14-02 مکارم الابرار المجلد الرابع عشر ـ تفسير سوره حجرات ـ مقابله

 

 

تفسير سوره حجرات

 

من مصنفات العالم الرباني و الحکيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد کريم الکرماني اعلي‌الله مقامه

 

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 125 *»

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 

الحمد لله و سلام علي عباده الذين اصطفي

و لعنة الله علي اهل الردي

و بعــد يقول العبد الاثيم کريم بن ابرهيم اني قد علّقت علي کتاب الله المجيد في سالف الزمان تعليقات علي نحو الاجمال و بينت فيها قراءات القرّاء و بعض مشکلات الآيات و بعض تأويلاتها و بعض بواطنها و بواطن بواطنها علي نحو الرمز و کتبتها في الهوامش و مابين السطور فانتشرت بين اصحابنا ولکن لاينتفع منها الا العالم الماهر في علم التفسير فاحببت ان‌اکتب في هذه الايام انموذجاً لنفسي ان لو وفقت لتصنيف تفسير کيف ينبغي ان‌اصنف و لاخواني ان لو شاءوا ان‌يرتبوا تلک التعليقات و يربطوا بين انحاء معانيه و مبانيه کيف ينبغي ان‌يرتبوا فلاجل ذلک فسرت هذه السورة‌ المبارکة و هي «سورة‌ الحجرات» علي ما تري فان وفقني الله لتفسير تام يلحق هذا به ان‌شاءالله و الا فهو بنفسه کتاب مستقل و انموذج لمن وفق له من اخواني و لم‌يکن غرضي تقليد المفسرين السابقين و الاستعارة منهم عبائرهم و تحقيقاتهم التقليدية التي قلد فيها خلفهم سلفهم فانها کافية في شأنها لهم و انما اردت ان‌اکتب بعض ما خصنا الله به من علم کتابه مما لم‌يکتبوا و لم‌يدرکوا و ليس مرادي ايضاً استقصاء اخبار وردت في تفسير الآيات فان القوم قد تحملوا هذه المشقة و انما اريد ان‌اذکر من الاخبار ما استشهد به علي معني اذکره مکتفياً ببعضها بقدر الحاجة و الله الموفق و المعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

ياايها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله و رسوله و اتقوا الله ان الله سميع عليم.

القراءة: قرأ يعقوب لاتقدموا بفتح التاء و الدال و الباقون قرأوا بضم التاء و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 126 *»

کسر الدال و کلاهما بمعني «لاتسبقوا» يقال قدم القوم کنصر قدماً کفلس و قدوماً کسرور و قدّمهم تقديماً و استقدمهم و تقدّمهم بمعني؛ اي سبقهم و بين اليدين کناية عن الأمام و القدام فالمعني لاتسبقوا الله و لاتمشوا قدامه بان‌تأخذوا بما تهوونه دون ما امرکم و يمکن ان‌يکون قوله عزوجل لاتقدموا متعدياً و حذف منه المفعول لان المراد جميع المفاعيل فکأنه نهي عن نفس التقديم مطلقاً فلايجوز للعبد ان‌يقدّم شيئاً علي الله و رسوله ابداً ايّ شيء کان.

الظاهر: ياايها الذين آمنوا بظاهر الدعوة و صدّقوا و اذعنوا بتوحيد الله و نبوة محمد9 ظاهراً و ان کانوا في قلوبهم منکرين او شاکين و انما خوطبوا في القرآن بالايمان بعد ما آمن الانصار لما روي في المجمع عن ابي‌جعفر7 انه قال ما سلت السيوف و لااقيمت الصفوف في صلوة و لا زحوف و لا جهر باذان و لاانزل الله (ياايها الذين آمنوا) حتي اسلم ابناء قبيلة الاوس و الخزرج انتهي. و انما سماهم مؤمنين لوجود صفة الايمان علي ظواهرهم في عصره9 کما قال في آية اخري ياايها الذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون کبر مقتاً عند الله ان‌تقولوا ما لاتفعلون فانها نزلت في المنافقين و سماهم الله مؤمنين بظاهر اقرارهم مع انهم من اهل قوله تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلماً و علواً و هم عند الله کفار کما في رواية محمد بن جعفر بن خارجة عن ابي‌عبدالله7 و فيها قال7 و تجري عليه احکام المؤمنين و هو عند الله کافر او کما قال في آية اخري ياايها الذين آمنوا آمنوا فوصفهم بصفة الايمان الظاهر و امرهم بالايمان المقرون بالتصديق فهؤلاء مضافون الي الايمان کما قيل للصادق7 ارأيت من دخل في الاسلام اليس هو داخلاً في الايمان قال لا ولکنه قد اضيف الي الايمان انتهي. و ذلک کدخول الشيطان في الملائکة حين امرهم الله بالسجود و حکي الله عزوجل ذلک في قوله و اذ قلنا للملئکة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس فسماه باسم الملک مع انه کان من الجن لاتصافه في الظاهر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 127 *»

بصفة الملئکة. و لک ان‌تأخذ کلمة آمنوا بمعني آمنوا انفسهم من مکر الله و دخلوا بذلک في الذنب العظيم حيث امنوا مکر الله فلايأمن مکر الله الا القوم الخاسرون. و لک ان‌تقول انهم آمنوا بالطاغوت و کفروا بالله و ذلک ان الله لم‌يقيدها و لم‌يقل آمنوا بالله فتدبر.

و قوله عزوجل و لاتقدموا بين يدي الله و رسوله اي لاتسبقوا الله و رسوله بان‌تؤثروا هواکم علي ما امرکم الله و رسوله9 فتعملوا بآرائکم و اهوائکم و تترکوا امر الله و نهيه فلاتعملوا بکتاب الله و سنة نبيه9 فيما نطقا به و تعملوا بما استحسنتموه او استصلحتموه او رأيتموه او تنطقوا فيما سکت الله و رسوله و حججه الذين هم من روحه و طينته و نوره و نفسه مع انهم لم‌يسکتوا عما سکتوا عنه نسياناً او جهلاً و انما سکتوا عنه رحمة و فضلاً فتتکلفوا القول فيه مع انه علّم نبيه ان‌يقول و ما انا من المتکلفين ان‌اقول ما لم‌يقله الله و يقول ان اتبع الا ما يوحي الي و وصفه بقوله ما ينطق عن الهوي، ان هو الا وحي يوحي و حذّر من دونه من باب اياک اعني و اسمعي يا جارة و قال و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين فعن علي7 ان الله حدّ لکم حدوداً فلاتعتدوها و فرض فرايض فلاتنقصوها و سکت عن اشياء لم‌يسکت عنها نسياناً فلاتکلفوها رحمة من الله لکم فاقبلوها و عن الصادق7 لايسعکم فيما ينزل بکم مما لاتعلمون الا الکف عنه و التثبت و الرد الي ائمة الهدي حتي‌يحملوکم فيه علي القصد و يجلو عنکم فيه العمي و يعرّفوکم فيه الحق الخبر. و اعظم جميع ذلک ان‌تنصبوا خليفة من عند انفسکم و تجعلوه باختيارکم حجة من الله عليکم و لم‌ينصبه الله باعترافکم فتفترضوا طاعته و تجعلوا نير مذلة طاعته علي اعناقکم فذلک تقدم علي الله و رسوله9. و من ذلک ان لاتتقدموا علي رسوله و حججه الذين هم نفس الرسول في ممشاکم في الطرق اذا ماشيتموهم و في مجالسکم اذا جالستموهم و في الجواب اذا سئلوا عن امر و انتم حضور و في جهاد عدوکم او دفاعهم ما لم‌يأمروکم به و في السؤال

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 128 *»

عن احکام الاشياء ما لم‌يأمروکم بها و کلفوکم و لو مجملاً و اما اذا بلغکم منهم حکم مجمل فلابأس بطلب شرحه و بيانه و ليس تقدماً عليهم و ان‌تغلوا في دينکم و تقولوا في حجج الله او ساير خلقه ما لم‌يجعله الله لهم من الربوبية اذ لامربوب و غيرها لغيرهم و ان‌تبادروا بمکافحة مخالفيکم قبل ان‌يأذنوکم او يظهر دولتهم و ان‌تخبروا اعداءکم بما کتم الله و رسوله عنهم من الحق خذلاناً لهم و تؤموا حجج الله ظلماً و عدواناً و تغلباً علي ملکهم او تتقدموا علي قبورهم في صلوتکم و تجعلوها وراءکم او تساووها و قد نهوکم عنها و قالوا الامام لايتقدم عليه و لايساوي اذ جميع ذلک تقدم علي الله و رسوله9 ثم استعمل عقلک و استنبط مما ذکرناه ما لم‌نذکره فانه لاغاية له و لانهاية و لايمکن رسم الجميع.

و قوله و اتقوا الله ان الله سميع عليم اي احذروا الله في التقدم عليه و علي رسوله و علي حججه و في مخالفة احکام الله فان في مخالفة احکامه هلاککم و خراب مدينتکم و بوارکم ان الله سميع لاقوالکم مقال اخيارکم و اشرارکم و لکل المسموعات من الاعلان و الاسرار عليم بافعالکم و احوالکم و ظواهرکم و بواطنکم و ضماير انفسکم و يعلم صدقکم في الطاعة و الامتثال و نفاقکم اذا اطعتم ظاهراً و خالفتم باطناً و عليم بمن يصلح للتقديم و التأخير فيقدّم من علم انه صالح للتقديم و يأمر باتباعه و يؤخر من يعلم انه لايصلح الا للتأخير و يأمره بالسمع و الطاعة و لاجل ذلک قدّم رسوله و حججه صلوات‌الله‌عليهم عليکم و امرکم ان لاتتقدموا عليهم في امر من الامور و تؤموا بهم و تتبعوهم في القل و الجل و عليم بصلاحکم و فسادکم و خيرکم و شرکم و ما به انتظام امور دنياکم و آخرتکم فيأمرکم بخيرکم و ينهاکم عن شرکم و من ذلک ما نهيتکم (نهيٰکم ظ) عنه من التقدم علي الله و علي رسوله فان به صلاح مدينتکم و في ترکه فسادکم.

التأويل: قوله ياايها الذين آمنوا المخاطب به جميع القوابل الامکانية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 129 *»

المؤمنة بالله المسبحة له العالمة بصلوتها و تسبيحها الساجدة لله کما شهد الله عزوجل في حقها في کتابه بقوله و ان من شيء الا يسبح بحمده و قال کل قد علم صلوته و تسبيحه و قال و لله يسجد من في السموات و الارض و في الدعاء انت اله کل شيء و کل شيء يعبدک و يسبح بحمدک و يسجد لک و في دعاء آخر اللهم اني اسألک باسمک الذي دان له کل شيء فجميع القوابل الامکانية مؤمنون بالله عزوجل متبعون لامره الکوني مصدقون اياه بکلهم و هم بايمانهم مثابون بجنة الوجود و نعيم الشهود الذي لايفني و لايبيد.

قوله لاتقدموا بين يدي الله و رسوله هو امر مطاع و حکم متبع اذ المؤمنون الکونيون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فلايوجد في جميع اقطار الامکان شيء تقدم بين يدي الله و رسوله و حججه اوائل العلل: و سبقهم اذ حيث العبد مخلوق من نفس حيث الرب متأخر عنه و لايعقل تقدمه عليه و کذلک لايعقل تقدم الآثار علي المؤثرات و المعلولات علي العلل و المسببات علي الاسباب و المشروطات علي الشروط فهي کانت هکذا بنهي الله عزوجل حيث نهاها الله عن التقدم علي الله و مجالي نوره و مرايا ظهوره و لولا هذا النهي لم‌يکن کذلک و ذلک من المسائل الدقيقة الحکمية و لو کانت هي بنفسها واجبة ان‌تکون هکذا لما احتاج الي نهي و لکانت مستقلة غنية عن باريها و ليس الامر کذلک بل عند آل‌محمد: ان الستة مثلاً مخلوقة لله عزوجل و زوجيتها ايضاً مخلوقة علي انه لو لم‌يجعلها الله زوجاً لم‌تکن زوجاً و کذلک کونها ضعف ثلثة و نصف اثني‌عشر مثلاً و هکذا جميع نسبها و لوازمها کلها مخلوقه مجعولة بجعل الله عزوجل مخصوص بها لم‌يطأ عرصة الوجود شيء الا بمشيته و ارادته قل الله خالق کل شيء فهي بنهي الله عزوجل اياها عن التقدم علي الوسائط متأخرة عنها.

و قوله و اتقوا الله ان الله سميع عليم هو امر مطاع في عرصة الامکان اذ حذرهم الله عن مخالفة امره الکوني و اوعدهم نار العدم التي هي اشد النيران اذ کل نار محرقة لفقد جهة من جهات الوجود بحرّها الغالب و في العدم فقدان الکل و لذا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 130 *»

روي انه يعرض علي اهل جهنم الاعدام و الافناء فيأبون و يؤثرون عذاب النار الدائم فاوعد الله اهل عرصة الامکان و الاکوان اذا خالفوا امره الکوني و الامکاني ان‌يعذبهم بنار العدم الخالدة فاتقوا و لم‌يخالفوا و امتثلوا اوامره فهي بمشيته دون قوله مؤتمرة و بارادته دون نهيه منزجرة و انذرهم بـان الله سميع لدعوات السنة قوابلکم علي اختلاف لغاتها يستجيب دعاءکم عليم بحوائجکم و مقادير قوابلکم فجعل من يستحق التقدم و سأل بلسان قابليته التقدم مقدماً و من يستحق التأخر و سأل بلسان قابليته التأخر مؤخراً. و لک ان‌تقول ان المخاطب النفوس المدعية ظاهراً متابعة العقول التي هي الحجج الباطنة کما في الخبر يا هشام ان لله علي الناس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة فاما الظاهرة فالرسل و الانبياء و الائمة و اما الباطنة فالعقول الخبر. فنهي الله النفوس المدعية متابعة العقول بکينونتها عن التقدم بين يدي الفؤاد الذي هو آية الله و عنوانه و بين يدي العقل الذي هو الرسول الباطن بين الفؤاد و بين ساير الاعضاء و المراتب بايثار اهوائها و مشتهياتها علي اقتضاء الافئدة و العقول و امرها بالحذر عن اعراض الفؤاد و ستر وجهه عنها و اذي العقول لان الفؤاد لايخفي عليه شيء من ملک مراتب الشخص فان رأي حجباً ساترة و اغشية حاجبة ستر وجهه عنها و وکلها الي نفسها فهلکت لانها امارة بالسوء.

الباطن: قوله ياايها الذين آمنوا الخطاب و ان کان عاماً في الظاهر ولکنه مخصوص باعداء آل‌محمد: کما روي انه قام الي علي7 رجل فسأله عن هذه الآية فيمن نزلت قال في رجلين من قريش انتهي. فالمخاطب ذانک الرجلان و من هو منهما و من طينتهما فنهاهم الله عزوجل ان‌يتقدموا بين يدي الله و رسوله بغصب الخلافة و تولي الامارة و تغيير الدين و تخريب بيت سيد المرسلين عليه صلوات المصلين و استيصال عترته و ذريته و ابادة محبيه و شيعته اذ جميع ذلک تقدم علي الله و رسوله و ذلک ان من يتقدم علي احد يکون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 131 *»

اول ما يري هو المتقدم و هو يحجب المتأخر فمن آثر نفسه علي الله و رسوله و آثر هواه علي محبتهما فقد اظهر نفسه و اخفاهما فتقدم عليهما و قد امر الله ان لايتقدم احد علي الله و رسوله باظهار نفسه و اخفاءهما و ترجيح بدعه علي دينهما و لما کانا عليهما لعاين الله اصلي کل شر و جميع شرور العالم راجع اليهما انزلت الآية فيهما و سرت في جميع من دونهما بعدهما کما اذا انحني الشاخص انحني ظله و جميع عکوسه في المرايا کذلک هما عليهما لعاين الله لما تقدما علي الله و رسوله و حججه: و ارادا سترهم و ستر دينهم و امرهم صارت النفوس الامارة التي في العالم التي هي من ظلهما و ظلمتهما مظهرة لانفسها ساترة لربها مؤثرة هواها علي هواهم فوقع النهي عليهما اولاً ثم وقع علي ساير اظلتهما بالتبع. و لک ان‌تقول ان المراد بقوله بين يدي الله اي بين يدي رسول‌الله9 فانه9 ظاهر الله في عوالمه کما قال علي بن الحسين7 في حديث اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيکم و قد ابان الله عزوجل في کتابه عن ذلک حيث يقول من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال و مارميت اذ رميت ولکن الله رمي و قال ان الذين يبايعونک انما يبايعون الله فالتقدم علي رسول‌الله هو التقدم علي الله و لايعقل التقدم علي الله الا بهذه الکيفية و التقدم علي رسول‌الله يتحقق بالتقدم علي نفسه و خليفته فانه هو محمد و محمد هو و ذلک ما روي عن الرضا7 قال قال رسول‌الله9 علي مني و انا من علي، قاتل الله من قاتل علياً، لعن الله من خالف علياً، علي امام الخليقة بعدي من تقدم علياً فقد تقدم علي و من فارقه فقد فارقني و من آثر عليه فقد آثر علي، انا سلم لمن سالمه و حرب لمن حاربه و ولي لمن والاه و عدو لمن عاداه انتهي. فالتقدم عليه هو التقدم علي رسول‌الله و التقدم علي رسول‌الله هو التقدم علي الله و لايعقل تقدم علي الله الا هکذا فالمعني لاتقدموا بين يدي محمد و علي و يکشف عن ذلک ما روي عن جابر عن ابي‌جعفر7 قال سألته عن تفسير هذه الآية لکل امة رسول الآية قال تفسيرها بالباطن ان لکل قرن في هذه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 132 *»

 الامة رسولاً من آل‌محمد يخرج الي القرن الذي هو لهم رسول و هم الاولياء و هم الرسل و اما قوله فاذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط قال معناه ان الرسل يقضون بالقسط و هم لايظلمون انتهي. فالمراد بالرسول هو علي7 و لايلزم من ذلک ان‌يکون نبياً و لانبي بعد محمد9 بل المراد الرسالة الباطنة فانه کان في اعلي درجات القرب و هو اول ما خلق الله و کان اعلي من جميع ما خلق الله باتفاق الشيعة لانه من روح محمد9 و انزله الله و ارسله الي المراتب الدانية فهو رسول‌الله بهذا المعني و قوله عزوجل و اتقوا الله اي احذروا رسول‌الله9 کما قال في آية اخري و يحذرکم الله نفسه اي احذروا سخطه و غضبه و اسفه عليکم فان اسفه اسف الله و ليس لله عزوجل اسف الا اسفه اذ هو منزه عن التغير و البداوات و انقلاب الاحوال کما قال ابوعبدالله7 في قوله الله فلما آسفونا انتقمنا قال ان الله لايأسف کأسفنا ولکن خلق اولياء لنفسه يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مدبرون فجعل رضاهم لنفسه رضاً و سخطهم لنفسه سخطاً و ذلک لانه جعلهم الدعاة اليه و الادلاء عليه فلذلک صاروا کذلک و ليس ان ذلک يصل الي الله کما يصل الي خلقه ولکن هذا معني ما قال من ذلک الخبر فاذا کان هو ساخطاً علي من يعصي الله و يتقدم علي الله و رسوله کما قلنا ينبغي ان‌يتقي و يحذر منه و الحذر منه هو الحذر من الله عزوجل.

و قوله عزوجل ان الله سميع عليم هو علة التقوي يعني ان رسول‌الله9 الذي هو اذن الله و عين الله يسمع اصواتکم و ما تواطئون مع شياطينکم علي غصب الخلافة و احراق بيته و ابادة اهله و اهلاک ذريته و ما تتکلمون علانية و ما تناجون به لايخفي عليه خافية منکم کما قال قل اعملوا فسيري الله عملکم و رسوله و المؤمنون فرسول‌الله سميع لجميع ذلک عليم يعرض عليه جميع اعمالکم کما تواترت بذلک الاخبار و نزل به الکتاب و خاطبهم الله في کتابه بقوله و کذلک جعلناکم امة وسطاً لتکونوا شهداء علي الناس و يکون الرسول شهيداً عليکم و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 133 *»

عن ابي‌عبدالله7 قال تعرض علي رسول‌الله9 اعمال العباد کل صباح ابرارها و فجارها فاحذروا و هو قول الله (اعملوا فسيري الله عملکم و رسوله و المؤمنون) فسکت و قيل للرضا7 ادع الله لي و لاهل بيتي قال اولست افعل والله ان اعمالکم لتعرض علي في کل يوم و ليلة فاستعظمت ذلک فقال اما تقرأ کتاب الله (قل اعملوا فسيري الله عملکم و رسوله) الي غير ذلک من الاخبار فلاعجب ان فسرنا هذه الآية بما فسرنا انه9 سميع لاقوالهم عليم باعمالهم و احوالهم في حيوته و بعد وفاته. و لک ان تقول ان الله سميع في محمد9 لان السمع من حواس المشاهدة الظاهرة و النبي9 هو المشاهد الاول عليم في علي7 فانه قد تعلم من محمد9 ما شاهده هو و ذلک ان لمحمد9 لمقاماً لم‌يشهده علي7 و هو قد شاهده و آمن به علي7 بالعلم فافهم. و لک ان‌تقول ان رسول‌الله9 سميع عليم في علي بعده فانه المتجلي بصورته بعده قد تقلب بصورته کما قال الله عزوجل و تقلبک في الساجدين و علي7 احد الساجدين و في امام کل زمان في زمانه و هم الساجدون و اولهم محمد و اوسطهم محمد و کلهم محمد فالسميع العليم هو الامام و هو سرّ ما روي انه قيل لابي‌جعفر7 جعلت فداک ما قدر الامام قال يسمع في بطن امه فاذا وصل الي الارض کان علي منکبه الايمن مکتوباً و تمت کلمة ربک صدقاً و عدلاً لامبدل لکلماته و هو السميع العليم ثم يبعث ايضاً عموداً من نور من تحت بطنان العرش الي الارض يري فيه اعمال الخلايق کلها ثم يتشعب له عمود آخر من عند الله الي اذن الامام کلما احتاج الي مزيد افرغ افراغاً.

 

ياايها الذين آمنوا لاترفعوا اصواتکم فوق صوت النبي و لاتجهروا له بالقول کجهر بعضکم لبعض ان‌تحبط اعمالکم و انتم لاتشعرون.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 134 *»

الظاهر: قوله عزوجل ياايها الذين آمنوا اي اذعنوا و صدقوا بالدعوة الظاهرة و اتصفوا بصفة المؤمنين او آمنوا انفسهم من مکر الله او آمنوا بالطاغوت کما مرّ و کرّر النداء لشدة الاهتمام بالحکم و لان‌يشتد اصغاءهم و توجههم و عزمهم علي الامتثال.

و قوله عزوجل لاترفعوا اصواتکم فوق صوت النبي يعني اذا کالمتموه فـلاترفعوا اصواتکم اعلي من صوته فان ذلک ان کان من باب الاستخفاف و الاهانة و الاستعلاء عليه يکون کفراً و الا فلا اقل من الدلالة علي عدم الخضوع لدي عظمته و ان الله عزوجل خلقه من نور عظمته و جلال کبريائه و عدم الخضوع لديه عدم خضوع لله و من لم‌يخضع لله فقد تکبر علي الله و نازع الله في ردائه و الله لايحب المتکبرين و ذلک مطلق عن حيوته و حضرته او مماته و غيبته فلايجوز للرعية علي حال ان‌يرفعوا اصواتهم فوق صوته المعتاد له و لذلک روي عن ابي‌جعفر7 في حديث وفات الحسن7 انه قال الحسين7 لعايشة و قد قال الله (ياايها الذين آمنوا لاترفعوا اصواتکم فوق صوت النبي) و لعمري لقد ضربت انت لابيک و فاروقه عند اذن رسول‌الله9 المعاول و قال الله (ان الذين يغضون اصواتهم عند رسول‌الله اولئک الذين امتحن الله قلوبهم للتقوي) و لعمري لقد ادخل ابوک و فاروقه علي رسول‌الله9 بقربهما منه الاذي و مارعيا من حقه ما امرهم الله به علي لسان رسول‌الله ان الله حرم من المؤمنين امواتاً ما حرم منهم احياءاً انتهي. بل الادب يقتضي ان‌يکون صوت الرعية دائماً اخفض من نوع صوت النبي9 کما قال في کتابه و اغضض من صوتک ان انکر الاصوات لصوت الحمير فالکمال ان‌يکون صوت الرعية‌ دائماً في الملک اخفض من صوت النبي9 فان الله يقول يرفع الله الذين آمنوا منکم و الذين اوتوا العلم درجات و هم البيوت التي اذن الله لها ان‌ترفع فلارفعة لاحد دون النبي و اوصيائه:.

و قوله عزوجل و لاتجهروا له بالقول کجهر بعضکم لبعض يعني لاتظهروا له بالقول و الباء للتعدية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 135 *»

اذا خاطبتموه او تکلمکم عنده او له و النهي الاول متعلق بنفس الصوت فلاينبغي ان‌يکون نفس صوت الرعية ارفع من صوت النبي9 و النهي الثاني متعلق بالقول و الکلام فلايجوز ان‌يجهروا له بالکلام کما يجهر بعضهم لبعض بالکلام و المقال و المراد بالجهر التصريح بالکلام الذي لاينبغي الاجهار به و ينبغي ستره عن الغير کما قال عزوجل قالوا ارنا الله جهرة‌ يعني اعلاناً و اظهاراً للسؤال الباطل و القبيح الذي يجب الاستحياء منه و عدم الاظهار له من غير حياء فيذکرون عنده ما يستقبح ذکره او ينمون علي مؤمن عنده او يفترون لديه بفرية او يسبون بحضرته او يغتابون له او يعيرون مؤمناً لديه او يمازحون عنده بما فيه خناً او اضحوکة او يفتون في دينه بما لم‌يقل بآرائهم و اهوائهم کما يتصرف بعضهم في امر بعضهم برأيه و شوره و صلاحه و هواه و امثال ذلک من الاقوال القبيحة فان جميع ذلک مما يؤذي الله و يؤذي النبي9 و الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و اعدّ لهم عذاباً مهيناً و الا فمحض الجهر بالقول لديه في موضع ينبغي الجهر فيه فليس بممنوع کمن يجهر في الصلوة اذا صلي لديه و القول کما يطلق علي الکلام يطلق ايضاً علي الفعل کما روي في دفع ماء الغدير قل بيدک هکذا اي ادفعها و يقال قال برأسه نعم و قال برأسه لا و هو کناية عن الفعل فيعمّ القول جميع الافعال و الاحوال فالمعني لاتفعلوا بحضرته من الافعال کما تفعلون عند انفسکم من غير احتشام و کذلک يعمّ الآية حال حيوته و حال مماته فانه شاهد الله في خلقه و صاحب المرآي و المسمع فجميع ما يقوله الرعية و يفعلونه في حيوته و مماته مشهود له و معلوم عنده فنهي الله عن ان‌يجهر له بالقول و الفعل في حيوته و مماته مثل ما يجهر بها بعضنا لبعض.

و قوله لان تحبط اعمالکم و انتم لاتشعرون يعني لاتفعلوا ذلک خوف ان‌تحبط اعمالکم الحسنة التي عملتموها في سوالف ازمانکم فان کل معروف صدر منکم صدقة علي انفسکم او علي غيرکم و قد قال رسول الله9 کل معروف صدقة و الله سبحانه يقول لاتبطلوا صدقاتکم بالمن و الاذي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 136 *»

 و اطلق المن و الاذي و لم‌يقل بالمن علي من تصدقتم عليه و الاذي له بل ابهم و ايّ اذي اعظم من اذية الله و رسوله9 فيبطل اذيتهما جميع ما عملتم من معروف في سوالف ازمانکم و ذلک کما روي انه دخل رجل علي الباقر7 مسروراً فسأله عن سروره فاخبره بصدقات صدّقها فقال7 لعمري انک حقيق بان‌تسرّ ان لم‌تکن احبطته او لاتحبطه فيما بعد فقال الرجل کيف احبطته و انا من شيعتکم الخلّص فقال هاه قد ابطلت برّک باخوانک و قال له اقرأ (ياايها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتکم بالمن و الاذي) قال الرجل مامننت علي القوم الذين تصدقت عليهم و لاآذيتهم قال له ان الله عزوجل قال (لاتبطلوا صدقاتکم بالمن و الاذي) و لم‌يقل بالمن علي من تتصدقون عليه و بالاذي لمن تتصدقون عليه و هو کل اذي افتراک اذاک القوم الذين تصدقت عليهم اعظم ام اذاک لحفظتک و ملائکة الله المقربين حواليک ام اذاک لنا فقال الرجل بل هذا يا ابن رسول‌الله فقال قد آذيتني و آذيتهم و ابطلت صدقتک و ذکر له انه لادعاء التشيع فاستغفر الرجل فقال له الآن قد عادت اليک مثوبات صدقاتک و زال عنها الاحباط اختصرنا الخبر.

و قوله اعمالکم جمع مضاف يفيد العموم و لايجوز تقييده بحبط ثواب خفض الصوت وحده کما زعم بعضهم فاذية رسول‌الله صلي‌الله‌عليه تحبط جميع اعمال العبد و تکشف عن ان جميع ما عمله العبد من الحسنات کان صادراً منه بالعرض بسبب اللطخ بطينة المؤمنين و الخلط بهم و لما صدر منه الاذي لرسول‌الله9 عمداً تبين ان ذاتيته کافرة غير متقية و اعماله الحسنة عرضية و انما يتقبل الله من المتقين و هو لم‌يحذر من اذي رسول‌الله صلي‌الله‌عليه و لم‌يتق فلايقبل له عمل اصلاً و هو ملعون مطرود في الدنيا و الآخرة و اعدّ له عذاب مهين و ان الله لايلعن مؤمناً ابداً بل ان الله لعن الکافرين و اعدّ لهم سعيراً خالدين فيها ابداً لايجدون وليا و لانصيرا و انما ذلک نظير قوله عزوجل فاذا ذهب الخوف سلقوکم بالسنة حداد اشحة علي الخير اولئک لم‌يؤمنوا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 137 *»

 فاحبط الله اعمالهم و کان ذلک علي الله يسيراً و «سلقه بالکلام سلقاً» اذا اذاه بالکلام و «الحداد» جمع «حديد» و هو الفصيح.

و قوله و انتم لاتشعرون اي ان رفع الصوت فوق صوته و الجهر له بالقول سبب الاحباط و ان اذاه اذي الله جل و عز و هو سلطان جليل عظيم يجب اعظامه و اجلاله و مراعاة الادب لديه و لايجوز جفاه و تحسبونه کاحدکم بشراً مثلکم و تعاملونه کما تعاملون انفسکم من عدم شعورکم و ادبکم و من تفسير الامام7 ان رسول‌الله لما قدم المدينة و کثر حوله المهاجرون و الانصار کثرت عليه المسائل و کانوا يخاطبونه بالخطاب العظيم الذي لايليق به و ذلک ان الله تعالي کان قال (ياايها الذين آمنوا لاترفعوا اصواتکم فوق صوت النبي) الآية و کان رسول‌اللهبهم رحيماً و عليهم عطوفاً و في ازالة الآثام عنهم مجتهداً حتي انه کان ينظر الي من يخاطبه فيعمد علي ان‌يکون صوتهمرتفعاً علي صوته ليزيل عنه ما توعده الله من احباط عمله حتي ان رجلاً اعرابياً ناداه يوماً خلف حايط بصوت له جهوري يا محمد فاجابه بارفع من صوته يريد ان لايأثم الاعرابي بارتفاع صوته.

التأويل: الخطاب متوجه الي النفوس المدعية طاعة العقول و اتباعها و عملها علي حسب امرها و نهيها فقال ياايها الذين آمنوا و جعلها ذکوراً لادعائها الشعور و العقل و انه خاطبهم من حيث تعقلهم کما ذکر الکناية في قوله و ان من شيء الا يسبح بحمده ولکن لاتفقهون تسبيحهم و کما قال اتينا طائعين حيث امرهم و قال ائتيا طوعاً او کرهاً فلما اراد خطاب النفوس خاطبهم بخطاب الذکور و اصحاب العقول ضرورة ان غير اصحاب العقول لايخاطب و لايکلف فقال ياايها الذين آمنوا لاترفعوا اصواتکم اي آثارکم و افعالکم فان الصوت اثر يحمله الهواء الي الآذان کما قال الصادق7 و علي ذلک ورد الدعاء‌ لايري فيه نور الا نورک و لايسمع فيه صوت الا صوتک و صوت الله آثاره و افعاله و لما کان جميع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 138 *»

الآثار تنبئ عن حقيقة ضمير المؤثر عبر عنها بالصوت المعبر عن الضمير للغير فجميع الافعال و الاحوال اصوات و آثار لاصحابها ينادون بصوت عال جهوري بها لايشتبه علي من اطلع عليه يفهمه کل عربي و عجمي فقال لاترفعوا افعالکم و احوالکم علي افعال العقول و تغلبوها عليها و تجعلوها اظهر و ابين من افعال العقول و احوالها فتخفوها و تظهروا افعالکم بل ان کنتم صادقين کان الواجب عليکم ان‌تجعلوا آثارکم اخفض و اخفي من آثار العقول فان آثارکم قبيحة سيئة و ينبغي اخفاءها و جعلها مغلوبة عند العقول و لاتجهروا له بالقول اي لاتظهروا بالقول في حضرة العقل کما تظهرون به عند شياطينکم الباطنة فتتکلمون معهم بالوساوس الباطلة و الخطرات السيئة و النجوي بالردية بل اسکتوا بحضرته عن ذلک کله و اصغوا اليه و انتظروا صدور اوامره و نواهيه عنه و ظهور حکمه و علومه و وعظه و نصيحته و امتثلوا امره و نهيه و ان تکلمتم بحديث نفس عنده فحدثوا لديه بما يوافق آثار العقل اي بالخير کما قال و ان تناجيتم فلاتتناجوا بالاثم و العدوان و معصية الرسول و تناجوا بالبر و التقوي. فان النفوس خلقت عوادة فان عودتموها بالخير و البر و التقوي يحصل لها ملکة الخير و يصدر عنها الخير بارادة و غير ارادة و تأتلف بالملئکة الملهمة للصواب و ان عودتموها بالشر و الوساوس الباطلة تعتاد بها و يصدر عنها تلک الوساوس بارادة و غير ارادة و تأتلف بالشياطين و تستأنس بهم شيئاً بعد شيء و لذا قال الله عزوجل انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئاً الا باذن الله فاذا ناجيتم في قلوبکم بالباطل يحزن العقل و يتأذي به و يکسل شيئاً بعد شيء و ربما ييأس عنکم و يعرض عنکم و اذا اعرض عنکم نزل عليکم العذاب.

قوله ان‌تحبط اعمالکم اي اعمالکم التي اطعتم فيها العقل احياناً کما ان الانسان اذا واجه الشمس الف سنة استنار طول تلک المدة ثم اذا اعرض عن الشمس ساعة يظلم وجهه و يحبط عنه النور و انتم لاتشعرون ان هذا الحبط من جهة اعراضکم عن شمس العقل فاظلم وجوهکم و اسودت فانکم من حيث

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 139 *»

انفسکم لا نور لکم کما قال عزوجل من لم‌يجعل الله له نوراً فما له من نور و قال ما اصابک من حسنة فمن الله و ما اصابک من سيئة فمن نفسک.

الباطن: اعلم ان صوت النبي9 و اثره المتصل المعبر عن ضميره و مکنون سرّه هو علي و آله: اذ هم المعبرون عن مکنون سر النبي9 و المترجمون عن مراداته و الشارحون لشرايعه لرعيته و بهم اخبر النبي9 رعيته عما في ضميره و لولاهم لم‌يفهم احد دينه و شرعه و اسراره و قد قال الله سبحانه و جعلنا لهم لسان صدق علياً و المراد باللسان الکلام لا اللحم و کما ان علياً و آله: صوت النبي صلي‌الله‌عليه کان للمخاطبين و هم رؤساء الضلالة اصوات و هم اعوانهم و انصارهم الذين سلّطوهم علي آل‌محمد: و رفعوهم عليهم و اخفوا بذلک مقدار آل‌محمد: بزعمهم و ارادوا بذلک ادحاض حجتهم و بهم نشروا کفرهم و ضلالتهم و اخبروا عن ضمايرهم و هم مع ذلک اصوات الشيطان التي اخبر عنها سبحانه في کتابه في الباطن فقال و استفزز من استطعت منهم بصوتک و اولئک الرؤساء هم صوته الذي به استفز ضعفاء‌ المنافقين المصغين اليهم و الرؤساء هياکل الشيطان و اولاده فان الشيطان الباطن شارک آباء اولئک الرؤساء في الاموال و الاولاد فهم في الظاهر اولاد الشيطان الباطن و ان کان الشيطان الباطن من ظل هؤلاء الرؤساء في الحقيقة فانه کان من الجن و الجن مخلوق من ظل شيطان الانس فاولئک الاعوان اصوات الشيطان الذين بهم استفزوا شيعتهم و اتباعهم فنهاهم الله جل و عز ان‌يرفعوا درجة اصواتهم علي صوت النبي9 فيغصبوا حقوقهم و خلافتهم و ما خصهم الله به من الخلافة.

و لک ان‌تقول من ذلک ان لاترفعوا اصواتکم في سقيفة بني‌ساعدة و في مسجد رسول‌الله9 و في ملکه بغصب خلافة وصيه الذي اخبر بها النبي يوم غدير خم و خاطبکم و ناداکم و اخبرکم انه مولي کل مؤمن و مؤمنة و بانکار فضائله و فضائل اولاده و فضائل شيعتهم التي ملأ بها الآفاق و اعلنها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 140 *»

في جميع الانادي و الاوقات حتي لايبقي لذي مقال مقال و هم رفعوا اصواتهم بغصب الخلافة فوق صوته فاخفوا احکامه في ذلک اليوم بنصب علي7 و اظهروا اصواتهم و اجمعوا علي غصب الخلافة و انکار فضائلهم علي رؤس المنابر و سبهم و لعنهم و الوقيعة فيهم بما امکنهم.

قوله و لاتجهروا له بالقول بالافتراء عليه بان‌تقولوا انه قال نحن معاشر الانبياء لانورث و بان‌تفتروا عليه بالاحاديث الکاذبة في فضائلکم لتقولکم عليه انه قال اقتدوا بالذين من بعدي ابي‌بکر و عمر او ابوبکر و عمر سيدا کهول اهل الجنة او تقولوا في دينه و شرعه بآرائکم و اهوائکم و اجتهاداتکم و اقيستکم و استحساناتکم و اصولکم الموضوعة التي ماانزل الله بها من سلطان او تسعوا في انکار فضائل اوصيائه و شيعتهم و تکتبون بذلک الکتب و تستدلون بالشبهات الکاذبة علي نفي ما خصهم الله من الفضائل و الکمالات عنهم فان کل ذلک جهر له بالقول کجهر بعضکم لبعض بل من ذلک جميع المنکرات التي تقولونه في حيوته و بعد موته فانه يعرض علي النبي اقوالکم و اعمالکم و احوالکم و يظهر له جميع ظواهرکم و بواطنکم و کل ذلک جهر له بالقول کجهر بعضکم لبعض اي کما انکم لستم تستحيون من اظهار جميع ذلک عند شياطينکم فلاتکونوا کذلک بالنسبة اليه و استحيوا من رسول‌الله9 فانه يطلع علي ذلک و لاتخفي عليه خافية في السموات و الارض.

و قوله ان‌تحبط اعمالکم بواسطة هذه الترفع المنبئ عن کفرکم و اجهار ما لاينبغي من اقوالکم و اعمالکم المخبرة عن نفاقکم و شقاقکم و ذلک سبب حبط اعمالکم و انتم لاتشعرون لانکم رؤساء الجهالة الغافلون عن الله و آياته العمي عن رؤية انوار عظمته و جلاله الصم عن سماع ما امرکم و نهاکم و بين لکم من کتاب الله و آياته و حکمه و علومه و فضايل اوصيائه و مواليهم فلاتشعرون ان ذلک سبب حبط اعمالکم و کذلک انتم منهمکون في الدنيا و قد تجسد عقولکم و انفسکم برکونکم الي الدنيا و انهماککم فيها فبذلک قد مات عقولکم و نفوسکم و ارواحکم و دفنت في اجسادکم فانتم اموات غير احياء و ماتشعرون ايان تبعثون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 141 *»

و ما تشعرون الحق ابداً فلاتشعرون ان تلک الاقوال و الاعمال تحبط اعمالکم.

ان الذين يغضون اصواتهم عند رسول‌الله اولئک الذين امتحن الله قلوبهم للتقوی لهم مغفرة و اجر عظيم.

الظاهر: ثم مدح الله سبحانه المؤمنين و ابان عن ادبهم و حسن اعمالهم في الدنيا و فضلهم في الآخرة فقال ان الذين يغضون اي يخفضون اصواتهم ينزلونها عن الرّفع و يصغرونها مأخوذ «من غض فلان فلاناً و منه» اذا صغره و نقص من قدره عند رسول‌الله في مجلسه و محضره او في مماته و هم يعلمون انه صاحب المرآي و المسمع يعرض عليه جميع اقوال رعيته و اعمالهم في حيوته و بعد موته و لذا قال عزوجل و اغضض من صوتک ان انکر الاصوات لصوت الحمير مطلقاً اينما کنت اولئک الذين امتحن الله قلوبهم للتقوي اي خلص قلوبهم للتقوي و طهرها عن کل غلّ و غش حتي‌يسکن فيها التقوي او کائناً لظهور تقويهم او لان‌يتقوا کما يحب الله مأخوذ من امتحان الذهب بالنار اذا اذيب حتي يذهب غشه و يبقي خالصه او شرح الله قلوبهم و وسعها لان‌يتقوا او لاجل التقوي الذي کان لهم و اتصفوا بها او اختبر الله قلوبهم و فتنهم بتکليفهم باوامره و نواهيه ليعلم الله طهارة قلوبهم علم وجود بعد ان کان يعلم علم سيوجد و هذا العلم هو العلم الحادث في مواقع وجوده و مظاهر شهوده المکتوب في اللوح کما قال علمها عند ربي في کتاب و کما قال ام حسبتم ان‌تترکوا و لمايعلم الله الذين جاهدوا منکم و يعلم الصابرين و قال احسب الناس ان‌يترکوا ان‌يقولوا آمنا و هم لايفتنون، و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الکاذبين فاختبر الله قلوب اولئک المؤمنين حتي‌يظهر تقويهم من الله في عرصة الوجود و يکتب في الالواح اذ لايظهر تقوي المتقي الا ان‌يؤمر و ينهي و يکلف و المراد بهؤلاء علي و آله: و شيعتهم و محبيهم و مواليهم فانهم الذين خلصوا علي الامتحان و الاختبار لاسواهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 142 *»

فانهم الفرقة الناجية من جميع اهل الارض فعن النبي9 يا معشر قريش لتنتهوا او ليبعثن عليکم من يضرب رقابکم علي الدين قد امتحن الله قلبه علي الايمان قالوا من هو يا رسول‌الله قال هو خاصف النعل و کان اعطي علياً نعله يخصفها و عن علي7 ليس من عبد امتحن الله قلبه بالايمان الا اصبح يجد مودتنا علي قلبه الخبر.

قوله لهم مغفرة و اجر عظيم اي کما ان رفع الصوت علي صوت النبي9 و الجهر له بالقول سبب حبط الاعمال کذلک غض الصوت علي ما شرحنا من تصغير جميع الاقوال و الافعال و الاحوال لدي النبي9 المنبئ عن تعظيمه الذي هو اصل کل خير المخبر عن الطاعة و الاقتداء و الائتمام به سبب حبط السيئات عنهم المعبر عنه بالمغفرة فلهم مغفرة و ستر لذنوبهم و يبدل الله سيئاتهم حسنات و لهم اجر عظيم فتصغير الصوت عنده هو العمل بجميع الاعمال الصالحة کما قال وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات منهم مغفرة و اجراً عظيماً فعن النبي9 في حديث ما حاصله انه يقال للسابقين الاولين من المهاجرين و الانصار ان ربکم يقول ان لکم عندي مغفرة و اجراً عظيماً يعني الجنة الخبر و التنکير في المغفرة و الاجر للتعظيم.

التأويل: المراد بـالذين يغضون اصواتهم عند رسول‌الله هو النفوس المطمئنة الراجعة الي ربها راضية مرضية الداخلة في عباد الله الذين يمشون علي الارض هوناً الآيات فتلک النفوس قد غضت و اخفت و نقصت قدر آثارها و اعمالها و افعالها و احوالها عند العقل الذي هو الرسول الباطن فسعدت بذلک لان الداني اذا اخفي نفسه و اظهر العالي و فقد وجوده و وجد العالي و سکت عن نفسه و نطق بالعالي و ترک من نفسه و فعل بالعالي و عمي من نفسه و ابصر العالي صار مرآة العالي المفقودة من نفسها الموجودة بالعالي فلم‌ير فيه الا العالي و لم‌يشعر من مشاعره الا العالي و لم‌يفعل من ادواته الا العالي و لم‌ينطق من لسانه الا العالي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 143 *»

اذ لايري فيه و منه الا العالي فاعطاه اسمه و حده و جعل قوله قوله و فعله فعله و جميع ما يضاف اليه مضافاً اليه فاذا بلغ هذا المبلغ صار خليفة للعالي في الدنيا و صار وجهه و عينه و اذنه و يده و لسانه الآمر بامره الناهي بنهيه لايعصي العالي ما امره و يفعل ما يؤمر فيسعد بذلک لانه يدوم بدوام العالي و يهيمن بهيمنة العالي و يستولي باستيلائه و يحکم بحکمه و اما اذا آثر هواه علي هوي العالي و رأي نفسه و عمي عن العالي و اظهر نفسه و اخفي العالي و حکي عن نفسه و صمت عن العالي فهو کالطابوق غير المريء ما يقابله و ما وراءه فيکون محروماً عن جميع کمالات العالي و لا کمال الا للعالي و ذلک قوله عزوجل ما اصابک من حسنة فمن الله و ما اصابک من سيئة فمن نفسک و لاجل ان الغاضة اصواتهم عند العقل کما وصفنا خلص الله قلوبهم للتقوي عن تلک الظلمات اي تلک الاعمال التي عملوها لها جهتان جهة اليها هي بها اعمالهم تنسب اليهم و هم العاملون بها و جهة الي ربها فهي فعل الله بهم و منحة من الله عليهم کما قال عزوجل يهديهم ربهم بايمانهم فايمانهم من حيث انفسهم فعلهم و من حيث الرب هداية الرب و فعل الرب بهم فالله عزوجل بغضها اصواتها امتحن قلوبها و خلصها و صفاها لاظهار تقويها او لاجل تقويها الذي هو الحذر عن رفع اصواتها کما ان المعصية ايضاً لها جهتان جهة الي نفس العبد بها تکون عملها و عصيانها و جهة الي ربها و هي لعن الله و خذلانه و عذابه لها قال عز من قائل بکفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية و قال سيجزيهم وصفهم و قال و ماتجزون الا ما کنتم تعملون فلاجل ذلک اثبت الله لهم مغفرة و اجراً عظيماً و ايّ مغفرة اوسع من غشيان نور العقل ظلمة‌ النفس و سلخ الظلمة باعدامها و بدو النور باستيلائه علي اطراف وجودها و اي اجر اعظم من البقاء بابقاء العالي و التنعم بانعام العالي و الاستيلاء بتولية العالي و رؤية العالي و الاغضاء عن ماسواه و لذلک قال الله سبحانه لها بعد ذلک فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي فکانت في الاول نفساً امارة بالسوء فتدرجت في الدرجات فکانت ملهمة فلوامة فمطمئنة فراجعة الي ربها الذي هو العقل فراضية‌ بصفاته و اوامره

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 144 *»

و نواهيه فمرضية محبوبة للعقل مؤثرة هواه علي هواها فداخلة في عباد الله لقوله فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزکوة فاخوانکم في الدين فداخلة في جنان القرب و دار السلام فذلک هو الاجر العظيم اذ صارت مظهر عظمة العظيم و ذلک قليل من کثير تأويلها.

الباطن: المراد بـالذين يغضون اصواتهم عند رسول‌الله9 بالاصالة هو علي و آله: فانهم الذين افنوا انفسهم عند سطوع نور رسول‌الله9 فلم‌يکونوا الا له و به و لم‌يکونوا لانفسهم بوجه من الوجوه فلم‌يکن لهم قول الا قوله و لافعل الا فعله و لاصفة الا صفته بل و لاوجود الا وجوده و لاظهور الا ظهوره و لذلک جعلهم الله نفس الرسول9 في آية انفسنا و انفسکم و خاطبهم و قال لقد جاءکم رسول من انفسکم عزيز و بالتبع هو الشيعة المتبعون لهم المشايعون لهم اذ هم الغاضون اصواتهم عند رسول‌الله فلم‌يرفعوا صوتاً بنصب خليفة علي صوته بنصب علي7 و لا بالفتوي برأي و لاهوي و لاعقل و لاقياس و لا استحسان و لا اجتهاد ظنون علي صوته بتلاوة کتاب الله و بيان سنته فاخذوا دينهم عن نطقه بالسمع و الطاعة‌ و لايجهرون له بالقول بالفتوي بما لم‌يقل في کتابه و سنته و بالاعمال و الاقوال کما يجهر بعضهم لبعض اولئک الذين امتحن الله قلوبهم للتقوي و التقوي هي محمد9 کما روي في قوله هو اهل التقوي ان التقوي محمد و صار هو التقوي لانه هو اصل التقوي و اصل کل خير و لاتقوي لذي‌تقوي الا باتباعه و لاتقوي لاحد الا بالحذر عما حذّر و صار هو التقوي لاشتعال زيت قابليته بالتقوي من الله حتي سمي بالتقوي کما يسمي الشعلة بالنار فالله سبحانه خلّص قلوب آل‌محمد: و شيعتهم لاجل محمد9 و لاجل تجلي انواره و ظهور علمه و عظمته و کبريائه و لاعانته و نصرته و نشر دينه و علمه او المراد بالتقوي هو الحذر عن اعداء الله و البرائة منهم و الحذر عن موالاتهم و الرکون اليهم الذي هو اصل کل شرّ و عصيان يجب ان‌يتقي منه و جميع المعاصي تفاصيل تولي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 145 *»

اعداء الله لاغير فالتقوي من کل معصية هو التقوي من شأن من شؤن ولاية اعداء الله فالله سبحانه امتحن قلوب آل‌محمد: و شيعتهم لاجل الحذر عن ولاية اعداء الله لهم مغفرة و هو ولاية محمد9 و الايواء الي ظله و تحت لوائه و صار المغفرة محمد9 فانه هو ستر الله علي العباد و نوره يغشي ظلمات نفوس جميع الخلق و هو شفيع المذنبين يشرق نوره عليهم فيذهب ظلمات معاصيهم عنهم و اجر عظيم هو ولاية علي7 و الايواء تحت ظله و الدخول تحت جناح ولايته و ايّ اجر اعظم من ان‌يمنح الله عبداً نور ولاية علي7 و يجعله من شيعته و شعاعه و فاضل طينته و هو اصل کل اجر و حقيقة کل اجر و لا اجر في الجنة اعظم من ان‌يجعل العبد بنفسه نور علي7 اذا کان جميع الجنة خلقت من نور الحسين7 کما روي فاذا کان نعيم الجنة اجراً فالاجر العظيم ان‌يجعل الله العبد بنفسه نور آل‌محمد: فالله عزوجل يجعل لشيعة آل‌محمد: عقلاً من شعاع محمد9 و هو المغفرة لان به يعبد الرحمن و يکتسب الجنان و نفساً هي من شعاع آل‌محمد: و هي الاجر العظيم و النفس مقام العظمة و العقل مقام العلو کما شرحناه في اسرار ذکر الرکوع و السجود و اما اذا اخذت الآية في آل‌محمد: فـامتحن الله قلوبهم لمحمد9 فجعلها مخزن علمه و بيت نبوته و باب علمه و مظهر نوره و عظمته و جلاله و کبريائه و وکر مشيته و ارادته لهم مغفرة بمعرفتهم بالله التي هي سبب الاتصال التام بمبدئهم و الانقطاع عماسواه و استتر جميع انياتهم عند تشعشع نور جماله فکانوا لله بکلهم و هي المغفرة‌ التامة في القدسي لا اله الا الله حصني من دخل حصني امن من عذابي اي اللازم للنظر الي الکثرات و اجر عظيم اذ جعلهم متحداً مع محمد9 و اذا کان جميع الاجور من شعاع نوره فاذا جعل الله عبداً متصلاً بمحمد9 متحداً به فهو الواصل الي الاجر العظيم الذي لااعظم منه اذ هو المخلوق من نور عظمة‌ الله جل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 146 *»

جلاله کما في الاخبار و هذا في لحاظ و نظر. و في نظر آخر المغفرة هو علي7 اذ بولايته تغفر الذنوب و حبه حسنة لاتضر معها سيئة و شيعته مغفور لهم کما خاطبهم و قال يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً و هي مخصوصة بهم و الاجر العظيم هو رسول‌الله9 اذ لاشيء اعظم منه و لا اجر اعظم من نوره و کذلک في حقهم.

لک ان‌تقول ان المغفرة هي الاتحاد مع نور محمد9 و الاجر العظيم هو التوحيد علي ما عرفت ان العمل و الصفة هي الجزاء و الاجر ان خيراً فخيراً و ان شراً فشراً فالتوحيد کما انه افضل الاعمال کذلک هو افضل الجزاء و ايّ جزاء اعظم من ان‌يجعل الله الانسان آية توحيده و مقام تفريده و کينونته قبل مواقع صفات تمکين التکوين و کلا النظرين حقيقيان واقعيان يجب الاعتقاد بهما فافهم و ذلک قليل من کثير باطنها.

ان الذين ينادونک من وراء الحجرات اکثرهم لايعقلون و لو انهم صبروا حتی‌تخرج اليهم لکان خيراً لهم و الله غفور رحيم.

القراءة: قرأ ابوجعفر الحجرات بفتح الجيم و الباقون بضمها و منهم من سکن الجيم فالذي فتح استثقل توالي الضمتين و بالفتح و الضم جمع «حجرة» وزان «غرفة»‌ الفعلة بمعني المفعول فالحجرة بمعني المحجور عليها بحائط و لذلک يقال لحظيرة الابل «الحجرة» و من سکنها اخذها جمع الحجرة ايضاً و قيل هي جمع الجمع فالحجرات جمع «حجر» و هو جمع «حجرة» کغرفات جمع «غرف» و هو جمع «غرفة».

الظاهر: اي ان الذين يأتونک و انت في الحجرات عند نسوانک و في خلواتک او راقد او مستريح من تعب المعاشرة فيقفون وراء الحيطان و ينادونک و يدعونک باسمک اکثرهم لايعقلون و في قوله من وراء اشعار بان المنادون(المنادين ظ) خارجون و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 147 *»

المنادي المدعو داخل الحجرة قيل نزلت في طائفة من بني‌تميم جاؤا الي النبي9 فلما دخلوا المسجد نادوا رسول‌الله9 من وراء الحجرات ان‌اخرج الينا يا محمد اکثرهم لايعقلون ان ذلک سوء ادب و خلاف توقير بالنسبة اليک و التوقير ان‌يصبروا حتي‌تخرج اليهم بارادتک فاذا خرجت سألوک عما يحتاجون اليه و قال اکثرهم لايعقلون يعني يفعلون ذلک من جفاهم الطبيعي و حمقهم و قلة‌ شعورهم و خفة احلامهم کالبهائم و من يعقل منهم و يفعل فذلک من باب الاستخفاف و الکفر و قد استدل بعض اهل الافرنج بهذه الآيات و امثالها علي ان محمداً9 کان طالباً للرياسة کالسلاطين اذ يقبح من الرجل المعرض عن الدنيا ان‌يأمر اتباعه بتوقيره و تعظيمه و انما المرضي منه ان‌يکون خاضعاً خاشعاً و نجيب عن ذلک انه اذا اراد الله بذلک توقير نبيه و تعليم الذين لايعرفون الادب و التوقير لجفاهم و جهلهم الانسانية و لامعبر عنه الا ذلک النبي لايمکن الا ان‌ينزل علي ذلک النبي و يعلمهم بلسانه و لولا ذلک کان اللازم اما ان‌يکلمهم الله و يجعلهم انبياءاً يأخذون عنه بلاواسطة او يدعهم في جهلهم و جفاهم فلايتعلمون الادب ابداً و الله سبحانه خلقهم و انزل اليهم الکتاب و ارسل اليهم الرسل ليتأدبوا و يتعلموا الانسانية فلاسبيل الي تعليمهم الا علي لسان النبي کما قال و ما کان لبشر ان‌يکلمه الله الا وحياً او من وراء حجاب او يرسل رسولاً فيوحي باذنه ما يشاء و قال ما کان علي النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل و کان امر الله قدراً مقدوراً، الذين يبلغون رسالات الله و لايخشون احداً الا الله و کفي بالله حسيباً. و الواجب عليه ابلاغ ما يوحي اليه و لامعبر عن الله الا هو فتبين ان ذلک من جهلهم بمعني الرسالة و النبوة و سياسة‌ العباد.

و قوله و لو انهم صبروا و لم‌ينادوک حتي‌تخرج اليهم علي حسب ارادتک و في اي وقت تري صلاحهم لکان خيراٌ لهم و اقرب الي ادبهم و انسانيتهم و انفع لهم حيث لم‌يؤذوک و لم‌يحبط اعمالهم و لم‌ينزل عليهم اللعنة و لم‌يستحقوا العذاب الاليم و الله غفور رحيم و هذه بشارة لهم حيث وصفهم بعدم العقل و انما

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 148 *»

الاعتبار بالعقل و انما يؤاخذ الانسان علي حسب عقله و قد قال الله له اياک آمر و اياک انهي و اياک اثيب و اياک اعاقب فلما وصفهم بعدم العقل رحمهم و قال و الله غفور رحيم لايؤاخذ الجهال ولکن بعد التعليم من عاد ينتقم الله منه فافهم.

التأويل: الاشياء علي ثلثة اقسام فکامل الروح ناقص الطبيعة و تام الروح تام الطبيعة و ناقص الروح کامل الطبيعة و الطبيعة هي حجاب الروح و بيته و حجرته و سميت الحجره حجرة لانه حجر ما فيها عن ان‌يراه غيره اي منع و الفعلة بمعني المفعول کالغرفة و القبضة و العقدة و امثالها فالحجرة اي المحجور عليه فالطبيعة حجرة الروح تمنع الخارج عن الوصول الي الروح و تستر الروح و تحجبه فمن کان من وراء حجرة الطبيعة لايکاد يصل الي الروح و طلب الروح من وراء الطبيعة من قلة الشعور و کذلک النفس حجرة العقل فمن دعا العقل و طلبه من وراء النفس لايکاد يجده و کذلک الجسد حجرة الروح فمن طلب الروح من وراء الجسد لايکاد يصل اليه اللهم الا ان‌تکون حجرة رقيقة لطيفة صافية بلورية لاتحجب السراج الذي فيها فتلک التي يطلب منها السراج کما قال الله عزوجل مثل نوره کمشکوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة کأنها کوکب درّي فعند ذلک يمکن ان‌يطلب الروح من الجسد و في الجسد و بالجسد و لاسبيل للخارج الا ذلک الجسد فمن طلبه منه هو الصابر حتي‌يخرج الروح اليه و هذا هو خروج الروح کما يخرج السراج من الزجاج و کذلک حال جميع الاسباب بالنسبة الي مشية الله فکل مشاء حجرة للمشية و مسکن لها فان کان حائطها غليظاً ساتراً لنور ما فيها من المشية يحجب المشية و لاتظهر منه آثارها و افعالها و ان کان رقيقاً صافياً شافاً حکاها و ظهر آثارها و افعالها منه فالواجب للطالب ان‌ينظر ما مطلبه و ما بابه و سبيله فليطلب ذلک الباب و ليستقبل ذلک الجناب فذلک دأب اولي الالباب و ذلک قوله عزوجل ليس البرّ بان‌تأتوا البيوت من ظهورها ولکن البرّ من اتقي و أتوا البيوت من ابوابها و الحجرة الغليظة هي الحجاب و الرقيقة هي الباب قال علي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 149 *»

تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله. و الله غفور رحيم لمن يفعل ذلک عن غفلة و عدم تنبه و ذلک سر عظيم اذ قدر الله عدم تضرر الجاهل عما يرتکبه بجهالة و قد روي ايما رجل رکب امراً بجهالة فلا شيء عليه و ذلک ان الجاهل بالشيء هو الذي لم‌يحصل عنده صورة ذلک الشيء التي هي ظله و اثره و اذ لم‌يحصل عنده صورته و اثره لم‌يصدق عليه انکاره و جحوده و الاعراض عنه فان الحاصل عنده عدمه و هو متأثر بعدمه معترف بما حصل له و هو الحق فهو آخذ بالحق معرض عن الباطل فلايلحقه اثر الاعراض عن الحق فان مثبت عدم المعدوم علي الحق کمثبت وجود الموجود فهو مقبل الي الحق معرض عن الباطل و يلحقه اجر الاقبال الي الحق و الاعراض عن الباطل و ما قال بعض الجهلة ان من شرب الخمر و هو لايعلم يسکر و ان الله لايؤاخذه به فالمرتکب للسوء بجهالة يلحقه اثره غير ان الله يغفر له خطاء محض فان الخمر ترد علي الطبيعة و الطبيعة تتنبه بها و تعلم بها طبعاً فتتأثر و تسکر و اما الروح فغفلت عن الخمر و جهلت بها فلم‌تتأثر و لم‌تأثم و لاتؤخذ بها فلو ان الطبيعة لم‌تفهم بالخمر و لم‌تتنبه بتنبه طبيعي لم‌تسکر الا تري انه قد تشرب الطبيعة القوية او المتصفة بترياقية کاملة السم فلم‌تتنبه بالسم فلم‌يؤثر فيها و لايشاهد ذلک الا من شاهد اسرار الطبايع و کذلک الامر في عکس ذلک و هو اذا کان عند الشخص صورة شيء و هو عالم بها و ان کان کذباً و خطاءاً فاعرض عن ذلک العلم يلحقه مقتضاه فلو ان رجلا شرب خلاً و هو يعلمه خمراًً لحقه اثمه ولکن الطبع يعلمه خلاً فلايسکر و لو ان رجلاً قتل عدواً لله و هو يعلمه نبياً کفر البتة فافهم و لذلک کان الله عند ظن عبده ان خيراً فخيراً و ان شراً فشراً و هؤلاء لما طلبوا الغيب من وراء الظواهر الحاجرة الحاجبة عن جهل غفر الله لهم و رحمهم فلم‌يلحقهم نقص فنداء الرسول الباطن و ندبته و دعوته و الاستعانة به و الاستمداد منه من وراء حجرات الطبايع الظاهرة التي هي علي خلاف کينونة ذلک الرسول الباطن من سفه العقل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 150 *»

و لايکاد يصل المنادون اليه ابداً ابي الله ان‌يجري الاشياء ‌الا باسبابها ولکن الله يغفر لهم و يرحمهم لجهلهم و عدم معرفتهم بشأن ذلک النبي و عدم تنبههم و جعل الله هذا هکذا مغفرة منه و رحمة فافهم و هذا التأويل اصل اصيل و دليل کل سبيل فاغتنمه فانه کثير لاقليل.

الباطن: اعلم ان الامة تنقسم علي ثلاثة اقسام: فمنهم اصحاب الشمال منافقون کفار لايتصفون بصفات الله و لايتبعون امر رسول‌الله9 و هم يشاقون الله و رسوله فيما يحب الله. و منهم مؤمنون و اصحاب اليمين خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيئاً يتصفون بصفات الله و رسوله طوراً و يخالفونهما طوراً. و منهم السابقون و هم الرأس و الانف و العين فهم رؤساء الايمان و انف الهدي و عيناه تخلقوا باخلاق الله و اتصفوا بصفات الله غمضوا عن انفسهم و قصروا الطرف علي رسولهم و نطقوا به و سکتوا عن انفسهم و افنوا انفسهم و اظهروا رسولهم علي حذو قوله تعالي و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله بحيث صار مرآهم مرآه و مسمعهم مسمعه و قولهم قوله و فعلهم فعله و رؤيتهم رؤيته و يضاف اليهم ما يضاف اليه و ينفي عنهم ما ينفي عنه فحبهم حبه و بغضهم بغضه و القبول منهم قبول منه و الرد عليهم رد عليه ففي لحاظ ان آل‌محمد: من المرسل اليهم و من الامة فالمراد بالسابقين هو هم سلام‌الله‌عليهم و هم المقربون المعصومون الذين لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فهم بالنسبة الي النبي9 کالزجاجة بالنسبة الي السراج و الزجاجة کأنها کوکب دري لاستشراقها باشراق السراج فصاروا هداة و دعاة الي رشد النبي9. و اما اصحاب الشمال فهم الحجرات الساترة‌ المانعة الحاجبة لما فيها فلايحکون و لايروون شيئاً مما فيها و هم اعداء الدين و حلفاء الشياطين و مخربوا بنيان الشرع المبين ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لم‌يکد يريها و من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 151 *»

 لم‌يجعل الله له نوراً فما له من نور فطلاب رسول‌الله9 في الظاهر علي قسمين فمنهم من يناديه و يدعوه و يسأله من وراء الحجرات الحاجرة المانعة الحاجبة فلايکاد يراه منها ابداً و لايخرج اليه نوره و شرعه و علمه اليه ابداً و هم الذين اتخذوا عجل هذه الامة الهاً مطاعاً و ارادوا الوصول الي رسول‌الله9 بواسطة ذلک العجل مع انهم يرون انه لايرجع اليهم قولاً و لايهديهم سبيلاً و هم المباينون المشاقون لله و للرسول و يدعون الي انفسهم و ينهون عن الله و عن الرسول فاکثرهم لايعقلون و هم مستضعفوهم الذين هم اتباع کل ناعق يميلون مع کل ريح و اقلهم العقلاء المتعمدون الذين لايمکن خفاء الحق عليهم. و منهم من اتبع الزجاجات الصافية الذين هم اصفياء الله و الدعاة الي دين الله و الحکاة لرسول‌الله المعصومون عن مخالفة الله الهداة الي الله و هم الذين برز منهم رسول‌الله و تجلي منهم لرعيته و خرج منهم الي قومه فاتخذهم نفسه و روحه و بابه و قال انا مدينة العلم و علي بابها من اراد المدينة فليأتها من بابها فهؤلاء ‌اهل الادب و اهل الخير و اهل التوقير و اهل الانسانية و العقلاء العالمون المهتدون. و اما اصحاب اليمين فهم الصابرون المؤدبون الذين لم‌ينادوا من وراء‌ الحجرات الحاجرة و لم‌يقتدوا بمن عرفوا انه مظهر نفسه و مخفي ربه. و اما بلحاظ ان آل‌محمد سلام‌الله‌عليهم هم انفس الرسول متحدون معه في الروح و النفس و الطينة و هو هم و هم هو فهم الرسول کما روي اولنا محمد و اوسطنا محمد و آخرنا محمد و کلنا محمد و هم ذرية بعضهم من بعض و الطالبون ساير الناس فمن الناس من ينادي الرسول و يدعوه و يستعين به و يطلبه و يسأله من وراء الحجرات الحاجرة المانعة لنور الرسول9 المظهرة ‌نفسها المخفية ‌لربها الحاکية عن نفسها الصامتة عن ربها فجميع قوله انا قلت و انا رأيت و انا احب و انا فهمت کذا و انا آمر و انا انهي فلايدعو الا الي نفسه و ان نسبه الي النبي9 في ظاهر القول فانما ينسبه تلبيساً و ترويجاً لمذهبه فيتبع اولئک الذين لايعقلون مع ان الرسول واحد و هو حجة الله و بعيث

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 152 *»

الله و المعصوم المطهر الذي لايفتري علي الله و لايجوز متابعة من لم‌يرسله الله و لم‌يجعله معصوماً بل ضربه بالجهل و الخبط و العثار علي الباطل و النفار عن الحق و الاختلاف في الاقوال و الافعال و الاحوال اتماماً للحجة علي خلقه حتي لايقولوا جهلنا و ماعلمنا و ماعرفنا و من الناس من يطلب القري الظاهرة المشار اليها في قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي بارکنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياماً آمنين الذين هم من اکابر الشيعة المقتفين لآثارهم المتمسکين بانوارهم المخلوقين من فاضل طينتهم الفانين عند تجلي اشعتهم النافين لانفسهم المثبتين لساداتهم الصامتين عن انفسهم الناطقين بهم الذين منحوهم اسمهم و حدهم اذ وجدوهم من حيث انفسهم مفقودين و بهم موجودين و عما سواهم منقطعين و بهم متصلين لايفقدونهم حيث امروهم به و لايجدونهم حيث نهوهم عنه فاولئک کـالزجاجة کأنها کوکب دري يهتدي به في ظلم الليالي لايحجبون السراج فهم اليه منهاج و لشمس وجوده ابراج لايري فيهم الا نوره و لايسمع فيهم الا صوته فاولئک المتخذون عنهم المقبلون اليهم المتوجهون نحوهم المقتدون بهم الآخذون عنهم الراجعون اليهم هم الصابرون حتي‌يخرج الرسول اليهم و قد خرج في اولئک و تجلي ما هنالک فهم حجج الله في البلاد و خلفاء الله بين العباد و ادلاء يوم التناد و الدعاة الي الاشهاد عليهم جميعاً صلوات الله فاخذهم عنهم الذي هو صبرهم عن قبيح النداء من وراء الحجرات هو خير لهم اي ولاية لمحمد و آل‌محمد فيصيرون بذلک موالياً لمحمد و آل‌محمد لما روي نحن اصل کل خير و من فروعنا کل بر فهم حقيقة الخير و اهل الخير هم الاولياء لآل‌محمد: فهو ولاية و عمل بمقتضي الولاية فالتمسک بهم خير اي ولاية و الله غفور رحيم اي غفور لاولئک الجهلة رحيم بهم لايؤاخذهم لمکان جهلهم فغفوريته تظهر في محمد9 الشفيع للمذنبين الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و هو ابو هذه الامة و منه موادهم و وجوداتهم و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 153 *»

انوارهم الساترة لماهياتهم المذهبة لظلماتها و رحيميته تظهر في علي7 فانه کتب علي نفسه الرحمة و هو نفس الله القائمة فيه بالسنن کما في الزيارة و هو رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و روي المؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة و انت تعلم الخبر المستفيض انا و علي ابوا هذه الامة فاب المؤمن النور و هو رسول‌الله9 و هو الساتر لظلمات ماهياتهم بشفاعته و بالاخذ بشرعه و نوره يغفر لهم و ام المؤمن هي الرحمة و علي7 الذي هو نفس النبي و قد قال الله عزوجل خلق لکم من انفسکم ازواجاً و قال و ازواجه امهاتهم فام المؤمن الرحمة و هذه الرحمة هي الرحمة الرحيمية المخصوصة بالمؤمنين في الدنيا و الآخرة و الرحمة باطن هذه الام و العذاب ظاهرها فانها الباب الذي باطنه فيه الرحمة اي الداخل في ولايته و ظاهره من قبله العذاب اي الخارج عن ولايته. فقوله و الله غفور رحيم يعنی يحسب ذلک الجاهل من اولاد محمد و علي لانه يکون مادته من نور محمد و صورته من نور علي فانه لم‌يعص الله اذ لم‌يفهم و لم‌يعقل و في مقامه و حدّه آخذ بما عرف تارک لما جهل عامل بالحق کما بينا في التأويل معرض عن الباطل فالله لهم غفور رحيم بمحمد و علي سلام‌الله‌عليهما و ان کانوا في ادني الدرجات لجهلهم و نقصانهم فافهم.

ياايها الذين آمنوا ان جاءکم فاسق بنبأ فتبينوا ان‌تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا علي ما فعلتم نادمين.

القراءة: المروي عن الصادق7 و في نسخة عن الباقر7 «فتثبتوا» من التثبت و هو قراءة حمزة و الکسائي اي تأنوا و توقفوا عن المضي في مقتضاه و تخلقوا بالثبات.

الظاهر: ثم خاطب المؤمنين ليدرکوا لذة الخطاب و يتوجهوا الي ما يأمرهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 154 *»

به و ليشير الي ان ما يأمرهم به من شروط الايمان و حدوده و ليعلموا ان ما يأمرهم به من غاية الرأفة و الرحمة فانه بالمؤمنين رؤف رحيم و يشهد بذلک انه لم‌يرض بندمهم علي فعلهم ان جاءکم فاسق اي کاذب معروف بالکذب فانه لايوصف رجل بصفة حتي تعرف منه و يوجد فيه تلک الصفة بالفعل و مرادي من قولي بالفعل ان يکون فيه الصفة ظاهرة خارجاً حين التوصيف او تکون قد ظهرت منه حيناً ما و لم‌يندم عليها و لم‌يتب و لم‌يعرض عنها و لم‌يزلها عن نفسه ضرورة ان الصفة لاتثبت حتي‌تظهر في الخارج و لو مرة فاذا ثبتت للنفس اتصفت بها و ان لم‌تکن في الخارج حين التوصيف فالکاتب هو اعم من ان‌يکون کاتباً حين القول او ثابتة له الکتابة في نفسه لم‌يترکها ولم‌ينسها فما اختلفوا فيه من انه هل يشترط في صدق المشتق وجود المبدء ام لا؟ اختلاف عن غفلة منهم فان قلنا يشترط فهو حق و مرادنا اعم من ان‌يکون في الظاهر او في النفس و ان قلنا لايتشرط فمرادنا انه لايشترط وجوده في الخارج حين التوصيف فالانسان ناطق و ان لم‌ينطق بالفعل خارجاً و الفاسق فاسق و ان لم‌يفسق بالفعل خارجاً مع انا نقول لو لم‌يکن الرجل متصفاً بصفة لايوصف بالمشتق منها البتة و بذلک يرتفع الاختلاف و عليه جري الکتاب و السنة و فسرنا الفاسق بالکاذب لما روي عن الصادق7 في معني قوله تعالي فلارفث و لافسوق و لاجدال في الحج ان الفسوق ان الفسوق الکذب، أ لاتسمع قول الله (ياايها الذين آمنوا ان جاءکم فاسق بنبأ فتبينوا) الخبر و في المعيار «الفسق» کجسم الترک لامر الله تعالي و العصيان و الخروج عن طريق الحق و الطاعة و الفجور کالفسوق ولکن تفسير الصادق7 الفسوق بالکذب و استدلاله بالآية يعطي ان المانع من قبول الخبر المعروفية بالکذب و اما الصادق المعروف بالصدق فليس يدخل في المنع و ان کان في ساير جوارحه تارکاً لامر الله تعالي و عاصياً فاجراً خارجاً عن طريق الحق و الطاعة کما روي في احاديث متواترة جواز الاخذ بخبر الصادق و من تثق بخبره و رويناها في کتابنا فصل الخطاب و قال الله جل و عز اتقوا الله و کونوا مع الصادقين و قال و من اظلم ممن کذب علي الله و کذب بالصدق اذ جاءه فالمعول في الخبر و قبوله علي الوثاقة و الايتمان فمن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 155 *»

ائتمنته علي خبره يقبل خبره و لو کان کافراً مشرکاً و بذلک يشهد الاخبار العديدة المتواترة.

قوله عزوجل بنبأ اي بخبر من الاخبار ايّ خبر کان سواء کان في الدين او الدنيا و سواء کان عن معصوم او غير معصوم و تنوينه يفيد العموم فلايقبل خبر الکاذب من غير تثبت ايّ خبر کان و ليس التنوين للتعظيم کما قيل فان الخبر العظيم و الحقير مشترکان في عدم القبول من الکاذب.

قوله عزوجل فتبينوا اي اطلبوا البيان و الوضوح و علي قراءة «فتثبتوا» اي اطلبوا الثبات و الوقوف حتي‌يتبين لکم الامر و لم‌يحکم بعدم قبول خبر الکاذب مطلقاً و انما امر بالتبين و طلب وضوح الامر بالقراين فان جاءت القراين علي صدقه يقبل فان المدار علي الصدق و خبر الکاذب مع قراين الصدق کخبر صادق فان الکذوب قديصدق و ان جاءت القرائن علي کذبه او لم‌تجئ قرينة لايقبل.

قوله عزوجل ان‌تصيبوا قوماً بجهالة يعني امرتکم بهذا کراهة ان‌تصيبوا قوماً بمکروه يقتضيه خبر الفاسق عن جهالة بالواقع و اعتماد علي خبر الفاسق و عمل به فتصبحوا اي تصيروا علي ما فعلتم نادمين کارهين لما فعلتم متمنين ليتکم لم‌تفعلوه و في قوله تعالي بجهالة اشارة الي ان الاخذ بخبر الفاسق جهل و الاخذ بخبر الصادق علم و خبره يفيد العلم فالعاملون باخبار الثقات عاملون بالعلم و الآخذون باخبار الفسقه آخذون بالجهل عاملون به و بذلک يشهد اخبار مستفيضة رويناها في کتابنا فصل الخطاب و انما خصّ علة النهي باصابة القوم لان الآية نزلت في وليد بن عقبة کما روي ان الحسين7 قال لوليد في مکالمة و ما انت يا وليد بن عقبة فوالله ما الومک ان‌تبغض علياً و قد جلدک في الخمر ثمانين و قتل اباک صبراً بيده يوم بدر ام کيف تسبه فقد سماه الله مؤمناً في عشر آيات من القرآن و سماک فاسقاً و هو قول الله عزوجل (أفمن کان مؤمناً کمن کان فاسقاً) و قوله (ان جاءکم فاسق بنبأ فتبينوا) الآية الخبر و کان من قصته علي ما حکي ان النبي9 بعث وليد بن عقبة مصدقاً الي بني المصطلق و المروي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 156 *»

عن ابي‌جعفر7 الي بني‌خزيمة و کان بينه و بينهم احنة فلما سمعوا به استقبلوه فحسبهم مقاتليه فرجع و قال لرسول‌الله9 قد ارتدوا و منعوا الزکوة فهمّ بقتلهم فنزلت و بعث اليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلوة متهجدين فسلموا اليه الصدقات فرجع انتهي و هذا في ظاهر الامر. و اما في الباطن فنزلت في عايشة حين رمت مارية القبطية و امر النبي9 علياً بقتل جريح القبطي الذي افترت عليه عايشة کما اخبر ابوجعفر7 زرارة فقال زرارة ان العامة يقولون نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن ابي‌معيط حين جاء الي النبي9 فاخبره عن بني‌خزيمة انهم کفروا بعد اسلامهم فقال7 يا زرارة ا و ما علمت انه ليس من القرآن الآية لا و لها ظهر و بطن فهذا الذي في ايدي الناس ظهرها و الذي حدثتک به بطنها انتهي و المراد بالبطن هنا ما خفي علي العامة و في قصة وليد و قصة جريح اشکال و هو ان النبي9 کان عالماً بواقع امر بني‌خزيمة و جريح ام لا؟ فان کان عالماً لم امر بقتلهم و ان کان جاهلاً ينافي مقامه و علمه بما کان و يکشف عن الجواب عن ذلک ما قيل لابي‌عبدالله7 جعلت فداک کان رسول‌الله9 امر بقتل القبطي و قدعلم انها کذبت عليه او لم‌يعلم و انما دفع الله عن القبطي القتل بتثبت علي7 فقال بل کان والله علم و لو کانت عزيمة من رسول‌الله9 ماانصرف علي7 حتي‌يقتله ولکن انما فعل رسول‌الله9 لترجع عن ذنبها فمارجعت و لااشتدت عليها قتل رجل مسلم بکذبها انتهي. ففي الحقيقة امر رسول‌الله9 علياً بقتل جريح ظاهراً و امره بالتثبت ليفتضح عايشة و يعلم الناس انها لاتبالي بقتل رجل مسلم فلايظنوا بها خيراً مع ان علياً7 حين قال له رسول‌الله9 يا علي خذ هذا السيف فان وجدته عندها فاضرب عنقه قال يا رسول‌الله اذا بعثتني بالامر اکون کالسفود المحمي في الوبر او اثبت قال بل ثبت فلم‌يکن من رسول‌الله9 عزيمة و کذلک في حکاية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 157 *»

وليد بن عقبة فهمّ بقتلهم ليظهر للناس کذب الوليد و عدم مبالاته بقتل طائفة من المسلمين و لئلايظن بعض الجهلة تهاونه في حدود الله. بالجملة‌ لما کان سبب نزول الآية في الظاهر قصة بني‌خزيمة و في الباطن قصة عايشة انزل الله عزوجل ان‌تصيبوا قوماً بجهالة ولکن لاينافي خصوص المنزل عموم النازل و کون خصوص فرد علة‌ للنهي عن مجموع الافراد کما يشهد به قول الصادق7 للمنصور لاتقبل في ذوي رحمک و اهل الرعاية من اهل بيتک قول الاعرابيين و قد قال الله (ياايها الذين آمنوا ان جاءکم فاسق) الآية و يشهد بذلک العموم عموم الخطاب في قوله ياايها الذين آمنوا و عموم فاسق و عموم بنبأ و ان کان اصابة القوم بجهالة علة للنهي علي سبيل العموم کما ينهي عن البول في الثقب لئلايخرج منها دابة فتؤذيک مع انها ليست في الجميع و امر بالجهر في الليلية لان‌يعلم المار ان هيهنا جماعة و امر بغسل الجمعه لريح الآباط و امثال ذلک في الشرع کثيرة. بالجملة امر الله المؤمنين في تينک الواقعتين ان لايصدقوا وليداً و عايشة بمحض قولهم و في کلية الامور ان لايصدقوا فاسقاً في خبره عن الله و عن رسوله و عن حججه: و عن ساير وقايع العالم حتي‌يتبينوا و يستوضحوا الامر بطلب الشواهد و القراين و علامات الصدق و الکذب و لايعملوا بمقتضاه فان خبر الفاسق لايفيد علماً و لا عملاً من حيث نفسه الا بعد قيام القراين علي صدقه و اذا قامت القرائن فالعلم و العمل حاصلان منها لا منه.

التأويل: اعلم ان تأويل «الراوي» هو کل واسطة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 158 *»

بينک و بين ما غاب عنک فانک لو شاهدت المروي عنه لم‌تحتج الي الراوي عنه و تأويل «النبأ» هو اثر المروي عنه و الراوي الواسطة ان کان علي الوضع الالهي فهو الصادق و ان کان علي خلاف الوضع الالهي فهو الکاذب الفاسق لقول علي7 الصدق جري اللسان علي الوضع الالهي و الکذب جري اللسان علي خلاف الوضع الالهي فالواسطة بينک و بين ما غاب عنک اذا کانت علي الفطرة المستقيمة الالهية حکت آثار ما غاب عنک علي ما هي عليه و علي ما القي اليها و ان کانت علي الفطرة المبدّلة المغيرة الشيطانية غيرت ما القي اليها و بدلت آثار ماورائها فلايجوز التعويل عليها و التمسک بها و اعتقاد وجود ما ادّت في ماورائها فمن ذلک الحواس الظاهرة التي هي رواة ما غاب عن نفسک فان کانت سليمة عن الاعراض و الامراض و کانت علي الوضع الالهي ادّت الصفات الظاهرة في الاشياء الي نفسک کما هي في الخارج و ان کانت کليلة عليلة بطروء الاعراض و الامراض عليها غيرت الصفات و کذبت في حکايتها کالعين الحولاء و الاذن ذات الدوي و امثال ذلک فلايجوز التعويل عليها بصرافتها و يجب التثبت و التبين فيما ادّت بعرضها علي ما ادّت الوسائط الموثقة الصحيحة السليمة فان شهدت بصدقها قبلت و الا ردت و من ذلک الحواس الباطنة فانها ايضاً لو کانت سليمة عن الاعراض و الامراض صدقت فيما ادت الي النفس و الا کذبت و لايجوز التعويل عليها و الاستبداد بما فهمت و ادت الي النفس الا بعد العرض علي افهام مستقيمة معصومة عن الخطاء و الزلل و من ذلک النفس المجردة الملکوتية و العقل الجبروتي فانهما ايضاً راويان الي الفؤاد اخبار الصور العلمية و المعاني الکلية اذ الفؤاد يطلع عليهما بروايتهما فاذا کانا علي الفطرة المستقيمة الالهية صدقا للفؤاد ما اديا اليه و الا کذبا فلايجوز للفؤاد التعويل علي اخبارهما الا بعد العرض علي علوم المعصومين المطهرين عن الخطاء و الزلل و علي کتاب الله و سنة نبيه فان وافق اخبارهما اياهما صدقت و الا کذبت و لايجوز التعويل عليهما فمن اجل ذلک لايجوز لاحد من الرعية ان‌يستبد بفهمه و عقله و هو يعلم ان نفسه و عقله مشوبان بالعادات و الطبايع و الشهوات و الغضب و الالحادات و ان اخبراه علي البتّ و اليقين فانهما فاسقان منحرفان عن الوضع الالهي و يجب في اخبارهما التبين بالعرض علي الکتاب و السنة فان شهدا بصحتها اخذ بها و الا ردت و من ذلک ما يؤدي کل ظاهر عن کل باطن فان الظاهر ان کان علي الوضع الالهي کان تنزل الباطن دالاً عليه حاکياً عنه و الا کان علي خلاف الوضع الالهي و کان کاذباً فلايجوز الاستدلال به علي الباطن الا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 159 *»

بعد التبين و تحصيل القراين و ذلک کعلم القيافة بعد التطاخ الظواهر و اختلاطها بالاعراض فلايمکن الاستدلال بها علي البواطن فلربما کان التخطيطات الظاهرة دالة علي ان الرجل عليم و هو جاهل او معتدل و هو منحرف او عاص و هو مطيع و هکذا و کذلک الاستدلال بالعلامات الظاهرة علي المزاج الباطن بعد الالتطاخ بالاعراض فلابد في جميع ذلک من التبين حتي‌يحصل قراين الصدق و الموافقة و من ذلک الاستدلال بالآثار الظاهرة في عالم الاعراض علي المؤثرات الباطنة فلايجوز الاعتماد عليها الا بعد التبين و يشهد علي ذلک کله قوله تعالي هو الذي انزل عليک الکتاب منه آيات محکمات هن ام الکتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به کل من عند ربنا و قوله تعالي و ماارسلنا من رسول و لا نبيّ الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحکم الله آياته فمن اجل ذلک وجب رد المتشابهات الي المحکمات و خبر کل فاسق منحرف عن الوضع الالهي متشابه لايجوز الاخذ به الا بعد العرض علي المحکم و هو الثابت علي الوضع الالهي و ذلک جار في کل واسطة بين الشيء و بين الغايب عنه و لو شئنا استقصاء الجزئيات لطال بنا المقال و في ما ذکرنا ارشاد الي ما لم‌نذکره ٭فعلي هذه فقس ماسواها٭.

و اما تأويل قوله ان‌تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا علي ما فعلتم نادمين يعني ان‌تحکموا بمقتضي تلک الاخبار المنحرفة علي متعلقاتها فتعاملوها علي حسبها او تعتقدوا فيها بما ادت تلک الوسائط فتصيروا نادمين بحکمکم و عملکم اذا انکشفت لکم الحقايق فالآية نص علي التأويل علي حرمة الاخذ بجميع العلوم التي لم‌تخرج من بيوت آل‌محمد: و ان قامت عليها الادلة العقلية و الروايات النقلية عن المتسمين بالعلماء و الحکماء و المتکلمين لقول علي7 لانفل الا عن امام فاضل و قول الصادق7 دع الرأي و القياس و ما قال قوم في دين الله ليس له برهان و قوله ليس العلم الا ما خرج من هيهنا و اشار

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 160 *»

بيده الي بيته.

الباطن: فمن بواطنها ان‌يکون المراد بالمؤمنين الذين آمنوا بالطاغوت او آمنوا ظاهراً بالحق و لم‌تؤمن قلوبهم فخوطبوا بالمؤمنين لاتصافهم ظاهراً بصفتهم کما مر في امثاله و يکون المراد بالفاسق الثاني لقوله تعالي في الباطن و کّره اليکم الکفر و الفسوق و العصيان و هم الاصنام الثلاثة لعنهم‌الله فهو الفاسق المتمرد العاصي الذي جاء بنبأ و هو الاول اذ اخبر الثاني ان الاول خليفة رسول‌الله9 و اميرالمؤمنين بعده و الحافظ لدينه و ولي الله في ارضه و شيد بنيان خلافته و اسس اساس استيلائه علي رقاب الناس و کان الواجب ان‌يتبينوا نبأه لانهم کانوا يعرفون فسقه و تمرده حيث نکث بيعته يوم غدير خمّ بعد اتمام الحجة عليه و سماعه عن رسول‌الله9 ان علياً7 اولي الناس بالناس بعده و شهادته بقوله بخ بخ لک يا علي اصبحت مولاي و مولي کل مؤمن و مؤمنة کالتي نقضت غزلها من بعد قوة انکاثاً ان‌تصيبوا قوماً اي الشيعة المعترفين بحقوق آل‌محمد: المنکرين لخلافة اعدائهم بمکروه حنقاً و عداوة و تؤذوهم للعنهم اعداء الله و اعداء رسوله و بغضهم لهم بجهالة فتصبحوا اذا انجلي عنکم ليل دول الضلال و غلبة‌ الجهال و طلع صبح دولة‌ الحق في ظهور القائم7 و في يوم القيمة علي ما فعلتم نادمين.

و لک ان‌تقول ان الفاسق هو الاول و نبأه نصه علي الثاني انه هو ولي المؤمنين و اميرهم بعده و لک ان‌تقول ان الفاسق کل واحد من الاصنام و نبأهم ما افتروا علي رسول‌الله9 حيث رووا انه قال نحن معاشر الانبياء لانروث ما ترکناه صدقة و امثال ذلک من افتراءاتهم علي الله و رسوله و کان اللازم علي الناس ان‌يعرضوا رواياتهم علي کتاب الله و سنة نبيه9 و يردوها لمخالفتها لهما.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 161 *»

و لک ان‌تقول ان الفاسق کل واحد من اتباعهم المرتدين بعد ما تبين لهم الحق يوم الغدير و ساير المواطن و النبأ رواياتهم في فضائل الاصنام و انکار حقوق الائمة الاطهار صلوات‌الله‌عليهم و تنکير الفاسق لتعظيم فسقهم البالغ غاية التمرد و تنکير النبأ لعظمة افترائهم علي الله و علي رسوله.

و لک ان‌تقول ان الفاسق کل واحد من الاصنام لتمردهم و عصيانهم و خروجهم عن دين الله بنقضهم ما عاهدوا الله عليه و النبأ هو الولاية التي ادعوها لانفسهم کما روي عن الصادق7 في قوله تعالي قل هو نبأ عظيم انتم عنه معرضون النبأ الامامة و في رواية اخري النبأ العظيم الولاية و قد يقال للولي نفسه النبأ و ذلک ان الولي هو نبأ الله الذي انبأ به عن نفسه و جعله آية توحيده و شاهد تفريده و هو قول الباقر7 في قوله تعالي قل هو نبأ عظيم هو والله اميرالمؤمنين7 و قال7 کان علي7 يقول ما لله آية اکبر مني و لا لله من نبأ اعظم مني انتهي. و ذلک انه ما انبأ الله عباده نبأ اعظم مما انبأ عن نفسه اذ لا شيء اعظم منه و لم‌ينبئ عن نفسه باحد اعظم من علي7 يطابق المنبأ عنه کما في الدعاء لافرق بينک و بينها الا انهم عبادک و خلقک فهو النبأ المطابق للمنبأ عنه. ان قلت ان محمداً9 اعظم من علي7 فکيف لانبأ اعظم منه قلت ان النبي9 هو المنبأ عنه فانه آية غيب الله الذي لم‌ينکشف لاحد من الخلق و هو الغيب الممتنع الذي لايدرک و علي7 هو آيته و ظهوره و نبأه الذي انبأ الله به عنه و ذلک هو باطن محمد9 و اما ظاهر محمد9 فهو نبي اي القي اليه النبأ اذ جميع ما القي الي النبي9 هو الولاية و حدودها کما يشهد بذلک قوله تعالي بلغ ما انزل اليک من ربک فان لم‌تفعل فمابلغت رسالته. بالجملة النبأ هو الامامة و الولاية و قد جاء الاصنام الثلثة لعنهم‌الله عباد الله بنبأ عظيم و تنوينه للتعظيم اي ادّعوا انهم ائمة علي الخلق و ولاة و کان الواجب علي الناس ان‌يتبينوا و يتثبتوا عند ادعائهم و لايقبلوه منهم من غير حجة ان‌يصيب

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 162 *»

اتباعهم قوماً و هم الشيعة بجهالة فيؤذوهم و يقتلوهم و يکفروهم و يلعنوهم بانکارهم عليهم فيصحبوا علي ما فعلوا في اوان ظهور الحق و الرجعة و القيمة نادمين علي ما اصابوا به الشيعة المستضعفين في ايديهم.

و لک ان‌تقول انهم ايضاً نبأ حقيقة ولکن من الشيطان فانهم هياکله و ظواهره کما ان الولي الحق نبأ من الله عزوجل و امامتهم نبأ من الشيطان انبأ الشيطان بها عن ذاته و ولايته و سلطنته فالفسقة جاءوا بنبأ عظيم عن الشيطان و کان الواجب علي الناس ان‌يتثبتوا و يقفوا عند نبأهم حتي‌يتبين لهم ان الفسقة نبأ الشيطان او نبأ الرحمن و لايبادروا الي تصديقهم و الايمان بهم.

و لک ان‌تقول ان الخطاب الي مستضعفي الشيعة و الفاسق هو الناصب عدو لله و لرسوله و لحججه: و لاوليائهم الذي لايقدر لقوة المذهب ان‌يظهر عداوته لهم فيتوسل في تخريب بنيان التشيع الي انکار فضائل آل‌محمد: و فضائل شيعتهم بانها غلو و کفر و يتمسک باخبار واردة في العجز و الضعف الصادرة عنهم تقية عن اعدائهم و يرد بذلک الاخبار المتواترة الموافقة للکتاب و السنة و آيات الآفاق و الانفس و ينسب المعترفين بها الي الغلو و الکفر فيسعي في تکفيرهم و قدحهم و ذمهم و الوقيعة فيهم و قتلهم و سبيهم آناء الليل و النهار لينفي عن الدنيا ذکر فضائل آل‌محمد الاطهار و شيعتهم عليهم صلوات الله الملک الجبار فامر الله المستضعفين من الشيعة ان لايغتروا بنسبة اولئک النواصب انفسهم الي التشيع حيلة و باخبار متشابهة يروونها و يتثبتوا و يعرضوا اخبارهم علي الکتاب و السنة المتواترة و العامة و اخبارهم و يأخذوا بالمحکمات و يردوا اليها المتشابهات ان‌يصيبوا قوماً من المعترفين بجهالة فيصبحوا حين ظهور دولة الحق و ثبوت تلک الفضائل و وضوحها علي ما فعلوا بالمعترفين نادمين و يدل علي ذلک ما في تفسير الامام7 قال العسکري7 في قوله تعالي و منهم اميون لايعلمون الکتاب الا اماني قال7 ثم قال الله تعالي يا محمد و من هؤلاء اليهود اميون لايعلمون الکتاب الا اماني الي ان قال قال رجل للصادق7 فاذا کان هؤلاء القوم من اليهود لايعرفون الکتاب الا بما

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 163 *»

 يسمعونه من علمائهم لاسبيل لهم الي غيره فکيف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم و هل عوام اليهود الا کعوامنا يقلدون علماءهم فان لم‌يجز لاولئک القبول من علمائهم لم‌يجز لهؤلاء القبول من علمائهم فقالبين عوامنا و علمائنا و بين عوام اليهود و علمائهم فرق من جهة و تسوية من جهة اما من حيث استووا فان الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علمائهم کما ذم عوامهم و اما من حيث افترقوا فلا قال بين لي يابن رسول‌الله قال7 ان عوام اليهود کانوا قد عرفوا علمائهم بالکذب الصريح و باکل الحرام و الرشا و بتغيير الاحکام عن واجبها بالشفاعات و العنايات و المصانعات و عرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به اديانهم و انهم اذا تعصبوا ازالوا حقوق من تعصبوا عليه و اعطوا ما لايستحقه من تعصبوا له من اموال غيرهم و ظلموهم من اجلهم و عرفوهم يقارفون المحرمات و اضطروا بمعارف قلوبهم الي ان من فعل ما يفعلونه فهو فاسق و لايجوز ان‌يصدق علي الله و لا علي الوسايط بين الخلق و بين الله فلذلک ذمهم لما قلدوا من قد عرفوا و من قد علموا انه لايجوز قبول خبره و لاتصديقه في حکايته و لاالعمل بما يؤديه اليهم عن من لم‌يشاهدوه و وجب عليهم النظر بانفسهم في امر رسول‌الله9 اذا کانت دلائله اوضح من ان‌تخفي و اشهر من ان لاتظهر لهم و کذلک عوام امتنا اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبية الشديدة و التکالب علي حطام الدنيا و حرامها و اهلاک من يتعصبون عليه و ان کان لاصلاح امره مستحقاً و الترفرف بالبر و الاحسان علي من تعصبوا له و ان کان للاذلال و الاهانة مستحقاً فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالي بالتقليد لفسقة فقهائهم فاما من کان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً علي هواه مطيعاً لامر مولاه فللعوام ان‌يقلدوه و ذلک لايکون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم فاما من رکب من القبايح و الفواحش مراکب فسقة فقهاء العامة فلاتقبلوا منهم عنا شيئاً و لا کرامة و انما کثر التخليط فيما يتحمل عنا اهل البيت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 164 *»

 لذلک لان الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه باسره لجهلهم و يضعون الاشياء علي غير وجوهها لقلة معرفتهم و آخرين يتعمدون الکذب علينا ليجرّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم الي نار جهنم و منهم قوم نصاب لايقدرون علي القدح فينا فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا و ينتقصون بنا عند نصابنا ثم يضيفون اليه اضعافه و اضعاف اضعافه من الاکاذيب علينا التي نحن برءآء منها فيقبله المستسلمون من شيعتنا علي انه من علومنا فضلوا و اضلوا و هم اضر علي ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد علي الحسين بن علي8 و اصحابه فانهم يسلبونهم الارواح و الاموال و هؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبهون بانهم لنا موالون و لاعدائنا معادون يدخلون الشک و الشبهة علي ضعفاء شيعتنا فيضلونهم و يمنعونهم عن قصد الحق المصيب لاجرم ان من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام انه لايريد الا صيانة دينه و تعظيم وليه لم‌يترکه في يد هذا المتلبس الکافر ولکنه يقيض له مؤمناً يقف به علي الصواب ثم يوفقه الله القبول منه فيجمع الله له بذلک خير الدنيا و الآخرة و يجمع علي من اضله لعن الدنيا و عذاب الآخرة الخبر.

و من بواطن هذه الآية التثبت عند نبأ المتصوفة المتلبسة المتحيرة الضالة المضلة حيث يدعون مقام الولاية و قد يفضلون انفسهم علي النبي و قد يفضلون انفسهم علي الحجج: و قد يفضلون انفسهم علي جميع المؤمنين الممتحنين بل قد يدعون الالوهية لانفسهم مع انهم فساق فجار يستحلون المحارم و يرتکبون المآثم و يجتمعون للغنا و الدفوف و الکوبات و يدّعون الاتصال برب البريات و من تدين بالاسلام عرف انهم فساق بلا کلام فقال الله عزوجل ان جاءکم فاسق يدعي الولاية بل الاطلاع علي حقايق الاشياء و التصرف في الکائنات فلاتصدقوهم اول وهلة و تثبتوا و کذبوه فانه فاسق لايصدق علي الله و لايقبل قوله و الله لايتخذ الجهلة حججه علي عباده و لايستودعهم علمه و حکمته و لايجعلهم وکر مشيته و مهبط ارادته و لاينهي اليهم علمه الي غير ذلک من البواطن التي لايمکن استقصاؤها.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 165 *»

و اعلموا ان فيکم رسول‌الله لو يطيعکم في کثير من الامر لعنتم ولکن الله حبب اليکم الايمان و زينه في قلوبکم و کره اليکم الکفر و الفسوق و العصيان اولئک هم الراشدون. فضلاً من الله و نعمة و الله عليم حکيم.

الظاهر: ثم خاطب الله المؤمنين و اراد ان‌يعرفهم ان تشريع النبي9 الشرايع و وضعه السنن ليس علي حسب ما يحبون و ما يکرهون و انما هو بامر الله و حکمه و تشريعه فقال و اعلموا ايها المؤمنون ان فيکم رسول‌الله اي من ارسله الله و بعثه اليکم و انتجبه و اصطفاه عليکم و جعله سلطاناً عليکم و جعل طاعته طاعته و معصيته معصيته و امره امره و نهيه نهيه لو يطيعکم في کثير من الامر لعنتم و وقعتم في المشقة و الجهد و الاثم و الخطاء و الفساد و الهلاک و الشدة و الفجور و الانکسار و الوهي لاختلاف آرائکم و اهوائکم و تضادها بحسب شهواتکم و تعاديکم و تباغضکم و ارادة بعضکم اهلاک بعض بحسب ما بينکم من الاحن و التحاسد و التباغض و لاجل ان نفوسکم امارة بالسوء فلو اطاعکم رسول‌الله9 فامرکم بما تحبون الامر به في دينه و شرعه و نهاکم عما تکرهون في دينه لادّي ذلک الي التخالف و التناقض و دل علي ان دينه ليس من عند الله الواحد کما قال لو کان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً کثيراً فلايجوز ان‌يطيع رسول‌الله اهواءکم کما قال و لو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السموات و الارض و قوله في کثير من الامر يشعر بانه لو اطاعکم في قليل من الامر لما عنتم و ذلک في ساير الامور البشرية مما لايتعلق بشريعة کاجابة دعوة او قيام او قعود او حرکة او سکون و امثال ذلک و اما في الشرع و الدين فهو تابع لامر الله الذي ارسله کما قال ان اتبع الا ما يوحي الي فهو لايطيعکم و عليکم ان‌تطيعوه و من يطع الرسول فقد اطاع الله و قوله فيکم خبر مقدم لـان و يمکن ان‌يکون حالاً لـرسول‌الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 166 *»

و قوله لو يطيعکم و ما في حيزه خبر بعد خبر او خبر و يمکن ان‌يکون مستأنفاً فهو لايأمرکم بما تحبون و لاينهاکم عما تکرهون ولکن الله حبب اليکم الايمان الذي يعلمه حقاً و مصلحة و يأمرکم به و يظهر لکم محاسنه و ما يقتضيه من النعيم الدائم المقيم حتي‌تحبوه و زينه في قلوبکم بتعريفه لکم فوائده و محاسنه و ثمراته و هو الاذعان في القلب و الاقرار باللسان و العمل بالارکان و کره اليکم الکفر الذي هو ضد الاذعان في القلب و الفسوق الذي هو ضد الاقرار باللسان فان الفسوق هو الکذب کما روي عن ابي‌جعفر7 و العصيان الذي هو ضد العمل بالارکان فکرهها اليکم بتعريفکم قبايحها و آثارها و ما يقتضيها من العذاب الدائم الاليم و فسادکم في الدنيا و الآخرة و اتي بـالي لتضمن کره معني التبغيض اولئک هم الراشدون کانه توجه الي النبي9 و قال اولئک المخاطبون هم الراشدون اي الصالحون المهتدون المصيبون الصواب و «الراشد» ضد العنت ککتف فان العنت هو الواقع في المأثم و الضلال و الراشد نعت من رشد کنصر اي صلح و اصاب الصواب و اهتدي اذ احبوا الايمان لما حببه الله اليهم و کرهوا الکفر و الفسوق و العصيان لما کرهها الله اليهم.

و اما قوله فضلاً من الله و نعمة اي حبب الله اليکم الايمان و کره ضده تفضلاً منه عليکم و نعمة منه او هما علتان لاتصافهم بالرشد اي اتصفوا بالرشد لما تفضل الله منه عليهم و انعم عليهم و لولا فضل الله عليهم و نعمته لمااهتدوا و الله عليم يعلم ما فيه صلاح الخلق فيأمرهم به و ما فيه فسادهم فينهاهم و يعلم حيث يجعل رسالته فانتجب محمداً بالرسالة و جعله العالم بالصلاح و الآمر به و بالفساد و الناهي عنه حکيم في خلقه فلما خلقکم جهالاً بصلاحکم و فسادکم جعل فيکم رسولاً عالماً سايساً لکم آمراً ناهياً کما انه لما خلق فيکم العطش خلق لکم ماءاً يرفعه و لما خلق فيکم الجوع خلق لکم طعاماً يزيله کذلک لما خلق فيکم الجهل خلق فيکم عالماً يزيل بعلمه جهلکم و لولا ذلک لم‌ينتظم الخلق و لم‌يرتبط بعضه ببعض و لما دل علي وحدة الخالق و ظهر من الآية الشريفة ان تحبيب الايمان و تبغيض الکفر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 167 *»

من فعل الله کما روي انه سئل الباقر7 عن هذه الآية و قيل له هل للعباد فيما حبب الله صنع قال لا و لا کرامة انتهي. و ذلک انه فطرهم اولاً علي التوحيد و بحيث اذا عرض عليهم الحق عرفوه کما روي عن الباقر7 فطرهم علي التوحيد عند الميثاق علي معرفة انه ربهم قال لولا ذلک لم‌يعلموا من ربهم و لا من رازقهم انتهي. و ليس لهم صنع في خلق فطرهم ثم بعث اليهم الرسل و انزل اليهم الکتب و علمهم الخير و الشر و ليس لهم صنع في ذلک فهو فضل من الله و نعمة ابتدائية و قيد الفضل بقوله من الله للاشعار بانه ابتداؤه منه لا من غيره و لولا ذلک لما احببتم الايمان و لما کرهتم الکفر و اخويه و اعلم ان معرفة الفضل من المعارف المشکلة الغامضة عند الحکماء فان الله هو الغني الذي لايتغير و لايحدث فيه اقتضاء لشيء کيف يمکن تعقل الفضل منه بلا اقتضاء منه و من الخلق و المفروض ان عطاءه بعد السؤال عدل و العطاء بلا سؤال فضل و هو غير معقول صدوره عن الغني غير المتغير الذي لايحدث فيه مقتضي لشيء. و شرح ذلک ان السؤال من الخلق ليس بموجب عليه العطاء فيضطر اليه و ليس لاحد عليه حق واجب اداؤه فهو و ان لم‌يعط الا بعد السؤال و علي حسب السؤال کما قال قل ما يعبؤ بکم ربي لولا دعاؤکم لکن الدعاء و السؤال لايوجب عليه الاجابة و ليس لاحد حق عليه فاذا اعطي بالدعاء و السؤال فقد تفضل، في الدعاء: کل نعمک ابتداء و کل احسانک تفضل و ليس عند آل‌محمد: وجود المعلول واجباً عند وجود العلة التامة و من قال ذلک لم‌يعرف قدس الله و احديته و اختياره التام فهو يفعل ما يشاء و لايفعل ما يشاء غيره فافهم الاشارة في تهذيب العبارة و ليس هذا الکتاب موضع ازيد من ذلک و ربما شرحنا ذلک عند آية اخري شارحة لذلک و قال ابوجعفر7 في حديث هل الدين الا الحب قال الله تعالي (حبب اليکم الايمان و زينه في قلوبکم) و قال (ان کنتم تحبون الله فاتبعوني يحببکم الله) و قال (يحبون من هاجر اليهم) ان رجلاً اتي النبيفقال يا رسول‌الله احب المصلين و لا اصلي و احب الصوامين و لا اصوم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 168 *»

 فقال رسول‌اللهانت مع من احببت و لک ما اکتسبت ما تبغون و ما تريدون اما انها لو کانت فزعة من السماء فزع کل قوم الي مأمنهم و فزعنا الي نبينا و فزعتم الينا و سئل ابوعبدالله7 عن الحب و البغض أمن الايمان هو؟ فقال و هل الايمان الا الحب و البغض؟ ثم تلا هذه الآية حبب اليکم الايمان الآية.

التأويل: و اعلموا يا ارباب العقول و النفوس ان فيکم رسول‌الله اي العقل الذي هو الحجة الباطنة عليکم يهديکم و يعلمکم الخير و الشر و يدعوکم الي الايمان بربکم فان العقل ما عبد به الرحمن و اکتسب به الجنان لو يطيع العقل النفس الامارة لعنت صاحبها و وقع في المشقة و الجهد و الاثم و الخطاء و الفساد و الهلاک و الشدة و الفجور و الانکسار و الوهي فان «العنت» يأتي بجميع هذه المعاني و لو اتبع العقل النفس لاعانة صاحبهما النفس علي العقل و تغليبها عليه لوقع في جميع هذه البلايا و هلک البتة ولکن الله غلّب عقولکم علي انفسکم و حبب اليکم الايمان لان العقل يعرف الحق بالجنان و يعترف باللسان و يعمل بالارکان فالمؤمن هو العامل بمقتضي العقل في مراتبه و کره اليکم الکفر الذي هو انکار النفس الحق في الجنان و الفسوق الذي هو اکاذيبها باللسان و العصيان الذي هو ترک امتثالها في الارکان فالکافر هو العامل بمقتضي النفس في مراتبه اولئک اي مغلبوا العقل علي النفس هم الراشدون المهتدون.

و لک ان‌تأول رسول‌الله بالعرش و تقول اعلموا ايها الاجسام ان فيکم العرش المخبر عن النفس الباطنية المحرکة لجميع الاجسام المدبرة لها الموحية تحريکها و تدبيرها الي العرش فانه المتنبه المتحرک الاول من النفس لو يطيعکم العرش لسکن فان اقتضاءکم و ميلکم السکون اذ لاحرکة الا من النفس و لو سکن العرش لاصابکم العنت و الفساد و لاختل جميع نظام العالم و لکن الله حبب اليکم الانقياد للعرش في جميع مراتبکم و التحرک بتحريکه و کره اليکم مخالفته في الروح و النفس و الجسد فالاجسام المطيعة المنفعلة المتحرکة هم الراشدون المحيون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 169 *»

بالنفس الملکوتية الغيبية و فيه اشعار بان کمال الجسم في التلطف و المطاوعة التامة للعرش الذي هو مدبر الکل و الجسم الکامل هو البالغ في التلطف و المطاوعة کالروح البخاري اذا بلغ الکمال و صار في مقام قلب المؤمن عرش الرحمن و مقام ماوسعني ارضي و لا سمائي ولکن وسعني قلب عبدي المؤمن فضلاً من الله و نعمة و تأويل الفضل هو آثار العرش الذي هو فضل النفس الملکوتية و خليفته في عالم الاجسام و فاضله و تأويل النعمة الکرسي الذي هو اول جسم تحرک و انفعل عند تدبير العرش و شرح جميع تدابيره و اوامره للافلاک و العناصر و المواليد و لولاه لمااطلع شيء من الاجسام علي العرش الغائب عن درک الحواس و مماسة الناس اذ هو الاطلس البريء عن المشاهدة و الالتماس فجميع ما حصل للاجسام من الکمال فانما هو لاجل العرش الغيبي و الکرسي الشهودي و هو قول الصادق7 ان الله تبارک و تعالي خلق روح القدس و لم‌يخلق خلقاً اقرب اليه منها و ليست باکرم خلقه فاذا اراد امراً القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به انتهي. و روح القدس هو روح العرش المقدس عن الرسوم و النجوم في الکرسي فافهم. و الله عليم بدرجة کل جسم حکيم في ترتيبها و تدريجها و التأويل لکل آية کثير لايحصي و لايمکننا الاستقصاء فاکتف بما ذکرنا ان‌شاءالله.

الباطن: فمن بواطنه ان الله سبحانه خاطب المؤمنين و امرهم بالتفهم و التعلم و حرّضهم علي التوجه لما اراد الله ان‌يعلمهم فما عزم الله علي تعليمه لحري بالاصغاء اليه و التوجه حتي‌يعلموه و يفهموه.

و قوله اعلموا دليل علي ان ما اراد ان‌يقول بعد ذلک مطلب مهمّ و امر عظيم مجهول لهم لايعرفونه الا بالتعليم و التنبيه فقال اعلموا ان فيکم رسول‌الله لانه اولي بکم من انفسکم و اقرب اليکم منکم و اوجد منکم في مکانکم محيط بکم و هو فيکم في جميع مراتب وجودکم کما ان الشمس في جميع انوارها بل لايري غير الشمس و لو لم‌ير الشمس لم‌ير نور و کان ظلمة و کذلک اني خلقتکم من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 170 *»

نور محمد9 و جعلته سراجاً منيراً في عرصة الخلق و جعلت ماسواه من نوره فهو اظهر من نوره في نوره و اوجد من نوره في مکان نوره فهو في جميع الخلق لايري فيه نور غير نوره و لايسمع فيه صوت غير صوته فلم‌ير العارف بمحمد9 في ماسواه غير محمد9 و ذلک معني ما روي في اخبار مستفيضة ان الله کتب اسماءهم علي جميع الاشياء و الاسم هو الصفة کما روي عن الرضا7 و النور صفة المنير فالله سبحانه اثبت صفة المنير في جميع انواره کما اثبت صفة السراج في جميع انواره و يظهر ذلک في المرايا فکذلک ان الله سبحانه کتب علي جميع الموجودات صفة محمد9 فجعل محمداً في کل شيء و لاجل ذلک نبه علي هذا الفضل العظيم بقوله و اعلموا ان فيکم رسول‌الله فهو عليم بظواهرکم و بواطنکم و دائکم و دوائکم و صلاحکم و فسادکم بصير بکم يراکم و يسمعکم لو يطيعکم في کثير من الامر لعنتم و الامر هو الخلافة و الامارة کما يظهر من حديث الباقر7 و بذلک تسمي الحجج: باولي الامر فالمراد لو اطاعکم في کثير من الخلافة و الامارة يعني وضع الخلافة حيث تحبون و جعلها علي ما تهوون او جعلها شوري بينکم و استشارکم و اطاعکم فيمن اشرتم اليه او جعله باجماعکم و اجتماع آرائکم علي حسب انظارکم هذا اذا کان «من» ابتدائية و ان کانت بيانية فالمراد في اشياء کثيرة هي الامر اي الخلافة و الامامة فانها اجل امور الشريعة و اعظمها و اصلها و معدنها و قطبها الذي عليه يدور رحاها اذ الولي اصل کل خير و من فروعه کل برّ فامر الخلافة و ان کان يري شيئاً واحداً و لکنه شيء کثير لانه اصل کل الشرايع لعنتم و وقعتم في الهلاک فانکم لستم بابصر من موسي بن عمران7 و وقع اختياره علي خلاف الاولي فکيف انتم هذا و اهواؤکم مختلفة و آراؤکم متشتتة لاتکادون تجتمعون علي شيء فلو اطاعکم لاوقع فيکم الفساد ولکن الله من عنده علي حسب علمه و حکمته و فضله و نعمته حبب اليکم الايمان اي علياً7 بان منحهه صفات زکية و علوماً غزيرة و سياسة حکيمة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 171 *»

و نسباً علياً و حسباً زکياً و بين لکم من فضائله ما ملأ بين الخافقين و عرفکم شأنه و فضله و جعلکم علي الفطرة تصدقون کل حق و تحبون کل خير و نسب التحبيب اليه لفناء النبي في الله و کون فعله فعل الله و امره امر الله فالمراد ولکن رسول‌الله حبب اليکم الايمان لانه جري به و ظهر منه الا ان فعله فعله و قوله قوله و کره اليکم الکفر و الفسوق و العصيان و هم الاول و الثاني و الثالث و هم اللات و العزي و منوة الثالثة الاخري فعن ابي‌عبدالله7 في قوله (حبب اليکم الايمان و زينه في قلوبکم) يعني اميرالمؤمنين (و کره اليکم الکفر و الفسوق و العصيان) الاول و الثاني و الثالث انتهي. و کرههم الي العباد بما جعل لهم نسباً ردياً و حسباً دنياً و اخلاقاً سيئة و صفات قبيحة و اعمالاً منکرة و مع ذلک اظهر النبي9 مثالبهم و اظهر کفرهم و فسقهم و عصيانهم و وجوه تسميتهم بتلک الاسماء کثيرة فالاول هو الکفر لستره حق علي7 و ما قال النبي9 في حقه و الثاني الفسوق لانه کذب علي النبي9 في شهادته بالخلافة يوم الغدير و لم‌يکن في قلبه کما قال الله فيمن شهد بالرسالة عن نفاق و الله يشهد ان المنافقين لکاذبون و العصيان الثالث لانه کان عاصياً باتفاق المسلمين اتخذ مال الله دولاً و عباد الله خولاً و عصي الله في کثير من اموره حتي انکروا عليه ذلک و قتلوه اولئک هم الراشدون يعني المهتدون الي الحق و الي صراط مستقيم.

و لک ان‌تقول في نحو من التفسير ان اولئک اشارة الي الکفر و الفسوق و العصيان و هم الراشدون تهکم و استهزاء بهم او تعيين لهم لانهم کانوا يسمون عند الناس بالخلفاء الراشدين فلما اراد ان‌يعرف الثلثة قال هم الراشدون اي الخلفاء المسمون بالراشدين عند الناس.

ثم قوله فضلاً من الله و نعمة راجعان الي حبب و کره يعني و ذلک کان من جهة فضل من الله و هو القرآن کما روي عن النبي9 ان فضل الله القرآن اي نزل بولاية علي و البرائة من اعدائه القرآن و ليس ذلک امراً ارضياً و انما هو امر سماوي نزل به الکتاب و نعمة هي رسول‌الله9 کما قال يعرفون نعمة الله ثم ينکرونها يعني کان امارة علي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 172 *»

بنصب رسول‌الله9 و نصه بخلاف ما تدعونه لاصنامکم فان الله ضربکم بالاعتراف بانهم لانص في خلافتهم و انما واحد منهم بالاجماع و واحد منهم بنص السابق و واحد منهم بالشوري فهذا التحبيب و التکريه کان فضلاً من الله و نعمة اي کان لاجل الکتاب و السنة الواردين فيهما فالنبي قال بالکتاب و انتم قلتم بالسنة.

و لک ان‌تقول «الفضل» رسول‌الله9 کما روي عن الباقر و الصادق و الکاظم: ان فضل الله محمد9 الخبر. يعني کان ذلک بنص منه و تصريح و توضيح منه بشأن علي و اولاده و بمثالب اعدائه و اظهار کفرهم و فسقهم و عصيانهم و النعمة هي علي و آله: کما روي عن الصادق7 نحن والله نعمة الله التي انعم بها علي عباده بنا يفوز من فاز الخبر. فالمعني انه کان ذلک من اجل نص رسول‌الله علي الفريقين و نفس علي و اولاده حيث کانوا في اعلي درجات الکمال و العلم و القدرة ‌و الآيات و المعجزات التي لاتنکر و لايمکن انکارها لاجل نعمة الله عليکم حيث وسم الله الاعداء بصفات قبيحة و اخلاق ردية و جهالات کثيرة و نسب ردي و حسب دني فانها سبب اتمام الحجة و عدم اشتباه الامر عليکم فهي ايضاً من النعمة عليکم و من کمال علي7 حيث کان عدوه کذا فلاجل کونهم هکذا و نص رسول‌الله عليهم حبب الله اليکم الايمان و کره اليکم الثلثة.

و الله عليم حکيم، عليم بما فيه صلاحکم و قد ظهر علمه في محمد9 فانه اتي بعلم الله يعلمهم الکتاب و الحکمة حکيم في وضع العالم و ظهر حکمته في علي و اعدائه حيث وسمهم بعلامات الحق و الباطل بحيث لايشتبه امرهم علي احد و قد قال الله عزوجل و انه في ام الکتاب لدينا لعلي حکيم في تفسير ظاهر الظاهر کما روي عن الصادق7 و في الزيارة انتم حکماء الله و ينابيع الحکم و الذکر الحکيم الزيارة، و فيما ذکرنا کفاية و بلاغ.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 173 *»

و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احديهما علي الاخري فقاتلوا التي تبغي حتي‌تفيء الي امر الله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل و اقسطوا ان الله يحب المقسطين.

الظاهر: «الطائفة» من الشيء بعضه و من الجماعة بعضهم و «اقتتلوا» اي تقاتلوا فقال عز من قائل و ان طائفتان من المؤمنين اي من المسمين بالمؤمنين بحسب ظاهر الدعوة سواء صدقوا في ايمانهم ام کذبوا اقتتلوا اي تقاتلوا و جمع لفظ «اقتتلوا» اشعاراً بان اقل الجمع اثنان کما قال في الجنتين فيهن خيرات حسان و لان اقتتلتا ثقيل علي اللسان لاجتماع التاءات و نظراً الي افراد الطائفتين و لاتدل الآية علي ان اهل البغي مؤمنون حقيقة کما ظنه العامة و ذلک انه اذا بغي طائفة من اهل الدعوة الظاهرة علي طائفة فيهم امام عادل فالطائفة‌ الباغية مشرکون لاستحلالهم قتل الامام العادل و حزبه من المؤمنين و ما روي عن مسعدة بن زياد عن جعفر عن ابيه ان علياًلم‌يکن ينسب احداً من اهل حربه الي الشرک و لا الي النفاق ولکن کان يقول هم اخواننا بغوا علينا تقية و لايدل قوله هم اخواننا علي ايمانهم فان الله يقول و اخوان لوط مع انهم کفار مشرکون بل المعني انه لم‌يصرح بشرکهم صريحاً ولکنه عرّض بشرکهم بقوله اخواننا کما ان اخوان لوط مشرکون و الا فالمستبيح لدم الامام العادل و حزبه من المؤمنين کيف لايکون مشرکاً و کافراً فقد روي عن ابن‌عباس قال قال رسول‌الله9 المخالف علي علي بن ابي‌طالب بعدي کافر و المشرک به مشرک و المحبّ له مؤمن و المبغض له منافق و المحارب له مارق و الراد عليه زاهق عليّ نور الله في بلاده و حجته علي عباده و سيف الله علي اعدائه الحديث، و قال ابوجعفر7 قال رسول‌الله9 سباب المؤمن فسوق و قتاله کفر و اکل لحمه معصية و حرمة ماله کحرمة دمه انتهي. و اذا بغي طائفة من اهل الدعوة الظاهرة علي طائفة من اهل الحق من المؤمنين و استحلوا دماءهم فهم نصاب کفار لما سمعت ان قتال

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 174 *»

المؤمن کفر و لما روي عن ابي‌عبدالله7 ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانک لاتجد رجلاً يقول انا ابغض محمداً و آل‌محمد و لکن الناصب من نصب لکم و هو يعلم انکم تتولونا و انکم من شيعتنا و قيل لابي‌عبدالله7 من نصب لعلي حرباً کان کمن نصب لرسول‌الله فقال اي والله من نصب لک انت لاينصب لک الا علي هذا الدين کما کان نصب لرسول‌الله انتهي. و اذا بغي طائفة من اهل الدعوة الظاهرة علي بعضهم علي غير سنة فهم جميعاً في النار لقول رسول‌الله9 اذا التقي المسلمان بسيفهما علي غير سنة فالقاتل و المقتول في النار قيل يا رسول‌الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لانه اراد قتلاً انتهي. و اذا بغي طائفة من المتشيعة علي طائفة منهم علي غير السنة فان کان علي استحلال بعضهم دم بعض فهم کفار و في النار و ان کان علي غير استحلال فهم فساق فجار. بالجملة لايدل قوله عزّوجل و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا علي ان الباغي مؤمن حقيقة.

قوله عزوجل فاصلحوا بينهما بالنصح و الدعوة الي الحق و التخويف من بأس الله و تلاوة آيات الکتاب و اخبار الحجج الاطياب عليهم صلوات الله الملک الوهاب و التحذير من النار و امثال ذلک فان بغت احديهما علي الاخري اي ان استطالت و اعتدت علي الاخري و لم‌تنزجر بالترهيب من الله و لم‌تتعظ بالکتاب و آثار الحجج الاطياب عليهم صلوات الله الملک الوهاب و تم الحجة عليها برفع جهالتها و تذکرها فقاتلوا التي تبغي و تعتدي وتستطيل حتي‌تفيء الي امر الله اي ترجع الي امر الله و حکمه فان لم‌تفئ فيقاتلون حتي‌يقتل کلهم فان الغاية فيئهم الي ما امر الله و حکمه فان فاءت و رجعت و انزجرت عن سفک دماء المسلمين فاصلحوا بينهما بالعدل و اقسطوا برفع الاحن و اسباب العداوة و التصالح بعد التنازع بالعدل بان‌تأخذوا من الظالم حق المظلوم علي کتاب الله و سنة نبيه و تردوه اليه. و قوله اقسطوا اي اعدلوا و يمکن ان‌يکون بمعني ازالة‌ القسط اي الجور لان «قسط» کضرب بمعني جار و کنصر بمعني عدل و الافعال قد يأتي بمعني ازالة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 175 *»

المصدر کقولهم «اشکيته» اي ازلت شکواه و «اعربته» اذا رددت عربه فـاقسطوا يمکن ان‌يکون بمعني ازالة القسط بمعني الجور و لعل ذلک انسب فانه امر بالاصلاح بالعدل و لايحتاج الي ذکر «اعدلوا» فعلي معني الازالة اي اصلحوا بينهما باخذ حق المظلوم من الظالم علي کتاب الله و سنة نبيه9 و ازيلوا جور الجاير منهم ان الله يحب المقسطين الذين ينهون عن المنکر و يزيلون جور الجايرين و يمنعونهم عن الجور و يمکن ان‌يکون کلاماً مستأنفاً و حکماً مطلقاً و هو ايضاً حق فيمکن ان‌يکون مستأنفاً بکلا المعنيين و قيل في تنزيله انها نزلت في الاوس و الخزرج حين وقع فيهم مقاتلة بالسعف و النعال و الله يعلم بحقيقة الحال.

التأويل: من تأويلات الآية‌ المبارکة ان‌يکون الخطاب الي العقل و جنوده من الملئکة الموکلين بالخيرات و يکون المراد بالمؤمنين الطبايع الاربع المقهورين تحت سطوة العقل فقال الله سبحانه و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا اي ان تقاتل طبعان من الطبايع الاربع فدعت الصفراء مثلاً الي مقتضاها لغلبتها و قاتلت البلغم و ارادت اهلاکه و افناءه و ابطال آثاره و قاتل البلغم الصفراء و اراد اهلاکها و ابطال آثارها فاصلحوا ايها العقل و جنوده بينهما بان‌تحکموا علي کل واحد ان‌يجري في محله بان‌يجري الصفراء في محل امر الله بجريانها فيه کالطيش و الغضب علي اعداء الله و دقة النظر في العلوم و المعارف و الحکم و الاستعلاء عن الدناءات و خلاف المروات و امثالها و لايمنعها البلغم عن آثارها و اعمالها و يجري البلغم في محل امر الله بجريانه فيه کالحلم و الصبر و التؤدة و الشهوات المأمور بها و امثالها و ذلک ما لم‌يبغ احدهما علي الآخر و طاوع حکم العقل بالامر و النهي و لم‌ينحرف المزاج کل الانحراف حتي‌يبلغ المرض فان بغت احديهما علي الاخري بان غلبت بحيث لم‌تتعظ بالمواعظ و النصايح و الامر و النهي بواسطة فساد احدهما و غلبته حتي حصل المرض الغالب فقاتلوا التي تبغي باستعمال الادوية و المعالجة حتي‌تقتلوا الطائفة‌ الغالبة بالاخراج من مملکة البدن بالادوية التي وضع الله و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 176 *»

المعالجات التي قدر الله و نفيها من ارضه حتي‌تفيء الي امر الله الجاري عليها بواسطة العقل فان فاءت بعد القتل و النفي من الارض و فني البغاة التي ماکانت تفيء و بقي الضعيف منها و امکن انقيادها للعقل ففاء الي امر الله فاصلحوا بينهما بالعدل اي عدّلوا المزاج بعد القتل و الافناء و النفي و الاخراج و الفوا بينهما و خذوا حق المظلوم منهما من الظالم منهما و اقسطوا و ازيلوا جور الجاير و ما فيه من العدول عن الحق ان الله يحب المقسطين المزيلين جور الجاير عن مملکة‌ البدن و المعدلين للمزاج و يحب المزاج المعتدل و يصير حبيب الله عاملاً بمحاب الله و ذلک امر مشهود معروف عند اهل المعالجة و الطب و ذلک انه اذا انحرف المزاج عن الاعتدال في الجملة و تقاتل الدم و السوداء مثلاً في البدن و اراد کل واحد حمل الانسان علي مقتضاه يمکن للانسان الاصلاح بينهما بان‌يعمل بمقتضي کل واحد منهما في محله و للاعمال و الاحکام الشرعية اثراً عظيماً (اثر عظيم ظ) في تعديل المزاج و اصلاحه و لذلک امر الشارع و نهي الناس و وعظهم و حذرهم و انذرهم و امر بالرياضات و المجاهدات الشرعية مع ان سبب جميع الاعمال و الداعي الي جميع الخصال الطبايع فبالامتثال لامره و الانزجار عن نهيه و ترک ما يقوي الخلط الغالب و الرياضات في الجملة و تقوية الخلط الضعيف باستعمال ما يقويه يعتدل المزاج بلاشک و يصلح فلذلک قال فاصلحوا بينهما اولاً من غير مقاتلة اذ لاحاجة اليها و اما اذا تبيغ الدم مثلاً بصاحبه حتي فسد المزاج بحيث سلب الاختيار العادي فلايؤثر في صاحبه الوعد و الوعيد و الانذار و الاعذار فاخذ صاحبه مثلاً الحمي المطبقة او ساير الامراض الدموية او ثار في بدنه السوداء بحيث بلغ به الوحشة او الجنون او الماليخوليا او ساير الامراض السوداوية التي لاتنجح فيها النصايح و المواعظ و الاعذار و الانذار و حسن التدبير في الستة الضرورية فلابد من معالجة الخلط الغالب الباغي علي ضده و مقاتلته بالفصد او المقيء او المسهل او غيرها و لاعلاج له غير ذلک و لذلک کان الانبياء و الاولياء يعالجون البدن عند الامراض الغالبة و يستعملون الادوية و العقاقير حتي‌ينفي الخلط الفاسد الباغي ثم بعد ذلک يصلحون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 177 *»

المزاج بالتعديل و هو قوله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل و اقسطوا و لذلک قال رسول‌الله9 تجنب الدواء ما احتمل بدنک الداء فاذا لم‌يحتمل الداء فالدواء و قال ابوعبدالله7 ان نبياً من الانبياء مرض فقال لا اتداوي حتي‌يکون الذي امرضني هو الذي يشفيني فاوحي الله تعالي اليه لا اشفيک حتي‌تتداوي فان الشفاء مني و سئل ابوجعفر7 هل يعالج بالکي قال نعم ان الله تعالي جعل في الدواء برکة و شفاءاً و خيراً کثيراً و ما علي الرجل ان‌يتداوي فلابأس به و قال ابوعبدالله7 في حديث انزل الله الداء و انزل الشفاء و ماخلق الله داءاً الا جعل له دواءاً فاشرب و سمّ الله تعالي انتهي. فتأويل هذه الآية في کلية تعديل المزاج و المعالجة و لاتعجب من ذلک فان الله سبحانه انزل الکتاب تبياناً لکل شيء و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لکل آية تأويلات و نحن اکتفينا في کل آية بتأويل او تأويلين لتعلم نوع التأويل و الا کل شيء فيه معني کل شيء فافهم ان کنت تفهم و لاتقل فلان يفسر الکتاب برأيه فانا بحول الله و قوته نأخذ جميع ما نقول من کليات الاخبار علي ما روي علينا ان‌نلقي اليکم الاصول و عليکم ان‌تفرعوا.

الباطن: نزلت الآية في الباطن في البغاة الذين بغوا علي علي7 کمعوية و اصحابه و طلحة و زبير و عايشة و اصحابهم قال ابوجعفر7 انما جاء تأويل هذه الآية يوم البصرة و هم اهل هذه الآية و هم الذين بغوا علي اميرالمؤمنين7 فکان الواجب عليه قتالهم و قتلهم حتي‌يفيئوا الي امر الله و لو لم‌يفيئوا لکان الواجب عليه فيما انزل الله ان لايرفع السيف عنهم حتي‌يفيئوا و يرجعوا عن رأيهم لانهم بايعوا طائعين غير کارهين و هم الفئة الباغية کما قال الله عزوجل فکان الواجب علي اميرالمؤمنين7 ان‌يعدل فيهم حيث کان ظفر بهم کما عدل رسول‌الله9 في اهل مکة انما من عليهم و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 178 *»

 عفا و کذلک صنع اميرالمؤمنين7 باهل البصرة حيث ظفر بهم مثل ما صنع النبي9 باهل مکة حذو النعل بالنعل الخبر. و قال ابوعبدالله7 في حديث لما نزلت هذه الآية‌ قال رسول‌الله9 منکم من يقاتل علي التأويل کما قاتلت علي التنزيل و سئل النبي9 من هو قال خاصف النعل و کان اميرالمؤمنين7 يخصف نعل رسول الله9 انتهي. و قول ابي‌جعفر7 انما جاء تأويل هذه المراد بالتأويل هنا الباطن فان الباطن نوع من التأويل بالمعني الاعم و يجيء باطنه الاعظم في قتال مولانا بقية الله عجل‌الله‌فرجه مع فرق الاسلام حتي‌يفيئوا الي امر الله و هو7 امر الله کما ورد في باطن قوله اتي امر الله اي القائم عجل‌الله‌فرجه فيقاتلهم حتي‌يفيئوا الي طاعته طوعاً و کرهاً.

و من ذلک ان‌يکون الطائفتان الحسين و اصحابه و بنوامية و اصحابهم و الراضين4 بفعلهم و الخطاب الي القائم عجل‌الله‌فرجه و اصحابه فلما بغوا علي الحسين و اصحابه امر القائم7 و اصحابه بقتالهم فيقاتلهم طلباً لثار الحسين7 او الخطاب الي الحسين7 بنفسه فلما اقتتلوا فاراد ان‌يصلح بالمواعظ و النصايح و تعريفهم نفسه و اظهار حسبه و نسبه فلم‌ينجح فيهم و لم‌يتعظوا و بغوا فقاتلهم بامر الله و حکمه حتي‌يفيئوا و لم‌يفيئوا حتي کان ما کان.

انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بین اخویکم واتقوا الله لعلکم ترحمون

القراءة: عن يقعوب و ابن‌سيرين «اخوتکم» بالتاء علي الجمع و عن زيد بن ثابت و الحسن «اخوانکم» بالالف و النون علي الجمع.

الظاهر: اراد الله عزوجل التعليل لما امر في الآية السابقة بالاصلاح بين الطائفتين من المؤمنين فقال انما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله بحسب

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 179 *»

الدعوة الظاهرة سواء صدقوا في الايمان و آمنوا بقلوبهم ام کذبوا اخوة بحسب الظاهر لاب و ام ابوهم آدم و امهم حواء لايفضل بعضهم علي بعض الا بالتقوي کما قال ياايها الناس انا جعلناکم شعوباً و قبايل لتعارفوا ان اکرمکم عند الله اتقيکم و هو امر اخروي و اما في الدنيا فکلکم اکفاء و اشباه تتکافأ دماؤکم کما قال علي بن الحسين7 في حديث الحقوق و اما حق مملوکک فان‌تعلم انه خلق ربک و ابن ابيک و امک و لحمک و دمک الخبر، و في الابيات المنسوبة الي علي7:

الناس من جهة التمثال اکفاء

ابوهم آدم و الامّ حوّاء

و قال رسول‌الله9 المسلون اخوة تتکافأ دماؤهم الخبر، فمن جهة‌ اتحاد الاب و الام جميع الکفار ايضاً اخوة للمؤمنين کما قال الله عزوجل و اخوان لوط و قال و اذکر اخا عاد و امثال ذلک فتخصيص المؤمنين بالاخوة هنا لتعطيف بعضهم علي بعض حتي‌يؤدوا حقوق الاخوة علي نهج الکمال و يراعوا حرمة ابيهم و امهم في اولادهما و لايکونوا کالکفار الذين قد منعوا انفسهم من مقتضيات الاخوة و لم‌يعملوا بمقتضاها و لم‌يجروا علي الفطرة التي فطر الله الناس عليها و المؤمنون ينبغي لهم ان‌يجروا علي الفطرة و يراعوا اتحاد ابيهم و امهم و کون لحمهم و دمهم من لحم واحد و دم واحد فهم يراعون للاخوة و يعملون بمقتضي الفطرة دون الکفار و ان کانوا اخوة حقيقة و اثبات الشيء لايدل علي نفي ماسواه کما روي عنهم: ثم عطف علي ذلک و اتي بالفاء التعليلية و قال فاصلحوا بين اخويکم اي بناء علي ذلک اصلحوا بين اخويکم فان الاصلاح من مقتضيات الفطرة و الاخوة و امرتکم بالاصلاح بين المتقاتلين لاجل اداء حق الاخوة کما قال الله عزوجل فاتقوا الله و اصلحوا ذات بينکم و قال رسول‌الله9 اصلاح ذات البين افضل من عامة الصلوة و الصيام و قال من مشي في صلح بين اثنين صلي عليه ملائکة الله حتي‌يرجع و اعطي ثواب ليلة القدر و قال ابوعبدالله7 لان‌اصلح بين اثنين احب الي من ان‌اتصدق بدينارين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 180 *»

 و قال صدقة يحبها الله اصلاح بين الناس اذا تفاسدوا و تقارب بينهم اذا تباعدوا و قال لمفضل اذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي و قال في قول الله عزوجل (و لاتجعلوا الله عرضة لايمانکم ان‌تبرّوا و تتقوا و تصلحوا بين الناس) اذا دعيت لصلح بين اثنين فلاتقل عليّ يمين ان لاافعل انتهي. و فضل الصلح کثير لايسع هذا الکتاب ان‌احصيها و کفي في فضله قوله تعالي الصلح خير و ان اجيز الکذب فيه فقال ابوعبدالله7 المصلح ليس بکذاب.

و قوله و اتقوا الله لعلکم ترحمون اي احذروا الله في سطوته و لاتخالفوا امره اذا امرکم باصلاح و اتقوا في ترک التراحم و التواصل الذي فيه خراب مدنکم و انقراضکم عن آخرکم و اصلحوا لعلکم ترحمون فيرحمکم الله کما رحمتم اخوانکم و لم‌ترضوا بتفاسد ذات بينهم و فساد مدنيتهم بتقاتلهم و تفرقهم و وصلتم بهم و واصلتهم بينهم کما روي عن علي7 قال قال رسول‌الله9 ان الله رحيم يحب کل رحيم و قال ابوجعفر7 رحم الله امرأ الف بين وليين لنا يا معاشر المؤمنين تألفوا و تعاطفوا و قال رسول‌الله9 من لايرحم لايرحم.

التأويل: فمن تأويلها ان‌يکون المراد بالمؤمنين الطبايع المذکورة في الآية السابقة فهن اخوة و ذکّرن من حيث مطاوعتهن للعقل کما ذکّر الله السموات و الارض و قال اتينا طائعين و ذکّر جميع الاشياء و قال لاتفقهون تسبيحهم و ذلک لانه لما نسب الله الي الاشياء ما ينسب الي ذوي العقول ملاحظاً لجهاتها الي ربها و ما فيها من الشعور الکوني ذکّرها فالطبايع من هذا الحيث اخوة لانها بنو اب واحد و هو المادة المشترکة بينها و بنو ام واحدة و هي الحدود الجسمانية فلاجل ذلک يمکن ان‌يميل کل واحد الي کل واحد و يعمل کل واحد بمقتضي کل واحد مشايعة له و لولا ذلک لتفکک المرکب و فسد و لذا تري النبات مثلاً يصعد ناره و يشايعها اخوتها الثلثة و ينزل ترابه و يشايعه اخوته الثلثة و يتوسط هواؤه مائلاً الي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 181 *»

العلو مع الانتشار و يشايعه اخوته الثلثة و يتوسط ماؤه مائلاً الي السفل مع اللين و قبول الامتداد و يشايعه اخوته الثلثة و لولا تلک المشايعة لتفکک المرکب و ذهب کل عنصر الي حيزه فکانت العناصر اخوة بني مادة جسمانية طبعانية و بني صورة واحدة من نوع الحدود الجسمانية و هي الکم و الکيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المکان النوعية فامر الله العقل الذي هو الامير عليها و الامام لها و الحجة عليها ان‌يصلح بينها بالتأليف و التعديل حتي‌ينتظم مدينة بدنه و لايتفرقوا و لايبغي بعضهم علي بعض و لايتفاسد ما بينهم و نسبهم الي اخوة العقل مع ذلک فان الطبايع في الاول عدو للعقل و مخالفة له کما في القدسي يا آدم روحک من روحي و طبيعتک علي خلاف کينونتي و قال ان الشيطان لکم عدو فاتخذوه عدواً و عدوّ بعضهم لبعض فلما استعدلت و تألفت و طاوعت العقل کما قال الله سبحانه و اذکروا اذ کنتم اعداءاً فالف بين قلوبکم فاصبحتم بنعمته اخواناً و کنتم علي شفا حفرةٍ من النار فانقذکم منها صارت اخوة للعقل کما قال الله سبحانه فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزکوة فاخوانکم في الدين و لذا قال فاصلحوا بين اخويکم و اتقوا الله فان تعديل المزاج بامر الله يتقي به الله و يحذر به من مخالفة الله و يعمل به بمحاب الله و الطبايع رعايا للعقل و کلکم راع و کلکم مسؤل عن رعيته و اعتدال المزاج سبب تعاليه و تلطفه و شفافيته و حکايته انوار العقل کما قال علي7 خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زکاها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهر عللها و اذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارک بها السبع الشداد. لعلکم ترحمون فان العالي اذا رحم الداني بحسن سياسته و تأديبه يرحمه الاعلي منه کما قال رسول‌الله9 من لايرحم لايرحم و حسن سياسة العالي و تأديبه للداني رحمة من الله له کما قال الله تعالي ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي فافهم.

الباطن: اعلم لهذا الانسان المحسوس مراتب منها جماديته التي هي من عناصر هذا العالم اصلها منها و اليها تعود و منها نباتيته و اصلها من طبايع هذه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 182 *»

العناصر و اليها تعود و منها حيوة حيوانية اصلها غيب الافلاک منه تنشأ و اليه تعود و بهذه المراتب يتم البدن الجسماني الدنيوي و هم بابدانهم قد توالدوا من آدم و حواء و هما ابوا ابدانهم و لو کانا ابوا ارواحهم لکان الناس کلهم انبياء فان الحمام لاتلد الا الحمام و الغراب لاتلد الا الغراب و في المثل الساير لاتلد الحية الا الحية فلم‌يک يتولد من آدم الا النبي فانه کان نبياً و منها نفسهم الناطقة القدسية فانها ليست من ولد آدم فانها روح يستفاد من المربي و المعلم الخارجي فان وجد وجدت و الا فلا فلو ولد بدن انسان ثم لم‌ير به احد و ترک و نفسه نشأ حيواناً و ان کان اقوي من ساير الحيوانات في الجملة و هذه النفس هي الانسان و هذا الانسان له ابوان فابوه الذي منه مادته و نوره الذي به عرف ربه و امه التي عرفه تفاصيل التوحيد و هي الاعمال الحسنة و الاخلاق الزکية و العلوم الحقيقية بل و تفاصيل العقايد الحقة الصحيحة فلاجل ذلک ابو کل انسان نبيه و ام کل انسان وليه الشارح لدينه المترجم عنه المفصل لاجمال ما جاء به و کل رعية اولاد نبيهم و وليهم و هذه الامة اناسيهم اولاد محمد نبيهم9 و علي وليهم و بذلک تضافرت الاخبار فمن طريق العامة عن النبي9 في حديث في فضل علي7 هو مني و انا منه حبه ايمان و بغضه کفر محبه محبي و مبغضه مبغضي و هو مولي من انا مولاه و انا مولي کل مسلم و مسلمة و انا و هو ابوا هذه الامة و عن ابي‌جعفر7 قال و وصينا الانسان بوالديه رسول‌الله و علي صلوات‌الله‌عليهما و عن النبي9 انا و علي ابوا هذه الامة فعلي عاق والديه لعنةالله فعلي ذلک المؤمنون اخوة لاب و ام ابوهم النبي و امهم الولي و قد نص الله عزوجل في کتابه بلطائف بيانه حيث قال النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و في قراءة اهل‌البيت: و هو اب لهم و ازواجه امهاتهم مع انه قال خلق لکم من انفسکم ازواجاً و قال و انفسنا و انفسکم ولکن الاخوان في الدنيا اصناف اربعة اخوان لاب و ام، و اخوان لاب، و اخوان لام، و اخوان رضاعيون ففي الباطن الاخوان الاعياني هم لاب و ام فهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 183 *»

المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسله و اتبعوا وصيه فيما شرع و والوا اولياءهم و عادوا اعداءهم و اما بنو العلات فليسوا في الباطن علي الحقيقة لان نبينا9 لم‌يتخذ ولياً غير الولي الحق و اما في النسبة الظاهرة فالمدعون للولاية و الخلافة هم ايضاً امهات للمسلمين کما کان بنت الاول و الثاني امين للمسلمين في النسبة‌ الظاهرة دون الحقيقة و اما بنو الاخياف فهم لام واحدة و آباء عديدة فلذلک لايعقل في امنا3 لانها لم‌تتصل الا بواحد و اما تلک الامهات الظاهرة فقد خنّ و اتخذن لهن شرکاء متشاکسين لعنهم‌الله فاولادهم من شرکاء هم بنو اخياف و ليسوا لنا اخوة لا لاب و لا لام و اما ما کان لهن من ابينا فهم بنو العلات الا انهم من ابينا و اما المتبعون للولي فهم اخواننا الاعياني و اما الاخوان الرضاعي فقد ارتضع بعض اخواننا الاعياني من تلک الامهات و اللبن يعدي فغير جسمه و هيأته و شابه بني امه الرضاعي فربما قال في کثير من الاشياء بقولهم و سار بسيرتهم نعوذ بالله فهو اخ رضاعي لهم قد دخل فيهم بالعرض و ناسبهم و لرب ولد منهن جاء الينا و ارتضع من لبن امنا و تعلم من علومنا و اللبن يعدي فقال بقولنا و ساير بسيرتنا و هذا في الظاهر احسن سمتاً من المرتضع الاول و ان کان اشقي ذاتاً و المرتضع الاول اخس سمتاً و اسوء هيأةً من المرتضع الثاني الا انه اسعد ذاتاً و سيعود کل واحد الي اصله و لو بعد حين و قد يلحظ في اللات و العزي ان اللات کانت اکثر اجمالاً و کانت مؤسسة للکفر و الشقاوة و اصلاً و العزي کانت اکثر تفصيلاً و شارحة لاجمالها فيقال هما ايضاً ابوا المنافقين من الاولي مادة النفاق و من الثانية صورته و من هذا الباب روي انه سئل اميرالمؤمنين7 عن قوله تعالي ان اشکر لي و لوالديک اليّ المصير قال الوالدان اللذان اوجب الله لهما الشکر هما اللذان والدا العلم و وارثا الحکم و امر الناس بطاعتهما ثم قال الله (اليّ المصير) فمصير العباد الي الله و الدليل علي ذلک الوالدين ثم عطف القول علي ابن‌خثيمة (ابن‌حنتمة ظ) و صاحبه و قال في الخاص و العام (و ان جاهداک علي ان‌تشرک بي) يقول في الوصية و تعدل عمن امرت بطاعته (فلاتطعهما) و لاتسمع قولهما ثم عطف القول

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 184 *»

 علي الوالدين فقال (و صاحبهما في الدنيا معروفاً) يقول عرّف الناس فضلهما و ادع الي سبيلهما و ذلک قوله (و اتبع سبيل من اناب اليّ ثم اليّ مرجعکم) فقال الي الله ثم الينا فاتقوا الله و لاتعصوا الوالدين رضاهما رضا الله و سخطهما سخط الله انتهي. فعلي ذلک الوالدان ثلاثة والدا البدن الدنياوي و هما المعروفان و والدا العقل و النفس الانسانية و هما النبي و الولي و والدا النفس الامارة و هما اللات و العزي. هذا مجمل من امر اخوة المؤمنين و قد شرحنا ذلک في کتابنا «ابواب الجنان» في حقوق الاخوان فان شئت فراجعه فمن حيث التوالد الدنياوي جميع الناس اخوة کما مر في الآية السابقة ولکنهم من حيث النفوس آباؤهم و امهاتهم شتي فالمؤمنون اخوة لاب و ام و المنافقون ايضاً اخوة لاب فمنهم لام ايضاً و منهم من العلات ثم اعلم ان الاخوة ايضاً لها مراتب فکل اثنين تساويا في المعرفة و العلم و العمل فهما اخوان لاب واحد و ام واحد حقيقة و لو کان ابوذر اخا سلمان في الدرجة العليا لما کفره اذا اطلع علي ابيه و امه فافهم فذلک الذي له الحق العظيم و الاتصال العميم و هو کروحک و جسدک و لحمک و دمک و اما من يشارکک في مطلق الايمان و هو في اخس المراتب و انت اعلي فهو اخوک العام لا اخوک الخاص و لکل حق بحسبه و يکشف عن ذلک قول الرضا7 بعد ذکر حقوق الاخوان و الاخ الذي يجب له هذه الحقوق الذي لافرق بينک و بينه في جملة الدين و تفصيله ثم ما يجب له بالحقوق علي حسب قرب ما بين الاخوان و بعده بحسب ذلک الخبر. و من هذا الباب آخي رسول‌الله9 بين اصحابه فآخي بين رجل و قرينه ثم آخي بين نفسه و بين علي7 مع ان جميع المؤمنين اخوة فعن عبدالله بن عباس قال لما نزلت انما المؤمنون اخوة آخي رسول‌الله9 بين المسلمين فآخي بين ابي‌بکر و عمر و بين عثمان و عبدالرحمن و بين فلان و فلان حتي آخي بين اصحابه اجمعهم علي قدر منازلهم ثم قال لعلي بن ابي‌طالب7 اخي و انا اخوک و من طريق المخالفين عن حذيفة بن اليمان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 185 *»

قال آخي رسول‌الله9 بين المهاجرين و الانصار و کان يواخي بين الرجل و نظيره ثم اخذ بيد علي بن ابي‌طالب فقال هذا اخي الخبر. و هذه هي الاخوة الخاصة فکل من نورک و نوره واحد و صفتک و صفته واحدة فهو اخوک الخاص فالنور ابوکما و الصفة امکما و کل من نوره من نوع نورک الا ان نوره اقل ضو‌ءاً و صفته من نوع صفتک الا ان صفته اقل خلوصاً و صفاءاً فهو اخوک العام فقد قيل لابي‌عبدالله7 جعلت فداک الحديث الذي سمعته انا منک ما تفسيره قال و ما هو قال ان المؤمن ينظر بنور الله فقال يا فلان ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و اخذ ميثاقهم لنا بالولاية علي معرفته يوم عرّفهم نفسه فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة و انما ينظر بذلک النور انتهي. فالنور هو ظل محمد9 اذ هو نور الله و الرحمة ظل علي7 فانه کتب علي نفسه الرحمة و هو نفس الله القائمة فيه بالسنن و رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار فطابق قوله انا و علي ابوا هذه الامة و عن ابي‌جعفر7 قال المؤمن اخ المؤمن لابيه و امه و ذلک ان الله خلق المؤمن من طينة السموات و اجري فيهم من ريح روحه فلذلک هو اخوه لابيه و امه انتهي. و الطينة طينة الجنة طينة الرحمة و هي من ظل علي7 فانها طينة‌ الاجابة و الصورة و ريح الروح هو ظل محمد9 و بها حيوة تلک الطينة و اتصالها بالله و يوضح قول ابي‌جعفر7 في حديث آخر المؤمن اخ المؤمن لابيه و امه لان الله خلق المؤمنين من طينة الجنان و اجري في صورهم من ريح الجنة فلذلک هم اخوة لاب و ام انتهي. فالطينة هي الصورة و قال ابوعبدالله7 المؤمن اخ المؤمن کالجسد الواحد ان اشتکي شيء منه وجد الم ذلک في ساير جسده و ارواحهما من روح واحدة و ان روح المؤمن لاشد اتصالاً بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها انتهي.

و لک ان‌تأخذ المؤمنين الائمة: فانهم يؤمنون شيعتهم من عذاب النار فهم اخوة خواص او الانبياء فانهم ايضاً شفعاء المؤمنين بهم و هم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 186 *»

ايضاً اخوة علي اختلاف الدرجات فافهم ثم قال الله سبحانه فاصلحوا بين اخويکم يعني اذا ثبت ان المؤمنين اخوة و للاخ حقوق علي اخيه لابدّ و ان‌يؤدّيها فاصلحوا بين اخويکم لان الاصلاح احد تلک الحقوق فان کان المراد بالاخوة المعصومين فالمخاطبون بقوله اصلحوا انفسهم فامره مطاع فيهم لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فقد اصلحوا بينهم من اول تکونهم فليس بينهم تنازع و لاتباغ و لاتحاسد و هم العباد الصالحون علي الاطلاق فليس فيهم فساد ابداً و ان کان المراد منها الانبياء فالمخاطبون بـاصلحوا الائمة: و قد اصلحوا بينهم کما امروا فليس بينهم ايضاً تنازع فان کان المراد منها ساير المؤمنين فالمخاطبون الولاة و اصحاب القدرة فمن اصلاح ذات بينهم تقوية ايمانهم بتلقين معرفة الله جل و عز و معرفة النبي9 و معرفة الائمة و وجوب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء فانهم ان عرفوا ذلک لم‌يتنازعوا ابداً و ارتفع الخلاف و التشاجر و التنازع من بينهم البتة و ان کثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض الا الذين آمنوا و هذا اعظم الاصلاح. و من اصلاح ذات بينهم تعليمهم الحلال و الحرام و اجراء الحدود و الاحکام فانهم اذا علموا الحلال و الحرام و خافوا اجراء الحدود عليهم لم‌يعملوا بشيء يوجب النزاع فهو ايضاً نوع من انواع الاصلاح. و من اصلاح ذات البين ان‌يردع المؤمنين عن المعاصي و الاعمال القبيحة التي يستحقون بها من الله العذاب و توکيلهم الي انفسهم و تولية بعضهم بعضاً کما قال يوم نولي بعض الظالمين بعضاً و القاء الله العداوة و البغضاء بينهم حتي‌يعذب بعضهم ببعض کما قال و القينا بينهم العداوة و البغضاء ابداً حتي‌يؤمنوا بالله وحده و قال ليذيق بعضهم بأس بعض فاذا ارتدعوا عن المعاصي و لم‌يعصوا لم‌يعذبهم الله حتي‌يستحقوا منه الخذلان الموجب للنزاع فيقع الاصلاح و قسمه الادون نصيحتهم و عظتهم و تذکيرهم بتأذي الله و رسوله و الائمة: من بغي بعضهم علي بعض و اذي بعضهم لبعض و ان اذي بعضهم بعضاً مبارزة الله بالحرب و اذية رسوله و اذية حججه و في ذلک بطلان اعمالهم کما قال لاتبطلوا صدقاتکم بالمن و الاذي علي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 187 *»

الاطلاق حتي‌يرتدعوا بذلک و يعرفوا ان تنازع المؤمنين امر عظيم و من ذلک ان‌يفتدي تنازعهم بمال منه حتي‌يرضي بعضهم عن بعض احتراماً لمحمد و آله في شيعتهم صلوات‌الله‌عليهم و لذلک قال الصادق7 لمفضل اذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي انتهي. کل ذلک لاجل ان لايکون بين اولادهم تباغض و تنازع فيدخل ذلک عليهم و يتأذون به فيصل ذلک الي الله عزوجل کما في القدسي من آذي لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة و دعاني اليها. و اتقوا الله في اداء حقوق الاخوان کما قال في موضع آخر فاتقوا الله و اصلحوا ذات بينکم لان ذلک امر عظيم و خطب جسيم قد هلک فيه رجال کثيرون کما قال العسکري7 في قوله تعالي و عملوا الصالحات قضوا الفرايض کلها بعد التوحيد و اعتقاد النبوة و الامامة قال و اعظمها فرضان قضاء حقوق الاخوان في الله و استعمال التقية من اعداء الله و قال علي بن الحسين7 يغفر الله کل ذنب (للمؤمن ظ) و يطهره منها في الدنيا و الآخرة ما خلا ذنبين ترک التقية و تضييع حقوق الاخوان الي ان قال الا فاعظم فرائض الله عليکم بعد فرض موالاتنا و معاداة اعدائکم استعمال التقية علي انفسکم و اموالکم و معارفکم و قضاء حقوق اخوانکم و ان الله يغفر کل ذنب بعد ذلک و لايستقصي و اما هذان فقل من ينجو منهما الا بعد مس عذاب شديد الي ان قال فاتقوا الله و لاتتعرضوا لمقت الله بترک التقية و التقصير في حقوق اخوانکم المؤمنين الخبر. لعلکم ترحمون يتعلق بکم رحمة الله لما صدر منکم الرحمة علي اخوانکم المؤمنين فالله سبحانه يجازيکم بالرحمة کما رحمتم المؤمنين الذين خلقوا من نور الله فکانوا مظاهر انوار التوحيد و مجالي اسرار التفريد و کان اذاهم اذي الله و سرورهم سرور الله و حزنهم حزن الله و کل معاملة معهم هو المعاملة مع الله فاذا رحمتم من هو هکذا بتواخيه و اصلاح امره جزاکم الله برحمته لقوله هل جزاء الاحسان الا الاحسان هذا في ظاهر الامر و اما في الحقيقة ما لم‌يرحم الله العبد و يشرق علي قابليته شمس اسم الرحيم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 188 *»

من اسماء الله عزوجل و يستولي علي زيتها ناره لم‌يشتعل بالرحمة و ما لم‌يشتعل بالرحمة لايکون له فضل رحمة يرحم به احداً فاذا نظر الله الي العبد بنظر الرحمة و رحمه استوعب کينونته الرحمة حتي خفي من حيث نفسه و ظهر باسم الرحيم فکان بالمؤمنين رحيماً و من عرف ذلک لم‌يمنّ علي الله باعماله و افعاله فيبطله لما رأي في نفسه من الاستقلال بذلک العمل فمن و رؤيته الاستقلال تقطعه عن الله فتتبدل حسناته سيئات فيحبط اعماله فيبطل افعاله بالجملة قوله لعلکم ترحمون هو نظر صعودي من الاسفل الي الاعلي و ترغيب لما يرون في انفسهم شيئاً و يحسبون انهم العاملون و يطلبون المجازات کما قال لهم فاذکروني اذکرکم و اما لغيرهم قال و ما بکم من نعمة فمن الله الي غير ذلک من الآيات.

ياايها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم عسي ان‌يکونوا خيراً منهم و لا نساء من نساء عسي ان‌يکن خيراً منهن و لاتلمزوا انفسکم و لاتنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان و من لم‌يتب فاولئک هم الظالمون.

القراءة: عن يعقوب «لاتلمزوا» بضم التاء و لم‌ار في اللغة «المز» من باب الافعال.

الظاهر: قوله عزوجل لايسخر اي لايهزء من «سخر منه و به» کسمع و فرح هزئ و القوم يقع علي الرجال دون النساء و هو جمع قائم کزور و زاير و اما مصدر نعت به فشاع في الجمع و القيام بالامور شأن الرجال کما قال تعالي الرجال قوامون علي النساء و اما اطلاق القوم علي الرجال و النساء کقوم عاد و ثمود فعلي التغليب او ان النساء تابعة للرجال و «لمز» عاب و اصله الاشارة بالعين و «نبزه» عابه و «تنابزوا» تعايروا و تعايبوا ثم خاطب الله المؤمنين و ادّبهم و ذکر لهم حقوق الاخوان بعد ان اثبت لهم الاخوة فقال ياايها الذين آمنوا و ثبت اخوتکم بايمانکم و لجأتم الي رکن واحد وثيق و آمنتم بالله و رسوله و حججه و واليتم اولياءهم و واخيتموهم و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 189 *»

عاديتم اعداءهم و اجتنبتموهم لايسخر قوم من قوم اي لايهزء رجال برجال بذکر بعض ما فيهم من الصفات الدنية عسي ان‌يکونوا اي المسخورون خيراً منهم عند الله بان‌يکون ذواتهم طيبة و فيهم من الصفات الذميمة بالعرض و يکون ذواتکم خبيثة و فيکم من الصفات الحسنة بالعرض بسبب اللطخ و الخلط الواقعين في الطين قيل لموسي بن جعفر7 يابن بنت رسول‌الله ان هيهنا رجال من مواليکم يشربون الخمور و يرتکبون الموبق من الذنب فيسوغ لنا ان‌نقول انهم فساق فجار فقال لا يا فلان والله ما الفاسق الفاجر الا الناصب لنا حرباً ولکن قولوا مؤمن النفس خبيث الفعل طيب الروح والله لن‌يخرج ولينا من الدنيا الا و الله و رسوله و نحن عنه راضون الخبر. او اذا وزنوا يوم القيمة بميزان قسط رجح خيرهم علي شرهم و اذا وزنتم رجح شرکم علي خيرکم و عسي ان‌يرحمهم بسخريتکم غيرة لهم بايمانهم و يؤاخذکم بسخريتکم اياهم غضباً عليکم و لانساء من نساء عسي ان‌يکن خيراً منهن و معناها کالفقرة السابقة و لايدل الآية علي جواز سخرية الرجال بالنساء و سخرية النساء بالرجال فانهما مسکوت عنهما و لهذا النهي فروع کثيرة فان السخرية لاتختص بالقول فيشمل القول و الفعل فيشمل کل عمل عملته استهزاءً بمؤمن و کل قول ذکرته استهزاءً به فيعم کل هجر و منع و ايذاء و اهانة و خذلان و اذلال و احتقار و استخفاف و تعيير و تأنيب و بهتان و غيبة و تعييب و اذاعة سرّ و رواية عليه و سبّ و لعن و تهمة و غير ذلک قولاً و فعلاً و قوله و لاتلمزوا انفسکم اي لاتعيبوا انفسکم اي اخوانکم المؤمنين و فيه اشعار بجواز لمز غير المؤمنين و عيبهم و هو کذلک قال ابوجعفر7 ان اقرب ما يکون العبد الي الکفر ان‌يواخي الرجل الرجل علي دينه فيحصي عليه عثراته و زلاته ليعيره بها يوماً ما و قال ابوعبدالله7 من عير مؤمناً بذنب لم‌يمت حتي‌يرکبه و الاخبار في ذلک کثيرة جداً.

و اما قوله عزوجل و لاتنابزوا بالالقاب اي لاتعايروا و لاتعايبوا بذکر الالقاب و لاتظهروا عيب المؤمنين بذکر القاب سيئة يکرهها المؤمن سواءاً کان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 190 *»

ملقبا به عند الناس و هو يکرهه او تلقبه انت به تعايراً و تعايباً و يعمّ ذلک السبّ و الشتم بان‌تقول له يا فاسق يا فاجر و امثالها فانها القاب سوء و ان‌تقول ليهودي اسلم يا يهودي او کان قبل يشرب خمراً فتاب فتقول له يا شارب الخمر الحاصل هو توصيف الرجل بصفة يکرهها فان اللقب في اللغة کل اسم لم‌يسم به الرجل و هو علي ثلاثة اقسام لقب تعريف و لقب تشريف و لقب تسخيف اما التعريف فهو کالبريد و الکاتب تقول فلان البريد و فلان الکاتب و ذلک لاعيب فيه و قد کان و يکون بلانکير و کراهة من احد و اما التشريف فهو کالمصطفي و المرتضي و المجتبي و امثالها و لانهي عن ذلک و اما التسخيف فهو کل‌ما يکرهه صاحبه و فيه عيب و هذا هو المنهي عنه قال ابوعبدالله7 لاخير في اللقب ان الله يقول في کتابه (و لاتنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان) و قيل بحضرة الرضا7 في شعر انشدنيه ابو العتاهية لنفسه قال هات اسمه و دع عنک هذا ان الله يقول (و لاتنابزوا بالالقاب) و لعل الرجل يکرهه انتهي. و العتاهية کعلانية مصدر «عته» الرجل کفرح بمعني نقص عقله من غير جنون او دهش و عن القمي ان هذه الآية نزلت في صفية بنت حي بن اخطب و کانت زوجة رسول‌الله9 و ذلک ان عايشة و حفصة کانتا تؤذيانها و تشتمانها و يقولان لها يا بنت اليهودية فشکت ذلک الي رسول‌الله9 فقال الا تجيبينهما قالت بماذا يا رسول‌الله قال قولي ان ابي هرون نبي الله و عمي موسي کليم الله و زوجي محمد رسول‌الله فما تنکران مني فقالت لهما فقالتا هذا اعلمک رسول‌الله فانزل الله في ذلک ياايها الذين آمنوا لايسخر الآية.

و اما قوله بئس الاسم الفسوق بعد الايمان يعني بئس الاسم اسم الفسوق لکم بعد ان سميتم بالايمان و يقبح ان‌تسموا بالفسوق بعد ان شرفتم باسم الايمان و المراد ان سخرية المؤمنين و المؤمنات و عيب المؤمنين و ذکر الالقاب السيئة لهم فسوق و قد قال الله سبحانه افمن کان مؤمناً کمن کان فاسقاً لايستوون و اذا ما استووا لن‌يجتمعوا في درجة واحدة البتة بل الآية تشعر بمعني آخر علي ان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 191 *»

‌يکون الفسوق بمعني الکذب کما في الخبر و هو ان ما تذکرون في حق المؤمنين من المعايب و النقايص کلها کذب و المؤمن بريء منها کما مرّ في حديث موسي بن جعفر7 ان المؤمن لايکون فاسقاً فاجراً و انما الفاسق الفاجر هو الناصب فکل‌ما يعاب به المؤمن لايکون فاسقاً فاجراً و انما الفاسق الفاجر هو الناصب فکل‌ما يعاب به المؤمن الطيب الذات هو بريء منه و ما يتراءي عليه من العيب هو من لطخ النصاب و هو منهم و اليهم ليس من المؤمن و لا الي المؤمن فقوله تعالي بئس الاسم الفسوق اي بئس الاسم ان‌تسموا بالکذب اي توصفوا به و تغلب عليکم تلک الصفة حتي‌تسموا به کما يقال زيد عدل بعد ان سميتم بالايمان و الکاذب ملعون و المؤمن لايکون ملعوناً.

و اما قوله و من لم‌يتب فاولئک هم الظالمون يعني من لم‌يتب من سخرية المؤمنين و المؤمنات و عيبهم و ذکر لقب سوء لهم فاولئک هم الظالمون لاخيهم المؤمن و الله سبحانه ينتقم للمظلوم من الظالم و ينصره عليه و يظهر براءة المظلوم و عصيان الظالم و يفضحه يوم القيمة نعوذ بالله و هم الظالمون لانفسهم حيث لم‌يتوبوا مما يهلکهم و يوردهم المهالک و العذاب کما قال ان الله لايظلم الناس شيئاً ولکن الناس انفسهم يظلمون و من معاني هذه الآية الشريفة ان للمؤمنين درجات عديدة تبلغ تسعة و اربعين و کل ذي درجة عقايده و اعماله علي حسب درجته فلايسع صاحب الدرجة الاولي ان‌يکون کصاحب الدرجة الثانية و لا صاحب الدرجة الثانية ان‌يکون کصاحب الدرجة الثالثة و هکذا فلايجوز لصاحب درجة عليا ان‌يسخر بصاحب الدرجة الدنيا و يهزأ بعقايده و اعماله و ان‌يلمز به و ينابزه بالقاب سيئة کالعاجز و الناقص و الجاهل و الضال و امثال ذلک و لو جاز ذلک لجاز ان‌يعامله من هو اعلي منه بذلک و يکشف عن ذلک قول ابي‌عبدالله7 ما انتم و البراءة يبرء بعضکم من بعض ان المؤمنين بعضهم افضل من بعض و بعضهم اکثر صلوة من بعض و بعضهم انفذ بصراً من بعض و هي الدرجات و قال لو علم الناس کيف خلق الله تبارک و تعالي هذا الخلق لم‌يلم احد احداً فقيل له اصلحک الله و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 192 *»

کيف ذاک فقال ان الله تبارک و تعالي خلق اجزاء بلغ بها تسعة و اربعين جزءاً ثم جعل الاجزاء اعشاراً فجعل الجزء عشرة اعشار ثم قسم بين الخلق فجعل في رجل عشر جزء و في آخر عشري جزء حتي بلغ به جزءاً تاماً و في آخر جزءاً و عشر جزء و آخر جزءاً و عشري جزء و آخر جزءاً و ثلثة اعشار جزء حتي بلغ به جزئين تامين ثم بحساب ذلک حتي بلغ بارفعهم تسعة و اربعين جزءاً فمن لم‌يجعل فيه الا عشر جزء لم‌يقدر علي ان‌يکون مثل صاحب العشرين و کذلک صاحب العشرين لايکون مثل صاحب الثلثة الاعشار و کذلک من تم له جزء لايقدر علي ان‌يکون مثل صاحب الجزئين و لو علم الناس ان الله عزوجل خلق هذا الخلق علي هذا لم‌يلم احد احداً انتهي. فلايجوز لصاحب الدرجة العليا عيب صاحب الدنيا و تعييره و تأنيبه و لمزه و همزه و التبري منه و لعنه و تسميته بما يکره فان ذلک فسوق و معصية للمؤمن و صفة قبيحة يکتسبها بعد اکتساب اسم الايمان و من لم‌يتب من اذاه لاخيه المؤمن فاولئک هم الظالمون لاخوانهم و لانفسهم و في هذه الآية رجاء عظيم لضعفاء المؤمنين فان الله جل و عز لايتصف بصفة لايرتضيه لعباده فهو اولي بالعذر لعباده الضعفاء و اولي بقبول عقايدهم و اعمالهم اذ لايکلف الله نفساً الا ما آتاها و لايکلف الله نفساً الا وسعها و الضعيف لايسعه ما يسع القوي لضعف قواه قال تعالي معاذ الله ان‌نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده فافهم.

التأويل: ان الله سبحانه کان اذ لا کان فکوّن ما قد کان لا من شيء کان فکون ما کون علي حسب حکمته بقدرته و علمه کما قد بان علي وجه ليس في الامکان وضع احسن مما قد کان فوضع کل شيء موضعاً ليس له موضع اولي به منه و احق له منه و ذلک ان الخلق ظل مشيته و نور ارادته و هي واحدة ليس في الامکان شيء اوحد منها اذ هي آية واحديته جل شأنه و جعلها الله واحدة لانها ظل کينونته الاحدية الوصفية فلاجل ذلک صار الخلق دليل احديته جل شأنه فلاجل ذلک کان علي کمال الارتباط و الانتظام بحيث انه لايسع حکيماً من الحکماء ان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 193 *»

‌يقول لو کان کذا لکان احسن لو کان فيهما آلهة الا الله لفسدتا، و لو کان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً کثيراً و قيل لابي‌عبدالله7 ما الدليل علي ان الله واحد قال اتصال التدبير و تمام الصنع كما قال عزوجل (لو كان فيهما آلة الا الله لفسدتا) فاذاً كل‌ما وضعه الله في العالم موضعاً فانما هو لحكمة عظيمة و يكشف به عن توحيده و تفريده بالتدبير و انما يتعرض في صنعه الجاهل كذلك الاعمي الذي يطأ بساط السلطان و قد وضع فيه الاواني و السرج و اثاثاً علي اوضاع و اشكال ليس احسن منها فيعثر الاعمي علي كل اناء و سراج و اسباب زينة فيسلقه بلسان حديد و يعيب علي وضع مجلسه كذلك الجاهل بهذه الحكمة العظيمة اذا عثر بشيء بعد شيء من جهله و عماه فيطعن علي وضع العالم باي لسان كان و ان لم‌يجسر ان‌يطعن في الصانع علانية هذا ان كان من اهل الاسلام و الا فيطعن في الصانع ايضاً و من اکثر التدبر في العالم انفتح له ابواب حکمة کثيرة من الاشياء و يفتحها له التدبر في حديث مفضل بن عمر الطويل و غيره من الاخبار و من ذلک ينفتح له باب السرور و الرضا بکل ما حدث و کان راضياً بمقادير الله حامداً بکل ما شاء الله و ذلک اعلي درجة السالکين قال ابوعبدالله7 اعلم الناس بالله ارضاهم بقضاء الله عزوجل و قال لم‌يکن رسول الله9 يقول لشيء قد مضي لو کان غيره انتهي. بالجملة المؤمن اذا عرف ذلک من حکمة العالم ليس له ان‌يعيب شيئاً من الخلق و يزدريه و ينتقص به و يهزأ اذا علم انه من وضع الحکيم و هو واجب في محله ان‌يکون علي ما هو عليه و لو لم‌يکن علي ما هو عليه لما دل علي الصانع الواحد الفرد الحکيم و لکان الخلق ناقصاً فاسداً الا تري انه اذا بني انسان داراً يجب ان‌يکون فيها غرف مبنية و بيوت و مشارب و قصور و بيوت حطب و مطابخ و تنانير و حياض و جداول و مجازات و ميضاة و امثالها و يجب ان‌يکون کل واحد في محله علي وضعه فليس لاحد ان‌يستهين الميضاة او يعيب علي بيت الحطب او غيره و هذا السرّ جار في جميع المواليد من الجمادات و المعادن و النباتات و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 194 *»

الحيوانات و الاناسي و کل شيء في حده و صفته و حاله يجب ان‌يکون علي ما هو عليه و لو کان علي غير ذلک لفسد العالم و لدل علي غير الصانع الواحد ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر کرتين ينقلب اليک البصر خاسئاً و هو حسير فلايجوز لاحد ان‌يعيب في وضع هذا العالم في جزئيه و کليه و اصوله و مواليده و لايسخر به و لايهزأ و لايعيب و لايسيء فانه في الحقيقة عيب علي الصانع الحکيم جل شأنه و تذکرت هنا مطلباً شريفاً لم‌اکتبه في شيء من کتبي فيما اذکر و لابأس بالاشارة اليه في هذه العجالة و هو ان مشايخنا کثيراً يقولون و هو الحق ان لااقتضاء في ذات الله للخلق و انما کان ما کان بسؤال الخلق و الاقتضاء من الخلق مساوقاً للخلق فربما يختلج في خلد متوسط انه لو کان ما کان باقتضاء من انفس الخلق و لم‌يکن من عند الله فاذاً تمام الحکمة للقوابل و هن الحکيمات المدبرات العالمات بالمصالح و المفاسد و العواقب و الحوادث و في ذلک سلب الحکمة عن الله و عدم دلالة الخلق علي حکمة الله و ابطال براهين الله التي يستدل بها علي توحيده في کتابه فليس الامر کذلک و من عرف سرّ ما ذکرنا عرف ان القوابل و المقبولات کلها مظاهر التوحيد و مجالي التفريد و کلها نور الله الواحد الحکيم دال عليه و لم‌يدخل عرصة الوجود شيء ليس بدال علي الله و لذا قالت الحکماء ليس الا الله و صفاته و اسماؤه و کلها بالنسبة الي واحديته التامة الوصفية کواحد کسرته الي مأة الف الف جزء فجميعها کسور الواحد التام فاذا التأم جميعها حصل الواحد التام الدال علي الاحد و ليس في المکونات جزء لغو فضل لم‌يکن من کسور الواحد فتعالي الله عن ذلک علواً کبيراً فافهم و تدبر فان هيهنا ليس محل بيان اکثر من ذلک و قد اشرنا الي ما ينبغي الاشارة اليه بالجملة الحکيم العليم المؤمن بالله و برسوله و بحججه و اوليائهم: لايعيب و لايهزأ بشيء من خلق الله و لاينابز بلقب شيء و يعلم ان العيب علي هذا الخلق عيب علي صنع الصانع و حکمته و بئس الاسم الفسوق بعد الايمان و من لم‌يتب من ذلک فاولئک هم الظالمون الواضعون للشيء في غير محله دون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 195 *»

الله عزوجل الحکيم العدل الذي يضع کل شيء في محله ان الله لايظلم الناس شيئاً ولکن الناس انفسهم يظلمون فافهم.

الباطن: يکون الخطاب في الباطن الي الذين آمنوا انفسهم من مکر الله و آمنوا بالجبت و الطاغوت و آمنوا بالدعوة الظاهرة لايسخر قوم اي قوم منکم قوامون بالباطل و قاموا بغصب الخلافة و ظلم العترة الطاهرة و قاموا بعدواة اوليائهم و ولاية اعدائهم و القوم المکذّبون المشار اليهم بقوله و کذب به قومک و هو الحق. من قوم هم العترة ‌الطاهرة صلوات الله عليهم اجمعين المشار اليهم بقوله و انه لذکر لک و لقومک فان العترة هم الذين لايفارقون القرآن بالحديث المجمع عليه اني تارک فيکم الثقلين کتاب الله و عترتي اهل‌بيتي لن‌يفترقا حتي‌يردا عليّ الحوض فنهي الله عزوجل ان‌يسخر القوم المکذب القوم المتذکر و هم لعنهم‌الله لم‌ينتهوا و قد سخروا بهم سخر الله منهم و کذا سخرت نساؤهم من فاطمة3 و لمزوا بهم و هم انفس المسلمين لآية انفسنا و انفسکم و هم النفوس المدبرة لجميع عالم الاجسام و لمزوهم و عابوا عليهم بما استطاعوا من الاکاذيب و بما مدحهم الله و رسوله به و تنابزوا بالقاب سيئة فيهم من نسبتهم الي السحر و الجنون و الهوج و الشاعر و الخارجي و غير ذلک مما هو اکثر من ان‌يحصي و اظهر من ان‌يخفي فعن العياشي عن الصادق7 آجر اميرالمؤمنين7 نفسه علي ان‌يستقي کل دلو بتمرة بخيارها فجمع تمراً فاتي به النبي9 و عبدالرحمن بن عوف علي الباب فلمزه اي وقع فيه فانزلت (الذين يلمزون المطوعين) الآية انتهي. و المعني مشترک و العمل منهم واقع فالآية‌ جارية فيهم و في تفسير العسکري7 حديث طويل حاصله ان المنافقين ربما کانوا يلتقون في بعض طرقهم مع سلمان و اصحابه فاذا لقوهم اشمأزوا منهم و قالوا هؤلاء اصحاب الساحر و الاهوج يعنون محمداً و علياً ثم يقول بعضهم لبعض احترزوا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 196 *»

لايقفون من فلتات کلامکم علي کفر محمد فيما قاله في علي فيمنوا عليکم فيکون فيه هلاککم فيقول اولهم انظروا اليّ کيف اسخر منهم اکفّ عاديتهم عنکم ثم ذکر ما ذکره من فضائل سلمان و اصحابه الي ان‌يجوزوا فيقول الاول لاصحابه کيف رأيتم سخريتي بهؤلاء و کفي عاديتهم عني و عنکم فيقولون له لاتزال بخير ما عشت لنا فيقول لهم هکذا فلتکن معاملتکم لهم الي ان‌تنتهزوا الفرصة الي آخر الحديث و الغرض ان المنافقين کانوا يسخرون بالعترة الطاهرة رجالاً و نساءاً و يلمزون بهم و ينابزونهم بالالقاب السيئة کما سمعت فالآية في الباطن و المعني الاولي جارية‌ فيهم ثم تجري فيمن دونهم من المؤمنين و ساير الاشياء بئس الاسم الفسوق بعد الايمان فصاروا بذلک فاسقين بعد ان سموا مؤمنين و الفسق في هذا المقام هو الکفر کما قال عزوجل افمن کان مؤمناً کمن کان فاسقاً لايستوون و قال و ما يکفر بها الا الفاسقون و من لم‌يتب فاولئک هم الظالمون و المراد بالظلم الکفر و الشرک لقوله و الکافرون هم الظالمون و قوله ان الشرک لظلم عظيم و هم الظالمون آل‌محمد حقهم و الظالمون انفسهم و الظالمون لساير المؤمنين بظلمهم امامهم و نشرهم دين الله و تسهيل موارده و مصادره و الظالمون اعداء آل‌محمد بايرادهم الجحيم و الهلاک الابدي و الظالمون لله بظلمهم آل‌محمد: کما روي عن الباقر7 في قوله عزوجل (و ما ظلمونا) ان الله اعظم و اجل و امنع من ان‌يظلم ولکنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه و ولايتنا ولايته حيث يقول (انما وليکم الله و رسوله و الذين آمنوا) يعني الائمة منا.

 

ياايها الذين آمنوا اجتنبوا کثيراً من الظن ان بعض الظن اثم و لاتجسسوا و لايغتب بعضکم بعضاً ايحب احدکم ان‌يأکل لحم اخيه ميتاً فکرهتموه و اتقوا الله ان الله تواب رحيم

القراءة: قرأ نافع و حفص و حمزة و الکسائي «ميّتاً» مثقلاً و الباقون مخففاً و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 197 *»

هو من «مات يميت ميتاً» فهو ميت و اصله «ميوت» فقلبت الواو ياءً و ادغمت و «ميت» تخفيف له و قيل «الميت» مثقلاً من «سيموت» و بالتخفيف من «قد مات» و علي هذا فالاحسن قراءة التخفيف و قيل هو مثقلاً للانسان و مخففاً للحيوان و علي هذا فالاحسن قراءة التثقيل.

الظاهر: في هذه الآية ثلاث مسائل الظن و التجسس و الغيبة و شرحها يستدعي ثلاثة فصول:

فصل في الظن: قوله تعالي ياايها الذين آمنوا اي اذعنوا و اعترفوا بالله عزوجل و توحيده و صفاته و اسمائه و بمحمد9 و صدقوا نبوته و بما جاء به من عند الله عزوجل و بفضائله و صفاته الکمالية التي خصه الله بها و باوصيائه من بعده و فضائلهم التي ابانهم الله به عن ساير خلقه و بشيعتهم الذين هم اولياء الله لولايتهم آل‌محمد: الذين من والاهم فقد والي الله و يبرأون من اعدائهم الذين هم اعداء الله لان من عاداهم فقد عادي الله يعترفون بجميع ذلک بلسانهم و يعملون بما امروا به و يجتنبون عما نهوا عنه لان ذلک هو الايمان الحق الذي به النجاة و من شأنکم ان‌تجتنبوا عن جميع ما نهاکم عنه اجتنبوا کونوا علي جانب و لاتقارنوا کثيراً من الظن فابهم الکثير لان‌يجتنب المؤمن ظنوناً يعلم حرمتها او يعلم کراهتها او يشتبه عليه حليتها و حرمتها و کراهتها فانها من الشبهات و لايرکن الا الي ظن يعلم حليته علماً بيناً کما قال ابوعبدالله7 ان الامور ثلثة امر بين رشده فيتبع و امر بين غيه فيجتنب و امر مشکل يرد علمه الي الله و رسوله قال رسول‌الله9 حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلک فمن ترک الشبهات نجا من المحرمات فمن اخذ بالشبهات ارتکب المحرمات و هلک من حيث لايعلم فالواجب منه اجتناب ما علم حرمته و الراجح الاولي اجتناب باقي الاقسام و ينبغي العمل بالقسم الواحد و يجوز عند آل‌محمد:

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 198 *»

استعمال اللفظ في استعمال واحد في اکثر من معني ان بعض الظن اثم و البعض يطلق علي الاکثر کما يطلق علي الاقل و ذلک البعض هو الکثير المنهي عنه و هو الظن المحرّم فانه الاثم و اما الظن المکروه و الذي هو من الشبهات فاجتنابه مستحب و اولي و ربما يوقع ارتکابهما الانسان في المحرم و هو اذا استخف بها و تهاون بما کرهه الله و لم‌يعتن بکراهة الله. اذا علمت ذلک فاعلم ان الظن اذا تعلق باثبات الصانع فهو مما لايغني من الحق شيئاً کما قال سبحانه ان الظن لايغني من الحق شيئاً و اذا تعلق بتوحيده او صفاته التي ثبتت بکتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي9 و اوصيائه: جامعة او ضرورة من اهل الايمان فلايغني من الحق شيئاً و لايجوز الرکون اليه و المنجي اليقين به کما قال ابوعبدالله7 من شک او ظن و اقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و اما اذا تعلق بامور نظرية دقيقة ليس فيها شيء من الثلثة المذکورة فالمؤمن معذور فيه کما قال الکاظم7 في حديث فما لم‌يثبت من کتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي9 لااختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة و عامها الشک فيه و الانکار له هذا من امر التوحيد فمادونه الي ارش الخدش فمافوقه انتهي. و قوله7 او قياس تعرف العقول عدله ظاهره تقية و في الباطن علّقه بما لايمکن معرفته فان اتفاق جميع العقول علي عدله مما لايعرف و ان عرف ففيه عقل المعصوم ايضاً و فيه الحجة حينئذ و اما حسن الظن بالله فهو امر ممدوح لازم و هو ان‌تتيقن ان الله سبحانه قادر علي ان‌يعطي عبده کلما سأله بلسان فمه او لسان اعماله او لسان قابليته فانه احد غير محصور بحد و هو صادق الوعد في قوله ادعوني استجب لکم و في قوله اذا سألک عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون فلاترجو غير الله عزوجل و لاتخاف الا الله ان‌يعاملک بعدله و يجازيک بسيئات اعمالک و هذا معني حسن الظن بالله کما سمع ابوعبدالله7

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 199 *»

يقول حسن الظن بالله ان لاترجو الا الله و لاتخاف الا ذنبک انتهي. و ليس معني قوله لاتخاف الا ذنبک انه ينبغي ان‌تخاف من نفس الذنب انه مهلک بنفسه فانه لاتأثير الا لمشية الله عزوجل فاذا ظهرت في الذنب صار مهلکاً کما ان الله هو المميت فاذا ظهر هذا الاسم في السمّ صار مهلکاً و لولا ذلک الاسم لما کان للسمّ تأثير و کذلک الطاعة ليست بمنجية لاحد من حيث نفسها ولکن الله هو المنجي فاذا ظهر هذا الاسم في الطاعة تکون سبب النجاة و الا فلا و کذلک کل مؤثر في الدنيا تأثيراً فلاتأثير الا لمشية الله و اسمائه و  انها تظهر في مظاهر و تظهر منها آثارها کما قال علي7 تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و هذا هو من باب التوحيد الفعلي المشار اليه في قوله الله الذي خلقکم ثم رزقکم ثم يميتکم ثم يحييکم هل من شرکائکم من يفعل من ذلکم من شيء سبحانه و تعالي عما يشرکون فافهم. و فسرنا الظن باليقين في کلامنا آنفاً لما روي عن اميرالمؤمنين7 في قوله تعالي (الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم) يعني انهم يوقنون البعث و الظن هيهنا اليقين الخبر. و عنه7 في قوله تعالي و تظنون بالله الظنونا قال هذا هو ظن الشک و ليس ظن يقين ثم قال7 الظن ظنان ظن شک و ظن يقين فما کان من امر المعاد من الظن فهو ظن يقين و ما کان من امر الدنيا فهو ظن شک و عن القمي ان الظن في کتاب الله علي وجهين ظن يقين و ظن شک انتهي. فحسن الظن بالله علي ما ذکرنا و روينا هو حسن اليقين. و يمکن ان‌يؤخذ الظن في حسن الظن بمعني ظن الحسن و الخير کما ان سوء الظن بمعني ظن السوء و الشر و ذلک يحصل للعبد مع علمه بسيئات اعماله و موبقات افعاله و نقصان قابليته بما عوده الجميل و بما منحه من الايمان به و برسوله و حججه و ولايته لهم و لاوليائهم و لما اخبر الله في کتابه عن نفسه بقوله و يعفو عن کثير و بقوله يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً انه هو الغفور الرحيم و هو مطلق و مخصوص بالشيعة و بقوله فيومئذ لايسئل عن ذنبه انس و لا جان و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 200 *»

هو مخصوص بالشيعة و غيرها من الآيات و لما تواتر الاخبار و الآثار بنجاة الشيعة حتي ان الموت کفارة لهم و لو کان عليهم مثل ذنوب الثقلين و لما تواتر من الاخبار بشفاعة محمد و آل‌محمد: و شيعتهم للمذنبين من الموالين و لانهم يحبون آل‌محمد: و دل الدليل العقلي و النقلي ان المرء مع من احب و لان رحمة الله سبقت غضب الله و ان الايمان مع الاعتراف بالذنوب و الندم عليها الذي هو الاصل اقوي اقتضاءاً للنجاة من اقتضاء الذنوب التي هي الفرع للهلاک فمشاهدة هذه الاسباب ترجح في قلب المؤمن انجاء الله اياه و مغفرته له و غلبة اقتضاء اسباب النجاة علي اقتضاء اسباب الهلاک فمن لم‌يقوّ ظنه للنجاة بهذه الاسباب فهو من الخاسرين الذين يظنون بالله ظن السوء و قد قال و ذلک ظنکم الذي ظننتم بربکم ارديکم فاصبحتم من الخاسرين قال الرضا7 احسن الظن بالله فان الله يقول انا عند ظن عبدي المؤمن ان خيراً فخيراً و ان شراً فشراً و قال ابوجعفر7 وجدنا في کتاب علي7 ان رسول الله9 قال و هو علي منبره و الذي لا اله الا هو ما اعطي مؤمن قطّ خير الدنيا و الآخرة الا بحسن الظن بالله و رجائه له و حسن خلقه و الکف عن اغتياب المؤمنين و الذي لا اله الا هو لايعذب الله مؤمناً بعد التوبة و الاستغفار الا بسوء ظنه بالله و سوء خلقه و اغتيابه للمؤمنين و الذي لا اله الا هو لايحسن ظن عبد مؤمن بالله الا کان الله عند ظن عبده المؤمن لان الله کريم بيده الخيرات يستحيي ان‌يکون عبده المؤمن قد احسن به الظن ثم يخلف ظنه و رجاءه فاحسنوا بالله الظن و ارغبوا اليه و قال ابوجعفر7 قال رسول‌الله9 قال الله تعالي و لايتکل العاملون لي علي اعمالهم التي يعملونها لثوابي فانهم لو اجتهدوا و اتعبوا انفسهم اعمارهم في عبادتي کانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم کنه عبادتي الي قوله ولکن برحمتي فليثقوا و فضلي فليرجوا و الي حسن الظن بي فليطمئنوا انتهي. فعلم ان الطاعة ليست بمنجية لايجوز التکلان عليها و الاغترار بها و انما المنجي هو الله و يجب الاطمينان بفضله و حسن الظن به هذا و الانسان مجبول بان‌يفرّ من کل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 201 *»

شيء ظن به سوءاً و يتقرب الي کل شيء ظن به خيراً فاذا ظن العبد بربه سوءاً يعرض قلبه عنه و هو عين الکفر و اعظم اسباب الهلاک و اذا ظن به خيراً اشتاق اليه و تقرب اليه و رغب في التوجه اليه و هو من اعظم اسباب النجاة و اليه الاشارة بقوله7 احسنوا بالله الظن و ارغبوا اليه فافهم. و قد بسطنا القول في ذلک في کتابنا «طريق‌النجاة» فان شئت فراجع و من الظنون السيئة المنهية ظن السوء بالمؤمنين فعن ابي‌عبدالله7 قال قال اميرالمؤمنين7 في کلام له ضع امر اخيک علي احسنه حتي‌يأتيک ما يغلبک منه و لاتظنن بکلمة خرجت من اخيک سوءاً و انت تجد له في الخير محملاً و قال ابوعبدالله7 اذا اتهم المؤمن اخاه انماث الايمان من قلبه کما ينماث الملح في الماء و فيما علّم اميرالمؤمنين7 اصحابه في الاربع‌مائة باب اطرحوا سوء الظن بينکم فان الله نهي عن ذلک و قال اميرالمؤمنين7 ليس من العدل القضاء علي الثقة بالظن و قال ابوجعفر7 ابي الله ان‌يظن بالمؤمن الا خيراً الي غير ذلک من الاخبار فمن عرفته بالايمان و التشيع ليس لک ان‌تسيء الظن به حتي يظهر منه الشر و لاتجد له في الخير محملاً و هذه الاخبار و ما في معناها تدل علي ان من تعرفه بالتشيع و لم‌تر منه شراً يجب ان‌تظن به الخير و تحکم عليه بالعدالة حتي‌تر منه الفسق و يدل علي ذلک اخبار متضافرة رويناها في کتابنا «فصل‌الخطاب». نعم روي هنا اخبار اخر کما روي عن ابي‌الحسن7 اذا کان الجور اغلب من الحق لم‌يحل لاحد ان‌يظن باحد خيراً حتي‌يعرف ذلک منه و عن اميرالمؤمنين7 اذا استولي الصلاح علي الزمان و اهله ثم اساء رجل الظن برجل لم‌يظهر منه حوبة فقد ظلم و اذا استولي الفساد علي الزمان و اهله فاحسن رجل الظن برجل فقد غرر انتهي، فليس معناه علي ما ظن بعض بل المراد اذا استولي الجور و الفساد علي اهل الزمان في کل فرد فرد منهم لايجوز حسن الظن بهم مع مشاهدة الجور منهم يعني لايجوز حسن الظن بالفاسق و هو التغرير لا انه لايجوز حسن الظن بزيد و لم‌تر منه شراً ابداً و تعرفه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 202 *»

بالايمان بواسطة انک رأيت الشر في عمرو و بکر و خالد و غيرهم و لو کان الامر کذلک لما جاز حسن الظن باحد من لدن قتل قابيل هابيل الي قيام القائم فان في جميع هذه الازمنة يکون الشر غالباً علي الدنيا و يکون الدولة دولة الباطل حتي في عصر النبي9 فان المؤمنين في ذلک الزمان ايضاً بالنسبة الي الکافرين کشعرة بيضاء في جسد ثور اسود و علي ذلک لم‌يکن لاخبار حسن الظن بالمؤمنين مورد الي ظهور القائم7 فلمن هذه الاوامر و هذه التهديدات نعم اذا کنت في دار کفر لايجوز لک ان‌تظن بمجهول خيراً کما روي عن الرضا7 قال في دار الکفر لايحل ان‌يحسن الظن فيها باحد الا من عرفت ايمانه و قال في دار الايمان لاينبغي ان‌يظن باحد فيها الا خيراً انتهي و لو فسرت الحديثين بذلک فله وجه و يمکن ان‌يکون هذا الخبر تفسيراً لهما و الحمد لله علي حسن هدايته لمعاني اخبار حججه: ببرکاتهم و من الظنون الردية المنهي عن التعويل عليها الظن بنفس احکام الله عزوجل المستنبط من الکتاب و السنة لآي کثيرة من الکتاب قد عدّها بعض اصحابنا فبلغت مائة آية و لم‌ينه الله عن شيء بعد الشرک و الکفر في مائة آية و اخبار متواترة قد عدّها بعض اصحابنا فبلغت الفاً و مأتي حديثاً و لم‌يرد نهي عن شيء بعد الشرک و الکفر في اخبار تبلغ هذا المبلغ و حرمة ذلک في الاخبار و الآيات اوضح من حرمة شرب الخمر و الزنا و اللواط و اکل الميتة فانه لم‌يرد في واحد منها آيات و اخبار تبلغ هذا المبلغ و قد بسطنا القول في ذلک في ساير کتبنا و قد روينا کثيراً منها في کتابنا «فصل‌الخطاب» فان شئت فراجع و من لم‌يکفه مائة آية و الف و مأتا حديث ما ادري باي شيء يکتفي بعد في دينه فعن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن آبائه: قال قال رسول‌الله9 اياکم و الظن فان الظن اکذب الکذب و قال رسول‌الله9 في حديث اذا ظننت فلاتقض و قال اميرالمؤمنين7 من عمي نسي الذکر و اتبع الظن و بارز خالقه الي ان قال و من نجا من ذلک فمن فضل اليقين و قال ابوعبدالله7

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 203 *»

من شک او ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و عن النبي9 دع ما يريبک الي ما لايريبک فان الصدق طمأنينة و الکذب ريبة الي غير ذلک من الاخبار و وجدنا هذه الاخبار موافقة للکتاب مخالفة لاهل الارتياب فعليها العمل قال الله عزوجل سيقول الذين اشرکوا لو شاء الله مااشرکنا و لا آباؤنا و لاحرمنا من شيء کذلک کذب الذين من قبلهم حتي ذاقوا بأسنا قل هل عندکم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون و قال قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الاثم و البغي بغير الحق و ان تشرکوا بالله ما لم‌ينزل به سلطاناً و ان‌تقولوا علي الله ما لاتعلمون و قال ما لهم به من علم ان يتبعون الا الظن و ان الظن لايغني من الحق شيئاً الي غير ذلک من الآيات بل العمل بالظن منهي في اخبار العامة ايضاً و ان لم‌يعملوا بمقتضاها و هو ما رواه في المصابيح و قال اي رسول‌الله9 ان الله لايقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولکن يقبض العلم بقبض العلماء حتي اذا لم‌يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا و اضلوا رواه عبدالله بن عمرو بن العاص و قال اتقوا الحديث عني الا ما علمتم و قال من افتي الناس بغير علم کان اثمه علي من افتاه الخبر. الي غير ذلک من اخبارهم و انما الباعث لذهاب جمع من اصحابنا الي العمل بالظن مع انهم يقولون بحرمة‌ العمل بالظن في الحکم الاول انسداد باب العلم بزعمهم و الاضطرار الي الظن من باب اکل الميتة و الله تعالي يقول فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا اثم عليه و قوله7 ما من شيء حرمه الله الا و قد احله لمن اضطر اليه و الجواب عنه عدم انسداد باب العلم لان هناک علماءاً ابراراً اتقياء صالحين عدولاً يدّعون حصول العلم بالتکاليف في زمان الغيبة و ليس تکذيبهم شأن العالم و هو شتيمة و سباب و کالقول بانک کذاب من غير حجة بلا ارتياب و ادعاء علم الغيب مع ادعائهم انسداد باب علم الشهادة و ليس لمن لايعلم حجة علي من يعلم فليترکوا الاجتهاد و ليرجعوا الي قول اولئک الاسناد ليستريحوا يوم التناد و لا اضطرار الي اکل الميتة و قد بسطنا القول في ذلک

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 204 *»

في کتابنا «علم‌اليقين» و «القواعد» و «السوانح» و غيرها فان شئت فراجع و لولا شبهة حصلت لاصحابنا لکان في عملهم بالظن خطر عظيم بعد مائة آية و الف و مأتي حديث في تحريمه ولکن تلک الشبهة المحيرة اشترت انفسهم عما يقتضيه نعوذ بالله.

و اسوء الظنون المحرمة المردية المهلکة ما اشتهر بين المتأخرين من الظن المطلق الذي يعملون بها في نفس احکام الله جل و عز و يعملون بالآراء الحاصلة من الادلة الوهمية التي زعموها العقلية و يکتفون بها فيما لانص فيه بل يرجحونها علي النصوص و يردونها اذا عارضتها حتي اني قلت لواحد منهم اذا عارض الکتاب و السنة ادلتکم العقلية ما تصنعون قال صريحاً نترک الکتاب و السنة و نعمل بادلتنا العقلية لانهما ظنيان و ادلتنا قطعية. نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين مع ان جميع ما لم‌يخرج من اهل‌البيت: ظني و العلم منحصر بما خرج من اهل‌البيت: و ذلک ان جميع العلم لله عزوجل لاشريک له و قد ادلي جميع علمه الي محمد9 وحده فانه اول ما خلق الله و ليس معه غيره ثم اودع جميع ذلک العلم الي علي7 لم‌يشرک معه غيره فاودع هو جميع ذلک الي وصيه بعده و هکذا الي امام زماننا عجل‌الله‌فرجه فما برز منهم الي شيعتهم هو العلم و کل‌ما لم‌يخرج منهم هو ظن کما قال الله عزوجل و ان تطع اکثر من في الارض يضلوک عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و قال ان الظن لايغني من الحق شيئاً فقد قال ابوجعفر7 في حديث فليذهب الحکم يميناً و شمالاً فوالله لايؤخذ العلم الا من اهل‌بيت نزل عليهم جبرئيل و قال في حديث فليذهب الحسن يميناً و شمالاً فوالله مايوجد العلم الا هيهنا و قال لسلمة بن کهيل و الحکم بن عتيبة شرقا و غربا لن‌تجدا علماً صحيحاً الا شيئاً يخرج من عندنا اهل‌البيت و قد تضافر من طرق الشيعة و العامة ان رسول‌الله9 قال لعلي7 يا علي انا مدينة العلم و انت بابها فمن اتي من الباب وصل يا علي انت بابي الذي اوتي منه و انا باب الله فمن اتاني

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 205 *»

 من سواک لم‌يصل اليّ و من اتي الله من سواي لم‌يصل الي الله و قال اميرالمؤمنين7 قد جعل الله للعلم اهلاً و فرض علي العباد طاعتهم بقوله (اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منکم) و بقوله (و لو ردّوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) و بقوله (اتقوا الله و کونوا مع الصادقين) و بقوله (و ما‌يعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم) و بقوله (و أتوا البيوت من ابوابها) و البيوت هي بيوت العلم الذي استودعه عند الانبياء و ابوابها اوصياؤهم فکل عمل من اعمال الخير يجري علي يدي غير الاصفياء و عهودهم و حدودهم و شرايعهم و سننهم مردود غير مقبول و اهله بمحل کفر و ان شملهم صفة الايمان و قال ابوعبدالله7 اما انه شرّ عليکم ان‌تقولوا بشيء ما لم‌تسمعوه منا و قال علي بن الحسين7 ان دين الله لايصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقائيس الفاسدة و لايصاب الا بالتسليم فمن سلم لنا سلم و من اهتدي بنا هدي و من دان بالقياس و الرأي هلک و من وجد في نفسه شيئاً مما نقوله او نقضي به حرجاً کفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم و هو لايعلم الي غير ذلک من الاخبار الکثيرة التي لايسع هذا الکتاب ايرادها و قد روينا کثيراً منها في «فصل‌الخطاب» و بحسبک ما ذکرنا انه عدّ تلک الاخبار بعض اصحابنا فبلغت الفاً و مأتي حديثاً و قد اشبعنا البحث عن ذلک في ساير کتبنا و قد ترک القوم جميع ذلک و اکتفوا بادلة واهية زعموها عقلية و الي الله المعاد.

ثم اعلم ان الظن امر قهري طبيعي يحصل في النفس من ارجح الآثار و الامارات و التکليف لايتعلق بالامور القهرية فمعني قوله اجتنبوا کثيراً من الظن اجتنبوا عن الحکم البتي القطعي علي المظنون و العمل بمقتضاه کما قال اميرالمؤمنين7 ليس من العدل القضاء علي الثقة بالظن فالآية ردّ علي جماعة يقولون ان الظن راجح و ترک الراجح قبيح عقلاً فحکم الله سبحانه بوجوب الاجتناب عن الراجح في النفس بحسب العقول الناقصة و الآراء الباطلة و انما الواجب العمل بما امر الله عزوجل سواء کان في نظر النفس راجحاً ام مرجوحاً فنحن نقول ان الواجب علي الفقيه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 206 *»

ان‌يقول فيما ظن هذا ما ادي اليه ظني و کل‌ما ادي اليه ظني فحرام عليّ الاخذ به کحرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير بنص مائة آية و الف و مأتي حديثاً فهذا محرم علي الاخذ به و العمل بمقتضاه و الرکون اليه و لو کان ترک الراجح قبيحاً عقلاً لما امر الله بالاجتناب عن کثير من الظن و لما قال ان الظن لايغني من الحق شيئاً و لما قال ان بعض الظن اثم فکيف کان ترک الاثم قبيحاً عقلاً؟ فتدبر.

فصل: في التجسس و هو التفحص و التفتيش عن سر مکتوم و قيل انه مخصوص بالشر و الجاسوس صاحب الشر و الناموس صاحب الخير و هو التفعل باعتبار ما فيه من التکلف و التطلب کالتلمس و هو ناشئ من سوء الظن و فيه فساد العالم و ذلک ان ظواهر الناس اجتمعت بسياسة النبي7 و قلوبهم شتي و اعتدلت بها و قلوبهم منحرفة مشحونة‌ باخلاق ردية و صفات سيئة و مدنيتهم قائمة بواسطة اعتدال الظواهر في الجملة و اجتماعها و اذا تجسست عن بواطن امورهم و استکشفت خوافيهم اطلعت علي کفر بواطنهم و شرکها و نفاقها و خبثها و اخلاقهم الردية و صفاتهم السيئة و اعمالهم الفاسدة الخفية و معاصيهم المردية و لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً و لملئت منهم رعباً و تنفرت عنهم وحشة و فرقاً فلو بني الناس علي التجسس لتفرق اهل المدن و ظهر التعادي و التباغي و الفساد و هو خلاف غرض الله و غرض النبي9 فلاجل ذلک نهي عن التجسس عن خوافي امور الخلق و الاکتفاء بالظواهر و الحاصل لاتتبعوا عثرات الناس و لاتستکشفوا ما استتر عنکم منهم فتقعوا في العنت و الوحشة و التفرد و التنفر من الناس فقد قال ابوعبدالله7 قال رسول‌اللهيا معشر من اسلم بلسانه و لم‌يخلص الايمان الي قلبه لاتذموا المسلمين و لاتتبعوا عوراتهم فان من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته و من تتبع الله عورته يفضحه و لو في بيته و قال ابوعبدالله7 لاتفتش الناس فتبقي بلاصديق و عنه7 في حديث معرفة العادل ان‌يکون ساتراً لعيوبه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 207 *»

 حتي يحرم علي المسلمين ما وراء ذلک من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلک و يجب عليهم تزکيته و اظهار عدالته في الناس و قال قال رسول‌اللهلاتطلبوا عثرات المؤمنين فانه من تتبع عثرات اخيه تتبع الله عثرته و من تتبع الله عثرته يفضحه و لو في جوف بيته انتهي. و اعلم ان قوله لاتجسسوا مبهم مطلق فينبغي اجراؤه في کل شيء و ذلک ان التفتيش عما ستره الله تکلف و الله لايحب المتکلفين و لو اراده الله لکلفک و لو کلفک لاظهره لک فلا فائدة في التجسس الا التکلف و التعرض لسخط الله و ارتکاب ما نهي الله و تضييع العمر بطلب ما لم‌يطلبه الله منک و تضييع ما طلبه الله منک بترکک له و اشتغال قلبک بما لم‌يطلبه الله منک حتي انه ليس لک التجسس عن احکام و تفاصيل و فروع سکت الله عنها لقول علي7 ان الله حد لکم حدوداً فلاتعتدوها و فرض فرايض فلاتنقصوها و سکت عن اشياء لم‌يسکت عنها نسياناً فلاتکلفوها رحمة من الله لکم فاقبلوها و قال قال رسول‌الله9 ان الله تعالي حدّ لکم حدوداً فلاتعتدوها و فرض عليکم فرائض فلاتضيعوها و سن لکم سنناً فاتبعوها و حرم عليکم حرمات فلاتنتهکوها و عفا لکم عن اشياء رحمة من غير نسيان فلاتتکلفوها و قال علي7 في وصيته لولده الحسن7 يا بني دع القول فيما لاتعرف و الخطاب فيما لاتکلف و امسک عن طريق اذا خفت ضلالته فان الکف عند حيرة الضلالة خير من رکوب الاهوال انتهي. و ليس يجري ذلک في طلب الدين فان طلب الدين لازم اذا کان دين ظاهر في مکان عند احد فانت تطلبه و اما التجسس الذي يفيد معني التکلف و التجشم و التطلب فذلک فيما ستر الله و کتمه فلاتتکلفه و لايذهب بک ان ذلک طلب العلم بل ذلک مخالف لغرض الله فان الله الذي لايغالب امره اراد اخفاء هذا الامر لعلة و غرض فلاجل ذلک اخفاه و انت تتکلف اظهاره و تستکشفه فلاجرم تصرف عمرک فيما لاتکلف و يفلت عنک ما کلفت به و انت مسخوط و کذلک ان من العلوم و الصنايع ما کان في العلم و العمل به صلاح الخلق فابداه الله علي لسان رعاة خلقه و سائسيهم و منها ما کان فيه فساد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 208 *»

الخلق فاخفاه الله و لم‌يقم نبي ببيان فيه فانت لو اشتغلت بما ستره الله لانفلت عنک ما کشفه الله و انت من الخاسرين. و من ذلک ترک التجسس عما تحويه ايدي العباد من جميع ما في ايديهم او يدعونه فليس لاحد التجسس عن سلعة التاجر و لحم القصاب و صنايع الصناع و هکذا بان‌يسألهم من اين اتيتم به و من اين اکتسبتم و کيف حل لکم ذلک او يطلب الناس البينة علي ما يقولون او يدّعون او ما في ايديهم ما لم‌يکن لهم معارض منهم و لازم ذلک استيمان کل مسلم علي ما في يديه او يقول او يدّعي ما لم‌يکن فاسقاً او متهماً. و من ذلک التجسس عما يرويه الراوي ما لم‌يکن فاسقاً او متهماً فلايجوز الفحص عن صدق خبره و شهادته و التجسس عن بواطن امره بل الواجب التلقي بالقبول ما لم‌يکن فاسقاً او متهماً و يشهد بذلک بعد آية النبأ و هذه الآية دعاء الصحيفة المتواترة في الصلوة علي اتباع الرسل يقول بعد الصلوة علي التابعين يدينون بدينهم اي بدين الصحابة و يهتدون بهداهم يقفون عليهم و لايتهمونهم فيما ادوا اليهم اللهم و صلّ علي التابعين لهم باحسان من يومنا هذا الي يوم الدين الي ان قال و تبعثهم بها علي اعتقاد حسن الرجاء لک و الطمع فيما عندک و ترک التهمة فيما تحويه ايدي العباد لتردهم الي الرغبة اليک و الرهبة منک الدعاء. بالجملة ترک التجسس علي الاطلاق رحمة من الله واسعة ليس باب اوسع منه ولکن الناس يضيقون علي انفسهم و ان الدين اوسع من ذلک و لنا علي جملة ذلک ادلة کثيرة من النقل و العقل ذکرناها في محلها.

فصل: في الغيبة هي مأخوذة من «غاب غيبة» کصيحة بمعني «عابه» کاغتابه من الافتعال و الاسم «الغيبة» کصيغة قيل لرسول‌الله9 ما الغيبة قال ذکرک ‌اخاک بما يکره قيل يا رسول‌الله و ان کان فيه الذي يذکر به قال اعلم انک اذا ذکرته بما هو فيه فقد اغتبته و اذا ذکرته بما ليس فيه فقد بهتته و قال ابوعبدالله7 الغيبة ان‌تقول في اخيک مما قد ستره الله عليه فاما اذا قلت ما ليس فيه فذلک قول الله (فقد احتمل بهتاناً و اثماً مبيناً) و سئل عن الغيبة قال هو ان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 209 *»

‌تقول لاخيک في دينه ما لم‌يفعل و تبث عليه امراً قد ستره الله عليه لم‌يقم عليه فيه حد و قال الغيبة ان‌تقول في اخيک ما ستره الله عليه و اما الامر الظاهر مثل الحدة والعجلة فلا و قال ابوالحسن7 من ذکر رجلاً من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم‌يغتبه و من ذکره من خلفه بما هو فيه مما لايعرفه الناس اغتابه و من ذکره بما ليس فيه فقد بهته انتهي. و اعلم ان قوله لايغتب بعضکم بعضاً بعد ما کان الخطاب الي المؤمنين نص علي ان غيبة بعض المؤمنين بعضاً حرام و لذلک فسرها النبي9 بـذکرک اخاک و فسره ابوعبدالله7 بقوله ان‌تقول في اخيک فمن ليس من المؤمنين فلاغيبة له کما قال ابوالحسن7 اذا جاهر الفاسق بفسقه فلاحرمة له و لاغيبة و عن ابي‌عبدالله عن ابيه8 ثلاث ليس لهم حرمة صاحب هوي مبتدع و الامام الجائر و الفاسق المعلن بالفسق و قال ابوعبدالله7 قال رسول‌اللهلاغيبة الا لمن صلي في بيته و رغب عن جماعتنا و من رغب عن جماعة المسلمين وجب علي المسلمين غيبته و سقطت بينهم عدالته و وجب هجرانه و اذا رفع الي امام المسلمين انذره و حذره فان حضر جماعة المسلمين و الا احرق عليه بيته و من لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته و ثبتت عدالته فيما بينهم انتهي. و حرمة الغيبة من البديهيات الشرعية و العقلية و قد قال النبي9 لابي‌ذر يا اباذر اياک و الغيبة فان الغيبة اشد من الزني قال و لم ذاک يا رسول‌الله قال لان الرجل يزني فيتوب الي الله فيتوب الله عليه و الغيبة لاتغفر حتي‌يغفرها صاحبها يا اباذر سباب المسلم فسوق و قتاله کفر و اکل لحمه من معاصي الله و حرمة ماله کحرمة دمه و قال اميرالمؤمنين7 في حديث کذب من زعم انه ولد من حلال و هو يأکل لحوم الناس بالغيبة الحديث و عن الصادق7 في حديث فمن لم‌تره بعينک يرتکب ذنباً و لم‌يشهد عليه عندک شاهدان فهو من اهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة و ان کان في نفسه مذنباً و من اغتابه بما فيه فهو خارج عن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 210 *»

 ولاية الله تعالي ذکره داخل في ولاية الشيطان و لقد حدثني ابي عن ابيه عن آبائه عن رسول‌الله9 قال من اغتاب مؤمناً بما فيه لم‌يجمع الله بينهما في الجنة ابداً و من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه فقد انقطعت منه العصمة بينهما و کان المغتاب في النار خالداً فيها و بئس المصير الي غير ذلک من الاخبار ثم قال الله سبحانه ايحب احدکم ان‌يأکل لحم اخيه ميتاً فکرهتموه فقد اخبر عزوجل بان الاغتياب کأکل لحم الاخ ميتاً و سرّ ذلک ان اللحم في البدن اصل صورته الظاهرة اذ به قد ملأ الله خلل العظام و العروق و الاعصاب و هيأه بهيأته الظاهرة و العظام آية المادة و اللحم آية‌ الصورة و لذا روي عن العسکري7 انه سئل النبي9 اخبرني يا محمد الولد يکون من الرجل او من المرأة فقال النبي9 اما العظام و العصب و العروق فمن الرجل و اما اللحم و الدم و الشعر فمن المرأة انتهي. و من البين عند الحکماء ان من الاب المادة و من الام الصورة‌ قال الله عزوجل يصورکم في الارحام کيف يشاء فاللحم هو مقام الصورة و الصفات و باطن الميت هو الغايب عن درک الحواس فالغايب کالميت و الاکل هو الاستمداد و لذلک من رأي في المنام انه يأکل لحماً ميتاً يغتاب او قد اغتاب فالمغتاب في الباطن هو الآکل لحم اخيه ميتاً و الغيبة تظهر يوم القيمة بصورة لحم الجيفة المنتنة و لو انکشف له ذلک کرهه البتة و قد اخبر الصادق جل و عز ان باطن الغيبة هو اکل الجيفة و لحم الميت و يجب علي المؤمن ان‌يصدقه قيل للصادق7 بلغنا عن رسول‌الله9 انه قال ان الله تبارک و تعالي ليبغض البيت اللحم و اللحم السمين فقال انا لنأکل اللحم و نحبه و انما عني البيت الذي يؤکل فيه لحوم الناس بالغيبة و عني باللحم السمين المتبختر و المختال في مشيه و في مناهي الرسول9 من اغتاب امرءاً مسلماً بطل صومه و نقض وضوؤه و جاء يوم القيمة يفوح من فيه رائحة انتن من الجيفة تتأذي به اهل الموقف انتهي. و اعلم ان الغيبة عمل و لاعمل الا بالنية و کل يعمل علي شاکلته فان کان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 211 *»

الرجل يذکر ما ستر الله علي اخيه ينوي تفضيحه و اشاعة عيبه و اسقاطه عن الاعين فذلک مغتاب و ان کان يذکر سوء حاله لاجل اصلاح حاله کذکر عيوبه للطبيب او للاشارة لمن استشار في معاملته او تحذير اخيه عن الوقوع في معرة او يشکوه عند القاضي لاستنقاذ حقه او غير ذلک من النيات الصالحة فليس بمغتاب و قد ذکر الفقهاء مواضع الاستثناء في کتبهم ثم قال عزوجل و اتقوا الله اي احذروه و خافوا سطوته بارتکاب ما نهاکم عنه و توبوا و ارجعوا الي الله ان کنتم مرتکبين لما نهيتم عنه فانه من التقوي و الاصرار عمل ثان للمعصية و ثبات عليها ان الله تواب رحيم و هو بمنزلة العلة للامر بالتقوي يعني توبوا الي الله فان الله کثير الرجوع علي عباده يقبل التوبة عن عباده و يعفوا عن السيئات رحيم بکم حيث علمکم و هداکم ان لاترتکبوا من الناس ما يهلککم في الدنيا و الآخرة و بمن ترتکبون منه اذ لم‌يرض بان‌ترتکبوا منهم ذلک فتظنوا بهم سوءاً و تتجسسوا عن احوالهم و تغتابوهم.

التأويل: هذه الآية تنتطبق بکلها في التأويل علي ما شاع بين العلماء من «علم الرجال» الذي حدث بين الشيعة و لم‌يکن في المتقدمين منه اثر و لا عين و انما کانوا يعرفون صحة الاخبار بالقرائن و بذلک کان اکثر الاخبار عندهم صحيحاً و لما حدث بين المتأخرين هذا العلم صار الاخبار الصحيحة عندهم اقل قليل فمنهم من عمل بالصحيح دون غيره و هو لايکفي جميع الاحکام فحکم في الباقي بالظنون و منهم من عمل بالصحاح و الحسان فاتسع الامر قليلاً و احتاج في الباقي الي الظنون و منهم من عمل بالموثق ايضاً فاتسع الامر اکثر ثم حکم في الباقي بالظنون و ليس هيهنا موضع التفصيل و هذه الآية جري تأويلها في هذا العلم فخاطب الله فقهاء الشيعة فقال ياايها الذين آمنوا بالکتاب و السنة اجتنبوا کثيراً من الظن باحوال الرواة حيث انکم تقولون انا نعرف الرجال بالظنون الاجتهادية ان بعض الظن اثم اي الظن السوء الذي يحصل لکم بالشيعة الرواة فتظنون ان فلاناً غال فتحکمون عليه بالغلو و فلاناً ضعيف فتحکمون عليه بانه لايقبل روايته و فلاناً مضطرب الحديث فلاتعتنون بروايته و هکذا ساير المذام التي ترمون الشيعة بها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 212 *»

و تترکون روايتهم و لاتجسسوا عن عيوب الشيعة المؤمنين بالظنون فتفتشوا عن بواطن امورهم التي ستر الله عليهم و تعيبوا عليهم بالظنون و لايغتب بعضکم بعضاً بان‌تقولوا لاخوانکم الاموات الغيب عنکم و لم‌تروهم انهم کذا و کذا و حرمة المؤمن ميتاً کحرمته حياً و انا نهيتکم عن الغيبة مطلقاً و انتم تجوزون هذه الغيبة بمحض ظنونکم و انا لم‌اجوز عليکم هذه الغيبة في کتاب و لا سنة بل نهيتکم عن الحکم بالظنون في مائة آية و في الف و مأتي حديثاً و هاتوا برهانکم علي جواز تفضيح عبادي المؤمنين بان‌ترموا بالظنون بعضهم بالکفر و بعضهم بالشرک و بعضهم بالغلو و بعضهم بالتفويض و بعضهم بالفسق و بعضهم بالمناکير بمحض الظنون و تحبون ان‌تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ءالله اذن لکم ام علي الله تفترون و انا قلت لکم علي لسان حججي ما علمتم انه قولهم فالزموه و ما لم‌تعلموا فردوه اليهم و لم‌آذن لکم ان‌تقضوا علي مسلمي عبادي الذين لم‌تروهم و لم‌تسمعوهم و لم‌تعرفوهم بالفسق بمحض الظنون و بمحض ان قال احد سابقيکم علي من لم‌يره باجتهاد و خرص و تخمين انه فاسق او کافر او غال او غير ذلک ايحب احدکم ان‌يأکل لحم اخيه ميتاً فکرهتموه و اتقوا الله في الحکم علي اخوانکم المؤمنين السابقين المجهولين لکم بالفسق بمحض هذه الظنون الواهية و اخبار ليست عن رؤية و نطق و سمع بل عن اجتهاد سابقيکم و توبوا الي الله من ذلک ان الله تواب يقبل التوبة عنکم رحيم بکم حيث دلکم علي ترک هذا القبيح و باخوانکم حيث لم‌يرض بافتضاحهم بسبب اجتهادکم و ظنونکم و کذلک من افراد هذه الغيبة المنهية ما تسلقون اخوانکم العلماء بالسنة حداد و تقبحونهم و تشتمونهم و تسبونهم و حرمة المؤمن ميتاً کحرمته حياً فتقولون قدحاً في حقهم مثلاً هذا من قلة التدبر و هذا من سوء التفکر و هذا من العجلة و هذا القول مما يضحک منه الثکلي و غير ذلک من المناکير التي کتبکم منها ملأي و ليس شرط بيانکم الحق ان‌يغتاب بعضکم بعضاً بل يکفيکم ان فلاناً قال کذا و انا اقول کذا و افهم کذا و دليل فلان عندي و في نظري مخدوش لاجل کذا و لاتحتاجون بان‌تقعوا في الرجل و تعدّوا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 213 *»

معايب نفسه و من قال في جاهل عاميّ ما يقول بعضکم في حق بعض و تکتبون في کتبکم تعدونه غيبة و فسقاً و حرمة العلماء اکثر من حرمة‌ الجهال و العلماء ورثة الانبياء و لاعذر لکم في هذا القدح العظيم و رمي بعضکم بعضاً في بيان حق المسائل.

الباطن: اعلم ان کل شيء ظل مشية الله الکاملة فکل شيء في حده کامل له ظل و اثر و الاثر هو دليل المؤثر فاذا غاب شيء عن درکک و ظهر لک اثره ينطبع اثره في نفسک فيشتعل زيت نفسک بنار ذلک الاثر و تستدل بما حصل فيک و لک علي ذلک الغائب فان کان ذلک الغائب صرفاً خالصاً يکون له اثر واحد تستدل به عليه علي اليقين و ان کان له اعراض يقع في نفسک من ذاته اثر و من عرضه اثر فيقوم لک دليلان علي الغائب فيشتبه عليک حقيقته فتشک فيه و اذا غلب احد الدليلين يحصل لک الظن من الغالب و الوهم من المغلوب و هذا قول اميرالمؤمنين7 لو خلص الحق لم‌يخف علي ذي‌حجي ولکن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيأتيان جميعاً و باطن ذلک الاشخاص الظاهرة في الدنيا حيث ان ظواهرهم آثار بواطنهم و ادلتها فمنهم من هو باطن اليقين و هو اهل الحق الصرف الذي ليس فيه باطل و اهل الباطل الصرف الذي ليس فيه حق و منهم باطن الظن الذي فيه دليل حق و دليل باطل و احدهما غالب و منهم من هو باطن الشک و هو من تساوي فيه الدليلان و منهم من هو باطن الوهم و هو من فيه دليل مغلوب علي باطنه فعلي ذلک باطن اليقين هو علي و آله: المعصومون عن شوب الباطل و ليس فيهم ما عسي يستدل به علي بطلانهم و الظن هو رئيس المنافقين و هو الاول الذي يظهر الاسلام و الايمان و يظهر منه ايضاً آثار الکفر و الطغيان الا انه يغلب في نظر الجاهل آثار اسلامه و ايمانه فيظن به الخير و الشک هو ما يتساوي فيه الدليلان و هو الثاني و الوهم هو من دليل حقيته اقل و مغلوب و آثار کفره غالبة و هو الثالث فقال الله جل و عز ياايها الذين آمنوا و اجتنبوا کثيراً من الظن و هو الاول و من يحذو حذوه في اظهار التقوي و اخفاء الکفر فکلهم ظنون ولکن کل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 214 *»

الثلاثة ظنون عند اوليائهم الذين يظنون انهم الخلفاء الراشدون بعد رسول‌الله ما لهم به من علم ان يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و ان الظن لايغني من الحق شيئاً و الحق هو علي7 لقوله9 الحق مع علي و علي مع الحق يدور معه حيث ما دار فهم لايکفون عن علي7 و يحتاجون فهم کلهم ظنون لاوليائهم و ان کانوا لبعض اصحابهم العارفين ببواطنهم يقيناً و لبعض المقتصدين شکاً و لبعض المراهقين وهماً فالنهي عن الظن شامل للثلاثة الذين اشتبه امرهم علي اوليائهم الي يومنا هذا ان بعض الظن اثم و هو هؤلاء و بعضه ليس باثم و هو المؤمن الذي آثار ايمانه الذاتي غالبة و آثار اعراضه الضعيفة مغلوبة فحسن الظن بهم ليس باثم بل ممدوح مأمور به. او نقول ياايها الذين آمنوا بظاهر الدعوة اجتنبوا کثيراً من الظن في حق محمد و آل‌محمد بانهم کانوا طلاب رياسة و اهل دنيا و لم‌يکونوا من عند الله او تظنوا ان محمداً يقول ما يقول من فضل علي و اولاده لاجل ان‌يمهد لهم الملک و نصبه بالخلافة لا من عند الله بل من عند نفسه و تظنوا ان شيعتهم اعترفوا بفضلهم لاغراض باطلة و طلب الدنيا و الرياسة و هم علي ضلالة في ذلک فان هذه الظنون لاحجة عليها و لابرهان و هي اثم بل کفر و لاتجسسوا و قد علمت ان الجاسوس هو صاحب سر الشر المتجسس عن البواطن للشر و الفساد و هذا النهي يتعلق اولاً بالثاني و ذلک انه روي عن ابي‌قلابة قال ان عمر بن الخطاب حدث ان ابامحجن الثقفي يشرب الخمر في بيته هو و اصحابه فانطلق عمر حتي دخل عليه فاذا ليس عنده الا رجل فقال ابوالمحجن يا اميرالمؤمنين ان هذا لايحل لک قد نهاک الله عن التجسس فقال عمر ما يقول هذا قال زيد بن ثابت و عبدالله بن ارقم صدق يا اميرالمؤمنين فخرج عمر و ترکه و دخل مع عبدالرحمن بن عوف علي رجل و امرأة تغني و علي يد الرجل قدح فقال عمر من هذه منک قال امرأتي قال و ما في هذا القدح قال ماء فقال للمرأة ما الذي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 215 *»

تغنين قالت اقول

تطاول هذا الليل و اسودّ جانبه   و ارقني الا حبيب الاعبه
فوالله لولا خشية الله و التقي   لزعزع من هذا السرير جوانبه
ولکنّ عقلي و الحياء يکفني   و اکرم بعلي ان‌تنال مراکبه

 

ثم قال الرجال ما بهذا امرنا يا اميرالمؤمنين قال الله تعالي و لاتجسسوا فقال عمر صدقت و انصرف انتهي. و کان هذا دأبه يتجسس عن ما ستر الله عليه و يتعلق النهي ثانياً بمعوية و من بعده من بني‌امية حيث انهم تجسسوا عن آل علي7 و اوليائهم في جميع البلاد الاسلامية و قتلوهم و طردوهم و شرّدوهم و اسروهم و حبسوهم و ضيقوا عليهم حتي لم‌يجسر احد ان‌يتسمي باسمائهم او ينتسب اليهم او يذکر فضلهم في جميع البلاد الاسلامية و اراد اولئک الجواسيس لعنهم‌الله محو آثار آل‌محمد: عن لوح العالم فابي الله الا ان‌يتم نوره و لو کره الکافرون فالجواسيس علي اشد ما يمکن هم معوية و اصحابه فنهي الله عزوجل عن التجسس علي وجه الاطلاق حتي‌يشمل جميع تفتيشاتهم عن الحق و اهله کي‌يفنوهم ثم جري في غيرهم و ان کان اصل ذلک من الثلثة و من امرهم بذلک کما روي اعداؤنا اصل کل شر و من فروعهم کل فاحشة فمن تجسس من المؤمنين فقد اتصف بصفتهم و تصور بصورتهم لقوله عزوجل و من يتولهم منکم فانه منهم. من تشبه بقوم فهو منهم فنهي الله عزوجل عن ذلک حتي لايسلک المؤمن مسلکهم فيصير عدوّ الله کما هم اعداء الله و ان تعلق النهي بالاعداء فالمراد بـالذين آمنوا هو من آمن بالدعوة الظاهرة و ان تعلق باوليائهم فکذلک فنهاهم الله عن التشبه بصفة اکابرهم المنهية و ان کان الخطاب الي ساير المؤمنين فهم المؤمنون واقعاً و نهاهم عن اتباع اولئک الاشرار و الاتصاف بصفتهم فيکونوا منهم نعوذ بالله.

و اما قوله و لايغتب بعضکم بعضاً فهو يجري في الثالث لکثرة ما کان يغتاب علياً و اولاده: و شيعتهم و يرميهم بما يستطيع و تظاهر بذلک و ان اخويه قبله کانا يراعيان الظاهر اکثر منه و يعترفان باولوية علي7 و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 216 *»

اعلميته و افضليته في مواطن کثيرة و يرجعان اليه في الاحکام بخلاف الثالث فانه بارزه بالتکذيب و المقالات السيئة في حقه و حق آله و اوليائه علانية و ان کان اخواه ايضاً مشارکين له في ذلک ايضاً و يظهر منهما احياناً و لاجل ذلک روي ان ابابکر و عمر اغتابا سلمان و اسامة و انطلقا الي رسول‌الله9 فقال ما لي اري خضرة اللحم في افواهکما قالا يا رسول‌الله ما تناولنا اليوم لحماً قال فلم تأکلون لحم سلمان و اسامة فنزلت هذه الآية. بالجملة انها تجري فيهم و في اوليائهم حيث سلقوا آل‌محمد: و شيعتهم من لدن وفاة النبي9 الي يومنا هذا بسبهم و شتمهم و تکفيرهم و تفسيقهم و لعنهم و ذکر المعايب فيهم و ان قلت اکثر ذلک کانت تهمة قلت التهمة ايضاً من الغيبة اذ هي ذکر الرجل خلفه بما يسوؤه و قد مرّ عن الصادق7 في تفسير الغيبة هو ان‌تقول لاخيک في دينه ما لم‌يفعل و تبث عليه امراً قد ستره الله عليه لم‌يقم عليه فيه حد انتهي. فهي تشمل البهتان ايضاً فاعظم الغيبة ما اسسه الخلفاء و اتباعهم في آل‌محمد: و شيعتهم من الکذب عليهم و الفرية في حقهم و البهتان فيهم و نسبة العظائم اليهم فنهاهم الله عن ذلک اولاً فانها اعظم الغيبة ثم عن ساير افراده ثانياً و نهي ساير المؤمنين ان‌يغتابوا لاجل ان لايتصفوا بصفات اولئک الکفار و اهل النار فيکونوا منهم بالاتصاف ثم اعلم ان الصفة اذا غلبت علي انسان و اشتعل نارها في زيت قابليته ظهر بها کالشعلة التي ظهر دخانها بضوء النار و غلبت عليه فکان ناراً اذ کسته النار ضوءها و حرّها و اعطته اسمها و حدها فکان ناراً ظاهرة و ظاهر النار فکذلک اذا اتصف الانسان بصفة حسنة حتي اشتعلت نفسه بها و غلبت عليها ظهرت بها و اعطتها اسمها و حدها کالعدل مثلاً اذا غلب علي رجل سمي بالعدل و الخير اذا غلب علي رجل سمي بالخير فلاجل ذلک جميع ما امر الله به من الخيرات يصح اطلاقها علي من غلبت عليه و جميع ما نهي الله عنه من الشرور يصح اطلاقها علي من غلبت عليه فمحمد و آل‌محمد: هم الصلوة و الصيام و الحج و الخير و البر و النور و اعداؤهم هم الخمر و الزني و اللواط و الکذب و الغيبة و البهتان و هکذا و ذلک

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 217 *»

قول الکاظم في قوله تعالي انما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن قال ان القرآن له ظهر و بطن فجميع ما حرّم الله في الکتاب هو الظاهر و الباطن من ذلک ائمة الجور و جميع ما احل الله في الکتاب هو الظاهر و الباطن من ذلک هم ائمة الحق فالظن المنهي عنه و التجسس و الغيبة هم اعداء آل‌محمد: في الباطن کني بها عنهم ففي هذه الآية ‌اصل المناهي هم الاعداء و نهي المؤمنون عن ذلک لئلايتصفوا بصفاتهم و لايشتعل زيت قوابل نفوسهم بها فيتسموا باسمائهم و يتصوروا بصورهم فيکونوا منهم.

ياايها الناس انا خلقناکم من ذکر و انثي و جعلناکم شعوباً و قبائل لتعارفوا ان اکرمکم عند الله اتقاکم ان الله عليم خبير.

الظاهر: ثم خاطب الله جميع الناس لاشتراکهم فيما قال و کأنه اراد اثبات اخوتهم فقال ياايها الناس انا خلقناکم من ذکر و انثي اي بدء خلقکم من ذکر و هو آدم و انثي و هي حواء کلکم منهما فانتم في التوالد البدني الدنياوي من نطفة اب واحد و ام واحدة لافخر لاحد منکم علي احد من حيث الولادة و اتي بـ«من» فان الولد جزء والده کما قال و جعلوا له من عباده جزءاً و ذلک انه من نطفة الوالد و النطفة جزء من غذاء بدن الرجل و المرأة و جزء منه فلاجل ذلک خلقناکم من آدم و من حواء و جعلناکم شعوباً و قبائل لتعارفوا عن علي بن ابرهيم قال قال الشعوب العجم و القبايل العرب و بحسب اللغة الشعب هو الجمع العظيم المنتسبون الي اصل واحد و هو ينقسم الي قبائل و القبيلة تنقسم الي العمائر و العمارة تنقسم الي البطون و البطن ينقسم الي الافخاذ و الفخذ ينقسم الي الفصائل فخزيمة مثلاً شعب و کنانة قبيلة و قريش عمارة و قصي بطن و هاشم فخذ و عباس فصيلة و زاد بعضهم العشيرة و هي آخر الاحياء فقال جعلناکم شعباً شعباً و قبيلة قبيلة کل شعب و قبيلة بلون و صفة و هيأة و طبع و لسان و خصال لتعارفوا ليعرف بعضکم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 218 *»

بعضاً و لولا ذلک لم‌يعرف احد احداً و تشابهتم و بطل بذلک انسابکم و معاملاتکم و خربت مدينتکم و جميع ذلک صفات ابدانکم و لايفضل واحد علي واحد و لافخر لاحد علي احد بالابدان التي تشارکون بها ساير الحيوانات ان اکرمکم عند الله اتقاکم لان التقوي صفة النفس الناطقة التي بها الانسان انسان و يفضل بها علي الحيوان و لولا النفس الناطقة الانسانية لشارککم الحيوانات کما قال الله عزوجل في حق من ليس له انسانية ان هم الا کالانعام بل هم اضل اولئک هم الغافلون و عن النبي9 يا معشر قريش ان حسب الرجل دينه و مروته خلقه و اصله عقله قال الله (انا خلقناکم من ذکر و انثي) الي قوله (اتقاکم) انتهي. و التقوي هو نسب الله کما روي عن النبي9 انه قال يقول الله يوم القيمة امرتکم فضيعتم ما عهدت اليکم فيه و رفعتم انسابکم فاليوم ارفع نسبي و اضع انسابکم اين المتقون ان اکرمکم عند الله اتقاکم انتهي. فالاناسي هم حزب الله و رهطه و آله و قد دلت الآية علي ان الکرم هو التقوي و الاتقي الاکرم قيل لابي‌عبدالله7 ما الکرم قال التقوي و قيل للرضا7 والله ما علي وجه الارض اشرف منک آباءاً فقال التقوي شرّفهم و طاعة الله احاطتهم فقال له آخر انت والله خير الناس فقال له لاتحلف يا هذا خير مني من کان اتقي لله و اطوع له والله ما نسخت هذه الآية (و جعلناکم شعوباً و قبايل لتعارفوا ان اکرمکم عند الله اتقاکم) و قال رسول‌الله9 يوم فتح مکة يا يها الناس ان الله قد اذهب عنکم بالاسلام نخوة الجاهلية و تفاخرها بآبائها ان العربية ليست باب والد و انما هي لسان ناطق فمن تکلم به فهو عربي الا انکم من آدم و آدم من التراب و ان اکرمکم عند الله اتقاکم و عن الصادق7 اکرم الناس اتقاهم و اتقي الناس من قال الحق فيما له و عليه و عنه عن آبائه قال قال رسول‌اللهمن احب ان‌يکون اتقي الناس فليتوکل علي الله الي غير ذلک من الاخبار و في تفسير ظاهر الظاهر يفسر قوله اتقاکم باشدکم تقية و اعملکم بالتقية فعن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 219 *»

ابي‌الحسن7 في قول الله ان اکرمکم عند الله اتقاکم، اشدکم تقية و عن ابي‌عبدالله7 فيها اعملکم بالتقية انتهي. و يمکن ان‌يرجع الي الظاهر لان التقوي هي الحذر عن معاصي الله و مبارزة الاعداء بالحق في دولتهم محرم و معصية فالتقية احد افراد التقوي.

قوله عزوجل ان الله عليم اي بالوجه الاحسن من کيفية الخلق فخلق الخلق علي احسن ما يمکن في ظاهر الحيوة الدنيا و لاجل ذلک جعلکم شعوباً و قبائل لتتعارفوا خبير بالبواطن فيکرم من اطلع علي تقواه و يهين من اطلع منه علي الفجور و النفاق و الکفر کما روي عن النبي9 ياايها الناس انما الناس رجلان رجل مؤمن تقي کريم علي الله و فاجر هين علي الله انتهي و خصصنا الخبير بالباطن لما في الدعاء و الحمد لله الذي بطن فخبر.

التأويل: فمن تأويلها ان المراد بالذکر و الانثي الماء و التراب فان الماء ذکر و فيه جهة الرب غالبة و به الحيوة و من الماء کل شيء حي و ليس في صلبه للاشياء اختلاف و التراب انثي و قد خلق من ضلع الماء الايسر و فيه جميع الالوان و الاشکال و الطعوم و الروايح و في بطنه و رحمه يتولد المواليد و يتصور فيه کما حقق في محله و الله سبحانه خلق الانسان من ماء و تراب و هما الطين الذي خلق منه آدم و بنوه بل خلق کل شيء من ماء و تراب بحسبه و هما الرطوبة و اليبوسة و البخار و الدخان کما حققناه في الفلسفة ففي الظاهر الخطاب الي الناس و في التأويل يراد منه جميع الموجودات لانه مشتق من «ناس ينوس» اي تحرک و کل شيء ساير باقدام امتثالاته لنداء اقبل الي الله سبحانه و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب و الجبال في تفسير ظاهر الظاهر جمع «الجبلة» بمعني الخلقة و الطبيعة ککلبة و کلاب او کرقبة بمعناهما کرقبة و رقاب فجميع المخلوقات متحرکة الي الله عزوجل سائرة اليه فهي ناس و جميعها من رطوبة‌ الوجود و يبوسة الماهية و جعلناکم شعوباً و قبائل اي علي اجناس و انواع و صنوف شتي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 220 *»

بواسطة حدود الماهيات و مقوماتها و متمماتها لتعارفوا فيعرف کل شيء بحدوده و لولا ذلک لم‌يکن الاشياء يمتاز بعضها عن بعض و لما ظهر صنوف تجليات الله الاحد جل شأنه و لما دلت علي سعة قدرة الله علي ما يشاء و لما ظهرت حکمة الله و اسماؤه و صفاته و کمالاته و آياته و انواره و ملکه و سلطانه و لکانت الاشياء کلها شيئاً واحداً اذ ليس الاختلاف في الله و لا في مشيته و لا في الماء الصادر منها الذي منه حيوة کل شيء و کلها يشترک في ذلک الماء و انما الاختلاف في حدود الماهية‌ التي هي الام ان الله خلق المؤمن من نوره و صبغه في رحمته و لا اختلاف في النور الذي هو الاب و هو المادة التي هي الاب قال7 ابوه النور و امه الرحمة و الصبغ في بطن الام فافهم فلولا تلک الاجناس و الانواع و الاصناف لم‌يميز شيء عن شيء و کانت الاشياء شيئاً واحداً و خفي ما ذکرنا من تلک الخصال. ان اکرمکم عند الله اتقاکم اي احذرکم من النظر الي الکثرات من حيث انفسها و من حيث ماهياتها و انياتها الحاجبة لسرّ الاحدية و اشدکم توجها الي الاحد خالق البريات کما في الدعاء الهي قد امرتني بالرجوع الي الآثار فارجعني اليک بکسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي‌ارجع اليک منها مصون السرّ عن النظر اليها مرفوع الهمة عن الاتکال عليها الدعاء، و کذلک اتقي الاشياء من غلب فيه سر نور الاحديه و کانت الانية و الماهية فيه مغلوبة و الظاهر منه آثار الاحد و صفاته و انواره و هو اکرم علي الله فاتخذه الله وجهه و سمعه و بصره و يده و لسانه لکرامته علي الله و خفي فيه آثار الانية الحاجبة لاسرار الاحدية و انوار الواحدية ان الله عليم بکيفية الخلق خبير باتقاه و اکرمه و اعصاه و اهونه فافهم.

الباطن: ياايها الناس اي المتحرکون الي الله جل و عز باقدام امتثال امر الله الکوني الذي هو مشية الله و الحرکات الاستمدادية منها دائماً منها انا خلقناکم من ذکر و انثي و المراد منهما ظل مادة المشية الظاهرة في محمد9 الغالبة فيه و ظل صورة‌ المشية الظاهرة في علي7 فظل مادة المشية هو

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 221 *»

النور الکوني اي نور الله و ظل صورة المشية هو الرحمة الکونية اي رحمة الرحمن و الناس المخلوقون منهما هم المؤمنون بالايمان الکوني الآخذون بامر الله الکوني الممتثلون له کما في الدعاء فهي بمشيتک دون قولک مؤتمرة و بارادتک دون نهيک منزجرة و قال الله عزوجل کل قد علم صلوته و تسبيحه، و ان من شيء الا يسبح بحمده، يسبح لله ما في السموات و ما في الارض، فکلهم مؤمنون بالله و قال الرضا7 ان الله تبارک و تعالي خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و اخذ ميثاقهم لنا بالولاية فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة الخبر، فباطن الحديث الشريف جميع المؤمنين الکونيين خلقهم من نور مادة المشية الکونية و صبغهم في رحمته الکونية التي هي الرحمة الرحمانية‌ فالمؤمن اخو المؤمن يعني ان الشيء من جنس الشيء و نوعه و اول ما خلق الله بالمشية محمد و علي و کل منهما ظل مادة المشية و صورتها الا ان الغالب علي محمد9 هو ظل مادة المشية و بذلک کان نبياً منبئاً عن الله عزوجل و الغالب علي علي7 ظل صورة المشية و بذلک کان ولياً لله عزوجل و ظهور محمد9 ثم خلق الله جميع الکائنات من نورهما فمادة جميع الکائنات من نور محمد9 و صورة جميع الکائنات من نور علي7 فهما ابوا هذه الامة الکونية المرحومة بالرحمة الرحمانية و جعلناکم شعوباً و قبائل فالشعوب من العجم و القبائل من العرب کما روي عن الصادق7 و المراد بالعرب من الکائنات الذين افصحوا عن جهة الرب و جهة المادة و حکوها علي ما هي عليه بلسان عربي مبين و کان الغالب عليهم جهة المادة و المراد بالعجم الذين عجموا عن جهة الرب فلم‌يقدروا علي التعبير عنها و علي حکايتها لغلبة جهة النفس عليهم و جهة الصورة و الانية فلسانهم اعجمي ابکم عن التعبير عن تلک الحقيقة کما هي و لاجل ذلک صاروا قسمين فمنهم الغالب عليهم جهة الوجود فلذلک صاروا في مقام العلية و منهم الغالب عليهم جهة الماهية فلذلک صاروا في مقام المعلولية لتعارفوا و يعرف العلة معلولها بحقيقته و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 222 *»

ما يستحقه و تمده بما هو اهله و يعرف المعلول علته فيستمد منه کما ينبغي ثم قال ان اکرمکم عند الله اتقاکم يعني لايفضل بعضکم في مقام الکون علي بعض فان کلکم مؤمنون ممتثلون لامر الله معصومون عن الخطاء و الزلل بالعصمة الملکية لاتسبقونه بالقول و انتم بامره تعملون و الله سبحانه اجل من ان‌يکون في ملکه ممتنع عن قبول امره و حکمه او يکون علي خلاف محبته و رضاه الکوني انما امره اذا اراد شيئاً ان‌يقول له کن فيکون نعم في مقام الشرع فيکم اتقي و غير اتقي فمن آمن بالله و برسوله محمد9 و آل‌محمد: و اعترف بما فضلهم الله علي ساير خلقه به و ابانهم به عما سواهم و والي اولياءهم و عادي اعداءهم و عمل باوامرهم و اجتنب نواهيهم فهي (فهو ظ) اتقي و من نقص عن کمال ما ذکر فهو اقل تقوي فعلي حسب هذه التقوي يکون کرامتکم عند الله في الشرع فـاكرمكم عند الله اتقاكم و من لم‌يؤمن بما ذکرنا و لم‌يعمل بالصالحات فهو الهين عند الله و المهين لديه و اهونهم عند الله اشدهم کفراً و شرکاً و نفاقاً و فسقاً و ظلماً ففي الشرع تفرقوا بالسعادة و الشقاوة اما الذين سعدوا بالايمان و العمل ففي الجنة و اما الذين شقوا ففي النار فهيهنا خلق المؤمنون في الشرع من نور محمد9 في مقام الرسالة و صبغوا في الرحمة الرحيمية العلوية المكتوبة علي نفس الله3 فهيهنا المؤمن اخو المؤمن لابيه و امه، انما المؤمنون اخوة و خلق الكافرون في الشرع من ظلمة ابي الدواهي في مقام الغواية و صبغوا في النقمة من صفة ام الفتن لعنهاالله ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين. ان الله عليم بكيفية الخلق في عرصة الكون خبير بهم في عرصة الشرع علي ما ذكرنا و هذا احد بواطن الآية المباركة و عن النبي9 في حديث له مع فاطمة3 قال ان الله تعالي خلق الخلق فجعلهم قسمين فجعلني و علياً في خيرها قسماً و ذلك قوله عزوجل (و اصحاب اليمين ما اصحاب اليمين) ثم قسم القسمين قبائل فجعلنا في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 223 *»

 خيرها قبيلة و ذلك قوله عزوجل (و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم) ثم جعل القبائل بيوتاً و جعلنا في خيرها بيتاً في قوله سبحانه (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيراً) ثم ان الله اختارني من اهل بيتي و اختار علياً و الحسن و الحسين و اختارك فانا سيد ولد آدم و علي سيد العرب و انت سيدة النساء و الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة و من ذريتك المهدي يملأ الارض (قسطاً ظ) كما ملئت من قبله جوراً و في رواية جعل القسمين اثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً لقوله عزوجل (و اصحاب الميمنة ما اصحاب الميمنة و اصحاب المشأمة ما اصحاب المشأمة و السابقون السابقون) و انا خير السابقين ثم جعل الاثلاث قبائل الخبر فعلي ذلك لك ان تفسر الآية في الباطن بنحو آخر و هو ان الله عزوجل اراد في هذه الآية ان يظهر كرامة محمد و آل‌محمد: و شرفهم علي ساير الخلق فعرفهم انكم من حيث الخلقة كلكم من آدم و حواء و هما من الطين لاشرف لاحد علي احد و لافضل و لافخر و انما الكرامة في التقوي فمن كان له تقوي تحجزه عن معاصي الله و تحمله علي طاعة الله فله الفضل و الشرف و الكرم و الا فهو و البهائم سواء ان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فـاكرمكم عند الله اتقاكم فعلي ذلك اكرم الناس علي الله عزوجل هو محمد9 الذي هو اهل التقوي و اصلها و مبدأها و منتهاها و الداعي اليها و مؤسسها و اهل بيته الذين هم باجماع الامة و اتفاقهم اتقي الناس و اورعهم و اعلمهم بالله و برسوله9 و بدينه و الناصب المعادي لهم خارج عن الاسلام بالاتفاق و المفضل عليهم عدوهم تعصباً لابرهان له به و انما حسابه عند ربه و مع ذلك كون كل واحد من الائمة: في عصره افضل جميع اهل عصره غير منكور لايختلفون في ذلك كما يظهر من كتب العامة ايضاً فبالاتفاق هم اكرم علي الله من جميع الناس و لايكون اكرم الخلق و اتقاهم و اورعهم غير اول ما خلق الله و اسبقهم و اقربهم منه فهم بنص هذه الآية اقرب الخلق من الله و اول ما خلق الله فلو كان يسبقهم شيء لكان ذلك الشيء

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 224 *»

اقرب من المبدأ و لكان هو الانور و الاعلم و الاكمل و الاكرم و الاول و ذلك خلاف اتفاق الامة هذا و قد روي من كتاب «فرائد السمطين» للجويني من اعيان علماء العامة و عظامهم بسند متصل عن ابي‌هريرة عن النبي9 انه قال لما خلق الله تعالي ابا البشر و نفخ فيه من روحه التفت آدم يمنة العرش فاذاً نور خمسة اشباح سجداً و ركعاً قال آدم يا رب هل خلقت احداً من طين قبلي قال لا يا آدم قال فمن هؤلاء الخمسة الذين اراهم في هيأتي و صورتي قال هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة اسماء من اسمائي لولاهم ماخلقت الجنة و لا النار و لا العرش و لا الكرسي و لا السماء و لا الارض و لا الملئكة و لا الانس و لا الجن فانا المحمود و هذا محمد و انا العالي و هذا علي و انا الفاطر و هذه فاطمة و انا الاحسان و هذا الحسن و انا المحسن و هذا الحسين آليت بعزتي انه لايأتيني احد بمثقال حبة من خردل من بغض احدهم الا ادخلته ناري و لاابالي يا آدم هؤلاء صفوتي بهم انجيهم و بهم اهلكهم فاذا كان لك اليّ حاجة فبهؤلاء توسل الخبر، و عن الحمويني بسنده المتصل الي ابن‌عباس قال سمعت رسول‌الله9 يقول لعليّ خلقت انا و انت من نور الله و بسنده عن سلمان الفارسي رضي‌الله‌عنه قال سمعت رسول‌الله9 يقول خلقت انا و علي بن ابي‌طالب من نور عن عين (يمين ظ) العرش نسبح الله و نقدسه من قبل ان‌يخلق الله عزوجل آدم باربعةعشر الف سنة فلما خلق الله آدم نقلنا الي اصلاب الرجال و ارحام النساء الطاهرات ثم نقلنا الي صلب عبدالمطلب و قسمنا نصفين فجعل النصف في صلب ابي عبدالله و جعل النصف في صلب عمي ابي‌طالب فخلقت من ذلك النصف و خلق علي من النصف الآخر و اشتق الله تعالي من اسمائه اسماءاً فالله عزوجل المحمود و انا محمد و الله الاعلي و اخي علي و الله فاطر و ابنتي فاطمة و انه حسن و ابناي الحسن و الحسين الخبر، و من طريق العامة عن حبة العرفي عن اميرالمؤمنين7 قال قال رسول‌الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 225 *»

9 انا سيد الاولين و الآخرين و انت يا علي سيد الخلايق بعدي و مما تظافر عندهم قوله9 عليّ خير البشر من ابي فقد كفر. بالجملة كونهم سلام‌الله‌عليهم افضل الخلق و اعلمهم و اتقاهم مما لااظن خلافاً فيه بين المسلمين فهم اكرم علي الله ممن سواهم و يجب علي المؤمن اكرام من اكرمه الله و ترک اهانته ثم يجري التقوي في ساير المؤمنين من شيعتهم فيجري الكرامة فيهم و يجب اكرامهم كما روي عن جابر عن الباقر7 في قوله تعالي و سيجنبها الاتقي، قال الاتقي عليّ و شيعته فهم اكرم علي الله من ساير الخلق بعد ساداتهم فانهم اتقوا انواع الكفر فتركوها و اتقوا انواع الذنوب الموبقات فرفضوها و اتقوا اظهار اسرار الله و اسرار الائمة فكتموها و اتقوا ستر العلوم عن اهلها فيهم فنشروها فهم اهل التقوي و اهل المغفرة و هم اكرم علي الله من جميع الخلق و هم بنو آدم الذين قال الله تعالي فيهم (و لقد كرمنا بني‌آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلاً) و ما سواهم ابناء الشيطان كما قال (و شاركهم في الاموال و الاولاد) فهم الخلق المكرم بنو آدم الاول المحمل في برّ ايام ظهورهم و بحر ايام الغيبة و رزقوا من طيبات علوم آل‌محمد: و فضلوا علي جميع الامم دون الانبياء و الاوصياء.

قالت الاعراب آمنا قل لم‌تؤمنوا ولکن قولوا اسلمنا و لمايدخل الايمان في قلوبکم و ان تطيعوا الله و رسوله لايلتکم من اعمالکم شيئاً ان الله غفور رحيم.

القراءة: قرأ البصريان «لايألتكم» بالالف و الباقون بغير الف و حجة من قرأ «لايألتكم» قوله تعالي و ما التناهم و هو من «الته حقه يألته» اذا نقصه و من قرأ لايلتكم اخذه من «لات يليت» و هو ايضاً من «لات فلاناً حقه» اي نقصه.

الظاهر: قالت الاعراب و هم سكان البادية و ليس جمعاً لعرب و العرب

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 226 *»

هم سكان المدن آمنا عن جهالة بمعني الايمان فاراد الله تعريفهم الايمان فقال قل يا محمد لم‌تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا فانه صادق في حقكم و لمايدخل الايمان في قلوبكم و هو حال عن ضمير قوله لم‌تؤمنوا و ای لم‌تؤمنوا و حالكم انه لم‌يدخل الايمان في قلوبكم حين انتم كذلك و فيه تقريب لهم و تأنيس فان «لما» لنفي الماضي الي زمان الحال فيوهم لهم انه سيدخل الايمان في قلوبكم و هنالك يصدق قولكم آمنا فعلم من ذلك ان الايمان اعتقاد بالجنان و اقرار باللسان و اما العمل بالاركان فيعلم من قوله و ان تطيعوا الله و رسوله لايلتكم اي لاينقصكم من اعمالكم و «من» بيانية لا ابتدائية او تبعيضية فان لات يتعدي بنفسه الي اثنين يقال «لات فلاناً حقه» و كذلك «الت» فلايحتاج الي «من» فهي لبيان المنقصوص و مفهومه ان لم‌تطيعوا يلتكم اعمالكم و المؤمن لايلات اعماله فانه المتقي و انما يتقبل الله من المتقين و هو المؤمن و قال اولئك لم‌يؤمنوا فاحبط الله اعمالهم فالطاعة ركن من الايمان و المراد انكم اذا اطعتم الله و رسوله اجتمع في ايمانكم الشروط و حصل الاعتقاد بالجنان و الاقرار باللسان و العمل بالاركان و حصل فيكم التقوي و انما يتقبل الله من المتقين فلايلتكم اعمالكم و لايحبط منها شيئاً و لاينكر و يقبلها جميعاً و يعرفها ان الله غفور لذنوبكم التي اكتسبتموها قبل الايمان و بعد الايمان و رحيم يقبل حسناتكم و لايناقشكم في الحساب و يعلم ضعف عقولكم و علومكم فلايؤاخذكم بما قصرتم لقصوركم و فيهما اي في وصفه نفسه بالوصفين بعد هذا التأنيب و التعيير تقريب لهم و تأنيس لئلاييأسوا و يظنوا ان من لم‌يدخل الايمان في قلبه اولاً لايقبل منه آخراً و لايقبل اعماله و يهلك فبشرهم بـان الله غفور لكم رحيم بكم اذا تحقق فيكم الايمان.

فصل: اعلم ان للايمان اطلاقات فمرة يطلق و يراد به قبول الدعوة ظاهراً فحسب فيرادف الاسلام الظاهر كقوله تعالي ياايها الذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون نزلت في المنافقين فعن القمي قد سماهم الله المؤمنين باقرارهم و ان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 227 *»

لم‌يصدقوا و کقوله ياايها الذين آمنوا آمنوا بالله فعن القمي سماهم الله بالمؤمنين ثم قال لهم صدقوا و مرة يطلق و يراد به التصديق بالجنان و الاقرار باللسان کما في کثير من الآيات منها الذين آمنوا و عملوا الصالحات اولئک هم خير البرية فالعمل شيء زائد علي الايمان المذکور فيه و مرة يطلق و يراد به الاعتقاد بالقلب و الاقرار باللسان و العمل بالارکان کما يصفه بعد ذلک و يقول انما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم‌يرتابوا و جاهدوا باموالهم و انفسهم في سبيل الله اولئک هم الصادقون و هو الايمان الکامل ثم يتفاضل المؤمنون في الدرجات الثلث نوعاً ما ليس له غاية و لا نهاية و يزيد ايمانهم قال تعالي زادتهم ايمانا و قال و يزيد الله الذين اهتدوا هدي. و قد يطلق الايمان و يراد به الاقرار و الاعتقاد و العمل بجميع الاعمال الصالحة و الاجتناب عن جميع المعاصي فمن عمل و اجتنب فهو مؤمن و من لم‌يعمل بکل طاعة و لم‌يجتنب جميع المعاصي فهو مسلم و ان کان مصدقاً بقلبه کقوله افمن کان مؤمناً کمن کان فاسقاً لايستوون و اما الاسلام فقد يراد به تسليم الدعوة الظاهرة‌ کما قال هنا قل لم‌تؤمنوا ولکن قولوا اسلمنا و قد يراد به الايمان الکامل کقوله فان اسلموا فقد اهتدوا و لايکون الاهتداء الا بالايمان الکامل و قال ان تسمع الا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون و هذا الاسلام هو الايمان فما استفاض من طرقنا ان الايمان هو الاذعان بالجنان و الاقرار باللسان و العمل بالارکان هو الايمان الکامل و قد فرقوا سلام‌الله‌عليهم بينه و بين الاسلام بان الايمان هو الذي فيه تصديق بالولاية و اذعان بحدود الايمان بالقلب سواءاً کان له عمل بالارکان مع التصديق ام لم‌يکن و اغلب الموالي من اهل الاقرار باللسان و الاذعان بالجنان و لايساعدهما العمل بالارکان فهم مؤمنون بلحاظ مسلمون بلحاظ و هل يکون هذا الايمان سبب النجاة الذي يظهر من الاخبار انهم ناجون کلهم ولکن بعد ما يفتنون بالبلايا في الدنيا او البرزخ او الآخرة و عاقبتهم الي الجنة و تواتر بذلک الاخبار هذا و ليس الشيعة بتارک للعمل بالارکان باجمعه بل لهم بعض الاعمال الصالحة التي تقيد الايمان تقييداً ولکن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 228 *»

ليس بتقييد تام صحيح و لعله من اهل الکباير و الشفاعة مدخرة لاهل الکباير لان اهل الصغائر مغفور لهم بنص الکتاب ان تجتنبوا کباير ما تنهون عنه نکفر عنکم سيئاتکم فالشفاعة لاهل الکباير من اولياء آل‌محمد: فهم ناجون اخيراً و ان قصرت اعمالهم ان الله غفور رحيم و الاخبار في هذا الباب اي باب الاسلام و الايمان کثيرة قد ذکرها المفسرون و المحدثون في کتبهم و لنذکر بعضها مما لابد منه قال ابوجعفر7 في هذه الآية فمن زعم انهم آمنوا فقد کذب و من زعم انهم لم‌يسلموا فقد کذب و قال في حديث الاسلام لايشرک الايمان و الايمان يشرک الاسلام و هما في القول و الفعل يجتمعان کما صارت الکعبة في المسجد و المسجد ليس في الکعبة و کذلک الايمان يشرک الاسلام و الاسلام لايشرک الايمان و قد قال الله (قالت الاعراب آمنا قل لم‌تؤمنوا ولکن قولوا اسلمنا و لمايدخل الايمان في قلوبکم) فقول الله اصدق القول و قال ابوعبدالله7 في حديث ان الاسلام قبل الايمان و عليه يتوارثون و يتناکحون و الايمان عليه يثابون و قال في حديث الايمان هو الاقرار باللسان و عقد في القلب و عمل بالارکان و الايمان بعضه من بعض و هو دار و کذلک الاسلام دار و الکفر دار فقد يکون العبد مسلماً قبل ان‌يکون مؤمناً و لايکون مؤمناً حتي يکون مسلماً فالاسلام قبل الايمان و هو يشارک الايمان فاذا اتي العبد کبيرة من کباير المعاصي او صغيرة من صغاير المعاصي التي نهي الله عنها کان خارجاً من الايمان ساقطاً عنه اسم الايمان فان تاب و استغفر عاد الي دار الايمان و لايخرجه الي الکفر الا الجحود و الاستحلال ان‌يقول للحلال هذا حرام و للحرام هذا حلال و  دان بذلک فعندها يکون خارجاً من الايمان و الاسلام داخلاً في الکفر و کان بمنزلة من دخل الحرم ثم دخل الکعبة و احدث في الکعبة حدثا فاخرج عن الکعبة و عن الحرم فضربت عنقه و صار الي النار و قال ابوجعفر7 أتدري من المسلم؟ قيل جعلت فداک انت اعلم قال المسلم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 229 *»

 من سلم المسلمون من لسانه و يده ثم قال و تدري من المؤمن؟ قيل انت اعلم قال المؤمن من ائتمنه المسلمون علي اموالهم و انفسهم و المسلم حرام علي المسلم ان‌يخذله او يظلمه او يدفعه دفعة و قال ابوعبدالله7 الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة ان لا اله الا الله و ان محمداً رسول‌الله و اقام الصلوة و ايتاء الزکوة و حج البيت و صيام شهر رمضان فهذا الاسلام و قال الايمان معرفة هذا الامر مع هذا فان اقر بها و لم‌يعرف هذا الامر کان مسلماً ضالاً انتهي. اقول هذا اذا لم‌يظهر له الولاية فلم‌يقر و لم‌يجحد اما اذا ظهر و جحد فهو کافر و کذلک اذا لم‌يظهر و جحد و ناصب فهو کافر و قال ابوجعفر7 في حديث من شهد ان لا اله الا الله و ان محمداً رسول‌الله و اقر بما جاء من عند الله و اقام الصلوة و آتي الزکوة و صام شهر رمضان و حج البيت و لم‌يلق الله بذنب اوعد عليه النار فهو مؤمن قيل و ايّنا لم‌يلق الله بذنب اوعد عليه النار فقال ليس هو حيث تذهب انما هو لم‌يلق الله بذنب اوعد عليه النار لم‌يتب منه و عن الرضا عن ابيه عن آبائه عن علي7 قال قال رسول‌الله9 الايمان معرفة بالقلب و اقرار باللسان و عمل بالارکان الي غير ذلک من الاخبار. فعلي ذلک العامة الذين اظهروا الاعتراف و ابطنوا الانکار هم مسلمون في ظاهر الحيوة الدنيا و عند الله هم من الکفار و اما الذين اعترفوا ظاهراً و باطناً و لم‌يظهر لهم نصب النبي علياً7 بالخلافة و هم يشهدون بالشهادتين و يعملون بشرايع الاسلام و لايعادون الشيعة و لايقرون بالولاية هم مسلمون و من اهل التوحيد الظاهر و اذا عرفوا مع ذلک الولاية و اقروا بها فهم مؤمنون حقيقة و لما کانت الاعراب من السنخ الاول و ادعوا الايمان و لم‌يثبت في قلوبهم حقية ما يقولونه بالسنتهم نسبوا الي الاسلام الظاهر و سلب عنهم اسم الايمان کما عرفت.

التأويل: من تأويلات هذه الآية الشريفة ان ابدان هذه الاناسي الدنياوية ابدان حيوانية و الابدان الحيوانية تختلف هيأتها بحسب قربها من الاعتدال

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 230 *»

الکمي و الکيفي و بعدها فمنها في غاية البعد فتکون علي هيأة الديدان و اقرب منها اليه يکون کهيئة الحشرات و اقرب منها تکون علي هيأة الطيور و اقرب منها اليه يکون علي هيأة ذوات القوائم الاربع و اقرب منها يکون علي هيأة المسوخات الشبيهة في بعض اعضائها بالانسان و اقرب منها يکون علي هيئة ذوات القائمتين و ما لاذنب له المسماة في الظاهر بالانسان و في جميعها روح حيواني و للروح الحيواني الکلي قوي من الحس و الحرکة و الارادة فايّ بدن صيغ علي هيئات يمکن ظهور تلک القوي منه فهو انسب و اوفق بالروح و اعدل لاعتدال الروح و ايّ بدن کان علي هيئة لاتفي بظهور تلک القوي فهو خارج عن الاعتدال و يکون ناقصاً فيبقي بعض تلک القوي فيه في مکمن الخفاء و لايظهر و البدن الانساني اعدل ابدان الحيوانات و يکون صالحاً لظهور القوي الحيوانية فهذه الهيأة الانسانية الظاهرية هيأة حيوانية‌ اعتدالية و هي ايضاً تختلف في کمال الاعتدال و نقصانه و يستدل بها في علم القيافة علي ظهور تلک القوي و خفائها فهذه الهيأة هي تأويل الاعراب الذين هم من اهل البوادي خارجة مدينة الانسان التي هي مدينة العلم و الحلم و الذکر و الفکر و النباهة و اهل تلک المدينة هم الانسان الحقيقي و العرب المفصحون عن محاب الله و مرضاته و صفاته و اسمائه علي ان الله خلق آدم علي صورته و الصورة الانسانية هي اکبر حجة الله علي خلقه و هي الکتاب الذي کتبه بيده و هي المختصر من اللوح المحفوظ فاذا رکب هذا الحيوان ذلک الانسان الحقيقي سخره و قال سبحان الذي سخر لنا هذا و ما کنا له مقرنين و انا الي ربنا لمنقلبون و ساقه فيما امر به و ان لم‌يرکبه انسان کان حيواناً سائماً مهملاً شأنه الظلم و الغشم لانه لايشعر محاب الله العدل و مرضاته فيقول الله عزوجل في التأويل قالت الاعراب الذين هم سکنة خارج مدينة الانسان و خارج بابها الذي باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب آمنا ادعوا انهم انسان و من اهل المدينة قل لم‌تؤمنوا و لستم من اهل مدينة الانسان کما قال لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئک

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 231 *»

 کالانعام بل هم اضل اولئک هم الغافلون، الاعراب اشد کفراً و نفاقاً و اجدر ان لايعلموا حدود ما انزل الله. ولکن قولوا اسلمنا و نحن في الظاهر علي هيأة الانسان و اسلمنا ليد الصانع الحکيم و صرنا في الظاهر علي هيأة الانسان و طاوعنا صنع الحکيم و لمايدخل الايمان اي الانسانية في قلوبکم يعني لمايصر قلوبکم قلب الانسان و لمايرکب علي ابدانکم الروح الناطقة القدسية‌ الانسانية التي شأنها عبادة الرحمن و اکتساب الجنان و ان تطيعوا الله الذي صفاته واسماءه هي صورة التوحيد و هيکل التفريد و سيماء العدل و هيأة الحکم و رسوله الذي هو حبيب الله و علي صفة محاب الله و مرضاته و علي صورة اسمائه و صفاته القائل لکم ان کنتم تحبون الله فاتبعوني يحببکم الله، لايلتکم من اعمالکم شيئاً و لاينقصکم اجورکم و انما هي اعمالکم ترد اليکم و ما تجزون الا ما کنتم تعملون، سيجزيهم وصفهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ان الله غفور اي ستير حينئذ لمقتضيات حيوانيتکم بفضل نور انسانيتکم فان النور يستر الظلمة رحيم اذ اخرجکم من حدود الحيوانية الي حدود الانسانية التي هي داخل الباب الذي باطنه فيه الرحمة و دلکم عليها و هيأ لکم اسبابها و مکنکم من ان‌تتمسکوا بها و تصيروا اناسي حقيقيين و انما مثلکم کاجساد يعملها اهل الصناعة الفلسفية فمنها اجساد مصبوغة بصبغ القطبين لما القي عليها اکاسير برانية فصارت اجساداً برانية مصبوغة لاحقيقة لها و منها ما القي عليها اکاسير جوانية فدخلت الاصباغ بواطنها فقلبت طبايعها الي طبعي القطبين فکانت قطبين حقيقيين فالاجساد البرانية اعراب سکنة البر و القطبان عرب و انسان سکنة بلدة الحقيقة و هما لايحصلان الا باکاسير جوانية باطنة من تدبير حکيم عليم و هذه ايضاً احد تأويلات هذه الآية الشريفة قد ذادت اهل الاباطيل و الاضاليل عن مورد الحکماء العلماء و اثبتت عدم کون التدابير الخذخذية البرانية تدابير جوانية باطنية الهية ولکن اکثر الناس لايعلمون و هم من غاية الحرص ضل سعيهم في الحيوة الدنيا و هم يحسبون انهم يحسنون صنعاً فافهم.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 232 *»

الباطن: اعلم انه قد استفاض في اخبار العامة و الخاصة قول النبي9 انا مدينة العلم و علي بابها من اراد المدينة فليأتها من بابها و لاشک ان الخارج من مدينة علم النبي9 تائه في بوادي الجهل اذ لاعلم الا منه کما عرفت فمن کان داخل الباب کان من اهل المدينة مدينة العلم و الحکمة و الدين و من کان خارج المدينة هو في ضلال مبين و قد اشار الله الي ذلک في الباطن فقال فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و عن النبي9 انا السور و علي الباب و ليس يؤتي السور الا من قبل الباب فالعرب هم اهل المدينة الداخلون الباب و هم في رحمة الله هم خالدون و الاعراب سکنة البادية الخارجون من الباب الساکنون ظاهره و هم اشد کفراً و نفاقاً و اجدر ان لايعلموا حدود ما انزل الله ولکنهم لنفاقهم و الستر علي کفرهم قالوا آمنا بالله و صفاته و اسمائه و برسول‌الله9 و فضائله و فرض طاعته قل لم‌تؤمنوا بحقيقة الايمان فانه لايمکن ان‌يصدق الله الا من باب تصديق رسول‌الله9 و من کذبه فقد کذب الله و ان قال عن مکر و حيلة اني اصدق الله و کذلک لايمکن تصديق رسول‌الله الا بتصديق علي الذي نصبه مکانه و جعله بابه و جعله خليفة له في رعيته و تصديق آله الاطهار صلوات‌الله‌عليهم الذين هم خلفاء علي و اوصياؤه و لايخلو الارض من واحد منهم و الاقرار بفضلهم و فرض طاعتهم و کذلک لايمکن ولايتهم الا بولاية اوليائهم و البرائة من اعدائهم و الاقرار بفضائل اوليائهم و مثالب اعدائهم فلم‌تؤمنوا انتم بالله و ان قلتم لا اله الا الله فان الله لايعرف الا برسول‌الله و لم‌تؤمنوا برسول‌الله لانه لايعرف الا بوصيه و ولده کما قال ابوجعفر7 انما يعبد الله من يعرف الله فاما من لايعرفه فانما يعبده هکذا ضلالاً قيل جعلت فداک فما معرفة الله قال تصديق الله تعالي و تصديق رسوله9 و موالاة علي7 و الايتمام به و بائمة الهدي: و البرائة الي الله تعالي من عدوهم هکذا يعرف الله عزوجل و لم‌تؤمنوا بهم حتي‌توالوا اولياءهم و تقروا بفضائلهم و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 233 *»

تعادوا اعداءهم بحقيقة قلوبکم ولکن قولوا اسلمنا ظاهراً لله و لرسوله و لمايدخل الايمان بحدوده و شروطه في قلوبکم کما بينا و ان تطيعوا الله و رسوله في ولاية وصيه الذي نصبه مکانه و ساير اوصيائه في کل قرن و اوان و في ولاية اوليائهم و الاقرار بفضائلهم التي بينها لکم في کل موطن و موقف و تعادوا اعدائهم الرادين علي الله و رسوله الساعين في اطفاء نورهما و تخريب بيتهما و استيصال آلهما لايلتکم من اعمالکم شيئاً و قبلها منکم فان ولايتهم شرط وقوع الاعمال لله و في الله و بامر الله و حکم الله و شرط دخولکم عليه من بابه و قصدکم اياه فانهم وجه الله الذي يتوجه اليه الاولياء و باب الله الذي يؤتي منه و ظاهره الذي بين ظهرانيکم فلايقبل عمل الا بولايتهم فان اطعتموها لاينقصکم من اعمالکم شيئاً ان الله غفور بشفاعة محمد9 للموالين لهم المتمسکين بمعرفتهم و محبتهم اذ هم حققوا في انفسهم حقيقة الايمان و اصله الذي هو سبب النجاة و انما صدر بعض ما لايليق منهم بواسطة اللطخ و الخلط و فيهم نزل قوله تعالي علي الاطلاق من غير تقييد يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً انه هو الغفور الرحيم و قوله فيومئذ لايسئل عن ذنبه انس و لا جان و قد قال النبي9 حب علي حسنة لاتضر معها سيئة و بغضه سيئة لاتنفع معها حسنة فذنوب الشيعة مغفورة لهم بتواتر الاخبار التي يجب تصديقها و لايجوز لمؤمن ردها. رحيم بالرحمة الرحيمية المکتوبة بولاية نفس الله المکتوبة عليها الرحمة کما قال کتب علي نفسه الرحمة بهم و لايهلکون بين المغفرة لسيئاتهم و القبول بالرحمة لحسناتهم و الاخبار في هذه المعاني متواترة بين الشيعة لاينکرها الا ناصب فجميع من سوي الشيعة اعراب و لذا سمي الاولان بالاعرابيين في بعض الاخبار و جميع اتباعهم اعرابي و الشيعة هم العرب کما روي عن الصادق7 نحن بنو هاشم و شيعتنا العرب و ساير الناس الاعراب و قال ابوعبدالله7 من لم‌يأت الله عزوجل يوم القيمة بما انتم عليه لم‌تقبل منه حسنة و لم‌يتجاوز له عن سيئة و قال ما علي ملة ابرهيم احد غيرکم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 234 *»

 و مايقبل الله الا منکم و لايغفر الذنوب الا لکم.

 

انما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم‌يرتابوا و جاهدوا باموالهم و انفسهم في سبيل الله اولئک هم الصادقون.

الظاهر: انما المؤمنون كلمة انما هنا للحصر و المؤمنون مبتداء و الذين آمنوا صفة له و الصادقون خبر و اولئك و هم بدلان للمبتداء و لك ان‌تجعل الذين خبر المبتداء و اولئك هم الصادقون جملة مستأنفة و المراد بالمؤمنين المؤمنون بالايمان الحقيقي الواقعي الذي يكون سبب نجاة المتمسك به و لهم جميع ما وعد الله للمؤمنين من الجنة و المغفرة الذين آمنوا هو صفة المؤمنون اي صدقوا الله و رسوله بلسانهم في جميع ما امرا به و من اعظمه ما امرا بالتصديق لعلي و اولاده: و في جميع ما اخبرا به و من اعظمه ما اخبرا به من فضائل علي و اولاده الطيبين الطاهرين و شيعتهم و اوليائهم و لم‌يكونوا كالذين قالوا نؤمن ببعض و نكفر ببعض فان الكفر بادني امر من اوامرهما كفر بهما مطلقاً و لايكفي الاذعان بجميع ذلك بل من شروطه قوله ثم لم‌يرتابوا و لم‌يشكوا و لم‌يختاروا لانفسهم الريب و الريب اول الشك لقول علي7 لاترتابوا فتشكوا فتكفروا و قوله يرتابوا من الافتعال و هو صيغة تدل علي من اتخذ لنفسه شيئاً و اختاره فالارتياب غير الريب فان من خطر بباله ريب و كرهه يقال له رابه ذلك ولكن من اتخذه لنفسه و سكن عليه يقال ارتاب و من شروطه و جاهدوا باموالهم و انفسهم و هو مجاهدة الاعداء الخارجين بالاموال و الانفس التي هي الجهاد الاصغر و مجاهدة النفس بالاموال فتنفقها في جهات امر الله بالانفاق فيها و بالانفس باستعمالها في انواع الطاعات و العبادات و حقوق الله و حقوق حججه عليهم و اخوانهم و منه ان‌يحكموا حجج الله عليهم في جميع ما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجاً مما قضوا و يسلموا لهم تسليماً فان الله عزوجل قال فلا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 235 *»

 وربك لايؤمنون حتي‌يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجاً مما قضيت و يسلموا تسليماً. في سبيل الله اي حال كونها في سبيل الله متوجهين الي الله و قاصدين وجه الله بها فانهم حينئذ سالكون سبيل الله متقربون اليه بكل عمل فاذا استكملوا هذه الشروط اولئك هم الصادقون في ادعائهم الايمان لا انتم ايها الاعراب الذين لم‌تؤمنوا بالله و رسوله في جميع ما برز منهما بل اخذتم ببعضها و تركتم اعظمها و هو الولاية لعلي و اولاده الطاهرين سلام‌الله‌عليهم و الاقرار بفضائلهم و ولاية اوليائهم و البرائة من اعدائهم و ارتبتم فيما قالوا في حقهم و لم‌تجاهدوا باموالكم و انفسكم اعداءه الظاهرة و الباطنة فعلي ذلك الايمان هو الاقرار باللسان و هو مدلول آمنوا بالله و رسوله و العقد عليه في الجنان و هو مدلول ثم لم‌يرتابوا و العمل بالاركان و هو مدلول و جاهدوا باموالهم و انفسهم فاذا تحقق في الانسان هذه الشروط هو الصادق في ادعاء الايمان و الا فلا و هو قول ابي‌عبدالله7 في حديث مرّ الايمان هو الاقرار باللسان و عقد في القلب و عمل بالاركان و الايمان بعضه من بعض الخبر و سئل7 عن قول المرجئة في الكفر و الايمان و قيل انهم يحتجون علينا و يقولون كما ان الكافر عندنا هو الكافر عند الله فكذلك نجد المؤمن اذا اقر بايمانه انه عند الله مؤمن فقال سبحان الله و كيف يستوي هذان و الكفر اقرار من العبد فلايكلف بعد اقراره بينة و الايمان دعوي لاتجوز الا ببينة و بينته عمله و نيته فاذا اتفقا فالعبد عند الله مؤمن و الكفر موجود بكل جهة من هذه الجهات الثلث من نية او قول او عمل و الاحكام تجري علي القول و العمل فمااكثر من يشهد له المؤمنون بالايمان و تجري عليه احكام المؤمنين و هو عند الله كافر و قد اصاب من اجري عليه احكام المؤمنين بظاهر قوله و عمله و قيل له في حديث الاتخبرني عن الايمان اقول هو و عمل ام قول بلا عمل فقال الايمان عمل كله و القول بعض ذلك العمل.

التأويل: اعلم ان من تأويلات المؤمن الانسانية كما عرفت و يأتي فاراد الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 236 *»

عزوجل ان‌يعرف حقيقة الانسان فشرح و بين في هذه الآية المباركة ان الانسان كساير الاكوان مثلث الكيان له روح و نفس و جسد و الجسد في كل موجود هو القابلية السائلة من الله سبحانه روحاً و نفساً و الروح و النفس المشتركتان في الروحانية هما المقبول و الاجابة من الله جل و عز علي حسب سؤال القابلية الا ان الروح هو مقام الاجمال و الصدور من الامر و الاعلي و النفس هي مقام التفصيل و التعلق بالجسد و الاسفل قل لايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤکم فانه غني مطلق لا اقتضاء فيه لشيء من الخلق فکيفما يسئل السائل يقع من الله الاجابة کما ان الجسد اذا تهيأ في الدنيا علي هيأة‌ الفرس يفاض عليه روح الفرس و اذا تهيأ علي صورة البقر يفاض عليه روح البقر کذلک اذا تهيأ بصورة الانسان يفاض عليه روح الانسان فالروح و الجسد متناسبان دائماً و لايفاض روح من غير سؤال جسد و لايقوم جسد حياً دراکاً متحرکاً الا بالروح فانه من انية الروح و ماهيته خلق من نفس الروح و انهما متقارنان و من عرف هذا السر ظهر عنده بطلان قول اهل التناسخ و حلول ارواح الاناسي في ابدان علي هيأة الحيوان فما لم‌يکن الجسد علي صفة الانسان لم‌يکن الروح روح انسان و ما لم‌يکن الروح روح انسان لم‌يکن الجسد علي صفة الانسان لان حيوة الجسد بالروح و صدور الاعمال منه بالروح و اولنا المؤمن بالانسان لان الانسان هو الممتثل امر الله و مشيته و ارادته التشريعية المتهيأة بهيأة صفات الله و اسمائه فالانسان المطابق لها مؤمن بهما و غير الانسان المطابق لها کافر بهما مخالف لصفتهما فبين الله عزوجل ان الانسان الحقيقي هو المطابق لمشية الله في روحه و جسده و لايکون الروح مطابقاً لها حتي‌يکون الجسد مطابقاً لها و لايکون الجسد مطابقاً لها حتي‌يکون الروح مطابقاً لها فلاجل ذلک قال انما المؤمنون اي الانسان الحقيقي الذين آمنوا بالله المتصف بالصفات الکمالية و رسوله اي امره الذي هو موقع صفاته و اسمائه و مظهرها و المؤدي عنه الي ساير المخلوقات تلک الصفات و الاسماء و المراد بهذا الايمان هو الاذعان باللسان اي اللسان الکوني الذي هو تعبير النفس ما لها و فيها بصفات الجسد من حيث حکايته للنفس ثم لم‌يرتابوا في ارواحهم و هم جازمون علي المطابقة مع امر الله عاقدون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 237 *»

عليه منعقدون علي صفته منجمدون عليها کالجبل لاتحرکه القواصف و لاتزيله العواصف و ليسوا مرتابين سيالين منحلين سلسي الانقياد لکل داع يتصورون بصورة فعل کل مموج و يميلون مع کل ريح و جاهدوا باموالهم و انفسهم في سبيل الله في اجسادهم علي حسب مشية الله و ارادته يظهر منها انوار تلک الاسماء و الصفات کالدخان المشتعل بالنار المستضيء بها فالشعلة الحقيقية هي ما روحها مثال النار و جسدها علي صفة النار کما قال علي7 تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فالشعلة لها ثلث مقامات مقام مثال ملقي و هي روحها ومقام تدبير المثال الدخان و تعلقه به و هو نفسها و مقام هوية دخانية مکلسة مشتعلة هي جسدها فبمطابقة المثال و التعلق و الهوية کانت الشعلة شعلة فالشعلة آمنت بالنار بظاهرها و جاهدت نفسها التي هي الدخان فيها فاخفت نفسها و اظهرت النار و سکتت عن نفسها و تکلمت بالنار و فقدت نفسها و وجدت النار و سکنت من نفسها و تحرکت بالنار و خالفت هواها و وافقت النار و اماتت نفسها و احيت امر النار و ذلک کله جهادها في سبيل النار و لم‌ترتب لما تعلق بها مثال النار و دبر ذلک المثال الدخان علي حسب محبة النار و ليست بحيث قد تحکي مثال النار و قد تحکي مثال الماء بل هي متمحضة في حکاية النار متوجهة اليها بکلها ثابتة علي الاقبال اليها سايرة اليها ابداً فهي الصادقة في قولها اني مؤمنة مصدقة بالنار و ذلک  ايضا احد تأويلات الآية‌ المبارکة فاذا صار الانسان عند الله کالدخان عند النار فهو مؤمن بمشية الله حقيقة و الا فان کانت روحه مرتابة قد تتوجه الي امر الله فيقع فيها مثاله و قد لاتتوجه فيقع فيها مثال غيره و قد يدبر الدخان علي حسب ميل النار و قد لايدبره ليس بمؤمن و کذلک اذا لم‌يجاهد في سبيل امر الله بکله اي بکل جسده کما عرفت في امر الشعلة و لم‌يقرّ بالاذعان لامر الله بلسان کينونته فليس بانسان البتة فالانسان الصادق في الانسانية الذي فيه مثال امر الله و يدبر جسده علي حسب امر الله و يظهر من جسده صفات مشية الله فاولئک هم الصادقون. ثم اعلم ان مرادنا بجسد الانسان ليس هذا الجسد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 238 *»

الظاهر في الدنيا فانه الجسد الحيوانية و انما المراد بجسد الانسان هو الجسد الحقيقي الذي يحشر به يوم القيمة و يدخل به الجنة و هو مخلوق من نفس روحه و خطوطه و حدوده العقايد الحقة و الاعمال الصالحة و العلم و العمل و اما هذا الجسد العرضي الدنياوي فهو جسد حيواني معتدل کما بينا فلاجل اعتداله کان علي هذه الصورة الانسانية و هو جسد عرضي و لذلک يجتمع مع الانسانية و غيرها و لذا قال ابوجعفر7 الناس کلهم بهائم ثلاثاً الا قليل من المؤمنين و المؤمن عزيز ثلاث مرات انتهي و قال الله عزوجل ان هم الا کالانعام بل هم اضل اولئک هم الغافلون فافهم.

الباطن: هذه الآية المبارکة تجري اولاً في علي و اولاده الطيبين الطاهرين سلام‌الله‌عليهم و انما اراد الله في الباطن اظهار فضلهم و جلالة قدرهم فقال انما المؤمنون بالايمان الحقيقي الخالص الکامل الذي لم‌يلبس بظلم کما قال عزوجل الذي آمنوا و لم‌يلبسوا ايمانهم بظلم او هو مشتق من الامن اي الذين يؤمنون من شاءوا من عذاب الله عزوجل في الدنيا و من هول المطلع في القبر و من اهوال يوم القيمة و من عذاب الجحيم او يؤمنون من شاءوا من شر ابليس و جنوده و الخناس الوسواس في صدور الناس و من زوال الايمان و من الوقوع في السيئات و الخطايا العظام بحفظهم او من لعب الاعادي في دينهم و ازواء الحق عنهم بتسديدهم و حظهم و مراقبتهم کما قال اليوم يئس الذين کفروا من دينکم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اکملت لکم دينکم و اتممت عليکم نعمتي و رضيت لکم الاسلام ديناً.

الذين آمنوا بالله و رسوله اي صدّقوا الله فيما اخبر عن نفسه و عن رسوله و عن دينه و عن ساير الغيوب و الرجعة و المعاد و الحقايق و صدقوا رسوله فيما اخبر عن الله و عن نفسه و عن دينه و عن ساير الغيوب و الرجعة و المعاد و الحقايق و کان تصديقهم تصديقاً حقيقياً کما قال علي7 و التصديق هو العمل و العمل هو الاداء و صدّقوهما بجميع مراتب وجودهم باشتعالها بنار تلک الاخبار

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 239 *»

کما يصدق دخان الشعلة النار فيما القت اليها و غير المشتعل مکذب منکر للنار کافر اي ساتر للنار و تارک لامرها و نهيها و کافر بنعمتها و غير محدث بها غير شاکر لها اذ لايثني عليها و لايظهر فضلها بل يخفيها فالمؤمن الحقيقي هو المشتعل بنار ما امر به و کلف فانه المصدق العامل المؤدي. و لک ان‌تقول الذين آمنوا من الامن کما مر فالمؤمن الحقيقي هو المؤمن بالله و برسوله کما تقول في ابتداء عملک بسم الله و بالله اي افعل ذلک باعانة اسم الله و باعانة الله و بحوله و قوته لا بنفسي و حولها و قوتها فالمؤمن من سواه اذا کان مؤمناً بالله و برسوله هو المؤمن الحقيقي يفيد ايمانه لمن آمنه و يأمن من تلک الاخطار و الاهوال و الا فلا و لايقدر شخص ان‌يؤمن غيره بالله و برسوله الا ان‌يکون مشتعلاً بنار التوحيد و النبوة حتي‌يکون فعله فعلهما و ايمانه ايمانهما فمن آمن بالله و رسوله هو المؤمن الحق المخلوق لاجل ذلک المأمور من عند الله بذلک و ذلک لايکون الا لمن کان مالک الدنيا و الاخرة له ما في السموات و الارض کما قال عزوجل صراط الله الذي له ما في السموات و ما في الارض و يکون قسيم الجنة و النار يقدر ان‌يقول للنار خذي هذا ذري هذا ثم لم‌يرتابوا لعصمتهم و طهارتهم فلم‌يشتعل دخان کينونتهم بغير نار التوحيد و نار النبوة و لم‌يتخذوا لانفسهم ريباً و اصل الريب القلق و الاضطراب ثم استعمل في الشک لاضطراب النفس و في الظنة و التهمة لاجل اضطراب النفس في المظنون‌به و المتهم و المرتاب المتخذ الشک و الظنة و التهمة لنفسه خلقاً فالمعصوم نفسه ساکنة علي ما القي اليه من مثال الله و مثال رسوله و اسمائهما و صفاتهما و انوارهما فلايلتفت الي غيرهما و لاينصبغ نفسه بغيرهما فلايحصل له ريب و المرتاب دائم التوجه الي دليلين متضادين ينفصل عن کل منهما شبح و هو المدلول و ينطبع في مرآة نفسه فتضطرب کمرآة تتوجه بها تارة يميناً و تارة شمالاً و الاصباغ تصبغ النفوس و تؤثر فيها حتي‌تتطبع بطبعها مدة او دائماً فترتاب و تضطرب و هم سلام‌الله‌عليهم لم‌يتوجهوا الي غير الله و رسوله فلم‌ينطبع في نفوسهم غيرهما و لم‌يتطبعوا بغير نورهما فلاجل ذلک لم‌يرتابوا و لاجل ذلک جاهدوا باموالهم و انفسهم و اموالهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 240 *»

جميع ماسواهم فانه من فاضل انوارهم مملوک لهم مفوض اليهم و الله هو المالک لما ملکهم و القادر علي ما اقدرهم عليه و جاهدوا بجميع ما لهم و بهم في سبيل الله و اجروها علي ما شاء الله و اراد لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و ما يشاءون الا ان‌يشاء الله کما في الزيارة مجاهدتک في الله ذات مشية الله.

و لک ان‌تأخذ الباء في قوله باموالهم للتعدية اي حملوا جميع انوارهم و اشعتهم التي هي لهم علي الجهاد في سبيل الله فلاجل ذلک و ان من شيء الا يسبح بحمده ولکن لاتفقهون تسبيحهم، و يسبح لله ما في السموات و ما في الارض، کل قد علم صلوته و تسبيحه فسجد لله بهم سواد الليل و بياض النهار و جهاد جميع مالهم جهادهم و عملهم و ثوابه لهم کما في الزيارة اليکم التفويض و عليکم التعويض و في الزيارة اشهد انک قد اقمت الصلوة اي اينما کانت و من کل من صدرت و آتيت الزکوة و امرت بالمعروف و نهيت عن المنکر کذلک اي الکل عملکم و انتم مجاهدون به في سبيل الله و الجهاد من الجهد و هو تحمل المشقة و جهاد العدو و مجاهدته تحمل المشقة بسبب دفعه و کل عامل بخير مجاهد في الله مع عدو الله ابليس الداعي الي الشر فالمسخن لايسخن الا ان‌يقاتل المبرد و يفني برده و المنير لاينير الا ان‌يجاهد المظلم و يقاتله و يفني ظلمته و اثره فهم مجاهدون جيوش الماهيات الداعية الي غير الله بحمل اموالهم علي السير الي الله و الامتثال لامر الله و انفسهم في مراتب ذواتهم فانهم حملوا انفسهم علي مجاهدة انياتهم و قاتلوها حتي اسلمت لله و لرسوله و آمنت بهما و اطمأنت فرجعت الي الله راضية مرضية و دخلت في عباد الله حتي صارت نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن فاشتعلت بنار التوحيد و النبوة حتي لم‌يظهر منها غيرهما و لم‌تکن الا لهما.

و لک ان‌تقول ان المراد بالانفس شيعتهم فکما انهم عند اضمحلالهم عند سطوع نور الله اشتعلوا به حتي صاروا نفس الله القائمة فيه بالسنن فکذلک شيعتهم المخلوقون من شعاع نورهم المشتعل زيت قوابلهم بانوارهم انفسهم فحينئذ

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 241 *»

اموالهم هو کل من هو غير الشيعة من ساير الخلق و لذا خصوا سلمان رضي‌الله‌عنه بقولهم انما صار سلمان من العلماء لانه رجل منا اهل البيت فهم جاهدوا باموالهم و انفسهم اي بساير مماليکهم و شيعتهم فسئل ابوجعفر7 عن نصرانية کانت تحت نصراني فطلقها هل عليها عدة مثل عدّة المسلمة فقال لا لان اهل الکتاب هن مماليک للامام الا تري انهم يؤدّون الجزية کما يؤدي العبد الضريبة الي مواليه و قال و من اسلم منهم فهو حر الخبر و قال العسکري7 ان الدنيا و ما عليها لرسول‌الله و قال رسول‌الله9 خلق الله آدم7 و اقطعه الدنيا قطيعة فما کان لآدم7 فلرسول‌الله9 و ما کان لرسول‌الله9 فهو للائمة من آل‌محمد: انتهي. في سبيل الله اي في رسول‌الله9 اولئک هم الصادقون علي الاطلاق المأمور بالکون معهم علي الاطلاق کما قال ياايها الذين آمنوا اتقوا الله و کونوا مع الصادقين فلما امر الله عزوجل بالکون مع الصادقين اراد ان‌يعرفهم و يبين فضلهم فاخبر في هذه الآية ان الصادقين من کان هکذا و لم‌يکن هکذا احد باجماع الامة الا هم صلوات‌الله‌عليهم و قد اجمعوا علي ايمانهم و فضلهم و صدقهم  لاجل ذلک امر الله بحبهم و مودتهم علي الاطلاق فقال قل لااسألکم عليه اجراً الا المودة في القربي و لايأمر الله بحب من لايحبه الله يقيناً و ان الله لايحب العصاة يقيناً حين عصيانهم فهم ليسوا بعصاة لاجل ذلک هذا و عن القمي في هذه الآية‌ قال نزلت في اميرالمؤمنين و عن ابن‌عباس فيها ذهب عليّ بشرفها و فضلها انتهي. و ما يجري فيه يجري في آله المعصومين سلام الله عليهم اجمعين لانهم من نور واحد و طينة واحدة ثم يجري الآية في شيعتهم فانهم المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله في جميع ما قال و اتي به و دعا اليه من اعظم ما جاء به من امر الولاية و فضل اربابها الي ارش الخدش الذي هو اصغره و آمنوا غيرهم من عذاب الله بسبب شفاعتهم التي کرّمهم الله بها و وعدهم قبولها منهم ثم لم‌يرتابوا في حقية ذلک و عقدوا عليه في قلوبهم او آمنوا بالله و رسوله في زمنه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 242 *»

ثم لم‌يرتابوا في عليّ الذي نصبه يوم الغدير بسبب اتفاق اکثر الامة علي غصب خلافته و ازالة حقه و قد زل اقدام اکثر الامة حتي ارتدوا علي ادبارهم و انقلبوا علي اعقابهم فالمؤمنون الذين ثبتوا علي الولاية بعده و جاهدوا باموالهم و انفسهم في سبيل الله الذي هو علي7 و آله: و شيعتهم المستضعفون کما روي عن الباقر7 في قوله تعالي لئن قتلتم في سبيل الله او متم قال سبيل الله عليّ و ذريته فمن قتل في ولايتهم قتل في سبيل الله و من مات في ولايتهم مات في سبيل الله و قال7 في حديث سبيل الله شيعتنا فمن نذر في سبيل الله فليعطه الشيعة. اولئک هم الصادقون في دعويهم انا مؤمنون و يشهد هذه الآية ان من ارتکب الکباير او بعضها و ترک بعض الطاعات او کلها فذلک ليس بصادق في دعواه الايمان کما روي عن ابي‌عبدالله7 في حديث اذا اتي العبد کبيرة من المعاصي او صغيرة من صغاير المعاصي التي نهي الله عنها کان خارجاً من الايمان ساقطاً عنه اسم الايمان فان تاب و استغفر عاد الي دار الايمان الخبر و قال رسول‌الله9 في بعض العصاة ليس هؤلاء يسمون بشيعتنا ولکنهم يسمون بمحبينا و الموالين لاوليائنا و المعادين لاعدائنا ان شيعتنا من شيعنا و اتبع آثارنا و اقتدي باعمالنا و قيل للحسين7 يا ابن‌رسول‌الله انا من شيعتکم قال اتق الله و لاتدعين شيئاً يقول الله کذبت و فجرت في دعواک ان شيعتنا من سهلت قلوبهم من کل غش و غل و دخل ولکن قل انا من مواليکم و محبيکم و قال الرضا7 في حديث مع قوم ادعوا التشيع انما شيعته الحسن و الحسين و سلمان و ابوذر و المقداد و عمار و محمد بن ابي‌بکر الذين لم‌يخالفوا شيئاً من اوامره و لم‌يرتکبوا شيئاً من فنون زواجره الحديث و قال العسکري7 ان شيعتنا هم الذين يتبعون آثارنا و يطيعوننا في جميع اوامرنا و نواهينا فاولئک شيعتنا و اما من خالفنا في کثير مما فرضه الله عليه فليسوا من شيعتنا الي ان قال انما شيعة عليّ الذين قال الله تعالي فيهم (الذين آمنوا و عملوا الصالحات اولئک

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 243 *»

 اصحاب الجنة هم فيها خالدون) هم الذين آمنوا بالله و وصفوه بصفاته و نزهوه عن خلاف صفاته و صدقوا محمداً9 في اقواله و صوبوه في کل افعاله و والوا علياً7 بعده سيداً اماماً و قرماً هماماً لايعدله من امة محمد9 احد و لا کلهم اذا جمعوا في کفة يزنون بوزنه بل يرجح عليهم کما يرجح السماء علي الذرة و شيعة علي عليه الصلوة و السلام هم الذين لايبالون أوقع الموت عليهم او وقعوا علي الموت و شيعة علي عليه الصلوة و السلام هم الذين يؤثرون اخوانهم علي انفسهم و لو کان بهم خصاصة و هم الذين لايراهم الله حيث نهاهم و لايفقدهم من حيث امرهم و شيعة علي7 هم الذين يقتدون بعلي7 في اکرام اخوانهم المؤمنين ما عن قولي لک اقول اقوله من قول محمد9 فذلک قوله (و عملوا الصالحات) قضوا الفرائض کلها بعد التوحيد و اعتقاد النبوة و الامامة و اعظمها فرضان قضاء حقوق الاخوان في الله و استعمال التقية من اعداء الله انتهي. فمن کان علي ما قالوا: فاولئک هم الصادقون في دعويهم الايمان لا اولئک الاعراب الذين هم اشد کفراً و نفاقاً و اجدر ان لايعلموا حدود ما انزل الله في بواطنهم و ان عرف منهم قليلاً فهو مخالف في کثير من اعماله معهم.

قل اتعلمون الله بدينکم و الله يعلم ما في السموات و ما في الارض و الله بکل شيء عليم.

الظاهر: المخاطبة في قوله اتعلمون مع الاعراب الذين قالوا آمنا بافواههم و لم‌تؤمن قلوبهم و جوارحهم فقال قل يا محمد اتعلمون الله بدينکم و الباء لتضمن الفعل الاخبار اي اتخبرون الله بدينکم و تريدون بزعمکم ان‌تزيلوا جهله او غفلته عنکم و الحال ان الله يعلم ما في السموات من الملئکة و النجوم التي لايحصيها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 244 *»

احد غيره و ما في الارض من صنوف الجمادات و النباتات و الحيوانات و الاناسي التي لايحصيها احد سواه و الذي هو هکذا لايخفي عليه ايمانکم ان کنتم مؤمنين و نفاقکم ان کنتم منافقين هذا في ظاهر فهم اهل الظاهر و اما في الحقيقة فمعناه ان الله يعلم ما في السموات اي ما في العرش الذي خلق منه قلوبکم و ما في الکرسي الذي خلق منه صدورکم و ما في فلک زحل الذي خلق منه عقولکم الجزئية و ما فى فلک المشتري الذي خلق منه علومکم الجزئية و ما في فلک المريخ الذي خلق منه اوهامکم و ما في فلک الشمس الذي خلق منه موادکم و ما في فلک الزهرة الذي خلق منه خيالکم و ما في فلک عطارد الذي خلق منه فکرکم و ما في فلک القمر الذي خلق منه حيوتکم و ما في الارض من الطبايع التي خلق من نارها صفراؤکم و من هوائها دمکم و من مائها بلغمکم و من ترابها سوداؤکم و المراد من الارض مجموع الطبايع و العناصر و هي التي في مقابلة‌ السموات و ليس المراد منها التراب وحده فالله الذي يعلم هذه الکليات لانه خالقها و مبدعها و ماسکها و حافظها الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير فالله الذي هو کذلک کيف يخفي عليه عقائد قلوبکم و نيات ضمايرکم و اعمالکم التي تعملونها في خلواتکم و الله بکل شيء عليم لانه خالق کل شيء قل الله خالق کل شيء و هو عالم الغيب و الشهادة فکيف تظنون انکم تعلمون الله بدينکم و هو هکذا لايشتبه عليه امورکم الباطنة و الظاهرة و في قوله و الله يعلم الي آخر الآية انذار لهم حتي‌يحذروا من اضمار السوء و الکفر و النفاق و اعلان الايمان کذباً و اجراء السنتهم علي خلاف الوضع الالهي.

التأويل: و من تأويلات هذه الآية‌ المبارکة ان‌يکون المخاطبة مع اهل اللطخ و الخلط و ذلک ان الله سبحانه لما خلق الخلق في عالم الذر و اخذ عليهم الميثاق بقوله الست بربکم و محمد نبيکم و علي و احدعشر من ولده اولياؤکم الستم توالون اولياء الله و تعادون اعداء الله فمنهم من اقر و منهم من تأمل و اقر بعد حين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 245 *»

و منهم من انکر ثم کسرهم و خلطهم فالتطخ طينة المؤمن بطينة الکافر و التطخ طينة الکافر بطينة المؤمن فلاجل ذلک يصدر من المؤمن بالذات بعض صفات الکافر و اعماله و يصدر من الکافر بالذات بعض صفات المؤمن و اعماله و لاجل ذلک يدعون بلسان کينونتهم انهم مؤمنون و يشتبه امرهم علي بعض من لايري الا الاعراض ولکن الله لايخفي عليه خافية في السموات و الارض فامر نبيه9 ان‌يقول مخاطباً لهم اتعلمون الله بدينکم و تخبرون ايها الکفار بالذات انکم مؤمنون بلسان اعمالکم و صفاتکم و الله يعلم ما في السموات و ما في الارض اي ما في سموات الغيب و ما في ارض الشهادة و ما في سموات الامر و ما في ارض الخلق و ما في سموات العلل و ارض المعلولات و ما في سموات العليين و ارض سجين و ما في سموات الذوات و ارض الاعراض و ما في سموات الاسباب و ارض المسببات و ما في سموات المواد و الوجودات و ارض الصور و الماهيات و ما في سموات مشاعرکم الباطنة و ارض الاجساد و ما في سموات الارواح و ارض الابدان و ما في سموات الکاملين و ارض الناقصين و ما في سموات العلماء و ارض الجهال و ما في سموات الانبياء و ارض الرعايا و امثال ذلک و الله بکل شيء عليم و جميع الموجودات صور علمية لله عزوجل مکتوبة في ام الکتاب الحاضرة لديه يعلمها بها فکيف يخفي عليه الصفات الذاتية و العرضية بل لايخفي و يجازيکم علي حسبها و يميز الله الخبيث من الطيب و يردّ الخبيث الي اصله و هو اولي به و يردّ الطيب الي اصله و هو اولي به و يجازي کل واحد بما له و ما يستحقه فيجعل الخبيث بعضه علي بعض فيرکمه فيجعله في جهنم و يجعل الطيب بعضه علي بعض و يجعله في الجنة و لايبالي و ما هو بظلام للعبيد و لايشتبه عليه شيء و السنة‌ ذواتکم سائلة منه ما تقتضيه و تستمد من الله ما يناسبها و يمدها الله علي حسب استعدادها کلاً نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربک و ما کان عطاء ربک محظوراً فافهم.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 246 *»

الباطن: اعلم ان احداً لايظن انه يخبر الله بدينه و هو يعرفه و يعتقد الوهيته و ان کان لايعرفه و لايعتقد الوهيته فلايظن انه يخبر من لايقر به ولکن القوم زعموا انهم يشبهون الامر علي رسول‌الله9 و حجج الله: و المؤمنين فاخبروهم کذباً انهم مؤمنون ليعاملوهم معاملة المؤمنين و يجروا عليهم احکامهم کما قال اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و اذا خلوا الي شياطينهم قالوا انا معکم انما نحن مستهزؤن و قال يخادعون الله و الذين آمنوا و ما يخدعون الا انفسهم و مايشعرون فجعل الله مخادعة رسوله بزعمهم مخادعته و کذلک اخبارهم الرسول و الحجج و المؤمنين اخباره ففي الباطن قل اتعلمون الله بتعليمي بدينکم فان کل معاملة معي هي المعاملة مع الله فاني ظاهره فيکم اخترعني من نور ذاته و فنيت في جنبه فليس ظاهراً مني الا هو و لاجل ذلک طاعتي طاعته و بيعتي بيعته و رميي رميه و قتلي قتله فاذا زعمتم انکم تشبهون عليّ الامر و تعلموني بدينکم فقد زعمتم انکم تعلمون الله بدينکم و الله يعلم ما في السموات و ما في الارض يعني اني اعلم ما في السموات و ما في الارض کما قال و کذلک نري ابرهيم ملکوت السموات و الارض و انا اکرم منه علي الله و اقرب منه اليه و اولي به منه و اري ابرهيم کل ذلک و هو في الارض و عرج بي الي سمواته و اسري بي في ملکوت ارضه و جعلني شاهداً لخلق السموات و الارض و خلق انفسکم فاني عدل بعدل الله لست بظالم و الله يقول بئس للظالمين بدلاً مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ما کنت متخذ المضلين عضداً و قال يوم نبعث من کل امة بشهيد و جئنا بک علي هؤلاء شهيداً فاشهدني الله خلقکم فقوله و الله يعلم اي رسول‌الله يعلم کل ذلک و علمه علم الله و انا عالم الغيب و الشهادة کما قال عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا من ارتضي من رسول و ايّ رسول ارضي مني لله عزوجل و الله بکل شيء عليم اي و اني بکل شيء عليم لانه خلق جميع ماسواي من نوري و لايخفي امر النور علي المنير و انا اولي بالمؤمنين بالايمان الکوني المسلمين لامر الله الکوني من انفسهم فانا املک لهم من انفسهم و اقرب

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 247 *»

اليهم من انفسهم و اوجد منهم في امکنة وجودهم و انا وجه الله الذي اينما تولوا فثم وجه الله فکيف يشتبه عليّ امرکم و تظنون انکم تخادعوني و ما تخدعون الا انفسکم و ماتشعرون و کذلک يجري هذا المعني في الحجج سلام‌الله‌عليهم فانهم متحدون مع محمد9 و کلهم محمد فيجري الامر في کل واحد واحد منهم کما سمعت صلوات الله عليهم اجمعين.

يمنون عليک ان اسلموا قل لاتمنوا علي اسلامکم بل الله يمن عليکم ان هداکم للايمان ان کنتم صادقين.

الظاهر: يمنون اي اولئک الاعراب عليک ان اسلموا اي بان اسلموا و المن هو ذکر الصنيع عند من صنع اليه شيء و فيه هضم للمصنوع اليه و ذل له فلما قالت الاعراب آمنا زعماً منهم ان ايمانهم صنيع الي رسول‌الله9 فذکروا صنيعهم مناً منهم علي رسول‌الله9 فانف الله له ذلک و لم‌يرض به فقال قل لاتمنوا علي اسلامکم اي باسلامکم او حذف الباء لتضمن المن التعداد و الذکر اي لاتعدوا لي و لاتذکروا اسلامکم و تظنون ان لکم بذلک نعمة‌ عليّ يجب عليّ ان‌اشکرکم و استرضيکم مکافاة لصنيعکم اليّ و الاسلام في هذين المقامين بمعني الايمان فانهم ادعوا الايمان بزعمهم و ردّ الله عليهم قولهم بل الله يمن عليکم ان هداکم للايمان ان کنتم صادقين و هذا المن غير المن الاول فان المن يأتي بمعني النعمة و منه المنان و حاشا الله ان‌يتصف بقبيح لم‌يرضه لعبده و اراد تکرمه منه فکيف يمن الله بهذا المعني و انما المن هنا بمعني النعمة کما جاء في اللغة و انما ذکر بلفظ المن للتقابل کما قال و مکروا و مکر الله و کقوله انما نحن مستهزؤن الله يستهزئ بهم فلما ذکر يمنون عليک قال هنا بل الله يمن عليکم و لايذکر الله و لايعدد علي عبده نعماءه لاذلاله بل لاعزازه و هدايته و تعريفه الحق ليقوم العبد بحقه فينجو من العذاب الاليم الذي هو مقتضي سيئاته

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 248 *»

و في الدعاء اللهم اني اسألک من منک باقدمه و کل منک قديم اللهم اني اسألک بمنک کله اي نعمتک و قوله ان هداکم اي بان هداکم للايمان و الهداية لها ثلث حالات فقد يعدي بنفسه کقوله اهدنا الصراط المستقيم و قد يعدي باللام نحو ما هيهنا و قد يعدي بـالي کقوله يهدي اليه من اناب. و «الهداية» الارشاد و الدلالة فاذا تعلق الهداية و الارشاد بالله عزوجل بان عرفه الله يقال هداه الي الحق کقوله يهدي اليه من اناب و قوله افمن يهدي الي الحق احق ان‌يتبع فانه لايمکن الارشاد و الدلالة الي ذات الحق انما دليله آياته و وجوده اثباته فالعبد يهتدي الي ربه اي يصل الي آياته و انواره و جهته و نحوه و سبيله و لايصل اليه و اذا تعلق الهداية بخلق يمکن الوصول اليه قد تتعدي اليه بنفسها فيقال اهدنا الصراط المستقيم، و هديناه النجدين، انا هديناه السبيل فيفضي بنفس الفعل الي المفعول و قد تتعدي بـالي اذا لم‌يتحقق الايصال کقوله و انک لتهدي الي صراط مستقيم و ذلک ان النبي9 هو الهادي الي سبيل الله و من اهتدي فانما يهتدي لنفسه و من ضل فانما يضل عليها و ان الامر بين فاعل و قابل و النبي هو فاعل الهداية و القبول من الناس و لذا قال انما انت منذر من يخشيها و قال لتنذر من کان حياً و قال انک لاتهدي من احببت و قال ما انت بهادي العمي عن ضلالتهم و امثال ذلک و اما اللام فمعناه موافقة الي کقوله لعادوا لما نهوا عنه فقوله هداکم للايمان يعني الي الايمان و لايبعد ان‌يکون اللام لقلة مبانيه اقل حجباً بين الفعل فيکون الفعل اشد اتصالاً و اکثر قرباً من المفعول و لم‌يقل الله جل و عز هداکم الايمان فانهم لم‌يصلوا الي الايمان و لو هداهم الايمان لکانوا مؤمنين کما قال و لو يشاء الله لهدي الناس جميعاً يعني اوصلهم الي الحق مع انه هداهم الي صراطه و ان من امة الا خلا فيها نذير، انا هديناه السبيل اما شاکرا و اما کفورا فالله لم‌يهدهم الايمان و انما هداهم الي الايمان و عرفهم سبيله و لکنهم کفروا و لم‌يهتدوا و لذلک قال ان کنتم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 249 *»

 صادقين و هو تعريض بعدم صدقهم في دعويهم و اضاف الهداية الي الايمان مع انه نفي عنهم الايمان سابقاً و اثبت لهم الاسلام فان الله عزوجل يهدي الي الايمان و هو الغرض الاصلي من الهداية فمنهم من يهتدي بجميع مراتبه فيؤمن و منهم من يهتدي بظاهره دون باطنه فيسلم و الهداية من الله للايمان في کل حال.

قوله ان کنتم صادقين اي في ادعائکم الايمان و قولکم آمنا و ليس جزاء الشرط محذوفاً کما اشتهر بل نفس الجملة السابقة جزاؤه و قد اخطأ النحاة ان الجزاء لايقدم علي الشرط و هو قول من درايتهم و لادليل عليه و قد حققنا في کتابنا «التذکرة»‌ في النحو ان لايجوز ان‌يقال بالحذف في الکلام الا و ان‌يکون المتکلم قاصداً له متوجهاً نفسه اليه الا انه لايذکره اختصاراً و لاشک ان المتکلم لايقصد هنا حذف جزاء آخر و انما مراده في جزائه الجملة الاولي بعينها و قولهم ان حرف الشرط له الصدارة قول وضعي منهم لابرهان عليه و اشار بقوله ان کنتم صادقين الي ما ذکر سابقاً من قوله اولئک هم الصادقون يعني ان کنتم علي ما وصفت من صفة المؤمن الصادق فلله المن عليکم فانه المبتدئ بخلقکم و بحيوتکم و رزقکم و مشاعرکم و قواکم و توفيقکم و هدايتکم و انزال الکتب اليکم و ارسال الرسل و وضع الشرايع و تهيئة الاسباب و التمکين و تخلية السرب و رفع الموانع و مع ذلک لاتستطيعون ان‌تؤمنوا الا باذن کما قال و ما کان لنفس ان‌تؤمن الا باذن الله و قد اذن لکم ان کنتم مؤمنين کل ذلک بفضله و جوده الابتدائي فله المن عليکم ان هداکم و يسر لکم الاهتداء ان کنتم صادقين.

و اعلم ان هيهنا دقيقة لطيفة و هو ان خيالک في المرآة هو ظهورک و ليس بينک و بين ظهورک فعل آخر و انما هو انت و ظهورک فاذا وقع ظهورک في المرآة يقال ظهر فلان فهذا الظهور من حيث صدوره عنک و حين الصدور هو فعلک ظهر و بعد الصدور و الوقوع يقال له الظهور و کذلک «الضرب» هو من حيث الصدور و حين الصدور فعلک «ضرب» و من حيث الصدور و حين الصدور هو مصدر و «ضرب» و ما لم‌تضرب انت لم‌يکن ضرب و ما لم‌تظهر للمرآة لم‌يکن فيه ظهور و لاجل ذلک قلنا ان المصدر مشتق من الفعل و قد حققنا ذلک في محله فالحادث المخلوق

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 250 *»

باعتبار نفسه خلق و باعتبار صدوره من ربه و حين الصدور فعله عزوجل و من عرف ذلک و شاهد علم انه لايکون في الارض و لا في السماء شيء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و کتاب فمن کان يزعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرک کما روي فلولا فعل الله جل و عز لم‌يکن شيء حادث في عرصة الحوادث و قد حققنا ذلک في ساير کتبنا فاذا آمن عبد بالله عزوجل فلايؤمن الا بفعل الله و مشيته و هدايته و ذلک ان الايمان له جهة فعلية لله عزوجل و جهة‌ مفعولية و جهة الفعلية لله منه و انعامه و هدايته بالايمان و من جهة‌ العبد مخلوق ظهر علي يد العبد و لاجل ذلک قال عزوجل يهديهم ربهم بايمانهم و قال بکفرهم لعناهم فمن عرف هذا السر فاز بالتوحيد الفعلي و شاهد ان الله خالق کل شيء و الله خلقکم و ما تعملون فهذا سر قوله بل الله يمن عليکم ان هداکم للايمان ان کنتم صادقين فانهم ان کذبوا لم‌يمن الله عليهم بالايمان و انما غضب عليهم بکذبهم فمن رأي فيما عليه من الطاعة حسن صنيع الله به احدث له الخضوع و الشکر لانه يري انه منه نعمة ابتدائية و من رأي فيما عليه من الطاعة حسن صنيعه و حسب انه احسن صنعاً احدث له العجب و الفخر و الکبر و فيه هلاکه فعن الصادق7 في حديث و اغسل قلبک بماء الخوف و اجعله ذاکراً لله من اجل ذکره اياک فانه ذکرک و هو غني عنک فذکره لک اجلّ و اشمل و اتمّ من ذکرک له و اسبق معرفتک بذکره لک تورثک الخضوع و الخشوع و الاستحياء و الانکسار و يتولد من ذلک رؤية کرمه و فضله السابق و تصغر عندک طاعتک و ان کثرت في جنب مننه فتخلص لوجهه و رؤيتک ذکرک له يورثک الرياء و العجب و السفه و الغلظة في خلقه و استکثار الطاعة و نسيان فضله و کرمه و لاتزداد بذلک من الله تعالي الا بعداً و لاتستجلب به علي مضي الايام الا وحشة الخبر و قال في حديث آخر و تمام الشکر اعتراف لسان السرّ خاضعاً لله تعالي بالعجز عن بلوغ ادني شکره لان التوفيق للشکر نعمة حادثة يجب الشکر عليها و هي اعظم قدراً و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 251 *»

 اعز وجوداً من النعمة التي من اجلها وفقت له فيلزمک علي کل شکر شکر اعظم منه الي ما لانهاية له الخبر و في مناجاة السجاد7 و من اعظم النعم علينا جريان ذکرک علي السنتنا و اذنک لنا بدعائک و تنزيهک و تسبيحک و قال فکيف لي بتحصيل الشکر و شکري اياک يفتقر الي شکر فکلما قلت لک الحمد وجب عليّ لذلک ان اقول لک الحمد الدعاء. و اني اجمل لک القول اذ ليس هيهنا موضع التفصيل ان خيالک في المرآة لايوفق للنظر اليک حتي‌تنظر اليه فان نظرت اليه نظر اليک و ان اعرضت عنه اعرض عنک فمن هذا تبصر امرک يا هذا و اعلم ان المن منک علي مخلوق بصنيعک اليه يحدث برؤيتک الصنع و النعمة لک و غفلتک عن الله اذ لست تمن بصنع غيرک الي احد و انما حدث منک ذلک برؤية الصنيع لک و ذلک سبب انقطاعک من الله و استحقاق ان‌يسلب ذلک الصنيع منک حتي‌تعلم انه ليس منک و هذا هو معني حبط العمل و لذا قال الله عزوجل لاتبطلوا صدقاتکم بالمن و الاذي قال ابوعبدالله7 المن يهدم الصنيعة و عنه عن آبائه عن رسول‌الله9 في حديث و من اصطنع الي اخيه معروفاً فامتنّ به احبط الله عمله و ثبت وزره و لم‌يشکر له سعيه و قال قال من اسدي الي مؤمن معروفاً ثم آذاه بالکلام او منّ عليه فقد ابطل الله صدقته انتهي، و اذا مننت علي خالقک فهو اعظم و ادهي فمن منّ علي الله بايمانه سلب عنه الايمان البتة‌ فان الايمان منّ من الله عليه لا منّ منه علي الله سئل ابوالحسن7 عن العجب الذي يفسد العمل فقال العجب درجات منها ان‌يزين للعبد سوء عمله فيراه حسناً فيعجبه و يحسب انه يحسن صنعاً و منها ان‌يؤمن العبد بربه فيمنّ علي الله و لله عليه فيه المنة.

التأويل: فمن تأويلها ان الخطاب في قوله عليک الي العقل فانه الحجة الباطنة و الرسول الباطن و المانون هم النفوس الملهمة و اللوامة فلما کانت تلک النفوس عمياوات عن التوحيد الفعلي و عن رؤية الخلق من الله و الي الله و لاتري الا انفسها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 252 *»

و تري الافعال افعالها و التصرفات تصرفاتها و تزعم بطبايعها لانفسها استقلالاً اذ لاتري غيرها معها لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها ان هم الا کالانعام بل هم اضل اولئک هم الغافلون فکانت کالانعام لاتحس و لاتدرک الا ما حاذي حواسها و انطبع فيها حال الانطباع لا قبلها و لا بعدها لانه ليس لها مشعر مستعل علي الزمان يدرک ما کان سابقاً او يکون لاحقاً فتلک النفوس ايضاً ليس لها مشعر تدرک ما فوقها و ما تحتها و انما تدرک ما يحاذيها و يصاقعها فهي لاتدرک الا نفسها و لاتري الافعال الا افعالها و لا الصنايع الا صنايعها و لاتدرک رباً و لا مبادي علل فلاجل ذلک هي اذا صدر عنها خير زعمت انها خيرة و اذا احسنت زعمت انها محسنة و اذا اسائت زعمت انها مسيئة و ان استنکفت من اسائة نسبتها الي اختها المساوية لها و هي جاهلة غافلة عن قوله تعالي قل کل من عند الله في التکوين و من قوله ما اصابک من حسنة فمن الله و ما اصابک من سيئة فمن نفسک في التشريع و من قوله و ما بکم من نعمة فمن الله و بذلک کان الانسان لفي خسر الا الذين اتبعوا العقل و سلموا له و اعتقدوا بخبره و صدقوه فانه الذي يعلم ان الکل من الله و المن لله بجميع ما بخلقه لاشريک له فتلک النفوس تعدد صنايعه في محضر العقل و تظهر الحول و القوة و القدرة و انها هي الفاعلة المختارة الصانعة لکل صنع فامر الله العقل ان‌يعلم تلک النفوس و يظهر لها ان النعمة و الحول و القوة و القدرة و الطول من الله جل و عز و انما انتن اسباب و سنن خلقية يفعل الله ما يشاء بقدرته و يحکم ما يريد بعزته فان فعل شيئاً بکن فلستن فاعلين کما ان کن اذا قطعتن بمدية ليست المدية قاطعة و لا شريکة لکن و لا مستقلة في القطع و انما هي آلة لکن و الفعل فعلکن کذلک ان ابي الله ان‌يجري الاشياء الا باسبابها و فعل بکن ما فعل لستن شرکاء لله عزوجل و الفعل فعله و الخلق خلقه و جميع ما بکم من خير فهو من الله و بالله و هو المنعم به عليکم فلاتعددن الخيرات في افعالکن للعقول و تظهرن الاستقلال قال ابوجعفر7 ان في بعض ما انزل الله في کتبه: اني انا الله لا اله الا انا خلقت الخير و خلقت الشر فطوبي لمن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 253 *»

 اجريت علي يديه الخير و ويل لمن اجريت علي يديه الشر و ويل لمن قال کيف ذا و کيف ذا انتهي. بل الله يمن عليکم ان هداکم للايمان و الانقياد للعقل ان کنتم صادقين انکم مصادر خير او شر و مبادي حسنة او سيئة فان صدقتن ان اعمالکن حسنات فهي من العقل و ان کذبتن فلا حاصل في التعداد و يجري تأويل الآية في کل معجب و متکبر و فاخر و مستبد و امثالهم فافهم.

الباطن: فمن بواطنه ان المراد بقوله يمنون اي اعداء علي7 الذين يضمرون العداوة له و لذريته و لمحبيهم و لشيعتهم الذين هم نجباء ولد آدم ان اسلموا معک و ذلک کما روي عن جابر بن عبدالله قال کنت عند رسول‌الله في حفر الخندق و قد حفر الناس و حفر علي7 فقال له النبي9 بابي من يحفر و جبرئيل يکنس التراب بين يديه و يعينه ميکائيل و لم‌يکن يعين احداً من الخلق قبله ثم قال النبي9 لعثمان بن عفان احفر فغضب عثمان و قال لايرضي محمد ان اسلمنا علي يده حتي‌يأمرنا بالکد فانزل الله علي نبيه يمنون عليک ان اسلموا الي قوله صادقين. و عن القمي نزلت في عثمان يوم الخندق و ذلک انه مر بعمار بن ياسر و هو يحفر الخندق و قد ارتفع الغبار من الحفرة فوضع عثمان کمه علي انفه و مر فقال عمار:

لايستوي من يعمر المساجدا   فيها يصلي راکعاً و ساجداً
کمن يمرّ بالغبار حائداً   يعرض عنه جاحداً معانداً

فالتفت اليه عثمان فقال يابن السوداء اياي تعني ثم اتي رسول‌الله9 فقال لم‌ندخل معک لتسب اعراضنا فقال له رسول‌الله9 قد اقلتک اسلامک فاذهب فانزل الله يمنون عليک الي قوله صادقين اي ليس هم صادقين ان الله يعلم الي قوله تعملون انتهي. و لاتمانع بين الحديثين لاحتمال وقوع الواقعتين فالمراد بقوله يمنون اي عثمان و من يصوب رأيه و يصدق قوله و يحذو حذوه و يواليه مع ما هو عليه ان اسلموا بحسب الظاهر مع ما يضمرون

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 254 *»

من الکفر و النفاق بعداوة علي7 و اولاده و انکار ولايتهم و اضمار غصب حقهم و عداوة اوليائهم قل لاتمنوا علي اسلامکم الظاهري الذي لاحقيقة له عندکم بل الله اي بل رسول‌الله يمن عليکم اي ينعم عليکم فان انعامه هو انعام الله و فعله فعل الله و هو و آله اولياء النعم ان هداکم للايمان و يجب عليکم شکر احسانه و الامتنان منه فان من لم‌يشکر رسول‌الله لم‌يشکر الله و لذا قرن الله شکره و شکر علي7 بشکره و قال ان اشکر لي و لوالديک و قد استفاض بين الخاصة و العامة قوله9 انا و علي ابوا هذه الامة و انما وجب شکر النبي و الولي8 لقوله تعالي انما انت منذر و لکل قوم هاد فوجب شکر النبي9 لانذاره و شکر الولي لهدايته قال النبي9 يؤتي بالعبد يوم القيمة فيوقف بين يدي الله عزوجل فيأمر به الي النار فيقول اي رب امرت بي الي النار و قد قرأت القرآن فيقول الله اي عبدي اني قد انعمت عليک و لم‌تشکر نعمتي فيقول اي رب انعمت عليّ بکذا و شکرتک بکذا و انعمت عليّ بکذا و شکرتک بکذا فلايزال يحصي النعمة و يعدد الشکر فيقول الله تعالي صدقت عبدي الا انک لم‌تشکر من اجريت لک النعمة علي يديه و اني قد آليت علي نفسي ان لااقبل شکر عبد لنعمة انعمتها عليه حتي‌يشکر من ساقها من خلقي و قال الرضا7 من لم‌يشکر المنعم من المخلوقين لم‌يشکر الله عزوجل انتهي. فمن لم‌يشکر اعظم المنعمين علي الخلق و هو محمد و آله: لم‌يشکر الله و هو کافر بنعماء الله و له العذاب الشديد و شکرهم اظهار فضائلهم و ثنائهم و طاعتهم فيما امروا و الانزجار عما نهوا کما ان شکر الله ذکر ثنائه و طاعته و الاقرار بان النعمة منه عند انعامه ان کنتم صادقين في قولکم اسلمنا او آمنا فان صدقتم فلرسول‌الله و آله النعمة و عليکم شکرهم باظهار ثنائهم و فضلهم في العالم و طاعتهم و ان لم‌تصدقوا فانتم کاذبون و لا منة في الکذب.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 255 *»

ان الله يعلم غيب السموات و الارض و الله بصير بما تعملون.

القراءة: عن ابن‌کثير «يعملون» بالياء لما في الآية‌ السابقة من الغيبة و الباقون بـالتاء للالتفات من الغيبة الي الحضور و لعله انسب بسبک القرآن و اقوي في تبکيتهم فان التبکيت في الحضور اقوي منه في الغياب و اعظم في تحذيرهم و تذليلهم.

الظاهر: ثم اراد الله ردعهم من هذه المنة و تخويفهم بان لو شاء لاظهر بواطنکم و عرّف المسلمين نفاقکم و انزل بذلک قرآناً يقرأ و يبقي عاره عليکم الي آخر الابد فقال ان الله يعلم غيب السموات و الارض و باطنهما و ذلک ان السموات و الارض لهما غيب و شهادة و المراد بغيبهما اربعة مقامات:

احدها ما مضي من مثلهما و محيت من عرصة‌ الزمان و اثبتت في الدهر و ذلک کقوله عزوجل ذلک من انباء الغيب نوحيه اليک بعد قصة مريم و قصة يوسف و ذلک انها قد غابت عن حواس الناس فلايدرکونها بحواسهم.

و ثانيها ما سيأتي فانه لم‌يوجد بعد و هو في عرصة الامکان کما روي عن ابي‌عبدالله7 في (عالم الغيب و الشهادة) ان الغيب ما لم‌يکن و الشهادة ما کان.

و ثالثها عرصة‌ الدهر و ماوراء الزمان فانها غيب الزمان المحجوب عن درکه کقوله عزوجل و لقد رآه بالافق المبين و ما هو علي الغيب بضنين.

و رابعها ما يغيب عن الانسان و يکون موجوداً في غير مشهده کقوله و ما کنا للغيب حافظين.

فقوله ان الله يعلم غيب السموات و الارض يحتمل جميع هذه المعاني و هو عالم بکلها بها لايعزب عنه مثقال ذرة في السموات و لا في الارض و لا اصغر من ذلک و لا اکبر الا في کتاب مبين و لسنا بصدد بيان شرح هذه المسائل و انما الغرض شرح ما يشکل من الآية و الاشارة اليه فالذي يعلم غيب السموات و الارض لايخفي عليه غيب سماوات قلوبکم و ارض ظواهر اجسادکم و ما عليها من اقوالکم و افعالکم و يعلم انکم باظهار

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 256 *»

الاسلام تريدون المنّ علي الله و رسوله و لاتريدون من اظهار الاسلام الاقرار به و الله بصير بما تعملون يبصر ما تعملونه في خلواتکم و علانيتکم مما ينافي الاسلام. و اعلم انه ليس المراد بهذه الصفة و ما يضاهيها ان هذه الصفات ثابتة لله کثبوتها للمخلوقات فهو يبصر بعين و يسمع باذن و امثال ذلک و ليس الفاظها و لامعانيها و مداليلها و مفاهيهما و مصاديقها في الذات الاحدية جل قدسها لکنه خلق بلاکيف مبصرات و مسموعات علي طبق الحکمة و الصواب فعبرنا عنه بالبصير و السميع و الحکيم و امثالها يعني صنع صنع بصير بلاکيف و صنع سميع بلاکيف و صنع حکيم بلاکيف اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم و کنهه تفريق فلما خلق الله عزوجل اعمالهم و قدرها علي حسب الحکمة و الصواب کما قال و الله خلقکم و ما تعملون قلنا انه بصير بما يعملون يعني لايخفي عليه الاعمال و هو مبديها و معيدها و خالقها في الدنيا و محضرها يوم القيمة فافهم.

التأويل: قد قال جل و عز في الآية الاولي يعلم ما في السموات و ما في الارض من ظواهرهما بتلک المعاني فهنا اثبت علمه بغيبهما و من تأويلات السموات و الارض کل ممد و مستمد و مفيض و مفاض عليه و عالم و جاهل و قوي و ضعيف و هاد و مهتدٍ و رجل و امرأة و سبب و مسبب و منير و نور و امر و خلق و هکذا فکل من غلب فيه جهة الرب حتي ظهر بکمال فهو له سماوية بالنسبة الي فاقده البتة و الله يعلم غيب الکل من بواطنها و ما مر من فعلياتها و ما سيأتي مما قد يوجد بعد و من مباديها و عللها و خزائنها التي نزلت منها و ما يکمن في قلوبها و صدورها و امثال ذلک و الله بصير بما تعملون و تظهرون به من الفعليات و الآثار و الانوار فان تدبرت في بعض ما مرّ من التأويلات يسهل لک معني هذه الآية في التأويل.

الباطن: قوله ان الله بحسب الالفاظ الظاهرة هو بحذف المضاف اما بحسب الباطن فالمراد به رسول‌الله9 فانه اسم الله العظيم جل جلاله کيف

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 257 *»

لا و في زيارة خليفته و وصيه السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء. يعلم غيب السموات و الارض لقوله عزوجل عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا من ارتضي من رسول و اما ما روي من نفي علم الغيب عنهم او نزل في الکتاب و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو فلاشک فيه و لاريب يعتريه فانهم سلام‌الله‌عليهم لايعلمون ما غاب و لا ما حضر من عند انفسهم و بانفسهم و لانفسهم و انما هم يعلمون ما يعلمون بتعليم الله جل و عز و لا بدع ان‌يعلم احد الغيب بتعليم الله جل و عز فان جميع رعيتهم علموا بعض الغيب بما علمهم الله من امر الامم الماضية و من احوال الازمنة الآتية‌ و القيمة و الجنة و النار فما بالهم لايعلمون بما علمهم الله و قد اخبر الله بذلک انه لايبخل بالغيب و قال و ما هو علي الغيب بضنين و قال عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا من ارتضي من رسول و قال ابوعبدالله7 والله لقد اعطينا علم الاولين و الاخرين فقال له رجل من اصحابه جعلت فداک اعندکم علم الغيب فقال له ويحک اني لاعلم ما في اصلاب الرجال و ارحام النساء ويحکم وسعوا صدورکم و لتبصر اعينکم و لتع قلوبکم فنحن حجة الله في خلقه و لن‌يسع ذلک الا صدر کل مؤمن قوي قوته کجبال تهامة الا باذن الله والله لو اردت ان‌احصي لکم کل حصاة عليها لاخبرتکم و ما من يوم و لا ليلة الا و الحصي تلد ايلاداً کما يلد هذا الخلق و والله لتتباغضون بعدي حتي‌يأکل بعضکم بعضاً و سئل عن الامام يعلم الغيب قال لا ولکن اذا اراد ان‌يعلم الشيء اعلمه الله ذلک و الاخبار الدالة في علمهم بالغيب متواترة معني لايمکن انکارها و لاينافي ما ورد من نفيه فانهم بانفسهم لايعرفون الشهادة ايضاً و اما بتعليم الله فلامانع من علمهم ما بالهم لايعلمون اذا علمهم الله هذا و الغيب ما غاب عن الشخص و هم لايغيب عنهم شيء لقوله تعالي بئس للظالمين بدلاً مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماکنت متخذ المضلين عضداً و مفهومه ان الله اشهد العادلين کما في دعاء رجب اشارة الي هذه الآية في صفتهم اعضاد و اشهاد و حفظة و رواد. و الله بصير بما تعملون اي و رسول‌الله و حججه: يبصرون اعمالکم کما

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 258 *»

قال في آية اخري قل اعملوا فسيري الله عملکم و رسوله و المؤمنون و المراد بهم الائمة: و کيف لايبصرون الاعمال و قد خاطبهم الله في کتابه ليکون الرسول شهيدا عليکم و تکونوا شهداء علي الناس و قال يوم نبعث من کل امة بشهيد و جئنا بک علي هؤلاء شهيداً.

و لک ان‌تقول ان المراد بالسموات محمد9 و الارض آله الاطهار او المراد بالسموات رجال المعصومين و الارض فاطمة3 او المراد بالسموات الحجج: و الارض شيعتهم او المراد بالسموات اهل عليين و اهل الجنة من المؤمنين و المراد بالارض اهل سجين و اهل جهنم من المنافقين کل ذلک حق و الله يعلم غيبهم فيعرف کل واحد منهم لايخفي عليه خافية في السموات و الارض و لکل ذلک شواهد من اصول علم آل‌محمد: قد القوها الينا من کرمهم و جودهم و خصونا بها من دون العالمين ان افتريته فعليّ اجرامي و انا بريء مما تجرمون و الحمد لله رب العالمين.

و قد کتبنا هذه الکلمات القليلة علي هذه السورة الجليلة امتحاناً للنفس و استظهاراً انه لو وفقني الله لتصنيف تفسير للکتاب المجيد کيف ينبغي ان‌يکتب و يصنف و تعليماً للاخوان ان لو شاؤا ان‌يعلموا کيف ينبغي التفسير يرجعوا اليه و نحن لم‌نستقص تحقيق ما احتوي عليه هذه السورة من المسائل لانه کان غرضنا انموذج تفسير تام للکتاب و لو نفصل ما يحتوي عليه الکتاب لناء بالابل ذي‌القوة تفسيره و کان يصير متروکاً لايراجع لتکاسل النفوس عن مراجعته ولکنا اردنا انموذج تفسير تام بقدر ما يمکن لطلبة العلم الرجوع اليه و مع ذلک لو تم تفسير علي هذا المنوال لبلغ قريب خمس‌مأة آلاف بيت بل ازيد و يصير ايضاً متروکاً لايکتب و لايراجع و لاينتفع منه احد فلنختم هنا قائلاً الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما کنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و صلي الله علي محمد و آله الطيبين و لعنة الله علي منکري فضائلهم اجمعين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 14 صفحه 259 *»

و قد فرغت من تسويد هذه الاوراق في ضحي يوم الخميس لثلاث بقين من شهر ربيع الاول من شهور سنة ست و ثمانين من المأة الثالثةعشرة من الهجرة حامداً مصلياً مستغفراً تمت.