طاعة فقهائكم و يخطون في الرواية و فهمها و بيانها فاقول اولا انا لانوجب طاعة احد بعد المعصوم و لانقلد احدا غيره و انما الفقهاء رواة و علينا ان نفحص عن فتوي المعصوم حتي نعلم انه فتواه فنعمل به

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 371 *»

و لانوجب طاعة غير المعصوم و لا تقليد سواه لقول الصادق عليه السلام اياك ان تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال و لقول علي عليه السلام يا معشر شيعتنا المنتحلين مودتنا اياكم و اصحاب الرأي فانهم اعداء السنن تفلتت منهم الاحاديث ان يحفظوها و اعيتهم السنة ان يعوها فاتخذوا عباد الله خولا و ما له دولا فذلت لهم الرقاب و اطاعهم الخلق اشباه الكلاب و نازعوا الحق اهله و تمثلوا بالائمة الصادقين عليهم السلام و هم من الكفار الملاعين فسئلوا عما لايعلمون فانفوا ان يعترفوا بانهم لايعلمون فعارضوا الدين بآرائهم فضلوا و اضلوا و لقول ابي‌جعفر عليه السلام من دان الله بغير سماع عن صادق الزمه الله التيه الي يوم القيمة و لقول ابي‌عبدالله عليه السلام من دان الله بغير سماع عن صادق الزمه و من ادعي سماعا من غير الباب الذي فتحه الله فهو مشرك و ذلك الباب المأمون علي سر الله المكنون و لقول علي عليه السلام انما الطاعة لله و لرسوله و لولاة الامر و انما امر الله بطاعة الرسول لانه معصوم مطهر لايأمر بمعصية و انما امر بطاعة اولي الامر لانهم معصومون مطهرون لايأمرون بمعصية انتهي ، فنحن لانطيع آراء الفقهاء و عقولهم و انما نطيع الامام المعصوم و هم رواة حكم المعصوم و اما المجتهد فهو الذي يجتهد برأيه و ظنه فيما لم‌يصح عن المعصومين و اما ما صح فلايحتاج الي اجتهاد و ان كان يروي ايضا بعض الروايات و خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و ظنونه تخطي و تصيب و انكم فرضتم طاعته مع علمكم بانه يخطي و العجب انكم تدعون انه يخطي ثم تقولون ان هذا الخطاء يقينا دين الله الذي من خالفه فسق و ان استحل مخالفته كفر ان هذا الا زور من القول و شطط من الحكم فلو كان مدع للنبوة خاطئا عزل عن النبوة و لم‌يجز طاعته و خاطئكم يجب طاعته و يكفر مستحل مخالفته و ثانيا انا قائلون بالتسديد و نقول بان المجاهد في سبيل الله مخلصا طالبا لدينه مستنبطا تكليفه من الكتاب و السنة مهدي الي سبل دين الله سبحانه يوصله الله الي تكليفه و الآخذ عنه مأمور من عند الله بالسير في قريته ليالي و اياما آمنين فنحن آمنون و الحمد لله مما يخاف

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 372 *»

منه عليكم و اما غيرنا فيتخطف من حولنا و لا امان له فانه في غير حرم الامن لما سمعت و تسمع و منها ان الله سبحانه خلق خلقا و علم انهم يختلفون و يتنازعون فبعث الانبياء ليحكموا بينهم فيما اختلفوا فيه و فرض علي المختلفين الرجوع اليهم و قال و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و قال فان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول الآية ، فكيف يمكن ان يجعل ظنون قوم مختلفين غير مبتنية علي ما نزل من عنده خليفة في عباده لترفع الاختلاف و هم بانفسهم من اهل التنازع و الخلاف و التشاجر و يحتاجون الي حاكم آخر فلو كانوا بانفسهم مختلفين و وجب علي الناس طاعتهم للزم التناقض فانهم مختلفون و واحدهم مصيب و واحدهم مخطي فقلتم ان الله خير العباد في طاعة المصيب و المخطي و فرض عليه طاعتهما علي وجه التخيير ثم اذا وجب طاعة المختلفين لادي ذلك الي شق العصا و التفرق و الاختلاف و ربما ادي الي البراءة و القتل و التكفير و اللعن و جمع الاحزاب كما وقع و يقع و بلغ الامر الي ما لايصلحه الا ظهور الامام و سل سيفه و لو جاز ذلك لكان بعث الرسل و انزال الكتب لغوا نعوذ بالله و منها انه لا شك ان ما سوي المعصومين ليس بمعصوم من الرعية و التابع و المتبوع كلهم مشتركون في عدم العصمة و لم‌ينزل علي احد منهم وحي و لم‌ير الله منهم احد و لم‌يتصل بملكوت الله احد منهم و انما قام بعضهم فقرأ نحوا و صرفا ثم قرأ اصولا موضوعة ان الاصل عدم فلان و ان الاصل عدم فلان ثم بني يقول بظنه و يضع دينا و مسائل و احكاما اخبروني ما الذي فرض طاعته علي ما سواه و هم ايضا مشتركون معه و يقدرون علي الظن بل لهم ظنون و منهم طلاب علماء حكماء و ان لم‌يبلغوا درجة الاجتهاد علي زعمهم اخبروني ما الذي فرض طاعتكم هل لكم آية من كتاب الله او شاهد من ساداتكم او حديث من سنتكم فاتوني به ان كنتم صادقين و قد تواتر الاخبار في عدم جواز تقليد غير المعصوم في غير ما يرويه عن سمع و نطق بل تدعون انكم اعظم من النبي في كل باب فان النبي قبل نزول الوحي ليس بنبي و انتم تنبيتم من غير وحي و النبي لايجب طاعته قبل بعثه و انتم

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 373 *»

وجب طاعتكم قبل بعثكم و النبي لايعرف حكما من غير وحي و انكم تعرفون بغير وحي و النبي لايجوز له العمل برأيه و انتم يجوز لكم و النبي خطاؤه غير مغفور و لايجب طاعته و انتم خطاؤكم مغفور و يجب طاعتكم و النبي لو تقول علي الله بعض الاقاويل لاخذ باليمين و انتم اقررتم بالخطاء و ادعيتم ان لكم في الخطاء لاجرا واحدا و المتنبي ما لم‌يكن معصوما لايسمع ادعاؤه و انتم متنبون من غير عصمة و تقولون يجب منا السمع و الطاعة و النبي بغير معجز لايجب طاعته و انتم وجب طاعتكم بغير معجز و النبي لايعرف حكم كل شئ ما لم‌ينزل عليه وحي و انتم تقولون ان المجتهد المطلق من يعرف حكم كل شئ و الله يقول و لقد اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و انتم تدعون انكم تعرفون الايمان من غير وحي روح و ان نبيا ماكان ينبئ الا بعد ان يسدد بروح القدس و انتم تنبيتم من غير ان تسددوا به فاعتبروا يا اولي الابصار فما نبأكم و فرض طاعتكم علي العباد و من انتم حتي تتخذوا عباد الله خولا و ما له دولا يوقر بعضكم بعضا و يعظم بعضكم بعضا و ان الشرف و كل الشرف لآل‌محمد عليهم السلام و لمن يروي عنهم من حيث الرواية و الاستناد اليهم و منها من علم علم السياسة و تنبه سر اجمال القرآن و كونه معمي و اجمال اخبار رسول الله صلي الله عليه و آله و اخبار الائمة و كونها منجمة متفرقة بايدي الناس و عدم تصنيفهم كتابا جامعا يستغني به الناس عن هذه المنازعات عرف ان المراد ان يضطر هذا الخلق المنكوس الي طاعة الائمة عليهم السلام و ينتهوا الي بابهم ابدا و يحتاجوا اليهم في كل صغير و كبير و يكونوا معهم مقتفين اثرهم في كل حال و يصدروا عن امرهم و نهيهم و يكونوا عندهم كالميت بين يدي الغسال و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال حتي يحوزوا بذلك فيض الدنيا و الآخرة و فيض الاجتماع كالاعضاء حول قلبها و ينتفعوا بتمدنهم و يصدروا عن امر واحد و نهي واحد و لايختلفوا و لايقع فيهم الشقاق و اتباع الآراء المتشتتة و يجتمعوا علي نظام واحد فهذا سر الامر بطاعة المعصوم و النهي عن اتباع الاهواء و الآراء و الظنون و الاجتهادات في الاخبار المتواترة اشد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 374 *»

نهي اشد من كل شئ فان حرمة هذا و وجوب ذلك من الامور الكلية التي عليها مناط التمدن و حيازة سر الخلقة و ليس ذلك كشرب الخمر الذي ضرره علي شاربه و لحم الخنزير الذي ضرره علي آكله و انما باتباع الظنون و الآراء التفرق عن حول السلطان الحق و شق العصا و استبداد كل احد بما يفهم و تفرق المدينة و خراب العالم و عدم بلوغ الكتاب اجله فلاجل ذلك حرم الله ذلك في سبعين آية من كتابه و حرمه الحجج في اخبار متعددة متواترة و اصروا فيه اكثر من اصرارهم في تحريم الخمر و الميتة و الدم و لحم الخنزير اذ ذلك في الحقيقة ادعاء الرياسة و النبوة و الولاية بل اعظم و اعظم من جهة فحرمة ذلك تتلو حرمة ادعاء الامامة المطلقة نعوذ بالله و من تتبع الاخبار التي ذكرناها هنا و الآيات المذكورة هنا و تتبع فصل‌الخطاب و ساير كتب الاصحاب وجد ذلك بلا غبار نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين و قد اغتر من قال بذلك باقوال العامة المدعين للامامة بعد النبي صلي الله عليه و آله غفلة و لم‌يتنبه و منها انكم منعتم من صلوة الجمعة لان الاجتماع مظنة الفساد فلم لاتنهون عن الاجتهاد لانه يفضي الي الفتن و الحروب كما وقع في السلف و الخلف فانه اذا جاز الظن و الافهام مختلفة جاز الاختلاف فاذا جاز الاختلاف جاء التنازع و اذا جاء التنازع جاء التدافع و اذا جاء التدافع جاء الشقاق و الفتن و الحروب و البغي ما وقع و هل هذا الا من جهة الاجتهادات الظنية و الآراء المردية كما قال الاول ان سيدنا معوية كان مجتهدا في قتال علي فان اصاب فله اجران و ان اخطأ فله اجر واحد و منها ان الله سبحانه هو الذي خلقنا لا من شئ لاجل التقرب اليه و المعرفة و العبادة و متابعة رضاه فامرنا بما يقربنا اليه و بما يرضي فهو المكلف بكسر اللام و نحن المكلفون بالفتح و هو الرب و نحن العبيد و هو المطاع و نحن المطيعون و هو الآمر الناهي و نحن المأمورون المنهيون و تكليفنا طاعته و اتباع اوامره و قد انزلها في كتابه و اوحي به علي نبيه صلي الله عليه و آله و لم‌يوح الي غيره شيئا و قال اطيعوا الله لانه الخالق الموجد لا من شئ و اطيعوا الرسول لانه معصوم مطهر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 375 *»

مخبر عنه مترجم ارادته و اولي الامر منكم لانهم معصومون مطهرون ثم قال و لاتطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان امره فرطا فنهانا عن طاعة من لايعلم علم القرآن و هو الذكر و يتبع ادلته العقلية و ما يستحسنه عقله و كان امره فرطا يتقدم علي آل‌محمد و يسبق عليهم بالقول و قال و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان‌يتبعون الا الظن فنهانا عن متابعة اكثر اهل الارض لاجل اتباعهم الظن فلايجوز طاعة ظنونكم و آرائكم مع انكم انتم لستم بخالقين للناس و ليس ناصية العباد بيدكم و ليس لكم طاعة مفترضة علي العباد و لستم بمعصومين مطهرين مترجمين عن الله من غير طريق الوحي و ظنونكم لاتغني من الحق شيئا بنصوص الكتاب و السنة فلا عبرة بظنونكم و لاتكشف ظنونكم في الارض عن رضاء الله فوق عرشه من غير نبوة و وحي فافهم .

فصل ما احسن ما روي عن ابي‌محمد الفضل بن شاذان النيسابوري الذي كان من قدماء اصحابنا الفقهاء و كان ممن روي عن ابي‌جعفر عليه السلام و قيل عن الرضا عليه السلام ايضا و كان ثقة جليلا فقيها متكلما له شأن في هذه الطائفة و قيل انه صنف مائة و ثمانين كتابا و ترحم عليه ابومحمد عليه السلام مرتين و روي ثلثا ولاء و عن الكشي بسنده عن بورق من اهل البوزجان من نيسابور انه قال ان ابامحمد الفضل بن شاذان وجهه الي العراق فذكر انه دخل علي ابي‌محمد عليه السلام فلما ان اراد ان يخرج سقط عنه كتاب و كان من تصنيف الفضل فتناوله ابومحمد و نظر فيه فترحم عليه و روي انه عليه السلام قال ابي اغتبط اهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان فيهم قال الفضل في كتاب له المسمي بالايضاح في القوم المتسمين بالجماعة المنسوبين الي السنة انا وجدناهم يقولون ان الله تبارك و تعالي لم‌يبعث نبيه الي خلقه بجميع ما يحتاجون اليه من امر دينهم و حلالهم و حرامهم و دمائهم و مواريثهم و فروجهم و ساير احكامهم و ان رسول الله صلي الله عليه و آله لم‌يكن يعرف ذلك او عرفه و لم‌يبينه لهم و ان اصحابه من بعده و غيرهم من التابعين

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 376 *»

استنبطوا ذلك برأيهم و اقاموا احكاما سموها سنة اجروا الناس عليها و منعوهم ان يجاوزوها الي غيرها و هم فيها مختلفون يحل فيها بعضهم ما يحرمه بعض و يحرم بعضهم ما يحله بعض و قال في حق الشيعة انهم يقولون ان الله جل ثناؤه تعبد خلقه بالعمل بطاعته و اجتناب معصيته علي لسان نبيه صلي الله عليه و آله و سلم فبين لهم جميع ما يحتاجون اليه من امر دينهم صغيرا و كبيرا فبلغهم اياه خاصا و عاما و لم‌يكلهم فيه الي رأيهم و لم‌يتركهم في عمي و لا شبهة علم ذلك من علمه و جهل من جهله فاما ما ابلغهم عاما فهو ما الامة عليه من الوضوء و الصلوة و الخمس و الزكوة و الصيام و الحج و الغسل من الجنابة و اجتناب ما نهي الله عنه في كتابه من ترك الزنا و السرقة و الاعتداء و الظلم و الربا و اكل مال اليتيم و ما اشبه ذلك مما يطول تفسيره و هو معروف عند الخاصة و العامة و اما ما ابلغه خاصا فهو ما كلنا اليه من قول اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و قوله تعالي فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون فهذا خاص لايجوز ان يكون من جعل الله له الطاعة علي الناس ان يدخل في مثل ما هم فيه من المعاصي و ذلك لقول الله جل ثناؤه و اذ ابتلي ابرهيم ربه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين ان الظالمين ليسوا بائمة يعهد اليهم في العدل علي الناس و قد ابي الله ان يجعلهم ائمة علينا و ان قوله تبارك و تعالي ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها و اذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل عهد عهده اليهم لم‌يعهد هذا العهد الا الي ائمة يحسنون يحكمون بالعدل و لايجوز ان يأمر ان يحكم بالعدل من لايعرف العدل و لايحسنه و انما امر ان يحكم بالعدل من يحسن ان يحكم بالعدل ثم قال بعد كلام طويل ثم رجعنا الي مخاطبة الصنف الاول فقلنا لهم ما دعاكم الي ان قلتم ان الله لم‌يبعث الي خلقه بجميع ما يحتاجون اليه من الحلال و الحرام و الفرايض و الاحكام و ان رسول الله صلي الله عليه و آله لم‌يعلم ذلك او علمه و لم‌يبينه للناس و ما الذي اضطركم الي ذلك قالوا لم‌نجد الفقهاء يروون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 377 *»

جميع ما يحتاج الناس اليه من امر الدين و الحلال و الحرام عن النبي صلي الله عليه و آله و ان جميع ما اتانا عنه اربعة‌آلاف حديث في التفسير و الحلال و الحرام و الفرض من الصلوة و غيرها فلا بد من النظر فيما لم‌يأتنا من الرواية عنه و استعمال الرأي فيه و تجويز ذلك لنا قول رسول الله صلي الله عليه و آله لمعاذ بن جبل حين وجهه الي اليمن بم تقضي قال بالكتاب قال فما لم‌يكن في الكتاب قال فبالسنة قال فما لم‌يكن في السنة قال اجتهد رأيي قال الحمد لله الذي وفق رسول الله برسوله فعلمنا انه قد اوجب ان من الحكم ما لم‌يأت به في كتاب و لا سنة و انه لا بد من استعمال الرأي و قوله صلي الله عليه و آله و سلم ان مثل اصحابي فيكم مثل النجوم بايها اقتديتم اهتديتم و اختلاف اصحابي لكم رحمة فعلمنا انه لم‌يكلنا الي رأيهم فيما لم‌يأتنا به و لم‌ينبه لنا و تقدم في ذلك الصحابة الاولون فيما قالوا فيه برأيهم من الاحكام و المواريث و الحلال و الحرام فعلمنا انهم لم‌يفعلوا الا ما هو لهم جائز و انهم لم‌يخرجوا من الحق و لم‌يكونوا ليجتمعوا علي اباطيل فلا لنا ان نضللهم فيما فعلوا فاقتدينا بهم فانهم الجماعة و الكثرة و يد الله علي الجماعة و لم‌يكن الله ليجمع الامة علي ضلال قيل لهم ان اكذب الروايات و ابطلها ما نسب الله تعالي فيه الي الجور و نسب نبيه صلي الله عليه و آله الي الجهل و في قولكم ان الله لم‌يبعث الي خلقه بجميع ما يحتاجون اليه تجويز له في حكمه و تكذيب بكتابه لقوله اليوم اكملت لكم دينكم و لايخلو الاحكام يكون من الدين او ليست من الدين فان كانت فقد اكملها و بينها لنبيه صلي الله عليه و آله و ان كانت عندكم ليست من الدين فلا حاجة بالناس اليها و لايجب في قولكم عليهم بما ليس في الدين و هذه شنعة لو دخلت علي اليهود و النصاري في دينهم لتركوا ما يدخل عليهم به هذه الشنعة و هي متصلة بمثله من تجهيلكم النبي صلي الله عليه و آله و ادعائكم استنباط ما لم‌يكن يعرفه من فروع الدين و حق الشيعة الهرب مما اقررتم به من هاتين الشنعتين اللتين فيهما الكفر بالله و برسوله قال و فيما ادعيتم من قول النبي صلي الله عليه و آله لمعاذ بن جبل تكذيب بما انزل الله و طعن علي رسوله صلي الله عليه و آله و سلم فاما ما كذبتم به من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 378 *»

كتاب الله فما قد بيناه في صدر كتابنا من حيث قوله و ان احكم بينهم بما انزل الله و لاتتبع اهواءهم و احذرهم ان يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك و قوله انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله و قوله و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و قوله و لايشرك في حكمه احدا و قوله الا له الحكم و هو اسرع الحاسبين و قوله له الحكم و اليه ترجعون و قوله فاصبر لحكم ربك و ما اشبهه مما في الكتاب يدل علي ان الحكم له وحده فزعمتم انه ليس في الكتاب و لا فيما انزل الله علي نبيه صلي الله عليه و آله ما يحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه و ان معاذا يهتدي الي ما يوحي الله الي نبيه صلي الله عليه و آله و انه يهتدي بغير ما اهتدي به النبي صلي الله عليه و آله و اوجبتم لمعاذ ان رأيه في الهدي كالذي اوحي الله الي نبيه صلي الله عليه و آله فرفعتم مرتبته فوق مرتبة النبوة اذ كانت النبوة بوحي ينتظر و معاذ لايحتاج الي وحي بل يأتي برأيه من قبل نفسه فمثلكم كما قال الله تعالي و من اظلم ممن افتري علي الله كذبا و قال اوحي الي و لم‌يوح اليه شئ و من قال سانزل مثل ما انزل الله فصار معاذ عندكم يهتدي برأيه و لايحتاج الي وحي و لو جهد الملحدون علي ابطال نبوته صلي الله عليه و آله ماتجاوزوا ما وصفتموه به من الجهل ثم اخبرنا الله تعالي ان اصل الاختلاف في الامم كان بعد انبيائهم عليهم السلام فقال كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و انزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و مااختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم فحمدتم اهل البغي و قلتم اختلافهم رحمة و اقتديهم ( و اقتديتم ظ ) بالخلاف و اهل الخلاف و صرفت قلوبكم عمن هداه الله لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و تحقق لنا عليكم قول الله و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك و لذلك خلقهم فاتبعتم اهل الاختلاف و اتبعنا من استثناه الله بالرحمة فلما اضاق عليكم باطلكم ان يقوم لكم بالحجة احلتم علي الله بالتجويز ( بالتجوير ظ ) في الحكم من تكليفه كما زعمتم اياكم

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 379 *»

ما لم‌ينبه لكم و علي نبينا صلي الله عليه و آله بالتجهيل في قولكم و انه لم‌يبين لكم الطاعة من المعصية و علي اهل الحق و المصدقين بالله و رسوله بالعداوة و البغضاء و علي الحق من احكام الكتاب بالعيب و الالحاد و في كل باب من كتابنا عليكم شنعة لا مخرج منها فتفهموها من ذلكم انكم نحلتم رسول الله صلي الله عليه و آله الرضا بان يحكم معاذ بغير ما انزل الله و ان معاذا اذا حكم حكما باليمن برأيه كان حقا و كان علي النبي صلي الله عليه و آله في قولكم ان يتبع حكم معاذ لانه لايجوز للنبي صلي الله عليه و آله ان يحكم بخلاف الحق فصيرتم معاذا اماما لايسعكم في قولكم الاقتداء به و الله يقول و من احسن من الله حكما لقوم يوقنون فصيرتم حكم معاذ حكما لايحتاج معه الي حكم الله تعالي و لا الي ما انزل فكنتم في ذلك كما قال الله ذلك بانه اذا دعي الله وحده كفرتم و ان يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير فابيتم علي الله ان تجعلوا الحكم له كما قال و جعلتموه لمعاذ و لكل الصحابة و التابعين و ان حرم بعضهم ما احله بعض ثم لمن بعد التابعين الي يوم القيمة رضا منكم ان يكون الحكم لغير الله و كفي بقول الله و من لم‌يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون و من لم‌يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون و من لم‌يحكم بما انزل الله فاولئك هم الفاسقون فلارضيتم بكتاب الله او سخطتموه فقد لزم الكفر و الظلم و الفسق لمن لم‌يحكم بما انزل الله و لقد زعمتم ان معاذا و الصحابة و التابعين حكموا الي ما انتم عليه من نقيصة النبي صلي الله عليه و آله مع وقيعتكم في الصحابة و ما يبطل ما نحلتموه النبي صلي الله عليه و آله من الرضا بالحكم بغير ما انزل الله قوله انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الاثم و البغي بغير الحق و ان تشركوا بالله ما لم‌ينزل به سلطانا و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون و قال جل ثناؤه و لاتقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا علي الله الكذب ان الذين يفترون علي الله الكذب لايفلحون و قال قل ارأيتم ما انزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما و حلالا قل ءالله اذن لكم ام علي الله تفترون فزعمتم ان النبي صلي الله عليه و آله جوز لمعاذ الحكم فيما حظره الله علي خلقه و

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 380 *»

لم‌يجعل الحكم فيه الا ما اراه نبيه و انزله عليه و قبل ذلك ما حظره علي نبيه و سليمان ان يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم و كنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان و كلا آتينا حكما و علما و قال يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق و لاتتبع الهوي فيضلك عن سبيل الله ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب فحظر عليه القول الا بالحق فقال فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادني و يقولون سيغفر لنا و ان يأتهم عرض مثله يأخذوه الم‌يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لايقولوا علي الله الا الحق و درسوا ما فيه و الدار الآخرة خير للذين يتقون افلاتعقلون و الذين يمسكون بالكتاب و اقاموا الصلوة انا لانضيع اجر المصلحين فانظروا كيف اخذ الله عليهم ميثاق الكتاب ان لايقولوا علي الله الا الحق و كيف زعمتم ان النبي جوز لمعاذ القول علي الله برأيه و لجميع الصحابة ثم انظروا من الذين يمسكون بالكتاب الذين يقولون ان الحكم فيه و به او الذين لايزعمون ان الحكم فيه و لا به و قال الله لنبيه صلي الله عليه و آله قل ان‌اتبع الا ما يوحي الي و قال ان ضللت فانما اضل علي نفسي و ان اهتديت فبما يوحي الي ربي انه سميع قريب فزعمتم ان الصحابة و من بعدهم استغنوا برأيهم و هديهم بغير ما هدي الله به نبيه و ان المؤمنين قد هدوا ما لم‌يهد الله له النبي و الله يقول فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم فزعمتم ان النبي لم‌يهتد لما اختلف فيه من الحق و قد هدي الله له المؤمنين فقد صيرتموهم في حد الربوبية و ذلك ان الله تعبد خلقه بان امرهم و نهاهم و احل لهم و حرم عليهم و اجري عليهم الاحكام بذلك فوعد الثواب من اطاعه و اوعد العقاب من عصاه و كذلك جعلتم لهم الاحكام علي الناس فمن عصاهم عاقبتموه و اوجبتم عليه معصية الله و عقوبة الدنيا و الآخرة و من اطاعهم نسبتموه الي السنة و الجماعة و صار عندكم من اهل الثواب في الدنيا و الآخرة فهل زاد الله فيما تعبدهم به و امرهم و نهاهم علي ما صنعتم بهم و لقد نسبتموهم الي انهم يعرفون الطاعة و

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 381 *»

المعصية و الحكم فيهما برأيهم و دفعتم النبي صلي الله عليه و آله من ذلك و الوحي يأتيه فلئن كانوا كما زعمتم و ان ذلك ليس فيما انزل الله من كتاب و لا سنة من رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم فقد حكمتم بالاستغناء عن بعثة النبي صلي الله عليه و آله و عن تنزيل الكتاب اذ كانوا يعرفون زعمتم الحكم بما ليس فيهما و ان ذلك معني قولكم ان الله بعث النبي صلي الله عليه و آله و لا حاجة بهم اليه و انزل الكتاب و هم مستغنون عنه و ذلك ان الكتاب و السنة دليلان علي ما يحتاج اليه الناس من امر دينهم فاذا كان هؤلاء يحسنون ما ليس في الكتاب و لا في السنة مما بالناس اليه الحاجة فما حاجتهم الي الكتاب و السنة فلو كانت الاحكام من الدين فقد اكملها الله في قوله اليوم اكملت لكم و لئن لم‌يكن من الدين فما بالعباد اليها حاجة و لقد الزمتكم ان كانت عندكم من الدين ان تقولوا ان الله تعبد خلقه من الدين بما ليس في الكتاب و لا السنة و كفي بها شنعة و لقد اوجبتم في قولكم علي الله انه كان يأمر بالصغير من الامر و يتوكد فيه و يقول بالقول فيه تأكيدا و تشديدا و يهمل الكبير العظيم الخطير في الدين و ذلك انه يقول جل ثناؤه يا ايها الذين آمنوا اذا تداينتم بدين الي اجل مسمي فاكتبوه و ليكتب بينكم كاتب بالعدل و لايأب كاتب ان يكتب كما علمه الله فليكتب و ليملل الذي عليه الحق و ليتق الله ربه و لايبخس منه شيئا فان كان الذي عليه الحق سفيها او ضعيفا او لايستطيع ان يمل هو فليملل وليه بالعدل و استشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم‌يكونا رجلين فرجل و امرأتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احديهما فتذكر احديهما الاخري و لايأب الشهداء اذا ما دعوا و لاتسأموا ان تكتبوه صغيرا او كبيرا الي اجله ذلكم اقسط عند الله و اقوم للشهادة و ادني الاترتابوا الا ان تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ان لاتكتبوها و اشهدوا اذا تبايعتم و لايضار كاتب و لا شهيد و ان تفعلوا فانه فسوق بكم و اتقوا الله و يعلمكم الله و الله بكل شئ عليم و ان كنتم علي سفر و لم‌تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان امن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن امانته و ليتق الله ربه و لاتكتموا الشهادة و من يكتمها فانه

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 382 *»

آثم قلبه و الله بما تعملون عليم ، افيأمر جل ثناؤه الكتابة للمال صغير او كبير الي اجله و يكل الحكم في رقبة المال الي غيره و يأمر بقبض الرهان ( الي كذا ) آراء الرجال و يقول تبارك و تعالي قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك ازكي لهم و الله خبير بما يصنعون ، فيأمر بغض الابصار و يكل الحكم في الفروج الي آراء الرجال و يقول قل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن و يحفظن فروجهن و لايبدين زينتهن الا ما ظهر منها و ليضربن بخمرهن علي جيوبهن و لايبدين زينتهن الا لبعولتهن او آبائهن او آباء بعولتهن او ابنائهن او ابناء بعولتهن او بني اخوانهن او بني اخواتهن او نسائهن او ما ملكت ايمانهن او التابعين غير اولي الاربة من الرجال او الطفل الذين لم‌يظهروا علي عورات النساء و لايضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن و توبوا الي الله جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون و قال يا ايها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ايمانكم و الذين لم‌يبلغوا الحلم منكم ثلث مرات من قبل صلوة الفجر و حين تضعون ثيابكم من الظهيرة و من بعد صلوة العشاء ثلث عورات لكم ليس عليكم و لا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم علي بعض كذلك يبين الله لكم الآيات و الله عليم حكيم ، فبين لهم هذا الصغير ليفعلوه و يغار عليهم جل ثناؤه و ان يضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن فيعرف عليهم خلاخل او جلاجل و ان يري نحورهن و شعورهن و محاسنهن و يكل الحكم في فروجهن الي المأمورين بغض الابصار و المنهيين عن النظر ذلك الي ما نهي عنه والله لو اردتم ان تعيبوا رجلا فتبلغوا الغاية في تجهيله و قلة معرفته فيما يأتي و يذر فقلتم انه يأمر بالصغير و يهمل الكبير و يتولي الامر في صغار الامور و يكل كبيرها الي عبده لكنتم قد بلغتم الغاية في تجهيله و لقد نحلتم الله جل ثناؤه ذلك لتنفوا هذه الخصلة عن انفسكم و تأنفوا منها و قد نحلتموها ربكم ثم كذلك ما امر به جل ثناؤه من المواريث في كتابه و اموال اليتامي و الفروج و رق الرقاب و الاماء و الطلاق و كل الحكم فانظروا الي طعنكم علي الله و علي رسوله و الي انتسابكم الي الجماعة و السنة والله ما قال المشركون

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 383 *»

ليس في السماء الله و لقد اقروا بالربوبية الا انهم قالوا لآلهتهم مانعبدهم الا ليقربونا الي الله زلفي و كذلك قلتم مااطعنا هؤلاء الا ليقربنا طاعتهم الي الله فيما امرونا به و نهونا عنه فيما لاامر الله به و لانهي عنه هو و لا رسوله فزعمتم ان طاعتكم يقربكم الي الله زلفي و انتم تقرؤن كتاب الله و هو يقول فاصبر لحكم ربك و لاتكن كصاحب الحوت و اصبر لحكم ربك فانك باعيننا فوالله ماصبرتم لحكم الله و لقد صبرتم الحكم لغيره و الله يقول و من احسن من الله حكما لقوم يوقنون و الله يقول و يقولون ( آمنا ظ ) بالله و بالرسول و اطعنا ثم يتولي فريق منهم بعد ذلك و ما اولئك بالمؤمنين انما كان قول المؤمنين اذا دعوا الي الله و رسوله ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا و اطعنا و اولئك هم المفلحون و من يطع الله و رسوله و يخشي الله و يتقه فاولئك هم الفائزون فكيف يدعا الناس الي الله الا ان يدعوا الي كتابه و كيف يدعون الا ان يدعوا الي سنته فاذا زعمتم ان من الحكم ما ليس في الكتاب و لا السنة اليس قد ابطلتم دعا الناس الي الله و الي رسوله و لو اقتصصنا كل ما فيه الاحتجاج عليكم من الكتاب لكتبنا اضعاف ما كتبنا و فيما اقتصصنا ما يكتفي به من يعقل انتهي كلامه رضي الله عنه و ينبغي ان يكتب بالنور علي وجنات الحور و لو انصفت لاكتفيت بواحد من هذه الادلة فضلا عن جميعها و فيما ذكرنا كفاية في رد القائلين بالظن المطلق في احكام الله و بالرأي و النظر في غير الكتاب و السنة فلنعطف الكلام علي القائلين بالظن الخاص .

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 384 *»

الباب الثاني في تحقيق الحق فيما يحصل من الكتاب و السنة و الرد علي القائلين بجواز العمل بالظن الخاص اي الحاصل من الكتاب و السنة و ما يتعلق بهما و فيه ايضا فصول :
فصل اعلم انك لو تدبرت في اوضاع العالم و احوال بني آدم و ما اخبر الله سبحانه عن ضمايرهم و بواطنهم حيث قال عز من قائل ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان‌يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و قال اكثرهم لايعقلون ، و ما روي ان الناس كلهم بهائم الا المؤمن و المؤمن قليل و المؤمن قليل و المؤمن قليل المؤمن اقل من الكبريت الاحمر و هل رأي احدكم الكبريت الاحمر و ما تشاهد من اهل عصرك من اناس اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم يخبرون بخبر يأتون به من جانب من الدار الي جانب آخر و اذا تبينته وجدت فيه تحريفات فضلا عن جانب من البلد الي جانب آخر فكيف يكون من عصر الي عصر و ما تشاهد من طلاب علوم مرتاضين بالعلم و نقله يجتمعون الي استاد لهم فيستمعون عنه و يخرجون باختلاف كثير و كل منهم يحكي عنه ما لم‌يقل فكيف يكون حال الحداد و البزاز و القماط و النساج و هم ليسوا بمرتاضين بنقل العلوم اذا حكوا حديثا في فقه او حكمة و ليسوا من اهلهما و ما ذكرناه في اول كتابنا من احوال العالم و اهله علمت ان الغالب علي اهل العالم التسامح و اتباع الظنون و عدم الاعتداد بتحصيل الشئ حقا و نقله حقا فان‌يتبع اكثرهم الا ظنا و اما الباقون فاكثرهم يقولون من غير روية و يعملون من غير رؤية فليس اسباب عدم الاعتداد باقوال الناس و افعالهم من امور خارقة للعادة او قليلة الوقوع نادرة بحيث لاينقض العلم العادي بل هي اكثر و اكثر و مواضع العلم في الدنيا اقل قليل و ذلك اذا لم‌تكن انت بنفسك من اهل التسامح في الامور و عدم الاعتداد و الا فلربما تسمي امورا كثيرة ظنية بل شكية بل وهمية علما تسامحا في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 385 *»

الامور كما هو عادة جميع اهل الزمان الا قليل منهم و اما اذا كان الرجل فطنا زكيا لايقلد احدا في امره و يريد ان يجري في جميع الامور علي البصيرة فلايكاد يعتد بخبر من اخبار العالم الا بعد التبين و التثبت كما روي ما معناه اذا غلب علي اهل الزمان الشر لاينبغي حسن الظن باحد حتي يتبين ذلك منه و روي الحزم مساءة الظن بل يكون الاصل الثانوي في الاخبار ان لايعتني بها و لعمري ملاحظة حال الزمان و اهله و التدبر في امرهم يؤدي الي ذلك كيف لا و في عصرنا رجال يسمون بالعلماء لهم كتب و تصانيف نري منهم عيانا ما لايمكن معه الاعتداد بخبرهم و نسمع منهم اخبارا نعلم خلافها فكيف يمكن لنا بعد هذه المشاهد ان نعتني بهذه الاخبار المرسومة في كتاب عن فلان البزاز عن فلان الحناط عن فلان الجمال عن فلان السراج و هكذا و لم‌نشاهده و لم‌نعاينهم و ما شاهدنا من امثالهم يزلزلنا فيهم زلزلة عظيمة فان راجعنا الرجال فذلك اسوء حالا و علم الرجال محل تهمة عظيمة اخري اذ الاضغان فيه دخيلة و المذاهب فيه معتبرة و نري رجالا مؤمنين ثقات عدولا اتقياء يرمونهم بعض العلماء بالفسق و الكفر و الشرك و امثال ذلك و رجالا فسقة فجرة نعرفهم علانية متجاهرين بالفسوق يعدلونهم و يزكونهم نعوذ بالله و نري منهم احكاما نستجير بالله منها و تعصبا و حمية فاذا ماتوا عدوا في عداد العلماء و صار الكلام فيهم قدحا في العلماء و كفرا عند جهلة الناس و عظموا و بجلوا بما لا مزيد عليه و ،
الناس من حسب التمثال اكفاء       ** * **      ابوهم آدم و الام حواء
و نري كتب اليهود و النصاري المحرفة و رواياتهم و اتفاقاتهم و اجماعاتهم علي ابطال الاسلام و الحق و فيهم علماء زهاد في طريقتهم و اتقياء و لهم اساس و فقه و روايات مثل هؤلاء مع انه لا اصل لها ابدا و قد تبين بظهور النبي صلي الله عليه و آله و كذلك يصير قال الله سبحانه اذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم ان الناس كانوا بآياتنا لايوقنون و ايم الله العظيم لولا اصل التسديد الذي نقول به لكان القول بحصول الظن بهذه الكتب و الاخبار تكلفا عظيما ان‌يفيد اكثرها الا الشك المحض المحض و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 386 *»

اظن ان القائلين بالظن يتكلفون في قولهم انها تفيد الظن او يسامحون و لو راجعوا قلوبهم و لم‌يتقوا و اخبروا عن حقيقة ما فيها لكشفوا عن شك محض لايخالطه ظن و الله اعلم بما في قلوبهم فان الفطن في هذه الفتن لايمكنه الظن و اليقين و هما قهريان يحصلان من اسباب طبيعية و الاسباب الطبيعية الغالبة في العالم تورث التزلزل المحض و الشك الصرف فالذين يقولون انا يحصل لنا العلم و لايقولون بالتسديد و لايعرفون هذا الاصل السديد فلانظنهم الا غافلين عن اوضاع العالم سالكين علي العمياء في طرق هذا ( هذه ظ ) الفيفاء المهول مسامحين فيما يسمعون و ما ينظرون فيه و الله اعلم بما في قلوبهم و نظنهم انهم لو اطلعوا علي اوضاع العالم ماازدادوا علي الشك شيئا و ان‌نراهم الا كرجال غافلين دخلوا مجلس شعبدة فيه جماعة فيرون الشعبدات و هم غافلون فيدعون العلم بالمشاهدة و العيان و يشهدون انهم رأوا ذلك باعينهم و اما من عرف المشعبدين و عرف شعبدتهم و علم ان افعالهم تمويه و رأي في البيت ما يشبه الشعبدة فلايمكنه اليقين بواقعية اعمالهم و لايمكنه التعويل علي علم اولئك الغافلين و ان كانوا ثقات عدولا تكلانا علي وثاقتهم و صدقهم في اخبارهم عن انفسهم فالذين يقولون بان اكثر اخبار العالم لاتفيد الا الشك لما اطلعوا علي اوضاعه لايمكنهم تصديق الاخباريين الذين يدعون العلم فان البصراء بالعالم متيقنون ان هذه الاوضاع لاتفيد علما و يظنون ان لم‌يتيقنوا ان الاخباري علي ما اخبر من نفسه و ذكر من ادلته انما هو من غفلته عن معارضات ادلته و مسامحته مشتبه عليه حيث يدعي العلم و ان كان لايكذب علي نفسه و في نفسه يقين ما لكنه اشتبه عليه و غفل عن اوضاع العالم و ان نفسه الا كنفسنا و ان طلبه الا كطلبنا و ان خلوص نيته الا كخلوص نيتنا و ان اسبابه و كتبه العلمية الا ككتبنا و الطبايع متشاكلة فلايمكنهم تصديق من ظنهم الغالب او يقينهم انه مشتبه عليه و انه غافل و نحن لانأخذ عن الفقهاء و الروات ان‌اخذناهم الا ما يروون و ما علمنا انهم صادقون فيه و ما هو حكم الله و حكم رسوله و آله عليهم السلام صادر عنهم مقرونا باصل التسديد فاذا حصل لنا ظن غالب او علم ان الراوي مشتبه عليه متوهم في ادعائه العلم كيف يمكننا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 387 *»

اخذ العلم و الحكم عنه مسلما في اصل الروايات و اما في مفاهيمها و مضامينها فالحق انها ليست بهذه المنزلة و فهمها اهون و القراين فيها اكثر كما يأتي و لكن فيها اسباب شكية اخر فان آيات الكتاب و الاخبار منها محكم و منها متشابه و منها ناسخ و منها منسوخ و منها خاص و منها عام و منها تقديم و منها تأخير و منها منقطع معطوف و منها حرف مكان حرف و منها محرف و منها علي خلاف ما صدر و منها ما لفظه عام و معناه خاص و منها بعكس ذلك و منها تأويله معه و منها قبله و منها بعده و منها رخصة اطلاق بعد الحظر و منها ظاهرها خلاف باطنها و منها مخاطبة لقوم و معناه لقوم آخرين تعريضا و منها ما لفظه مفرد و معناه جمع و منها استفهام في صورة الخبر و منها استفهام انكار و منها مداراة و منها تقية و هكذا من وجوه اختلاف الكلام و هذه الاسباب في الكتاب و السنة النبوية و اخبار الائمة عليهم السلام علي السواء يقينا و القول بانها لايحتمل في اخبار الآل خلاف المشاهدة بل هذه الامور مما تجري في كلام كل متكلم فمن اجل هذه الاحتمالات يزول الاعتماد علي ما يفهم من الاخبار انه المراد الواقعي و ان كان يفهم منها يقينا انه الظاهر من الخبر و لكن هذه الاحتمالات التي ذكرنا مما لا محيص عنها للاخباري و غيره فانها من لوازم كلام كل متكلم هذا و يحتمل بعيدا ايضا الاحتمالات اللفظية التي يذكرونها و احتمالها ايضا مؤيد لما ذكرنا فاذا زال الاعتماد علي صحة صدور الاخبار و ما يفهم منها كيف يمكن ادعاء العلم بها بل و لعمري لايبقي لذي شعور ظن في اكثرها فان بالاصول الموضوعة المدعاة لايحصل الظن بانها كذا الاتدري ان القول بان الاصل عدم النسخ لايورث الظن بعدم النسخ و القول بان الاصل ان المخاطب بالخطاب هو المخاطب الظاهر لايورث ظنا بانه كذا هذا و وهن هذه الاصول و هذه الادلة المسطورة و المجادلات الاصولية الخالية من الكتاب و السنة و الاجماع ايضا من الاسباب التي تزيل الاعتماد عليها رأسا بالجملة الحق الحقيق بالتحقيق ان هذه الاوضاع القائمة في هذا العالم في هذه الازمنة ليست باسباب محدثة لليقين اللهم الا ما سمعته باذنك او رأيته بعينك او كان امرا بديهيا او تواتر الخبر بحيث لايحتمل معه الكذب او حف بقراين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 388 *»

مفيدة للعلم صدورا و مفهوما و هو في الدين اقل قليل و اما ما سوي ذلك فلعمر الله لا فانه لايفيد الا ظنا في قليل من المواضع و البواقي شك و وهم و ان الاصولي المسكين متكلف في ادعائه الظن في كثير من المسائل فهو و الاخباري معا مفرطان في امرهما و ليس هذه البلية مخصوصة بيومك هذا بل كان الامر كذلك من عصر النبي صلي الله عليه و آله الي يومنا هذا بل و من عصر آدم الي يومنا هذا ،
و الناس من حسب التمثال اكفاء       ** * **      ابوهم آدم و الام حواء
بل من تدبر في اوضاع العالم علم ان الناس اليوم اكثر فهما و علما و تقوي و ورعا و صدقا من الصدر الاول و ان الناس اليوم قد ربوا بتربية مائة‌الف و اربعة و عشرين‌الف نبي و وصي حتي آل امرهم الي ما تري فالامر في زمن النبي و الائمة عليهم السلام كان اعظم و اعظم و الناس جديدوا العهد بالاسلام قليلوا الاعتناء بالدين كثيروا المسامحة و اقل تعظيما للانبياء و الاولياء كما هو ظاهر لمن تتبع فامرهم اسوء و اسوء الم‌تسمع النبي صلي الله عليه و آله قال الا و قد كثر علي الكذابة و روي ما معناه ما منا الا و له احد يكذب عليه و نحن لانعتمد علي اهل زماننا ممن يشار اليه و يعتني به في خبر بعد عشرة تامة و لانؤمن عليه ان يغير و يبدل و يحرف ما يحمله من جانب الدار الي جانب آخر منها فكيف نقدر ان نعتمد علي سواد علي بياض و ايم الله قسما بارا انه لو كان الامر منحصرا بحمل الناس الدين و اداء الناس الي اهل كل عصر و منحصرا علي هذه الرواة و هذه الحملة لم‌يبلغ الحمل منزله و لم‌يتجاوز مجلس المعصوم الا و قد فسد و تغير عما كان عليه و لعمري نحن في ايام تقليدنا ماكنا نعتمد علي اوثق رجل اذا نقل عن الفقيه مسألة و لاتسكن قلوبنا الي خبره لما نري فيه من هنات له في القول و الفعل كيف يمكن ان نسكن الي اخبار رجال لم‌نرهم و لم‌نشاهدهم و لم‌نعاشرهم و كيف يمكن التعديل و الجرح بكتب علم الرجال و هو اوهن اسباب الفقهاء هيهات نحن نعاشر الرجل ثلثين سنة و هو من اهل الصلاح لانجسر ان نصلي معه و لا ان‌نقبل شهادته و لا ان‌نستأمنه علي دينار من مال غايب او صغير و كل فقيه مايعرف من جميع معاشريه الا عادلين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 389 *»

او ثلثة كيف يمكن ان نعدل الرجال الغيب بعد الف سنة و قد كتبنا اربعة و عشرين وجها في كتابنا القواعد انه لايمكن الاعتداد بعلم الرجال و لايفيد الا شكا و شكا فلو كان امر دين الله معلقا علي رقبة الروات و الحملة و هم علي ما سمعت لم‌يكن الدين دينا و لكان هذا التعليق ادل دليل علي اخترام الامر و انقطاعه و بطلانه من اصله اذا كان بهذا الوهن و حاشا دين الله ان يكون كذا و لايقوم ابدا حجة لله بمثل هذا ، هذا و هذا الدين ينبغي ان يدوم مائة‌الف سنة الي يوم القيمة و كيف يدوم مثل هذا الدين الي الف سنة اخري الاتري ان الفقهاء في زمن المفيد و المرتضي و اضرابهم كانوا يقولون بحرمة العمل بالظن و وجوب التعبد بالعلم و حرمة العمل باخبار الآحاد و قال المرتضي ان اخبار الامامية متواترة ثم لما مر ازمنة و جاء طبقة اخري قالوا انقطع عنا الامارات و انطمس الاعلام و كثر الشكوك و الشبهات و لايحصل لنا العلم و لا بد لنا من العمل بالظن الخاص ثم لما مر ازمنة و جاء طبقة آخرون وسعوا الخرق و قالوا لايكفينا الظنون الخاصة و كثرت شكوكها و شبهاتها حتي ساوت الظنون الهوائية و ليست باولي من الظنون المطلقة فلا بد و ان نعمل بالظنون المطلقة ثم جاء طبقة آخرون و وسعوا الخرق و اتوا بالقياس و صار مناط عملهم كلما يخطر بالبال من رأي و ظن و هوي لكثرة الشكوك و الشبهات و الاحتمالات حتي صار الرجل لايقف علي خيال و لم‌يبق مسألة الا و قام فيه احتمالات و لااظنهم في جميع المسائل الا نادر منها الا شاكا مترددا في الريب و كأنه صار اسم هذه الاوضاع عندهم ظنا و الا فلااري حاصل كلماتهم و تقريراتهم الا شكا و ريبا و كذلك يذهب هذا الدين و لايمر عليه قرون الا و ينطمس آثاره بالكلية و يعفي رسومه بالمرة هذا مع ما نري من اهل زماننا سعيا علي هدم الدين و طمس آثار الشرع المبين و ترجيح كل مذهب علي مذهب المسلمين و شيوع سيرتهم و مآكلهم و مشاربهم و ملابسهم و قوانينهم و حدودهم و رسومهم في العالمين و استقباح الدين و اهل الدين و اتلافهم و تكالبهم عليهم اجمعين اللهم انا نشكو اليك فقد نبينا و غيبة ولينا و كثرة عدونا و شدة الفتن بنا و تظاهر الزمان

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 390 *»

علينا فصل علي محمد و آله و اعنا علي ذلك بفتح منك تعجله و نصر تعزه و سلطان حق تظهره فالله سبحانه اجل من ان يبعث رسولا و يجعله خاتم الانبياء و يجعل دينه خاتم الاديان و شرعه خاتم الشرايع و كتابه خاتم الكتب و يحمل دينه علي كواهل رجال لايليقون بحمل آثار دهقان الي اكرته من نجار و بزاز و جمال و فطحي و واقفي و زيدي بتري و سني و جبري و مجهول و غير ذلك و لا اقل من ان لانعرفهم هل يليقون ام لا و نعلم ان امثالهم لايليقون اللهم اني لاانكر ان في الشيعة رجالا صالحين اجلاء و لكن وجود آحاد اجلاء لاينفع في خلال تلك الرجال و تقدموا علي الاجلة و تأخروا عنهم و فيما بين ذلك منافقون داسون محرفون مأولون واضعون الاخبار بمتونها و اسانيدها و ساهون و لاهون و شاكون و مسامحون و ناسون و جاهلون و ايم الله اني اخاف علي الناس لو ابرزت اليهم جميع احوال الناس و جميع اسباب عدم الاعتماد فاخاف ان يشكوا في امرهم بالكلية فيقبلوا اسباب الوهن من حيث انفس الحملة و لايقبلوا اسباب اليقين فيبقوا في التزلزل في الدين و الا لابرزت امورا كثيرة يشمئز منها النفوس و تعلم ان الاصولي مفرط في ادعاء الظن متكلف و لا ظن ابدا الا في قليل من المسائل فالله سبحانه اجل من ان يحمل دينه علي كواهل هؤلاء و يكلف الناس الازكياء بالاعتماد علي هؤلاء و لايمكنهم و لايكلف الله نفسا الا وسعها هذا و يزداد الشك يوما فيوما الي ان يخترم بالكلية و ايم الله لو كان يجوز حمل الدين علي رجال كذا ليبلغوه الي مائة‌الف سنة لماكان للشيعي دليلا علي وجوب نصب الخليفة من هذا الحيث و لايحتاج هذا الباب الذي ابرزنا الي دليل و انت تري من اهل عصرك حتي من الذين اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا لاتقدر ان لاتسمع لقولهم و من المنتحلين و المتسمين بالعلماء و لهم كتب و تصانيف و جلال و حفدة و اعوان ما تري و لاتستأمنهم علي دينار من مالك فضلا عن دينك و لكن الموت فضيلة تمحق كل رذيلة لاتلحق رذلا الا و تنحله فضلا و يجعله باذلا عالما عاملا فلو حيي اولئك الرجال و الحملة و قعدوا في سوقهم و دكاكينهم لرأيتهم كمعاصريك و لم‌تقدر

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 391 *»

علي الاعتماد عليهم فلا بد لهذا الدين المتين و الشرع المبين من اساس آخر يبني عليه بحيث يعتمد عليه و يسكن لديه و هو ما منحنا الله سبحانه من وجه التسديد و يأتي بتوفيق الله المجيد .

فصل اعلم ان الله سبحانه غيب لايدركه احد من خلقه كما اخبر عن نفسه لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و جميع خلقه معلوماته الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير و ليس لاحد من الخلق الاحاطة بشئ من علمه الا بما شاء كما قال لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء فمن ذلك العلم ما علم الله سبحانه خلقه من ما يدركون بحواسهم الظاهرة فيحصل لهم العلم بالمحسوسات الظاهرة و منه ما علمهم من ما يدركون بحواسهم الباطنة المطبوعة فيهم لان بهذا التعليم قوام كونهم و نظام معاشهم الظاهر الكوني كما كان روية الحيوانات للاشياء و دركهم اياها بالحواس الظاهرة مما به قوام كونهم فلايقومون الا بها و كذلك الانسان له ادراكات مطبوعة فجعل ذلك حين خلقهم من دون حاجة الي تعليم معلم في الظاهر و ان كان ذلك ببركات الانبياء و تعليمهم في الباطن فانهم اذا كانوا لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء و الانبياء محال مشيته و خزنة علمه فليس يصل شئ الي غيرهم الا بهم الا ان في الظاهر ليسوا محتاجين الي تعليم في ان الاحمر غير الاصفر و الرطب غير اليابس فلهم علوم ظاهرة فيعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و من ذلك العلم ما ليس لهم دركه و ليس في وسعهم و يحتاجون الي تعليم معلم و هو معاني هذه الامور و نسبها الخفية و طبايعها و امزجتها و خواصها و آثارها الغيبية فلايعرفون ذلك الا بتعليم معلم و ان عرفوا بعض افراده النادرة فليس لهم درك كلها و هذا القسم ينقسم قسمين فاما ان يكون في علمهم به تفصيلا صلاحهم و في جهلهم به فسادهم فعلمهم ذلك بواسطة الانبياء و المرسلين الذين خلقوا خلقة يمكنهم بها تعلم ذلك من الله سبحانه بلا واسطة و اما ان كان في علمهم به تفصيلا فسادهم و في جهلهم به صلاحهم فزواه عنهم تفصيلا و علمهم قليلا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 392 *»

يعلمون به ان وراء ما يحسون به علوما اخر لله سبحانه و لاوليائه و ذلك كعلم الاكسير و الجفر و الرمل و الطب و تأويل الرؤيا و امثال ذلك فاما القسم الذي في علمهم به تفصيلا صلاحهم و في جهلهم به فسادهم فعلمهم ذلك بانزال الكتب و ارسال الرسل و لم‌يفرط في ذلك و لم‌يكل امره الي آرائهم و اهوائهم و عقولهم الناقصة الغير البالغة حد معرفة ذلك العلم فارسل رسله تتري بشرايع واضحة و اعلام لايحة و انوار ساطعة و كتب قيمة فجاؤا و علموا ذلك العباد فعمروا بها البلاد و الدليل علي انه سبحانه لم‌يرض بآرائهم و اجتهاداتهم في هذا الباب ارساله الرسل و انزاله الكتب و جعل كتابه تبيان كل شئ و تفصيل كل شئ و قال مافرطنا في الكتاب من شئ ، و روي ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة و قال لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و نهيه عن الآراء و الاهواء بادلة واضحة بينة فلم‌يبق شئ يجتهد العباد فيه و يرتأوا و يتظنوا و يتحروا فلما انزل في كتابه علم كل شئ و قال فاعلموا انما انزل بعلم الله و علم علمه النبي صلي الله عليه و آله ليبين للناس ما نزل اليهم و صار نطق النبي صلي الله عليه و آله و بيانه تفصيل الكتاب و شرحه و اودع النبي صلي الله عليه و آله جميع ذلك وصيه و وارث علمه و خليفته و القائم مقامه امتثالا لقوله تعالي ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها و قال فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون لم‌يبق لاحد مجال اجتهاد و ارتياء و تظن و تحر و امثال ذلك و وجب علي الكل سؤال اهل الذكر الذين اورثهم الله علم الكتاب الذي فيه تبيان كل شئ يحتاج اليه العباد الي يوم القيمة و لما اوجب علي الخلق السؤال عما لايعلمون اوجب علي اهل الذكر الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و اظهار الشرايع و الاحكام و قال كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر بعد ما قال و لتكن منكم امة يدعون الي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و نهي عن الكتمان و قال الذين يكتمون ما انزلنا من البينات و الهدي من بعد ما بيناه للناس في الكتاب الآية ، فهم عليهم السلام معصومون مطهرون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 393 *»

يؤمرون فبينوا فرايضه و اقاموا حدوده و نشروا شرايع احكامه و سنوا سنته حتي صاروا في ذلك منه الي الرضا و وضع الله سبحانه اهل الذكر و حملة علم القرآن في كل عصر ليبينوا في كل قرن قرن ما انزل عليهم من ربهم و ما اراد الله سبحانه منهم و لولا ذلك لضاع من في اصلاب الرجال و ارحام النساء و جري علي اهل الدين الحق ما جري علي العامة العمياء من التحير في الدين و زعموا مع اقرارهم بان النبي صلي الله عليه و آله خاتم الانبياء عليهم السلام لا نبي بعده انهم يقدرون علي تحمل دينه و ايصاله الي الخلق الي مائة‌الف سنة الي يوم القيمة هيهات هيهات لولا الحجة الحق لم‌يقدروا علي ضبط الدين يوما واحدا كما لم‌يقدر العامة علي ذلك و كان يقول رئيسهم كل الناس افقه من عمر حتي المخدرات في الحجال و جهلوا دين الله يوم اول فلاجل ذلك جعل الله اهل الذكر الذين هم حملة علم القرآن الذي فيه تبيان كل شئ و تكليف اهل كل عصر في كل عصر فلم‌يخل منهم قرن فقال انما انت منذر و لكل قوم هاد و قال افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي و القول بان وجوده لطف و تصرفه لطف آخر و عدمه منا قول علي خلاف كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و اخبار العترة الطاهرة كما يأتي في الباب الآتي انشاء الله قال الله سبحانه انما انت منذر و لكل قوم هاد و الذي لايهدي ليس بهاد بالفعل فلما كان جميع ما يحتاج اليه الخلق في الكتاب بالاجماع و آل‌محمد عليهم السلام حملة الكتاب بالاجماع و امرنا بالاستنباط عنهم و الرد اليهم بالاجماع و النص و السؤال عنهم كل ما لم‌نعلم بطل الرأي و الاجتهاد و القياس و التظني و التحري كلية و وجب الرجوع اليهم و الاستنباط عنهم فما داموا ظاهرين مشهورين كان الواجب الرجوع اليهم و اذا غابوا وجب الرجوع الي آثارهم الصحيحة الثابتة عنهم لا غير فان الرجوع اليها رجوع اليهم و الرجوع اليهم رجوع الي رسول الله صلي الله عليه و آله و الرجوع اليه رجوع الي الله تعالي شأنه العزيز فلايخلو اما ان يقال ان آثارهم الصحيحة تكفي لجميع ما نحتاج اليه في امر ديننا او يقال انها لاتكفي فان كانت تكفي فلانحتاج في زمان غيبتهم ايضا الي اجتهاد و رأي و تظن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 394 *»

و تحر و ان قيل انها لاتكفي فقد قالوا بان الله سبحانه احوجهم الي ما ليس لهم فيه صنع و هو يقول لايكلف الله نفسا الا وسعها و لو كان يجوز منهم ذلك لماكنا محتاجين الي الحجج اول مرة و هو خلاف الكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل هذا و قد نهي عن ذلك في سبعين موضعا من كتابه و في السنة المتواترة و محال ان يحرم الله سبحانه امرا علي جميع عباده مطلقا ثم يلجئهم الي ذلك و يكلفهم ما لايطيقون و هو قول بان هادي العصر المأمور باقامة الدين قد قصر في ما امر به او عجز عن ذلك و هو خلاف ما ثبت عنهم عليهم السلام و علم من شأنهم و ضيع من في اصلاب الرجال و ارحام النساء و جعلهم انبياء لانفسهم و يلزمهم القول بما قدمنا في الباب السابق فلا بد و ان يكون في الرعية في حال غيبتهم من آثارهم ما يكفيهم في امر دينهم فاذا لا اجتهاد و لا ارتياء و لا تظني و لا تحري و لا قياس و ان قيل بقي عنهم آثار و لكن لايحصل العلم بالتكاليف منها لاسباب يدعونها فاقول فاذا لا فائدة فيها و لم‌يقم بها حجة علي العباد و لله الحجة البالغة و لم نهي عن الظن في كتابه و شرع نبيه صلي الله عليه و آله و هو يعلم انه يأتي علي الناس زمان حرج لايحصل لهم العلم في مدة تزيد علي الف سنة و لم لم‌يشر الي ذلك و لم‌يوضح لهم و لم‌يأذن في آية و لا رواية بل صرحوا بحرمة العمل بالظن باكثر من تصريحهم في الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام و الميتة و لحم الخنزير و لو شاء رجل ان يأتي علي محرم دليلا من سبعين آية و ما يزيد علي الحصر من الاخبار مااظنه يقدر عليه فكيف يلجئهم الي ما نهاهم عنه و جعله من خطوات الشيطان و جعل يلعن صاحبه ملئكة الرحمة و ملئكة العذاب و ان كان الظن موصلا الي دينه فلم نهي عنه و ان لم‌يكن موصلا فكيف يلجئهم اليه و يتركهم بلا دين نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فتبين و ظهر انه لا بد و ان يبقي عنهم بعد غيبتهم آثار صحيحة مقررة يحصل منها العلم بتكاليف اهل كل قرن في قرنهم مع ما هم عليه من الاعراض و الامراض و الموانع و هي خليفتهم بعدهم في رعيتهم و جواز ذهاب الحجة و عدم نصب الخليفة و ترك الناس سدي مهملين هو قول منكري خلافة علي عليه السلام و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 395 *»

القائلين بعدم حاجة اليه و ترك الناس موكولين الي عقولهم فان كان لايجوز هناك لايجوز هنا و مرادي بالاخبار الصحيحة هي اخبار نسبت الي الحجج عليهم السلام و لم‌يكذبها الامام الشاهد العالم القادر المأمور المعصوم فما لم‌يكذب النسبة كما يأتي فهو صحيح النسبة و ان كان التكليف في العمل ببعضها بحسب ما امر و ذكر في محله فغيبة الحجة مع عدم نصب من يقوم مقامه لايتمشي علي مذهبنا ابدا بلي والله لقد نصبوا و هو قولهم اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله و انظروا الي رجل منكم قد روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما و لا شك ان الرواة حجيتهم من حيث الرواية لا من حيث انهم حدادون او نجارون او كاتبون او ظانون او قائلون من عند انفسهم و باهوائهم و آرائهم و ظنونهم فانهم عند ذلك ليسوا بناطقين عن الله فلو لم‌يكن بعدهم روايات معتبرة يدان الله بها لم‌يكن لراويها فضل و لم‌يكن حجة الله فاعتبار الرواة باعتبار الروايات فلا بد و ان يكون بعدهم روايات صحيحة يصح العمل بها و يمكن ان يستند اليها في امر الدين و يعبد الله سبحانه و ليس في ايدي الشيعة الآن و في سالف الزمان الا هذه الروايات الموجودة في الكتب المتداولة المشهورة فهي المرجع بلا شك ثم انا نقول ان كانت الروايات الصحيحة معروفة ففيها البغية و ان كانت موجودة في ضمن اخبار غير صحيحة و ليست معروفة باعيانها فلا فائدة فيها اذا لم‌يكن ينالها عقول المكلفين ليتمسك بها و تعيينها بالظنون غير ذي فائدة لما قدمنا هنا و في الباب السابق ان الظن اكذب الكذب و لايقوم لله حجة بالظن قال الصادق عليه السلام من شك و ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة فلا بد و ان يكون في الرعية بعد غيبتهم احاديث صحيحة مقررة مسددة معروفة يكون عليها المعول و اليها المرجع و الا لم‌يقم لله علي عباده حجة و ان قلت غاية ما يدل دليلك انه لا بد و ان لايترك الله الخلق سدي مهملين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 396 *»

في زمان الغيبة و لا بد و ان يكون بعد الحجة في الخلق حجة و هو الفقيه العالم الراوي لاخبارهم و لكن وجود اخبار صحيحة معروفة بالصحة ليس بواجب و يكفي ان يكون في الامة اخبار فيها تكاليفهم يقينا و ينالها الفقيه اذا استفرغ وسعه بالتسديد و التقرير اليقيني فيكون ما يقول هو تكليفه اليقيني و اذا استفرغ غيره وسعه فيها ينال تكليفه اليقيني بالتسديد و هكذا ينال منها كل حظه و لايكون اخبار خاصة صحيحة معينة قلت ان مرادي بالاخبار الصحيحة ما صح صدوره عنهم خارجا او تقريرا لا ما صح العمل به و بينهما عموم و خصوص مطلق فان كل ما صح العمل به صح صدوره عنهم خارجا او تقريرا و لا كل صحيح الصدور صحيح العمل و الحكمة التي وجبت في اختلاف العلماء تتحقق في اختلاف انظارهم في الاخبار و استخراجهم المسائل عنها و لايحتاج الي ان يكون الاخبار غير صحيحة هذا و نحن قلنا ان الاخبار الصحيحة بعدهم في الامة موجودة يمكن الاطلاع عليها لم‌يكن غرضي انها صحيحة باعتبار انفسها و رواتها و اوضاع العالم بل لو نظرنا من هذا الحيث قل ما يبقي فيها مظنون بل غرضي انها صحيحة باعتبار التسديد و التقرير فانا علمنا بالادلة القطعية ان الامام شاهد مطلع و نحن دائما بمرأي منه و مسمع يسمع ما يروي عنه و عليه و ما نسب اليه و هو عالم بصدقها و كذبها قادر علي ردع كذبها و تصديق صحيحها و الكذب عليه منكر و الصدق عليه معروف يجب عليه الامر بالمعروف و النهي عن المنكر فانه العالم القادر المطلع و هو معصوم مطهر لايترك الاولي و ترك هذا الامر بالمعروف و النهي عن المنكر سبب التباس امر الحق بالباطل و عدم معرفة احد ما له و ما عليه و ضياع الدين و انمحاقه بالكلية فهو عليه السلام لايفعل ذلك ابدا فيردع عن الكذب و يصدق الصدق فانه الذي جاء بالصدق و صدق به فكل ما وجدنا من خبر في المذهب نسب اليهم و لم‌يكذبه شئ من كتاب او سنة او اجماع او دليل عقل بديهي او قرينة فهو صدق كما يأتي مفصلا بعد و يأتي في ذلك مزيد تحقيق انشاء الله فبالجملة ان الله سبحانه علم الخلق بواسطة حججه العلم الذي في وجوده صلاحهم و في عدمه فسادهم و اتم عليهم الحجة و اوضح لهم فيه المحجة و لم‌يبق

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 397 *»

لذي مقال مقال و لذي عذر عذر لئلايقولوا يوم القيمة انا كنا عن هذا غافلين و اما العلم الذي ليس في ظهور تفصيله لهم صلاحهم فاظهر منه شيئا بقدر ان يعلم ان وراء المحسوسات امرا آخر و ينتفعوا به في الجملة و زوي عنهم تمامه لان في ذلك فسادهم كما تشاهد و تعاين و تعلم ان في علمهم بتمام تلك العلوم فسادا عظيما و لما كان في خلقه نفوس لايخاف عليها و عليهم منها اذا علموا تلك العلوم لم‌يزوها عنهم و جعلهم الحملة لها في كل عصر و امرهم بالكتمان عن غير اهلها و ايداعها اهلها و احب ان اذكر هنا خبرا شريفا رواه الكليني في الكافي فان فيه شواهد ما ذكرنا في هذا الباب و هو الرسالة التي كتبها الصادق عليه السلام الي اصحابه و امرهم بمدارستها و النظر فيها و تعاهدها و العمل بما فيها فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم فاذا فرغوا من الصلوة نظروا فيها قال عليه السلام في جملة ما ذكر فيها ايتها العصابة المرحومة المفلحة ان الله اتم لكم ما آتيكم من الخير و اعلموا انه ليس من علم الله و لا من امره ان يأخذ احد من خلق الله في دينه بهوي و لا رأي و لا مقاييس قد انزل الله القرآن و جعل فيه تبيان كل شئ و جعل للقرآن و لتعلم القرآن اهلا لايسع لاهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه ان يأخذوا فيه بهوي و لا رأي و لا مقائيس اغناهم الله تعالي عن ذلك بما آتاهم من علمه و خصهم به و وضعه عندهم كرامة من الله اكرمهم بها و هم اهل الذكر الذين امر الله هذه الامة بسؤالهم و هم الذين من سألهم و قد سبق في علم الله ان يصدقهم و يتبع اثرهم ارشدوه و اعطوه من علم القرآن ما يهتدي به الي الله باذنه و الي جميع سبل الحق و هم الذين لايرغب عنهم و عن مسألتهم و عن علمهم الذين اكرمهم الله تعالي و جعله عندهم الا من سبق عليه في علم الله الشقاء في اصل الخلق تحت الاظلة فاولئك الذين يرغبون عن سؤال اهل الذكر و الذين آتاهم الله علم القرآن و وضعه عندهم و امر بسؤالهم و اولئك الذين يأخذون باهوائهم و آرائهم و مقاييسهم حتي دخلهم الشيطان لانهم جعلوا اهل الايمان في علم القرآن عند الله كافرين و جعلوا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 398 *»

اهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين و حتي جعلوا ما احل الله في كثير من الامر حراما و جعلوا ما حرم الله في كثير من الامر حلالا فذلك اصل ثمرة اهوائهم و قد عهد اليهم رسول الله صلي الله عليه و آله قبل موته فقالوا نحن بعد ما قبض الله عز و جل رسوله صلي الله عليه و آله يسعنا ان نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض الله عز و جل رسوله صلي الله عليه و آله و بعد عهده الذي عهده الينا و امرنا به مخالفا لله و لرسوله صلي الله عليه و آله فما احد اجري ( اجرأ ظ ) علي الله و لا ابين ضلالة ممن اخذ بذلك و زعم ان ذلك يسعه والله ان لله علي خلقه ان يطيعوه و يتبعوا امره في حيوة محمد صلي الله عليه و آله و بعد موته هل يستطيع اولئك اعداؤ الله ان يزعموا ان احدا ممن اسلم مع محمد صلي الله عليه و آله اخذ بقوله و رأيه و مقاييسه فان قال نعم فقد كذب علي الله و ضل ضلالا بعيدا و ان قال لا لم‌يكن لاحد ان يأخذ برأيه و هواه و مقاييسه فقد اقر بالحجة علي نفسه و هو ممن يزعم ان الله يطاع و يتبع امره بعد قبض رسول الله صلي الله عليه و آله و قد قال الله و قوله الحق و ما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم علي اعقابكم و من ينقلب علي عقبيه فلن‌يضر الله شيئا و سيجزي الله الشاكرين و ذلك ليعلموا ان الله يطاع و يتبع امره في حيوة محمد صلي الله عليه و آله و بعد قبض الله محمدا صلي الله عليه و آله و كما لم‌يكن لاحد من الناس مع محمد صلي الله عليه و آله ان يأخذ بهواه و لا رأيه و مقاييسه خلافا لامر محمد صلي الله عليه و آله فكذلك لم‌يكن لاحد من بعد محمد صلي الله عليه و آله ان يأخذ بهواه و لا رأيه و لا مقاييسه الي ان قال و اتبعوا آثار رسول الله صلي الله عليه و آله و سنته فخذوا بها و لاتتبعوا اهواءكم و آراءكم فتضلوا فان اضل الناس عند الله من اتبع هواه و رأيه بغير هدي من الله الي ان قال ايتها العصابة الحافظ الله لهم امرهم عليكم بآثار رسول الله صلي الله عليه و آله و سنته و آثار الائمة الهداة من اهل بيت رسول الله صلوات الله عليه و عليهم من بعده و سنتهم فانه من اخذ بذلك فقد اهتدي و من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 399 *»

ترك ذلك و رغب عنه ضل لانهم هم الذين امر الله بطاعتهم و ولايتهم و قد قال ابونا رسول الله صلي الله عليه و آله المداومة علي العمل في اتباع الآثار و السنن و ان قل ارضي لله و انفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع و اتباع الاهواء و اتباع البدع بغير هدي من الله ضلالة و كل ضلالة بدعة و كل بدعة في النار الي آخر الخبر و هو خبر جامع لخير الدنيا و الآخرة و قد ذكر عليه السلام فيه حجة اكثر ما ذكرنا فان شئت فراجعه .

فصل ان كلامنا في هذا الباب لا بد و ان يقع في امور : منها كيفية حصول العلم بمدلولات الالفاظ التي عليها جرت الكتاب و يتبعه الفاظ السنة و منها كيفية حصول العلم بصحة صدور الاخبار و منها كيفية حصول العلم بمراد الله سبحانه من آيات كتابه و سنة حججه عليهم السلام و منها كيفية حصول العلم بالاجماع و منها كيفية حصول العلم بالدليل العقلي و منها عدم حصول العلم من غيرها و عدم الاعتداد بها في الدين و انما نذكر جميع ذلك علي نهج الاختصار فانا لو اردنا ذكر ذلك بالتفصيل لاقتضي رسم كتاب كبير و بيان جميع المسائل الاصولية و الذي التزمناه في هذا الكتاب بيان كليات المسائل التي يتفرع عليها البواقي فعلينا ان نذكر هذه الست الكلية .

فصل اعلم ان لمتعلقات هذا الدين نظرين نظرا من حيث انفسها و من حيث حملتها و نقلتها و الناظرين فيها و المستنبطين عنها و نظرا من حيث مصدرها و منشأها و هما نظران متباينان في الوحدة و الكثرة و النورانية و الظلمانية و الامن و الخوف و النجاة و الهلاك و البصر و العمي و الحيوة و الموت و غير ذلك من الاضداد و الناس في انظارهم مختلفون فمنهم من ينظر اليها من حيث نفسها و منهم من ينظر اليها من حيث مصادرها و هذا اختلافنا مع سائر الحكماء في نظرنا في الاشياء فهم ينظرون اليها من حيث انفسها فيرون ظلمات بعضها فوق بعض لا نجاة منها و نحن ننظر فيها من حيث الاعلي فنري نورا علي نور يهدي الله لنوره

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 400 *»

من يشاء و شاهد الصدق عملنا هنا و نظرنا في هذا العلم و في ساير علومنا لايخفي علي من نظر فيها فاقول اذا نظرت الي مدارك هذا الدين بل كل دين من حيث هي و هي الكتاب و السنة و الاجماع و الادلة العقلية فجميع الشبهات التي يذكرها الاصولي و العامة واردة فيها و اضعافها و اضعاف اضعافها لما ذكرنا في مطاوي هذا الكتاب و ليس يحصل بشئ منها الا قليلا يقين اليوم و لا في عصر الحجج لغير من حضر مجلس الخطاب بل لو اجريت الاحتمالات العقلية القليلة الوقوع لزال العلم في مجلس الخطاب ايضا و المراد بمجلس الخطاب مجلس من يخاطبه الحجة بامر تكليفي بخصوصه و الا قد كان يتكلم و في المجلس من لايعرف مراده ابدا فضلا ان يظن كما كان الناس يستمعون هذه الخطب و الكلمات التي قد تحير العلماء في حلها و هم حاضرون و لم‌يكونوا يفهمونها ابدا فالمراد ان الذي سأل الامام عن تكليفه و اراد الامام تفهيمه فانه كان يفهمه عن يقين بما هو تكليفه و قد روي عن النبي صلي الله عليه و آله رب حامل فقه و ليس بفقيه و رب حامل فقه الي من هو افقه منه و روي حديث تدريه خير من الف ترويه و روي ان الصحابة كانوا يتمنون ان يأتي اعرابي و يسأل النبي صلي الله عليه و آله حتي يوضح له فانهم كانوا لايفهمون كلامه فليس بواجب ان يحصل اليقين لكل من حضر مجلس الخطاب ايضا بالجملة اذا نظرت الي الكتاب فيجري في معانيه جميع الاحتمالات اللفظية و الاحتمالات المعنوية كما ذكرنا سابقا و ان كان صحيح الصدور و اذا نظرت الي السنة فالمتواترات اللفظية منها كالقرآن و المعنوية منها لا بأس بها بقدر ما تواتر كما تواتر لكن يحصل الاشكالات و الشبهات في عمومها و خصوصها و غيرها من الاحتمالات المعنوية ، و اما المحفوفة بالقرائن القطعية من حيث صدور اللفظ فكالقرآن و من حيث المعني فكالمتواتر المعنوي و اما ما سوي ذلك فلا قطع في شئ منها البتة و في كثير منها لا ظن البتة بل هو شك محض لمن كان نبيها يقظانا بصيرا باوضاع العالم و اذا نظرت الي الاجماع فهو اهون شئ لما ذكرنا في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 401 *»

صدر الكتاب و لا عبرة باجتماع هذا الخلق المنكوس و تفرقهم من حيث انفسهم ابدا ابدا ، و اما الدليل العقلي فلا عبرة به مع اختلاطه بالشيطنة و العادة و الطبيعة و الشهوة و الغضب و الضعف الذي فيه فلعمري من نظر في مدارك الدين من حيث انفسها لايجد يقينا الا قليلا قليلا و البواقي ظن و شك و شكه اكثر من ظنه بكثير و الاصوليون عندي مفرطون في الادعاء مسامحون متكلفون لانفسهم ظنا لانهم لم‌ينظروا من حيث الاعلي فيسكنوا و النظر من الاسفل علي ما ذكرت و لما كان الاخباري نظره من حيث الاسفل فالحق مع الاصولي اذا حكمنا بينهم و ان الاخباري مسامح في امره ناظر بحسن الظن في متعلقات الدين كما شاهدنا في كتابهم و من احوالهم و انما ينظرون فيها بادي الرأي و لايتعمقون و يسلكون بحسن الظن بسلفهم في حفظ الاخبار و ايصالها اليهم و كأنهم غافلون عن اوضاع العالم و لعلهم لغفلتهم عن اوضاع العالم يحصل لهم بعض السكون و يسمونه علما و ليس بشئ لانه علم حصل عن غفلة كما يحصل العلم للاطفال بل للاكابر بكثير من الخدع لغفلتهم فاذا تفطنوا زال علمهم فهم صادقون في ادعاء العلم اما انه ناشئ عن الغفلة و الاصوليون لكثرة بحثهم و فحصهم و ايراث سلفهم خلفهم التيقظ بفساد اوضاع العالم زال علمهم و اني اظن ادعاءهم الظن تكلفا محضا و ان هم الا شاكون في كثير من المواضع و ان كانوا ظانين واقعا فهم ايضا غافلون عن احوال الخلق كما ينبغي سالكون بحسن الظن و الا ان نظرت الي اخبار العالم من حيث انفسها لا ظن في كثير منها اذا كان الخبر عن امر واقع في عصرك ممن كان في عصرك فكيف باخبار من الف سنة قبلك لعمري لايبقي ذلك الظن ايضا في البعض و يبقي الشك المحض فمن نظر الي متعلقات الدين هذا حاله و ان الله سبحانه اجل من ان يكلف الناس بدين كذلك و يبعث رسولا الي كافة من في الارض الي يوم القيمة و يجعل له دينا بهذا الوهن من يوم اول و لعمري لو مر علي الناس قرن آخر لم‌يبق للاسلام عمود و لم‌يخضر له عود و عرض جميعها الشكوك و الشبهات و الاحتمالات فانا نري قد ادخلوا الي زماننا هذا الظن المطلق و القياس مطلقا و الرأي و الاستحسان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 402 *»

و جري علي مذهبنا ما جري في سنة العامة العمياء بتفاصيله و صار الاختلاف بيننا اكثر من اختلاف العامة و زال اليقين بالكلية و لو فتشت قلوبهم لوجدت زوال الظن ايضا في كثير من المسائل و هم مصرحون في كثير منها بيحتمل يحتمل و يكتفون في كثير بنقل الاقوال و قول الاولي كذا و الانسب كذا و الاشبه كذا و الاقوي كذا و امثال ذلك في اضطراب عظيم و سينقطع عنهم ذلك ايضا لان الشبهات تترقي و الاحتمالات تتزايد و من ذلك صار دورة اصولهم تتم علي التحقيق في الف و مأتي سنة كما قيل نعوذ بالله و لكن جعل الله سبحانه في علماء المذهب رجالا ينظرون في متعلقات الدين بالنظر الاعلي من حيث مصدره و يعلمون انه الشاهد القادر الحكيم الحافظ المعصوم المأمور من عند الله سبحانه بحفظ هذا الدين عن تحريف المحرفين و تغيير المغيرين و زيادة الزايدين و نقص الناقصين و يعلمون ان بدن الدين مع ذلك الروح لايتغير و لايتفسخ و لاينتن و لايجري عليه شئ من تلك الاحتمالات و بوجود الروح في بدنه قال الله اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و قال اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون فنحن و الحمد لله ناظرون في ادلة الدين و اعلامه تكلانا علي ذلك الروح الحافظ و اعتصاما به و ساكنا الي حفظه مطمئنا برعايته فنستدل في الامور بحفظه و رعايته و علما باتصال الامور به و اتصاله بها و دفعه عنها و تقريره لحقها و ردعه لباطلها كما يأتي مفصلا فان استدللنا بلسان الظاهر فانما اعتمادنا علي انها محفوظة بهم كمن يستدل علي ان الدارصيني مسخن و البنفسج مبرد بعد علمه بان الله هو الضار النافع و لا فاعل سواه و لو كانا منقطعين عن الله لم‌يكن لهما فعل و كان العدم اولي بهما من الوجود و الفساد اولي بهما من الصلاح فنحن نتكلم في الاسباب الظاهرة معتصما بحبل الحجة عالما بانه حافظ الامور علي وضع الحكمة و العدل فلاتغفل انشاء الله .

فصل في المسئلة الاولي و هي كيفية حصول العلم بمدلولات الالفاظ

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 403 *»

التي جرت عليها الكتاب و السنة و قدمناها لتعلقها بالكتاب المقدم ايضا فاقول بعد العلم بان الحجة الحكيم واضع كل شئ موضعه ان المراد بالعلم بمدلولات الالفاظ هو العلم العادي و ذلك يحصل لنا بمسئلة اهل اللسان و مراجعة الكتب المكتوبة في هذا الشأن لما وقع التقرير عليها في كل آن و جعلت بابا لمعرفة ذلك اللسان ثم ملاحظة موارد استعمال ذلك اللفظ و ارتباطه بسابقه و لاحقه و اتساق الكلام و ملاحظة ان اهل الفن لا غرض لهم في هذا الباب و ليس بناؤهم علي الكذب و هم يلاحظون اعتبارهم بين العلماء و طالبون لان يشتهروا بالحذاقة و صحة القول و الوثاقة قطعا و لايتعمدون الكذب قطعا و لا داعي لهم الي ذلك بل الداعي الخارجي و الداخلي من شهوتهم و حبهم للشهرة و الرياسة و امثال ذلك يدعوهم الي ترك الكذب و صحة القول و بالتجربة في مواضع عديدة و كون الناقل من اولي العلم و الاعتبار و ان كان شيعيا فاحسن و ان كان عدلا فاحسن و احسن بالجملة هذه الاسباب اسباب يحصل بها العلم العادي اينما اتفقت و كفي بكونها باب معرفة ذلك و قد قال الله سبحانه و اتوا البيوت من ابوابها و التقرير من ورائها و الامكانات العقلية غير قادحة في العلم العادي و من سلك في العاديات علي نهج العقل و تجويزاته عد مجنونا و خرج عن الانسانية و دخل في زمرة اهل الزمانة و العلة و يحتاج الي معالجة طبيب حاذق و اذا يئسوا عنه يتركونه و علته و لايعتدون به و بقوله و لا شك ان هذه الاسباب هي اسباب العلم العادي في غاية الدقة و قد يحصل باقل من ذلك و اقل و اقل فمن حسب ان الحاصل منها ظن فان اراد به الظن العقلي فاقول لعله شك او وهم او جهل عقلي فان الظن العقلي ناشئ عن دليلين معنويين عقليين احدهما ارجح من الآخر و ليس يقوم علي معاني الالفاظ دليل عقلي حتي يلاحظ نسبته مع غيره و ان اراد الظن العادي فهو ظلم فان العوام و الخواص حتي النساء و الصبيان يعلمون ان ذلك علم عادي و لايطلقون العلم العادي الا علي ذلك و لايقدح في العلم العادي الاحتمالات الامكانية بل المدار علي الاحتمالات العادية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 404 *»

فان قيل ان الخطاء من الناس عادي فكيف لايكون ظنا قلت ان الخطاء من جملة من الناس لاسيما و ان يكون امر يراجعه جملة من العلماء لاسيما بعد انضمام تلك القرائن امكاني لا عادي و قد يظهر اذا ظهر في عالم العادة اذ لا مظهر له في غيره و وقوع خطاء من احد يوما ما لايقدح في العلم العادي الحاصل منه نعم اذا صار الخطاء عادته و صدر منه بلا تكلف و كثيرا فانه حينئذ لايمكن التعويل علي قوله فاذا لم‌يصر الخطاء عادي الطبع كالوضع الالهي الاولي الطبيعي لم‌يعارضه و الوضع الالهي الطبيعي عدم الخطاء عادة الا ان يتغير فافهم فاذا يحصل لنا العلم من تلك الاسباب بالالفاظ و معانيها و لسنا ندعي انه لايخفي علينا لفظ في الدنيا بل جهلنا بالفاظ و شكنا و ظننا و وهمنا بالفاظ ايضا من العادة فما حصل لنا العلم به نأخذ به و ما لم‌يحصل نتركه لانعتد به و ذلك واضح انشاء الله لايحتاج الي تحقيق اكثر مما ذكرنا و لاتغفل انت عن القراين في العلوم العادية فان عليها المدار في الاكثر و لولاها لم‌يحصل العلم العادي في كثير من المواضع و ان القوم ينظرون الي نفس الاشياء و يبحثون عنها في خلوها عن القراين و ان الله سبحانه ليس يخفي القراين و الادلة و الاعلام علي عباده الذين كلفهم بتحصيل العلم العادي و قد نصب علي كل ما اراد فهمه من عباده قرائن موصلة الي العلم و بهذا وصل الاخباريون في ذلك الي بغيتهم و بقي الاصوليون في ترددهم سنين حتي وصل امرهم انهم يتكلمون في الاستصحاب وحده سبع سنين و ان كان الامر لولا القرائن و التقرير كما يذهبون اليه و لكني اقول ان مع عدم التقرير طول جدالكم لايغني من شئ و لايزيدكم الا شكا علي شك و ليس الا فحصا عن اسباب الشك و مع التقرير نحن مستغنون و المنة لاهله عن جميع تلك الشكوك و لنعم ما قال الشاعر فيهم :
ظفر الطالبون و اتصل الوصل       ** * **      و فاز الاحباب بالاحباب
و بقينا مذبذبين حياري       ** * **      بين حد الوصال و الاجتناب
و اذا فرغوا عن اصولهم و لم‌يدركهم اجلهم و دخلوا في فقههم تراهم لايحتاجون الي شئ من اصولهم و يتراكم لهم القرائن في كل مسئلة بحيث يستغنون عن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 405 *»

جميع اصولهم و انما صرفوا عمرهم فيما لا طائل فيه و ها كتب فقههم حاضرة متداولة و رأيناها و رأيتم فارونا فيها مسئلة اصولية اللهم الا في بعض المسائل و ذلك ايضا لا علي نحو تدقيقاتهم في الاصول و انما يذكرونها لعادتهم في الجملة او لتعمدهم لئلايخلو كتابهم منها و لو لم‌يذكروها لكانوا مستغنين عنها بالقواعد المستنبطة من الاخبار و ان وجد موضع قالوا بها عن حاجة فهو اقل قليل بالجملة يمنعهم الحجة في الفقه عن تلك الخيالات غالبا لئلايضروا بالعباد و يخربوا البلاد و يتركهم و خيالهم في الاصول لعدم ضرر منه علي ساير العباد و البلاد بالجملة كتب فقههم معروفة و قد اقروا بخلوها عن القواعد الاصولية غالبا لتراكم القرائن الشرعية التي نصبها الشارع البر الرؤف الرحيم العازم علي هداية العباد اللهم الا بعض القواعد التي يحتاج اليها كثيرا فقد تكفل بها الاخبار و اغنتنا عن شبهات الاغيار فلايتركن امرء القرائن الموضوعة و ليتكل عليها و ليدخل علي اسم الله في الفقه و لايعتنين بهذه الشبهات و الشكوك فانها اسباب التحير فبهذه القرائن و الاسباب يحصل للطالب العلم العادي بمدلولات الالفاظ و معانيها اللغوية و العرفية و ان شك في موضع وقف حتي يأتيه البيان و الله الموفق للصواب و منه البدء و اليه الاياب .

فصل في سرد اسباب يحصل العلم العادي منها بصحة صدور الاخبار التي عليها المعول و اليها المرجع و عليها المدار في الاعصار اعلم ان معرفة صحة الاخبار هي القطب الذي عليه المدار فان اثر الحجة عليه السلام الصحيح هو القائم مقامه في الاعصار و اختلف فيها مذاهب علمائنا الاخيار فقدماء اصحابنا كانوا يحصلون العلم بصحة الاخبار بواسطة القرائن و كان ذلك مستمرا الي عصر ابن‌طاوس كما قيل فنوع الاخبار علي اربعة و عمل بالقرائن الرجالية و سلك من تأخر عنه مسلكه و عن متقدمي اصحابنا من ترك اخبار الآحاد و زعموا انها لاتفيد علما و لا عملا و منهم من ذهب الي انها محفوفة بالقرائن و تفيد علما و عملا و منهم من عمل بالصحاح منها علي حسب اختيار المتأخرين و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 406 *»

منهم من ضم اليها الحسان و منهم من عمل بما عمل به الاصحاب كائنا ما كان فمن العلماء من اشترط حصول العلم بالصحة و منهم من اكتفي بالظن بالجملة ،
و لكل رأيت منهم مقاما       ** * **      شرحه في الكلام مما يطول
و للناس فيما يعشقون مذاهب       ** * **      و لي مذهب فرد اعيش به وحدي
و القيه اليك في هذا الكتاب و اسأل الله الوهاب ان يلهمنا و اياك الصواب و اعلم ان الحق في المسئلة ما نطق به الكتاب و السنة الواردة عن الائمة الاطياب سلام الله عليهم ما طلع نجم و غاب اعلم ان الله سبحانه كان فردا متفردا فخلق الخلق رحمة منه و كرما علي اختلاف درجاتهم ثم اجتبي من بينهم انبياء بصراء بحقايق الامور كما هي ثم هداهم الي ما يتقربون به اليه و ما يتباعدون منه و ابتعثهم لتعليم الجهال و هداية الضلال فجاؤا سفراء من عنده و بينوا للخلق ما فيه صلاحهم و فسادهم و كانت الرسل تجئ تتري و تهدي الناس الي مصالحهم و مفاسدهم الي ان ابتعث الله خاتم النبيين عليه و آله صلوات المصلين فجاء و قام بين ظهرانيهم يبين الحلال و الحرام و الفرايض و الاحكام و انزل الله اليه كتابا مبينا فيه تفصيل كل شئ له و لمن علمه لا لغيره و اما لغيره فظواهره المجملة لا غير و لما كان انقضاء ايامه نصب بينهم خليفة و علمه جميع ما اراد الله من عباده و بينه في كتابه فكان قائما مقامه يبين للخلق مرامه و هكذا اودع هو ما اودعه رسول الله صلي الله عليه و آله الوصي بعده و هكذا في كل قرن قرن و زمن زمن الي ان انتهي الامر الي مولانا و سيدنا الحجة المنتظر صلوات الله عليه و لم‌يكن و لايكون في عصر من الاعصار لغيرهم شركة معهم في نبوة و لا امامة و لايجوز لاحد في دين الله قول و لا رأي و لا تظن و لا اختيار و ماكان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم و قال ماكان لاهل المدينة و من حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله و لايرغبوا بانفسهم عن نفسه و قال فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة الآية ، و قال اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و قال من اضل ممن اتبع هويه بغير

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 407 *»

هدي من الله و قال ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا الي غير ذلك من الآيات و الاخبار التي مضت و لا شك انه بعد ما غاب الحجة عن الاعين لمصالح علمها لم‌ينقطع بعثة النبي صلي الله عليه و لم‌يرتفع عن الارض دينه و لم‌يبعث بعد نبي و لم‌ينصب بعد امام لانه خاتم النبيين و اوصياؤه خواتم الاوصياء و دينه خاتم الاديان و كتابه خاتم الكتب فلايشركه في نبوته بعده احد و لايشرك اوصياءه بعدهم احد فليس لاحد وضع دين و لا اختراع مذهب و لايجوز للامة ان يتحولوا عن دينهم الي دين آخر و لا ان يخلعوا ربقته عن رقابهم ان الدين عند الله الاسلام و من يبتغ غير الاسلام دينا فلن‌يقبل منه و الاسلام ما جاء به محمد صلي الله عليه و آله و بينه اوصياؤه لا غير و لا شك لاولي الالباب انا بعد فقد النبي صلي الله عليه و آله و غيبة الولي و شدة الفتن ليس في ايدينا مما جاؤا به جملة الا كتاب و اخبار فان الكتاب ما نطق الرب و اخبر به عن ارادته و الاخبار ما اخبر به الحجج عن ما حملهم الله و ارادوا و لا طاعة الا لله و لهم اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم فطاعة الله لانه الخالق و طاعة النبي لانه المعصوم المخبر عن الخالق و طاعة اولي الامر لانهم القائمون مقام المعصوم المخبر بعده و هم معصومون من طينته و نفسه ثم لا رب سوي الرب و لا نبي سوي النبي و لا امام سواهم صلوات الله عليهم فلا طاعة و لا حكم لغيرهم رأسا فليس ممن يجب طاعته اليوم سوي الكتاب و السنة اما الكتاب فهو الامر المقطوع به لفظا و عليه ضرورة المسلمين و لا محيص عن لفظه و اما معناه فمنه ما هو ضروري ايضا قد اجمع المسلمون علي ان معناه هذا و هو محكم غير مرفوع و منسوخ يجب العمل به و منه ما اختلفوا فيه فهو متشابه و قد قال الله سبحانه هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم ، فعن الصادق عليه السلام المحكم الذي لم‌ينسخه شئ الي ان قال و انما هلك الناس

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 408 *»

في المتشابه لانهم لم‌يقفوا علي معناه و لم‌يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلا من عند انفسهم بآرائهم و استغنوا بذلك عن مسئلة الاوصياء و عن النبي صلي الله عليه و آله انظروا في محكماته و لاتتبعوا متشابهه و روي القرآن جملة الكتاب و الفرقان المحكم الواجب العمل به انتهي ، فما اختلفت الامة فيه يحتاج فيه الي التحاكم فان وضع الحكم لرفع التنازع و الاختلاف قال الله سبحانه و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و قال فان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و قال فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم الآية ، و اما السنة فمنها ما ثبت بضرورة الامة فهو المطاع المتبع كنفس المعصوم و منها ما هو متواتر لفظا فهو كالكتاب و منها ما هو متواتر معني فكالضروري و ما لم‌يبلغ حدهما فان حفت بقرائن قطعية و دلت القرائن علي صدور لفظه عن المعصوم فكالكتاب و لا نزاع في شئ من ذلك بين الشيعة و الامة المرحومة و انها قطعية قائمة مقام حجج الله عليهم السلام و اما الاخبار التي اسنادها صحيحة يعني رواتها عدول اماميون فذلك ايضا من حيث الحجية لا نزاع فيها و لا ريب يعتريها الا من جماعة لم‌يعولوا علي اخبار الآحاد و قد ثبت خطاؤهم غاية الامر ان منهم من يقول انها ظنية الصدور و منهم من يقول انها قطعية الصدور و اما في اصل الحجية بين المذهب و الملة فلا خلاف فيها الا من اولئك فاقول ان كان الاخبار الصحاح لا خلاف في حجيتها بين اهل الملة من احد سوي جماعة علم بطلانهم بالاجماع و الكتاب و السنة فلايضر خروجهم فقد قام التقرير عليها كما يأتي و كلما قام التقرير عليه فهو حق لا مرية فيه و لا ريب يعتريه و هو المأمور بالتمسك بوثقي عروته و التدين به و كلما لم‌يخرج عنهم ليس بحق قطعا و الحق معهم و فيهم و بهم و منهم فهي اي الاخبار الصحاح عنهم و منهم و اليهم قطعا و نحن لانريد من الصحيح الصدور الا ذلك فظنهم بصدور الخبر بالاسناد الظاهر او شكهم غير قادح فيما نحن بصدده و يؤيد ذلك ايضا ما قررناه في ساير كتبنا من الاسباب الظاهرة فاذا صارت الاخبار الصحاح بالسند صحيحة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 409 *»

النسبة صارت بمنزلة الكتاب في امر المحكم و المتشابه فنعمل بمحكمها و نؤمن بمتشابهها و نرده الي محكمها فان الرد اليه هو الرجوع اليهم صلوات الله عليهم كما ان الرد الي الله هو الرد الي محكم كتابه و اما الاخبار الغير الصحاح بحسب السند و مقتضي علم الرجال التي في كتب اصحابنا المصححة فقد اختلف الاصحاب فيها كما سمعت و المرد الي الله و الي رسوله و الي اولي الامر في كل ما اختلف فيه فاذا رددنا الامر الي الله سبحانه و الي رسوله و الي اولي الامر عليهم السلام كما يأتي في الباب الثالث نجد ما حاصله ان الحجج عليهم السلام شهداء الله علي خلقه و قد خاطبهم الله سبحانه و قال ملة ابيكم ابرهيم هو سميكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس و شهد بعدالتهم و شهادتهم و توسطهم و قطبيتهم و وقوفهم علي الطتنجين و قال و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و اخبر بالمفهوم انه اشهدهم خلق السموات و الارض و خلق انفس الخلائق و اتخذهم اعضادا كما في دعاء رجب اعضاد و اشهاد و حفظة و رواد فقال بئس للظالمين بدلا و هم الذين لاينالهم العهد في قوله لاينال عهدي الظالمين ثم قال مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا اي انا متخذ للهادين عضدا فلما اشهدهم علي الناس امرهم و كلفهم و قال و لتكن منكم امة يدعون الي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر ثم اخبر بامتثالهم و قال كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و قال لايكلف الله نفسا الا وسعها فهم شاهدون قادرون مأمورون من عند الله علي الدعوة و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و هم معصومون مطهرون بقوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فمحال ان يوجد بحضرتهم بدعة و لم‌ينهوا عنها و لم‌يردعوا عنها و هم القائلون اذا ظهرت البدع و لم‌يظهر العالم علمه فهو ملعون و يقول الله سبحانه و يحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل ، و يأتي في الاخبار اذا

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 410 *»

زاد المؤمنون شيئا ردهم و اذا نقصوا اكمله لهم و لولا ذلك لالتبس علي المسلمين امورهم و زاد في رواية و لم‌يفرقوا بين الحق و الباطل فاذا نسب بحضرتهم حديث اليهم و قام قائم في مجلسهم الغاص باهله و قال بصوت عال ايها الناس ان امامكم هذا قال كذا و كذا بمسمع منه و مرأي فلم‌يكذبه و لم‌يردعه فهو حق لا مرية فيه و لا ريب يعتريه و لايتفاوت عندنا غيبته و حضوره فانه الشاهد القادر المأمور بنص الكتاب فسكوته تقرير و تصديق فكل ما سكت عنه فهو حق صحيح الصدور و لسان نطق الامام في زمان الغيبة الكتاب المستجمع علي تأويله و السنة الجامعة و دليل العقل البديهي باتفاق العقلاء و نصب القرائن القطعية او الظنية المساوية بل جميع اسباب السموات و الارض السنته و ايديه يفعل ما يشاء بما يشاء كما حقق في محله و روي ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا فعن النبي صلي الله عليه و آله سيكذب علي كما كذب علي من كان قبلي فما جاءكم عني من حديث وافق كتاب الله فهو حديثي و ما خالف كتاب الله فليس من حديثي و عن ابي‌عبدالله عليه السلام كل حديث لايوافق كتاب الله فهو زخرف و عنه عليه السلام ما اتاكم عنا من حديث لايصدقه كتاب الله فهو باطل و عنهما عليهما السلام لاتصدق علينا الا بما يوافق كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و عن العبدالصالح عليه السلام اذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما علي كتاب الله و علي احاديثنا فان اشبههما فهو حق و ان لم‌يشبههما فهو باطل و قال ابوعبدالله عليه السلام ما جاءك في رواية من بر او فاجر يوافق القرآن فخذ به و ما جاءك من بر او فاجر يخالف القرآن فلاتأخذ به و قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور فما وافق كتاب الله فخذوه و ما خالف كتاب الله فدعوه الخبر ، و عن النبي صلي الله عليه و آله قد كثرت علي الكذابة و ستكثر فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار فاذا اتاكم الحديث فاعرضوه علي كتاب الله و سنتي فما وافق كتاب الله و سنتي فخذوا به و ما خالف كتاب الله و سنتي فلاتأخذوا به و كذلك ما خالف

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 411 *»

بداهة العقول التي فيها عقل الامام و قد فصل ذلك في كتاب الكاظم عليه السلام و روي في اختلاف الحديث ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم‌تعلموا فردوه الينا و كذا القرائن الحالية و المقالية فانها السنة تصديق الحجة عليه السلام و تكذيبه فما قامت علي تكذيبه القرائن القطعية يكذب او الظنية المساوية للظن الحاصل من الخبر فانهما تتعارضان بلا مرجح و لايمكن المصير الي احدهما و العمل بالشك و الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة و عن ابي‌عبدالله عليه السلام لاتقبلوا علينا حديثا الا ما وافق القرآن و السنة او تجدون معه شاهدا من احاديثنا المتقدمة الي ان قال فاتقوا الله و لاتقبلوا علينا ما خالف قول ربنا و سنة نبينا محمد صلي الله عليه و آله الي ان قال فان مع كل قول منا حقيقة و عليه نور فما لا حقيقة له و لا نور فذلك قول الشيطان و عنه عليه السلام ما جاءك عنا فقسه علي كتاب الله عز و جل و احاديثنا فان كان يشبهها فهو منا و ان لم‌يشبهها فليس منا فتبين انه ليس المدار علي وثاقة الناقل و عدم وثاقته اذا علم الصحة بتصديقهم او الكذب بتكذيبهم فما ورد من خبر في تلك الكتب و لم‌يردعه الامام عليه السلام بكتاب و لا سنة و لا عقل و لا قرائن فقد قرر النسبة و صدقها و ان قلت من الردع معارضته بخبر صحيح قلت اني فصلت الخبر الصحيح عن سائر الاخبار لمكان الاجماع علي حجيته و الا فلا فرق عندي بينه و بين غيره فان الخبر ان كان صادرا من الحجة و متنه صحيح فلاينفعه صحة سنده و ان احتمل الوضع و الكذب في متنه احتمل في سنده ايضا فالذي يضع المتن يضع السند و لاجل ذلك قلنا لايفيد تصحيح الخبر بالرجال شيئا و انما هو عصا للاعمي فجميع ما ينسب اليهم ان لم‌يكن عنه رادع من الكتاب و السنة و دليل العقل البديهي و القرائن فانما هو مقرر و مسدد هذا و معارضة الخبر لخبر لاتدل علي كذبه و عدم صحة صدوره غاية الامر تمنع من العمل به و انما يكذبه ما يدل علي عدم صدوره من المعصوم نعم اذا كذب الخبر خبر اقوي و كان فيه قرينة تزلزل النفس في التصديق بصدور الآخر فذلك يمنع من تصديق الآخر فهما حينئذ من المتشابهات و يجب التوقف فيها و اما المعارضة بالاقوي فليست لسان ردع عن صحة النسبة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 412 *»

و انما هي لسان ترجيح في العمل كما يؤخذ في الحديثين المشهورين مع صحة نسبتهما بالاعدل و ان قلت اليس يكفينا في الردع المنع عن الاخذ بخبر الفسقة قلت انهم لم‌ينهونا عن خبر الفاسق مطلقا بل امرونا بالتثبت و التبين فاذا تبينا و صح النسبة عندنا باسباب و قرائن اخر فلم‌نعمل بخبر الفاسق من حيث خبره و انما عملنا به لما ثبت عندنا النسبة فالعمل علي تلك الاسباب لا علي خبر الفاسق الاتري ان خبر الفاسق لو وافق الكتاب يعمل به و انما يعمل حقيقة بالكتاب غاية الامر ان ذلك الخبر يوافق ما تعمل به فاذا عملت به بتصديق الامام ففي الحقيقة عملك بالتصديق غاية الامر يوافقه الخبر فافهم الم‌تسمع ما روي الشيخ اعلي الله مقامه عن جابر بن يزيد الجعفي قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول ان لنا اوعية نملاؤها علما و حكما و ليست لها باهل و مانملاؤها الا لتنقل الي شيعتنا فانظروا الي ما في الاوعية فخذوها ثم صفوها من الكدورة تأخذونها بيضاء نقية صافية و اياكم و الاوعية فانها وعاء سوء فتنكبوها و في المحاسن بسنده عن رسول الله صلي الله عليه و آله غريبتان كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها و كلمة سفه من حكيم فاغفروها و بسنده عن علي عليه السلام خذوا الحكمة و لو من المشركين و بسنده عن ابي‌جعفر عليه السلام عن عيسي عليه السلام خذوا العلم ممن عنده و لاتنظروا الي عمله و بسنده عنهما عليهما السلام لاتكذبوا الحديث اتاكم به مرجئ و لا قدري و لا حروري ينسبه الينا لاتدرون لعله شئ من الحق فتكذبوا الله فوق عرشه فيمكن ان يكون صدقا فاذا دل الدليل علي صدقه فهو صحيح و الم‌تشهد جميع علمائنا يعملون باخبار الضعفة اذا ايدت بشهرة او اجماع او قرينة اخري و انما يعملون بتلك الاسباب اذا عملوا لا بخبر الفاسق من حيث فسقه الاتدري ان الفاسق قد يصدق كما ان العادل قد يكذب و لاجل ذلك رخصوا لنا بالاخذ بكتب الخارجين عن المذهب اذا دل علي صدقهم القرائن و ذلك ان فاسد المذهب لايكون ثقة لانه يكذب حجة الله و يكذب اوامره و نواهيه و ينكر فضائله و ما خصه الله به

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 413 *»

و يصف الله بخلاف ما وصف نفسه به و يفتري علي الله تعالي و يجحد الحق و الا لايكون كافرا فمحال ان يجتمع الوثاقة مع فساد المذهب و مع ذلك امرونا بالاخذ برواياتهم مع دلالة القرائن علي صدقه في ذلك كما روي عن ابي‌محمد عليه السلام انه سئل عن كتب بني‌فضال فقال خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا فهو تصديق لروايات غير الثقات و بتصديقه جاز الاخذ بها مع انهم غير ثقات و تصديقهم اللساني و تقريرهم السكوتي واحد و عن الشيخ ابي‌القاسم رضي الله عنه في كتب ابن ابي‌العذافر بعد ما ذم و خرجت فيه اللعنة خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا فصار المناط تصديقه مع فسق الراوي و التصديق و التقرير لا تفاوت فيهما و قد مر حديث ابي‌عبدالله عليه السلام ما جاءك في رواية من بر او فاجر يوافق القرآن فخذ به الخبر ، فلم‌يكن المدار علي الوثاقة و كان العمل علي القرينة و اي قرينة ادل من تقرير الامام الشاهد المطلع فكذلك اذا حف الخبر بقرائن قطعية غير الكتاب و السنة و العقل تدل علي انه كذب و افتراء فذلك مما لايعول عليه و لايعمل به فلايصدق النسبة معها و تلك القرائن ليست بحجة عامة و انما هي حجة لمن حصلت له لا غير و كذلك اذا حف الخبر بقرائن يظن منها كذب الخبر فذلك ايضا لايمكن التعويل عليه فان القرائن ايضا منصوبة من قبل الامام عليه السلام و قد ساوت الظن الحاصل من اصل الرواية فلايمكن الاعتداد بها مع تلك القرائن و اما اذا ورد خبران في غير الاحكام الشرعية التي يمكن فيها التعارض بالتقية او بسبب اختلاف الاسباب كما اذا ورد في الوقايع و الحوادث و اختلفت و لا بد و ان يكون احدهما صادقا موافقا للواقع و الآخر مخالفا و لاينافيان الكتاب و السنة و دليل العقل و لا قرينة علي وضع احدهما بل صدورهما متعارضين دليل علي سهو في احدهما او وضع من الروات و غيرهم من غير تعيين فهنالك يجب الوقوف فانه موضع شبهة و قد قامت قرينة قطعية علي وضع احدهما من غير تعيين فوجب الوقوف عن تعيين احدهما بل و كذلك في الاحكام اذا قام قرينة قطعية او ظنية علي وضع احدهما من غير تعيين فيجب الوقوف هناك ايضا لما عرفت

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 414 *»

فبهذا الاصل الاصيل الذي هو اصلب من الجبل يثبت صحة كل خبر ادعي صحة صدوره و لم‌يردعه الامام عليه السلام بكتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او دليل عقل تعرف العقول عدله او قرائن دالة قطعية او ظنية فما لم‌يردعه بشئ من ذلك فهو حق لا مرية فيه و لا ريب يعتريه اذ علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و هذا هو الرد اليهم صلوات الله عليهم كما روي في اخبار عديدة من الرد اليهم في كل ما لايعلم صدقه و كذبه فحين كانوا ظاهرين كان الرد حضور حضرتهم و السؤال عنهم و اما في حال الغيبة فيرد اليهم كما ذكرنا اذ لايمكننا غير ذلك و لايرون المصلحة الا كذلك و يأتي في ذلك آيات و اخبار لايبقي معها لك شك فنحن نحكم بصحة الاخبار من الاعلي و من الاعلي لايحتمل ما يحتمل في الاسفل قال الله سبحانه اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا فاذا يئس الذين كفروا و منهم الشياطين من تغيير ديننا و تبديله و تحريفه و الدس فيه و نهينا ان نخشاهم و امرنا بخشية الله وحده و اخبر سبحانه اليوم اكملت لكم دينكم بنصب الولي الشاهد الحافظ الزايد للناقص و الناقص للزايد المقيم لكل اود و المثقف لكل عوج و تم علينا نعمته بالنص عليه و تعريفه و رضيه لخلوه عما يكره منه فما بالنا لانصحح الاخبار المتخلفة عنهم من غير نكير منهم و هم الحافظون لها قال الله سبحانه انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون فلايرد علينا ما روي مما يدل علي كون الكذبة و وقوع الدس فانا لاننكره فهم كانوا يفعلون و لكن الله يبطل كيدهم و مكروا مكرا و مكرنا مكرا و هم لايشعرون فكان الله يظهر كيدهم و يبطل امرهم و يخزيهم فان له في كل خلف عدولا ينفون عن دينه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين فقد روي مستفيضا معني ما روي عن الصادق عليه السلام ان العلماء ورثة الانبياء و ذلك ان الانبياء لم‌يورثوا درهما و لا دينارا و انما اورثوا احاديث من احاديثهم فمن اخذ شيئا منها فقد اخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 415 *»

البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين انتهي ، فلانخشي الداسين و المحرفين اعتمادا علي الامام عليه السلام فانه يزيل دسهم و تحريفهم بما يشاء كيف يشاء و هذا الطريق من طرق السموات و ليس فيها قطاع و لا خطر و الحمد لله و لايرد فيها الاحتمالات الاصولية ابدا ابدا و لنا بعد هذا الدليل المحكم و الامر المبرم ادلة اخر نذكر هنا ما يريد الله سبحانه فمنها ان الصحيح الذي حاجتنا اليه في هذه الابواب هو الصحيح الشرعي الوضعي لا الصحيح الكوني فنحن نبتغي لنا صحيحا شرعيا وقع بطلبه التكليف و يسقط عنا بوجدانه و يرضي الله سبحانه عنا و هو امر ثانوي طار علي الامر الاولي و ذلك كالكذب الذي اشار الله سبحانه اليه حيث قال فاذ لم‌يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون فجعل الله سبحانه اخبارهم كذبا عنده و هذا العند هو العند الشرعي الظاهري الوضعي و مثل ذلك اربع كثير الشك اذا شك بين الثلث و الاربع فانه يبني علي الاربع فهذه اربع عند الله سبحانه و يثاب علي الاربع و يكتب في كتاب عمله الاربع و كذا طاهر الشاك في وصول النجس اليه فانه طاهر شرعي و عند الله سبحانه و يكتب في كتابه الطاهر فالواجد له لايبالي وافق الكون الخارجي ام خالف كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لاابالي اذا لم‌اعلم ابول اصابني ام ماء فنحن نبتغي صحيحا هو عند الله الشرعي الوضعي التكليفي صحيح و لانبالي اذا وافق الامر الخارجي ام خالف فان تكليفنا طلب الصحيح الثانوي الذي وضعه الله لنا صحيحا فهو كما مثلنا آنفا انه اذا قال قائل بحضرة الامام عليه السلام ايها الناس ان امامكم هذا يأمركم بكذا و كذا فاذا سكت الامام عليه السلام عن ردعه و لو تقية فهو الصحيح الثانوي الذي اراده الامام لنا فان لم‌يصدر الخبر عنه سابقا كونا فقد صدر عنه ثانيا شرعا لرضائه به فقد صدر عنه تلك الساعة من لسان القائل بكم تحركت المتحركات و سكنت السواكن فلو لم‌يكن عنه و كان الناطق ينطق

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 416 *»

عن الشيطان لكان يخيب لقوله و قد خاب من افتري و لكان الامام عليه السلام يحق الحق و يبطل الباطل و لم‌يدع ابليس ينطق بالاضلال فلم‌يقم علم هداية في مقابله فيرتفع الحجة عن الخلق و لايكون لله علي خلقه حجة و هذا ظن من يظن ان العالم بالاهمال او بالتفويض فيفعل من يشاء ما يشاء مخلي السرب مرخي الزمام و اما عند العارفين بحيوة العالم و ان ما يقع فيه يقع عن عمد و حكمة و صواب تدبير فليس كذلك فالناطق لسان من يحركه ان كان محركه الامام فنطقه نطق الامام و ان كان محركه الشيطان فنطقه نطق الشيطان فقد روي ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و روي من اصغي الي ناطق فقد عبده ان كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان فالصادر من الناسب ان وقع في الملك في موقعه فهو لسان الامام المحرك للمتحركات الحق معكم و فيكم و منكم و اليكم و انتم اهله و معدنه فهو صادر عن الامام عليه السلام فقد روي ان كلما في ايدي الناس من حق فهو عنهم كما روي في الكافي عن ابي‌جعفر عليه السلام يقول ليس عند احد من الناس حق و لا صواب و لا احد من الناس يقضي بقضاء حق الا ما خرج منا اهل البيت و اذا تشعبت بهم الامور كان الخطاء منهم و الصواب من علي عليه السلام و عنه عليه السلام انه ليس احد عنده علم الا شئ خرج من عند اميرالمؤمنين عليه السلام فليذهب الناس حيث شاؤا فوالله ليس الامر الا من هيهنا و اشار بيده الي بيته اقول و في الزيارة ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليكم و في بيوتكم الصادر عما فصل من احكام العباد الزيارة ، فالواقع عن الناسب ان كان حقا او وقع حقا و قرره الامام فهو ينطق عن الامام عليه السلام فهو صحيح الصدور شرعا تقريرا و هو بغيتنا و اليه حاجتنا و قد حصل ثم لانبالي هل خرج ظاهرا عنهم شفاها ام لا و ان كان الناطق متحركا بالشيطان فما نطق فرية و كذب و علي الامام عليه السلام ازهاقه جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا و ان الله لايصلح عمل المفسدين فلا بد و ان يعلم عليه علائم الباطل و الكذب و الفرية ليهلك

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 417 *»

من هلك عن بينة و عن حجة واضحة و انت تعلم ان بعد آل‌محمد عليهم السلام و في غيبتهم مرجع العباد هذه الاخبار نوعا و اجمالا و الحايد عنها حائد الي النار اجماعا و قد قرروا الشيعة بالرجوع الي هذه الاخبار فما نسب اليهم منها و كان كذبا كان الواجب ابطاله و ازهاقه و افساده لانها مرجع الشيعة و بها عملهم و عليها اساس دينهم و ليست بامر لايعتني به فما لم‌يكذبوه و لم‌يردعونا عنه و لم‌يتبرؤا عما نسب اليهم عليهم السلام فهو منهم و عنهم البتة و هو صحيح الصدور و لو علي الامر الثانوي و فيه بغيتنا و اليه حاجتنا و هم راضون بالعمل بها و الا لردعونا عنها و اقاموا عليها دليلا مانعا عن العمل بها و قد قدمنا ان لا كل ما صح صدوره صح العمل به ثم نراجع القواعد المقررة للعمل فنعمل بما اوقفونا عليه خذ هذا الاصل السماوي الالهي و استرح عن خوف قواطع الارض فالاخباري و ان اصاب في النتيجة لم‌يصب في المقدمات فانه استدل من الارض و لمايتخلص عن شر قواطعها و اما الاصولي فقد عرف القواطع و اللصوص و الاخطار و لم‌يقدر علي التحرز عنها و لكن الفرقة الناجية من كان منهم عمله بالاخبار فهو علي سبيل نجاة انشاء الله و انما مثلهم كمثل من صام يوم الشك بنية شعبان فوقع في شهر رمضان فهو يجزي عنه لان الصوم وقع علي اليوم بعينه و هو يوم فرض و وقع الصوم علي الفرض فيجزي عنه و هؤلاء قد عملوا بهذه الاخبار التي عليها المدار و هي حجة الله القهار في هذه الاعصار و ان سموها ظنية و لكن لعلمهم القطعي بان تكليفهم العمل بهذه الاخبار يجزي عنهم هذا و حين غوصهم في الاخبار يظهر حجة الجبار لهم قرائن و يصرف قلوبهم الي ما يشاء لانهم مرجع الشيعة و محل العناية من الامام و يحفظهم لحفظ الدين و حمل المسلمين علي الحق ليحفظ النوع و لايزول الحق عن مستقره و ان كان ظنهم ذلك نقصا في العلم و المعرفة بالله و برسوله و بحججه عليهم السلام و اما من حاد عنها الي الآراء و الظنون و الاهواء و المقاييس كالعامة العمياء و اهل الخلاف فقد حاد الي النار قطعا و ان اصاب لم‌يوجر و دخل النار و ان اخطأ فهو آثم يدخل النار فهو من النار علي اي حال

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 418 *»

فالمدار في هذه الاعصار علي هذه الاخبار المستبقاة للشيعة الاخيار الذين هم محال عناية الجبار من اهل هذه الدار و الا لخسفت بهم الديار و هي ما لم‌تردع صحيحة الصدور من الحجج عليهم السلام قائمة مقامهم في زمان غيبتهم و هي الامام الملفوظي المنطوقي و هي عقل الامام الظاهر في حلية الالفاظ و هي روح القدس الظاهر بصفة اللفظ قال الله سبحانه و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و هي نفث روح القدس فاذا كانت الاخبار هي هي روح الامام و عقله كانت معصومة كما ان الامام معصوم و يحفظها الله عن الالتباس كما حفظ الامام عن الالتباس باعدائه نعم يلقي الشيطان في امنيته كما جاء باعداء آل‌محمد عليهم السلام في مقابلتهم فكما لم‌يشتبه علي عليه السلام بابي‌بكر لذي عينين بتسديد الله عليا عليه السلام و لبس الله ابي‌بكر ( ابابكر ظ ) بسراويل الباطل و النار حتي يعرف كذلك لايشتبه الحديث الحق بالباطل بتسديد الامام و جعله علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا فالاحاديث اليوم امام لفظي لنا معصوم مطهر مبين الصدق و ان كان باطل بازائه ايضا كما ان الامام هو الخبر الكوني عن النبي صلي الله عليه و آله و عن الله و الحديث الكوني و السنة الكونية فافهم ان كنت تفهم و لاتظنن بامامك المنطوقي الظنون و لاتظنن انه قد لعب به الشيطان و القي الشيطان فيه و اعلم انه معصوم مطهر عن كل مكروه انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا فالدين الكامل التام المحفوظ هو امامك المعصوم اليوم فسر فيه ليالي و اياما آمنا و بهداه اقتده مطمئنا و اعلم ان الله لايدع حجته بايدي المتلبسين حتي يفسدوه و يجعلوه ظني الحجية و ظني الامامة فلو جاز ذلك لجاز ان يكتفي الله و رسوله في الامام بان يكون ظني الامامة بل يكتفي الله برسول ظني الرسالة و يأتي في الباب الثالث لذلك مزيد ايضاح

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 419 *»

و منها ان الله سبحانه حق خلق السموات و الارض بالحق للحق و انت تعلم انه ليس علي الحق في جميع الدنيا الا الشيعة الاثني‌عشرية و هم محال عناية الله من الارض بهم يرزق الله العباد و بهم يدفع عن البلاد و بهم ينزل القطر و ينبت النبات لولاهم لم‌يعبد الله احد و لماامهل الله الدنيا و اهلها طرفة عين فكلما يراهم الله سبحانه علي الحق و لازمي الحق و حامليه من الدنيا عفا عن الخلق و اخر عقابهم و لم‌يعجلهم بالعقوبة فلو لم‌يكن هؤلاء في الدنيا الباقين علي الحق لخسف الارض باهلها و انت تدري ان الكتاب قد نص في آي ان الظن لايغني من الحق شيئا فلو كان العلم مرفوعا عن هذه الفرقة لكان الحق مرفوعا عنهم فان الحق لايصاب بالظنون و الله سبحانه لايعبد بالظن كما مر بالكتاب و السنة و الاجماع فلو كان باب العلم مسدودا علي هؤلاء و كان مدارهم علي الظن لكان العالم ينهدم و لم‌يبق محل عناية لله سبحانه في خلقه و لم‌يكن حق يستمد منه المدد الحق فينزل علي الارض و يصيب السايرين اطرافه بالعرض و الباطل المعرض عن الله الحق ايضا ليس بمستمد فكان ينهدم بناء العالم البتة كما انه ورد في اخبار انه لولا الحجة لساخت الارض و الاخبار ايضا منطوقة عقل الامام و ملفوظة علمه و نفسه فلو لم‌تكن علي الحق و لم‌تكن اخبار حقة بها يحتج الله علي خلقه لساخت الارض لزوال الحق فالدليل علي كون هؤلاء الفرقة المحقة علي الحق دوران السماء و سكون الارض فمدار هذه الفرقة البتة علي الحق و ليس شئ في ايديهم في غيبة امامهم الا اخبارهم فالرجوع اليها و استخراج الحق منها حق لا مرية فيه و فيه رضاء الله و رضاء رسوله صلي الله عليه و آله و رضاء خلفائه عليهم السلام و هي دين الله و دين رسوله و حججه عليهم السلام قطعا اذ ليس في ايدي اهل الحق سواها فما كان منها بين الكذب فليس من المرجع و المفزع و قد حن قدح ليس منها غاية الامر انه من القاء الشيطان في امنية رسول الله صلي الله عليه و آله و خليفته فنسخ الله ما القي الشيطان و ابدي انه غريب ليس منها و ما لم‌يكن بين الفرية فالواجب علي اهل الحق النظر فيها و استخراج حكم الله منها علي حسب القواعد المقررة من الشارع فهي حجة الله الحق قطعا و مرجع الشيعة قطعا و معلوم الحجية من الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 420 *»

قطعا و مقررة من الله و رسوله قطعا و هي التي ارادها الله من خلقه عن عمد و تدبير و حكمة و مشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب لايقهر في امره و لايغالب في حكمه و ارادها الحجة كذلك مع اطلاع و شهادة و قدرة و عصمة و انه محرك كل متحرك و مسكن كل ساكن و لا حق الا منه و اليه فما بالكم تتزلزلون في هذه الاخبار و تقولون انها مشكوكة او مظنونة الصدور و سد علينا باب العلم و نحن نأكل الميتة اضطرارا فاي حق اوضح من ذلك و اي صحيح اصح من ذلك فباي حديث بعد الله و آياته يؤمنون و من لم‌يسكن الي هذه الادلة الالهية فباي دليل يهتدي و يسكن الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شئ محيط و منها ان الله سبحانه ارسل رسولا و انزل عليه كتابا و سن له سنة فجعله خاتم الرسل و جعل كتابه خاتم الكتب و جعل سنته خاتم ( خاتمة ظ ) السنن فانزل في كتابه في سبعين آية حرمة العمل بالمظنة و نص بانه لايغني من الحق شيئا و نطق رسوله صلي الله عليه و آله في اخبار متواترة بل متجاوزة حد التواتر ان العمل بالمظنة في الدين حرام محرم علي الاطلاق فصار من شعار دينه الذي هو خاتم الاديان ان المظنة ليست من دينه كما ان الخمر او لحم الخنزير محرم ليس من دينه و كل من ورد كتابه و سنته رأي باوضح وجه انه ليس من هذا الدين و ان كان خارجا من هذا المذهب و العجب من اناس غفلوا عن هذا الوضوح و هم مصرون علي اثباته حتي جعلوه الاصل في الحجية و قالوا بعموم حجيته حتي ادخلوه في اصول الدين و جوزوا فيها الظن نعوذ بالله فكيف يراعي النبأة من اصمته الصيحة و كيف يدخل نبأتي في آذانهم و هم عن صيحة الحق صم و لكني اقول الحق و الله يهدي السبيل فاقول لو قال لهم نصراني ان كتابكم هذا ينطق بان الظن ليس من دين الله في دين من الاديان و شرع من الشرايع و لا اختصاص له بدينكم و قد عاب الله سبحانه علي كل امة عملوا بالظن و كتابكم شاهد علي ذلك و نبيكم ايضا قال في اخبار متواترة ذلك كما ان كل نبي نهي عن ذلك امته و نبيكم يقول ماكنت بدعا من الرسل و انتم تزعمون ان نبيكم خاتم الانبياء و دينه باق الي يوم القيمة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 421 *»

و لايخترم و لايزهق فان الباطل كان زهوقا و اراكم بعد فقد نبيكم و غيبة وليكم علي زعمكم تدعون ان العلم الذي كان عليه مدار الحق في جميع الاديان مرتفع عنكم و قد اخترم و سد بابه عليكم و ان مداركم علي ظن و لم‌يكن من دين نبي من الانبياء و لا من دين نبيكم و قد نطق كتابكم الذي لايسعكم انكاره بذلك فانتم لستم علي دين نبيكم و لا دين احد من انبياء الله سبحانه و انتم اليوم علي امر لايغني من الحق شيئا و ماذا بعد الحق الا الضلال ماادري ماذا يجيبون ذلك النصراني هل يقولون ان نبينا قال كذا و ربنا قد انزل كذا و لكن عقولنا حكمت بكذا و حمكت بان ظن المجتهد راجح و مخالفة الراجح قبيح فيقول لهم فانتم اتخذتم هواكم الها و استبددتم بعقولكم دون ربكم و نبيكم و اما انا فاقول لو حاجكم النبي صلي الله عليه و آله يوم القيمة تحت عرش رب العالمين و قال يا رب انك انزلت سبعين آية في كتابك بحرمة العمل بالمظنة و قلت لتبين للناس ما نزل اليهم فبينت لهم و اصررت لهم اصرارا ( اسررت لهم اسرارا ظ ) و دعوتهم ليلا و نهارا حتي تواتر عندهم عني اخبار و صرحت و اوضحت و اطلقت و لكنهم استبدوا بعقولهم و قالوا ان ظن المجتهد راجح و العدول عن الراجح قبيح مع انك قلت ان الظن لايغني من الحق شيئا و انا قلت ان الظن اكذب الكذب فعدلوا عن كتابك و عن سنتي و ارتكبوا قبيح مشاقتك و مشاقتي و رضوا بمخالفتي و مخالفتك و رجحوها بعقولهم السخيفة و آرائهم الضعيفة مع انه انذرهم قوم آخرون و حذرهم طائفة من امتي فلم‌يرتدعوا و قالوا نحن نعمل بالاخبار لا من حيث انها اخبار بل من حيث حصول الظن و نحن متبعون ظنوننا الحاصلة في صدورنا لا الاخبار المسطورة في سطورنا فاحكم بيننا بالحق و افتح بيني و بينهم فتحا و نجني و من معي من المؤمنين ،
ماذا تقولون اذ قال النبي لكم       ** * **      ماذا صنعتم و انتم آخر الامم
فاعدوا الجواب ليوم فصل الخطاب ، و اما نحن فنقول ان نبينا خاتم الانبياء و كتابه خاتم الكتب و دينه خاتم الاديان فهو نبي كل زمان يحتج علي الزمان الآتي كما احتج علي زمان وجوده

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 422 *»

و القي علي هذه الازمنة من علم الله كما القي علي اهل زمانه فانهم شركاء في التكليف و المقتضي و الباعث و قد قال صلي الله عليه و آله بامر الله اني رسول الله اليكم جميعا و قال الله سبحانه و ماارسلناك الا كافة للناس فهو رسول كل قرن الي يوم القيمة فلو كان يجوز عند عاقل من العقلاء ان يبعث الله رسولا لايحصل من قوله القطع بقول الله سبحانه و حكمه و يحتمل في كلامه السهو و الخبط و الدس من نفسه و التحريف من نفسه لدين الله و كلما يقولون اليوم و يكون الناس في الاخذ عنه متزلزلين و يكتفي احد بالعمل بالظن المطلق بحكم الله و لو من غير اخذ عن ذلك النبي ثم يقول اني من امته و حكمي الذي حكم به ظني حكم ذلك النبي عقلي كعقله و نفسي كنفسه فما حكم به ظني يحكم به ذلك النبي ايضا لا محالة و يحكم به الله لا محالة و لايتفاوت ظني و ظن النبي بل ظني و علم النبي بل ظني مساو لعلم الله و يقول للنبي انا اعمل بقولك لا من حيث انه قولك بل من حيث حصول ظن لي بان هذه المسألة قول الله و دينه فلو كان يتم لله الحجة بمثل هذا النبي في زمان ظهوره يتم بمثله حجته في زمان خفائه و هو مبعوث الي الزمانين و الله مستعبد لاهل الزمانين و يحتج به عليهم في الزمانين فاي فرق بين هؤلاء و هؤلاء في العبودية لله سبحانه و الحاجة الي الدعوة و الرسول نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فلا بد و ان يكون بعد النبي و الولي في الامة احاديث هي كمتفوهات النبي و الولي يوم حضورهما و يكون الناس في الاخذ بها علي يقين كما كانوا علي يقين من متفوهات النبي صلي الله عليه حتي يقوم الحجة عليهم و من يجوز ان يكون الدين كذا كما يقولون لا بد و ان يجوز ان يكون الدين يوم بعثة النبي كذا و من جوز ذلك لا حجة له علي عصمة الانبياء و نصب الخلفاء و من زعم ذلك فحسابه علي ربه و حده معلوم فان وجب ان يكون النبي معصوما حتي يحصل القطع بمراد الله و يحتج الله به علي خلقه وجب ان يكون دين الله قطعيا علميا و الا فاي حاجة الي العصمة و العدالة كافية فان وجب ان يكون قطعيا في زمان وجب ان يكون قطعيا في كل زمان هو نبيه و النبي خاتم الانبياء و نبي كل زمان و اهل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 423 *»

كل زمان عبيد الله محتاجون الي التكليف و اقامة الله الحجة عليهم الي يوم القيمة فوجب ان يكون دينه قطعيا لاهل كل زمان و ليس اليوم في يد الشيعة الفرقة المحقة الا هذه الاخبار المأثورة فان كانت قطعية فبها و كانت كتفوه النبي الصادق بالحق و الا كان الحق عنهم مرتفعا بل يرجع هذا النقص الي النبي نعوذ بالله حيث لم‌يبلغ و الابلاغ ان يوصل المبلغ ما عنده الي من امر بالابلاغ اليه و ما عند النبي هو الحق فان بلغ ذلك الحق الينا و اوصله الينا فهو و ان لم‌يبلغ فمابلغ رسالاته البتة و ان قلت قد بلغ و لكن عرض عوارض جعلته ظنيا قلت ان كان يجوز و يتم بعثته ان يعرض عوارض في زمان ظهوره يجوز ان يعرض عوارض اليوم فهل يجوز ان يبعث نبي و يقوم بين ظهراني العباد و يحدث بامر الله و يأتي الرياح و يذهب بصوته حتي لايستمع آذان المستمعين صوته او يسمعوا شيئا و لم‌يصح عندهم هل برئ ذمة ذلك الرسول عن الابلاغ ام لا و هل يجوز له ان يقول كان الواجب علي ان انطق بينهم و هذا هو الابلاغ سمعوا ام لم‌يسمعوا فمااراكم الا انكم تقولون انه قد نطق و ذهبت الرياح بصوته فلم‌يصل الينا فاذا لم‌يبلغ ارأيتم لو امر نبي بالابلاغ الي جميع بني‌اسرائيل فجاء الي واحد اسرائيلي في برية فاخبره ثم ذهب هل يقال انه بلغ امر الله الي بني‌اسرائيل فمااراكم الا انكم تقولون انه بلغ الي بعض امته و ترك البعض و قطع القواطع بين الذين علموا و بين الذين لايعلمون اليس ذلك تقصيرا من النبي المبعوث الي الكل المأمور من عند الله بالابلاغ الي امته و امته الكل الي يوم القيمة و اما لو بلغ ظاهرا الي البعض بلسانه الظاهري و بلغ الي الآخرين برواة اخباره و رسله و نقلة اخباره و حفظة آثاره و قرنها بادلة قطعية حتي جعلها في الحجية و الحقية كالمنطوقة بلسانه لم‌يقصر و قد بلغ ما ارسل به الم‌تر ان السلطان لو بعث الي قرية رجلا بامر و لم‌يقرنه بقرائن قطعية و آثار يعلم منه صدقه فعصته القرية ليس له عليها حجة و لايعاقبها البتة و اما ان اعطاه توقيعا مختوما و جعل له قرائن الصدق فعصته عذبها عذابا نكرا و لم‌يجر في سلطانه فالنبي ان لم‌يحمل اخباره من يعتمد عليه و لم‌يجعل لها قرائن قطعية جعلتها في الحجية كمنطوقاته لم‌يكن له حجة علي من تصل اليه و كان لهم ان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 424 *»

يقولوا انا ماعلمنا انها منك و نهيت عن اتباع الظن فليس لك علينا حجة و لذا روي لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا و قد عرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم و روي اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله بالجملة كون النبي مبعوثا علي اهل كل عصر و عدم قيام حجة الله بالظن في عصره و في كل عصر و عدم كون شئ في ايدينا الا هذه الاخبار دليل ابين من الشمس في رابعة النهار انها مرفوعة المنار ساطعة الانوار قطعية الصدور ظاهرا او تقريرا و بها تقوم حجة الله سبحانه علي عباده يوم النشور و منها ان الله سبحانه خلق الخلق حين خلقهم و هم جهال مقبلون اليه من غاية البعد و الجمادية و لم‌يك يقوم الا بامر و نهي و تعليم و تأديب فخلق من لطفه انبياء ابتعثهم اليهم يتلون عليهم آياته و يزكونهم ليعلموهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلال مبين و لم‌يخل ارضه من حجة عليهم و من تعليم و تأديب مذ خلقها فكانت الرسل تأتيهم تتري و ان غاب يوما حجتهم كان علمه و آدابه بينهم فانه ان غاب غاب تقية و خوفا و لايخاف علي علمه المحفوف بالقرائن القائم مقامه في رعيته الي ان جاء نبينا صلي الله عليه و آله فتلي ( فتلا ظ ) عليهم آياته و زكيهم و علمهم الكتاب و الحكمة الي منتهي ايامه فابي الله ان يدع الارض بلا حجة داع اليه فنصب بعده عليا عليه السلام و بعده الحسن عليه السلام و هكذا الي ان نصب الخلف بن الحسن عليه السلام فغاب عن الانظار تقية و خوفا فلم‌يبق للناس انسان معلم و مؤدب مشهود من الله سبحانه معصوم فلو زوي عن الناس ايضا علمه و آدابه مايعلمون الناس علما انه من الله سبحانه و انه دين الله لم‌يبق بين الله و بين خلقه وسيلة يبتغونها اليه البتة و من ثم قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان غاب عن الناس شخصه في حال هدايتهم فان علمه و آدابه في قلوب المؤمنين متشتتة و هم بها عالمون و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام كيف ينتفع الناس بالغائب المستور

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 425 *»

قال كما ينتفعون بالشمس اذا سترها السحاب و عن الخلف عليه السلام و اما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس اذا ( غيبها ظ ) عن الابصار السحاب و يأتي في ذلك مزيد بيان انشاء الله فاحاديثهم المأثورة هي القائمة مقامهم في مغيبهم بل هي الامام المنطوقي فان احاديثهم تفاصيل عقلهم و علمهم قد ظهرت في عالم اللفظ و النطق و من ذلك قيل كلام كل امرئ دليل عقله بل هي عقلهم الظاهر في صورة الالفاظ و هي الروح المشار اليه في قوله تعالي اوحينا اليك روحا من امرنا و انت تعلم ان اول ما خلق الله روحهم و هو عقلهم فانه الروح من امر الله فاحاديثهم الروح من امر الله الظاهر في صورة الالفاظ به تحيي موات النفوس استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و المؤمن حي به و الكافر ميت عنه يخرج الحي من الميت اي المؤمن من الكافر من احيي نفسا فكأنما احيي الناس جميعا فاحاديثهم تحيي بها ميت القلوب فهي الروح يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربي و هي الروح الانسانية لان النبي صلي الله عليه و آله اخرج الناس باحاديثه و علمه و آدابه من حد البهيمية الي حدود الانسانية الناس كلهم بهائم الا المؤمن فاحاديثهم هي الروح الانساني و هي العقل الذي يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان فتبين و ظهر لمن كان من اهل النظر ان السنة هي الروح المنطوقي و العقل الملفوظي و هي عقلهم و روحهم المعصوم المطهر عن الخطاء و الزلل المعتصم بالله المصون عن كل جهل و شيطانية و لايضر بها ما كان يلقي الشيطان كما لم‌يكن يضر بهم عليهم السلام وجود اعدائهم و خلطهم انفسهم في عدادهم فان الله ينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته و الله عليم حكيم و جعل ذلك كذلك ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين كفروا و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالآخرة بعد البينة و يهلك من هلك متجاوزا عن البينة و علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور فمن عصم آل‌محمد عليهم السلام حتي لايشتبهوا باعدائهم و تم نورهم و لو كره الكافرون عصم آثارهم التي هي آل‌محمد المنطوقي عن اعدائهم المنطوقي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 426 *»

و هي ما يدس و يحرف و يغير و يبدل و لايضر بهم كيدهم شيئا و مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين فالاخبار التي عليها المدار بين الشيعة الابرار هي امامهم اليوم الظاهر و هي عقلهم و روحهم و حجة الله عليهم و لايعقل ان يكون حجة الله ظنية و وهمية و غير معصومة عن نقص يمنع عن الحجية و يزلزل اقدام النفوس و يورث لها حجة علي الله سبحانه فمن رام يجوز ذلك علي هذه الآثار لزمه تجويز عدم العصمة و التشابه بالاعداء و ظنية الحجية لآل‌محمد عليهم السلام فان لم‌يجز هناك لم‌يجز هنا فان هذه الاخبار هي الامام اليوم و كل شئ احصيناه في امام مبين اي ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة فلم‌يتركوا شيئا يحتاج اليه الناس الي يوم ظهورهم الا و بينوا في اخبارهم فان منعهم عن ظهورهم تقية لم‌يمنع من اظهار علمهم و آدابهم تقية و ان كان تقية فرضا فهي الحكم الثانوي و دين الله المناسب لاهل اعصار الغيبة و لايعقل مانع عن قطعية دين الله الثانوي اذ كل ما اقتضي العالم و القوابل هو دين الله فماذا يمنع الحجة عليه السلام عن اظهار هذا فما اظهروه معصوم مطهر و امام مظفر لايشوبه شك و لا ارتياب و هو معصوم في كل باب راجعه فارغ القلب ساكن البال مطمئن النفس كما كنت تسكن الي آل‌محمد عليهم السلام ان رأيتهم و قد كانوا يفتون بالاختلاف و الزيادة و النقصان و التقية و مر الحق و كن بحيث تعلم انك لو شاهدتهم بعينك و سألتهم بلسانك لم‌يكونوا يزيدوك علي ما في يدك اليوم البتة فان هذا بايصالهم و لهم السنة صدق لاتعرفها و ايدي معطية باسطة لاتراها و انما يراها و يعرفها اولوا الالباب لا غير فخذ هذا البرهان السماوي الالهي و اطمئن عن قواطع الارض و شبهات القوم فانها نفخ في غير ضرام و قياس الامر السماوي الالهي بامور العباد الارضية و ادلتهم شاهدة و كلام السماء و اهلها لايشتبه بكلام الارض و اهلها فعلي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و منها انا استدللنا علي العامة حين قالوا لايجب نصب الخليفة بعد النبي بانه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 427 *»

لايجوز لسلطان عاقل يغيب عن ملكه اياما ان لايخلف خليفة في ملكه يرجعون اليه عن التشاجر الذي هو جبلي هذا الخلق المنكوس و ينفذ اوامره و نواهيه في رعيته و يبين لهم ما يرضيه و ما يسخطه فيتفرق رعيته و يتبدد ملكه و يتشتت ما جمعه في مدة مديدة بنصب و تعب كيف يجوز لنبي هو عقل الكل ان يدعي انه خاتم الانبياء و شريعته باقية الي مائة‌الف سنة فيبقي فيهم زمنا قليلا ثم يموت و لايخلف في القوم من يقوم مقامه و يجمع شمله و ينفذ امره و نهيه و يحفظ دينه حتي لايلعب به المنافقون و لايفسده المنتحلون و يوصل الي اهل كل عصر ما ينبغي لهم و يرفع التشاجر و يحكم بينهم حال التنازع و يحفظ الثغور و يجند الجنود حتي يظهر دينه علي الاديان و يفتح الامصار حتي يجري دينه مجري الليل و النهار فلم‌يكن لهم حجة في جوابنا ففلجت حجتنا و غلبناهم فنستدل اليوم علي القوم انه لايجوز لسلطان مدبر ان يذهب من بين رعيته و هو يعلم ان رعيته يقهرون خلفاءه و يسعون في اطفاء امرهم و لايترك بينهم قانونا محفوظا لايذهب به الحدثان و لايبليه الجديدان كيف تجوزون هذا المنكر علي نبي هو عقل الكل يعلم ان نبوته باقية الي يوم القيمة و ان اعداءه يقهرون خلفاءه بعده حتي يغيب خليفته و يبقي رعيته دهورا بلا راع ظاهر و ان المنافقين يلعبون بدينه و يدسون و يحرفون و يأولون و يكذبون و ينسون و تنطمس الاعلام و تذهب القرائن و تخفي العلامات لو لم‌يؤسس اساسا محكما فيذهب من بينهم و لايترك بينهم دينا قيما محفوظا من طوارق الحدثان و يرد الخلق الي الجاهلية الاولية التي انقذهم منها بكد يمينه و عرق جبينه و كذا يغيب خليفته و هو يعلم ان غيبته تطول ازيد من الف سنة و لايترك بينهم ما يرجعون اليه عند الاختلاف و يستخرجون منه حلال الله و حرامه و يعرض عن الدين و حفظه بالكلية و يتركهم و شأنهم مع جهالتهم في غلبة الجهال و دول الضلال و يذهب غير متوجه الي رعيته ابدا لايبالي بهم هلكوا ام بقوا عرفوا دينه ام لم‌يعرفوا حاشا ثم حاشا و والله حاشا الم‌يرد في التوقيع الرفيع انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء الخبر ، صلي الله عليه من راع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 428 *»

رؤف رحيم قادر عليم حكيم انصفني هل يناسب ذلك الذي يظنون لطف الرب الرؤف و عناية النبي العطوف و حفظ الولي الالوف انشدكم الله انصفوني هل ترك الناس علي ما تقولون احكام للامر ام تخريب و افساد و هل الموافق للحكمة ما اقول او ما تقولون فان انصفتم و اقررتم بالحق فاخبروني هل في ايدي الشيعة اليوم الا هذه الاخبار و هل مرجعهم الا هذه الآثار فان لم‌تكن هذه صحيحة فما مفزع الشيعة اليوم و ما مرجعهم و اين معقلهم و ما الذي خلفه النبي صلي الله عليه و آله بينهم و ما القول الثابت الذي به ثبتهم ليثقف به اودهم و يقيم به عوجهم و يجمع به شملهم هل هو الظنون السخيفة او الآراء الباطلة و الاهواء المردية فان لم‌تك في ايديهم الا هذه الاخبار هل هي صحيحة و خلفوها بيننا لطفا او سقيمة معروفة حقها من باطلها او مشتبهة يهتدي الي حقها من طلب الحق ام لايهتدي علي حقها نور لايشتبه بظلمة الباطل ام لا ، يحفظها الحجة عن تطرق الباطل دائما ام لا من يقدر ان يوصل الناس الي الظن يقدر ان يوصلهم الي اليقين ام لا ، يكفي في خليفة الله و هي اليوم الاخبار ان يكون مظنون الخلافة او يجب ان يكون معلوما ما لكم كيف تحكمون ثبتنا الله و اياكم بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة و منها انشدكم الله ربي و ربكم ان تنصفوني فيما اسألكم و تحكموا بالقسط و لاتخاطروا بانفسكم و انظروا بعين الانصاف هل الاكمل و الاحسن و الاولي ان يخلف الحجة في زمان غيبته و اوان استتاره بين رعيته آثارا قطعية مصونة عن دس الداسين و تحريف المحرفين و لعب اللاعبين و اخبارا محفوظة معصومة قطعية يحصل للمكلفين ان دخلوا البيت من بابه و لم‌يأنسوا بشبهات اعدائهم القطع بتكليفهم و يتبصروا بدينه و يهتدوا بهداه و يحصل لهم العلم بما اراد الله منهم و لايكلهم الي ظنونهم المردية و آرائهم المهلكة و عقولهم الناقصة فيتفرقوا ايدي سبا مشقوقة العصا راجعين الي الجاهلية الجهلاء او يتركهم سدي مهملين متزلزلين في الدين موكولين الي شبهات المشبهين و تأويل الغالين و تحريف المحرفين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 429 *»

شاكين ظانين في ظلمات الاحتمالات خابطين و لايكون في ايديهم قطعي من امر الدين انصفوني و رب البيت و الحرم و الحطيم و زمزم لااظن عاقلا في الدنيا يقول ان هذه اكمل و اولي و احسن من ذاك فان قال ان الاكمل هو الامر الاول فاقول هل ربكم يترك الاولي و هل نبيكم يرتكب خلاف الاكمل و هل وصيكم عدل عن الاحسن و انما تقولون و من دينكم ان نبينا صلي الله عليه و آله لايترك الاولي فان كان لايترك الاولي في افعاله الخاصة بنفسه كيف يترك الاولي في امر بعث لاجله و امر من عند الله بابلاغه و تحمل الصدمات لاجله فلا و رب الكعبة لايترك الاولي و ماترك بل بين فرايض الله و اقام حدوده و نشر شرايع احكامه و سن سنته حتي صار في ذلك من الله في رضا و انزل الله اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و من البين انه لم‌يترك بيننا الا هذا الكتاب و هذه السنة فالواجب ان يكونا قطعيين يفيدا العلم و العمل و يكونا معصومين محفوظين عن شر الاشرار و كيد الفجار و لانحتاج معهما الي تراء و لا تظن و لا الي اعدائه و منافقي رعيته و الي اجتهاد و رأي و قياس فجميع اخبارنا الا ما ابانوا كذبها صحيحة منسوبة اليه صادرة عنه مورثة للعلم كاشفة عما اراد الله منا و كيف تجوزون ان يصدر من الله سبحانه ترك الاولي و قد عاقب بعض انبيائه بترك الاولي و سر استحالة صدور ترك الاولي علي سبيل الاشارة ان الله سبحانه لايفعل فعلا بمقتض من ذاته فانه احدي قديم فيفعل ما يفعل علي حسب قوابل الخلق و بديهي ان ما كان اولي هو مقتضي وجوده اقوي من الذي ليس باولي و مانعه اضعف فما كان كذلك لاتتجاوزه المشية الجارية علي نهج الحكمة و الصواب الي غير الاولي فبذلك استحال صدور غير الاولي عن الله سبحانه و عن الذين هم اوكار ارادته الكلية و لم‌تسكن المشية الا فيهم و لم‌تبرز الا عنهم في الزيارة القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم و الممحو ما لااستأثرت به سنتكم و في الخبر ان الله جعل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 430 *»

قلوب اوليائه وكرا لارادته فمحال ان يصدر خلاف الاكمل و الاحسن و الاولي عن الله و عن رسوله و حججه الكليين عليهم السلام و لا شك ان كون الدين بحيث يحصل منه العلم و يطمئن به النفس و يسكن به الفؤاد اكمل و اولي من ان تكون النفس متزلزلة و القلب مترجرجا لايدري هل هو دين الله ام لا و هل يرضي الله به ام لا و هل هو صادر عن الله ام لا فاذا كان كون الدين معلوما قطعيا اكمل و اولي من المظنون لم‌يعدل الله سبحانه الي غيره البتة و ليس في ايدينا اليوم غير هذا الكتاب و غير هذه الاخبار فهي قطعية الصحة مورثة للعلم موجبة للعمل بلا شك و لا ارتياب ،
هذا اعتقادي فيه قد ابديته       ** * **      فليقبل الواشون او فليمنعوا
و منها ان الله سبحانه قديم و جميع ما سواه حادث و كل حادث مفتقر الي القديم و الله سبحانه خالقه و مخرجه من العدم الي الوجود الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه و تعالي عما يشركون هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه قل الله خالق كل شئ الله خلقكم و ما تعملون ام حسب الذين يعملون السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون و عن الرضا عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و قد خلق الاشياء بالمشية فما من شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرك و الله سبحانه لايسهو و لايلهو و انما خلق ما خلق مما سواه عن عمد و علم و حكمة فلم‌يقع و لن‌يقع و محال ان يقع في الملك شئ الا بعمد من الله و علم و حكمة و ارادة فهل تحسبون بعد هذه الآيات البينات المحكمات و الاخبار الساطعة الانوار الموافقة للكتاب المؤيدة بالعقل المستطاب ان يغلب المنافقون و اعداء الرسل و الاولياء الله في دينه فيريد الله اظهاره و اعلانه و جعله قطعيا و يغلبه الاعداء و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 431 *»

يحولوا بينه و بين ارادته نعوذ بالله و الله بالغ امره قد جعل لكل شئ قدرا و هو القاهر فوق عباده فلم‌يغالبه احد و لم‌يقهره مخلوق ضعيف و لم‌يحل بينه و بين ارادته من اخرجه من العدم الي الوجود و هو قائم بامره و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و في الدعاء كل شئ سواك قائم بامرك حاشا و كلا فجميع ما وقع بمشيته و ارادته و حكمته و علمه و عمده و لايكلف خلقه بما لم‌يخلقه و لم‌يرد من بريته ما لم‌يشأ لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها فهذه الاخبار الموجود علي ما هي عليه و بكل ما تقولون و تجوزون فيها من الاحتمالات و الشكوك و الشبهات هل صارت كذا بمشية من الله و حكمة و تدبير و قهر خلقه فيه و غلبهم ام غلبه الخلق و حالوا بينه و بين ارادته منها فلم‌يبلغ مناه فيها و لم‌يفز بما اراد لااظن مسلما يتفوه بان الله سبحانه قهره خلقه و غلبه و لم‌يدعه يظهر دينه كما يشاء فهو اراد ان يكون الاخبار كذا بجميع ما هي عليه و شاء ان تكون الآثار علي ما ترون البتة و لم‌يشأ غيره و لو شاء غيره لماغلبه احد من خلقه و لماقهره و لماحال بينه و بينه فهذه هي مراد الله اليوم و ما تعلق به مشيته و ما كان موافقا لحكمته فهل الذي اراده و شاءه و هو موافق لحكمته هو دينه الذي اراده من خلقه و كلفهم به ام الذي لم‌يشأه و لم‌يرده و لم‌يكن موافقا لحكمته فكلف العباد بدين لم‌يشأه و لم‌يخلقه و لم‌يكن موافقا لحكمته لااظن عاقلا في الدنيا يختار الاخير فقد شاء هذه الاخبار ان تكون كذا و هي كذا موافقة لحكمته و هي التي جعلها دينا لخلقه و اراد منهم الاخذ بها و التمسك بذيلها البتة و استنباط الاحكام منها فهي كائنة ما كانت دين الله موافقة لمشية الله و حكمة الله فمن اخذ بها امتثل ارادة الله و وافق مشية الله و من تخلف عنها فقد ظلم نفسه و تكلف و الله لايحب المتكلفين لان حبيبه يقول و ما انا من المتكلفين ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فهذه الاخبار صحيحة الصدور من الله سبحانه الا ما كذبه الله و نفاه عن نفسه و اظهر انه افتراء عليه و افسده كما قال ان الله لايصلح عمل المفسدين و اما ما اصلحه و لم‌يفسده و لم‌يزهق فهو حق لا مرية فيه و لا ريب

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 432 *»

يعتريه منه و اليه و ان لم‌يكن شئ منها صحيحا عرضيا و ارضيا صحيح طولي و سماوي و ان لم‌يكن صحيحا صدوريا ظاهريا فهو صحيح صدورا تقريريا و تصديقيا و السنة الله غير محصورة ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها فعن النبي صلي الله عليه و آله ما جاءكم عني من حديث موافق للحق فانا قلته و ما اتيكم عني من حديث لايوافق الحق لم‌اقله و لن‌اقول الا الحق و عن ابي‌جعفر عليه السلام ليس عند احد من الناس حق و لا صواب و لا احد من الناس يقضي بقضاء حق الا ما خرج منا اهل البيت و اذا تشعبت بهم الامور كان الخطاء منهم و الصواب من علي عليه السلام و في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأويه و منتهاه و اشهد ان الحق معكم و فيكم و منكم و اليكم و روي نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر الي غير ذلك من الاخبار فنحن لانحتاج و لانكلف بعلم الغيب و ما لم‌نحط به من الوقايع العرضية بل لانخشي الناس ان يحولوا بيننا و بين ديننا فان ديننا يأتينا من السماء لا من باب البيت فافهم هذه الحكم السماوية الالهية المحمدية العلوية و ان خلج بقلبك بعض اعتراضات و بعض النقض فمحل تحقيقه ساير كتبنا و هي به مشحونة و منها انا نري ان من الاخبار ما هي متواترة لفظا او معني و لا نزاع فيها و بعضها محفوفة بقرائن قطعية و لا نزاع فيها ايضا و بعض منها قد ادعي في بلاد الاسلام جمع من العلماء الاعلام انها صحيحة الصدور علي اصطلاح القدماء و بنوا عملهم عليها و ليسوا بمن لايعتني بهم و لم‌يكن لهم في المذهب خطر و لم‌يتبعهم احد بل كثير من اهل الاسلام اقتدوا بهم و اتبعوا آثارهم و كانوا من اول زمان الغيبة بل من ازمنة الظهور الي الآن و ليس امرهم بهين و نري من سواهم يقولون نحن نظن صحة صدورها او نشك في البعض و لم‌يتصد احد بتكذيب الاولين و ادحاض حجتهم و لم‌يقم احد يأتي ببرهان قطعي و لا ظني علي عدم صحة صدور تلك الاخبار و كذب تلك الآثار من اول زمن الائمة عليهم السلام الي الآن و لم‌تدل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 433 *»

آية و لا رواية علي ذلك و لا اجماع و لا دليل فاذا كان في الاسلام او المذهب قول معتني به و عمل به جم كثير و جمع غفير و لم‌يقم الله علي بطلانه شاهدا من آية و لا رواية و لا اجماع و لا دليل عقل و لا شهرة بل لم‌يقم عالما و لا جاهلا واحدا يقول ان هذه الاخبار مكذوبة علي الائمة الاطهار و لاتكون حقا و غاية خلافهم انا لانعلم كيف هي بل يقولون نحن ايضا نظن صحة صدورها و لم‌يقم مبطل مكذب في الدنيا فاي شئ بعده حق و باي امر يمكن ان يعتمد و اي تقرير من الله و من رسوله و حججه اعظم من ذلك و اية بينة اصدق من ذلك و سيأتي ان ذلك حجة الله العظمي في الماضين و الآتين و به يثبت نبوات الانبياء و المرسلين و وصايات الاوصياء المرضيين و لا حجة في جميع ملك الله اعظم من ذلك و من لم‌يسكن بهذه البينة ليس له حجة علي شئ من امر دينه و يعيش في ارتياب و يموت في ارتياب و اما ما سوي ذلك من الاخبار المنسوبة الي العترة الطاهرة فما لم‌يكذبه الله سبحانه بآية محكمة او سنة قائمة او اجماع قائم او دليل عقل بين او قراين مفيدة لليقين بوضعه و كذبه و هي منسوبة الي الحجج بمحضر من الله و رسوله و حجته القائم و هم شاهدون مستمعون عالمون قادرون يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و لايقارون علي باطل و لايغرون به و لايمكنون منه معصومون مطهرون مأمورون من عند الله باحقاق الحق و ازهاق الباطل و نقص الزايد و زيادة الناقص و اقامة الدين فهو ايضا حق نؤمن به و نحققه و نعمل به و لانشك فيه و لانتهم الحملة البتة اعتمادا علي الله و علي رسوله و علي الحجج عليهم السلام فلو قالوا لنا بما اعتمدتم و ركنتم نقول بتصديقكم و سكوتكم مع علمنا بانكم عالمون قادرون معصومون آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر و قد روي من معاني‌الاخبار بسنده عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال الا هل عسي رجل يكذبني و هو علي حشاياه متكي قيل يا رسول الله و من الذي يكذبك قال الذي يبلغه الحديث فيقول ماقال هذا رسول الله قط فما جاءكم عني من حديث موافق للحق فانا قلته و ما اتيكم عني من حديث لايوافق الحق فلم‌اقله و لن‌اقول الا الحق انتهي ، فكل ما لم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 434 *»

‌يكذبوه بمخالفة الحق فهو حق فافهم فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و انصف و اعتبر ان جميع اخبارنا الا ما شذ و ندر صحيحة و الحمد لله و هذه الادلة ادلة سماوية الهية لاتجدها في كتاب و لاتسمعها من خطاب يريدون ليطفؤا نور الله بافواههم و الله متم نوره و لو كره المشركون و فيما ذكرنا هنا كفاية فلانطيل الكلام بذكر غيره و ان اردت الزيادة فعليك بساير كتبنا .

فصل في كيفية حصول العلم بمراد الله سبحانه من آيات كتابه و سنة حججه عليهم السلام اعلم ان اعظم اسباب دخول الشبه و الشكوك في اذهان القوم و التباس الامر عليهم انهم قعدوا في بيوتهم يتفكرون في كل شئ و كل كلمة و كل عبارة من حيث هو و ما يحتمل عروضه عليه من الاعراض وحده و هذا الخيال الجأهم الي ان قالوا ما لم‌يثبت عشرة اصول لم‌يثبت معني كلمة و دون اثباتها خرط القتاد و بعد اثباتها ليست تفيد كون الواقع كذا و الجأهم الي ادلة ظنية مخدوشة يثبتون بها ان المراد من هذه العبارة هذا فابتلوا بهذه الوساوس و انهم يخوضون في الاصول من الخارج قبل ان ينظروا في الاخبار و يتجسسوا خلال الديار و في المثل الساير بين الاعاجم ان حساب الدار غير حساب السوق و صار مثلهم في ذلك مثل من يريد سفرا الي فراسخ عديدة يسافر فيها الناس دائما و يبلغون مقصدهم فقعد في بيته يتفكر اني اريد ان اسافر الي ذلك المنزل و من الممكنات ان لايكون في الطريق ماء و الاصل عدم الماء فانه حادث و الاصل عدم كل حادث فاحتاج الي المعاول و السجال و الارشية و الفلكات و احتاج الي اكرة يحفرون الآبار و من الممكنات ان لااصيب فيه طعاما و الاصل عدمه لما مر فاحتاج الي حمل اطعمة و من الممكنات ان يكون في الطريق لصوص و قواطع و هو من الاحتمالات العادية فاحتاج الي بدرقة و اعوان و اسلحة و هكذا يتفكر في الاحتمالات و في كل احتمال يحتمل احتمالات اخر مما لا نهاية لها قلة و كثرة و كيفية و وقتا و مكانا و وضعا و يقول

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 435 *»

لي لا بد من تحصيل ما يطمئن الانسان بسببه انه يصل و ذلك محال فان ابواب الاحتمالات لاتنسد و من الاحتمالات ان نحتاج الي اشياء ليست تخطر ببالنا فلانعلمها ثم يتعاونه اصحابه في ذكر الاحتمالات و يتناصرون و يقوي بعضهم شبهة بعض و يزين بعضهم لبعض رأيه و اذا تزاحمت الخيالات في شئ كثر الوجوه و الحيوث فيه و الاحتمالات فيها فمحال ان يحصل لمثل هذا الرجل العلم بانه يصل الي مقصده سالما مع جميع هذه الاحتمالات فهو دائما متردد في ريبه لازم بيته يصرف عمره في يحتمل يحتمل و اشك و اشك و اظن و اظن و الناس يسافرون في ذلك الطريق ليالي و اياما آمنين لايخطر ببالهم شئ من تلك الاحتمالات و ما احسن ما قال الشاعر :
ظفر الطالبون و اتصل الوصل       ** * **      و فاز الاحباب بالاحباب
و بقينا مذبذبين حياري       ** * **      بين حد الوصال و الاجتناب
بالجملة و هم بانفسهم اذا خرجوا و سافروا يرون انهم لم‌يكونوا يحتاجون الي شئ من تلك العدة التي صرفوا في تحصيلها و حملها معهم و ان لذلك الطريق و امنيته قرائن و اعلاما و ادلة في الخارج يراها كل من خرج مع الناس و لكن القوم لايفيضون من حيث افاض الناس و تري الرجل يجادل في الاصول ثلثين سنة و لا له علم بالعربية و لا راجع كتب الاخبار و لم‌يجس خلال الديار و في كل مسئلة تطرح يبدؤ بالنظر بعقله و فكره و يجادل فيه سنين و لايراجع مرة الاخبار و لعلها متواترة في ذلك المعني و لايجوز التخلف عنها و هو دائب طول ليله و نهاره في يحتمل و يحتمل فهم في ريبهم يترددون و لو ارادوا الخروج لاعدوا له عدة و لكن كره الله انبعاثهم فثبطهم و قيل اقعدوا مع القاعدين الاتعتبر انهم اذا فرغوا احيانا من اصولهم و دخلوا عرصة الفقهاء و غاصوا في لجج الاخبار تقوم لهم قرائن لايحتاجون الي اجراء شئ من تلك الاصول و لايحتمل بعد تلك الاحتمالات فتري كتبهم الفقهية خالية عن القواعد الاصولية اللهم الا ما تكلفوا تفننا و ماكانوا يحتاجون اليه البتة و اما الذين مشوا علي الفطرة و ابتدأوا بمراجعة الاخبار و تركوا اسباب

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 436 *»

الالتباس و افاضوا من حيث افاض الناس يرون الاخبار ساطعة الانوار مرفوعة المنار لهم في فهم المطالب منها قرائن من صدر الكلام و عجزه و من السؤال و الجواب و ورود مسئلة واحدة بالفاظ مختلفة في اخبار عديدة و شواهد مفاهيم العلماء و اجماعاتهم و شهرتهم و تحقيقاتهم بحيث لايخفي ابدا وجه علمهم بالمضامين و ان التبس عليهم احيانا بعض المطالب يعدونه من المتشابهات فان الامور ثلثة للرعية الجاهلين بالحقايق امر بين رشده فيتبعونه و امر بين غيه فيجتنبونه و متشابهات بين ذلك فيتركونها لئلايقعوا في الهلكات و لايعملون فيها بظنونهم و آرائهم و ليس لاحد من الرعية فهم جميع علوم آل‌محمد عليهم السلام علي الحقيقة هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه الآية ، فنحن نحصل العلم بمضمون الآيات و الاخبار علي ما وصفنا ان قيل انه قد ورد انا نتكلم بالكلمة و نريد منها سبعين وجها لنا من كلها المخرج فاذا كيف يمكن فهم كلامهم قلت ان رسول الله صلي الله عليه و آله قد امر بالابلاغ من الله و البيان فلو جاء و كلم القوم بما لم‌يفهموا او بما ظنوا منه معني فلم‌يبلغ و حاشاهم ان يتكلموا و يقصدوا احد سبعين معني مبهما نعم لكلامهم سبعون معني و كلها مرادهم و لكن المعني الظاهر الذي هو متفاهم القوم هو المراد من القوم و ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و قال صلي الله عليه و آله نحن معاشر الانبياء نكلم الناس علي قدر عقولهم فكون سبعين معني لكلامهم لايمنع من كون الظاهر المعروف مرادهم فافهم ، منه .
و نحن نعلم ان حججنا مبعوثون علي جميع معاصريهم و علي جميع الخلق الي يوم القيمة قال يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا و ماارسلناك الا كافة للناس و امروا بالابلاغ و الايصال و تفهيم احكام الله جل جلاله و هداية الخلق فعليهم التفهيم و التبيين قال سبحانه ثم ان علينا بيانه و قال لتبين للناس ما نزل اليهم و قال فلله الحجة البالغة و قال ان عليك الا البلاغ فعليهم ان يفهموا العباد مرادات الله سبحانه فان تكلموا بما يعقلون فهو و الا فعليهم تفهيم لغتهم و مرادهم و ليس علي العباد ان يحصلوا لانفسهم فهما بل علي الله التفهيم و التبيين و الايضاح قال سبحانه و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون ، فعن ابي‌ابرهيم عليه السلام في قوله تعالي قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم اجمعين مبلغ الحجة البالغة الجاهل فيعلمها بجهله كما يعلمه العالم بعلمه لان الله عدل لايجور يحتج

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 437 *»

علي خلقه ما يعلمون يدعوهم الي ما يعرفون لا الي ما يجهلون و ينكرون و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام المعرفة من صنع من هي قال من صنع الله عز و جل و ليس للعباد فيها صنع و قال ان الله عز و جل احتج علي الناس بما آتاهم و عرفهم و قال ليس لله علي خلقه ان يعرفوا قبل ان يعرفهم و للخلق علي الله ان يعرفهم و لله علي الخلق اذا عرفهم ان يقبلوا و سئل عمن لم‌يعرف شيئا هل عليه شئ قال لا و قيل له اصلحك الله هل جعلت في الناس اداة ينالون بها المعرفة فقال لا فقيل فهل كلفوا المعرفة قال لا علي الله البيان لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف نفسا الا ما آتيها فعليهم التعريف و التبيين لاهل كل زمان و اقامة القرائن لاهل كل عصر فعن ابي‌عبدالله عليه السلام ماكلم رسول الله صلي الله عليه و آله العباد بكنه عقله قط و قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا معاشر الانبياء امرنا ان نكلم الناس علي قدر عقولهم و امام كل عصر حاضر ناظر قادر حكيم مأمور بالايصال و الابلاغ و التفهيم فهم عليهم السلام قد بينوا كلامهم بحيث يفهم كل من تدبر في الاخبار تكليفه و بدون ذلك لايستقيم الابلاغ و البيان البتة و ان اغلب ما يذكره الاصوليون متمش في مذهب العامة علي ان الرب غايب عن درك الابصار و النبي قد مات و لا نبي بعده الي مأة‌الف سنة الي يوم القيمة و بقي ما بقي من اخباره و العالم خراب لا رئيس فيه فنحن نتكفل الدين الي يوم القيمة و لم‌يبق من النبي الا اربعة‌آلاف حديث و هي لاتكفي عشرا من اعشار الدين فتكميل دينه علينا فلنا ان نقول و عليه ان يرضي الي يوم القيمة و لايمكن ان نقول في الدين من غير روية فنضع مدارك نسميها شرعية فوضعوا اصل البراءة و الاستصحاب و بقاء الشرايع السابقة الا ما ثبت نسخه و القياس و الدليل العقلي علي ان الحسن و القبح عقليان و لا بد و ان يدركه عقولنا و الاستحسان فان كل حسن راجح و العدول عن الراجح الي المرجوح قبيح عند العقلاء و المصالح المرسلة و عدم الدليل دليل العدم و ترك الاستفصال عند قيام الاحتمال يفيد العموم في المقال مع جهل المسؤل بالحال و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 438 *»

عدم ثبوت الحقايق الشرعية و امثال ذلك من مزخرفاتهم و جعلوا هذه المدارك لهم نبيا يستنبطون عنها المسائل و يفتون بها لئلايخلو حادثة من حكم و المجتهد المطلق ظنه مفترض الطاعة في الامة كافتراض طاعة النبي صلي الله عليه و آله مع انه غير معصوم و لا منصوب من قبل الله و لا رسوله بالجملة كون مدلولات الاخبار ظنية ايضا من تلك القواعد المتمشية في مذاهبهم و اما في مذهبنا فلنا رب شاهد قادر حكيم بر لطيف و لنا نبي بر رؤف رحيم و من بره و رأفته نصب بيننا وليا شاهدا قادرا برا رؤفا مأمورا من عند الله سبحانه بالتعريف و التبيين و التفهيم و التقريب و التبعيد و الاخفاء و التصريح و ان العالم حي فيه حيوته و هي الامام فلايتحرك عضو منه و لايسكن الا بتحريك ذلك الروح و تسكينه و هو مطلع علي ما تحت الارضين السفلي و فوق السبع العلي لايخفي عليه خافية يعلم ان زاد في دين الله زايد و ان نقص منه ناقص و ليس يترك ابليس يغوي عباد الله في مسألة كلية او جزئية الا و يقيم في مقابلها ما يدل علي انها باطل ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و كل باطل في اي مسألة من التوحيد فما دونه الي ارش الخدش منسوب الي ابليس و كل حق من التوحيد الي ارش الخدش منسوب الي الامام عليه السلام روي عن ابي‌جعفر عليه السلام ليس عند احد من الناس حق و لا صواب و لا احد يقضي بقضاء حق الا ما خرج من عندنا اهل البيت و روي عنه عليه السلام كل ما لم‌يخرج من هذا البيت فهو باطل و في القدسي لم‌اكن اترك ابليس يضل الناس و ليس في الارض حجة داع الي و هاد الي سبيلي و عارف بامري و اني قد قضيت لكل قوم هاديا اهدي به السعداء و يكون حجة علي الاشقياء انتهي ، فطريقتنا غير طريقة العامة و ما يتمشي في مذهبهم لايتمشي في مذهبنا و بالعكس و ان بعض اصحابنا غفلوا عن حيوة العالم فمشوا علي منهاج العامة فصار ما صار فاذا كان علي الحجة البيان و التعريف و هو معصوم لايترك تكليفه و هو حجة علي من يليه من اهل عصره و كلمات الحجج السابقين حجة علي من ستصل اليه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 439 *»

من اهل القرون و جاؤا للتفهيم فما بالهم لايكلمون بحيث يفهم مراداتهم فعليهم ان يتكلموا بحيث يتضح للمكلفين مطالبهم فان كان الفاظهم مما يفهمه المكلف في لغته و متفاهم المكلف يطابق مرادهم فيتركونها تقريرا و ان كان لايفهم منها مرادهم علي متفاهم المكلف عليهم ان ينصبوا قرائن لبيان مرادهم لاهل كل عصر و يقربوا و يبعدوا و يقيموا و يعوجوا حتي يظهر المراد علي وجه السداد فنحن نعرف معاني الاخبار كذلك و نراجع القرائن من صدر الكلام و عجزه و السؤال و الجواب و الوقت و المكان و السائل و المسؤل و فتاوي العلماء و ورود المسئلة بالفاظ متعددة و العقل و اللغة و العربية و امثال ذلك و نعرف من جميع ذلك معاني الاخبار كما نفهم معاني كتب الفقهاء و الشعراء و الادباء و المورخين و الآثار كما عليه المدار في جميع الاعصار و من قال ان معاني جميع ذلك مظنونة لاينبغي ان يكلم معه فلا مطمع في رجوعه الي الحق و لانحتاج الي استماع اقوال العامة و نقضها و ابرامها و حلها و ردها و اعتراضها ما قال آل‌محمد عليهم السلام قلنا و ما دان آل‌محمد عليهم السلام دنا و نحن احياء متصلون بمبدأ الحيوة هو الحي لا اله الا هو فما عرفناه يقينا شاء ان نعرفه و ما جهلناه شاء ان نجهله و مايشاؤن الا ان يشاء الله و ما يمسك الله من رحمة فلا مرسل له و ما يرسله فلا ممسك له و لايكلف الله نفسا الا وسعها و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

فصل في كيفية حصول العلم بمواقع الاجماع اعلم ان اصل معني الاجماع هو اتفاق الكل علي امر من الامور و هذا هو المتبادر منه عند كل قوم لايشكون فيه و هذا هو العرف العام في معناه و اما ما فسروه بانه اتفاق جماعة يكشف عن رضاء المعصوم او اتفاق جماعة علي قول يطابق قول المعصوم او اتفاق جماعة احدهم المعصوم و امثال ذلك فهي اصطلاحات موضوعة و لا مشاحة في الاصطلاح فكل احد مختار في اصطلاحه يضعه كيف يشاء فالنقض و الرد في تلك الاصطلاحات مما لاينبغي و انما الكلام في ان الاجماع الوارد في الاخبار ما معناه فاقول لا شك ان معناه اللغوي ليس

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 440 *»

بمقصود و الحقيقة الشرعية فيه موقوفة علي تنصيص الشارع و قد ورد في بعضها تصريح و تنصيص علي ان مرادهم منه المعروف في العرف العام و هو قوله صلي الله عليه و آله لاتجتمع امتي علي ضلالة و الامة اسم واقع علي الكل و ما روي عنهم عليهم السلام اذا اختلفت عليكم احاديثنا فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا فانه لا ريب فيه فان الشيعة لفظ واقع علي كل الفرقة المحقة و ما روي عن الهادي عليه السلام في حديث الجبر و التفويض اجتمعت الامة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك ان القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون و علي تصديق ما انزل الله مهتدون لقول النبي صلي الله عليه و آله لاتجتمع امتي علي ضلالة فاخبر صلي الله عليه و آله ان ما اجتمعت عليه الامة و لم‌يخالف بعضها بعضا هو الحق فهذا معني الحديث لا ما تأوله الجاهلون من ابطال حكم الكتاب و اتباع حكم الاحاديث المزورة و الروايات المزخرفة و اتباع الاهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب و تحقيق الآيات الواضحات النيرات و كذلك في كتاب الكاظم عليه السلام قال امر لا اختلاف فيه و هو اجماع الامة علي الضرورة التي يضطرون عليها و الاخبار المجتمع عليها المعروض عليها كل شبهة و المستنبط عنها كل حادثة و امر يحتمل الشك و الانكار و سبيل استيضاح اهله الحجة عليه فما ثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها الخبر ، و كذلك حديث ابي‌عبدالله عليه السلام ينظر الآن الي ما كان من روايتهما عنا في ذلك المجمع عليه بين اصحابك فيؤخذ به و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه و لفظة اصحابك جمع مضاف يفيد العموم و التعبير عنه بالمشهور ليس يفيد ان المشهور علي المعني المتعارف هو الاجماع بل الاجماع مشهور فان كل مجمع عليه مشهور يقينا لا العكس بالجملة الاخبار ساطعة الانوار واضحة المنار في ان المراد من الاجماع هو اجماع كل الامة او كل الفرقة و ليس تلك المعاني التي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 441 *»

يذكرونها في الاخبار فالاجماع المنصوص عليه هو الضروري و هو لا شك في حجيته و لا ريب في اعتباره ثم لايخفي ان الضروري ليس ما يتفق عليه كل اهل الدعوة من اسودهم و ابيضهم و رجالهم و نسائهم و صغيرهم و كبيرهم و حاضرهم و باديهم و الا لايحصل ضروري في الدين فكم من شخص في بعض الجبال و البراري مسلم لايعلم ان صلوة الظهر اربع ركعات بل لايعلم صلوة بل و في البلدان و المفروض ان بنت تسع سنين مكلفة و اغلبهن لايعرفن صلوة و اعدادها مع انهن مسلمات فالمراد الكل العرفي من اهل المرة و الاعتناء بالدين و لايحتاج في العلم بالضروري من تتبع احوال جميع اهل الدعوة بل يحصل العلم العادي به من تضافر السماع و شدة النكير علي المخالف و رؤية كل من يراه علي ذلك مسلما فهو حالة نفسانية تحصل لكل ذي مرة معتن بالدين بحيث لايرتاب فيه الاتري انك لم‌تر كل الناس و كل من عاصرك فضلا عمن سلف و حصل لك علم ضروري بان الصلوة مما فرضها النبي صلي الله عليه و آله و هي من شرعه و دينه و كذا الصوم و كذا الزكوة و الخمس و الحج و الجهاد و هكذا و انه كان يحرم الزنا و اللواط و شرب الخمر و الميسر و ينهي عن اتخاذ الاصنام بالجملة العلم بذلك امر نفساني يحصل لكل ذي مرة معتن بالدين بل قد يحصل ذلك للمخالف ذي المرة و الاعتناء بتحقيق الامور و لا شك فيه و لا ريب يعتريه و هو حجة من الله سبحانه و الحائد عنه كافر حائد الي النار و هو اعظم من جميع الاخبار و هو معرض كل الآثار و عليه المدار في الاعصار و اما غير ذلك من اصناف الاجماع علي مصطلح العلماء فليس علي حجيته نص خاص من الله و رسوله بل ليس باجماع علي المعني العرفي و المعني الذي جرت النصوص عليه كما سمعت فهو امر غير الاجماع و انما اصطلحوا عليه الاجماع و كل فسره بتفسير و اما ما يستدل به علي حجيته هو ان المدار في حجية كل حجة صدورها عن المعصوم و عن الله سبحانه و هو السلطان المنزل من الله سبحانه فاذا نحن قطعنا بقول المعصوم قطعا عاديا لا شك فيه يجب ان يكون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 442 *»

حجة و قد روي عن محمد بن علي عليهما السلام ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم‌تعلموا فردوه الينا و هذا هو سر حجية كل حجة و لايزيد علي هذا حجة بل هذا يزيد علي مثل الخبر القطعي الصدور فان اللفظ من حيث هو يحتمل وجوها و هذا القطع قطع بالمراد فهذا اوكد في الحجية عن الخبر اللفظي البتة و هذا الكلام لا شك فيه و لا ريب يعتريه و لما كان الحاصل من الضروري القطع بقول الحجة لا عن طريق اللفظ و كان ذلك حاصلا من تلك الاسباب ايضا مثله سميت بالاجماع كما سمي الضروري بالاجماع فاطلاق الاجماع عليها مجاز في العرف العام و ان كان حقيقة اصطلاحية ففي الحقيقة هو في الحجية كالاجماع الذي لا ريب فيه كما قال الحجة عليه السلام في دعاء التوجه فذكر الدعاء الغير المشهور ثم قال و السنة المؤكدة التي هي كالاجماع الذي لا خلاف فيه وجهت وجهي الدعاء ، و انما قال كذلك لاجل ان الذي لا خلاف فيه حجة لا من حيث نفسه بل من حيث دخول المعصوم فيه فاذا نطق بالسنة المعصوم فهو كالاجماع الذي لا خلاف فيه فهذا الاجماع الاصطلاحي هو في الحقيقة تراكم قرائن و اخبار و احوال و اقوال في المسئلة بحيث يحصل القطع بانها قول الحجة عليه السلام و ليس ذلك يحصل لنا من اتفاق جماعة عديدة مع عدم نص و لا اثر و لا قرائن خارجية و لا داخلية و لا ملاحظة سيرة و اعمال و احوال حتي نفسره بانه اتفاق جماعة نعم الضروري هو اتفاق الامة علي امر من الامور الدينية و المعصوم احد الامة و اما ساير الاجماعات فيحتاج الي تراكم ما ذكرنا فكثيرا ما نحن نراجع الاخبار و الآثار و نلاحظ السيرة و عمل ما اطلعنا عليه من اصحابنا و اقوالهم و احوالهم و نضع كلا من المعارض موضعه او نعرف ضعفه فيحصل لنا علم بان هذه المسئلة هي قول الحجة عليه السلام و من لم‌يحصل له هذا القطع فليدع الله ان يصلح وجدانه و يحصل ذلك لكل فقيه في كل عصر و لايحتاج هذا القطع الي مجهول النسب كما زعموا و لا عدم وجدان الخلاف و لا اخبار جمع بالاجماع او عدم الخلاف و غير ذلك فان ذلك من اسباب حصول الظن بعدم الخلاف و حصول الظن و الحدس باتفاق الكل و ليس ذلك بغيتنا و لاينفعنا اذا حصل و لايضرنا اذا لم‌يحصل و جميع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 443 *»

ذلك امور ظنية لاتغني من الحق شيئا فذلك القطع الذي اشرنا اليه اذا حصل و كثيرا ما يحصل هو الاجماع المحصل و المحقق الخاص فلربما لايحصل ذلك لرجل آخر معاصر بل ربما يحصل له القطع بخلاف ذلك فان القطع يمكن فيه وجود المناقض فيحصل لرجلين قطعان متضادان و لا ضير فانهما عاديان فلايعاب عليهم اذا ادعوا اجماعا مع عدم مجهول النسب في القائلين او كثرة المخالف او قلة الموافق بل ربما يحصل ذلك لرجل و لايجد قائلا به الا واحدا بالجملة اذا حصل هذا القطع لرجل يكون حجة عليه و يجب عليه اتباعه و اما اذا نقله لغيره فلايكون عليه حجة لقول الكاظم عليه السلام ما لم‌يثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة و عامها الشك فيه و الانكار له هذا من امر التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه الي ان قال فما ثبت لك برهانه اصطفيته و ما خفي عنك ضوؤه نفيته فاخبار المخبر بالاجماع اخبار عن اجتهاده و وجدانه لا عن السمع و النطق و قد ذكرنا انه يجتمع قطعان عاديان متناقضان في عصر واحد في شئ واحد لرجلين ناظرين في ذلك الامر فلعلنا اذا اطلعنا علي اسباب قطعه وجدنا خطاءه و اخبار الثقات حجة اذا كان عن سمع و نطق لا عن وجدان و اجتهاد الاتري ان الاخباري الذي يقول اني افتي في كل مسئلة بالعلم اتري ان جميع فتاويه اجماع منقول و اعظم من الخبر اللفظي حاشا بل كله اخبار عن وجدانه فلعلنا نلاحظ دليله و لايحصل لنا ما حصل له و ان قلت ان الفتاوي غير الاجماع قلت ان فهمت ما قدمناه ان الاجماع الحقيقي و الذي يدل عليه النصوص هو الضروري و هذا ليس باجماع و انما هو علم حاصل عن تراكم القرائن و لايحتاج الي زيادة رجال و كثرة اقوال عرفت انه لا فرق بينه و بين فتوي المفتي عن علم الا في قوة العلم و تأكده فان العلم العادي له درجات فالعلم الحاصل عن العدلين ليس كالعلم الحاصل عن التواتر البتة فالعلم الحاصل في كل مسئلة للاخباري انزل من العلم الحاصل له من الاجماع المحقق ثم قد يلحق بالضروري المحقق العام و يراد منه اتفاق جميع العلماء علي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 444 *»

امر و السر في ذلك ان المسألة ان كانت مما يعم الحاجة اليها يستعملها كل احد فتصير ضرورية عند كل ذي مرة و اما اذا لم‌تكن مما يحتاج اليه كل احد و انما يحتاج اليه البعض تصير ضرورية عند البعض دون الكل الاتري ان وجوب السعي بين الصفا و المروة ضروري عند كل من حج و عند العلماء الضابطين و لايعرفه اغلب المكلفين و الزكوة في كل عشرين دينارا نصف دينار ضرورية عند العلماء الضابطين و لايعرفها اغلب المكلفين و هكذا لايعرف ما يخص النساء الرجال و ما يخص الرجال النساء و ما يخص المسافر الذي لم‌يسافر قط و هذا واضح و مع ذلك عند اهله بديهي لا نكير عليه فلما كان العلماء الضابطون للاحكام الممارسون للاخبار و الجايسون خلال الديار متجسسين عن حقايق الاحكام و اسبابها و مواردها و مصادرها يحصل لهم دون غيرهم ضروريات لايعرفها العوام الغير المحتاجين الي تلك المسائل و كما ان ضروريات العامة لاتخفي علي ذي مرة معتن بالدين ضروريات العلماء ايضا لاتخفي علي ذي مرة منهم متتبع عالم و لايقع فيها خلاف فالمحقق العام في الحقيقة ضروري و يصير مناط الكفر و الايمان بينه و بين الله و ان لم‌يكفر منكره في الحكم العام و لكن اذا اطلع عليه و انكر يكفر بالله العلي العظيم ككفر منكر الصلوة و الصوم و انما قلنا بعدم كفره في الظاهر لانه يحتاج الي تتبع تام فلعله لم‌يتتبع كما ينبغي و لم‌يطلع و لم‌يحصل له فمن اسباب العلم بهذا اخبار العلماء بالاجماع و عدم الخلاف و تراكم القرائن و شهادة الاخبار بل ربما يراجع الرجل الاخبار و قول بعض و يحصل القطع له بعدم الخلاف علي ان هذا المدرك بديهي لايخالف فيه احد احدا و هذا الاجماع ايضا نوع من الضروري و يحصل للاخباري و الاصولي و هذا الاجماع يضر فيه وجود المخالف الذي يعتني بقوله و لايمكن ان ينقلب او يقوم شهرة او اجماع في المتأخرين علي خلافه فانه الحق الذي لايمكن انقلابه و استحالته و الشاذ عنه شاذ الي النار فهذا الاجماع في الاولين و الآخرين سواء لايخالفه احد من العلماء و هو من الضروري حقيقة الا ان المسئلة لم‌تكن عامة البلوي كالحيض الذي يعرفه النساء دون الرجال و غسله و عدده و ايامه و لونه و صفته معروفة عند النساء بديهية و لايعرفها الرجال فالمحقق

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 445 *»

العام ضروري العلماء فان قسمت الضروري الي ثلثة كان احسن ضروري الامة و ضروري الفرقة و ضروري العلماء و ان تجاوزت عن اتفاق الكل جاء الاختلاف فما حصل العلم بقول الحجة في محل الاختلاف هو المحقق الخاص و يمكن تعارض محققين البتة و اما السكوتي فهو مما لايكاد يعرف و لم‌نجد من يستدل به و هو محض فرض نعم اذا حصل حق و اما المركب فهو ايضا مشكل الا انه اقرب حصولا من السكوتي و لسنا بصدد بيان اقسام الاجماع و انما الغرض كيفية العلم به و كيفية حصوله و هو ما اتينا عليه و اما الشهرة بمعني ان يقول جماعة كثيرون بقول و يخالفه نادر من اصحابنا واحد او اثنان او ثلاثة و امثال ذلك فنحن لم‌نجد علي حجية ذلك من دليل و لا باعث الا ان من يقول بالظن يعمل به لحصول الظن منه و اما غيرهم فيستندون الي خبر زرارة و قوله عليه السلام فيه خذ بما اشتهر بين اصحابك و دع الشاذ النادر فقلت يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم و نفس هذا الخبر ليس في كتب اصحابنا المصححة الا ان مضمونه موافق لساير الاخبار فيحمل المشهور فيه علي ما في المقبولة الحنظلية فيكون المراد منه اتفاق الاصحاب علي رواية علي نحو اذا اختلفت عليكم احاديثنا فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا و هذا هو الظاهر من الرواية و الذي عرفه زرارة الاتراه قال يا سيدي انهما معا مشهوران مأثوران فلو كان المشهور هو الذي خلافه شاذ و كان في القول كيف كان يمكن ان يكونا معا مشهورين فالمراد ان الروايتين مشهورتان قد رواهما اصحابنا متفقين في روايتهما و هو الذي اشار الرضا عليه السلام في حديثه اذا ورد عليكم عنا فيه الخبر باتفاق يرويه من يرويه في النهي و لاينكره و كان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما يجب الاخذ بهما الخبر ، و كذا في الحنظلية قد نص عليه و قال ينظر الي ما كان من روايتهم عنا المجمع عليه بين اصحابك فيؤخذ به من حكمنا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 446 *»

و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه و هذا الخبر نص علي ان المراد الاتفاق علي الرواية و كذلك حديث الرضا عليه السلام و هو الظاهر من حديث زرارة و هو الذي فهمه زرارة من كلام الامام عليه السلام و لو كان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المحل ففيه ايضا خذ بما يقول اعدلهما عندك و اوثقهما في نفسك فالواجب ان يأخذ الانسان بجميع ما يقول اعدل الرجلين و ان قال من عنده و ليس المراد منه قطعا فكذلك خذ بما اشتهر يعني برواية اشتهرت لا بكل شئ اشتهر بين الاصحاب و لا شك ان الآن اشتهر بين اصحابنا العمل بالظن و لم‌يأمر الامام بذلك قطعا بالجملة المتفاهم العرفي منه الاخذ بمشهور الروايتين و ليس الباعث علي تعميمه الا قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المحل و لكن هيهنا قرائن كثيرة ان المراد مشهور الرواية و ان قلت ان الراوي اذا لم‌يعمل بروايته فهو اما حصل له شئ اقوي منه فالخبر عنده ضعيف لايعتني به و ان كان عنده صحيحا و لم‌يعمل بمضمونه فهو فاسق لايعتني باخباره فالراوي يعتني بخبره اذا كان عاملا به فالمناط الفتوي به لا الرواية المحضة قلت ليس كذلك فان الرجل ربما يروي رواية صحيحة الصدور و يشتهر الرواية و يتفقون علي صحة صدورها و عمل بمضمونها بعض و لم‌يعمل بها بعض لما رجح في نظره خبر آخر متفق علي روايته ايضا او محفوف بقرائن اخر قطعية فعدم عمل بعض بالرواية لايدل علي فسقهم و لا علي ضعف روايتهم واقعا فلا دخل لعملهم بالرواية هيهنا نعم اذا لم‌يعمل بها احد من الاصحاب فتلك متروكة من جهة ان الحق لايرتفع عن الامة فلو كان العمل بها صحيحا لماكانت تترك و صحة الرواية غير صحة العمل فلعلها صدرت تقية بالجملة محض الشهرة في الفتوي ليس بحجة شرعية و لايدل عليه الخبر ظاهرا نعم قد يكون المشهور اجماعا و حجة اذا حصل العلم بدخول الامام عليه السلام فيهم بواسطة الامارات و القرائن فيكون محصلا خاصا كما مر و اما بدون ذلك فليس باجماع و لا حجية فيه و رب مشهور و لا اصل له و بهذا القدر نكتفي ايضا في الباب فانهم لايختلفون في ان الاجماع قطعي

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 447 *»

غاية ما في الباب انهم يختلفون في جزئياته و هو سهل .

فصل في كيفية حصول العلم بالدليل العقلي اعلم ان الدليل العقلي في اصطلاح الحكماء الخاص هو دليل معنوي لا صوري يورث القطع بالواقع و يستحيل خلافه عند محصله و لايمكن تعارض دليلين قطعيين و هذا الدليل العقلي ليس بمستعمل عند الاصوليين بل و عند المتكلمين و المشائين الا نادرا و المستعمل عندهم هو دليل المجادلة الصوري الحاصل من الجزئيات الخارجية حتي انهم يسمون قولهم اذا قال السيد لعبده افعل و لم‌يفعل عد عاصيا دليلا عقليا و الكلام هنا في المجادلات التي تسمي بالدليل العقلي بالمعني الاعم فهذه المجادلات لاتخلو من قسمين اما تعرف جميع العقول صحتها و صدق مقدماتها و صحة تولد نتيجتها فذلك مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه و هي حجة قطعا اذا حصلت كما نص عليه الكاظم عليه السلام فما ثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله ضاق علي من استوضح تلك الحجة ردها و وجب عليه قبولها و الاقرار و الديانة بها الخبر ، فالقياس هنا بالمعني اللغوي و انما اخرجه بلفظ القياس للتقية و يمكن اخذ القياس ايضا بمعناه المعروف عند العامة فاذا عرف جميع العقول مساواة شئ لشئ ذاتا و عرضا معلوم من جميع الوجوه لايخالف فيها عقل من العقول و فيهم عقل المعصوم او اولوية شئ بشئ عن شئ ذاتا و عرضا بحيث يعرف جميع العقول عدله لايخالف فيه احد لا بد و ان يكون حجة فان الله سبحانه لم‌يحكم علي الاشياء الا من جهة اقترانها بالمكلفين فاذا كان شئ نافعا يقينا و شئ آخر مساو له في جميع جهات الاقتران و العرض وجب ان يكون نافعا و كذا اذا كان اولي في تلك الصفة و ذلك شئ لايشك فيه حكيم و لكن الشأن في معرفة وجوه المساواة و الاولوية ذاتا و عرضا و وجوه الاعراض لاتحصي و لايحيط بها الا المعصوم فلاجل ذلك منع المكلفون عن الحكم بالقياس اذا كانوا جاهلين بوجوه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 448 *»

الاعراض الاتري انه يندب الصائم الي الطيب و يمنع عن النرجس و وجه المنع التشبه بسلاطين العجم فمن الذي يعقل هذا الوجه حتي لايقيس النرجس بساير الاطياب و يمنع الصائم عن لبس الثياب المبلولة و لايمنع عن الاستنقاع بالماء و لعله منع الثوب المبلول فان الانسان اذا لبسه يلبسه في شدة الحر فاذا ضربه الهواء الحار سخن الماء الذي فيه و مس الماء الساخن بدنه يصير سبب تفتيح المسامات و خروج ابخرة البدن و يورث الضعف كالحمام و ليس الاستنقاع في الماء كذلك او غير ذلك من وجوه لانعرفها و لانحيط بها علما بالجملة اذا عرف جميع العقول عدل القياس لا بد و ان يكون حجة فان الحكم بمقتضي الشئ حال الاقتران فاذا ساواه شئ في ذلك الوجه لا بد و ان يكون حكمه حكم ذلك الشئ و لما كان عقل الحجة فيه عرف ذلك فهو حق انظر الي لحن كلام ابي‌عبدالله عليه السلام قايس ما بين النار و الطين و لو قايس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين و صفاء احدهما علي الآخر الخبر ، فتبين ان القياس لو وقع من معصوم يقع صحيحا و لكنه لايحتاج الي قياس و غيره لايعرف جميع وجوه الاشياء فلاجل ذلك حرم علي الناس استعماله فاخراجه هذه اللفظة من باب التقية بالجملة يستفاد منه حقية اتفاق جميع العقول و لاسيما و فيها عقل المعصوم و كذلك ما روي ان العقل حجة من الله باطنة فاذا كانت العقول متفقة علي شئ هو حجة و حق لا شك فيه و لا ريب يعتريه و هي باتفاقها كاشفة عن دين الله سبحانه و اما اذا اختلفت فتحتاج الي التحاكم و لم‌يكل الله سبحانه الناس الي عقولهم و آرائهم البتة و قال ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و قال و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله فحرم الله الاستبداد هنا بالآراء اذ فيه الشقاق و التنازع و التشاجر و تواتر الاخبار بالمنع عن ذلك و ان كان كل من الطرفين يدعون القطع فان هذا القطع غير مرضي لله سبحانه كما مرت الاخبار المتواترة في ذلك فقد روي عن محمد بن حكيم قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام ان قوما من اصحابنا قد تفقهوا و اصابوا علما و رووا احاديث فيرد عليهم الشئ فيقولون برأيهم فقال

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 449 *»

لا و هل هلك من مضي الا بهذا و اشباهه و عن ابي‌بصير قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام يرد علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب و لا سنة فننظر فيها فقال لا اما انك ان اصبت لم‌توجر و ان كان خطاء كذبت علي الله و عن محمد بن حكيم قال قلت لابي‌الحسن موسي عليه السلام جعلت فداك فقهنا في الدين و اغنانا الله بكم عن الناس حتي ان الجماعة منا لتكون في المجلس مايسأل رجل صاحبه ( الا و ظ ) و كذا في بعض النسخ .
تحضره المسئلة و يحضره جوابها فيما من الله علينا بكم فربما ورد علينا الشئ لم‌يأتنا فيه عنك و عن آبائك شئ فننظر الي احسن ما يحضرنا و اوفق الاشياء لما جاءنا عنكم فنأخذ به فقال هيهات هيهات في ذلك والله هلك من هلك يا بن حكيم قال ثم لعن اباحنيفة كان يقول قال علي و قلت قال محمد بن حكيم لهشام بن الحكم والله مااردت الا ان يرخص لي في القياس و قيل له عليه السلام اصلحك الله انا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فمايرد علينا شئ الا و عندنا فيه شئ مسطر و ذلك مما انعم الله به علينا بكم ثم يرد علينا الشئ الصغير ليس عندنا فيه شئ فينظر بعضنا الي بعض و عندنا ما يشبهه فنقيس علي احسنه فقال و ما لكم و القياس انما هلك من قبلكم بالقياس ثم قال اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و ان جاءكم ما لاتعلمون فها و اهوي بيده الي فيه ثم قال لعن الله اباحنيفة كان يقول قال علي و قلت انا قالت الصحابة و قلت انا و قيل للرضا عليه السلام جعلت فداك ان بعض اصحابنا يقولون نسمع الامر يحكي عنك و عن آبائك فنقيس عليه و نعمل به فقال سبحان الله لا والله ما هذا من دين جعفر هؤلاء قوم لا حاجة بهم الينا قد خرجوا من طاعتنا و صاروا في موضعنا فاين التقليد الذي كانوا يقلدون جعفرا و اباجعفر قال جعفر لاتحملوا علي القياس فليس من شئ تعدله ( يعدله ظ ) القياس الا و القياس تكسره ( يكسره ظ ) و قد قدمنا اخبارا متواترة في الرأي و النظر فراجع بالجملة لايجوز التعويل علي شئ من الانظار و الآراء و الادلة العقلية في النظريات التي فيها خلاف و يجب الرد فيها الي الكتاب و السنة و النطق في موضع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 450 *»

النطق و السكوت في موضع السكوت فعن الصادق عليه السلام لايسعكم فيما ينزل بكم مما لاتعلمون الا الكف و التثبت و الرد الي ائمة الهدي حتي يحملوكم فيه علي القصد و يجلوا عنكم فيه العمي و يعرفوكم فيه الحق قال الله فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون انتهي ، اي لم‌يقل انظروا برأيكم ان كنتم لاتعلمون و احكموا بعقولكم بل قال اسئلوا اهل الذكر و عن علي بن الحسين عليه السلام ان دين الله لايصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقائيس الفاسدة و لايصاب الا بالتسليم فمن سلم لنا سلم و من اهتدي بنا هدي و من دان بالقياس و الرأي هلك و من وجد في نفسه شيئا مما نقوله او نقضي به حرجا كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم و هو لايعلم بالجملة الاخبار في اغلب هذه الابواب متواترة مؤيدة بالكتاب و دليل العقل و لكن الناس عنها غافلون فلايجوز التكلان علي العقول الناقصة في شئ من امور الدين اصولها و فروعها و يجب فيها الرد الي ائمة الهدي و لايحصل منها القطع بعد الاختلاف و النهي المتواتر عن العمل بها و كون الاتكال عليها محرما كحرمة الميتة و لحم الخنزير نعوذ بالله و لكن الناس اولعوا فيه و توغلوا في لجته فغرقوا و هلكوا من حيث لايعلمون و قد اشبعنا البحث في ذلك في ساير كتبنا و اوضحنا حرمة الاعتماد عليها و سيأتي في الفصل الآتي زيادة بيان لذلك انشاء الله .

فصل في ذكر امور قد اشتهرت بين القوم و لايحصل العلم منها و لايجوز الاعتداد بها في الدين و كونها محرمة علي من اجاب دعوة آل‌محمد عليهم السلام و تشيع اعلم ان الله سبحانه لما خلق الخلق خلقه بسبب و هو مسبب الاسباب من غير سبب بل بنفسها فانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها فخلق السبب اولا بنفسه ثم خلق المسببات بذلك السبب فالسبب الاول هو اول ما خلق و هو بالاجماع نور

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 451 *»

محمد و آل‌محمد صلي الله عليه و آله فخلقه و اشهده خلق السموات و الارض و خلق انفس الناس فعلمه علم ما كان و علم ما يكون الي يوم القيمة فهم العلماء بحقايق الاشياء و حقها و اما من سواهم فقد خلقوا بهم و امدهم الله بهم و افاض عليهم كلما افاض بهم تكوينا و تشريعا فليس عند احد حق الا و هو منهم و لا علم حق الا منهم و قد دل علي ذلك صريح الاخبار فعن ابي‌عبدالله عليه السلام يغدو الناس علي ثلثة اصناف عالم و متعلم و غثاء فنحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و ساير الناس غثاء و عن ابي‌جعفر عليه السلام ليس عند احد من الناس حق و لا صواب و لا احد يقضي بقضاء حق الا ما خرج من عندنا اهل البيت و اذا تشعبت بهم الامور كان الخطاء منهم و الصواب من علي عليه السلام و قال عليه السلام ليس احد عنده علم الا شئ خرج من عند اميرالمؤمنين عليه السلام فليذهب الناس حيث شاؤا فوالله ليس الامر الا من هيهنا و اشار بيده الي بيته و قال عليه السلام لسلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة شرقا و غربا فلاتجدان علما صحيحا الا شيئا خرج من عندنا اهل البيت و قال عليه السلام فليشرق الحكم و ليغرب اما والله لايصيب العلم الا من اهل بيت نزل عليهم جبرئيل و عن النبي صلي الله عليه و آله يا علي انا مدينة العلم و انت بابها فمن اتي من الباب وصل يا علي انت بابي الذي اوتي منه و انا باب الله فمن اتاني من سواك لم‌يصل الي و من اتي الله من سواي لم‌يصل الي الله الي غير ذلك من الاخبار فالعلم هو ما جاء من اهل العلم و هم اهل العلم و كل ما هو عنهم هو علم و نور و كل ما هو عن سواهم جهل و ظلمة فمن اخذ منهم و داوي جهله بدوائهم فهو عالم و من لم‌يأخذ عنهم فهو جاهل و ان بلغ ما بلغ اذ لايدري اصاب ام اخطأ اذ يعلم من نفسه انه غير معصوم و يعلم من نفسه ان عقله مشوب بالجهل و العادات و الطبايع و الشهوات و الغضب و النواميس و غير ذلك و يعلم من نفسه انه لم‌يكن يعلم شيئا و تعلم شيئا بعد شئ و كم من شئ كان يحسبه سابقا علي نحو فرجع عنه و علم انه كان من طفوليته و جهالته و كان كتصور السراب ماء و هو في كل درجة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 452 *»

كان يحسب انه علي يقين ثم تبين له خلافه و يري اناسا امثاله يقولون بخلافه و يدعون البداهة و هو ايضا يتردد في الريب يوما بعد يوم فكيف يمكن ان يحصل له العلم ما لم‌يستند الي ركن وثيق و لم‌يزنه بميزان هو بالقياس به حقيق فلاجل ذلك قال الله سبحانه و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان‌يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و لو انصفوا لوجدوا من انفسهم ان منتهي استدلالاتهم هو العجز عن رده و وقوف النفس و لكنه يحتمل عنده ان يكون الامر علي خلاف ذلك و كيف لا و قد وقع منه الف مرة حيث كان يقول بقول ثم تبين له خلافه فجميع الاستدلالات الجدالية كلها مفيدة للظنون ما لم‌يستند الي كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله و ان جاوزت ذلك وسع خاص الامة و عامها الشك فيه و الانكار له هذا من امر التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه فلا يقين الا ما اخذ عن الله و عن رسوله و لا علم الا ما صدر منهما سواء كان قوليا ام فعليا ام تقريريا و ان قلت فعلي هذا لايمكن اليقين بالله و رسوله ايضا اذ لو اخذ عنهما لزم الدور و ان عرفا بالعقول كان ظنا قلت ليس الامر كذلك و انما الامور امران امر يتفق عليه العقول فيحصل العلم منه و هو الكليات البديهية التي لاتكاد تخفي علي احد له مسكة و امر يختلف فيه العقول فهو نظري و محل اختلاف الانظار و الاوهام فالامر الاولي هو الذي به يحتج الله سبحانه علي خلقه و لا بد من حصوله للمكلف بحيث يفيد له العلم و اما الامر الثاني فهو الذي امروا بالاخذ عن الانبياء و الاولياء و عرض الافهام و ما تفهمه عليهم فمعرفة الصانع جل جلاله من الامور البديهية و لذا قال الله سبحانه و لئن سألتهم من خلق السموات و الارض ليقولن الله فان كل احد يعلم انه لم‌يكن ثم كان و هو لم‌يوجد نفسه و لم‌يوجده من هو مثله فله موجد ليس كمثله عاجزا ضعيفا جاهلا و كذلك يعرف ذلك من كل شئ فانها كلها متحولة متغيرة متبدلة محل عروض الحوادث و الشئ المفرد اذا كان علي حال كان باقتضاء له فهو من دون مغير لايقتضي خلاف ما هو عليه و لايجوز ان يخرج من امكانه الي الفعلية ما كان ميتا من دون من يحييه فلهذا العالم المتغير

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 453 *»

مغير مدبر حكيم عالم قادر عظيم و هذا فطري لكل احد حتي انه روي في الخصال ما معناه ما بهمت البهائم عن شئ لم‌تبهم عن اربع معرفتها بربها و معرفتها بالانثي و معرفتها بمرعيها و معرفتها بموتها و هذا الحكيم لايخل بالحكمة و لايقوم خلقه بدون حاكم و معلم و ذلك ايضا فطري و لا بد لذلك الحاكم من علامة يعرف به و هو النبي و علامته الاعجاز فهاتان المسئلتان فطريتان يجد كل احد في نفسه فاقة اليهما فان لم‌يجد الحق ينحت لنفسه من عند نفسه شيئا و يقيمه مقامهما لا محالة كالذي من طبعه الجوع و الاكل فان لم‌يجد الصالح يستف التراب و يمضغ الحجر و ان كان قاتلا له و هاتان لاتشتبهان علي احد و ان اختلف في الحاجة الي الانبياء بعض الجهلة فذلك بطلانه اوضح من الشمس في رابعة النهار فان الخلق لايقوم بلا ناموس فلا بد من ناموس و الناموس يحتاج الي واضع فان لم‌يكن حكيما و من عند الله لايعلم حقه من باطله و مصلحه من مفسده فالواجب في الحكمة ان يضع الله الناموس الصحيح بين العباد هذا و وجوب الناموس مما لاينكره العاقل فكل من وضعه علي الحق و عرف انه وضعه علي الحق فهو نبي فما بالهم يقولون لا نبي هب انهم يسمونه حكيما و نحن نسميه نبيا كما ان الدهرية يسمون الصانع دهرا و نحن نسميه الها و المطلب وضوح وجود الصانع المدبر و وجوب حكيم حق واضع لناموس حامل الخلق عليه و هذا مما لاينكره احد و اما ساير الجزئيات فلا بد من عرضه علي ذلك الحكيم الحق و النبي المطلق عن الله سبحانه و لايمكن الاعتداد بما تفردت العقول بفهمه البتة اذ خالفها غيرها فجميع ما كتبوا او يكتبون و قالوا او يقولون من علم و تحقيق بزعمهم و مسئلة من المسائل كلية او جزئية اصلية او فرعية مما لايستند الي كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله كله كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا فوجد الله عنده فوفيه حسابه و الله سريع الحساب و ليس عندنا الا كهشيم تذروه الرياح او غثاء يأتي به الموج من مكان بعيد و لا حق الا ما خرج من عند آل‌محمد عليهم السلام

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 454 *»

فنحن نجيب عن جميع اصولهم بهذه الكلمة الواحدة و ان قالوا لنا ادلة مما قلت و لايجسرون قلت لهم لو كان لكان يبرز منكم في مدة الف سنة فما بالكم لم‌يفتكم قول الآمدي و الترمدي و فاتكم كتاب ربكم و سنة نبيكم و لست اقول ان جميع ما تقولون كذلك بل كل ما ليس له برهان من الله كذلك فاقول لكم فيه هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان‌تتبعون الا الظن و ان الظن لايغني من الحق شيئا و ليس الاستناد الي تلك الموازين ان تقولوا ان الله سبحانه يقول ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه ثم تقولون بظنونكم ما تشاؤن في المبادي اللفظية و ان تقولوا ان الله جعل العقل حجة باطنة ثم تقولون بظنونكم ما تشاؤن في المبادي الكلامية فان العام الذي يعم الخصمين لايكون حكما بينهما اذ كل واحد منهما يستند اليه و نحن لانمنع الاستناد الي العام لكن عام يخص احد الخصمين دون الآخر فيحتج صاحب العام به علي من ليس له ذلك و عموماتكم التي تتكلفونها عند الاضطرار هي منشاؤ نزاعكم فلم‌يجعلها الله سبحانه علي ما زعمتم و لما زعمتم و انما يحتاج الناس حال التنازع الي التحاكم الي حاكم يفرق بين الحق و الباطل لا ان يصوب رأي الخصمين جميعا و يؤكد النزاع و التشاجر فلا استناد لكم علي ما ذهبتم اليه من كتاب و لا سنة و لا اجماع البتة بالجملة جميع ادلتكم العقلية و لو عجز غيركم عن ردها لكثرة التفافها و عدم ابرامها ليست الا كبيت العنكبوت مع انه من اوهن البيوت و اجد الائمة عليهم السلام قد نهوا عن علمكم هذا خصوصا غير ما قدمنا من حرمة العمل بالرأي و الظنون فعن النبي صلي الله عليه و آله اورع الناس من ترك المراء و ان كان محقا و عنه صلي الله عليه و آله لعن الله المجادلين في دين الله علي لسان سبعين نبيا و من جادل في آيات الله كفر قال الله و مايجادل في آيات الله الا الذين كفروا و عن الرضا عليه السلام المراء في كتاب الله كفر و عن ابي‌جعفر عليه السلام لزياد يا زياد اياك و الخصومات فانها تورث الشك و تحبط العمل و تردي صاحبها و عسي ان يتكلم الرجل بالشئ فلايغفر له و عن الصادق عليه السلام اياكم و الخصومة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 455 *»

في الدين فانها تشغل القلب عن ذكر الله و تورث النفاق و تكسب الضغائن و تستجيز الكذب و عن علي عليه السلام لعن الله الذين يجادلون في دينه اولئك ملعونون علي لسان نبيه و عن الصادق عليه السلام انه قال لاصحابه اسمعوا مني كلاما هو خير لكم من الدهم الموقفة لايتكلم احدكم بما لايعنيه و ليدع كثيرا من الكلام فيما يعنيه حتي يجد له موضعا فرب متكلم في غير موضعه جني علي نفسه بكلامه و لايمارين احدكم سفيها و لا حليما فان من ماري حليما اقصاه و من ماري سفيها ارداه و عنه عليه السلام يهلك اصحاب الكلام و ينجو المسلمون ان المسلمين هم النجباء و في آخر و زاد يقولون هذا ينقاد و هذا لاينقاد اما والله لو علموا اصل الخلق مااختلف اثنان و علمكم هذا سوي المبادي اللفظية اغلبها كلامية و عن النبي صلي الله عليه و آله اياكم و الجدال كل مفتون ملقن حجته الي انقضاء مدته فاذا انقضت مدته احرقته فتنته بالنار و عن ابي‌عبدالله عليه السلام لاتخاصموا الناس لدينكم فان المخاصمة ممرضة للقلب و روي ان رجلا قال للحسين بن علي عليه السلام اجلس حتي نتناظر في الدين فقال يا هذا انا بصير في ديني مكشوف علي هداي فان كنت جاهلا بدينك فاذهب و اطلبه ما لي و للمماراة و ان الشيطان ليوسوس للرجل و يناجيه و يقول تناظر الناس في الدين كيلايظنوا بك العجز و الجهل و عن ابي‌جعفر عليه السلام اياك و اصحاب الكلام و الخصومات مجالستهم فانهم تركوا ما امروا بعلمه و تكلفوا ما لم‌يؤمروا بعلمه حتي تكلفوا علم السماء و عن ابي‌عبدالله عليه السلام متكلموا هذه العصابة شرار من هم منهم و عنه عليه السلام قيل له اني سمعتك تنهي عن الكلام و تقول ويل لاصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد و هذا لاينقاد و هذا ينساق و هذا لاينساق و هذا نعقله و هذا لانعقله فقال ابوعبدالله عليه السلام انما قلت ويل لهم ان تركوا ما اقول و ذهبوا الي ما يريدون و روي عن ابي‌جعفر عليه السلام الخصومة تمحق الدين و تحبط العمل و تورث

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 456 *»

الشك و عن الصادق عليه السلام لايخاصم الا رجل ليس له ورع او رجل شاك و كتب الي ابي‌الحسن عليه السلام انه روي عن آباءك عليهم السلام انهم نهوا عن الكلام في الدين فتأول مواليك ( موالوك ظ ) المتكلمون بانه انما نهي من لايحسن و اما من يحسن ان يتكلم فلم‌ينهه فهل ذلك كما تأولوا ام لا فكتب عليه السلام المحسن و غير المحسن لايتكلم فيه فانما اثمه اكبر من نفعه و عنه عليه السلام انه قال لعلي بن يقطين مر اصحابك ان يكفوا السنتهم و يدعوا الخصومة في الدين و يجتهدوا في عبادة الله عز و جل و عن عبدالله بن سنان قال اردت الدخول علي ابي‌عبدالله عليه السلام فقال لي مؤمن الطاق استأذن لي علي ابي‌عبدالله عليه السلام فدخلت عليه و اعلمت مكانه فقال لاتأذن له علي فقلت جعلت فداك انقطاعه اليكم و ولاؤه لكم و جداله فيكم و لايقدر احد من خلق الله ان يخصمه فقال بلي يخصمه صبي من صبيان الكتاب فقلت جعلت فداك هو اجدل من ذلك و قد خاصم جميع اهل الاديان فخصمهم فكيف يخصمه غلام من الغلمان و صبي من الصبيان فقال يقول له الصبي اخبرني عن امامك امرك ان تخاصم الناس فلايقدر ان يكذب علي فيقول لا فيقول له فانت تخاصم الناس من غير ان يأمرك امامك فانت عاص له فيخصمه ان هذا الخبر مما يؤيد القول باصل الحرمة في الاشياء فتدبر ، منه .
يا بن سنان لاتأذن له علي فان الكلام و الخصومات تفسد النية و تمحق الدين و عن اميرالمؤمنين عليه السلام لاتقولوا ما لاتعرفون فان اكثر الحق فيما تنكرون الي ان قال فلاتستعملوا الرأي فيما لايدرك قعره البصر و لاتتغلغل اليه الفكر و قال فيا عجبا و ما لي لااعجب من خطاء هذه الفرقة في اختلاف حججها في دينها لايقتفون اثر نبي و لايقتدون بعمل وصي يعملون في الشبهات و يسيرون في الشهوات المعروف فيهم ما عرفوا و المنكر عندهم ما انكروا مفزعهم في المعضلات الي انفسهم و تعويلهم في المبهمات علي آرائهم كان كل امرئ منهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 457 *»

امام نفسه و عن الرضا عليه السلام في حديث شريف ان هؤلاء القوم سنح لهم شيطان اعثرهم بالشبهة و لبس عليهم امر دينهم و ارادوا الهدي من تلقاء انفسهم فقالوا متي و لم و كيف فاتاهم الهلك ( من ظ ) مأمن احتياطهم و ذلك بما كسبت ايديهم و ما ربك بظلام للعبيد و لم‌يكن ذلك لهم و لا عليهم بل كان الفرض عليهم و الواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحير و رد ما جهلوه من ذلك الي عالمه و مستنبطه لان الله يقول في كتابه و لو ردوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم يعني آل‌محمد عليهم السلام و هم الذين يستنبطون القرآن و يعرفون الحلال و الحرام و هم الحجج لله علي خلقه فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و انصف و اعتبر ان الجدال و الخصومات و الكلام فيما ليس فيه كتاب و لا سنة حرام علي هذه العصابة كالميتة و الدم و لحم الخنزير و لايجوز لهم المباحثات و المجادلات ابدا و ان قالوا نحن لا بد لنا من هذا البحث فانا لانقدر علي ان نبقي بلا دين و احكام و الدين و الشرع و الحكم من النظريات بالبداهة فلا بد لنا من النظر و الفكر و لا بد لنا من النظر في اصول بها نتمكن من فهم الكتاب و السنة فلو اخذناها عن الكتاب و السنة قبل التمكن من فهمها لزم المحال و الدور فلا بد و ان ننظر في الاصول بعقولنا و بعد ان حققناها ننظر في الكتاب و السنة و الاجماع و الدليل العقلي فنستخرج الاحكام فاذا وجب علينا الكلام فيها بعقولنا طال التشاجر و النزاع و البحث و آل الي ما تري فمن منع من هذا البحث يمنع من التدين كلية فاني اقول في جوابهم ان الله سبحانه لم‌يجعل جميع امور دينه نظريا و جعل منها ضروريات يعرفها العالم و الجاهل و جعل منها اجماعيات لا اختلاف فيها فلاتحتاج الي الاستدلال و هي ام الدين و اسه و معرضه و محكمه و جعل منها نظريات يحتاج فيها الي الاستدلال فهي متشابهات ما لم‌ترد الي المحكمات و المعارض و لم‌يكلنا الي انفسنا و هذا هو الذي قرره الكاظم صلوات الله عليه و انا اتبرك بذكره تماما فعن ابي‌الحسن عليه السلام قال قال لي الرشيد احببت ان تكتب لي كلاما موجزا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 458 *»

له اصول و فروع يفهم تفسيره و يكون ذلك سماعك عن ابي‌عبدالله عليه السلام فكتبت بسم الله الرحمن الرحيم امور الاديان امران امر لا اختلاف فيه و هو اجماع الامة علي الضرورة التي يضطرون عليها و الاخبار المجتمع عليها المعروض عليها كل شبهة و المستنبط عنها كل حادثة و امر يحتمل الشك و الانكار و سبيل استيضاح اهله الحجة عليه فما ثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله ضاق علي من استوضح تلك الحجة ردها و وجب عليه قبولها و الاقرار و الديانة بها و ما لم‌يثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة و عامها الشك فيه و الانكار له كذلك هذان الامران من امر التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه فهذا المعروف الذي يعرض عليه امر الدين فما ثبت لك برهانه اصطفيته و ما غمض عنك ضوءه نفيته و لا قوة الا بالله و حسبنا الله و نعم الوكيل انتهي كلامه الشريف و هو نور صدر من منير فالله سبحانه كان يعلم الدور و التسلسل و يعلم ان عقول العباد الضعفاء لاتقدر علي فهم حقايق الامور فلم‌يكل الخلق الي انفسهم و لم‌يجعل لكم الذكر و له الانثي تلك اذا قسمة ضيزي فلم‌يكل اليكم امر الاصول و يتحمل عنكم الفروع بل جعل امر دينه علي قسمين ضروريات و اجماعيات و واضحات غنيات عن الاستدلال مصونات عن الجدال و الاختلاف فيها و نظريات و جعل في حكمته ان يتوصل الي النظريات بتلك الضروريات فما ثبت من النظريات بتلك الضروريات فهو الحق و يجب اتباعه و ما لم‌يثبت بتلك الضروريات فهو من المتشابهات و يجب فيها التوقف فعن الصادق عليه السلام انما الامور ثلثة امر بين رشده فيتبع و امر بين غيه فيجتنب و امر مشكل يرد علمه الي الله و رسوله الخبر ، و البين ما بينه الله الذي عليه البيان كما قال ثم ان علينا بيانه و النبي الذي امر بذلك قال سبحانه انزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم و الائمة عليهم السلام الذين هم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 459 *»

لكل قوم هاد فما لم‌يثبت من النظريات بضروريات الدين فهو الشبهة التي يجب الوقوف فيها و الكف و التثبت حتي يأتينا البيان من عند آل‌محمد عليهم السلام فلم‌يكلنا الله سبحانه الي عقولنا و ان قلت كيف لنا باستخراج جميع الاصول من ضروريات الدين اقول كما بينت لك هنا ان لغة العرب لغة تحتاج الي التعلم من اهله فنتعلمه حتي يحصل لنا اليقين كما روي تعلموا العربية فانها كلام الله الذي يكلم به خلقه فنحن نتعلم العربية لفظا و اعرابا ما كان الشأن فيه النقل و الرواية و اما دراية علماء الصرف و النحو فذلك من اجتهاداتهم و لايجوز تقليدهم فيها و قد خفي ذلك علي كثير من المحصلين و لم‌يفرقوا بين الرواية و الدراية حتي انه ربما يستند الي العلماء في ان تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر او انه لايجوز الابتداء بالنكرة فاذا عرفنا اللفظ و الاعراب المرويين و كان لنا مرة و قريحة نعرف العبارة نتدبر في ظواهر القرآن التي لا اختلاف فيها و الاخبار المتواترة و المحفوفة بالقرائن القطعية فنعرف مبانيها و معانيها و نحصل العلم بضروريات السنة و نتدبر فيها فنحصل العلم منها بصفات الله سبحانه و اسمائه و اصول ديننا و هي مشحونة بادلة عقلية قطعية و ليس كما يظنون ان كلام ابن‌سينا عقلي و كلام آل‌محمد عليهم السلام نقلي فان كلام آل‌محمد عليهم السلام مشحون باكمل الادلة العقلية التي لا شبهة فيها كما قد تحقق في هذه الايام للانام لما شرحه مشايخنا العظام جزاهم الله عن الاسلام خير جزاء و شرحنا فلم‌يبق لاحد شك في ان العلم العقلي هو ما صدر عنهم و ورد من اخبارهم فاذا حصلنا العلم بصفات الله و اسمائه و فضائل محمد و آل‌محمد عليهم السلام و شأنهم و مقامهم و علمهم و سيرتهم و حكمهم و عرفنا الادلة العقلية تأملنا بقوة الاخبار و نور الآثار في المقدمات الكلامية المتعلقة بالفقه و هذا الاصول المعروف اذا تجاوزت عن مسائل معدودة في الالفاظ فالباقي كلها مسائل كلامية و ليس بعلم مستقل خاص فنعرف تلك المسائل مما عرفنا في الكتاب المستجمع علي تأويله و الاخبار المتواترة المشحونة بالادلة العقلية فنحقق الاصول من ضروريات الدين و اجماعياته و متواتراته و محفوفاته بالقراين و المؤيدات

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 460 *»

بالعقول المؤيدة بنور آل‌محمد عليهم السلام فاذا حققنا الاصول غصنا بها في لجج ساير الاخبار التي لم‌تبلغ حد تلك الاخبار فهي من جنس الامر الثاني الذي يجب الاستدلال فيه بالامر الاول كما اخبر الكاظم عليه السلام فنحن هكذا نعرف نظريات الدين و لانحتاج الي تلك المخاصمات و المشاجرات و ان وقع احيانا موضع لانعرفه باليقين فنعده من متشابهات الدين و نوجب فيه التوقف و الرد الي ائمة الهدي عليهم السلام و التكلم في العلوم كلها بغير هذا المسلك عندنا حرام محرم كالميتة و لحم الخنزير و الدم و شرب الخمر و الميسر و لسنا محتاجين الي هذه الخصومات فيا لله بلغ من امرهم ان يباحثوا في مسئلة واحدة كالاستصحاب سبع سنين و يباحثوا في تعريف الاصول ستة اشهر و قد حاسب محاسبهم فرأي انه يطول دورة اصولهم علي التحقيق الفا و مأتي سنة نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فاعتبروا يا اولي الابصار و انا احتجنا الي كثرة الكلام في رد تلك القواعد مكنسة لغبار الاوهام و الا فالامر اوضح من نار علي علم و لايحتاج الي كتب و تطويلات و انما جميع ما يحتاج اليه من هذا العلم يتم في وريقات و اخصره ما كتبه الكاظم عليه السلام و فيه كفاية و بلاغ و اخصر منه قوله عليه السلام ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم‌تعلموا فردوه الينا فكلما سمعت منهم فقل لهم هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ام لا ، هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين فان اتوا به فاقبله و الا فاعلم انهم ان‌يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و ان الظن لايغني من الحق شيئا و اعلم ان من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير و نذكر هنا بعض الاصول التي يذكرونها و جعلوها مدارك الاحكام فمنها اصل البراءة فاعلم انه كلام باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و ان الله سبحانه خلق الخلق عبيدا له و العبد ما دام عبدا ذمته مشغولة بالعبودية و هو و جميع ما سواه لله سبحانه لايجوز له التصرف في شئ من نفسه و من غيره الا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 461 *»

باذنه سبحانه فالاصل الاولي في تقلباته و تصرفاته الحرمة كما روي لايحل مال الا من وجه احله الله و قال سبحانه ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لايقدر علي شئ و هو كل علي مولاه و قال سبحانه لاتقدموا بين يدي الله و رسوله و قد فسره النبي صلي الله عليه و آله بذلك كما يأتي و قد مر في حديث عبدالله بن سنان فانت تخاصم الناس من غير ان يأمرك امامك فانت عاص له فيخصمه و يدل عليه وجوب الوقوف عند الشبهة و عن موسي بن جعفر عليه السلام عن ابيه عليهما السلام قال قال علي بن الحسين عليهما السلام ليس لك ان تقعد مع من شئت لان الله تبارك و تعالي يقول و اذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتي يخوضوا في حديث غيره الآية ، و ليس لك ان تتكلم بما شئت لان الله عز و جل قال و لاتقف ما ليس لك به علم ، و لان رسول الله صلي الله عليه و آله قال رحم الله عبدا قال خيرا فغنم او صمت فسلم و ليس لك ان تسمع ما شئت لان الله عز و جل يقول ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام لايسعكم فيما ينزل بكم مما لاتعلمون الا الكف عنه و التثبت و الرد الي ائمة الهدي حتي يحملوكم فيه علي القصد و يجلوا عنكم فيه العمي و يعرفوكم فيه الحق قال الله تعالي فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و عن النبي صلي الله عليه و آله حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات و من اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لايعلم الخبر ، و في حديث الرضا عليه السلام كان الفرض عليهم و الواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحير و رد ما جهلوه من ذلك الي عالمه و مستنبطه الخبر ، و يأتي في مجادلة النبي صلي الله عليه و آله ما يدل علي ذلك عموما و لعمري ان العبد من كان بين يدي مولاه كالميت بين يدي الغسال لايتقلب من جنب الي جنب الا بتقليبه فوقوف العبد عدم احداث شئ في الحادث لانه ان احدث شيئا و سئل عنه ليس له عذر و ان لم‌يحدث و سئل عنه له عذر من عدم امر بخلاف ما كان فيه فالاصل الاولي الحرمة في جميع التقلبات و التصرفات

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 462 *»

ثم لما جاء محمد صلي الله عليه و آله و اتي بسنة من الله سبحانه و بينها لعبيده بقوله و فعله و تقريره جري هذا الاصل علي ذلك الاصل لانه لم‌يترك مسئلة من المسائل الا و منه فيه سنة و ذلك قول ابي‌عبدالله عليه السلام ما من شئ يحتاج اليه ولد آدم الا و قد خرجت فيه السنة من الله و من رسوله و لولا ذلك مااحتج علينا فقيل و بما احتج فقال ابوعبدالله عليه السلام قوله اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم الآية ، فلو لم‌يكمل سننه و فرائضه و ما يحتاج اليه الناس مااحتج و عنه عليه السلام ان الله تبارك و تعالي انزل في القرآن تبيان كل شئ حتي والله ماترك الله شيئا يحتاج اليه العباد حتي لايستطيع عبد يقول لو كان هذا انزل في القرآن الا و قد انزله الله فيه الي غير ذلك من الاخبار الساطعة الانوار فقد بين كل امر في سنته و هي كما قلنا قولية و فعلية و تقريرية فهذا الاصل جري علي ذلك الاصل و غطاه و هو تقليبه الذي يجب ان نمتثله و نعمل به فامر في هذا الاصل باشياء و نهي عن اشياء و حد حدودا و فرض فرائض و وضع احكاما و سكت عن اشياء و هو يعلم ما نحن عليه فما امر و نهي و حد و فرض و وضع علينا الامتثال لاقواله و المتابعة لافعاله و ما سكت عنا و هو يرانا و يسمعنا علي حالات فقد قررنا علي ما نحن عليه اذ لو كان ما نحن فيه من التصرف في ماله حراما و هو غير راض به فقد نهانا فهيهنا جاء في غير موارد الامر و النهي و الوضع الاباحة و هذه اباحة تقريرية سنية لا اصلية و ليس الاصل الاباحة و براءة الذمة بل الاصل كان هو الحرمة و انما اذن المالك بتقريره في التصرف في ماله فنحن مشغولة ذمتنا بالاخذ بالسنة و العمل باباحته فان الاباحة حكم من الله سبحانه كالحرمة و ليس لعبد ان يبيح من مال مولاه علي نفسه الا باذنه فالقول بان الاصل الاباحة قول باطل و عن حلية الاعتبار عاطل فان اباحها الله سبحانه فهو من دينه و ليس سابقا عليه و ان اباح غيره فقد شارك الله في ملكه و ان كان بنفسه مباحا فليس بملك لله سبحانه بالجملة جري الشرع علي اصل الحرمة فامر و نهي و وضع و سكت ففي مواضع الامر و النهي و الوضع الاصل الثانوي ما تقتضيه و في مواضع السكوت الاصل الثانوي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 463 *»

الاباحة اباحة الله سبحانه و الاصل الثانوي براءة الذمة عن مقتضي امر او نهي او وضع حتي يأتي الشارع بامر جديد و ليس براءة الذمة عن التعبد و التدين باباحته فالاصل ابدا الاشتغال حقيقة ثم لما اعرض النبي صلي الله عليه و آله عن الدنيا اودع دينه و اوامره و نواهيه و اوضاعه وصيه فاظهر منها بعضا و كتم منها بعضا للتقية فما بلغوه الينا و اظهروه لنا فالواجب امتثال ذلك سواء كان اقتضاء او تخييرا او وضعا و ما كتموه عنا ليس لنا ان نستخرج البحث عنه بعقولنا او نقيس عليه فوضعوا هنا لما كتموه اصلا ثالثا و هو السعة حتي يظهر دولة الحق اذ لايسعنا غير ذلك الاظهار منهم و لم‌يظهروا و القول بغير علم منا حرام محرم علينا فلم‌يبق الا السعة فقالوا الناس في سعة ما لم‌يعلموا و قالوا كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نص ففي العمل مطلق و اما في العلم فتوقف عن الحكم المكتوم عند الائمة عليهم السلام هكذا ينبغي ان يحرر هذا المبحث و ان علماءنا رضوان الله عليهم كل واحد منهم رأي وجها من وجوه ما بينا و حكم عليه بالاطلاق فاخطأ مع ان كلهم رأوا وجها و صدقوا فهكذا ينبغي ان يحاكم بينهم و الحمد لله رب العالمين هذا من بركات آل‌محمد عليهم السلام و يوافق الكتاب و السنة و الاجماع و آيات الآفاق و الانفس و الادلة العقلية و هو بيان يكفي تقريره عن الدليل و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم فالقول بان الاصل براءة الذمة فيما لانعلم ليس بصحيح لفظا و لو قالوا بان الاصل الثالث فيما لانعلم السعة في العمل و الوقوف في العلم كان صوابا فاصل البراءة ليس بدليل عقلي غير محتاج الي الشرع و لايفيد لنا حكما في غير موارد النص و لايجوز التدين به لانه لم‌ينزل الله به سلطانا و لايقدر العقول الناقصة ان تضع احكام جميع ما لم‌يرد فيه نص و لاينبغي التعويل عليها فافهم و منها الاستصحاب الذي هو من اصولهم العظيمة فاعلم ان الله سبحانه لم‌يأمر العباد لانتفاع منه بالمأمور به و لم‌ينه العباد لتضرر منه عن المنهي عنه و ليس بينه و بين شئ مناسبة و لا منافرة و لم‌يحرم و لم‌يحلل من غير مقتض فيكون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 464 *»

عابثا و لا بمقتضي ذاته فيكون متجزيا حادثا و انما حرم و حلل بمقتضيات خلقية و مصالح و مفاسد ملكية ثم لم‌يحرم الاشياء لمعني في انفسها خاص و ليس التحريم بانفس الاشياء اولي من التحليل و لا معني لذلك و انما حرم ما حرم لان اقتران‌المكلف به مضر به و حلل ما حلل لان اقتران المكلف به نافع به و لا شك ان نسبة شيئين الي شئ واحد مع اختلافهما لاتكون ابدا علي حد سواء فلكل حالة وجودية او شئ وجودي اقتضاء حكم عند الله سبحانه كما مر و روي انه ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة فلاجل ذلك قال الله سبحانه ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم فكل حالة تحدث في ابن آدم لها حكم من الله سبحانه انزله في كتابه و قاله النبي صلي الله عليه و آله في سنته حتي اللحظات و قد بلغنا في كثير من المواضع آياته في الشريعة انهم عليهم السلام غيروا الحكم بادني تغير حدث فينا فلايخلو حالاتنا من قسمين فاما ان نعلم حدوث حالة غير الحالة الاولي يقينا و نجهل حكمه و اما ان نعلم حكم حالة و نشك في حدوث الحالة فقد وضع آل‌محمد عليهم السلام للقسم الثاني قانونا فقالوا اذا شككت فابن علي اليقين قيل هذا اصل قالوا نعم هذا اصل فنحن اذا كنا علي وضوء شرعي و طهارة شرعية و نعلم من جهة الشارع حكم الحدث انه ناقض للطهارة فنشك في حدوث الحدث نبني علي اليقين الذي لولا هذا الشك لكان الحكم ثابتا باقتضاء الحكم الاول فلما كنا في شك من حدوث الحادث و الاحكام موضوعة للحوادث المعلوم حدوثها فلا حكم للحادث المشكوك فلاننقض اليقين الثابت المستمر لولا الشك بعروض الشك و هذا حكم نزل به الكتاب و جرت به السنة و قام عليه الاجماع و اما القسم الاول فقد اختلف العلماء فيه فمنهم من اجري الحكم السابق علي الحالة العارضة يقينا المجهول حكمها و منهم من منع ذلك و هو الحق الذي لا شك فيه و لا ريب يعتريه فان الحالة الحادثة لها حكم ثابت عند الله و عند حججه من الاحكام الخمسة و الاوضاع المقررة و اجراء حكم غيرها عليها قياس محض لم‌يأذن الله سبحانه به و لايدل عليه كتاب و لا سنة و لا اجماع و لايفيد لكم الا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 465 *»

الظن علي ما تقولون و هو محرم عليكم متابعته بالكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل فاقول لكم ءالله اذن لكم ام علي الله تفترون فان قلتم نحن نعمل بعموم لاتنقض اليقين الا بيقين مثله قلت لو كان هذا يدل علي مرادكم لماخفي علي اوائلكم و كانوا يعدون الاستصحاب في الادلة الشرعية النصية لا العقلية و لكنهم عرفوا ان الحديث لايدل علي مطلبهم و خفي عليكم فاقول ان المفروض ان الحالة المغايرة حادثة يقينا و الحكم مجهول و هي يحتمل فيها الاحكام الخمسة و وضع من الشارع البتة و تلك الحالة غير الحالة الاولي قابلة لان تكون موضوع حكم شرعي و انتم كنتم علي يقين من حكم الحالة الاولي التي هي غير الحالة الثانية يقينا و شككتم في حكم الحالة الثانية التي هي غير الاولي يقينا فاراكم تفسرون الخبر بلاتنقض يقينك بوجود زيد بشكك في وجود عمرو و اجره في عمرو و هذا فظيع من القول و قبيح من التفسير و لايجوز تفسير قول حجة الله علي خلقه و عيبة علمه علي ذلك و اري رسول الله صلي الله عليه و آله احتج بمنع الاستصحاب علي المشركين فغلبهم فلم‌يقدروا علي رده حيث قال لمن اعترض عليه بما حاصله ان توجهنا الي الصنم كتوجه الملئكة الي آدم فقال لهم رسول الله صلي الله عليه و آله لقد ضربتم لنا مثلا و شبهتمونا بانفسكم و لا سواء ذلك انا عباد الله مخلوقون مربوبون نأتمر له فيما امرنا و ننزجر عما زجرنا و نعبده من حيث يريده منا فاذا امرنا بوجه من الوجوه اطعناه و لم‌نتعد الي غيره مما لم‌يأمرنا و لم‌يأذن لنا لانا لاندري لعله اراد منا الاول و هو يكره الثاني و قد نهانا ان نتقدم بين يديه فلما امرنا ان نعبد بالتوجه الي الكعبة اطعنا ثم امرنا بالتوجه نحوها في ساير البلدان التي نكون بها فاطعنا فلم‌نخرج في شئ من ذلك من اتباع امره و الله عز و جل امر بالسجود لآدم و لم‌يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره فليس لكم ان تقيسوا ذلك عليه لانكم لاتدرون لعله يكره ما تفعلون اذ لم‌يأمركم به ثم قال لهم رسول الله صلي الله عليه و آله ارأيتم لو اذن لكم رجل في دخول داره يوما بعينه الكم ان تدخلوها بعد ذلك بغير امره او لكم ان تدخلوا دارا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 466 *»

له اخري مثلها بغير امره او وهب لكم رجلا ( رجل ظ ) ثوبا من ثيابه او عبدا من عبيده او دابة من دوابه الكم ان تأخذوا ذلك و ان لم‌تأخذوه اخذتم آخر مثله قالوا لا لانه لم‌يأذن لنا في الثاني كما اذن في الاول قال فاخبروني الله اولي بان لايتقدم علي ملكه بغير امره او بعض المملوكين قالوا بل الله اولي بان لايتصرف في ملكه بغير اذنه قال فلم فعلتم و متي امركم ان تسجدوا لهذه الصور قال القوم سننظر في امورنا ثم اسلموا بعد ثلثة ايام فاقول لكم اذا امركم الله سبحانه بامر يشمل باطلاقه الحالات و بعمومه العوارض فانتم تعملون بعمومه و اطلاقه و ليس لكم ان تخصصوه بحالة دون حالة و تقيدوه بشئ فليس في عملكم به استصحاب بل هو اقتضاء حكم و ان كان لايشمل باطلاقه و عمومه الحالات و هو لحالة معينة و ذهب تلك الحالة يقينا و جاءت حالة اخري يقينا غيرها فيرد عليكم ما اورده رسول الله صلي الله عليه و آله فانكم لاتدرون باقراركم هل يرضي الله سبحانه باجراء الحكم الاول في الحالة الثانية ام لا و انما تظنون ظنا و ان الظن لايغني من الحق شيئا فليس لكم ان تتعدوا في ذلك و تقدموا بين يدي الله فان قلتم نحن نظنه ظنا و قام لنا الدليل القطعي علي اعتبار الظن اقول قد تقدم جوابكم ان هذا القول قول بقيام الدليل علي ابطال حكم آيات الكتاب المحكمات و الروايات المتواترات عن الائمة القادات فان جاز ذلك لم‌يبق بعد للاسلام عمود و لم‌يخضر له عود فالظنون مطلقة ليست من دين الله و لايجوز التعويل عليها و انما مثلكم في ذلك كأن يسمع احد قول الله سبحانه و لاتطع منهم آثما او كفورا او قوله و لاتطع الكافرين ثم يأتي بادلة علي حسب عقله الناقص علي وجوب طاعة الكفار ثم يقول اني لم‌اطع الكافر من حيث هو كافر و انما اطعت دليل عقلي الذي قد حكم بوجوب طاعة الكافر و كذا يطيع ابابكر و عمر و عثمان و معوية و يقول اني لم‌اطعهم من حيث هم هم و انما اطعت دليل عقلي الذي ساقني الي طاعتهم و كذلك اراكم لان الله سبحانه نهاكم عن الظن و انتم تعملون به و تقولون نحن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 467 *»

لم‌نعمل بالظن و انما عملنا بدليل عقلنا القطعي الموجب للعمل بالظن و وهنه قد تبين باوضح بيان نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و انصف و اعتبر انه لايجوز سحب حكم لموضوع في حالة اليه في الحالة الاخري و انه قول بغير علم و لا شك ان الحالة الاخري مجهولة الحكم و ان الله سبحانه يقول فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون ، و روي لايسعكم فيما ينزل بكم مما لاتعلمون الا الكف عنه و التثبت و الرد الي ائمة الهدي و لايجوز استصحاب حكم ما يعلم في ما لم‌يعلم و هو قياس محض كما اخبر عنه النبي صلي الله عليه و آله و فيما ذكرت كفاية و بلاغ فنحن اذا وصل الينا حكم من الشارع في حالة فان فهم من النصوص استمراره الي حدوث حالة اخري و شككنا في حدوث تلك الحالة المعلومة الحكم و تيقنا بحدوث حالة اخري غير الحالة الاولي نسحب الحكم اليها البتة بدلالة حكم الحالة الاولي كما انا نعلم من النصوص ان الصلوة تامة ما لم‌يسافر الانسان الي ثمانية فراسخ فاذا قصدنا مسافة مشكوكة نسحب حكم التمام الي الحالة المشكوكة مع ان حالة قصد المسافة المشكوكة يقينية الحدوث و كما نعلم ان حكم الطهارة ثابت الي حدوث الحدث اليقيني فاذا شككنا في حدوث الحدث نسحب حكم الطهارة الي الحالة المشكوكة لقوله عليه السلام اذا شككت فابن علي اليقين و اما اذا لم‌نفهم من الحكم استمرارا بل كان متعلقه امر مطلق فذلك لايحتاج الي استصحاب فان غرض الشارع تعلق بمطلق الموضوع في اي حالة كان و كذلك ان كان الحكم عاما يشمل الحالات و اما اذا فهم من الحكم استمرار الي حالة نوعية و حدث حالة او شئ لايعلم كونه من افراد ذلك النوع فلايجوز اثبات حكم لذلك الحادث بسحب الحكم المستمر كما اذا علمت طهارة الثوب و استمرارها الي ملاقاة النجس ثم لاقي مني الشاة و لاتعلم حكمه من جهة الشرع فلايجوز لك الحكم بطهارة المني باستصحاب حكم الطهارة فان المني مجهول الحكم و لا بد من سؤال اهل الذكر عليهم السلام عنه نعم ما لم‌يبلغنا حكمه عنهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 468 *»

فهو مطلق لايكون منشأ حكم جديد بمقتضي كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نص لا باستصحاب حكم الطهارة و الحكم علي المني بالطهارة بل نتوقف في حكمه علما و هو مطلق عملا بحديث آخر و كذلك اذا كنت علي طهارة و خرج عذرة من غير الموضع المعتاد فلانحكم بعدم كونه ناقضا بل نتوقف و اما العمل فعلي السعة فلايصير منشأ اثر و حكم جديد و هو مطلق فلا بد في الحالة المشكوكة و القول باطلاقها من فحص كثير و عدم الظفر بالحكم و اما اذا حدث حالة هي تحت حكم اطلاقي او عام فلايجوز استصحاب حكم الحالة السابقة او كان فيها نص خاص كما اذا دخلنا في الصلوة بتيمم ثم رأينا الماء فلايجوز حينئذ استصحاب صحة الصلوة فان هذه الحالة تحت ان رؤية الماء تنقض التيمم مطلقا ان لم‌يكن فيها نص خاص و الا فهي موضوع حكمها الخاص و قد روي فيها انه ان كان الوقت ضيقا مضي في صلوته و الا توضأ و استقبل صلوته استقبالا و روي غير ذلك بالجملة لايجوز الحكم علي الحالة المشكوكة و المجهولة بحكم الحالة المعلومة و الحالات لها احكام عند الشارع يقينا اذ لها اقتضاءات و قد رأينا كثيرا من افرادها قد صارت منشأ احكام خاصة هذا و لايزيد الاستصحاب علي الظن و ان الظن لايغني من الحق شيئا و هو قياس محض كما اخبر به النبي صلي الله عليه و آله و اما القياس فقد كاد ان يبلغ حرمته ضروريات المذهب و تواتر فيها الاخبار و اري قد شاع بين علمائنا العمل ببعض افراده و رأيت في المتأخرين قولا من بعضهم قد جوز العمل به مطلقا علي ان الاصل حجية الظن و نحن نعمل به لا من حيث القياس بل من حيث حصول الظن و ان حرمته في زمان انسداد باب العلم لم‌تثبت و قيام الاجماع علي حرمته في هذا الاوان غير معلوم بالجملة وسعوا الخرق شيئا فشيئا الي ان ادخلوه و اما بعض افراده كالقياس الاستقرائي و الاولوية و تنقيح المناط و اتحاد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 469 *»

طريق المسئلتين فقد شاع و ذاع بينهم مع ان الاخبار تنهي عنه مطلقا و عن اوضحه و هو الاولي خصوصا و قد سموه باسم آخر و اكلوه فسموه بفحوي الخطاب و جوزوه فلنسردن بعض الاخبار حتي تزيد في الاعتبار فعن عيسي بن عبدالله القرشي قال دخل ابوحنيفة علي ابي‌عبدالله عليه السلام فقال يا باحنيفة بلغني انك تقيس قال نعم قال لاتقس فان اول من قاس ابليس و عن علي عليه السلام علموا صبيانكم من علمنا ما ينفعهم الله به لاتغلب عليهم المرجئة برأيها لاتقيسوا الدين فان من الدين ما لايقاس و سيأتي اقوام يقيسون فهم اعداؤ الدين و اول من قاس ابليس اياكم و الجدال فانه يورث الشك و من تخلف عنا هلك اقول صلي الله عليك قد اخبرت فصدقت قد جاؤا و قاسوا و في القدسي ما علي ديني من استعمل القياس في ديني و عن الصادق عليه السلام في حديث الخضر عليه السلام انه قال لموسي عليه السلام ان القياس لا مجال له في علم الله و امره الي ان قال ثم قال جعفر بن محمد عليهما السلام ان امر الله تعالي ذكره لايحمل علي المقائيس و من حمل امر الله علي المقائيس هلك و اهلك ان اول معصية ظهرت من ابليس اللعين حين امر الله ملائكته بالسجود لآدم فسجدوا و ابي ابليس ان يسجد فقال انا خير منه فكان اول كفره انا خير منه ثم قياسه خلقتني من نار و خلقته من طين فطرده الله عن جواره و لعنه و سماه رجيما و اقسم بعزته لايقيس احد في دينه الا قرنه مع عدوه ابليس في اسفل درك من النار و عن ابن‌شبرمة قال دخلت انا و ابوحنيفة علي جعفر بن محمد عليهما السلام فقال لابي‌حنيفة اتق الله و لاتقس في الدين برأيك فان اول من قاس ابليس الي ان قال ويحك ايهما اعظم قتل النفس او الزنا قال قتل النفس قال فان الله عز و جل قد قبل في قتل النفس شاهدين و لم‌يقبل في الزنا الا اربعة ثم ايهما اعظم الصلوة ام الصوم قال الصلوة قال فما بال الحايض تقضي الصيام و لاتقضي الصلوة فكيف يقوم لك القياس انتهي ، و لا شك انه نص في حرمة القياس بطريق اولي و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 470 *»

في حديث آخر يا اباحنيفة ان اول من قاس ابليس الملعون قاس علي ربنا تبارك و تعالي فقال انا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين فسكت ابوحنيفة فقال عليه السلام ايهما ارجس البول او الجنابة فقال البول فقال فما بال الناس يغتسلون من الجنابة و لايغتسلون من البول فسكت الخبر ، و الاخبار في ذلك متواترة يكفي ما ذكرنا لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و لكن للقياس عرق ناشب في قلوب الناس و قل من سلم منه حتي المحدثين و الاخباريين فاني رأيت بعضهم يعمل بالقياس الاستقرائي في الاحكام و عدم كونه من دين الله من البديهيات و لا معصوم الا من عصمه الله و بعد ذم الله ابليس في كتابه و طرده و لعنه و رجمه بالقياس و صدور اخبار متواترة عن الحجج في المنع عنه عموما و خصوصا و قيام الاجماع من الشيعة علي حرمة استعماله و قيام الدليل العقلي علي عدم اعتباره من العقول الناقصة لانحتاج الي معارضة القوم و الرد عليهم و انما عليهم البرهان من الكتاب المستجمع علي تأويله و السنة الجامعة و العقول المتفقة علي جواز استثناء قياس الاولوية و تنقيح المناط و الاستقرائي و غيرها مما يستعملونه في الاحكام و اذ ليس فلايجوز و اما اذا نص الحجة عليه السلام بعلة الحكم و فهم منه انه لا خصوصية للموضوع في العلية فلايتخلف معلولها اين ما وجدت البتة و يجري الحكم و ليس بقياس موضوع بموضوع كما اذا حكم علي زيد بانه ضاحك لاجل انه انسان فليس حكمنا علي عمرو انه ضاحك بقياس لان الضاحك خاصة الانسان اين ما ظهر و ليس من خاصة زيد فلا قياس و كذا الآيات النازلة في رجال و الاخبار الصادرة في رجال اذا اجريناها في ساير المكلفين فليس بقياس فعن ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد يا ابامحمد هل من هاد اليوم قال بلي جعلت فداك ما زال منكم هاد بعد هاد حتي دفعت اليك فقال رحمك الله يا ابامحمد لو كانت اذا نزلت آية علي رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب و السنة و لكنه حي يجري فيمن بقي كما جري فيمن مضي و عنه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 471 *»

عليه السلام حكم الله في الاولين و الآخرين و فرايضه عليهم سواء الا من علة او حادث تكون و الاولون و الآخرون في منع الحوادث شركاء و الفرايض عليهم واحدة يسئل الآخرون عن اداء الفرايض كما يسئل عنه الاولون و يحاسبون كما يحاسبون و سئل عليه السلام عن الحلال و الحرام فقال حلال محمد حلال ابدا الي يوم القيمة و حرام محمد حرام ابدا الي يوم القيمة لايكون غيره و لايجئ غيره انتهي ، و لايعقل تخصيص احكامه بالمشافهين مع انه رسول الله الي الناس جميعا و خاتم النبيين و لا نبي بعده فليس اجراؤنا احكاما صدرت للمشافهين في مواضع خاصة في القرون و المواضع الاخر قياسا بل هو مقتضي بعثة النبي صلي الله عليه و آله فالاصل هو اتحاد الحكم الي ان يثبت خصوصية للموضع و لكن لا بد و ان يجري الحكم في الموضوعات المسماة بتلك الاسماء حكم الماء في الماء لا في الخل و حكم الحديد في الحديد لا في الذهب و حكم الرجل في الرجل لا في المرأة و امثال ذلك فلو تعدي عن مصداق اللفظ كان خطاء و العبرة بعموم الفاظ الجواب لا بخصوص المحل الا مع قرينة و ترك الاستفصال يفيد العموم و الامام عالم بكل شئ و لكنه يأتي بالفاظ يفهم كل احد منها الحكم و يجري علي حسب الظاهر فلعل السائل كان يأتي بلفظ لايفهمه غيره فيستكشف الحال ليحدث و يعرفه كل احد كما انه سئل ابوجعفر عليه السلام عن الملاحة فقال و ما الملاحة فقيل ارض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحا فقال هذا المعدن فيه الخمس فلو اجاب بعلمه بمعناه لم‌يعرف غيره من اهل ساير البلاد و عن ابي‌خديجة عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رجل و انا حاضر حلل لي الفروج ففزع ابوعبدالله عليه السلام فقال له رجل ليس يسألك يعترض الطريق انما يسألك خادما يشتريها او امرأة يتزوجها او ميراثا يصيبه او تجارة او شيئا اعطاه فقال هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم و الغائب و الميت منهم و الحي و ما تولد منهم الي يوم القيمة الخبر ، فلو حكم بعلمه حين قال حلل لي الفروج و قال حلال لك لكان يحدث كما هو فلايعرف

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 472 *»

الناس المراد بل لو كانوا يحكمون بعلمهم لماكان حاجة الي السؤال فيجيبون بمحض لا و نعم فلايعرف احد وجه الحكم فتبين انهم لايجرون في الجواب علي حسب علمهم بالواقع و انما يجرون علي حسب الفاظ السؤال ان زادوا حرفا زادوا حرفا و ان نقصوا حرفا نقصوا حرفا فالعبرة بمدلول الالفاظ و الجري علي الظاهر فاذا كان السؤال مجملا فاطلاق الجواب يفيد العموم البتة و الا لكانوا يسألون حتي يفصل السؤال و يتبين الخصوصيات و هذه المسائل واضحة علي اصول الشيعة و لكن القوم جروا في اصولهم علي مذهب القوم فوقعوا فيما وقعوا بالجملة اجمل لك القول ان كل قاعدة عليه دليل من كتاب و سنة و اتفاق فهو حجة و الا فلا خير فيه و اغلب مسائلهم من ادلة غير اتفاقية و فيه آراء متشتتة و كلما هو كذلك فالمرجع فيه الي الله و رسوله لقوله فان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و من دعي اليهما منهم و لم‌يجب فيحكم عليه الآية و اذا دعوا الي الله و رسوله ليحكم بينهم اذا فريق منهم معرضون و ان يكن لهم الحق يأتوا اليه مذعنين افي قلوبهم مرض ام ارتابوا ام يخافون ان يحيف الله عليهم و رسوله بل اولئك هم الظالمون قال سبحانه انما كان قول المؤمنين اذا دعوا الي الله و رسوله ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا و اطعنا و اولئك هم المفلحون و من يطع الله و رسوله و يخش الله و يتقه فاولئك هم الفائزون فبذلك نختم هذا الفصل ايضا و لنرجع الي ما كان هو الغرض من تصنيف هذا الكتاب و هو مسئلة التسديد فلنعنون له بابا مستقلا .

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 473 *»

الباب الثالث في اثبات التسديد من الحجة عليه السلام للذين يجاهدون في الله كما امر جل شأنه و يأتون البيت من بابه و فيه فصول :
فصل في الآيات الفرقانية و نبتدؤ بها فانها الاصل في كل حق و مبدأ كل خير اعلم اني تتبعت الكتاب من اوله الي آخره فوجدت فيه آيات عديدة قد اخبر الله سبحانه فيها بالتسديد ابتداء و وجدت ان اغلب الرسل قد احتجوا علي قومهم في حقيتهم و صدقهم بالتسديد فاحب ان اسرد تلك الآيات جميعا فاني لم‌اذكرها في غير هذا الكتاب تماما و اترك الآيات المكررة لفظا اختصارا قال الله سبحانه كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ايمانهم و شهدوا ان الرسول حق و جاءهم البينات و الله لايهدي القوم الظالمين اولئك جزاؤهم ان عليهم لعنة الله و الملئكة و الناس اجمعين خالدين فيها لايخفف عنهم العذاب و لا هم ينظرون فبين الله سبحانه انه لايهدي الكفار و الظالمين و هم ملعونون مطرودون و لاينظرون و لايمهلون فاذا كانوا كذلك لم‌يهتدوا الي الكلام الحق و العمل الحق و اذا طردهم من رحمته ادخلهم في غضبه فيشملهم الخزي في الدنيا اذ لايمهلهم الله و يفضحهم و ان لم‌يفعل فقد امهلهم و الامهال الذي يقع عليهم في المتاع الدنيا لا في اشتباه امرهم علي طالبي الحق و الصواب فيضربون بالبطلان و الضلالة و الخزي و ادحاض الحجة حتي لايشتبه امرهم علي المجاهدين و قال تعالي انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة و مأويه النار و ما للظالمين من انصار فاذا لم‌ينصر الله المرء و لا رسله و لا ملئكته و خذلوه يخزي البتة فانه لا حول و لا قوة الا بالله فيفتضح في الدنيا البتة و يبطل امره و يدحض حجته و قال سبحانه و هو القاهر فوق عباده و هو الحكيم الخبير قل اي شئ اكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم و اوحي الي هذا القرآن لانذركم به و من بلغ الآية ، فقد استشهد صلي الله عليه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 474 *»

و آله بتعليم الله ان الله شهيد بيني و بينكم و هو القاهر فوق عباده فان كنت كاذبا مفتريا عليه و هو يشهدني و يراني و قاهر فوقي لم‌يتركني و انا اقول بين يديه ان هذا القرآن اوحي الي لانذركم به و من بلغ من اهل بيتي مبلغ الانذار هو ايضا ينذركم بين يدي الله فان كان كاذبا لم‌يتركه الله ليفتري عليه و يقول عليه فتدبر و قال تعالي و من اظلم ممن افتري علي الله كذبا او كذب بآياته انه لايفلح الظالمون فبعد ان اثبت انه من افتري علي الله كذبا و كذب بآياته اظلم الناس قال انه لايفلح الظالمون مطلقا لا في الدنيا و لا في الآخرة فاذا كان و لايفلح الظالم يفتضح لا محالة و يدحض حجته و لايتمشي امره كما يحب و كما مر قوله تعالي فمن اظلم ممن افتري علي الله كذبا ليضل الناس بغير علم ان الله لايهدي القوم الظالمين و قال سبحانه يريد الله ان يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين ليحق الحق و يبطل الباطل و لو كره المجرمون فاذا اراد الله سبحانه امرا امضاه فلا بد من احقاق كل حق بالحجة و ابطال كل باطل بالحجة و اما في الكون فلربما يطول مدتهم الي انقضاء اجلهم ليزدادوا اثما و قال سبحانه اجعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله و اليوم الآخر و جاهد في سبيل الله لايستوون عند الله و الله لايهدي القوم الظالمين فاذا كانوا لايستوون و لايهدي الله الظالمين فلايمدهم كما يمد الصالحين و لايعاملهم في الدنيا و الآخرة كما يعامل الصالحين في انارة البرهان و كذا قوله تعالي و الله لايهدي القوم الفاسقين و قال سبحانه اتقولون علي الله ما لاتعلمون قل ان الذين يفترون علي الله الكذب لايفلحون متاع في الدنيا ثم الينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون فمن افتري علي الله لايفلح و يبان كذبه و فريته نعم له متاع عيش في الدنيا ثم مرده الي النار و قال تعالي فلما القوا قال موسي ما جئتم به السحر ان الله سيبطله ان الله لايصلح عمل المفسدين و يحق الله الحق بكلماته و لو كره المجرمون فاهل الباطل مفسدون فلو اصلح الله اعمالهم و تركهم حتي ينالوا ما يريدون و قوي حججهم و ضعف حجة خصمهم فقد اغري نعوذ بالله بالباطل و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 475 *»

اضل المهتدين و هو سبحانه اجل من ذلك فالله سبحانه يبطل دعوة كل داع الي باطل و عدم بطلانه و ظفر حجته علي من سواه و فلجها دليل الحقية و تصديق الله سبحانه و هو استدلال موسي عليه السلام و ان كان في بعض الآيات التي نذكر اجمال فانما تفصيله في آية اخري و القرآن يفسر بعضه بعضا و قال تعالي قدره و لاتكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين فمن كذب بآيات الله يخسر و من خسر لايربح و من لايربح لايفوز بمراده البتة و قال جل شأنه قل يا قوم ارأيتم ان كنت علي بينة من ربي و آتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله ان عصيته فما تزيدونني غير تخسير فمن عصي الله بعد البينة لا ناصر له و من لاينصر يخذل و من خذل قطعت امداده فانقطع عن اصل الثبات و البقاء و الظفر و هو استدلال صالح النبي عليه السلام و قال تعالي ذلك ليعلم اني لم‌اخنه بالغيب و ان الله لايهدي كيد الخائنين هو استدلال يوسف علي براءته من الخيانة فقال اني لو كنت خائنا ماكان الله ليهديني و يفلح حجتي بانطاق الصبي و اراءة الآيات و اقرار النسوة و اقرار زليخا بنفسها فهذه اسباب الهداية و ثواب المهتدين و الهداية الي طريق السلامة في الدنيا فالخائن لايتبرؤ ذمته كذلك و يفتضح و اعرف من معني الهداية هنا عموم معناها في الآيات السابقة فهداية الدنيا الوصول الي اسباب الثبات و النجاة و الدوام و العزة و الخير بالحجة و هداية الآخرة الظفر بالجنة و لقاء الله و الهداية في الدين الظفر بدين الله الذي انزله و رضيه فافهم و قال تعالي قدره و يقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب هو استدلال النبي علي نبوته و رسالته فيقول الذي يشهد بنبوتي الله الذي يراني و يراكم و لايريد ان يغويكم فان كان يراني مفتريا لماامهلني فسكوته عن ابطالي دليل حقيتي و رضاه بما في يدي و انسب اليه من امره و كذلك تصديق الذي عنده علم الكتاب فانه الذي لو علم الله كذبي لاثاره في ابطالي و قال تعالي قالت لهم رسلهم ان نحن الا بشر مثلكم و لكن الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 476 *»

يمن علي من يشاء من عباده و ماكان لنا ان نأتيكم بسلطان الا باذن الله و علي الله فليتوكل المؤمنون فاحتجت الرسل عليهم بان السلطان لايكون الا باذن الله و من لم‌يأذن الله له لايمكنه الاتيان بالسلطان و نحن اذ قد جئناكم بالسلطان كنا من عند الله و كان عملنا باذن الله سبحانه فهذا احتجاج في ان ما اتوا به معجزة لا سحر و من عند الله لا من عند انفسهم و قال تعالي ان الذين لايؤمنون بآيات الله لايهديهم الله و لهم عذاب اليم انما يفتري الكذب الذين لايؤمنون بآيات الله و اولئك هم الكاذبون فاحتج صلي الله عليه و آله عليهم في كون القرآن من الله باني لو كنت مفتريا كنت غير مؤمن بآيات الله و كنت معروفا بالكفر و الكذب لا بالايمان و الصدق و ترون ان الله هداني في الدنيا و الدين و الاقوال و الافعال و للتي هي اقوم فهذا دليل اني لست بمفتر علي الله سبحانه و كما مر قوله ان الله لايهدي القوم الكافرين و كما مر قوله قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم انه كان بعباده خبيرا بصيرا و من يهدي الله فهو المهتد و من يضلل فلن‌تجد لهم اولياء من دونه و لعلك تفهم وجه الاستدلال بها قياسا علي ما مر و قال سبحانه الق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ان ما صنعوا كيد ساحر و لايفلح الساحر حيث اتي و تبين من هذه الآية ان الفلاح و عدم الفلاح في موضع التقرير و الردع في ظهور الحجة و عجزها و قال سبحانه و اسروا النجوي الذين ظلموا هل هذا الا بشر مثلكم افتأتون السحر و انتم تبصرون قل ربي يعلم القول في السماء و الارض و هو السميع العليم فابان عليه السلام ان الله سبحانه يعلم قولي و هو سميع به عليم فلو علم انه سحر كان عليه ابطاله و ازهاقه و مع ذلك تهديد لهم انكم اذا اسررتم لئلايطلع عليه المؤمنون الله يعلم القول في السماء و الارض و هو سميع عليم يحاسبكم به و قال سبحانه هل انبئكم علي من تنزل الشياطين تنزل علي كل افاك اثيم يلقون السمع و اكثرهم الكاذبون فبين ان الذي هو علي الباطل مقيض له الشياطين فيتعلقون به و ينزلون في قلبه و له علامة ضربناها عليه لئلايشتبه الحق بالباطل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 477 *»

فيكون لاهل الباطل علي الله حجة و هو انهم ينزلون علي اوليائهم و من يشاكلهم في الصفة فينزلون علي كل افاك اثيم كذاب و هذه العلامات ليست معي انا معروف بالصدق و الامانة و الادب و الاستقامة و اخلاق الروحانيين فلا مناسبة بيني و بين الشياطين فلايتعلقون بي و قال تعالي ان الله لايهدي من هو كاذب كفار و الاستدلال به كما مر و قال تعالي و جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فاخذتهم فكيف كان عقاب و الاستدلال به ظاهر و قال سبحانه ام يقولون افتريه قل ان افتريته فلاتملكون لي من الله شيئا هو اعلم بما تفيضون فيه كفي به شهيدا بيني و بينكم و هو الغفور الرحيم و الاستدلال به نحو ما مر و قال تعالي قدره ان الذين يحادون الله و رسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم و قد انزلنا آيات بينات و للكافرين عذاب مهين وجه الاستدلال ان المحادين مخزون فمن ادعي بحضرة الله و لم‌يخزه ليس بمحاد لله و لرسوله و قال تعالي و اذ قال موسي لقومه يا قوم لم توذونني و قد تعلمون اني رسول الله اليكم فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم و الله لايهدي القوم الفاسقين و تقريب الاستدلال كما مر و قال و من اظلم ممن افتري علي الله الكذب و هو يدعي الي الاسلام و الله لايهدي القوم الظالمين يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم و الله متم نوره و لو كره الكافرون و التقريب فيه ما مر و قال تعالي قل جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا وجه الاستدلال ان الباطل ايا كان هالك يهلكه الله سبحانه فلايدعه يقوم بازاء الحق مع حجة حية سليمة ابدا ابدا و قال تعالي بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون وجه الاستدلال انه لا بد و ان يدمغ الحق الباطل و يهلكه بقوة برهانه و غلبة حجته و لايتبين الحق عن الباطل و الرشد عن الغي و لايقوم لله حجة الا بذلك و قال تعالي قدره و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من احد عنه حاجزين وجه الاستدلال فيه ظاهر انه اخبر انه لو تقول عليه لقطع منه الامداد و اخزاه فلايفلح و لايهتدي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 478 *»

الي غير ذلك من الآيات المكررة في هذا المعني و الدالة باشارة المحتاجة الي زيادة توضيح بالجملة هذه الآيات صريحات واضحات في ان الله سبحانه هو محق الحق و مبطل الباطل و مقرر الصواب و الصدق و رادع الخطاء و الكذب و جاعل علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا حتي لايشتبه الحق و الباطل في ملكه و ينقطع حجته عن عباده اللهم الا ان يغمض المكلف عن رؤية الحق فلم‌يره و كذا يدل علي هذا المقام جميع الآيات التي تدل علي خزي الكافر و الفاسق و الكاذب و علي كونهم مبغوضين لله سبحانه يقطع عنهم الامداد و يهلكهم و يعذبهم في الدنيا و الآيات الدالة علي عدم التسوية بين العالم و الجاهل و المؤمن و الفاسق و الحي و الميت و النور و الظلمة و غيرها كلها من ادلة هذا المقام فان الباطل اذا لم‌يساو الحق لايساويه في الغلبة و فلج الحجة و الثبات و الدوام و النور و الصواب و من اخزاه الله و اخذله و قطع عنه الامداد و عذبه و خوله الي نفسه يخترم و ينصرم لا محالة و يفتضح و يخزي فلايشتبه حاله علي المجاهد الطالب للحق و الصواب لا والله لا والله لا والله مااشتبه حق بباطل عند طالب الحق الداخل من باب البيت كما امر به و ان تحير يوما ما في شئ فصلاحه فيه التحير و التوقف و هو المراد منه الاولي و لايؤخذ به ابدا و سيأتي انشاء الله ادلة اخر تشرح سر آيات الله و السنة .

فصل في الاخبار الجارية في هذا المضمار و هي كثيرة فمنها ما روي عن الصدوق بسنده عن الحسن بن محبوب عن يعقوب السراج قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام تبقي الارض بلا عالم ان حمل هذا الخبر علي الائمة فالظاهر بمعني الغالب المستولي علي امر و هذا الحمل هو الظاهر و ان حمل علي مطلق العالم و لو من فقهاء الشيعة يكون من ادلة وجوب تقليد الحي و لكن سبك الخبر بعيد عن ذلك و لذلك لم‌يفهم الاصحاب منه ذلك و لم‌يستدلوا به علي ذلك و لكن لو اطلع الاصوليون عليه استدلوا به علي مطلبهم و لكن الظاهر جريه مجري ساير الاخبار و لا اقل من الاحتمال الاقوي او المساوي ، منه .
حي ظاهر يفزع اليه الناس في حلالهم و حرامهم فقال اذا لايعبد الله يا ابايوسف و منها ما روي عنه عن بن مسكان عن ابي‌بصير عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الله لايدع الارض

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 479 *»

الا و فيها عالم يعلم الزيادة و النقصان فاذا زاد المؤمنون شيئا ردهم و اذا نقصوا اكمله لهم فقال خذوه كاملا و لولا ذلك لالتبس علي المؤمنين امرهم و لم‌يفرق بين الحق و الباطل و منها ما رواه ايضا عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان جبرئيل نزل علي محمد صلي الله عليه و آله يخبر عن ربه عز و جل فقال له يا محمد لم‌اترك الارض الا و فيها عالم يعرف طاعتي و هداي و يكون نجاة فيما بين قبض النبي الي خروج النبي الآخر و لم‌اكن اترك ابليس يضل الناس و ليس في الارض حجة داع الي و هاد الي سبيلي و عارف بامري و اني قد قضيت لكل قوم هاديا اهدي به السعداء و يكون حجة علي الاشقياء و منها ما رواه عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال الارض لاتكون الا و فيها عالم يصلحهم و لايصلح الناس الا ذلك و منها ما رواه عن اسحق بن عمار عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سمعته يقول ان الارض لاتخلو الا و فيها عالم كلما زاد المؤمنون شيئا ردهم و ان نقصوا شيئا اتمه لهم و منها ما رواه عن اسحق بن عمار ايضا عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الارض لاتخلو من ان يكون فيها من يعلم الزيادة و النقصان فاذا جاء المسلمون بزيادة طرحها و اذا جاؤا بنقصان اكمله لهم و لولا ذلك اختلط علي المسلمين امورهم و منها ما رواه عن ابي‌حمزة قال قال ابوعبدالله عليه السلام لن‌تبقي الارض الا و فيها من يعرف الحق فاذا زاد الناس فيه قال قد زادوا و اذا نقصوا منه قال قد نقصوا و اذا جاؤا به صدقهم و لو لم‌يكن كذلك لم‌يعرف الحق من الباطل و منها ما رواه عن ابي‌حمزة الثمالي عن ابي‌جعفر عليه السلام قال ان الارض لاتبقي الا و منا فيها من يعرف الحق فاذا زاد الناس قال قد زادوا و اذا نقصوا منه قال قد نقصوا و لولا ان ذلك كذلك لم‌يعرف الحق من الباطل و منها ما رواه عن محمد بن مسلم عن ابي‌جعفر عليه السلام قال ان الله تعالي لم‌يدع الارض الا و فيها عالم يعلم الزيادة و النقصان من دين الله عز و جل فاذا زاد المؤمنون شيئا ردهم و اذا نقصوا اكمله لهم و لولا ذلك لالتبس علي المسلمين امورهم و منها ما رواه عن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 480 *»

اسحق بن عمار قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول ان الارض لن‌تخلو الا و فيها عالم كلما زاد المؤمنون شيئا ردهم و اذا نقصوا اكمله لهم فقال خذوه كاملا و لولا ذلك لالتبس علي المؤمنين امورهم و لم‌يفرقوا بين الحق و الباطل و منها ما رواه عن منصور بن يونس عن اسحق بن عمار عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سمعته يقول ان الارض لاتخلو الا و فيها عالم كيما ان زاد المؤمنون شيئا ردهم و ان نقصوا شيئا اتمه لهم و منها ما رواه عن ثعلبة بن ميمون عن اسحق بن عمار قال قال ابوعبدالله عليه السلام ان الارض لاتخلو من ان يكون فيها من يعلم الزيادة و النقصان فاذا جاء المسلمون بزيادة طرحها و اذا جاؤا بالنقصان اكمله و لولا ذلك لاختلط علي المسلمين امورهم و منها ما رواه عن ابي‌حمزة الثمالي قال قال ابوعبدالله عليه السلام لم‌تبق الارض الا و فيها رجل منا يعرف الحق فاذا زاد الناس فيه قال قد زادوا و اذا نقصوا قال قد نقصوا فاذا جاؤا به صدقهم و لو لم‌يكن كذلك لم‌يعرف الحق من الباطل و منها ما رواه عن عبدالاعلي مولي آل‌سام عن ابي‌جعفر عليه السلام قال سمعته يقول ماترك الله الارض بغير عالم ينقص ما زاد الناس و يزيد ما نقصوا و لولا ذلك لاختلط علي الناس امورهم و منها ما روي عن النبي صلي الله عليه و آله ان عند كل بدعة من بعدي يكاد بها الايمان وليا من اهل بيتي موكلا يذب عنه ينطق بالهام من الله و يعلن الحق و ينوره و يرد كيد الكائدين يعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا اولي الابصار و توكلوا علي الله و عنه صلي الله عليه و آله ان لكل بدعة من بعدي يكاد بها الايمان وليا من اهل بيتي موكلا يذب عنه و يعلن الحق و يرد كيد الكائدين و منها ما عن اميرالمؤمنين عليه السلام من عدة طرق اللهم انك لاتخلي الارض من قائم و حجة اما ظاهر مشهور او خائف مغمور لئلاتبطل حجتك و بيناتك و في بعضها اللهم لا بد لارضك من حجة لك علي خلقك يهديهم الي دينك و يعلمهم علمك لئلاتبطل حجتك و لايضل متبع اوليائك بعد ان هديتهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 481 *»

به اما ظاهر ليس بالمطاع او مكتتم مترقب ان غاب عن الناس شخصه في حال هدايتهم فان علمه و آدابه في قلوب المؤمنين متشتتة و هم بها عالمون و في الكافي ان اميرالمؤمنين عليه السلام تكلم بهذا الكلام و حفظ عنه و خطب علي منبر الكوفة اللهم لا بد لك من حجج في ارضك حجة بعد حجة علي خلقك يهدونهم الي دينك و يعلمونهم علمك كيلايتفرق اتباع اوليائك ظاهر غير مطاع او مكتتم يترقب ان غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم‌يغب عنهم قديم مبثوث علمهم و آدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة فهم بها عالمون و يقول عليه السلام في هذه الخطبة في موضع آخر و لهذا يأرز العلم اذا لم‌يوجد له حملة يحفظونه و يروونه كما سمعوه من العلماء و يصدقون عليهم فيه اللهم فاني لاعلم ان العلم لايأرز كله و لاينقطع مواده و انك لاتخلي ارضك من حجة لك علي خلقك ظاهر ليس بالمطاع او خائف مغمور كيلاتبطل حجتك و لايضل اوليائك بعد اذ هديتهم بل اين هم و كم هم اولئك الاقلون عددا الاعظمون عند الله قدرا و عن ابي‌جعفر عليه السلام والله ماترك الله ارضا منذ قبض الله آدم الا و فيها امام يهتدي به الي الله و هو حجته علي عباده و لاتبقي الارض بغير امام و حجة و منها ما في تفسير قوله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد في عدة روايات ان المنذر رسول الله صلي الله عليه و آله و في كل زمان امام منا يهديهم الي ما جاء به النبي صلي الله عليه و آله و في بعضها والله ماذهبت منا و لازالت فينا الي الساعة و منها ما عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال و لن‌تخلي الارض منذ خلق الله آدم عليه السلام من حجة له فيها من ظاهر مشهور او غائب مستور و لم‌تخل الي ان تقوم الساعة و لولا ذلك لم‌يعبد الله قيل كيف ينتفع الناس بالغائب المستور قال كما ينتفعون بالشمس اذا سترها السحاب و منها ما عن حجة‌الله عليه السلام و اما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس اذا غيبتها عن الابصار السحاب و اني لامان لاهل الارض كما ان النجوم امان لاهل السماء و منها ما في التوقيع الرفيع الي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 482 *»

المفيد (ره‌) انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء و منها ما عن اميرالمؤمنين عليه السلام علي ما في نهج‌البلاغة اين يتاه بكم و فيكم عترة نبيكم ام اين تذهبون و رايات الحق منصوبة و اعلام الهداية واضحة و منها ما رواه في البرهان عن البرقي بسنده عن ابي‌عبدالله عليه السلام ليس من باطل يقوم بازاء الحق الا غلب الحق علي الباطل و ذلك قول الله تعالي بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و عن ابي‌حمزة الثمالي في حديث له قال فسأل الباقر عليه السلام رجل آخر جعلت فداك تؤتي اكلها كل حين باذن ربها قال ما يفتي الائمة شيعتهم من الحلال و الحرام و الكليني بسنده عن داود الرقي عن العبدالصالح عليه السلام قال ان الحجة لاتقوم لله علي خلقه الا بامام حتي يعرف و عن الحسن بن علي الوشا قال سمعت الرضا عليه السلام يقول ان اباعبدالله عليه السلام قال ان الحجة لاتقوم لله عز و جل علي خلقه الا بامام حتي يعرف و عن محمد بن عمار عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام قال ان الحجة لاتقوم لله علي خلقه الا بامام حتي يعرف اقول يمكن ان يكون يعرف مجهولا و يمكن ان يكون الضمير راجعا الي الله و يمكن ان يكون معروفا من التعريف اي يعرف الله و يعرف الحلال و الحرام و كلاهما واقع و بسنده عن عبدالله بن سليمان العامري عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال مازالت الارض الا و لله فيها الحجة يعرف الحلال و الحرام و يدعو الناس الي سبيل الله و بسنده عن ابي‌بصير عن احدهما عليهما السلام قال قال ان الله لم‌يدع الارض بغير عالم و لولا ذلك لم‌يعرف الحق من الباطل و بسنده عن ابي‌حمزة عن ابي‌جعفر عليه السلام قال قال والله ماترك الله ارضا منذ قبض الله آدم عليه السلام الا و فيها امام يهتدي به الي الله و هو حجته علي عباده و لاتبقي الارض بغير امام حجة لله علي عباده انتهي ، اذا كان دائما كذلك فهو حكمة لاتتغير و لاتقوم المصلحة الا به و لتركبن سنن من كان قبلكم و سنة الله التي قد خلت من قبل و لن‌تجد لسنة الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 483 *»

تبديلا و منها ما روي عن الصادق عليه السلام العلماء ورثة الانبياء و ذلك ان الانبياء لم‌يورثوا درهما و لا دينارا و انما اورثوا احاديث من احاديثهم فمن اخذ بشئ منها فقد اخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و عن النبي صلي الله عليه و آله يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد و في بصائرالدرجات بسنده عن مصدق بن صدقة قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول لاتخلو الارض من حجة عالم يحيي فيها ما يميتون من الحق ثم تلا هذه الآية يريدون ان يطفئوا نور الله بافواههم و الله متم نوره و لو كره الكافرون و في العوالم عن الحسين بن زياد العطار قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام هل يكون الارض الا و فيها عالم قال لا والله لحلالهم و حرامهم و ما يحتاجون اليه و عن الثمالي قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول لن‌تبقي الارض الا و فيها عالم يعرف الحق من الباطل و عن الحرث بن المغيرة عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سمعته يقول ان الارض لاتترك الا بعالم يحتاج الناس اليه و لايحتاج الي الناس بعلم الحلال و الحرام و عن ابي‌حمزة عن ابي‌جعفر عليه السلام قال يا باحمزة ان الارض لاتخلو الا و فيها منا عالم فان زاد الناس قال قد زادوا و ان نقصوا قال قد نقصوا و لن‌يخرج الله ذلك العالم حتي يري في ولده من يعلم مثل علمه او ما شاء الله و قال الشيخ عبدالله قد اوردنا الاخبار الكثيرة بهذا المضمون في ابواب الاضطرار الي الحجة و روي في الكنز عن كمال‌الدين و تمام‌النعمة بسنده عن زيد الشحام عن ابي‌عبدالله عليه السلام في حديث غيبة صالح علي نبينا و آله و عليه السلام قال كان فيهم ذلك اليوم عالم قال الله اعدل من ان يترك الارض بلا عالم يدل علي الله عز و جل الخبر ، بالجملة الاخبار في ذلك متواترة معني و يشهد بها اخبار اخر في غير هذا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 484 *»

المورد بل عند التحقيق عليه مبني مذهب الشيعة كما يأتي انشاء الله و لايتحقق التشيع الكامل الا به .

فصل في دليل الحكمة علي هذه المسئلة الشريفة و اعلم قبل خوضنا في الاستدلال ان هذه المسئلة من المسائل الجليلة الكلية التي لولاها لذهب اليقين عن العالم حقيقة و معها لايبقي شك و ماادري ما وجد من فقدها و ما فقد من وجدها بل كيف يتدين بدين من جهلها و باي شئ يطمئن من جانبها و اني يجد الراحة من لم‌يسكن اليها و كيف يشفي عليل من لم‌يتداو بها و متي يبرد غليل من لم‌يشرب منها و لعمري هي نور لمن استضاء بها و سراج لمن اهتدي بها و دليل لمن استدل منها و بصيرة لمن بها استبصر و يقين لمن فيها تفكر و هي عون كل ضعيف و صلاح كل اعزل فكأنها مركز دائرة الحكم و نقطة دارة العلم و باب يفتح منه الف باب يفتح من كل باب منها الف باب و هكذا من عرفها لم‌يشق و من جهلها لم‌يفز باليقين فها نحن مبينون بحول الله و قوته دليل الحكمة عليها بعد ما قدمنا من الكتاب و السنة ما يكتفي به المكتفون و جهات دليل الحكمة علي هذه المسئلة لاتحصي الا انه دليل لو سمعه اغلب المحصلين لم‌يزعموه دليلا و حسبوه استحسانا و لكنه دليل عليه نزل الكتاب و صدرت اخبار الائمة الاطياب عليهم صلوات الله الملك الوهاب فاصغ لما اقول و تربص المأمول و اعرني لبك لتفوز بالمحصول اعلم ان الله سبحانه هو الاحد الدائم الثابت الذي لايتغير و لايزول و لايحول مهيمن علي جميع خلقه لايمتنع عن مشيته شئ و لايخالف ارادته شئ يفعل ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فخلق ما خلق بمشيته لا من شئ فركبهم من نور و ظلمة و جعل النور الذي فيهم صفة تعريفه نفسه لخلقه و تعرفه لهم به و توصيفه لهم نفسه فجعله علي ما اراد منهم ان يعرفوه به من الواحدية و الدوام و الثبات و عدم التغير و السلطنة و الهيمنة فلاجل ذلك صار العامل بمقتضاه صاحب تلك الصفات و الكمالات و آية الله و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 485 *»

صفته و اسمه في عالم الفصل في القدسي انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون و فيه ايضا انما يتقرب الي العبد بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها ان دعاني اجبته و ان سكت عني ابتدأته و جعل تلك الظلمة ضد ذلك في كل جهة و صار العامل بها و بمقتضاها صاحب تلك الصفات و آية الشيطان و صفته و هيكله و اسمه و رسمه في عالم الفصل كما روي في صفة المنافقين ان الشيطان باض و فرخ في صدورهم و دب و درج في جحورهم فنظر باعينهم و نطق بالسنتهم فكان النور و العامل بمقتضاه و الذي غلب فيه صاحب الخير و الدوام و الكمال و الاستيلاء و البقاء و الجلال و العظمة و الثبات و الظفر و الفلج و امثال ذلك لان النور آية الله التي بها عرف نفسه لخلقه و اثر مشيته المحبوبة المطابق لصفة مؤثره فلو كان علي غير ذلك لكان يعرف الله بخلاف ما هو متصف به و لكان خلقه علي خلاف ما هو عليه و ذلك محال و كانت الظلمة و العامل بمقتضاها و الذي غلبت فيه صاحب الشر و الانقطاع و النقص و المقهورية و الفناء و الذلة و الصغار و التزلزل و المغلوبية و الاخترام و الاختلال و الفساد و التفاوت و الاختلاف و الضعف و امثال ذلك فلو جعل الله سبحانه اياها علي خلاف ذلك لكان خلقها علي غير ما هي عليه و ذلك محال فلايشتبه هؤلاء بهؤلاء و هؤلاء بهؤلاء كما لايشتبه النار بالماء و الماء بالنار و لكل واحد منهما طباع لازم له بجعل الله سبحانه فمن عرف ذلك السر المصون و الامر المكنون استغني بالله سبحانه و توكل عليه و عرف به الحق و الباطل و يعلم ان الباطل لايقوم في الدنيا الا مخترما مدحض الحجة مختلف الحال متفاوتا مضطربا فاسدا مبين الفساد مهانا لانه اهل ذلك و هو مقتضي طباعه و محال ان يكون باطل في الدنيا ثابتا دائما غالب الحجة نير البرهان واضح البيان ابدا ابدا الم‌تسمع قوله سبحانه ان الله لايصلح عمل المفسدين و قوله لايفلح الساحر حيث اتي و قوله ما جئتم به السحر ان الله سيبطله و قوله و قد خاب

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 486 *»

من افتري و قوله لو تقول علينا بعض الاقاويل الآية ، و قوله هل انبئكم علي من تنزل الشياطين الآيات ، الي غير ذلك من الآيات التي مضت و الاخبار التي مرت فمحال ان يقوم باطل بازاء الحق الا و قد غلب الحق عليه كما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام و ظفر حجته و سطع نوره و غلب امره اذ غلبته غلبة الله و نوره نور الله و حجته حجة الله و برهانه برهان الله و هو آية الله و صفة تعريف الله و هو القاهر فوق عباده و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين فبهذا البرهان السماوي الالهي النبوي العلوي نحن نعرف جميع انبياء الله و كتب الله و امر الله و كل حق في الدنيا و جميع اعدائهم و اضدادهم و المتسمين باسمائهم و المتلقبين بالقابهم كذبا و افتراء و كل باطل يدعي و قد كان كثيرا ما يقرء الصادق عليه السلام :
علم المحجة واضح لمريده       ** * **      و اري القلوب عن المحجة في عمي
و لقد عجبت لهالك و نجاته       ** * **      موجودة و لقد عجبت لمن نجا
فالحق ابدا ابلج المنهاج واسع الفجاج مرفوع الراية واضح الآية علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور فمن ابصر فلنفسه و من عمي فعليها من شك و ظن و اقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم اجمعين و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا فعن ابي‌جعفر عليه السلام ان القرآن شاهد الحق و محمد صلي الله عليه و آله لذلك مستقر فمن اتخذ سببا الي سبب الله لم‌يقطع به الاسباب و من اتخذ غير ذلك سببا مع كل كذاب فاتقوا الله فان الله قد اوضح لكم اعلام دينكم و منار هداكم فلاتأخذوا امركم بالوهن و لا اديانكم هزؤا فتدحض اعمالكم و تخطئوا سبيلكم و لاتكونوا في حزب الشيطان فتضلوا هلك من هلك و يحيي من حي

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 487 *»

و علي الله البيان بين لكم فاهتدوا و بقول العلماء فانتفعوا و السبيل في ذلك الي الله فمن يهدي الله فهو المهتدي و من يضلل فلن‌تجد له وليا مرشدا انتهي ، فنحن نفوض الامر الي الله و نتوكل عليه في معرفة جميع الحق و هذا هو اسني التوكل و اشرفه فيه نعرف كل حق و نأخذ بكل حق و قد روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام ليس لله علي خلقه ان يعرفوا قبل ان يعرفهم و للخلق علي الله ان يعرفهم و لله علي الخلق اذا عرفهم ان يقبلوه و قيل له اصلحك الله هل جعلت في الناس اداة ينالون بها المعرفة فقال لا فقيل فهل كلفوا المعرفة قال لا علي الله البيان لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها فنحن نتكل عليه و نأخذ بكل امر ثابت مستقر قد قرره الله و سدده و وفقه و هداه و اغلبه و اعلي كعبه و نقول له ان قال يوم القيمة ءالله اذن لكم ام علي الله تفترون انك انت اذنت لنا و صدقته و قررته و قويته فتوكلنا عليك و من يتوكل علي الله فهو حسبه ان الله بالغ امره قد جعل الله لكل شئ قدرا فقدر الحق الثبات و الغلبة و الهيمنة و النور و قدر الباطل الاخترام و الضعف و الاختلال و ايم الله لاادري ان من لايثق بهذا الدليل كيف يسكن في الدنيا و كيف يطمئن بالاسباب الخلقية السفلية و هي علي ما عرفت في صدر هذا الكتاب و في خلاله اي والله من لم‌يجعل الله له نورا فما له من نور فالحق مما جعل الله له نورا و له نور و كذا المؤمن قال النبي صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله فاولئك يسعي نورهم بين ايديهم و بايمانهم فنحن بتصديق الله نعرف حقية الانبياء و الاوصياء و ما صدر منهم و نعتقد ان الله اجل من ان يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون به كما روي في الكافي فهذا البرهان هو نور العميان تمشي به سويا علي صراط مستقيم و طرق القوم عصاء يمشي بها الاعمي فاما ان يهتدي الي الطريق و هو مصيب و اما ان يخطأ و يقع في القليب فيهلك هذا بصائر من ربكم فمن ابصر فلنفسه و من عمي فعليها فتدبر فهذا هو تسديد الله سبحانه و تقريره و تصديقه الذي به نعرف انبياء الله و رسله صدقهم به لانهم الواسطة بينه و بين خلقه لا واسطة اخري بينهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 488 *»

و بين الله سبحانه الا ما كان من وساطة سيد المرسلين صلوات الله عليه و آله فان المصدق بنفسه حقيقة هو هو و الباقون مصدقون به لكن تصديقه لهم غيبي و لم‌نكن الآن بصدده و لذلك اطلقنا القول في الانبياء و اجرينا القول علي الظاهر ثم ان الله سبحانه لما خلق محمدا صلي الله عليه و آله خلقه قبل ان يخلق القلم و اللوح و شيئا من العوالم اول كل شئ و اشهده خلق السموات و الارض و خلق انفس الخلايق و خلق ما سواه من نوره و جعله الخاتم لما سبق و الفاتح لما استقبل و المهيمن علي ذلك و علمه علم ما كان و ما يكون بحقيقة ما هو اهله فاقدره علي ما يشاء اذ جعله محل مشيته و وكر ارادته و يدل علي هذه الفضايل اخبار متواترة و آيات متكررة لاتنكر و كتب العامة و الخاصة بها مشحونة الا ان متفقهوا ( متفقهي ظ ) هذه العصابة و متكلموهم ( متكلميهم ظ ) قد غفلوا عنها و اشتغلوا بغيرها فقالوا في المسائل ما قالوا و غفلوا عما يتفرع عليها فارسله الي خلقه و جعله الحجة عليهم و هو اجل من ان يحتج باحد علي جميع خلقه ثم يزوي عنه العلم باحوال المحجوجين و يجعله شاهد الخلق بنص كتابه ثم لم‌يطلعه علي احوال المشهود عليهم فيكون شهادته لا عن عيان فجاء صلوات الله عليه و آله شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فكان الغيب عنده كالشهادة و الغائب كالحاضر و ليس ذلك بعلم غيب فان الغيب ما غاب عن الشخص المخبر و هو لم‌يغب عنه شئ مما دخل عرصة الكون و شاءه الله و اراده و قدره و قضاه و امضاه نعم ما لم‌يمضه و له البداء فيه فلايعلمونه علي البت و ما لم‌يشأه بعده فلايحيطون بشئ منه كما قال لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء و هو الغائب عنهم لايعلمونه و علمه مخصوص بالله سبحانه بالجملة كان رسول الله صلي الله عليه و آله هو الشاهد علي جميع المكونات الحاضر منها و الغائب عنه ظاهرا و جميع الخلق عنده كالدرهم بين يديه و هو القادر علي جميع التصرفات فيه بالله سبحانه و بمشيته و ماتشاؤن الا ان يشاء الله اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون و هو المأمور من عند

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 489 *»

الله سبحانه باحقاق الحق و ابطال الباطل فانه السبب الاول الاعظم في جميع ما شاءه الله و اراده و قدره و قضاه و امضاه فما يريد الله سبحانه في خلقه من احقاق حق يحققه به و كلما يريد ان يجعل للنور و اهله من الثبات و الدوام و الكمال و الجمال و البهاء و العظمة و الظفر و الغلبة يجعله به و بسببيته في ساير ملكه اذ جعله القائم مقامه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار و هو الملك القدوس الجبار المتعالي عن الاقتران بشئ من خلقه فيحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل و هو كلمته العظمي النعمي فهو صلوات الله عليه و آله مصدق كل صدق الذي جاء بالصدق و صدق به و مكذب كل كذب دال الي الخير غير مغر بالباطل و لا مقار عليه ابدا و كذلك اوصياؤه الذين هم من نوره و من طينته و في رتبته هم شهداؤ الله في خلقه كما قال الله سبحانه لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول شهيدا عليكم و هم المأمورون بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر لقوله سبحانه و لتكن منكم امة يدعون الي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر فلما فعلوا خاطبهم و قال كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و قد اطلق المعروف و المنكر فالمراد كل معروف و كل حق معروف و كل منكر و كل باطل منكر و اقدرهم علي ذلك لقوله لايكلف الله نفسا الا وسعها فاحقاق كل حق و ابطال كل باطل في وسعهم و لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون البتة فاذا كانوا شهودا علي كل من احتج الله بهم عليه مأمورين من عند الله علي الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و احقاق الحق و ابطال الباطل قادرين علي ذلك معصومين مطهرين فلا مانع بعد من تصديقهم الحق و تكذيبهم الباطل اينما كان و هم قادرون علي تقريب كل بعيد و تبعيد كل قريب و تقوية كل ضعيف و تضعيف كل قوي و تكميل كل ناقص و نقص كل كامل و اظهار كل خفي و اخفاء كل ظاهر و زيادة كل ناقص و نقص كل زيادة و اعلاء كل دان و ادانة كل عال فان قرروا شيئا بعد فهو المقرر و ان كذبوا فهو المكذب فان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 490 *»

ردعوا عن باطل هو المردوع في الحكم الاول و ان سكتوا تقية هو الحكم الثاني فجميع تقريراتهم حجة و حق يجب التفويض اليهم و التوكل عليهم و السكون الي تقريرهم كيف ما قرروا كيف لا و هم محال مشية الله و اوكار ارادة الله ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليهم و في بيوتهم الصادر عما فصل من احكام العباد و القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتهم و الممحو ما لااستأثرت به سنتهم و في دعاء الحسين عليه السلام اللهم منك البدؤ و لك المشية و لك الحول و القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم و اني لاعلم مما علمتني مما انت المشكور علي ما منه اريتني و اليه آويتني الدعاء ، و قد رواه في بلدالامين بطوله و ظني انه مذكور في المهج ايضا و لايحضرني الآن بالجملة شواهد ما ذكرنا هنا في الاخبار متواترة و كتب الاخبار بها مشحونة فهم عليهم السلام اذا كانوا كذلك قد الزموا النور و اهل النور ما يقتضيه من الدوام و الثبات و الغلبة و الكمال و الخير و البقاء و الهيمنة و الاستيلاء و امثال ذلك و الزموا الظلمة و اهلها ما تقتضيه من عكوس ذلك فكل حق في الدنيا مصدق بهم سواء كان في الحكم الاولي او الحكم الثانوي و كل شر و باطل في الدنيا مردوع بهم سواء كان في الحكم الاولي او الثانوي و ان الله سبحانه يخلق ما يخلق علي ما هو عليه لا علي غير ما هو عليه فالذي يكون الحق عليه ما ذكرناه من صفاته و الذي يكون الباطل عليه هو ما ذكرناه من عكوس ذلك فيحق الله سبحانه ابدا الحق بكلماته صلوات الله عليهم و يبطل الباطل و لو كره المجرمون فهذا هو الديانة التي من تقدم عليها مرق و من تخلف عنها زهق و من لزمها لحق و هذا هو حقيقة التشيع و اما ما ذكره القوم فاكثره غير متمش الا في مذهب العامة و ما اشتهر بينهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 491 *»

ان الامام وجوده لطف و تصرفه لطف آخر و عدمه منا كلام صدر عن غير تحقيق فاولا قوله عدمه منا اخبار عما لم‌يحط بعلمه فان احدا لايعلم ان الحجة عليه السلام يتصرف في الملك او لايتصرف الا بايقاف منه و رؤية المتصرف فيه للمتصرف غير مشروط في التصرف و الا فالله سبحانه ايضا لايتصرف في الملك فانا لانراه و ثانيا ان كان قوابلنا لاتقتضي تصرف الحجة عليه السلام فينا كان ينبغي ان لاتقتضي تصرف الله سبحانه ايضا فلينكر قائل ذلك تصرف الرب في الملك ايضا فان كان الله سبحانه يتصرف فلايتصرف بذاته و انما يتصرف بالاسباب فانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و هم السبب الاعظم في الخلق و محال المشية و اوكار الارادة فان كان الله يتصرف فيتصرف بهم فان تصرف بهم فلا مانع من تصرفهم مع انه يكفي تصرف الله سبحانه في احقاق الحق و ابطال الباطل كما تشهد به آي الكتاب هذا و ما اعلمهم ان الامام لايتصرف و ما اخبرهم بذلك و اي كتاب دل علي ذلك و اي سنة انبأت بذلك و اي عقل كشف عن ذلك و محض عدم رؤيتنا له غير دال علي عدم تصرفه هذا و المتصرف الغني لايتصرف بمقتضي ذاته و انما يتصرف بمقتضي القوابل فان لم‌تقتض التصرف بالاعتدال لم‌تعدم اقتضاء التصرف بالانحراف و ان عدمت الصحة لم‌تعدم المرض و ان عدمت الصرافة لم‌تعدم الشوب و ان عدمت العلم لم‌تعدم الجهل و ان عدمت الامن لم‌تعدم الخوف و ان عدمت الغلبة لم‌تعدم المغلوبية و ان عدمت الفراغ لم‌تعدم الاشتغال و ان عدمت اليقين لم‌تعدم الشك و ان عدمت الاستعداد الاولي لم‌تعدم الثانوي و لكل من الله سبحانه حكم يحكم به وليه في عباده و ان كان مانع عن حكم خاص ليس مانع عن مطلق الحكم و لو علي المعني الثانوي الاتري انه لا مانع من حكم الحجة و فتواه في ايام ظهوره بموافقة القوم و ان كان مانع عن الحكم بالحق فاذا حكم بموافقة القوم فهو حكم الله الثانوي يجب الاخذ به كما روي يسعهم ان يأخذوا بما اقول و ان كان تقية فكذلك في حال غيبتهم ان كان مانع عن التصرف علي نهج الواقع الاولي لا مانع عن التصرف بمقتضي استعداد الزمان و اهله فاذا

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 492 *»

تصرف بمقتضي ذلك فهو حكم الله الذي اراده من عباده في هذا الزمان و في هذه الحال و ماادري ما الباعث علي عزل الامام عن التصرف في الخلق و هو لايتصرف اذا تصرف الا علي حسب ما تقتضيه القوابل و اي مانع من التصرف العام فانكار تصرف الامام انكار بغير حجة قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان‌تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون و اما ما اقول فهو بالكتاب و السنة و دليل العقل و قد اعترف الخصم بانه لطف واجب و انما زعم وجود المانع و قد عرفت انه لا مانع من مطلقه و الحمد لله و نحن اذا جاهدنا في الله بقدر وسعنا و طلبنا الحق من بابه الذي امرونا بالطلب منه و هو الكتاب و السنة وجب في الحكمة ايصالنا الي الحق الذي اراده الله منا علي ما نحن عليه كيف شاؤا و بما شاؤا لانه يقول الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و لاتحسبن الله مخلف وعده رسله و لايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة و كفي بما ذكرنا لمن كان له قلب و ادلة الحكمة علي ذلك كثيرة و لكن لي حوائج و اشغال كثيرة لا بد من توجهي اليها ايضا و لايسعني ازيد من ذلك هنا و كتبنا بها مشحونة و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ .

فصل في دليل الموعظة الحسنة علي وجوب التسديد في الحكمة و انت لاتنال حظا من هذا الدليل الا ان تنصف نفسك في المحاكمة و لاتخاطر بها و لاتجور عليها في الحكم و لاتجري علي قواعدك التي انست نفسك بها بل تجري علي فطرتك الغير المغيرة التي فطرك الله عليها فاستمع لما اقول و احكم بيني و بينك بعقلك فاقول هل ربك تعالي قدره كامل في افعاله و مقادير امره و خلقه ام ناقص ليس لك ان تقول انه ناقص فاذا كان كاملا هل يجوز ان يترك الاولي في خلقه و هو لا من شئ كون ما قد كان و ابدع الخلق ابداعا و اخترعه اختراعا ام لا ليس لك ان تقول انه يترك الاولي و الاحسن و الاكمل و هو قد عاقب انبياءه و رسله علي ترك الاولي و عاب عليهم و يقول اتأمرون الناس بالبر و تنسون انفسكم فان كان ترك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 493 *»

الاولي نقصا في كمالهم و حكمتهم مع انهم لايملكون لانفسهم نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا كيف يجوز صدوره عن الله سبحانه مع علمه و حكمته و قدرته و كماله لااظن عاقلا يجوز ذلك علي ربه و هو يعتذر اليه من ترك الاولي في افعاله و يستغفره ان كان عارفا بحق الله تعالي فان اعترف بان الرب الحكيم العليم القدير الغني لايفعل ما هو خلاف الاولي و الاكمل نسأله هل الاكمل و الاحسن ان يكون المكلفون في دينهم و ما اراد الله منهم متزلزلين مضطربين غير مطمئنين ظانين خارصين لايدرون اصابوا ام اخطأوا ام الاكمل و الاحسن و الاولي ان يكونوا علي بصيرة من امرهم و هدي من ربهم ساكني النفس ثلجي الفؤاد مطمئني القلب عارفين بصيرين لااظن عاقلا في الدنيا يقول ان الاحسن هو الشق الاول في امر من الامور فضلا عن الدين فان في التزلزل و الاضطراب تعب النفس و حيرتها و مرضها فان القلب ما لم‌يصب الحق مترجرج غير ساكن يكاد يخرج من حلقوم الانسان فان اصاب الحق و عرفه قر و سكن و استراح من التعب و النصب البتة فعن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان القلب ليرجج فيما بين الصدر و الحنجرة حتي يعقد علي الايمان فاذا عقد علي الايمان قر و ذلك قول الله عز و جل و من يؤمن بالله يهد قلبه ، و عنه عليه السلام ان القلب ليتجلجل في الجوف يطلب الحق فاذا اصابه اطمئن و قر ثم تلا ابوعبدالله عليه السلام هذه الآية فمن يرد الله ان يهديه الي قوله كأنما يصعد في السماء فلايمكن نفسا ان يرجح التعب و النصب و الحيرة و الاضطراب لنفسه فاختيار اليقين للنفس امر جبلي فطري و لذلك تشتاقه ابدا و ترتجيه و تعرف ان به حيوتها و من التعب و الاضطراب هلاكها لاسيما اذا سمعت ان من وراء هذه الدار دارا و من عمل بامور نال الراحة الابدية و من عمل بامور نال التعب الابدية فتشتاق الي ان تعرف تلك الامور الاولة عن علم حتي تكتسبها و الامور الثانية حتي تجتنبها البتة و لاتستقر الا باليقين فالاولي و الاحسن للخلق اليقين و المعرفة و البصيرة بالامور و اما من حيث الرب فلا شك ان باليقين يقوم الحجة ما لايقوم بالشك و الظن و لله الحجة البالغة و فيه لله من اكمال الدين و اتمام النعمة و اظهار الجلال و العظمة و القدرة ما ليس في الشك ابدا فوجب في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 494 *»

حكمة من لايترك الاكمل و الاحسن و الاولي ان لايؤثر علي اليقين شيئا في الدين و لايكتفي بالحدس و التخمين في امور المكلفين و في حجته القائمة بالانبياء و المرسلين فمحال ان يصدر من الله سبحانه في شئ من امر دينه ما هو مرجوح و قبيح في نظر كل عاقل و كذا محال ان يغلبه في حكمه من احدثه لا من شئ فيعارضه و يمنعه عن اجراء افعاله علي نهج الحكمة و الصواب فلو جاز ذلك عليه لجاز ان يمنعه خلقه عن حكمته حتي يجري افعاله علي اللغو و العبث المحض نعوذ بالله فيبطل التوحيد و المعرفة رأسا فالذي خلقه الله لا من شئ بما شاء كيف شاء محال ان يغلبه فيما شاء فظهر انه محال ان يصدر من الله سبحانه المرجوح و النقص الذي يعرفه خلقه بالقبح و قبح الله به خلقه و عاقب انبياءه عليه و لااظن عاقلا في الدنيا يقدر ان يرد هذا البرهان الذي هو كالعيان فان قيل و انا اتكلف لهم و هم لايعلمون هذه الامور ان الاصل الاولي هو ما ذكرت و الاولي الاكمل هو ما قررت و لكن الله سبحانه اجري افعاله علي الاختيار دون الاكراه و الاجبار و مقتضي الاختيار ان لايمنع الكفار عن مقتضي اختيارهم كما لم‌يمنع فان لم‌يمنع جروا علي طبايعهم و مقتضي عنادهم و سعوا في اطفاء امر الدين و اخماد نور الشرع المبين و غصبوا خلافة سيد الوصيين فخفيت الاعلام و عفت الرسوم و اظطلمت السبل فزال اليقين و بقي الظن و التخمين فنحن لحرماننا عن نور اليقين و تعذر وصولنا اليه في هذه الطخية العمياء تشبثنا بذيل اقرب الامور اليه و تعبدنا بالتمسك باشبه الاشياء به و هو الظن فالظن يومنا هذا خليفة اليقين و من اضطر غير باغ و لا عاد فلا اثم عليه قلت اسألك عن مجري افعال الله سبحانه هل في الحق و الباطل علي السواء او هو في الباطل حسب بل نسبة الكل اليه سبحانه علي السواء و ليس اجراء افعاله علي الاختيار بحيث ينقلب افعاله الي القبيح و الفساد و العبث نعوذ بالله و الذي ينشئ الخلق انشاء و يبتدؤه ابتداء و هو حكيم بخلقه بحيث يكون علي نحو الاختيار و لايلزم في ملكه ما ينافي الكمال و النقص و لايلزم عليه عائبة فهو يجري افعاله علي الاختيار و الحكمة اي علي حسب قوابل الخلق و الحكمة

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 495 *»

و من خلقه الابرار و اهل الانوار كما ان منهم الفجار و اهل الظلمة و الاشرار و لن‌يغلب مقتضي قوابل الاشرار مقتضي قوابل الابرار حتي يفنوهم عن آخرهم و يستأصلوهم لله العزة و لرسوله و للمؤمنين و في زيارة الحسين عليه السلام لا مغلوب و الله ناصرك و لا ذليل و الله معزك غاية الامر للباطل جولة اليس للحق دولة و انما الباطل كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار و اما الحق فهو كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها فكما يجري الله سبحانه افعاله في الكفار بالاختيار يجريه في الابرار ايضا بالاختيار و قوابل الابرار مستندة الي نور الجبار و مشية القهار فلن‌تغلب و لن‌تضمحل و ليس يترك الله الدنيا في يد ابليس و جنوده يلعبون بها كيف ما يشاؤن بل لا بد و ان يكون الخلق مع كونه علي نهج الاختيار علي نهج الحكمة و الصواب الاتري ان الله سبحانه لو اجري مشيته علي حسب ميل الكفار لكان ميلهم ان يفني الابرار رأسا و لكن منعت حكمته ذلك و لم‌يخلق خلقه بحيث يكون في قدرة الاشرار افناء الابرار رأسا فمن خلقهم كذا كان الاولي في فعله ان لايخلقهم بحيث يغلبوا الابرار و يدحضوا حجتهم و يبطلوا امرهم الاتري ان الشيطان مع شدة عداوته ليس له سلطان علي الذين آمنوا و علي ربهم يتوكلون اولاتري ان الخلق مع كونهم مختارين كل واحد منهم لازم مكانه و حده لايقدر علي التجاوز عنه و التحول لئلايبطل حكمة الله و حجج الله و بيناته فجعل خلقه قوي الاختيار فيما يسألهم عنه و ضعيف الاختيار فيما قضي عليهم ليستوفي اختيارهم و جري افعاله علي نهج الحكمة و الصواب فليس للخلق ان يغيروا حكمته و متقن صنعه باختيارهم و ماكان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم و هو سبحانه يسألهم عما كلفهم و لايسألهم عما قضي عليهم فلا خيار لهم مع الاختيار في المقضيات و من المقضيات التي لولاها للزم العبث وجود حجة في كل عصر شاهد مطلع حافظ للشرع و الدين عن تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين مظهر للحق و اليقين علي ما اراد الله من

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 496 *»

المكلفين سواء كان في الامر الاولي او الثانوي فاذا صار لله سبحانه لكل حال من الخلق حكم لايحصل مانع من ايصال الحكم ابدا فانه علي فرض غلبة الكفار في الديار و طموس الآثار لله سبحانه حكم لهذه الحال في هذه الحال و هو قادر ان يوصله الي عبده باسباب لايعارضها شر الاشرار و كيد الفجار فان كان عنه مانع في الظاهر ليس عنه مانع في الباطن فان كان ابليس اللعين بعنقه المنكسر يقدر علي القاء الشبهة في قلوب اهل الشرق و الغرب كيف لايقدر الامام الغالب القاهر علي القاء الحق في قلوب المجاهدين و ان كان الشيطان يقدر ان يضل اهل المشرق و المغرب و يوسوس في صدورهم كيف لايقدر حجة الله القاهر علي هداية الطالبين و نفث الحق في قلوبهم و كما لايشترط في تصرف الشيطان رؤية الخلق له لايشترط في تصرف الامام رؤيتهم له و كما لايشترط في اغواء الشيطان اهل البلاد التي الغالب عليها الحق و اهله بل ليس فيها مخالف عدم كون اهل الحق فيها لانه لخفائه مصون عن بأسهم لايشترط في هداية الامام اهل الحق الي الحق في بلاد يكون الغالب عليها المخالف عدم كون المخالف فيها لانه لغيبته مصون عن شرهم و كيدهم و ان قلت ان كان هو مصونا عن شرهم علي نفسه و لكن شيعته ليست مصونة عن شر الناس اذا عملت بالحق قلت فاذا الشيعة في حال التقية و حكمهم في تلك الحال التقية و علي الامام ان يهديهم الي حكم يناسب حال التقية و هو حكمه اليقيني من الله سبحانه فعلي الامام ان يهديهم الي الله سبحانه و يمرضهم في كل حال و يسقيهم ما يناسبه في كل يوم و اما الخلو عن التمريض و سقي الدواء فهو مهلك للعبد و لايقوم لله عليه حجة و يلزم القبيح في الحكمة مع امكان جري افعاله سبحانه علي ما هو الراجح الاكمل هذا و قد اخبروا عن انفسهم بما قلت في الكتاب و السنة فهل عندكم من علم علي خلاف ذلك فتخرجوه لنا ان‌تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون فجري الافعال علي الاختيار لاينافي هداية الخلق فالكفار جروا علي الاختيار و محوا الآثار و خربوا الديار اليس حجة الله باقيا شاهدا قادرا قاهرا اليس بيده الامر و الملك اليس يقدر علي تجديد الآثار و تعمير

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 497 *»

الديار و اقامة القرائن و تقليب القلوب و تقريب البعيد و تبعيد القريب و تقوية الضعيف و تضعيف القوي و تقويم العوج و تثقيف الاود و القاء اصول و قواعد و ايقاع اشارات و لحون و ايماءات و الهامات و تنبيهات لايتنبه بها الاعداء ليمحوها و لايدركها عقولهم فيطمسوها فيتصرفون بما ذكرنا و امثال ذلك في الغيب الذي لا مانع منه دون الظاهر الذي فيه الموانع فيترك الله سبحانه الاعداء حتي يبدوا كوامن صدورهم و مستجنات قلوبهم و يؤيد الحجة علي اقامة القرائن في مقابلهم و احداث الشواهد بازائهم و تقويم عقول الشيعة بحذائهم و الهامهم و تعليمهم من الباطن فينال كل حظه من الكتاب فاذا كان الامران ممكنين لازمين اجتماعا يدبر الله سبحانه تدبيرا حتي يأتيا جميعا و يجريا جميعا في الملك بلا تعارض فلاجل ذلك لما نصب النبي صلي الله عليه و آله خليفته لحفظ الدين عن شر الشياطين انزل من كتابه اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و قال سبحانه شاهدا علي الجمع بين الامرين و ماارسلنا من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم فالشيطان لايمنع عن مقتضي طبعه لوجود الاختيار و اما ابقاء الله سبحانه عليه فليس من العدل و لا بد و ان ينسخ ما يلقي الشيطان لئلاتبطل حجج الله و بيناته و انما جعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون و جعل النسخ ليهدي الذين آمنوا الي صراط مستقيم فالمؤمنون يستيقنون بحقهم و الكافرون يتبعون الظن و يخرصون ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة فتبين ان جري الكفار علي حسب اختيارهم لايكون سبب انطماس اعلام الدين و خمود نور الشرع المبين كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فلو خربت انت بناء و اعدته انا فقد نال كل منا حظه و اظهر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 498 *»

كل منا مقتضي جبلته و يجزي الله الذين اساؤا بما عملوا و يجزي الذين احسنوا بالحسني كما قال الله سبحانه قالوا حرقوه و انصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا و سلاما علي ابرهيم و ارادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين و كقوله و مكروا مكرا و مكرنا مكرا و هم لايشعرون فجاء الاختيار و الاختبار و تبين الحق لاهل الاعتبار و ان قيل ان مقتضي عالم اللطخ و الخلط ان لايكون الحق خالصا عن شوب الباطل و الباطل عن شوب الحق و مقتضي عدم الصرافة ان لايكون الحق ابلج المنهاج واضح الفجاج يحصل منه اليقين الخالص عن شوب الشك بل مقتضاه ان يكون في كل حق احتمال باطل و في كل باطل احتمال حق غاية الامر يكون الحق راجحا لغلبته دائما و يكشف عن هذا الشوب قول اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث فلو ان الباطل خلص لم‌يخف علي ذي حجي و لو ان الحق خلص لم‌يكن اختلاف و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمزجان جميعا فيجيئان معا فهنالك استحوذ الشيطان علي اوليائه و نجا الذين سبقت لهم من الله الحسني انتهي ، فاذا لم‌يكن في هذه الازمنة حق محض خالص عن شوب الباطل و احتماله ينبغي ان يكون باب العلم مسدودا و يكون العمل بالظن متعينا قلت ان مقتضي العالم من حيث نفسه كذلك يكون حقه ممزوجا بباطله و نوره مشوبا بظلمته بلا شك و هذا من طبيعة العالم محسوس و مقتضي ذلك ان يكون الغلبة للباطل و احتماله ما كان الظلمة غالبة علي النور و الباطل غالبا علي الحق و مقتضاه ان يكون الظن و الرجحان و الغلبة للباطل لضعف النور و قوة الظلمة و ان يزداد النور قوة شيئا بعد شئ الي ان يغلب النور عند ظهور دولة الحق ثم يزداد الي ان يذهب الظلمة بكليته و يظهر النور الخالص في رجعة محمد صلي الله عليه و آله فهنالك يحصل اليقين بالحق و اما زمان الظن فهو زمان ظهور الامام و اما هذه الازمنة فهي زمان الظن بالباطل و مقتضي ذلك ان يكون قوة الباطل كلما ذهبت قهقري اشد فيكون في زمان النبي و الائمة قوة الباطل اشد و اشد فلو ترك الله العالم بصرافة طبعه لكان كذلك و قد بينا في اول الكتاب ذلك و لما كان ينبغي

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 499 *»

ان يظهر حق في هذه الازمنة و القطعيات الحقة لاتحصي كثرة بل في كل مسئلة الا نادرا جدا حد قطعي لا شك فيه و انما الاختلاف الواقع في جواز الضد اي ضد الامر القطعي فيها فلو شاء انسان ان يمشي في كل مسئلة امكنه اللهم الا في قليل من المسائل نادر جدا جدا فتبين ان الله سبحانه لم‌يترك العالم بصرافته كما مر في القدسي لم‌اكن اترك ابليس يضل الناس و ليس في الارض حجة داع الي و هاد الي سبيلي و عارف بامري و اني قد قضيت لكل قوم هاديا اهدي به السعداء و يكون حجة علي الاشقياء انتهي ، و له الحجة البالغة ليهلك من هلك بعد البينة و يحيي من حي بعد البينة و قال ان الظن لايغني من الحق شيئا فطبع العالم و ان كان كذلك لكن خلق في كل عصر حجة يعلن الحق و يرد كيد الكائدين ففي الكافي عن معوية بن وهب قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان لكل بدعة ( من ظ ) بعدي يكاد بها الايمان وليا من اهل بيتي موكلا يذب عنه و ينطق بالهام من الله و يعلن الحق و ينوره و يرد كيد الكائدين يعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا اولي الابصار و توكلوا علي الله و كثيرا ما كان يقول الصادق عليه السلام :
علم المحجة واضح لمريده       ** * **      و اري القلوب عن المحجة في عمي
و لقد عجبت لهالك و نجاته       ** * **      موجودة و لقد عجبت لمن نجا
و قال عليه السلام من شك و ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و في الجامعة جاهدتم في الله حق جهاده حتي اعلنتم دعوته و بينتم فرائضه و اقمتم حدوده و نشرتم شرايع احكامه و سننتم سنته و صرتم في ذلك منه الي الرضا و عن ابي‌جعفر عليه السلام ان القرآن شاهد الحق و محمد صلي الله عليه و آله لذلك مستقر فمن اتخذ سببا الي سبب الله لم‌يقطع به الاسباب و من اتخذ غير ذلك سببا مع كل كذاب فاتقوا الله فان الله قد اوضح لكم اعلام دينكم و منار هديكم فلاتأخذوا امركم بالوهن و لا اديانكم هزؤا فتدحض اعمالكم و تخطأ سبيلكم و لاتكونوا في حزب الشيطان فتضلوا يهلك من هلك و يحيي من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 500 *»

حي و علي الله البيان بين لكم فاهتدوا و بقول العلماء فانتفعوا و السبيل في ذلك الي الله فمن يهد الله فهو المهتدي و من يضلل فلن‌تجد له وليا مرشدا و لازال الله سبحانه يوبخ الامم و يقول و مااختلفوا الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم و ينهي عن اتباع غير العلم فيقول و لاتقف ما ليس لك به علم الي غير ذلك و قد اوردنا في الباب الاول فصلين في الآيات و الاخبار في هذا المعني فراجع و طال ما يقول آل‌محمد عليهم السلام ان الناس في سعة ما لم‌يعلموا و قد اوردنا بابا من جنس هذا الخبر في فصل‌الخطاب فلو كان الله سبحانه يدع العالم بطبيعته لكان كما قلت و لكن لم‌يتركه و يشهد بذلك ادلة الكتاب و السنة المتواترة كما مر فلاجل ذلك نهي عن الظن كل هذا بالجملة ان بالظن لايقوم حجة علي العباد و لاتكون الحجة بالغة و لايترك الله الاولي و لايخالف الاكمل الاحسن و لذلك احتاجت الانبياء الي المعجزات و العصمة و الآيات البينات و احتاجت الاوصياء الي المعجزات و النصوص الجليات هذا و نحن نقول ان الطبيعة التي قلت تجري في الحكم الاولي و فيه الامر كما قلت و اما الحكم الثانوي فلله سبحانه حكم بين بمقتضي تلك الحال و ذلك لايعقل خفاؤه في حال من الاحوال فعلي فرض طموس الاعلام و خفاء الآثار لله سبحانه حكم بين يناسب تلك الحال و يمكن الخلق الوصول اليه كما انك تدعي القطع في جواز العمل بالظن عند سد باب العلم فلو كان باب العلم بالتكليف الثانوي ايضا مسدودا لكان ادعاؤك هذا القطع ايضا باطلا نعم ينسد باب العلم بالكلية عند صعود محمد و آل‌محمد عليهم السلام قبيل نفخ الصور باربعين يوما فيبقون بلا شعور بالجملة لعمري ان ظهور ان حجة الله لايقوم الا بالعلم و ان الظن لايغني من الحق شيئا في الكتاب و السنة اظهر من الشمس و ابين من الامس و لكن القوم غفلوا عن سبب اليقين و نظروا الي صرف طبيعة العالم فابتلوا بالظن و التخمين و لعمري لو انصفوا ليس اليوم علي ما يقولون الا شك و ريب في اغلب المسائل و اما مع اسباب اليقين و هو وجود الامام الحق المبين المعلن للحق الراد لكيد الكائدين فلا خرص و لا تخمين و هو كما بينا اكمل و اولي و احسن والله الكامل جل جلاله

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 501 *»

لايترك الكامل الي الناقص و لايخالف الاولي فالحجة هو آية الله و نور الله و دليل الله و برهان الله و شاهد الله و موضع مشية الله يقدر علي تقريب كل بعيد و تبعيد كل قريب الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و الذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الي الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان الحق و الباطل يمزجان و لم‌يقل يشتبهان علي من جاهد في الله و استنبط من آل الله و سأل اهل الذكر و انقطع اليهم و استسقي بئر علومهم صلوات الله عليهم قال الله سبحانه الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و قال و لو ردوه الي الله و الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم و لو كان الحق و الباطل ممزوجين مشتبهين لماذم قوما و قال ما لهم به من علم الا اتباع الظن و لم‌يقل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا و لم‌يقل و لاتقف ما ليس لك به علم و قد مر ما يكشف عنه بما لا مزيد عليه فراجع و نكتفي هيهنا ايضا بما ذكرناه لتراكم الاشغال و تبلبل البال .

فصل في الاستدلال علي التسديد بالمجادلة بالتي هي احسن و هو الدليل الذي ملأ القوم به طروسهم و زينوا به دروسهم و سموه علما و غفلوا عما سواه و قد مر كثيرا في هذا الكتاب و لكن نذكر هنا منه ما تيسر لئلايخلو هذا الباب من كتابنا هذا منه ايضا و يعلم كل اناس مشربهم اعلم انا علمنا بعد التتبع و الاستقراء ان الله سبحانه خلقنا خلقة مبانة عن ساير الحيوانات مدني الطبع لانقدر علي ان نعيش فذا فرادي فلا بد لنا من ان نجتمع في المدن و نتجاور فوجا فوجا حتي يتحمل كل منا عن الآخر بعض حاجته فاذا اجتمعنا و تجاورنا و نحن مختلفوا الدواعي و الشهوات و الطبايع اختلفنا و تجاذبنا و تدافعنا فتشاجرنا و تنازعنا فتقاتلنا و فنينا عن آخرنا و لا بد لنا من حاكم عدل قسط من الله سبحانه كما حققناه في محاله مفصلا و ان الله سبحانه مذ خلقنا لم‌يخلنا من حاكم عدل و هو النبي و الامام و جعله قبل الخلق لئلايكون الخلق ساعة في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 502 *»

الدنيا بلا حاكم آمر بالمعروف ناه عن المنكر فجعل بديع فطرته و اول بريته نبيا ثم ارسل الرسل تتري و نصب بعد الرسل اوصياءهم و علمنا ايضا ان لله سبحانه رضا و سخطا و علمنا انا خلقنا جهالا لحكمة علمها الله و رضاء الله فيما يصلح الخلق في الدنيا و الآخرة و سخطه فيما يفسد الخلق في الدنيا و الآخرة و هو غني لاينفعه طاعتنا و لايضره معصيتنا و لايعرف مصالح الخلق و مفاسده الا الذي خلقه فنحتاج الي من يأخذها عن الله و يبلغها الينا و هم الانبياء و الرسل و لا بد و ان يكون بعدهم من يحفظ دينهم و يعلم من يأتي من امتهم لئلايضيع من في اصلاب الرجال و ارحام النساء و لايسع الامة حفظ الدين و الا لكان كل منهم قابلا لخلافة الانبياء و هذا معلوم من اصول الشيعة و به بانوا عن العامة فلاجل ذلك وضع الله في كل عصر حجة عالما بالمفاسد و المصالح داعيا اليه حاكما بين الخلق و امر بطاعتهم فقال اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و تلك العلة الموجبة لنصب الحجج موجودة في اولنا و آخرنا فوجب في كل عصر حجة حافظ للدين مؤد عن الله ما اراده من الخلق اجمعين فلو ترك الله هذا الدين بايدي المنتحلين لجري علينا بعد الغيبة ما جري علي العامة العمياء و لم‌يكن بيننا فرق و كان ينمحق الدين بالكلية بتأويل الجاهلين و تحريف المحرفين و دس الداسين و تغيير المغيرين و نسيان الناسين و خطاء الخاطئين و عمد الملبسين و الذين يجسرون علي الحكم بغير ما انزل الله رب العالمين فلم‌يقم للدين عمود و لم‌يخضر له عود و انا احتجنا الي الامام بعد النبي لاجل ذلك يوم اول و انا اليوم اليه احوج في فقد نبينا و كثرة عدونا و قلة عددنا و شدة الفتن بنا و تظاهر الزمان علينا و تراكم الشكوك و الشبهات في ديننا فنحن اليوم الي وجود حجة داع الي الله معرف لهداه ملهم لرضاه مسدد لمن تولاه حافظ دين مولاه احوج و احوج و لايحتاج في ذلك الي رؤيتنا له فانه بنفسه شاهد علينا قادر قاهر مأمور من عند الله معصوم مطهر لايعصي الله فيما نهي و امر يقدر علي اقامة الحق و احقاقه و اماتة الباطل و ازهاقه و لا مانع من ذلك فانه لايخاف علي نفسه من التصرف و هو غايب لايناله الايدي و الابصار و ان كان يخاف علينا فلا خوف علينا من مطلق التصرف و لو بصرفنا الي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 503 *»

ما يوافق اعداءنا بالبداهة و انما الخوف علينا من حملنا علي خلاف ما عليه اعداؤنا فان حملنا علي موافقتهم فهو حكم الله في حقنا و هو الحكم الثانوي قال ابوجعفر عليه السلام لزياد يا زياد ما تقول لو افتينا رجلا ممن يتولانا بشئ من التقية قال قلت انت اعلم جعلت فداك قال ان اخذ به اوجر و ان تركه والله اثم فاذا كان و لم‌يكن مانع لهم عن الفتوي بموافقة العامة في ظهورهم و كان هو دين الله و مخالفه آثم كيف يكون مانع من التصرف كذلك في حال غيبتهم و هم لايخافون علي انفسهم و لا علي شيعتهم فاذا كان المقتضي للتصرف موجودا و هو حاجة الخلق الي معرف للدين و وجود المعرف و شهادته و قدرته و تكليفه و عصمته و المانع مفقودا و هو الخوف علي نفسه او علي شيعته و الله سبحانه غني جواد غير بخيل فلايجوز في الحكمة تخلف ايجاد التصرف ابدا و من انكر ذلك منا ليس له دليل علي وجوب وجود امام بعد النبي و ليس له حجة علي العامة فان كان نصبه ذلك اليوم واجبا لحفظ الدين فوجب عليه الحفظ ان لم‌يمنع عنه مانع و قد عرفت انه ان جاء المانع عن التصرف علي طبق الحكم الاولي ليس مانع عن التصرف علي طبق الحكم الثانوي فاذا وجد المقتضي و فقد المانع وجب الوجود فان الله جواد لا بخل فيه فبذلك قلنا ان الامام يتصرف فاذا تصرف تصرف بالقسط و العدل و الحق و الوجه الاكمل فانه معصوم لايترك الاولي فيعرف الحق بما لا مزيد عليه و ليس تعريف احسن منه و ابلغ فاذا نفخ في ابدان ايماننا هذا الروح لانخشي غير الله و نخشي الله و نتقيه و لانشك فيما بايدينا من امر و نعلم قطعا جزما ان كلما سكت امامنا عن ردعه هو حق لا مرية فيه و لا ريب يعتريه و هو مقرر منه فبذلك نحصل اليقين بصدور اخبار لم‌يظهر كذبها و بصحة كل ما فهمنا منها بعد المجاهدة و استفراغ الوسع اذا دخلنا البيت من بابه و اما ساير الاستنباطات العقلية باصطلاحهم و الاجتهادات و المقائيس و المصالح و الاستحسانات و ما يستنبط من اصول ما انزل الله بها من سلطان و ما يحصل منه الظنون المطلقة فان وافق الكتاب و السنة فالغناء عنها بين و ان خالف الكتاب و السنة فالاجتهاد في مقابلة حكم الله و حكم رسوله من افحش الفواحش

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 504 *»

و ماكان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم و ان لم‌يوافق و لم‌يخالف و لم‌تجد الحكم في الكتاب و السنة بعد الجد فهو مما سكت الله سبحانه عنه بالنسبة اليك فاسكتوا عما سكت الله و ابهموا ما ابهمه الله يا ايها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله و رسوله لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فهنالك وجب عليك السكوت كما روي لايسعكم فيما ينزل بكم مما لاتعلمون الا الكف عنه و التثبت و الرد الي ائمة الهدي و روي اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا ( به ظ ) و اذا جاءكم ما لاتعلمون فها الي غير ذلك من روايات مرت و روي كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نص و العبد بين يدي مولاه يجب ان يكون كالميت بين يدي الغسال و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال فانقطع مواضع الاجتهاد و الحاجة الي الرأي و النظر جملة و اما مواضع الشبهة فهي المواضع التي يقوم عليها دليلان من الادلة الشرعية و لايمكن البت علي احدهما و لانعلم ايهما الحق فهنالك يجب علينا الوقوف و الرد الي ائمة الهدي عليهم السلام حتي يحملونا علي القصد بالعيان عند امكانه او البيان ان لم‌يمكن العيان و اما المواضع التي لا دليل فيها مطلقا من كتاب او سنة او اجماع او بداهة عقل فذلك هو المجهول الحكم و الناس في سعة ما لم‌يعلموا و ليس عليه فيه احتياط و لاتحر فانه مما سكت الله عنه رحمة من غير نسيان و لاينبغي التكلف فيها و التجري علي الله و ايجاب ما لم‌يوجب و ان قلت ربما يحصل موضع لا نص فيه و لا بد للانسان من ان يفصل فيه القول لرفع النزاع او الحرج قلت صاحب الشرع ارأف بعباده و ابصر بخلقه فلو عرف انه يلزم ذلك لبين و اوضح لنا ذلك هذا و لنا مندوحة في المعاملات بالصلح و في العبادات بالاحتياط فلانحتاج الي التجري علي الله و القول بالرأي و الحمد لله ففذلكة القول في الباب انا عرفنا بعد ما من الله علينا بمعرفة النبي صلي الله عليه و آله بالنبوة و صدقناه بتصديق الله سبحانه اياه و عدم ادحاض حجته و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 505 *»

ابطال امره و نقض دعواه و عرفنا التصديق بان جميع خلق الله جل جلاله اسباب له و محال رؤس مشيته و السنة ارادته يفعل ما يشاء بما يشاء كيف يشاء فبالنار هو يحرق و بالماء هو يغرق و بالشمس هو ينور و بالتراب هو يستر قل الله خالق كل شئ و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها فاذا قام محمد صلي الله عليه و آله بين يديه يدعي النبوة و اتي بما بهر العقول و لم‌يحرك الله رأسا من رؤس مشيته في ابطال حجته و لم‌يقم سببا من اسباب ارادته في ابطال امره و لم‌ينطق بقليل و لا كثير بلسان من السنة ادائه في الآفاق عرفنا انه صادق صدقه الله سبحانه كما اعرفك و اعرف تقريرك بسكون لسانك و يدك و جوارحك عن الردع و استدل بها علي رضاك و لو لم‌تكن راضيا لحركت لسانا او يدا فافهم فلما ان اسكت الله سبحانه خلق السموات و الارض عن ردعه علمنا انه صدقه و لعمري لولا هذا الروح القدسي في المسائل لم‌يكن يفيد قطعا شئ مما يقولون و يحتمل في كل دليل منهم ما يحتمله المنكر و يتكلف من يريد ان يلزم الخصماء بالادلة الدنياوية فصدقنا النبي صلي الله عليه و آله بشهادة الله و نقول له يوم القيمة انت شهدت نبوته بافصح بيان و كل لسان فصدقناك ثم صدقنا القرآن انه من الله سبحانه لاخباره صلي الله عليه و آله انه من الله و لسكوت الله عن اقامة مثله مع تحديه و جعله عجز الخلق عن مثله دليل صدقه و لم‌يقم في العالمين احدا يأتي بمثله و لايحتمل في دليلنا لعله اتي بمثله احد و لم‌يفش خوفا فان الله هو الآتي ان اتي و هو المفشي و هو لايخاف و لايمنعه مانع و لايغري بالباطل ثم صدقنا احكامه باخباره صلي الله عليه و آله لصحة نبوته و بقوله تعالي لو تقول علينا بعض الاقاويل الآية ، ثم عرفنا لغة الكتاب و السنة بان المعني الحقيقي هو روح اللفظ و اللفظ هو جسده كما روي المعني في اللفظ كالروح في الجسد و الله سبحانه العدل الغني العليم الحكيم لايضع الشئ في غير موضعه و لايجعل الجسد لغير روحه و لو استعمل اللفظ في غير معناه الحقيقي من غير نصب قرينة و صارف لكان لغوا محضا و ابهاما صرفا و لعدم فائدة التلفظ بالكلية و هو لايصدر من الحكيم البتة

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 506 *»

فالاصل في الاستعمال الحقيقة فلو اراد الله سبحانه غير المعني الحقيقي لنصب له قرينة البتة و نعرف المعني الحقيقي باتفاق اهل اللغة و اخبار الآحاد منهم مع القرائن الدالة المورثة للعلم العادي و موارد الاستعمالات التي هي السنة اداء الله و ان اشتبه في موضع نتوقف لان الله لو اراد ان نعرفه لنصب له ادلة و اعلاما نعرفه فنبهم ما ابهمه الله و نتوقف فيما لم‌يرد الله ان نعرفه و كذلك الفاظ السنة فان النبي صلي الله عليه و آله عليم حكيم ينطق للتفهيم و التعليم ثم عرفنا مرادات الله و مرادات رسوله صلي الله عليه و آله بانهما لو ارادا غير ما يفهم من لغة التخاطب و هما نطقا للتفهيم و التعليم لنصبا قرينة و بانهما لو لم‌ينصبا قرينة و ارادا غير الظاهر لكان الكلام مبهما صرفا مترددا بين مرادات لا نهاية لها و كان لغوا محضا و لايصدر اللغو من الحكيم فليس ان ظواهرها مظنونة و الظن مجوز لانه نظر من ينظر في الاشياء من حيث هي بل هي قطعية بتقرير الله و تقرير رسوله صلي الله عليه و آله و القول بانه يحتمل ان كانت قرينة صارفة و خفيت قول من يظن موت العالم و عدم حجة شاهد مطلع حافظ فالنبي المبعوث علي اهل كل عصر الواجب عليه الابلاغ لايخص قوما بقرينة و يخفي عن قوم و هو يريد منهم ما اراد من القوم الاول فيكلفهم بما لايطيقون نعوذ بالله و الرب الحكم العدل اجل من ان يفعل ثم عرفنا عدم العوارض التي ذكرناها في كتاب الله بتقرير الله و تقرير رسوله صلي الله عليه و آله فما كان من الكتاب مجمعا علي تأويله و بقاء حكمه اخذنا به و ما لم‌يكن كذلك و كان في تفسيره سنة موجبة للعلم او العمل اخذنا به و ما لم‌يكن كذلك و كان منه موافقا للعقل المستنير القطعي اخذنا به و ما لم‌يكن كذا و كان في تفسيره سنة مقررة اخذنا به و ما لم‌يكن كذا و كان ظاهرا في معني اخذنا به لانهم لو ارادوا غير ذلك لنصبوا قرينة لما مر و ما كان منه متشابها توقفنا فيه و رددناه الي الله و رسوله و آمنا به لانه حق ايا كان فرجع القول الي ان ظواهر الكتاب ان لم‌يصرف عنها صارف عن الحجج الاطياب حجة بلا ارتياب و لولا التقرير الذي هو بصر كل ضرير لكان كثرة

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 507 *»

عوارض الكلام علي ما رويناه في فصل‌الخطاب تمنع عن العمل بغير المجمع عليه منه و المحفوف بالقرائن القطعية و رجع القول الي انه لايجوز العمل بشئ من الكتاب الا بتفسير الحجج الاطياب قولا او فعلا او تقريرا و علي هذا يجمع جميع الاخبار فصح ان علمه عندهم و تفسيره حرام علي غيرهم و وجب اخذه عنهم و الرجوع اليهم انظر الي العلم الحق كيف يجمع الاخبار التي هي في بادي الرأي مختلفة و معاذ الله ان يكون في كلام الذين هم من عند الله اختلاف و اما السنة المروية عن النبي صلي الله عليه و آله فلها ايضا عوارض كعوارض الكتاب حرفا بحرف و لايعرف منها شئ الا بتقريره و تقرير اوصيائه فما كان منها مجمعا عليه لا اختلاف فيه ففيه الحجة و ما لم‌يكن كذلك و كان متواترا معني ففيه الحجة او لفظا فكالكتاب و ما لم‌يكن كذلك و روي عن طرق الثقات و كان محفوفا بالقرائن القطعية فكالكتاب عملا اجماعا و ما لم‌يكن محفوفا بالقرائن القطعية فكذلك ان لم‌يخالف الضرورة او البداهة و هذا و ان كان عند قوم مظنونا فعندنا مقطوع به ما لم‌يدل دليل علي كذب نسبته اليه فهو اما صحيح صدوري او تقريري و يجب العمل به اجماعا و خروج من ترك اخبار الآحاد رأسا غير مضر لقيام الاجماع قبلهم و بعدهم علي العمل باخبار الثقات و ان كانوا آحادا و ما لم‌يكن عن ثقة و ادعي صحة صدوره و لم‌يكذبه ضرورة و لا بديهة و لا خبر محفوف بقرائن قطعية و لا خبر ثقة فذلك مما وقع التقرير عليه فانه منسوب الي الحجة مروي عنه في حضوره و هو القادر المطلع المأمور بدمغ كل قرن باطل نجم كائنا ما كان بالغا ما بلغ فخلص من ذلك ان كل ما روي عنه صلي الله عليه و آله فانما هو في حضوره فان كان كذبا ردع عنه و ما كان صدقا صدقه فنحن نعمل بكل سنة لم‌نعرف كذبه باصح منه لانه مقرر حق فاجتمع علي ذلك معاني الاخبار من ان السنة يجب العمل بها و لايمكن العمل بها و اما اخبار العترة الطاهرة ففيها ايضا عوارض كالكتاب و السنة و القول بانه فيها ليس عوارض لانهم شراح الكتاب و السنة اشتباه محض فما من عارض عرض الكتاب و السنة الا و قد عرض الاخبار ايضا فالعمل بها ايضا محتاج الي التقرير

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 508 *»

فكل خبر مروي ادعي صحته لم‌يكذبه ما هو اصح منه و اسبق هو صحيح اما صدورا او تقريرا و لعمري لولا التقرير لكان الاحتمالات التي ذكرها الاصوليون قليلا من كثير و لعمري هي في فتن هذه الدنيا و عوارضها لم‌تكن تفيد الا شكا و القول بافادتها الظن مسامحة و اغماض او خوف و الا اني و اني نحن نشاهد عيانا ان الخبر لايصلنا من جانب دارنا الا منحرفا و لايخرج الكلام من مجالسنا الا منحرفا عن جهة مقالتنا و ارادتنا و الحملة اخواننا المعتبرون كيف كان يمكن ان نقطع او نظن بصحة اخبار رويت من السنة جماعة مجهولة لم‌نرهم و تداولوها صدرا بصدر و اوائلهم لم‌تكن تعتني بالرسم بل كانوا يحفظون بظهر القلب ثم بعد مدة بعيدة شرعوا في الرسم و هم اكثرهم اجنبيون عن العلم و كانوا حدادا و نجارا و تمارا و علافا و حذاء و جمالا و امثال ذلك و اغلبهم غير عالم ثم لهم اعادي تدس في كتبهم و كانوا في تقية شديدة و ايم الله قسما بارا لولا مسئلة التسديد لكان يشك الذكي في جميع ما في ايدي الناس و لايعتمد علي شئ منه و كان يؤل امره الي الخروج عن هذا المذهب و عن كل دين اذ هذا المذهب اضبط اديان الدنيا و هو علي ما تري فعلي الله فليتوكل المتوكلون و علي رسوله فليعتمد المعتمدون و علي حججه في ارضه فليثق الواثقون نعم بهذا الاصل يصل الدين مبلغ العصمة و الطهارة و الهدي و الضبط و اليقين و العلم و يصلح ان يكون دين الله الذي يحتج به علي عباده يوم القيمة فاعرف ايها الناظر قدر ما اولي الله علينا و اولينا عليك و اتعبنا انفسنا به لاجلك و اردنا هدايتك به ،
فمنه الينا ما تلونا عليكم       ** * **      و منا اليكم ما تلوتم به عنا
فما لم‌يكن في كتاب و سنة و قام ضرورة مذهب العامة فيه ففيه الحجة لوجود الحجة فيه و ما لم‌يبلغ حد الضرورة العامة و بلغ حد الضرورة الخاصة ففيه الحجة لما مر و ما لم‌يكن كذلك و قام فيه اجماع خاص بك ففيه اليقين و الحجة و ما لم‌يكن كذا و قام فيه اجماع سكوتي او مركب ففيه الحجة و الرشاد و اما ما لم‌يكن كذا و قام عليه شهرة بين العلماء من غير نص يشهد لهم فلا عبرة بها عندي لان القول في موضع السكوت مستغني عنه و قوله عليه السلام خذ بما اشتهر بين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 509 *»

اصحابك ظاهر في الرواية دون الفتوي المحض و ظاهر في الاجماع من جميع الاصحاب و المراد منه الخبر المعروف عند الكل و النادر هو الخبر المعروف عند البعض لا غير و ما نقل فيه اجماع و عرف انه من الضرورتين فهو كالخبر و ان كان عن محصل خاص او شهرة فتوائية فلايفيد اكثر من مفاده و ان كان عن سكوتي او مركب فيشكل الاعتماد عليه لانهما يحتاجان الي تتبع شديد و عدم ظهور قول لمحصله يحتمل عدم اظهار الامام له لخصوصية فيه و لو تتبعت انت وجدت لمكان تكليفك و اما الادلة العقلية فما ادي منها الي البداهة بحيث عرف العقول عدله ففيه الحجة لان عقل الحجة فيه و ما كان نظريا و لم‌ينته الي بديهي فهو الموضع الذي امرنا بترك النظر و الكف عنه و التثبت كما هو شيمة المقلد فان المقلد ان لم‌يجد نصا من العالم الذي يقلده يقف و لو نظر بعقله و عمل بما ادي اليه نظره لصار مساويا للعالم فاين التقليد الذي كان يقلده و الحجج عليهم السلام هم العلماء علماء لايفتون الا بنصوص مكنوزة عندهم لا برأي و لا اجتهاد و نحن المتعلمون المقلدون لهم فما وصل عنهم نعمل به و ما لم‌يصل نكله الي العالم حتي يأتينا بما يري من تكليفنا فان اتانا بشئ خاص نعمل به و ان لم‌يأتنا فنعمل بما وسع فيه من الامر بقوله كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه امر او نهي و ما ذكرناه في المنفردات و اما اذا تعارضت الادلة و هو الاكثر الاوفر فان كان احد الطرفين مقررا و الآخر غير مقرر فغير المقرر مدحوض و ان كانا مقررين متعارضين فنحتاج الي المعينات فايهما يوافق الكتاب المجمع علي تأويله ففيه الرشاد و الآخر صادر تقية يقينا و ما لم‌يكن فايهما وافق السنة التي لا اختلاف فيها ففيه الرشاد و ما لم‌يكن فايهما وافق اجماع العامة ان عرف فالحق في خلافه و ما لم‌يكن فايهما كان مخالفا لبداهة العقول يترك و الآخر يؤخذ به فانه يعلم عند جميع ذلك ان المعارض صدر تقية و ان لم‌يكن فايهما خالف الاجماع القطعي يأول الي الاجماع و يعمل بما حصل الاجماع عليه فانه اصرح دلالة و ابين من الخبر و اما معارضة هذه المعارض

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 510 *»

فلايعقل بل ايها حصل يكفي في تعيين ما يعمل به و اما ما يوافق الاحتياط او كان راجحا في عدالة الراوي او فقهه او ورعه او كان اقوي او انسب او اولي او اقرب او غير ذلك فهي من المرجحات لا المعينات فلي الآن في وجوب الاخذ بها اشكال فان الجميع بمحضر الحجة فما قرر انه حق محض يؤخذ به و ما قرر انه باطل محض يترك و ما قرر الشيئين انهما حقان و هذا اولي من هذا او اقرب او انسب او اشبه او احوط او غير ذلك فنحن نقول بالرجحان من غير انكار للآخر و هذا وجه الاستحباب لا الوجوب و يشهد بذلك الاكتفاء بالابعاض للاشخاص في الاخبار ففي كل خبر بعضها و عمل كل راو بما عرفوه منها و مضت قرون قبل صدور كل خبر و غفل عنه كل من لم‌يسمعه و الكل مقررون مصدقون و هذا امارة الاستحباب كما نعمل به و نقول في ساير الاحكام فليس كل واحد منها من الامور الواجبة العامة البلوي هذا و اغلبها في هذه الازمنة متعذرة كما حققناه في ساير كتبنا و لايمكن الاطلاع عليها هذا و نفس الاخبار المرجحة بانفسها متعارضة و لا مرجح لها و القول بان كلها من اسباب الترجيح فعند ايها سكن النفس هو المقدم لااعرف له وجها الآن فما رجح في النظر و ما زاد علي ذلك فهو مقرر علي الرجحان و الرجحان صفة الاستحباب و قولهم ان الاخذ بالمرجوح و ترك الراجح قبيح غير مسلم كلية و الا لكان كل تارك فضل عاصيا و انما يعاب ذلك علي الانبياء و حسنات الابرار سيئات المقربين فعندي في ايجاب الاخذ بالمرجحات اشكال عظيم بل لااعرف له وجها و اما الاستحباب فمسلم بل نقول ما كان لاحد المتعارضين مرجح منصوص فهو الراجح و ما لم‌يكن مرجح منصوص و كان مرجح معقول مما لاينافي المنصوصات فلا بأس بالاخذ به للتوسعة و لكن ينبغي للعامل بالمرجحات ان لاينفي الآخر و لايوجب الاخذ بالراجح فبعد ذلك لو ادام العمل بالراجح لكان حسنا و يكفي في اشعاره بذلك ان يقول الاولي كذا و الانسب كذا و الاحوط كذا و ان لم‌يكن مرجح اصلا و كانا مقررين فهو الذي جعله الشارع و الحجة موسعا فانهما مرويان قائمان بحضرته و قد قررهما و لم‌يرجح احدهما علي الآخر فكأنه قال هما والله سواء فما سوي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 16 صفحه 511 *»

بينهما الحجة فليس لاحد ان يقول بغير السعة فيهما فالقول الفصل في الجميع انا منتظرون لامر الحجة و الحاكم علينا و الشاهد الحاضر الناظر ناظرون الي يده مصغون الي كلامه فكل شئ اناره و قرره نقرره و كل شئ ردع عنه نرتدع عنه و كل شئ عينه نعين و كل شئ رجحه نرجح و كل شئ نقصه ننقصه و كل شئ سوي بينه و بين غيره نسوي ما قال آل‌محمد عليهم السلام قلنا به و ما دان آل‌محمد عليهم السلام دنا به و ما لنا ان لانتوكل علي الله و قد هدانا سبلنا و لنصبرن علي ما آذيتمونا و علي الله فليتوكل المتوكلون و لما وصل الكلام الي هنا و رأينا ان الكتاب قد طال و اخذنا الكلال و لنا اهم منه اشغال رأينا ان نختمه هنا و كان ذلك في عصر يوم الثلثاء ثامن‌عشر شهر شوال من شهور سنة احدي و سبعين بعد المأتين و الالف حامدا مصليا مستغفرا ، تمت.