10-02 مکارم الابرار المجلد العاشر ـ طريق النجاة المجلد الاول – چاپ – الجزء الثانی

طريق النجاة المجلد الاول – الجزء الثانی

 

من مصنفات العالم الرباني و الحکيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد کريم الکرماني اعلي‌الله مقامه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 311 *»

المقصد الثالث

و اذ قد فرغنا من بيان الذكر البدني و ما يتعلق به علي حسب ما شاء اللّه و اراد حان لنا ان نذكر الذكر اللساني و هذا الذكر و ان كان حقيقة بعضا من الاعمال البدنية الا ان له احكاما و احوالا خاصة احببنا ان نفردها ليكون الطالب  علي بصيرة منها و تحقيق القول فيها يقتضي رسم مقدمة و مطالب.

المقدمة

في بعض ما يجب تقديمه من شرح احوال الذكر جملا و فيه فصول

فصل: اعلم ان الذكر كما مر يطلق و يراد منه احد معنيين الاول فعل العبد فانه يقال ذكرت الشي‌ء ذكرا اذا استحضر شبحه المنفصل في ذهنه او شبحه المنفصل من الشبح المنفصل الظاهر علي اللسان الذي هو اسمه فاذا واجهت بمرآة ذهنك الي شي‌ء في عالم المثال و وقع مثاله و شبحه المنفصل في مرآة ذهنك فهذه المواجهة و الاستحضار هي ذكرك له و الذاكرة قوة في الانسان يقدر بها ان يوجه ذهنه الي الشي‌ء الماضي و هي حقيقة نفس الانسان المحيطة بعالم المثال العالمة بموضع كل شي‌ء و حده و لاجل ذلك تقدر علي توجيه النفس الي الشي‌ء المطلوب فلو لم‌تعلم النفس موضعه و كانت ناسية لم‌تقدر علي توجيه الذهن اليه فلاتقدر علي استحضار صورته و حضور الامثلة عند النفس قبل توجيه الذهن الي واحد منها حضور دهري كلي فان النفس و ان كانت محل الصور الجزئية الا انها صورة جزئية بالنسبة الي عقلها المعنوي و اما بالنسبة الي ما دونها فهي في غاية البساطة و الكلية التفت الي نفسك و ازل عنها جميع ما هو غيرها حتي ما في مشاعرك فانظر هل تجد فيها كثرة بالجملة هي انت وحدك لا كثرة فيها و هي بنفسها تدرك الاشياء علي نهج البساطة و الابهام و الكلية و انما تدرك الجزئيات بمشاعرها كما انك تدرك بعين روحك امرا كليا و تدرك الجزئيات بعينك الجسمانية فالنفس يحصل لها انبساط بحسب ما حصل لها من العلوم و كلما

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 312 *»

يستكثر من العلوم يزداد انبساطا غاية الامر ان علومها ان كانت حقة كانت عليينية او باطلة فكانت سجينية و لسنا الآن بصدد ذلك فالنفوس صورتها الشخصية العلوم و تمايزها بالعلوم و قلتها  و كثرتها فاذا حصل للانسان علوم في مشاعره من الخارج صعد صورها المجردة الي نفس الانسان و انطبع بعضها علي بعض لوحدة المحل و حصل لها كيفية مركبة منها كالمزاج الحاصل من الطبايع المختلفة فيحصل لها امر كلي مجرد بلا تعينات جزئية فنفس كل انسان علي حسب علمه من الخبث و الطيب و العلو و الدنو و السعة و الضيق و النورية و الظلمانية و غيرها فهذه النفس علي هذه الصفة حافظة تلك العلوم بحفظها نفسها و هي دهرية لاتزول و ذاكرة لما وصل اليها و عالمة بها علي نحو الابهام كما ذكرنا فاذا ارادت تعيين احد ما استودعت و تصويرها صورت الخيال علي الصورة التي تريدها لما فيها من القدرة و الاختيار علي تغيير الخيال كيف تشاء كما ان لها قدرة علي تغيير البدن بصورة القيام و القعود و الركوع و السجود و غيرها كيف تشاء فاذا صورت الخيال بالصورة المعينة وجهته الي امكان الاشخاص و هو المادة و هي في الحقيقة موجودة في الذهن فتعين تلك الحصة من المادة بصورة صورها النفس فتدرك النفس بالخيال في عالم المثال صورة خاصة فهذا التصوير و الاستحضار هو الذكر الفعلي للانسان و قد يستعمل الذكر في الحفظ كما يقال أتذكر اليوم الفلاني و الشخص الفلاني ام لا و يراد منه هل انت حافظه و ضابطه ام لا و ما لم‌يحفظ الانسان لا يذكر و الصورة الواصلة الي النفس قد تصير ملكة لها مستقرة فيها فلاتزول و لاتنساها و تحفظها و متي ما شاءت ذكرتها في خيالها كما تذكرها في بدنها من صارت صنعة ملكته فمتي ما شاء يكتب صحيحا و لا فرق بين الكتابة باليد و النطق باللسان و التصور بالخيال و ذلك صنعته فاذا كانت الصورة ملكة النفس بكليتها تحفظها بخصوصياتها و متي ما شاءت تصوغ في خيالها صورة مثلها فتدركها متعينة بخيالها و لربما نزلت تلك  الصورة الي بنطاسيا فتدركها بحسها المشترك بين الغيب و الشهادة و لربما تنزل الي الجسم فتؤثر في عرض الجسم فيتصور الجسم بصورتها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 313 *»

و منها جميع حركات البدن و الفاظه و عباراته و لربما تؤثر في ذاتية الجسم فتحوله عن طباعه و منه هيجان مرة الغضبان و دم المحتلم و اندفاع المني و امثال ذلك و في كل ذلك اذا كانت النفس حافظة و الصورة لها ملكة تنشأ الصورة علي حسب الواقع الواصل اليها و اذا لم‌تكن فيها ملكة تزول عنها و لاتستقر فيها لاشتغالها بما يهمها فتغفل عنها و تزول و ما دامت متوجهة اليها مصرة عليها تحفظها و لكن اذا غفلت تزول و تكون عند عدم الملكة كالموج في الماء و الكلام في الهواء فاذا ارادت ان تنشأ صورتها في خيالها او تجريها علي لسانها اخطأت فيها فغيرتها و بدلتها و لربما تحفظ بعضا و تنسي بعضا فتأتي علي حسب ما عندها فما كان يقال ان الانسان يواجه بمرآة خياله الي مثال زيد في المسجد مثلا يوم الجمعة حال الصلوة فينطبع فيها صورته فالمراد ما ذكرنا اذ ليست الصور الماضية و المثل الملقاة من العالم في عرصة الخيال حتي يواجه اليها الانسان بخياله و الخيال ظاهره من عالم المثال و عالم المثال عالم مثل هذا العالم له سماء و ارض و بكرة و عشي و ليس الموجود فيه الا الحال و الخيال ايضا موجود من موجودات ذلك العالم و ليس له من وقته الا الحال فلايدرك ما مضي و لا ما يأتي و باطنه من عالم الدهر لانه قوة نفسانية و المثل في الدهر مذكورة كما ذكرنا علي نحو الكلية و التجرد و النفس عالمة بما حصلت و اكتسبت و انما تغير الخيال في عالم المثال الي صور و هيئات كما تغير البدن في عالم الجسم و تقيمه و تقعده و تحركه و تسكنه.

و ان قلت فما بالنا قد يجري في خيالنا ما لم‌نعلمه من المواضي و المستقبلات في نوم او يقظة قلت كما يحصل الصور في الخيال من انشاء  النفس قد يحصل فيه الصورة من الاسفل كما ينطبع فيه صور الاجسام بواسطة العين و البنطاسيا و قدينطبع فيها صور من الاسباب الداخلة في البدن من اخلاط و ابخرة و صحة و مرض و قد تحصل فيه الخيال من اسباب خارجة جوية او سماوية وقد يتلقي الخيال الشياطين و يصورون فيه صورا باطلة و ليست من النفس و الي النفس و لعلها تكرهها و تتأذي منها و تستغيث الي اللّه منها و ذلك كالوساوس و الخطرات التي تجري في الخاطر و مثل ذلك كمن يتكلم لديك و ينطبع في اذنك

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 314 *»

صوته و لعلك تكرهه و تتأذي منه انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا الا باذن اللّه و منه خيالات اصحاب السرسام و الماليخوليا و المجانين و ليس شي‌ء من ذلك من النفس و الي النفس و لكن اذا ناجت الشياطين الخيال حتي استأنست النفس بها و ركنت اليها و رضيت بها و صارت ملكة لها فعند ذلك يجري عليه حكم ما ذكرنا اولا وقديتلقي الخيال الملئكة النازلة بالمقادير و لما كان تسبيحهم تكرار ذلك المقدور يكررون ذكر الامر المقدر فينطبع في اذن الخيال تلك الصورة فيدركها و ذلك نحو الهام فمن الناس من يكثر لهم ذلك و منهم من يقل و منهم من يعاشر الملك اذا شاء و يستمع منه و منهم من يكون ذلك منه اتفاقا و منهم من ينزل الملك اليه و يكلمه خاصة و يؤدي اليه بامر اللّه تنزّل الملئكة و الروح فيها باذن ربهم من كل امر سلام، ينزّل الملئكة بالروح من امره علي من يشاء من عباده و منهم من ينزل الي غيره و لكن هو حاضر يستمع فالملئكة اذا تحدثت بالمقادير الآتية او الشياطين اذا لغطت بما استرقت من الملئكة او ظنت او توهمت او استنبطت و سمع الخيال ذلك انطبع فيها صورة مشاكلة لما يأتي و كذلك اذا تحدثت او لغطت بالامور الماضية و لربما ينطبع الامور الماضية في صدر شيطان او  ملك او انسان كامل او ناقص ثم منه ينطبع في خيال رجل اذا تحدثوا به او قابلوا خياله به او يريد الشخص الكلي صاحب النفس الكلية الذي عنده جميع العلوم الماضية و الآتية الهام شي‌ء من الامور الماضية او الآتية رجلا فيلقون الي نفسه ثم الي خياله او الي سبب آخر و منه الي خياله فيتصور فيه صورة خاصة و اما المثل فاذا محيت عن موادها تدخل عند الخلق في الامكان فلا وجود لها عندهم ذلك من انباء الغيب نوحيها اليك و اما عند اللّه و في علم اللّه الازلي فهي محفوظة بتفاصيلها و جزئياتها و خصوصياتها و ذلك فوق مشاعر العباد و اما غير اللّه عز و جل فما لهم مما علموا من المثل فعلي ما ذكرنا و يحصل لهم قوة من ملكاتهم ينشأون ما شاءوا في خيالهم و ابدانهم و من راجع خيالاته العمدية عرف انها انشائية و اما الالهام و النجوي فهما كما عرفت ثابتان.

بالجملة قد طال الكلام مع انا لم‌نكن بصدده فلنرجع الي ما كنا فيه فالمعني

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 315 *»

الاول للذكر هو استحضار شبح الشي‌ء و هو فعل الانسان فلذلك يقال ذكرته فهو اما بالخيال و اما باللسان و البدن و المعني الثاني للذكر هو نفس الشبح و هو حقيقة من باب كون المصدر بمعني المفعول فيقال لللفظ المذكور في اللسان الذكر فسبحان اللّه ذكر و لا اله الا اللّه ذكر و العبادات ذكر للّه سبحانه و يقال للشبح المنطبع في الخيال الذكر فيقال جري ذكر فلان في خاطري اي شبحه فهذا في الحقيقة هو المذكور و لاجل ذلك روي ليس الذكر قولا باللسان و لا اخطارا بالبال الاول للذاكر و الثاني للمذكور فالقول اللساني مذكور لساني و هو راجع الي الذاكر و اثر له و الاخطار بالبال ليس ذكرا للّه سبحانه لان كل ما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم فالاخطار و ان كان ذكرا فعليا للمذكور و هو الخاطر بالبال الا انه ليس ذكرا للّه و انما هو ذكر للمذكور اي الصورة  و هي غير اللّه الذي لاتحيط به الاوهام و لاتدركه الاحلام و عن علي7 الذكر ليس من مراسم اللسان و لا من مناسم الفكر و لكنه اول من الذكر و ثان من الذاكر انتهي، و المراد انه ليس الذكر لفظا تذكره بلسانك و لا صورة تصورها بخيالك فانهما المذكوران و لكن الذكر حيث آئية المذكور للذاكر و هو اوله و اعلاه و حيث ظهور الذاكر بالمذكور و هو اسفله و ثانيه فهذا الحديث شرح الذكر الفعلي اي الاستحضار و هو ثان الذاكر و اثره و اول المذكور و اعلاه فقوله اول من الذكر اي اول من المذكور و الذكر المنفي هو الذكر الفعلي.

بالجملة الذكر المفعولي ينقسم علي قسمين فاما ان يكون مستقلا غليظا حاجبا لما وراءه فهو المذكور المستقل و هو غير اللّه و لايــٔول الي اللّه و هو كذكرك لفظ جمل بلسانك او تصورك جملا فنفس لفظ جمل مذكورك اللفظي و نفس صورة الجمل مذكورك الخيالي و هما لايــٔولان الي اللّه و ليسا منه و كذلك لو قمت و قعدت لغير طاعة و امتثال للّه سبحانه فهما مذكورك الفعلي و لست بمطيع و لا ذاكر للّه سبحانه و ان وافقا امر اللّه في تلك الحال و ان كان مضمحلا في جنب اللّه رقيقا شافا عما وراءه و حكي عن اللّه سبحانه و لم‌يبد نفسه و لم‌يرها فهو حينئذ

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 316 *»

اسم دال علي اللّه سبحانه و ذكره ذكر اللّه عز و جل بل ليس للّه عز و جل ذكر سواه روي في عدة‌الداعي عن ابي‌بصير عن ابي‌عبداللّه7 مااجتمع قوم في مجلس لم‌يذكروا اللّه و لم‌يذكرونا الا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيمة ثم قال قـال ابوجعفر7 ان ذكرنا من ذكر اللّه و ذكر عدونا من ذكر الشيطان و في الزيارة من اراد اللّه بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم فالمذكور ان كان مضمحلا متلاشيا في جنب اللّه غير مُرٍ لنفسه شافا عما وراءه من انوار اللّه كان اسما للّه سواء كان لفظيا كالرحمن فانك لو ناديت الرحمن  لم‌يتوهم احد انك ناديت الراء و الحاء و الميم بل يفهم بداهة انك تنادي المسمي و لما كان الاسم مخصوصا باللّه لايدل علي غير اللّه كل احد يفهم انك تنادي اللّه و لشدة اضمحلاله لاتكاد تقدر علي ان تتوجه الي نفس الاسم من حيث حروفه الا ان تتعمد و تجهد قلبك فاذا قلت يا رحمن ذكرت اللّه سبحانه و المذكور في الظاهر و ان كان الحروف الا انها لاضمحلالها في جنب المسمي تعود مذكوريتها الي المسمي فالمذكور بهذا الذكر هو المسمي البتة و ليس بشرك اذ لم‌تذكر سوي اللّه سبحانه فعن ابي‌عبداللّه7 في حديث الاسم غير المسمي فمن عبد الاسم دون المعني فقد كفر و لم‌يعبد شيئا و من عبد الاسم و المعني فقد كفر و عبد اثنين و من عبد المعني دون الاسم فذاك التوحيد و كتب رجل الي ابي‌جعفر7 او قال له جعلني اللّه فداك نعبد الرحمن الرحيم الواحد الاحد الصمد قال فقال ان من عبد الاسم دون المسمي بالاسماء فقد اشرك و كفر و جحد و لم‌يعبد شيئا بل اعبد الواحد الاحد الصمد المسمي بهذه الاسماء دون الاسماء ان الاسماء صفات وصف بها نفسه و عن ابي‌عبداللّه7 من عبد اللّه بالتوهم فقد كفر و من عبد الاسم دون المعني فقد كفر و من عبد الاسم و المعني فقد اشرك و من عبد المعني بايقاع الاسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه و نطق به لسانه في سر امره و علانيته فاولئك اصحاب اميرالمؤمنين حقا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 317 *»

و في حديث آخر اولئك هم المؤمنون حقا واقول:

قد يطرب القمري اسماعنا   و نحن لانعرف الحانه

و سواء كان صورة خيالية فان الصورة الخيالية ان كانت لمستقل غليظ كثيف حاك عن نفسه حاجب لربه فهو المذكور و هو غير اللّه سبحانه و ان كان الصورة صفة للّه سبحانه وصف بها نفسه في كتابه و علي  السنة اوليائه و رضيها لنفسه صفة و هي من الكمال لا النقص شافة عما وراءها بالكلية غير مرية لنفسها ابدا ابدا و تختص باللّه سبحانه يكون ذكرها ذكر اللّه جل و عز و ليست الصفة بمذكورة لانها فانية مضمحلة غير مدركة و انما المذكور هو اللّه سبحانه و لايصدق عليك الا ذاكر اللّه جل و عز ألاتري انك لو تصورت معني اللّه الرحمن الرحيم لايعود تصورك و ذكرك الي المعني الخلقي و انما يعود ذكرك الي اللّه سبحانه علي حذو ما روي عن الصادق7 من اصغي الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق ينطق عن اللّه فقد عبد اللّه و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان فالاسماء اللفظية و الصفات المتصورة مضمحلة متلاشية في جنب المسمي و الموصوف و ذكر المسمي و الموصوف بايقاعها عليهما هو عين ولاية اميرالمؤمنين اي عبادة حقة غير مشوبة بشي‌ء من الشرك فان اصحاب اميرالمؤمنين7 من يعبدون اللّه وحده وحده وحده لايشركون به شيئا و جميع من يصاحب غيره مشرك باللّه وحده فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم حتي يأتيك البيان من عند الملك المنان.

فصل: اعلم ان النفس كما عرفت يحصل لها صورة مشخصة مما تكتسبه من العلوم و العقايد و الاعمال و الاخلاق بها تمتاز عن غيرها فصورة نفس زيد محدودة مخططة بالتوحيد و معرفة النبوة و الولاية و العبادات و الاخلاق او بعكس ذلك نعوذ باللّه اذا صارت ذلك منه ملكة و هي دهرية مهيمنة علي الزمان فاذا ارادت اظهار ما في قوتها من الذكر توجهت في عالمها الي صفة من صفات اللّه او اسم من اسماء اللّه الدهرية الذاتية و بتوجهها اليها توجهت الي اللّه سبحانه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 318 *»

لشفوفها و رقتها و حكايتها للّه سبحانه و كونها مرية للّه سبحانه لا نفسها فتذكرت اللّه بتوجهه اليها فوقع شبح ذلك الاسم عليها او نور تلك  الصفة فتمثلت بمثاله كما يتمثل المرآة بمثال الشاخص و استنارت بنورها فلما استنارت بنور تلك الصفة انارت اي تلك النفس و اضاءت علي حسب استنارتها كما تضي‌ء المرآة علي حسب استضاءتها من الشمس و في ضوئها خصوصية المرآة البتة فهو الضوء المصبوغ بصبغ النفس الذي انفصل منها و هو ظهور النفس و فعلها فوقع علي ما دونها من الاظلة فاشرق الخيال بذلك الضوء و غلظه و كثفه علي حسبه و صبغه فتمثل له صورة ذلك الاسم و الصفة بتمثل اغلظ فادركه عين الخيال فلما اشرق الخيال به اضاء علي الحس المشترك فاشرق بضوئه و صبغه بصبغه ثم يشرق الحس المشترك علي الروح البخاري النفساني الذي في الدماغ فان اشرق الروح علي اللسان و اللّهوات و الرية و اعصابها تمثل تلك الصفة و ذلك النور الفاظا فان كانت الوسايط سليمة صحيحة الرواية طابق اللفظ المعني المراد الذي توجه اليه النفس و الا تخلف بحسبه و ان اشرق الروح علي ساير الاعضاء ظهر علي هيئة ساير العبادات و هي كلها تمثلات صفات النفس كما شرحنا و بينا و المقصود هنا ذكر اللفظ اللساني فهذا اللفظ يطابق ذلك الاسم الكوني الذي توجه اليه النفس و استنارت بنوره فان ادامت النفس ذلك التوجه و اشرقت بنور ذلك الاسم ليلا و نهارا تطبعت بطبع ذلك الاسم شيئا بعد شي‌ء حتي يصير لها طبيعة و صورة و ملكة فتتمثل بنفسها اسما للّه سبحانه و تستحيل اليه و ان كان ذلك منها احيانا لم‌تتطبع عليها و لم‌تصر لها ملكة و ان اشرقت و انما مثل هذين كفحمة او خشبة احضرتها عند سراج فاشرقت بنور السراج و القي المثال من كل وجه لكن اذا انطفي السراج اظلم الخشبة و عادت كما كانت و اما اذا بقيت في ظل السراج حتي تسخنت فاحترقت فاشتعلت تكون سراجا مشرقا فهذا هو مثل الذي يتوجه الي اسم اللّه الكوني حتي يتأثر  ثم يتطبع ثم يصير ملكة له ثم طباعا ثم يستحيل اليه و اما المستنير فذلك غير متأثر تأثرا ذاتيا و يعرضه الغفلات بل الغفلة منه طبيعية لاتحتاج منه الي تعمد و انما لابد من

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 319 *»

التعمد للذكر بخلاف اولئك فان التذكر طباعهم و لو ارادوا الغفلة لزمهم التجشم و التكلف و التعمد حتي يغفلوا و مثل آخر لهذين ان الماء اذا جالس النار و لاقاها سخن فان بالغ اثر النار فيه بخرته فجعلته بخارا صاعدا بطبعه فلو اردت تنزيله احتجت الي تدبيرات و حيل و اما الماء المسخن فهو و ان كان فيه مسحة من النار و يغلي و يصعد بقوة النار الا انه اذا هدأت النار هدأ و سكن و عاد الي طبعه فافهم المثل و كذلك حال الذاكرين و لعلك عرفت ان الذكر اللساني من غير توجه النفس الي الاسم الكوني الذي هو معناه قليل الجدوي و ان المنافقين الذين لايتوجهون بانفسهم الي الاسم المعنوي يراءون الناس بذكرهم و ان كان دائما و لايذكرون اللّه الا قليلا و الاستثناء لاجل انهم حال غفلتهم قد يعودون الي الفطرة فيذكرون اللّه و اما اذا تذكروا فاذا هم ناسون فالمنافق غفلته خير من ذكره و نومه خير من يقظته و سهوه خير من عمده و موته خير من حيوته و لما كان المطلوب استحالة النفوس و تلك ماكانت تحصل بدوام و مواظبة و النفوس مختلفة لا حصر لانواع اختلافاتها امر اللّه جل و عز بالذكر الكثير و قال (اذكروا اللّه ذكرا كثيرا) واانّب المنافقين بذكرهم القليل و قال (يراءون الناس و لايذكرون اللّه الا قليلا) ولا‌حد لذلك و لاحصر و كلما اكثرت منه كان احسن و سيأتي شرح ذلك ان‌شاءاللّه.

فصل: اعلم ان الذكر اللساني له اقسام منها ما يذكر باللسان من التمجيد المحض للّه سبحانه كالتسبيح و التهليل و التحميد و التكبير و غير ذلك من الثناء علي اللّه مجملا و مفصلا و منها ما يقرء من القرآن و منها ما فيه مسئلة  و هو الدعاء و هذا القسم منه علي اقسام اما يسأل اللّه سبحانه في محمد و آل‌محمد و هو الصلوة عليه و آله بانحائه و اقسامه و اما يسأل في حق غيرهم فما يسأل في حق غيرهم فاما دفع مضرة و اما جلب منفعة فمن دفع المضرة الاستغفار و الاستعاذة و الاحتجاب و امثال ذلك و من جلب المنفعة طلب ثواب الدنيا و الآخرة و منها شرح حال و بسط مقال و بثّ شكوي و هو المناجاة و منها ذكر آلاء اللّه و نعمائه و ذكر معارفه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 320 *»

و ما يتعلق به من العلم و ذكر آل‌محمد: و فضائلهم و ما يتعلق بهم من العلم و ذكر شيعتهم و اوليائهم و فضائلهم و ما يتعلق بهم من العلم و علم احكامهم و حلالهم و حرامهم و علم حقايق الاشياء من حيث دلالتها عليهم و ذكر مثالب اعدائهم و قبايحهم و ما يتعلق بهم من العلم كل ذلك ذكر للّه عزوجل بل هي اعظم الاذكار اللسانية و افضلها كما يأتي فنفصل هذا المقصد في اربعة مطالب ان شاء اللّه و اما القسم الخامس فيأتي تفصيله في العلم ان شاء اللّه و لنقدم في هذه المقدمة بعض الاخبار في الحث علي الذكر و فضله و اقسامه علي حسب الميسور ليكون تذكرة للمتقين و نورا  للمستنيرين.

فصل: في بعض فضايل الذكر علي ما يستنبط من القرآن المجيد و الذكر الحكيم قال اللّه سبحانه (ان لك في النهار سبحا طويلا  و اذكر اسم ربك و تبتل اليه تبتيلا) روي اي اخلص اليه اخلاصا و قال (و اذكر اسم ربك بكرة و اصيلا   و من الليل فاسجد له و سبحه ليلا طويلا) و قال (و اذكر ربك كثيرا و سبح بالعشي و الابكار) و قال (و اذكر ربك في نفسك تضرعا و خيفة و دون الجهر من القول بالغدو و الآصال و لاتكن من الغافلين  ان الذين عند ربك لايستكبرون عن عبادته و يسبحونه و له يسجدون) فسمي الذكر عبادة و قال (و اذكر ربك اذا نسيت) و العبرة بعموم اللفظ و قال (فاذكروني اذكركم  و اشكروا لي و لاتكفرون) و قال (يا ايها الذين آمنوا اذكروا اللّه ذكرا كثيرا و سبحوه بكرة و اصيلا  هو الذي يصلي عليكم و ملئكته ليخرجكم من الظلمات الي النور و كان بالمؤمنين رحيما  تحيتهم يوم يلقونه سلام و اعدّ لهم اجرا كريما) و هذا جزاء الذكر الكثير و قال (يا ايها الذين آمنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا و اذكروا اللّه كثيرا لعلكم تفلحون) و ذلك في ملاقاة فئة الشياطين ايضا جارية لعموم اللفظ و قال (و اذكروه كما هديكم و ان كنتم من قبله لمن الضالين) و هذا يمنع من الاذكار المبتدعة الصوفية و مدح قوما وقال (و الذاكرين اللّه كثيرا و الذاكرات اعدّ اللّه لهم مغفرة و اجرا عظيما) و قال (قل ان اللّه يضل من يشاء و يهدي اليه من

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 321 *»

 اناب  الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر اللّه الا بذكر اللّه تطمئن القلوب الذين آمنوا و عملوا الصالحات طوبي لهم و حسن مآب) فيها اشعار بان من آمن بان اللّه يهدي الذاكرين و تطمئن القلوب بذكر اللّه و عمل به طوبي له و حسن مآب و قال (و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين  و انهم ليصدونهم عن السبيل و يحسبون انهم مهتدون) و قال (استحوذ عليهم الشيطان فانسيهم ذكر اللّه اولئك حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون) و قال (اللّه نزل احسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم الي ذكر اللّه ذلك هدي اللّه يهدي به من يشاء و من يضلل اللّه فما له من هاد) و قال (افمن شرح اللّه صدره للاسلام فهو علي نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللّه اولئك في ضلال مبين) و مدح قوما و قال (رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه و اقام الصلوة و ايتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الابصار ليجزيهم اللّه احسن ما عملوا و يزيدهم من فضله و اللّه يرزق من يشاء بغير حساب) و قال (و لاتطع من اغفلنا قلبه عن  ذكرنا و اتبع هواه و كان امره فرطا) و قال (فاذا قضيتم الصلوة فاذكروا اللّه قياما و قعودا و علي جنوبكم) و قال (فاذكروا اللّه كذكركم آباءكم او اشد ذكرا) و قال (ألم‌يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر اللّه و ما نزل من الحق) و مدح قوما و قال (الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و يتفكرون في خلق السموات و الارض) و قال (ان في خلق السموات و الارض و اختلاف الليل و النهار لآيات لاولي الالباب  الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و علي جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و الارض) الآيات، و ذم اللّه سبحانه اقواما بالغفلة و قال (و لاتطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا) و قال (اولئك الذين طبع اللّه علي قلوبهم و سمعهم و ابصارهم و اولئك هم الغافلون  لا جرم انهم في الآخرة هم الخاسرون) و قال (و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 322 *»

هم الغافلون) و نهي عن الغفلة و قال (و لاتكن من الغافلين) و قال (و الذين هم عن آياتنا غافلون  اولئك مأويهم النار بما كانوا يكسبون) و قال (يعلمون ظاهرا  من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون) و قال (اقترب للناس حسابهم و هم في غفلة معرضون) و ذم قوما علي النسيان و نهي عنه فقال (انه كان فريق من عبادي يقولون ربنا اننا آمنا فاغفر لنا و ارحمنا و انت خير الراحمين  فاتخذتموهم سخريا حتي انسوكم ذكري و كنتم منهم تضحكون) و قال (من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيمة اعمي  قال رب لم حشرتني اعمي و قد كنت بصيرا  قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسي) و قال (المنافقون و المنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف و يقبضون ايديهم نسوا اللّه فنسيهم ان المنافقين هم الفاسقون) و قال (و لاتكونوا كالذين نسوا اللّه فانسيهم انفسهم اولئك هم  الفاسقون) و قال (استحوذ عليهم الشيطان فانسيهم ذكر اللّه اولئك حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون) و قال (و لكن متعتهم و آباءهم حتي نسوا الذكر و كانوا قوما بورا) و قال (و يوم يعض الظالم علي يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا  يا ويلتي ليتني لم‌اتخذ فلانا خليلا  لقد اضلني عن الذكر بعد اذ جاءني و كان الشيطان للانسان خذولا) وقال (و من الذين قالوا انا نصاري اخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فاغرينا بينهم العداوة و البغضاء الي يوم القيمة) و قال (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شي‌ء حتي اذا فرحوا بما اوتوا اخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون) و قال (فلما نسوا ما ذكروا به انجينا الذين ينهون عن السوء و اخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) و قال (لقد كان لكم في رسول اللّه اسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه و اليوم الآخر و ذكر اللّه كثيرا) الي غير ذلك من الآيات.

و انت لو تدبرت في هذه الآيات لعلمت ان خير الدنيا و الآخرة في ذكر اللّه عز و جل و ان شر الدنيا و الآخرة في الغفلة عنه تعالي شأنه و ليعلم ان الذاكر

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 323 *»

سالك الي اللّه سبحانه باقدام ذكره و الغافل عنه مُوَلٍّ عنه مدبر فيتقرب السالك الذاكر الي اللّه سبحانه بكل ذكر خطوة و يقرب اللّه عز و جل اليه بكل ذكر منه عشر خطا او سبعمائة خطوة او بغير حساب علي حسب اختلاف توجه الذاكرين و اخلاصهم و يتباعد الغافل الناسي بكل نفس خطوة و يبعد اللّه منه بكل نفس خطوة فاذا داوم السالك بالذكر في آناء الليل و اطراف النهار يقرب دائما و اذا غفل نعوذ باللّه دائما يبعد دائما و اذا ذكر حينا و غفل حينا يقرب حينا و يبعد حينا فاذا كان ذكره اكثر يكون قربه اكثر كمن يمشي اربع خطوات الي المشرق و يرجع ثلثا ثم يمشي خمسا الي المشرق و يرجع اربعا فان ذلك يقرب من المشرق و ان كان قليلا و اذا كان غفلته اكثر يكون  بعده اكثر كمن يمشي اربعا الي المشرق و يرجع خمسا ثم يمشي ستا الي المشرق و يرجع سبعا مثلا فان ذلك سوف يقرب من المغرب و يبعد عن المشرق و لو بعد حين فالذي يريد التقرب الي اللّه عز و جل لابد و ان يذكر اللّه دائما او اكثر اوقاته حتي يحصل له التقرب و ينال من قربه سبحانه كل خير و لاشك ان من يكثر ذكر اللّه يزداد شوقا في كل ساعة و سيأتي تفصيله فيما بعد ذلك ان شاء اللّه.

فصل: في بعض الاخبار الواردة في فضل مطلق الذكر و الحث عليه. فيالوسائل بسنده عن ابي‌حمزة الثمالي عن ابي‌جعفر7 قال مكتوب في التورية التي لم‌تغير ان موسي سأل ربه فقال يا رب أقريب انت مني فاناجيك ام بعيد فاناديك فاوحي اللّه عزوجل اليه يا موسي انا جليس من ذكرني فقال موسي فمن في سترك يوم لا ستر الا سترك قال الذين يذكرونني فاذكرهم و يتحابون فيّ فاحبهم فاولئك الذين ان اردت ان اصيب اهل الارض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم و بهذا الاسناد قال مكتوب في التورية التي لم‌تغير ان موسي سأل ربه فقال الهي انه يأتي عليّ مجالس اعزك و اجلك ان اذكرك فيها فقال يا موسي ان ذكري حسن علي كل حال و عن ابي‌حمزة الثمالي عن ابي‌جعفر محمد بن علي الباقر

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 324 *»

7 قال لايزال المؤمن في صلوة ما كان في ذكر اللّه عزوجل قائما كان او جالسا او مضطجعا ان اللّه عز و جل يقول (الذين يذكرون اللّه قياما و قعودا و علي جنوبهم) و عن السكوني عن ابي‌عبداللّه7 قال اوحي اللّه الي موسي يا موسي لاتفرح بكثرة المال و لاتدع ذكري علي كل حال فان كثرة المال تنسي الذنوب و ان ترك ذكري يقسي القلوب و عن احمد بن فهد مرسلا عن النبي9 قال ابخل الناس رجل يمر بمسلم و لايسلم عليه و اكسل الناس عبد صحيح  فارغ لايذكر اللّه بشفة و لا بلسان و اسرق الناس الذي يسرق من صلوته تلفّ كما يلفّ الثوب الخلق فيضرب بها وجهه و اجفي الناس رجل ذكرت عنده فلم‌يصل عليّ و اعجز الناس من عجز عن الدعاء قال و عنهم: ان في الجنة قيعانا فاذا اخذ الذاكر في الذكر اخذت الملئكة في غرس الاشجار فربما وقف بعض الملئكة فيقال له لم وقفت فيقول ان صاحبي قد فتر عن الذكر و عن الفضيل بن يسار قال قـال ابوعبداللّه7 ماامن مجلس يجتمع فيه ابرار و فجار فيقومون علي غير ذكر اللّه عز و جل الا كان حسرة عليهم يوم القيمة و عن حسين بن يزيد عن ابي‌عبداللّه7 قال قـال رسول اللّه9 ما من قوم اجتمعوا في مجلس فلم‌يذكروا اسم اللّه عز و جل و لم‌يصلوا علي نبيهم الا كان ذلك المجلس حسرة و وبالا عليهم و عن احمد بن فهد مرسلا عن النبي9 ماجلس قوم يذكرون اللّه عزوجل الا ناديهم ملك من السماء قوموا فقد بدلت سيئاتكم حسنات و غفرت لكم جميعا و ماقعد عدة من اهل الارض يذكرون اللّه عزوجل الا قعد عدة من الملئكة و عن داود بن سرحان عن ابي‌عبداللّه7 قال قـال رسول اللّه9 من اكثر ذكر اللّه احبه اللّه و من ذكر اللّه كثيرا كتبت له براءتان براءة من النار و براءة من النفاق و عن ابن‌القداح عن ابي‌عبداللّه7 قال ما من شي‌ء الا و له حد ينتهي اليه الا الذكر فليس له حد ينتهي اليه فرض اللّه عز و جل الفرايض فمن

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 325 *»

 اداهن فهو حدهن و شهر رمضان فمن صامه فهو حده و الحج فمن حج فهو حده الا الذكر فان اللّه عزوجل لم‌يرض منه بالقليل و لم‌يجعل له حدا ينتهي اليه ثم تلا (يا ايها الذين آمنوا اذكروا اللّه ذكرا كثيرا و سبحوه بكرة و اصيلا) فقال لم‌يجعل اللّه له حدا ينتهي اليه قال و كان ابي كثير الذكر لقد كنت امشي معه و انه ليذكر اللّه و آكل معه  الطعام و انه ليذكر اللّه و لقد كان يحدث القوم و مايشغله ذلك عن ذكر اللّه و كنت اري لسانه لازقا بحنكه يقول لا اله الا اللّه و كان يجمعنا فيامرنا بالذكر حتي تطلع الشمس الي ان قال و قـال رسول اللّه9 ألااخبركم بخير اعمالكم و ارفعها في درجاتكم و ازكاها عند مليككم و خير لكم من الدينار و الدرهم و خير لكم من ان تلقوا عدوكم فتقتلوهم و يقتلوكم فقالوا بلي فقال ذكر اللّه كثيرا ثم قال جاء رجل الي النبي9 فقال من خير اهل المسجد فقال اكثرهم للّه عزوجل ذكرا و قال رسول اللّه9 من اعطي لسانا ذاكرا فقد اعطي خير الدنيا و الآخرة و قال في قوله تعالي (و لاتمنن تستكثر) قال لاتستكثر ما عملت من خير للّه و عن ابن‌فضال عن بعض اصحابه عمن ذكره عن ابي‌عبداللّه7 قال قال اللّه عزوجل لموسي اكثر ذكري بالليل و النهار و كن عند ذكري خاشعا و عند بلائي صابرا و اطمئن عند ذكري و اعبدني و لاتشرك بي شيئا اليّ المصير يا موسي اجعلني ذخرك و ضع عندي كنزك من الباقيات الصالحات و بالاسناد عن ابي‌عبداللّه7 قال قـال اللّه عزوجل اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم و اكثر ذكري بالليل و النهار و لاتتبع الخطيئة في معدنها فتندم فان الخطيئة موعد اهل النار و بالاسناد قال فيما ناجي اللّه به موسي7 قال يا موسي لاتنسني علي كل حال فان نسياني يميت القلب و عن داود الحمار عن ابي‌عبداللّه7 قال من اكثر ذكر اللّه عزوجل اظله اللّه في جنته و بالاسناد الآتي الذي ذكره عن ابي‌عبداللّه7 في رسالته الي اصحابه قال و اكثروا ذكر اللّه ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل و النهار

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 326 *»

فان اللّه امر بكثرة الذكر و اللّه ذاكر لمن ذكره من المؤمنين و اعلموا ان اللّه لم‌يذكره احد من عباده المؤمنين الا ذكر بخير و عن محمد بن يحيي و عثمان بن عيسي جميعا  عن بعض اصحابه قال قلت لابي‌عبداللّه7 من اكرم الخلق علي اللّه قال اكثرهم ذكرا  للّه و اعملهم بطاعته و عن رجاء بن ضحاك انه صحب الرضا7 من المدينة الي مرو قال فواللّه مارأيت رجلا كان اتقي للّه عزوجل منه و لا اكثر ذكرا له في جميع اوقاته منه و عن عبداللّه بن ابي‌يعفور قال قـال ابوعبداللّه7 ثلث لاتطيقهن الناس الصفح عن اعراض الناس و مواساة الاخ اخاه في المال و ذكر اللّه كثيرا و عن ابي‌بصير عن ابي‌عبداللّه7 قال قـال اميرالمؤمنين7 انا الراعي راعي الانام أفتري الراعي لايعرف غنمه فقيل له من غنمك يا اميرالمؤمنين فقال صفر الوجوه ذبل الشفاه من ذكر اللّه و عن ابن‌القداح عن ابي‌عبداللّه7 في حديث  مر بعضه قال كان ابي كثير الذكر و كان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتي تطلع الشمس و يأمر بالقراءة من كان يقرأ منا و من كان لايقرء منا امره بالذكر قال و البيت الذي يقرأ فيه القرآن و يذكر اللّه عزوجل فيه تكثر بركته و تحضره الملئكة و تهجره الشياطين و يضي‌ء لاهل السماء كما يضي‌ء الكوكب الدري لاهل الارض و البيت الذي لايقرأ فيه القرآن و لايذكر اللّه فيه تقل بركته و تهجره الملئكة و تحضره الشياطين و عن ابي‌الصباح الكناني عن ابي‌عبداللّه7 قال يموت المؤمن بكل ميتة الا الصاعقة لاتأخذه و هو يذكر اللّه عزوجل و عن معوية بن عمار قال قال ابوعبداللّه7 ان الصاعقة تصيب المؤمن و الكافر و لاتصيب ذاكرا  و عن هشام بن سالم عن ابي‌عبداللّه7 قال ان اللّه عزوجل يقول من شغل بذكري عن مسألتي اعطيته افضل ما اعطي من سألني و عن هرون بن خارجة عن ابي‌عبداللّه7 قال ان العبد لتكون له الحاجة الي اللّه عز و جل فيبدؤ بالثناء علي اللّه و الصلوة علي محمد و آل‌محمد حتي ينسي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 327 *»

حاجته فيقضيها اللّه له من غير ان يسأله اياها  و عن احمد بن فهد مرسلا  عن رسول اللّه9 قال اعلموا ان خير اعمالكم عند مليككم و ازكاها و ارفعها في درجاتكم و خير ما طلعت عليه الشمس ذكر اللّه سبحانه و تعالي فانه اخبر عن نفسه فقال انا جليس من ذكرني و عن ابي‌عثمان العبدي عن جعفر عن ابيه عن علي7 قال قراءة القرآن في الصلوة افضل من قراءة القرآن في غير الصلوة و ذكر اللّه افضل و الصدقة جنة و عن الحسين بن المختار عن ابي‌عبداللّه7 قال الذاكر اللّه عز و جل في الغافلين كالمقاتل في الحاربين ( الفارّين، الهاربين خ‌ل)  و عن احمد بن فهد مرسلا عن النبي9 من ذكر اللّه في السوق مخلصا عند غفلة الناس و شغلهم بما فيه كتب اللّه له الف حسنة و غفر اللّه له مغفرة يوم القيمة لم‌تخطر علي قلب بشر و عن السكوني عن جعفر بن محمد عن ابيه عن علي7 ان النبي9 قال ما من عبد سلك واديا فيبسط كفه فيذكر اللّه و يدعو الا ملأ اللّه ذلك الوادي حسنات فليعظم ذلك الوادي او ليصغر وفي ارشادالديلمي قال سبحانه في بعض‌كتبه اهل ذكري في‌ضيافتي واهل طاعتي في نعمتي و اهل شكري في زيادتي و اهل معصيتي لااُؤيِسهم من رحمتي ان تابوا فانا حبيبهم و ان مرضوا فانا طبيبهم اداويهم بالمحن و المصايب لاطهرهم من الذنوب و المعائب و في عدة‌الداعي عن هشام بن سالم عن ابي‌عبداللّه7 من شغل بذكري عن مسألتي اعطيته افضل ما اعطي من سألني و عنه7 قال قـال اللّه لموسي اكثر من ذكري بالليل و النهار و كن عند ذكري خاشعا و عن النبي9 اربع لايصيبهن الا المؤمن الصمت و هو اول العبادة و التواضع للّه سبحانه و ذكر اللّه علي كل حال و قلة الشي‌ء يعني قلة المال و في بعض الاحاديث القدسية ايما عبد اطلعت علي قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكري توليت سيئاته  و كنت جليسه و محادثه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 328 *»

و انيسه و عن النبي9 قال قـال اللّه سبحانه اذا علمت ان الغالب علي عبدي الاشتغال بي نقلت شهوته في مسألتي و مناجاتي فاذا كان عبدي كذلك فاراد ان يسهو حلت بينه و بين ان يسهو اولئك اوليائي حقا اولئك الابطال حقا اولئك الذين اذا اردت ان اهلك الارض عقوبة زويتها عنهم من اجل اولئك الابطال وعن شعيب الانصاري و هرون بن خارجة قالا قال ابوعبداللّه الحسين سلام اللّه عليه ان موسي7 انطلق ينظر في اعمال العباد فاتي رجلا من اعبد الناس فلما امسي حرك الرجل شجرة الي جنبه فاذا فيها رمانتان  قال فقال يا عبد اللّه من انت انك عبد صالح انا هيهنا منذ ما شاء اللّه مااجد في هذه الشجرة الا رمانة واحدة و لولا انك عبد صالح ماوجدت رمانتين قال انا رجل اسكن ارض موسي بن عمران فلما اصبح قال تعلم احدا اعبد منك قال نعم فلانا الفلاني قال فانطلق اليه فاذا هو اعبد منه كثيرا فلما امسي اوتي برغيفين و ماء فقال يا عبد اللّه من انت انك عبد صالح انا هيهنا منذ ما شاء اللّه و مااوتي الا برغيف و لولا انك عبد صالح مااوتيت برغيفين فمن انت قال انا رجل اسكن ارض موسي بن عمران ثم قال موسي هل تعلم احدا اعبد منك قال فلان الحداد في مدينة كذا و كذا قال فاتاه فنظر الي رجل ليس بصاحب عبادة بل انما هو ذاكرا للّه و اذا دخل وقت الصلوة قام فصلي فلما امسي نظر الي غلته فوجدها قد اضعفت قال يا عبد اللّه من انت انك عبد صالح انا هيهنا منذ ما شاء اللّه غلتي قريب بعضها من بعض و الليلة قد اضعفت فمن انت قال انا رجل اسكن ارض موسي بن عمران قال فاخذ ثلث غلته فتصدق بها و ثلثا اعطي مولي له و ثلثا اشتري به طعاما فاكل هو و موسي قال فتبسم موسي7 فقال من اي شي‌ء تبسمت قال دلّني بنواسرائيل علي فلان فوجدته من اعبد الخلق فدلّني علي  فلان فوجدته اعبد منه فدلّني فلان عليك و زعم انك اعبد منه و لست اراك شبه القوم قال انا رجل مملوك أليس تراني ذاكرا للّه أوليس تراني

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 329 *»

اصلي الصلوة لوقتها و ان اقبلت علي الصلوة اضررت بغلة مولاي و اضررت بعمل الناس أتريد ان تأتي بلادك قال نعم قال فمرت به سحابة فقال الحداد يا سحابة تعالي قال فجاءت فقال اين تريدين قالت اريد كذا و كذا قال انصرفي فمرت به اخري فقال يا سحابة تعالي فجاءته فقال اين تريدين فقالت ارض كذا و كذا قال انصرفي ثم مرت به اخري فقال يا سحابة تعالي فجاءته فقال اين تريدين قالت اريد ارض موسي بن عمران قال فقال احملي هذا حملا رفيقا و ضعيه في ارض موسي بن عمران وضعا رفيقا قال فلما بلغ موسي بلاده قال يا رب بما بلغت هذا ما اري قال ان عبدي هذا يصبر علي بلائي و يرضي بقضائي و يشكر نعمائي و في الارشاد للديلمي في مناجاة النبي9 ليلة المعراج دم علي ذكري فقال يا رب و كيف ادوم علي ذكرك فقال بالخلوة عن الناس و بغضك الحلو و الحامض و فراغ بطنك و نيتك من الدنيا يا احمد احذر ان تكون كالصبي اذا نظر الي الاحمر و الاصفر و اذا اعطي شيئا من الحلو و الحامض اغتر به و فيها يا احمد ان في الجنة قصرا من لؤلؤة فوق لؤلؤة و درة فوق درة ليس فيها فصم و لا وصل فيها الخواص انظر اليهم كل يوم سبعين مرة فاكلمهم كلما نظرت اليهم و ازيد في ملكهم سبعين ضعفا و اذا تلذذ اهل الجنة بالطعام و الشراب تلذذ اولئك بذكري و كلامي و حديثي قال يا رب ما علامات اولئك قال مسجونون قد سجنوا السنتهم من فضول الكلام و بطونهم من فضول الطعام و فيها يا احمد وجوه الزاهدين مصفرة من تعب الليل و صوم النهار و السنتهم كلال من ذكر اللّه تعالي قلوبهم في  مطعونة من كثرة صمتهم قد اعطوا المجهود من انفسهم لا من خوف نار و لا من شوق جنة و لكن ينظرون في ملكوت السموات و الارض فيعلمون ان اللّه سبحانه اهل للعبادة  الي غير ذلك من الاخبار و كفاك في فضله ان اللّه سبحانه جعل لكل شي‌ء حدا و رضي به اذا اتي به بمقدار ذلك و لم‌يرض من الذكر الا بالكثير فقال (اذكروا اللّه ذكرا كثيرا) و جعل جزاءه ذكره فقال (اذكروني اذكركم) 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 330 *»

فمن كان يكثر ذكر اللّه يكثر اللّه ذكره و ذكر اللّه لعبده كاف و لو كان في عمره مرة فكيف اذا اكثر اللّه ذكر عبده و كيف اذا داوم عليه و قطع النظر عما سواه و لا شك ان من قطع عما سوي اللّه بالكلية و اتصل به قطع اللّه عما سواه بالكلية و اتصل به و هل جزاء الاحسان الا الاحسان و ذلك لم‌يحصل الا لمحمد و آل‌محمد: فصاروا للّه بكلهم فكان اللّه لهم بكله و انقطعوا عن غير اللّه اليه فانقطع اللّه عما سواهم اليهم فلم‌يأخذ حبيبا سواهم و احب ما احب لاجلهم و شاء ما شاء لاجلهم كما شاءوا ما سوي اللّه لاجل اللّه بالجملة لايوازي للعبد فخر في الدنيا و الآخرة ذكر اللّه اياه في آناء الليل و اطراف النهار فلو لم‌يكن للذكر ثواب غير ذلك لكفي و ايضا ان اللّه سبحانه جعل الصلوة ظاهر الولاية و جعلها عمود الدين ان قبلت قبل ما سواها و ان ردت رد ما سواها و قال (ان الصلوة تنهي عن الفحشاء و المنكر و لذكر اللّه اكبر) فجعل الذكر اكبر من الصلوة كيف لايكون كذلك و ان الصلوة وضعت و تقام لاجل الذكر و هي نافعة ان ذكر اللّه فيها و الا فهي مجتثة زايلة قال اللّه سبحانه (اقم الصلوة لذكري) و لاجل ذلك صار باطن الذكر محمدا9 و باطن الصلوة علي7 فالصلوة و ان كانت تنهي عن الفحشاء و المنكر لعنهما اللّه و لكن الذكر9 اكبر من الصلوة و الذكر في الصلوة كالروح في البدن و اي شرف اعظم من ان يكون اسم اللّه جل جلاله ابدا علي لسان العبد و اي لذة فوق ذلك و اعلم ان الانسان كما عرفت لايذكر شيئا الا ان يتوجه نفسه اليه فاذا توجهت الي جهة اشرقت بنورها المتوجه علي الخيال فتوجه الخيال و تصور ثم اشرق بنوره المتوجه علي الروح ثم علي الاعضاء فيظهر ذلك النور منها علي حسبها فاذا كانت النفس متوجهة الي اللّه و الي اسم من اسماء اللّه ناسية ما سواه منقطعة عن غيره تتصور في عالمها بصورة ذلك الاسم و تلك الصورة هي ذكر اللّه عزوجل له كما ان المرآة تتصور بصورة الشاخص اذا توجهت اليه و ادبرت عما سواه فاذا توجهت اليه بكلها تصورت بصورته و نفس تلك الصورة عناية الشاخص

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 331 *»

اليها و نظره و توجهه اليها و تكلمه علي حذو قول الشاعر:

كلانا ناظر قمرا و لكن   رأيت بعينها و رأت بعيني

و اي فخر اعظم من ان تكون نفس الانسان دائما متصورة بصورة الربوبية و اسماء اللّه جل جلاله و صفاته حتي تتمكن منها و تتطبع عليها و حتي تستحيل اليها و انما الاسماء وضعت علي الاشياء لاجل صورها و لاجل ذلك آثر السالكون الذكر علي جميع الدنيا و الآخرة و يشتغلون به في الليل و النهار و يرون ان من غفل طرفة عين ادبر و اظطلم و برد و بقي في الخالفين في القدسي من يغفل عني لاابالي باي واد هلك الخبر، قال اللّه سبحانه (من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيمة اعمي قال رب لم حشرتني اعمي و قد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسي) و قد مر آي كثيرة في ذم النسيان فراجع و اي عقوبة اعظم من قوله (نسوا اللّه فنسيهم) و هل ينال الانسان شرالدنيا و الآخرة الا بنسيان اللّه اياه من رحمته و خيره و هل امر الناس بطاعة الا لاجل ذكر اللّه و هل حذر الناس من معصية الا لاجل نسيان اللّه و هل وعد الناس بثواب الا و اصله ذكر اللّه اياه و هل اوعد الناس بعقاب الا  و اصله نسيان اللّه اياه في مصباح‌الشريعة عن الصادق7 من كان ذاكرا للّه علي الحقيقة فهو مطيع و من كان غافلا عنه فهو عاص و الطاعة علامة الهداية و المعصية علامة الضلالة و اصلهما من الذكر و الغفلة الخبر.

فصل: اعلم ان اللّه سبحانه لما خلق الانسان للعبادة هيأ له اسباب العبادة و خلقه خلقة يتمكن من فعل جميع ما امره اللّه و اجتناب جميع ما نهاه اللّه عنه فخلق جميع مراتبه من ذاته و صفاته و اخلاقه و احواله و افعاله و طبايعه و اعضائه و جوارحه خلقة يقدر معها علي الطاعة بالذات و انما مكنها من فعل المعصية بالعرض لتمام الاختيار فليس فيه طبيعة و لا عضو و لا مرتبة الا و هو مما يحتاج اليه في فعل الطاعة و هو لازم في الخلقة الا ان الانسان الخاسر يصرف تلك الامور

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 332 *»

في المعصية علي خلاف الفطرة فمما جعل فيه العادة مثلا و هي مما يحتاج اليه في المواظبة علي الطاعات و المداومة عليها و لولا العادة مثلا في طبيعة الانسان لماقدر علي ادمان طاعة اللّه و ملكتها و اتيانها من غير كلفة و كذا الغضب مثلا فلولا الغضب في جبلة الانسان لماقدر ان يغضب في ذات اللّه و لا ان يجاهد في سبيل اللّه و كذا الشهوة فلولاها لماقدر الانسان علي ابقاء النسل في الدنيا و تثقيل الارض بقايل لااله الا اللّه و لولا البخل في الانسان لجاد بايمانه في سبيل الشيطان و بماله في المعاصي و لولا الجود لماادي الانسان زكوة ماله و لا خمسه و لم‌يصدّق في اللّه و هكذا قد خلق اللّه جميع هذه الخصال لتكون آلة للعقل يستعملها في محله و انت اذا اهملتها و تركتها علي حالها استولت عليها الشياطين و استعملتها في ما تشاء و لاتشاء الا عصيان اللّه و نحن قد صعب اليوم علينا استعمال هذه الخصال في الطاعة لان الديار قد ملكها الاغيار و استولت عليها الابالسة الاشرار و استعبدت الخصال و الطبايع و المراتب و الجوارح فقهرت تحتها و جرت في سبل محبتها  و انت قد جئت مع ضعفك و اصبحت في المدينة خائفا تترقب و تريد ان تأمر و تنهي و تطاع و ذلك لايمكن الا ان تجاهد الشياطين بعون اللّه و رسوله و اوليائه و المؤمنين و الملئكة المقربين و تستولي علي البلاد و تأخذ الرعية التي خلقت لاجلك فتريهم المساكين يطيعونك كما يطيعك مقلتك في تقلبها و ان الناس علي دين ملوكهم و انما ذلك لضعف اختيارهم و قوة اختيار من سخرهم فتملّك تطع و ليس في الانسان طبيعة مضطرة الي المعصية او مجبولة عليها و لو كانت كذلك لم‌تقم عليه حجة من اللّه سبحانه و لكن الشيطان يقوم بازائه كماعرفت و يدعوه الي المعصية فاذا استحوذ عليه يستعمل ما خلق فيه لاجل الطاعة في المعصية فاذا لم‌يطعه الانسان و استعمله في الطاعة لانصرف الي الطاعة و اطمئن عليها و اتي بها فاللازم علي المؤمن ان يسلم للداعين الي الحق و يستعمل طبايعه و جوارحه و مراتبه في طاعته و يعمل بمقتضي اوامرهم و نواهيهم و ليست تمتنع جبلة الانسان عن طاعتهم بل هي من حيث الامكان صالحة للطاعة و المعصية علي حد سواء و لو قيل بانها بالطاعة اولي لانها خلقت للطاعة بالذات لم‌يكن بعيدا و من فضل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 333 *»

اللّه و جوده ان خلق النفس عوادة تعمل بما عودتها و تصير العادة لها طبيعة ثانية فان عودتها بالذكر مثلا تعتاد و تأتي به من غير كلفة و قصد جديد و تكفي مـٔونتها كمثل حيوان تعود طريق قرية حتي صار يمشي اليها من غير ان تصرف عنانه اليها و من غير ان تسوقه او تقوده فاذا ركبت مثل هذا الحيوان تكفي مـٔونة قوده و سوقه و صرفه الي طريقها فانه يمشي اليها بعادته و ملكته و لايغلط علي انه قد ثبت ان الطبيعة لاتغلط و تقدر حينئذ علي ان تشتغل عليه بشي‌ء آخر و لاتلتفت الي الطريق حتي تأتي القرية بل ربما يغلط الانسان الطريق فاذا القي حبله علي غاربه يجد بطبيعته و عادته الطريق و يذكر الانسان ألاتري  انك اذا حفظت سورة من القرآن حتي صارت ملكة لك تقرأها من غير توجه بال و تعمد فلعلك اذا تعمدت و توجهت الي القراءة تنسي و تغلط فاذا تغافلت و كررتها بطبيعتك و عادتك صححتها و اصبتها و ذلك من الامور العجيبة ان يخلق الطبيعة خلقة تتعود بجميع القرآن حتي لاتحتاج الي توجه منك الا بقدر استمساكها بل الطبيعة كثيرا ما تذكر الناسي و الغافل ما نسيه و غفل عنه و الغرض من هذا البيان انك اذا عودت بدنك الذكر و عودت النفس الحيوانية التي فيك بالذكر حتي صار عادة لها تذكرك اذا غفلت و تنبهك اذا عزبت و نسيت و تكون كمقدار الساعات يجرس علي رأس كل ساعة بطبعه و ينبهك ان كنت غافلا و يوقظك ان كنت نائما و اي آية اعظم من ان البدن اذا اعتاد بقيام الليل يتنبه و يقوم في الساعة التي اعتادت القيام فيها و انت روحك ساير في عالم المثال و غافل عن ساعات الدنيا و آناء الليل فكذلك اذا عودته للذكر ذكّرك في اغلب اوقاتك و جرس علي رأس كل وقت علي حسب تعويدك اياها فَرُضْها اياما قليلة تسترح اعواما طويلة و ذلك من فضل اللّه و لكن اكثر الناس لايشكرون فلاتُزرِ علي العادة و لاتعب عليها و لاتعب نفسك بان هذه الطاعة منك عادة و لاتثمر فان للعادات الحسنة منافع جليلة و محاسن شتي فعود نفسك بالخيرات تنل منها صنوف السعادات فلاجل ذلك امر اللّه سبحانه بالذكر الكثير حتي تعتاد النفوس التوجه اليه و يسهل عليهم و يتطبعوا عليه و يصير لهم طبيعة ثانية و يترتب عليها آثار كما ذكرنا و يأتي ان شاء اللّه.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 334 *»

المطلب الاول

في الذكر اللساني و المراد منه كلمات يجريه الانسان علي لسانه

من التمجيد و التسبيح و التحميد و التهليل و التكبير و الثناء علي اللّه سبحانه

و في هذا المطلب فصول و خاتمة

فصل: اعلم ان اللّه سبحانه كما عرفت جعل اللسان ترجمان الجنان فكلما يريده القلب و تصور به ينعكس منه الصورة علي اللّهوات و اللسان و الرية فتصورت بحسب تلك الصورة و خرجت من بينها اصوات علي حسب صورة القلب فما كان في الصورة القلبية من حدود مشخصة مميزة واضحة تامة عبر عنها بالحروف التامة و ما كان فيها من برازخ و حدود خفية لم‌يوضع عليها صوت حرف لكثرتها و لخفائها و اختلافها في الحالات و الاشخاص استعان القلب بالرأس و العين و الشفاه و الصوت و اليد و ساير البدن حتي يعبر عن مراده كما فيه ألاتري ان الكلمة الواحدة قد تؤديها علي وجه الغضب و قد تؤديها علي وجه الشهوة و قد تؤديها علي وجه السخرية و قد تؤديها علي وجه الاكرام و قد تؤديها علي وجه الاهانة و قد تؤديها علي وجه الاعزاز ألاتري ان البعد الذي يفهم من لفظ بعيد بغير مد اقل منه مع مد و كلما كان المد اطول يفهم بعد اطول و اذا اشرت بيدك الي القريب يفهم منها بعد قليل و اذا اشرت الي البعيد يفهم منها بعد ابعد و هكذا فاصول ما في النفس يعبر عنها بالحروف و فضولها يعبر عنها بما ذكرنا و من ذلك الموسيقي و النغم و الالحان في اختلافها فانها كلها من هذا الباب فاللسان ترجمان الجنان و سفيرك الي غيرك و الاذن ترجمان غيرك لك و سفيره اليك فالاذن لك و اللسان عليك و هذا جار في غير هذا المكان ايضا و لا حركة لللسان الا باشارة الجنان اذ بغيره هو بضعة لحم ميت لا حراك لها الا ان توجه القلب منه توجه تام اصلي و منه توجه ناقص ظلي فقد يتحرك اللسان بالتوجه الناقص الظلي كالذي يتحرك لسانه في المنام و يخرج من فمه كلمات و حروف و عبرت عن ذلك كذلك لانه ليس يتكلم و انما المتكلم هو النفس اذا توجهت  و ارادت ألاتري

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 335 *»

انه اذا وقع حجر علي حجر و خرج من بينهما صوت ليس بكلام و لايقال تكلم الحجر و كذلك قد يصنع الافرنج مقادير ساعات لها نغمات و الحان و يفهم منها اشعار فليس ذلك المقدار بمنشد شعر و انما هو صوت يخرج منه يطابق الاشعار التي ينشدها العقلاء الشاعرون و كذلك اذا صوّت الببغاء علي طور كلمات و اشعار فلايقال انه نطق و تكلم و انما صوّت صوتا يطابق كلمات المتكلمين فهكذا النائم اذا خرج من فمه اصوات ليس بتكلم و لا بنطق و انما تحركت اعصابه بفضل حركة النفس في عالم المثال فكذلك قديتفق للانسان في اليقظة في حال شدة الفكر انه يخرج من فمه كلمات من غير ان يتعمد و يلتفت فليست هي ايضا بكلام و لم‌يتكلم و لم‌ينطق و كل هذه تمهيد لان اقول لك ان الانسان اذا لم‌يكن متوجها الي ذكره متعمدا له ناطقا عن قصد و فهم و شعور ليس بذكر هو و لم‌يذكر اللّه بل لم‌يتكلم و انما هو صوت يخرج من فمه و ليس فيه كثير طائل الا ما مثلت لك انه كجرس المقدار يصوت علي رأس كل ساعة و فائدته انك قد تلتفت الي حركة لسانك و تتذكر مثل ان تكون غايرا في خيال و انا احركك فتلتفت اليّ فهكذا اللسان اذا اعتادت الحركة يحركك حينا و حينا فتلتفت اليه فتتذكر فلاجل ذلک رفع الصوت بالذكر يكون اجمع للقلب و اشد تنبيها له كالنائم الذي تحركه و تصوت عند اذنه ليتنبه و يستيقظ فاني لااري للذكر اللساني من غير توجه فائدة الا هذا و القصد و العمد هو النية فذلك الذكر لا نية فيه اذ كل ذكر امر مستقل و انما الاعمال بالنيات و لكل امرء ما نوي فليس في ذكرك فائدة الا اذا توجهت اليه و نويت و قصدت و الا هو كهذيان المُبرسَم و اصوات النائم بلا تفاوت الا في ما ذكرت نعم هو جرس علّقته يصوت في كل حين لتنبيهك و يرجي ان تتوجه اليه احيانا فيكون عملا و يحيي بنفخ  روح توجهك فيه فيصير مؤثرا و من ذلك اعرف مقدار صلوتك و دعائك و تسبيحك و علي ذلك لست بمُصلٍّ ابدا ابدا و انما هي حركات يتحرك اعضاؤك و ليست بحركاتك فضلا عن ان تكون صلوة و كذلك دعواتك و تعقيباتك ليس شي‌ء منها بعمل حتي يؤثر و لاتقل انها في الصورة صحيحة علي حسب

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 336 *»

فتاوي الفقهاء اذ لا كل صورة صحيحة حية ألاتري ان البدن قد يكون صحيحا في جميع اجزائه و اعضائه علي اجمل نحو و ليس فيه روح فلايفيد فائدة بل يكون ميتا و سينتن و يعفن الدماغ و يكون ضرره اكثر من حسنه فكذلك هذه الصلوات و الاعمال التي صورها صحيحة و لا روح نية فيها تكون ميتة منتنة و هذه الاموات تورث العجب و الفخر و الخيلاء و الكبر و المن و الاذي و الرياء و السمعة و هي نتنها و عفونتها التي بلغت الي دماغك و افسدته و الا فلو كانت حية لماكانت تورث الا العبودية و الخضوع و الخشوع كالذين يؤتون ما اتوا و قلوبهم وجلة انهم الي ربهم راجعون فهذه الاعمال الميتة لاتؤثر الا خبط الدماغ و مس الشيطان فان المقابر مساكن الشياطين لقذارة الاموات فكلما يكون امثال هذه العبادات اكثر يكون المقبرة اوسع و القذارات اكثر و الشياطين اشد تمكنا فلاجل ذلك ترانا لانزداد بتعبدنا طول عمرنا من اللّه الا بعدا و لايتقوي فينا الا الشهوات و حب الدنيا و حب الرياسة و حب المال و النساء و الولدان و المعاصي فلو كانت ما نأتي بها صلوة لكانت تنهي عن الفحشاء و المنكر و لكانت تقربنا من اللّه و تبعدنا من النار و لكانت تغسلنا من الذنوب كل يوم خمس مرات و من كان بلا ذنب ينال كل خير من خيرات الدنيا و الآخرة فلما وجدنا الليل باقيا علمنا انه لم‌يطلع الشمس و لما رأينا البرد باقيا و الاشجار كغثاء احوي علمنا ان الربيع لم‌يأت و الصيف لم‌يدخل فكذلك اذا علمنا نحن انفسنا  لانزداد كل يوم من اللّه الا بعدا علمنا انا لم‌نصل و ليس ما تحرك به ابداننا الا كمطرقة الرزاز ليس بصلوة البتة و علي هذه فقس ما سواها ألم‌تسمع قول اللّه سبحانه (انما يتقبل اللّه من المتقين) اي من اتقي ترك التوجه و الخلوص فالذكر اللساني و ان كان فائدته فائدة جرس المقدار كما ذكرنا الا انه ميت و سيتعفن و يورث لك العجب و تزعم انك سنين و دهورا قد ذكرت و انك دائم الذكر و يحصل لك منّ و دلال علي اللّه و يحدث فيك آفات لاتعد و لاتحصي كما ذكرنا.

و ان قلت فاذاً ترك هذه الاعمال اولي اذ اثمها اكبر من نفعها قلت لاتكن كتلميذ اذا قال له استاذه بئس ما كتبت يتركها رأسا و يذهب فان ذلك لايترقي ابدا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 337 *»

بل اذا قال الاستاذ بئس ما كتبت و عرف قبحها يجب عليه السعي في تجويدها حتي يأتي بها حسنة ألاتدرك ان الريا شرك و ترك العمل كفر و ألاتدري ان البدن يتم في البطن خلقته ثم ينفخ فيه الروح فيجب لمن كان منا يريد السلوك الي اللّه سبحانه ان يعمل و يسعي في اصلاحه و يديم الاستغفار و الاعتذار و الندامة و التوبة مما افسد و يكون ساخطا علي نفسه خجلا من سوء فعله و سابشرك بشارة تنشط بها للعمل و هو ان المسلم غير الباغي و المجاهد غير القاعد و العبد نوعا المقر بالعبودية غير المدعي للحرية و الفرق بينها ان الباغي القاعد المدعي للحرية يفعل ما يشاء بلااكتراث ساكن القلب بارد الفؤاد لايحزن علي سوء ما فرط و لايسخط علي نفسه و لايريد التحول عما هو فيه و لايعترف بخطيئته و يبغض من نهاه عما هو فيه نعوذ باللّه و يحب من يساعده عليه و اما المسلم المجاهد المنقاد المقر بالعبودية و الموطن نفسه علي الطاعة يسر بحسنته و يندم علي خطيئته و يلوم نفسه بالتفريط و يسخط عليها بالتقصير يعزم علي الطاعة و ان لم‌يفعلها و يحب من امره بها و يسخط علي من يزينه له كلما يلتفت  يشمئز من سوء صنعه و قد يبكي و يتأثر و يخاف من عاقبة عمله فبين هذين فرق عظيم فلو صدر منها قبيح واحد من الاولين كفر و شرك و عداوة و من الآخرين ذنب و خطيئة بل ان صدر منهما حسن واحد يكون من الاولين كفرا و شركا و من الآخرين طاعة و ايمانا و في الاولين نزل (ان اللّه لايغفر ان يشرك به) فهم في الاصل مشركون كفار منافقون و جميع اعمالهم ثمرات شركهم و كفرهم فانهم لايفعلونه الا بداعي الشرك و في الآخرين نزل (يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لاتقنطوا من رحمة اللّه ان اللّه يغفر الذنوب جميعا) وليس فيها استثناء ابدا و نزل (فيومئذ لايسأل عن ذنبه انس و لا جان) فالذنب مغفور و المغفرة للذنوب و الشفاعة للذنوب و العذاب للكفر و الشرك و بذلك ورد اخبار لاتعد و لاتحصي يجمعها كلها حب علي حسنة لاتضر معها سيئة و بغضه سيئة لاتنفع معها حسنة و آليت علي نفسي ان لاادخل النار من اطاع عليا و ان عصاني و ان لاادخل الجنة من عصي عليا و ان اطاعني و طاعة علي هنا حبه فان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 338 *»

ساير طاعته طاعة اللّه و ساير عصيانه عصيان اللّه لايفترقان فانت يا هذا ان كنت من الموالين المتبعين و قد قصرت في اعمالك و فرطت في افعالك و نادم علي تقصيرك ساخط علي نفسك لاجلها وجِل خائف من ربك خجل عنه فليس امرك كالذين يعملون السيئات ساکني القلب ثلجي الفؤاد مطمئنين نعوذ باللّه و امرك الي خير البتة ففي اعمالك انت روح نوعي ضعيف و انما غطاه الغفلات و اغشية وساوس الشياطين و انما مثلك كالكاتب المرتعش اليد يريد ان يجيد فلايجود و الاقطع الرجل يريد ان يعدو فلايقدر فيعيب علي نفسه و يسخط و كذلك انت اذا كان امراضك امراضا نفسانية يشتبه عليك الامر بغريزتك فلاتدري هل هذا من غريزتك او من مرض عارض و الفرق بين هذين ما ذكرنا فان الغريزي لايستنكر لصاحبه و لايتألم منه  بل يتقوي و يفرح فانت يا اخي اذا تألمت مما انت فيه و تأثرت و سخطت علي نفسك فذلك منك عارض كالملحفة علي المريض و من وراء هذا العارض حيوة ضعيفة عليلة قد تقوي فتأنّ انينا و تتحرك و قد يغلبه المرض فيغشي عليه فيهذي و يقلق و يضطرب نعوذ باللّه و الميت غير الحي و اعمال معاشر الاولياء و الحمد للّه و له المنة كلها حية و ان كانت ضعيفة و يرجي برؤ مرضهم عما قليل و ما صدر عنهم من خلاف الاعتدال يذهب عنهم مع مرضهم و يبقي الحيوة الصحيحة مع غرضها و ان كانت قليلة العمل و العمل القليل المقبول خير من الكثير غيرالمقبول فان قلت ان عملك قليل و فضولك كثير لم‌انكر عليك و اما نفي المنفعة بالكلية فلا و حقيقة التقوي التي معها يقبل العمل التقوي في ولاية آل‌محمد و عن ولاية اعدائهم ففي الكافي بسنده عن مفضل بن عمر قال كنت عند ابي‌عبداللّه7 فذكرنا الاعمال فقلت انا ما اضعف عملي فقال مه استغفر اللّه ثم قال لي ان قليل العمل مع التقوي خير من كثير بلا تقوي قلت كيف يكون كثير بلا تقوي قال نعم مثل الرجل يطعم طعامه و يرفق جيرانه و يوطي رحله فاذا ارتفع له الباب من الحرام دخل فيه فهذا العمل بلا تقوي و يكون الآخر ليس عنده فاذا ارتفع له الباب من الحرام لم‌يدخل فيه انتهي، و اعظم ابواب الحرام ولاية الاعداء و ترك ولاية الاولياء و في الوسائل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 339 *»

عن اسمعيل بن نجيح عن ابي‌عبداللّه7 في حديث الناس سواد و انتم الحاج و عن فضيل عن ابي‌جعفر7 اما واللّه ما للّه عز ذكره حاج غيركم و لايتقبل الا منكم وعن‌عبادبن زياد قال قـال لي ابوعبداللّه7 ما علي ملة ابرهيم احد غيركم و مايقبل اللّه الا منكم و لاتغفر الذنوب الا لكم و عن المفضل بن عمر ان  اباعبداللّه7 كتب اليه ان اللّه لم‌يبعث نبيا  قط يدعو الي معرفة اللّه ليس معها طاعة في امر و نهي و انما يقبل اللّه من العمل بالفرايض التي افترضها اللّه علي حدودها مع معرفة من دعا اليه و من اطاع و حرم الحرام ظاهره و باطنه و صلي و صام و اعتمر و عظم حرمات اللّه كلها و لم‌يدع منها شيئا عمل بالبر كله و مكارم الاخلاق كلها و تجنب سيئها ومن زعم انه يحل الحلال و يحرم الحرام بغير معرفة النبي لم‌يحل للّه حلالا و لم‌يحرم له حراما و ان من صلي و زكي و حج و اعتمر و فعل ذلك كله بغير معرفة من افترض اللّه طاعته عليه فلم‌يفعل شيئا من ذلك الي ان قال ليس له صلوة و ان ركع و ان سجد و لا له زكوة و لا له حج و انما ذلك كله يكون بمعرفة رجل منّ اللّه علي خلقه بطاعته و امر بالاخذ عنه الحديث  و في الكافي بسنده عن يعقوب بن شعيب قال قلت لابي‌عبداللّه7 هل لاحد علي ما عمل ثواب علي اللّه موجوب الا المؤمنين قال لا و عن يوسف بن ثابت قال سمعت اباعبداللّه7 يقول لايضر مع الايمان عمل و لاينفع مع الكفر عمل ألاتري انه قال (و ما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا باللّه و رسوله و ماتوا و هم كافرون) و عن محمد بن الريان بن الصلت رفعه عن ابي‌عبداللّه7 قال كان اميرالمؤمنين7 كثيرا ما يقول في خطبته يا ايها الناس دينكم دينكم فان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره و السيئة فيه تغفر و الحسنة في غيره لاتقبل و عن ابن فضال عمن ذكره عن ابي‌جعفر7 قال لا واللّه مااراد اللّه من الناس الا خصلتين ان يقروا له بالنعم فيزيدهم و بالذنوب فيغفرها لهم و عن عمرو بن عثمن عن بعض اصحابه عن ابي‌عبداللّه7

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 340 *»

قال سمعته يقول ان الرجل ليذنب الذنب فيدخله اللّه به الجنة قلت يدخله اللّه بالذنب الجنة قال نعم انه يذنب فلايزال منه خائفا ماقتا لنفسه فيرحمه اللّه فيدخله الجنة  و عن يونس بن يعقوب عن ابي‌عبداللّه7 قال سمعته  يقول من اذنب ذنبا فعلم ان اللّه مطلع عليه ان شاء عذبه و ان شاء غفر له غفر له و ان لم‌يستغفر الي غير ذلك من الاخبار و الغرض في ايرادها ان امر الشيعة و الاولياء غير امر الاعادي و الاشقياء ان الاولياء كالعبيد و الاماء و من اهل الدار و كالاولاد لسادة العباد الحسنة منهم مقبولة و السيئة منهم مغفورة و ان ادبوا بعض التأديب و يعفي عن كثير منهم و لهم و انهم داخلون في ربقة الانقياد و من نيتهم الطاعة فعلوا او لم‌يفعلوا لغفلة او شهوة او عرض او مرض و من نيتهم الاحسان و ان اساءوا معادون لهواهم موالون لمولاهم ساخطون علي انفسهم لاجله راضون عنه خجلون من تقصيرهم مستحيون عنهم في سيئات اعمالهم عالمون ان اللّه لو اخذهم فبعدله و ان تجاوز عنهم فبفضله نادمون علي موبقات اعمالهم تائبون من قبيحات افعالهم و هم من طينة ساداتهم و من عليين حسناتهم من ذاتيتهم و سيئاتهم عرضية مجتثة من لطخ اعدائهم و اني يعدل بهم غيرهم و هم من آل‌محمد: ملحقون بهم كما نطقت به اخبارهم و شهدت به آثارهم مع صحيح الاعتبار من العقل المستنير بنورهم فلهم روح نية و عزم و قصد نوعية علي الطاعة و ان غشيهم امراض و اعراض و ان هم الا كمؤمن مرض حتي جن او غشي عليه حتي فاته صلوات و عبادات و نيات و قصود و خيرات و مبرات فان ذلك لايضر بنور ايمانهم المحجوب بحجب الاعراض و الامراض فيرجي لهم كل خير و هم اهل الرجاء لا غيرهم فبذلك ليحسن ظنك بربك و بنبيك و باوليائك صلوات اللّه عليهم اجمعين فلمثل هذا فليعمل العاملون و في هذا الثواب المهنأ فليرغب الراغبون و بذلك فليطمئن المطمئنون و علي ذلك فليتكل المتكلون ثم‌الا شك ان التوجه الي الاعمال و فعلها مع قصد و عزم احسن و اولي و اعانة لساداتك في تنجيتك و خلاصك فبذلك فاستبشر و في ذلك تدبر و اياك ان تتجري  و تجسر فان الذنب بنفسه مهلك و انما النجاة من عقوبته بفضل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 341 *»

اللّه و هو ولاية آل‌محمد: قل‌بفضل اللّه و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون من الاعمال الناقصة و العبادات غيرالتامة فافهم و الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا اللّه.

فصل: اعلم ان هذه الامة الضالة المتحيرة بعد نبيها لما عدلوا عن معدن الرسالة و مأوي الخلافة و اتخذوا اصناما آلهة و استبدوا بآرائهم و اهوائهم و انفوا ان يرجعوا الي آل‌محمد: في معالم دينهم و دنياهم صاروا اذ احتاجوا الي معرفة تفاصيل الكتاب و السنة يسألون اكابرهم الجهلاء و رؤساءهم الحمقاء عن تفاصيل تلك المجملات و هم لحمقهم و جهلهم انفوا ان يقولوا لاندري و انفوا ان يأمروهم بالرجوع الي اهله و كانوا راضين بان يأخذوا بطريقة كل كافر و ضليل و لايرجعوا الي آل‌محمد: فكانوا يقمشون جهالات من ساير الامم الكفرة و اهواء و آراء ان علموا و الا كانوا يسألون علماء اليهود و النصاري و المجوس راضين بفتواهم فيه ان وجدوا منهم احدا و الا فيبتدعون بدعا و يجيبون فيها باهوائهم و آرائهم افتراء علي اللّه و يحملون الامة الضالة كالغنم التي ضلت راعيها علي المهالك و الضلالات و البدع و الافتراءات علي اللّه تعالي شأنه فضلوا و اضلوا عن سواء السبيل.

و من اولئك الفرق الصوفية لعنهم اللّه فانهم لما عدلوا عن آل‌محمد: كبرا و عتوا و رأوا ان مدار العالم علي الهادي و المهتدي و الدليل و المدلول و الاستاذ و التلميذ و الكبير و الصغير و المرشد و المسترشد صاروا يدعون لانفسهم الارشاد للخلق و قالوا نحن الكملون الواصلون الي الحق و يجب علي من يريد الوصول الي اللّه ان يمشي بمصباحنا و يهتدي بهدانا و يتمسك بذيلنا و يفني فينا فانا حينئذ نأخذ  بيده و نوصله الي اللّه سبحانه و صاروا يدعون لانفسهم كل نسبة نسبها اللّه الي نفسه و نسبها رسوله الي نفسه و نسبها اولياؤه الحق الي انفسهم و يتتبعون جميع ذلك و يسترقون السمع فيدعونها لانفسهم حذو النعل بالنعل و مع ذلك غيروها في الموضوع و المحمول و عوجوها و انا اقول لهم:

و عينك عيناها و جيدك جيدها   و لكن عظم الساق منك دقيق

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 342 *»

هب نحتتم خشبا كالحية اين حيوتها و اين سمها و اين آثارها و هب صنع السامري عجلا جسدا له خوار ألم‌يروا انه لايكلمهم و لايهديهم سبيلا فلما ادعوا الارشاد احتاجوا الي علم و عمل اما العلم فكانوا بانفسهم جهلة حمقاء لايعرفون الهرة من البرة فاخذوا توحيدهم من النصاري القائلين بوحدة الوجود و امثال ذلك فادعوا الالوهية لانفسهم كما ينطق به اشعارهم و نثورهم و كتبهم موجودة شاهدة و اتبعوا الجوكية من الهند و ما كتبوه في كتبهم من القول بقدم العالم و التناسخ و انكار وجود ابي‌البشر آدم7 و امثال ذلك و اما العمل الشريعي فقلدوا الفسقة الذين هم في طريق الظاهر مثلهم و اتبعوهم كما صرح بعضهم بان من شروط التصوف ان يكون الانسان علي مذهب السنة و الجماعة و اما العمل الطريقي فاتبعوا في ذلك المهاباديين و عملوا علي طريقتهم فاتبعوهم في اذكارهم و رياضاتهم و جلساتهم و احضارهم صورة المرشد في قلوبهم و خيالهم ها اني اذكر لك مذهب المهاباديين و انظر بعين الانصاف هل تجد فرقا بين اذكار هؤلاء و هؤلاء الا بالعربية و الفارسية و سيرتهم و سننهم و احب ان اذكر قولهم في ذلك بالفاظهم و ان كانت في العربية ركيكة.

قال في دبستان المذاهب في عقايد الفارسيين: «درين گروه يعني سپاسيه مرتاض و پرهيزكار بسيار بود و به غايت ستايشگر رياضتند اما رياضت اختياري كه عبارت از  سلوك است نه اضطراري كه بلا باشد آن نزد ايشان سزاي كار بد است و شرايط رهروي نزد اين فرقه بسيار است چون خدا جستن و با دانا نشستن و تجريد و تفريد و پرهيزكاري و آشنايي با هر كسي و مهرباني و توكل و شكيبايي و بردباري و خرسندي و برداشت و مانند آن بسيار است چنانچه در سرود مستان موبد هوشيار آمده موبد خداجوي در شرح موسوم به جام‌كيخسرو كه در متن منظومه شت آذركيوان نوشته آورده است كه ره‌سپر بايد خود را به پزشكي دانا نمايد تا آنچه از اخلاط برتر و بيشتر بود به اصلاح آورد پس همه عقايد دين و آئين و كيشها و راهها از خويش دور كند و با همه صلح گيرد و در جاي تنگ و تيره نشيند و خورش به تدريج كم سازد و آئين كم‌خوري در شارستان حكيم الهي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 343 *»

فرزانه بهرام بن فرهاد چنين آورده كه از غذاي معتاد روزي سه درم كم كند تا به ده درم رسد آنگاه تنها نشيند و به خود پردازد و از اين گروه بسا كس به يك درم هم رسانيده‌اند و مدار رياضت ايشان پنج چيز است گرسنگي و خاموشي و بيداري و تنهايي و ياد يزداني و اذكار در ايشان بسيار است و آنچه پسنديده اين فرقه است ذكر مك‌ژوب است و مك در لغت آذريان چار را گويند و ژوب ضرب است و اين ذكر را چارسنگ و چاركوب نيز خوانند ديگر ذكر سياژوب است سيا سه را گويند يعني سه‌ضرب و سه‌كوب هم سرايند و نشستها نزد ايشان بسيار است و آنچه پسنديده و برگزيده‌اند هشتاد و چهار است و از آن هم چهارده انتخاب نموده‌اند و از آن پنج برآورده و از آن پنج دو برگزيده‌اند و چندي از جلسات موبد سروش در زردست افشار آورده يكي از آنها كه برگزيده‌اند آنست كه چهار زانو نشيند و پاي راست بر فراز ران چپ گذارد و پاي چپ بر بالاي  ران راست و دستها پس پشت برد و به دست راست نر انگشت پاي چپ گيرد و از چپ شست پاي راست و چشم بر سر بيني بدارد و اين جلسه را فرنشين خوانند و جوكيان هند پدم‌آسن گويند پس اگر ذكر مك‌ژوب كند به دستها نر انگشتان پا بگيرد بلكه اگر خواهد پايها از رانها بردارد و به جلسه متعارف نشيند كه پسند و كافي است و چشم فروبندد و دستها بر رانها گذارد و بغلها گشاده دارد و پشت راست سازد و سر در پيش افكند و كلمه نيست را به نيروي تمام بر آهيخه سر راست كند و هستي گويان به سوي پستان راست به سر اشارت نمايد و مگر سرايان سرا بالا برد و يزدان خوانان به جانب پستان چپ كه آن جاي دل است سر خم كند و در ميان كلمات جدايي نياورد و اگر تواند چند ذكر به يك دم گويد و به آهستگي بيفزايد كلمات ذكر نموده آمد نيست هستي مگر يزدان يعني نيست موجودي مگر اللّه يا نيست ايزدي جز از يزدان يا نيست بايستني جز از بايست يا آنكه پرستش سزاي آميغي است بايسته بود يا آنكه بي‌چون و بي‌چگون بي‌رنگ و بي‌نمون و اين ذكر به جهر نيز جايز است ولي پسنديده هيربدان و پرهيزكاران ذكر خفي است چه از افغان و خروش حواس پريشان گردد و مراد از خلوت همه جمعيت حواس

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 344 *»

است و در عين ذكر سه چيز حاضر دارند نخست ايزد  دوم دل سيوم روان استاد و معني ذكر در دل گذراند يعني نيست موجود مگر حق»، بعد شرح دم‌گرفتن كند تا آنكه گويد: «آئين ديگر دست از كارهاي  بيهوده بازدارد و در خلوت نشيند و دل را به عالم بالا خويشي دهد و بي‌حركت زبان به دل يزدان گويد و به هر لغت چون تازي و هندي گفتن رواست.  آئين ديگر تصور استاد است چنان پندارد كه حاضر است و پيوسته از آن انديشه جدا نگردد تا چنان شود كه پيكر پير از نظر دل او غايب نشود پس از آن به دل آورد»  الي آخر كلامه.

و انت لو تدبرت في طريق الصوفية و رياضاتهم و اذكارهم و جلساتهم و احضارهم صورة المرشد لوجدتها مطابقة مع طريقة المهاباديين علي ما نقلت منهم مستنبطة من طريقتهم فانهم ايضا يقولون في اذكارهم ينبغي ان يجلس الانسان في الخلوة مربعا و يضع يده علي فخذه و يبدء بذكر لا اله الا اللّه من قلبه و يحرك رأسه علي هيئة القوس الي اعلي رأسه و يقول لا اله ثم ينزل رأسه من الاعلي الي قلبه علي هيئة قوس آخر و يقول الا اللّه فيتحرك رأسه علي هيئة دائرة او يحرك رأسه دائرتين متقاطعتين فيجعل لا قوسا و اله قوسا اخري و الا قوسا و اللّه قوسا اخري و يبدؤ في كل واحدة من القلب و ينتهي اليه و جعلوا صورة المرشد في قلوبهم و يوقعون الذكر عليها و جعلوا بناء رياضتهم علي الخمس المذكورة و من اشعارهم في ذلك:

صمت و جوع و سهر و خلوت و ذكر بدوام   ناتمامان جهان را كند اين پنج تمام

و يقولون بملازمة صورة المرشد في جميع الحالات حتي لايبقي شي‌ء في خياله الا هي فحينئذ يكون فانيا في المرشد فاذا فني في المرشد يصل الي اللّه فان المرشد فان في اللّه بل هو اللّه كما يقول قائلهم ليس في جبتي سوي اللّه و يقول انا اللّه بلا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 345 *»

انا و يقول شاعرهم:

فلولاه و لولانا   لماكان الذي كانا
و انا عينه فاعلم   اذا ما قلت انسانا
فكن حقا و كن خلقا   تكن باللّه رحمانا

الي غير ذلك من الخرافات بالجملة ان القوم اخذوا مذهبهم من جميع المذاهب الباطلة و ركبوا من جميعها مذهبا لهم و نظموا في ذلك اشعارا و عبارات شهية و دعوا الناس اليه فلبوهم من كل جانب و شغلوهم بضرب الرباب و الطنبور و الغنا و الالحان و عشق المردان و باباحة المحرمات و حملوهم علي ترك  العبادات و الطاعات فاحبهم النفوس المهملة و اجابتهم حتي كثروا و ملأوا البلاد و افسدوا العباد و هم علي هذه الامة اضر من ذئب صال علي غنم لا راعي فيها بل هم اضر علي هذه الامة من جيش يزيد بن معوية علي جند الحسين7 فانهم سلبوهم الاموال و الارواح و اوصلوهم الي الجنان و هؤلاء الساخرين للعباد سلبوهم الاموال و الارواح و اوصلوهم الي النيران.

و اشد جميع تلبيسات هؤلاء ادعاء ولاية اميرالمؤمنين مع سعيهم في اطفاء نور رب العالمين و ازهاق شريعة النبي الامين و ابطال طريقة الائمة الهادين صلوات اللّه عليهم اجمعين فيغتر الضعفاء بادعائهم الولاية و اظهارهم المحبة فيقعون في شباكهم و اللّه تعالي و رسوله و حججه: برءاء منهم و من طريقتهم و مذهبهم و نحن برءاء منهم لعنهم اللّه بجميع لعناته و اصلاهم نار جهنم فاللازم علي الشيعي و الموالي لآل‌محمد: و المتبع لدين محمد9 ان يتبع ساداته في جميع الامور جزئية و كلية و يعرض عما سواهم حتي يرد موردهم كما قالوا لاتأخذ الا عنا تكن منا قال اللّه سبحانه (من تبعني فانه مني) و طريقتهم و سنتهم امور ظاهرة باهرة نطق بها كتاب اللّه و سنة نبيه و اخبار عترته سلام اللّه عليهم و شهد بها العقل المستنير و علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و لكل صدق برهان و لا برهان الا كتاب اللّه و سنة نبيه9 و آثار عترته سلام اللّه عليهم و دليل العقل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 346 *»

المستقيم الذي تعرف العقول السليمة عدله و نحن نذكر في هذا الكتاب ما ورد منهم سلام اللّه عليهم في كل باب.

فصل: اعلم ان اللّه سبحانه لما خلق العقل فقال له ادبر ادبر ذاته الي ان اتي عالم الاجسام و نزل الي التراب فانطفي نوره و خمد ناره و مات بعد الحيوة و كثف بعد اللطافة فعرضه في كل عالم كان ينزل اليه اعراض كثيرة لتكثر تلك العوالم و اختلافات موجوداتها و حدودها و حيوثها و طبايعها و دواعيها فاحتيج في الاقبال و العود الي دار الجلال الي حل و عقد و حيوة و موت و صوغ و كسر و تطهير و تصويل حتي يعود صافيا لطيفا واحديا مكتسبا من جميع تلك العوالم علي نهج الوحدة و المعنوية الكلية و ادبر صفاته و نزلت في كل عالم الي ان وصلت الي هذا العالم و ظهرت في كل عالم بصفات ذلك العالم و من مظاهرها الكلام و الالفاظ المنطوقة و المكتوبة و لذلك روي المرء مخبوء تحت لسانه و الكتاب دليل عقل الكاتب و اقل تلك المظاهر عرضا الكلام و الالفاظ و لاجل ذلك كان ادل الاشياء علي صفات العقل و كليته و جزئيته و صفائه و كدورته و انبساطه و ضيقه و اعتداله و انحرافه و استقامته و اعوجاجه و حبه و بغضه و علمه و جهله و كماله و نقصه و ايمانه و كفره و صداقته و نفاقه و غير ذلك و اقرار العقلاء علي انفسهم جايز و لتعرفنهم في لحن القول و قد بدت البغضاء من افواههم فافهم فلاجل ذلك حصل للكلام فعالية و تأثير في النفوس و الاجسام ليس لغيره ابدا و حصل للحروف تصريفات في العالم باسهل وجه ليس لغيرها من الاجسام ذلك التصريف و لشدة مشاكلتها مع العقول و الارواح و النفوس و قلة مباينتها صارت تؤثر فيها تأثيرات سريعة عجيبة و كل ذلك انها لما نزلت لم‌يلحقها اعراض مانعة عن فعاليتها التي كانت لها في العوالم الفعلية الغيبية و هي في هذا العالم كأنها تحكيها بصرافتها و لاجل ذلك يمكن تغيير نفوس كثيرة بكلمة واحدة تحبيبا و تبغيضا و هداية و تضليلا و تقريبا و تبعيدا و يمكن التصرف في الاجسام العلوية بها بل الروحانيات السفلية و العلوية كما هو معلوم في التسخيرات و السيميا و الاقسام

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 347 *»

و العزائم و يمكن التصرف في الاجسام و الارواح بكتب حروف و كلمات كما هو ظاهر في علم  الجفر و السيميا و الطلسمات و ساير العلوم الغريبة و كل ذلك ان الملكوت عالم الافعال و الحروف تنزل صفاتها و لم‌يلحقها من الاعراض ما لحق ساير الجواهر فعاقتها عن القدرة و التصرف و لم‌تعق الحروف قليلة اعراضها فكأنها باقية علي صرافتها فهي اشبه شي‌ء بمشية اللّه في النفوذ و المضي في الاشياء فلاجل ذلك صار الكلام من اعظم الاسباب في اصلاح النفوس و الاجسام لاسيما اذا كان من اسماء اللّه و صفاته و كلمات اللّه الفرقانية و الادعية و الآثار المعصومية فانها بعد اقل الالفاظ عرضا و اوفقها مع الاسماء و الصفات الكونية التي هي ايدي الرب جل جلاله في تقليب ما يشاء كما يشاء و اشبه بالحقايق و بصفاتها و دائها و دوائها فهي حينئذ اشد الالفاظ تأثيرا و اشبهها بمشية اللّه الماضية النافذة و امره و قدرته علي ما يشاء فاذا تمسك السالك بها و اتي من بابها و استعملها في محالها و قام بشروطها لاتتخلف في انجاح المطالب و في حصول المآرب و المقاصد و ما يري من عدم تأثيرها او قلته و ضعفه فانه للاخلال بشروطها و قد دل الدعاة الي اللّه سلام اللّه عليهم اطباء النفوس علي كيفية استعمالها و طريق التمسك بها في اخبارهم و آثارهم و لما كانت النفوس معرضة عن هذه المسالك مشغولة بالدنيا او بساير العلوم اخلوا بشرح هذه المطالب و ضبط آثار آل‌محمد: الشارحة لذلك و من تصدي منهم بجمع بعضها لم‌يضع كل شي‌ء منها موضعه و لم‌يعرف حقايقها و لم‌يتفص من اختلافاتها الظاهرة و نحن نذكر لك بتأييدهم و تسديدهم بما عرفونا بفضلهم و جودهم فخذ ما آتيناك في هذا الكتاب المستطاب.

فصل: اعلم ان اللّه سبحانه ذات احدية صمدية لم‌تلد و لم‌تولد و لم‌يكن لها كفوا احد فلم‌تقترن بشي‌ء و لم‌تتعلق بشي‌ء و لم‌تقع علي شي‌ء و لم‌يخرج  منها شي‌ء و لم‌تتصل بشي‌ء و لم‌تنفصل عن شي‌ء فخلق ما خلق بلا حركة بعد سكون و لا نطق بعد سكوت و لا تغير و لا تبدل حدث فيه فخلق اولا مشية بنفسها بلا كيف ثم خلق الاشياء بالمشية بلا واسطة و بواسطة و وسائط مثلا خلق الماء الاول الذي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 348 *»

منه حيوة كل شي‌ء بالمشية ثم خلق العقل بذلك الماء ثم خلق الروح بالعقل و خلق النفس بالروح و هكذا و ذلك معني ما روي ابي اللّه ان يخلق الاشياء الا باسبابها و جعل لكل شي‌ء سببا و المشية هي سبب الاسباب و علة العلل و ما لم‌يكن الشي‌ء شافا حاكيا عما وراءه لم‌يظهر العالي و لم‌يظهر منه افعاله كما قال اميرالمؤمنين7 تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فاذاكان كذلك كان مضمحلا متلاشيا في جنب العالي مستندا اليه لا الي نفسه فكان مريا اياه لا نفسه فكان اسما للعالي علما عليه في الداني فاذا كل شي‌ء يترتب عليه اثر ما اسم للعالي جل جلاله في احداث ذلك الاثر الخاص و ذلك الاثر مطابق له كما يطابق نور السراج مع السراج فاذا في احداث كل اثر للّه سبحانه اسم خاص يحدث ذلك الاثر به فيحدث السخونة بالمسخن و البرودة بالمبرد و الجفاف بالمجفف و الرطوبة بالمرطب فالسخونة شبح منفصل عن تسخين المسخن و البرودة شبح منفصل عن تبريد المبرد و الجفاف شبح منفصل عن تجفيف المجفف و الرطوبة شبح منفصل عن ترطيب المرطب كما ان النور شبح منفصل عن انارة المنير و كما انه لابد من المطابقة بين الاثر و صفة المؤثر لابد من المطابقة بين الحدث و صفة الاسم الذي احدث اللّه ذلك الحدث به فالاسم باب خاص للّه سبحانه لافاضة الحدث الخاص منه فلابد لطالب كل حدث ان يتوجه الي الباب الخاص به فمن رام الرزق لابد له ان يتوجه الي الرازق و من رام الرحمة لابد و ان يتوجه الي الرحيم و من طلب المغفرة لابد و ان يتوجه الي  الغفور و هكذا فمن وقف علي باب المنتقم و طلب الرحمة حرم منها و كذا العكس و من وقف علي باب الضار و طلب النفع لم‌ينله البتة فلايمكن ان يقول الذاكر الداعي يا منتقم اغفرلي وارحمني و لا يا غفار انتقم من عدوي و هكذا ففي الوسائل من نهج‌البلاغة عن اميرالمؤمنين7 احلفوا الظالم اذا اردتم يمينه بانه بري‌ء من حول اللّه و قوته فانه اذا حلف بهذا كاذبا عوجل و اذا حلف باللّه الذي لا اله الا هو لم‌يعاجل لانه قد وحّد اللّه سبحانه و عن الراوندي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 349 *»

عن الرضا عن ابيه8 ان رجلا وشي الي المنصور ان جعفر بن محمد8 يأخذ البيعة لنفسه علي الناس ليخرج عليهم فاحضره المنصور فقال الصادق7 مافعلت شيئا من ذلك فقال المنصور لحاجبه حلف هذا الرجل علي ما حكاه عن هذا يعني الصادق7 فقال الحاجب قل واللّه الذي لا اله الا هو و جعل يغلظ عليه اليمين فقال الصادق7 لاتحلفه هكذا فاني سمعت ابي يذكر عن جدي رسول اللّه9 انه قال ان من الناس من يحلف باللّه كاذبا فيعظم اللّه في يمينه و يصفه بصفاته الحسني فيأتي تعظيمه للّه علي اثم كذبه و يمينه و لكن دعني احلفه باليمين التي حدثني ابي عن رسول اللّه9 انه قال انه لايحلف بها حالف الا باء باثمه فقال المنصور فحلفه اذا يا جعفر فقال الصادق7 للرجل قل ان كنت كاذبا عليك فبرئت من حول اللّه و قوته و لجأت الي حولي و قوتي فقالها الرجل فقال الصادق7 اللّهم ان كان كاذبا فامته فمااستتم كلامه حتي سقط الرجل ميتا و احتمل و مضي به الحديث.

والغرض ان لكل حاجة اسم من اسماء اللّه خاص من اصابه و دعي اللّه سبحانه به قائما بشروطه لم‌يتخلف البتة لانه الباب الخاص الذي فتح اللّه لافاضة ذلك الفيض و من ادام ذكره حتي يستولي عليه و يصير ملكة له و تصورت نفسه بصورته  و صارت تلك الصورة طبيعة له قائما بشروطه صار ذلك الذاكر بابا للّه سبحانه كونيا في افاضة ذلك الاثر الخاص به و قدر علي التصرف به في افراد ذلك النوع كيف ما شاء و اراد فانظر كيف يكون حال من ادمن الاسم الاعظم الذي هو باب الابواب و سبب الاسباب و علة العلل حتي صار صورته صورة ذلك الاسم فصار اسما اعظم كليا كونيا للّه سبحانه فهو يقدر علي التصرف في جميع الكاينات كيف شاء و اراد و ارادته ارادة اللّه و مشيته مشية اللّه في جميع الموارد و ماتشاءون الا ان يشاء اللّه و كيف يكون اذا كان الادمان كونيا اي ذاتيا و وصفيا و فعليا و قوليا بجميع مراتب وجوده و بجميع انحائه فحينئذ يكون هو نفس الاسم الاعظم الذي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 350 *»

يفعل اللّه به ما يشاء و يفعل باللّه ما يريد يفعل اللّه ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته و من اراد تفصيل الاسماء و ما خلق اللّه و يخلق بها فعليه بادعية آل‌محمد: المأثورة لاسيما دعاء الاسماء الحسني و قد ضبطنا في كتابنا طرايف‌الدعوات فقرات عجيبة و من تتبع الدعوات عرف صدق دعوانا ان كل حادث يحدث باسم من اللّه خاص و انه باب افاضة ذلك الشي‌ء الخاص و لذلك امرنا باتيان اللّه منها و للّه الاسماء الحسني فادعوه بها و تمسك آل‌محمد: في ادعيتهم بتلك الاسماء و سألوا اللّه بها و لا شك انهم سلام اللّه عليهم اعلم الخلق بتلك الاسماء فينبغي الاخذ عنهم خصوصا او عموما او تلويحا او تفريعا علي اصول القوه للتسهيل و قالوا علينا ان نلقي اليكم الاصول و عليكم ان تفرعوا.

فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الاسماء لها مراتب علي طبق مراتب الحوادث فكما ان في الحوادث اشخاص و اصناف فوقها اعم منها و انواع فوقها اعم منها و اجناس فوقها اعم و اشمل منها و هكذا الاجناس تترامي متصاعدا و كلما يصعد جنس يكون اعم و اشمل الي ان ينتهي الي جنس الاجناس الذي ليس فوقه حادث كذلك يكون مراتب الاسماء  مترتبة يعلو بعضها علي بعض و كل عال اعم و اشمل و اجمع من الداني و كل دان اخص و اقل افرادا كما ان مجري الانهار مثلا تحت المحرك و المحرك تحت القادر و علي هذه فقس ما سواها.

فالاسماء نوعا لها ثلث مراتب:  ادناها اسماء الخلق و الاحداث و هي اما متعلقها الوجود و ما يــٔول اليه فيجمعها اسم الرحيم و هو اعم و اشمل من جميع تلك الاسماء فان الوجود و ما يــٔول اليه كلها من باب الرحمة المكتوبة و الرحمة الخاصة انظر الي آثار رحمة اللّه كيف يحيي الارض بعد موتها و اما متعلقها الماهية و ما يــٔول اليها فكلها من باب النقمة و يجمعها اسم المنتقم و هذان الاسمان كلاهما تحت اسم الولي فاللّه هو الولي فهو المتولي بامر جميع الوجودات و الماهيات و ما يــٔول اليهما و هو اولي بهما فهو رحمة اللّه علي الابرار و نقمته علي الفجار فالجنة و ما فيها و اهلها واقفة علي باب الرحمة و النار و ما فيها و اهلها واقفة علي باب النقمة و لايخرج من هذين شي‌ء و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 351 *»

اصحاب الاعراف اما يــٔولون الي احدي هاتين و اما يعمل فيهم كل واحد من هذين الاسمين اذ هم قوم استوت حسناتهم و سيئاتهم و لاجل المكافئة توسطوا و اوسطها اسماء الاضافة و الارتباط كالعليم بما في الصدور و السميع للاصوات و البصير بالخفايا و امثال ذلك فيجمعها كلها اسم الرحمن لان الرحمن علي العرش استوي اي علي الملك استولي و استولي علي ما دق و جل فهو يجمع جميع اسماء الاضافة و الخلق و يحيط بكلها و لاجل ذلك لايجوز اطلاقه علي غير اللّه و هو اسم خاص باللّه سبحانه لمعني عام يعم جميع ملك اللّه سبحانه غيبها و شهادتها و امرها و خلقها فلا شي‌ء مما سوي اللّه مما قدم عرصة الحدوث الا و هو واقف علي باب رحمة الرحمن و لذلك قال شيخنا الاوحد اعلي اللّه مقامه و رفع في الخلد اعلامه في خلقة المشية ان اللّه قبض من رطوبة الرحمة فهي الرحمة الرحمانية فالرحمن  مستو علي عرش الامر و الخلق و ليس في مقام الصفات صفة للّه سبحانه اعلي منه و اعظم و اجل و اكبر واعليها اسماء القدس و التنزيه كالقدوس و السبوح و المتعالي و الجليل و الكبير و امثال ذلك فيجمعها كلها اسم اللّه و لاجل ذلك كان من الاعلام للذات المستجمعة لجميع الصفات باصنافها الثلثة و صار يوصف بجميعها و لايوصف به شي‌ء فهو مهيمن علي جميع الاصناف الثلثة مستعل عليها و اعظم من كلها فهو الاسم الاعظم الاعظم الاعظم و الرحمن هو الاسم الاعظم الاعظم و الرحيم هو الاسم الاعظم في جانب الرحمة و لما كان البسملة آية الرحمة اشتملت علي هذه الاسماء الثلثة و صارت اقرب الي الاسم الاعظم من سواد العين الي بياضها و خص اللّه سبحانه اللّه الذي هو اعلي الاسماء و الرحمن الذي هو اعلي الصفات بالذكر فقال (قل ادعوا اللّه او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسني) فاسم اللّه اول مظهر للذات و اول دال عليها و اول منبئ عنها فان الاسم ما انبأ عن المسمي فاللّه اول نبئ عن اللّه و اول منبئ عنه و الرحمن هو مقام اول الصفات و مبدؤ التعينات فهو مقام نفس اللّه القائمة فيه بالسنن و صورة اسم اللّه و تمثله و ظهوره في عرصة الصفات و المؤدي عنه و الشاهد منه علي غيبه و مظهر باطنه و المفصل لاجماله و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 352 *»

المبلغ عنه فهو خليفته و القائم مقامه و نفسه و شقيقه لان الرضا7 سئل عن الاسم فقال صفة لموصوف فاسم اللّه ايضا صفة و الرحمن صفة فهما اخوان شقيقان الا ان احدهما اغيب من الآخر و احدهما اشد اضمحلالا في جنب الذات و اشد حكاية من الآخر فصار احدهما يؤدي عن الذات الي الآخر و هو يؤدي عن شقيقه و اخيه المشارك له في الوصفية الي الرحيم و الرحيم يؤدي الي اهل الرحمة المكتوبة فالرحمن في مقام العموم و الرحيم في مقام الخصوص و الوقوف بين ظهراني اهل الرحمة فالرحيم هو الاسم الذي به  رحم اللّه سبحانه المؤمنين اهل الرحمة و المغفرة.

بالجملة غرضنا ان نبين لك كيفية تقدم الاسماء بعضها علي بعض و نعرفك الاسم الاعظم و غيره من الاسماء فان فهمت فقد لوحت لك باوضح تلويح و الا فراجع و كرر النظر حتي تفهمه ان كتب لك فقد تبين لك في هذا الفصل احد شروط الذكر و هو ان تعرف حاجتك و داءك ثم تتفكر او تتحصل انها من مفاضات اي اسم و من متعلقات ايها فتأخذ ذلك الاسم و تدعو اللّه به فاذا اردت الرزق فقل يا رازق و تكرر ذلك و تديم عليه الي ان ترزق الرزق و لاتقل يا مانع فانه باب المنع و الحرمان و لاتقل انه اسم اللّه و انا ادعو اللّه فان ذات اللّه لاتدعي و اسماء اللّه مخصصة اللّهم الا ان تدعو بالاسم العام في الحاجة الخاصة فتقول يا رحيم ارزقني يا قدير ارزقني فانه جايز الا ان اللّه سبحانه لم‌يستعمل ذات الاسم العام في الامر الخاص و انما اوجد الشي‌ء الخاص بالاسم العام بالاسم الخاص و ان اللّه سبحانه يحب ان يؤتي من ابوابه الخاصة ألاتري انه لايسع احدا ان يقول اني اومن باللّه و لا حاجة لي الي رسول اللّه9 او يقول اني اومن برسول اللّه9 و لا حاجة لي الي علي7 فان اللّه سبحانه فتح بابا خاصا لامر خاص و يحب ان يؤتي بابه قال (و أتوا البيوت من ابوابها) و المراد ان تأتي كل امر من وجهه و ذلك ان خصوص حاجتك في خصوص الباب و لو تفكرت في ظاهره لوجدته سوء ادب بالنسبة الي السلطان فتقول له اني لاارجع الي من نصبته للكتابة اكتب لي انت و اني لاارجع الي من نصبته للنجارة انجر لي انت و هكذا هذا و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 353 *»

قدس العالي يمنع من التعلق بحاجتك مع خستها و خساستك و خساسة حاجتك تمنع من الوصول الي العالي فأتوا البيوت من ابوابها و تلك حدود اللّه و من يتعد حدود اللّه فقد ظلم نفسه و لاتنظر الي غيرك اعلي منك قد توسل باسم اعلي  فلكل منا مقام معلوم فكل احد يجب عليه التوسل باسم مقارن مصاقع اوجد اللّه خصوصه و خصوص حاجته به و لو وجه اللّه الاسم المقدس الاعلي اليك لاحترقت و فنيت و يضمحل الخصوص و يعدم علي تجلي العموم كما يضمحل القطرة في البحر و يضمحل زيد في الانسان الكلي اذا ظهر له اي جاء في رتبته فافهم و لاتتعد حدك رحم اللّه امرءا عرف قدره و لم‌يتعد طوره فان انت يا هذا عرفت حدك و مقامك و عرفت الاسم المتعلق بك و بحاجتك توسل به الي اللّه سبحانه تنل حاجتك منه تعالي شأنه و يفيض اللّه سبحانه به عليك فاذا اردت استضاءة يا هذا فعليك بالشمس المصاقعة حتي تستضي‌ء و ان لم‌تر العرش بعينك كيف تقدر ان تستضي‌ء منه و ان جعلك مثله حتي تراه فقد افناك فان خصوصيتك ما انت عليه من الكثافة فان ذهبت ذهبت بكليتك و ان نزل الي مرءاك فها هو الشمس الظاهرة فاستضئ منها و لا قوة الا باللّه فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم فهذا شرط واحد من الذكر.

فصل: من الشروط معرفة المذكور و معاني الاسماء و مواقع الصفة و اليهما الاشارة بقوله7 في دعاء شهر رجب اللّهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك و بقوله7 من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة و قال7 يا جابر عليك بالبيان و المعاني فمن لم‌يعرف معني ما يذكر هكذا يذكر اللّه ضالا فان نفعه ذلك فمن فضل عاجل و الا فلايستحق شيئا و اعلم ان اللّه سبحانه و ان كان لايجب عليه شي‌ء و لايلتزم بشي‌ء لقدسه و غنائه و احديته و لكن اوجب في حكمته علي نفسه امورا و اخبر عنها في كتابه (و لاتحسبن اللّه مخلف وعده رسله) و محال في الحكمة مخالفة ذلك و ان كان يجوز في القدرة كقوله (انما يتقبل اللّه من المتقين) و (اذكروني اذكركم) و (ادعوني استجب لكم) 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 354 *»

و (اوفوا بعهدي اوف بعهدكم) و (ان تتقوا اللّه يجعل لكم فرقانا) و امثال ذلك مما وعد في كتابه و وعده واجب عليه في الحكمة وفاؤه و تفضل علي اناس بامور ليست تجب بالحكمة لانهم لم‌يوفوا بعهده و لم‌يقوموا بشرايط اخذت عليهم في الميثاق فحينئذ انتقصت قابليتهم العملية فلم‌يستحقوا من اللّه سبحانه شيئا فان جاد عليهم بشي‌ء فهو ليس من باب الاستحقاق بل من باب التفضل فمن الشرايط التي يجب بها القبول في الحكمة و لايتخلف ان قام به العبد معرفة المذكور و معاني الاسماء و مواقع الصفة و شرح ذلك ان اللّه سبحانه ذات احدية لاتثني و لاتجزي لاتناسب شيئا و لايناسبها شي‌ء و لاتمتاز عن شي‌ء و لاتقع علي شي‌ء و لايقع عليها شي‌ء يمتنع معها سواها فليس لها صفة لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و ليس لها اسم مميز دال عليها و لا رسم مشخص لها عن غيرها و لاـ‌حد تنتهي اليه و هي غنية عما سواها منزهة عن الاقتران بغيرها فهي في نفسها لاتحتاج الي اسم و لاتتصف بصفة و انما خلقت لنفسها اسماء مخلوقة في عرصة الخلق ليدعوها بها و اظهرت صفات يثنو عليها بها قال اميرالمؤمنين7 في خطبة له فمن وصف اللّه فقد حده و من حده فقد عده و من عده فقد ابطل ازله و في الكافي عن ابي‌هاشم الجعفري قال كنت عند ابي‌جعفر الثاني فسأله رجل فقال اخبرني عن الرب تبارك و تعالي له اسماء و صفات في كتابه و اسماؤه و صفاته هي هو فقال ابوجعفر7 ان لهذا الكلام وجهين ان كنت تقول هي هو اي انه ذو عدد و كثرة فتعالي اللّه عن ذلك و ان قلت ان هذه الاسماء و الصفات لم‌تزل فان لم‌تزل يحتمل معنيين فان قلت لم‌تزل عنده في علمه و هو مستحقها فنعم و ان كنت تقول لم‌يزل تصويرها و هجاؤها و تقطيع حروفها فمعاذ اللّه ان يكون معه شي‌ء غيره بل كان اللّه و لا خلق ثم خلقها وسيلة بينه و بين خلقه يتضرعون بها اليه و يعبدونه و هي ذكره  و كان اللّه و لا ذكر و المذكور بالذكر هو اللّه القديم الذي لم‌يزل و الاسماء و الصفات مخلوقات و المعاني و المعني بها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 355 *»

هو اللّه الذي لايليق به الاختلاف و لا الايتلاف و انما يختلف و يأتلف المتجزي فلايقال اللّه مختلف و مؤتلف و لا اللّه قليل و لا كثير و لكنه القديم ذاته لان ما سوي الواحد متجز و اللّه واحد لا متجز و لا متوهم بالقلة و الكثرة و كل متجز او متوهم بالقلة و الكثرة فهو مخلوق دال علي خالق له الخبر، فتدبر فيه و تيقن ان علمنا مأخوذ منهم و نسير نحن في طريقتهم بحول اللّه و قوته و قوله7 و الاسماء و الصفات مخلوقات و المعاني فقوله و المعاني عطف علي الاسماء اي الاسماء و المعاني كلها مخلوقات ثم قال والمعني‌بها اي بالاسماء و الصفات و المعاني اذ لا معني للعبارة لو اخذ و المعاني و المعني بها هو اللّه فان الامام7 متصد لعدم تجزيه و توحده فلايحتمل ان يقول ان المعاني هي اللّه مع تكثرها هذا و المعني في اللفظ كالروح في الجسد و كما ان الاسماء ابدان متعددة مضروبة بصفة الحدوث كذلك ارواحها متعددة مقترنة بابدانها مضروبة بصفة الحدوث فالاسماء و الصفات و معانيها كلها مخلوقة و انت تقصد بها اللّه سبحانه اي مرادك منها اللّه جل قدسه و في خطبة الرضا7 التي رواها في امالي الطوسي في آخرها لو تعلقت بها المعاني لقامت فيه آية المصنوع و لتحول عن كونه دالا علي كونه مدلولا عليه ليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب لا اله الا اللّه العلي العظيم.

فاذا اردت فهم المعاني فاعلم بعد ما عرفت قدس اللّه عز و جل عن جميع ما سواه كائنا ما كان بالغا ما بلغ حتي عن الاسماء و الصفات و العبارات و الاشارات ان الاسم ايضا صفة كما روي عن الرضا7 انه سئل عن الاسم فقال صفة لموصوف وهذه الصفات اللفظية الفاظ وضعت لمعان وصفية كما ان لفظ الاحمر وضع لوصف الاحمر للحقيقة الخارجية و لفظ المتحرك وضع لوصف المتحرك  للحقيقة الخارجية فانا نري ان تلك الحقيقة اذا زال عنها الحركة لم‌تسم بالمتحركة و اذا زال عنها الحمرة لم‌تسم بالحمراء و اذا عادت الصفة عاد الاسم و الحقيقة هي هي علي كل حال كما حققناه في ساير كتبنا و علم من طريقتنا و علومنا بطريق

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 356 *»

البداهة ان الاسماء موضوعة لظهور الشي‌ء لا لذاته من حيث ذاته فالصفات موضوعة لظهوره سبحانه بتلك الصفة كما ان القائم موضوع لظهورك بالقيام او للقيام من حيث انه ظهورك و القاعد موضوع لظهورك بالقعود او القعود من حيث انه ظهورك فمادمت ظاهرا بالقيام تسمي بالقائم فاذا زال القيام و ظهرت بالقعود تسمي بالقاعد و انت انت فموقع القائم قيامك و موقع القاعد قعودك و كذلك اذا ظهر اللّه جل و عز بالخلق و خلق يقال له خالق و اذا ظهر بالرزق و رزق يقال له رازق و كذلك ساير الصفات و اذا لم‌يظهر بصفة لم‌يسم به فليس اللّه بخالق فرس له الف رأس و لا برازقه و ان كان له قدرة علي خلقه فرزقه كما انك اذا لم‌تقم لم‌تكن بقائم و ان كان لك قدرة علي ان تقوم فاذا قمت وصفت بالقائم و كذلك جميع الاسماء و الصفات الا ان من الصفات ما يتصف اللّه سبحانه به و بضده لانهما كمالان كلا في محله و منها ما لايتصف اللّه سبحانه بضده لانه نقص فلايقال علم و لم‌يعلم و قدر و لم‌يقدر فعدم الاتصاف بالضد لعدم ظهوره بضدها لا لاجل ان المعني ذاته جل جلاله ففي الحقيقة لا فرق بينهما في كون اللفظ موضوعا للظهور و انما الفرق بالظهور بالضد و عدمه.

و اما اسم الجلالة فهو موضوع للظهور الاعظم الاعظم الاعظم الاول الذي هو الذات الظاهرة التي جميع الظهورات بالنسبة اليها ظهور و صفة و لها التذوت بالنسبة الي جميع ما سواها كائنا ما كان بالغا ما بلغ الا انها صفة للّه سبحانه و ظهور له جل جلاله و يمتنع ان يظهر ابدا بضده لانه لا ضد له حتي يمكن الظهور به و يمتنع فمعني اسم اللّه هو الظهور الاول للّه سبحانه  الذي هو الذات في الذوات و ان كانت للذات و اما ساير الصفات فمعانيها و مواقعها الصفات الكونية الخارجية التي عبر عنها بتلك الالفاظ فمعني الرحمن الرحمة الواسعة من حيث انها ظهور اللّه و معني الرحيم الرحمة المكتوبة من حيث انها ظهور اللّه و معني القدير القدرة من حيث انها ظهور اللّه جل و عز و هكذا و جميع المعاني و المواقع مقام من مقامات آل‌محمد: كما نص عليه اخبارهم و دل عليه صحيح الاعتبار فان باجماع الخاصة و العامة هم سلام اللّه عليهم اول ما خلق اللّه لايسبقهم سابق و لايلحقهم لاحق و لايطمع في ادراك مقامهم طامع و هم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 357 *»

اشرف جميع ما خلق اللّه و اقدمهم و اقربهم من اللّه سبحانه فهم الصفات النعمي للّه سبحانه و الظهورات الكاملة التامة و قد شرحنا ذلك في شرح دعاء سحر شهر رمضان مفصلا فعن جابر بن عبداللّه عن ابي‌جعفر7 انه قال يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال فقلت و ما البيان و المعاني قال7 اما البيان فهو ان تعرف اللّه سبحانه ليس كمثله شي‌ء فتعبده و لاتشرك به شيئا و اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء اللّه و يريد اللّه ما نريده فنحن المثاني الذي اعطانا اللّه نبينا9 ونحن وجه اللّه الذي يتقلب في الارض بين اظهركم فمن عرفنا فامامه اليقين و من جهلنا فامامه سجين و لو شئنا خرقنا الارض و صعدنا السماء و ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم و عن جابر بن يزيد الجعفي في حديث طويل يا جابر تدري ما اثبات التوحيد و معرفة المعاني اما اثبات التوحيد فمعرفة القديم الغايب الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيب باطن ستدركه كما وصف به نفسه و اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده الخبر،  فتبين و ظهر انهم معاني اسماء اللّه و صفاته و ظواهره في عباده و روي في قوله تعالي (و للّه الاسماء الحسني فادعوه بها) قال نحن واللّه الاسماء الحسني التي لايقبل اللّه من احد الا بمعرفتنا و المراد الاسماء الكونية التي هي معاني الاسماء اللفظية و اليها الاشارة ما في دعاء رجب اللّهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك المأمونون علي سرك المستبشرون بامرك الواصفون لقدرتك المعلنون لعظمتك اسألك بما نطق فيهم من مشيتك فجعلتهم معادن لكلماتك و اركانا لتوحيدك و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 358 *»

و عودها اليك اعضاد و اشهاد و مناة و اذواد و حفظة و رواد فبهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت فبذلك اسألك و بمواقع العز من رحمتك و بمقاماتك و علاماتك ان تصلي علي محمد و آل‌محمد الدعاء، و نحن قد فصلنا شرح المعاني في كتابنا الفطرة السليمة فان شئت فراجع .

فان اردت الذكر الحق و ذكرت اللّه جل جلاله باسم او صفة او سألته او عزمت عليه بواحد منها او اثنيت عليه بثناء فتذكر معني ما تذكره في قلبك و كما تدعوه باللفظ و تجري اللفظ علي لسانك و تجعله وسيلة و ذريعة الي اللّه سبحانه و تري اللّه منه و فيه و تريد اللّه الظاهر منه و فيه من غير ان تعتمد علي اللفظ او تقصده بذاته و ان كنت تتوسل به و كما انك تقول يا زيد فتجري لفظ زيد علي لسانك و تدخل حرف النداء في الحقيقة الظاهرة علي لفظ و لست تريد الزاء و الياء و الدال بوجه من الوجوه و لاتعتمد عليها و لاتقصدها و لاتريد و انما تريد الذات الخارجية و تراها منها و فيها و قد غيبت الذات تلك الحروف التي هي الصفات حتي انك لاتراها و لاتفهمها ابدا الا علي نحو الوسيلة و الطريق و السبيل و تقول يا قائم و لست تريد الحروف و لا معناها  الخارجي الذي هو القيام و انما تريد الذات وحدها و تعتمد عليها و تقصدها حسب كذلك يجب ان تجعل معاني اسماء اللّه كالفاظها الا ان الالفاظ وسائل اللسان و المعاني وسائل القلب و كما انك باللسان تتوسل بالالفاظ الي الاشخاص او الي اللّه سبحانه يجب ان تتوسل بالمعاني اليه فان المعاني في الالفاظ كالروح في الجسد و لايكون احدهما بدون الآخر تاما و صفة التوسل بالمعاني ان تحضر معني ما تدعوه به في قلبك و تتوجه اليه كما توجه بدنك الي اللفظ و تري اللّه فيه كما تري اللّه في اللفظ و تتمسك به و تعتمد عليه كما تمسكت باللفظ و اعتمدت عليه بالعرض ذلك بان اللّه جل جلاله كما لايقترن بالابدان و لاتماسه و لاتواجهه و لاتقارنه كذلك لايقترن بالقلوب و لاتماسه و لاتواجهه و لاتقارنه و انما يكون للّه سبحانه مظاهر غيّبها بكثرة ظهوره منها و فيها و بها بحيث فنيت من نفسها و ظهرت بربها و ظهر ربها بها علي حذو

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 359 *»

قول الشاعر و للّه المثل الاعلي:

رق الزجاج و رقت الخمر   فتشاكلا فتشابه الامر
فكأنما خمر و لا قدح   و كأنما قدح و لا خمر

فلما صارت كذلك صارت للّه لا لنفسها و لا لغيرها كما قال اللّه سبحانه (و الحمد للّه رب العالمين) فصارت جاهه جل جلاله و متوسله و سبيله و كوّته كما انك تنظر من كوّة الي بستان فتنظر من الكوّة و لاتري الكوّة و لاتقصدها و لاتعتمد عليها و منظرته كما انك تنظر بالمنظرة الي الخط و منها و تري الخط فيها و مع ذلك لاتراها فلو رأيتها كانت حجابا لا وصلة و لا وسيلة و لا سبيلا اليه و في الدعاء الهي قد امرتني بالرجوع الي الآثار فارجعني اليك بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها مصون السر عن النظر اليها مرفوع الهمة عن الاتكال عليها الدعاء، و آية  ذلك الكعبة التي جعلت قبلة للانام فمن قصدها بذاتها فهو عابد وثن لامحة و من اعتقد انها اللّه فهو كافر البتة و من اعتقد انه يعبد غير اللّه بالتوجه اليها فهو مشرك اليه و من اعتقد انه يعبد اللّه و هي جهة العبادة و الوصلة و الوسيلة و يعبد اللّه فيها و بها و يري اللّه منها و فيها لانها وجه اللّه فهو من اصحاب اميرالمؤمنين7 حقا وكذلك امر معاني الاسماء فانك اذا قلت يا رحمن تجري لفظه علي لسانك و تريد اللّه به فان لم‌تك تتعقل و تفهم منه شيئا فنداؤك نداء ساه لاه و لا فرق في ذلك بينك و بين النائم المنادي فان صرف اللفظ قد جري علي لسانك و لسانه معا و انما الفرق بين اليقظان و النائم فهم معني ما يقول فان قلت اقول يا رحمن و احضر في قلبي الذات فقد كفرت اذ اعتقدت ان اللّه سبحانه يدرك بالقلب بوجه من الوجوه و لايدركه الابصار و هو يدرك الابصار و ان احضرت شيئا ليس بمعني يا رحمن فقلبك في وسوسة لا دخل لها بذكرك كمن يصلي و يبيع في قلبه و يشتري و ان احضرت معناه فمعناه الرحمة الواسعة فلابد و ان تتوجه بقلبك الي الرحمة الواسعة من حيث ظهورها للّه و ظهور اللّه سبحانه بها و تتوسل بها الي اللّه و تقصد اللّه منها و فيها و بها كما انك تقول يا قائم و تجري اللفظ علي لسانك و تتصور القيام من حيث ظهوره للذات و ظهور الذات به و تدعو الذات فيه و به

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 360 *»

و منه و لا سبيل لك الي الذات بغير ذلك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الطريق مسدود و الطلب مردود دليله آياته و وجوده اثباته قال اللّه سبحانه (يا ايها الذين آمنوا اتقوا اللّه و ابتغوا اليه الوسيلة و جاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) فامر اللّه جل و عز بالتقوي من اللّه في ترك الوسيلة فمن لم‌يبتغ الوسيلة لم‌يتق اللّه و من لم‌يتق اللّه لم‌يتقبل منه لقوله (انما يتقبل اللّه من المتقين) فقال (اتقوا اللّه) من التعطيل و العبادة ضلالا و التمسك بلاشي‌ء اذ لايمكن التمسك بالذات و  ترك الجهاد في سبيله الذي جعله بينه و بين خلقه و جعل السلوك فيه موصلا اليه (و ابتغوا اليه الوسيلة و جاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) فمن ترك الابتغاء و الجهاد في سبيله بالذات و الصفات و النفس و المال لايفلح ثم شرح تارك هذين و صرح لاهل الذكاوة بكفرهم فقال بلا فصل (ان الذين كفروا) يعني بما ذكرت و لم‌يمتثل امري (لو ان لهم ما في الارض جميعا و مثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيمة ماتقبل منهم و لهم عذاب اليم يريدون ان يخرجوا من النار و ما هم بخارجين منها و لهم عذاب مقيم) بالجملة من جملة شروط الذكر و قبوله معرفة المعاني و مواقع الصفات و قد اشرنا بقدر ما يمكن فترقب الباقي في موضع آخر فقد يكون شتات الحكمة احسن من اجتماعها.

فصل: و من شروط الذكر التخلق و ذلك من المكملات القوية و يوجب سرعة التأثير و ذلك ان يتخلق الذاكر بمعني ذكره و يكون بالنسبة الي ربه و الي ساير الخلق علي حسب معني ذلك الاسم او الصفة التي يذكره مثلا اذا ذكر الذاكر الجواد ينبغي اولا ان يؤدي ما لديه من حقوق الناس و يؤدي ما عليه من الزكوة و الخمس و النذور ثم يجود بالصدقات علي اخوانه الذين دونه و يواسي اخوانه المساوين له في الدرجة ثم يؤثر اخاه الذي هو اعلي منه و لو كان به خصاصة و يجود بماله و جاهه و نفسه في سبيل اللّه و لايبخل بشي‌ء منه في سبيله و يري المال

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 361 *»

و النفس مال اللّه يضعه حيث امره اللّه فاذا بلغ هذا المبلغ صلحت نفسه للتوجه الي اسم اللّه الجواد و ناسب المرآة الشاخص و لم‌تغير الشبح فوقع فيها المثال و حصل الكمال و ان كانت المرآة مصبوغة مشكلة علي خلاف الشاخص و قابل بها الشاخص انطبع فيها مثال الشاخص علي حسب قابلية المرآة و انعكس منها المثال علي خلاف هيئة الشاخص كما صنعت الافرنج مرآة كل من ينظر فيها يري فيها صورة الخنزير او الكلب  و ذلك انهم ينقشون عليها نقش خنزير فيحكون خارج الصورة حتي ينحرف عن المقابلة و يبقي مواضع داخل الصورة مقابلة للناظر المقابل فاذا نظر فيها الناظر انطبع الشبح في المقابل دون المنحرف بالجملة اذا رأي الناظر فيها صورة الخنزير دهش و صنعوا ذلك ضحكة و سخرة لهم فاذا قابلت مرآة اخري بهذه المرآة انعكس من الاولي في الثانية صورة الكلب و كذلك الذاكر اذا كان متصفا بالبخل كانت نفسه متوجهة الي السجين منحرفة عن عليين فكلما ذكر الجواد بلسانه فانما هو منحرف بقلبه و ان سأل الجود من اللّه سبحانه فانما هو محض تمنٍّ لايستجاب فان النفس التي هي اعظم مراتب السائل متوجهة الي سجين و الي مبدء البخل الذي هو عدو آل‌محمد: و لذلك انعكس في مرآة نفسه صورته و استخرج من قوة نفسه بذلك العدو فعلية البخل فما دام هذه الفعلية ظاهرة منها يكون المرجح الذي هو العدو عاملا فيها فاعلا و هي منفعلة عنده متأثرة منه فلايؤثر فيها ذكر الجواد بوجه من الوجوه فانها غير مريدة له و غير متوجهة اليه و غير داعية اياه و غير ذاكرة له فكيف ينتفع بذكر الجواد و اما اذا صور مرآته بصورة الجواد بامتثال الشرع الذي هو صورة جميع الاسماء و الصفات و المتصف به بتمامه و كماله يكون مظهر جميع اسماء اللّه و صفاته و هو المعصوم الكامل فاذا صورها بصورة الجواد فهو المتوجه الي مبدء الجود و معني الجواد و المقابل بمرآته اليه فينطبع فيها مثال اسم اللّه الجواد فيتنور بنوره و يتشكل بشكله و يتصور بصورته فاذا داوم عليه تطبع عليه الي ان يصير طباعه فيصدر منه افعال اللّه الجواد و يتصرف في الملك باسم اللّه الجواد فيقدر علي عطاء ما يشاء كيف يشاء رب هب لي ملكا لاينبغي لاحد من بعدي انك انت الوهاب بالجملة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 362 *»

يصير اسم اللّه الجواد و يجري منه و علي يديه ما يجري من اسم اللّه  الجواد فيكون مثله عند الاسم الاعلي كالصورة في المرآة عند الشاخص لا فرق بينها و بينه الا انها عبده و فرعه قائمة به فالاسم الاعلي يقول عن نفسه و الاسم الادني يروي عن العالي و لكن القول و الدلالة واحدة و الثمرة واحدة و ذلك ثابت له ما كان متخلقا متوجها ذاكرا متذكرا فان خالف خولف به اوفوا بعهدي اوف بعهدكم فافهم.

فاذا اردت تأثير الاذكار الكامل فانظر في معني الاسم و صفته ثم انظر في نفسك فما فرطت في تلك الصفة في سوالف الايام و له قضاء فاقضه و اعزم علي العمل به في حقيقتك و عقلك و روحك و نفسك و طبعك و مشاعرك و بدنك جميعا في كل رتبة بحسبه و علي ما يناسبه ثم اشتغل بالذكر عن عمد و قصد و توجه الي معناه كما ذكرنا و داوم عليه فانك تنتفع به انتفاعا بينا واضحا و اعلم ان الواجب علي السالك الي اللّه الصدق معه في المواطن و عدم مخادعة اللّه فانه مخادعة نفسه يخادعون اللّه و الذين آمنوا و مايخدعون الا انفسهم و مايشعرون والصادق لايخون و لايخادع و لايماكر و لايرائي و لايسامع الا للّه الدين الخالص فذلك من الشروط العظيمة و عمدة عدم تأثير الاذكار عدم التخلق و مثل الذاكر غيرالمتخلق كالمستغفر المقترف للسيئات و التائب المباشر للموبقات و هو الي الاستهزاء اقرب من العبادة نعوذ باللّه.

فصل: و من الشروط العظيمة الخلوة و الانقطاع عما سوي المقصود فانه من البديهيات ان اللّه سبحانه لم‌يجعل لرجل من قلبين في جوفه يتوجه بقلب الي الدنيا و اهلها و ما فيها من الاحمر و الاصفر و بقلب الي المذكور بالذكر فما لم‌يتخل الانسان و ينقطع عما سوي محبوبه و مقصوده و مذكوره لايقدر علي التفرغ الي الذكر ابدا و المشتغل بشي‌ء هو ناس لغيره البتة و المشتغل الي ما يراه عينه و يسمعه اذنه من الدنيا و ما فيها هو بنسيان اللّه اليق و  بجريان قوله تعالي (نسوا اللّه فانسيهم انفسهم) اولي و احري و النسيان و الذكر نقيضان لايجتمعان في قلب في

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 363 *»

آن واحد فمن اراد ذكر اللّه تعالي لابد و ان ينسي ما سواه فكمال الخلوة ان يتخلي عما سوي اللّه سبحانه حتي ينسيها بالكلية و يفرغ قلبه عنها اذ رب جالس في الخلوة و هو في الجمع و الملأ و رب منزو و هو في الوسط اذا كان قلبه مشغولا بالدنيا و اهلها فكمال الخلوة ان يتخلي عن الخلق حتي ينسيهم بالمرة فلايجري في خاطره ذكر شي‌ء منه فعند ذلك يمكنه التوجه الي اللّه جل جلاله و في مناجاة النبي9 قال يا رب كيف ادوم علي ذكرك فقال بالخلوة عن الناس و بغضك الحلو و الحامض و فراغ بطنك و نيتك عن الدنيا انتهي، و التوجه الي اللّه تعالي مع العشرة مع الخلق هو شأن من لايشغله شأن عن شأن و شأن من لايري نورا الا نوره و لايسمع صوتا الا صوته و اما غيره فهيهات هيهات لايمكن له التوجه الي اللّه بكليته و لذلك رويت اخبار في مدح التخلي عن الخلق اتبرك بذكر ما تيسر منها ففي الوسائل عن ابي‌عبداللّه7 قال ان قدرتم ان لاتعرفوا فافعلوا و ما عليك ان لم‌يثن الناس عليك و ما عليك ان تكون مذموما عند الناس اذا كنت عند اللّه محمودا الي ان قال ان قدرت علي ان لاتخرج من بيتك فافعل فان عليك في خروجك ان لاتغتاب و لاتكذب و لاتحسد و لاترائي و لاتتصنع و لاتداهن ثم قال نعم صومعة المسلم بيته يكف فيه بصره و لسانه و نفسه و فرجه الحديث و عن ابي‌الحسن موسي بن جعفر7 في حديث طويل انه قال يا هشام الصبر علي الوحدة علامة قوة العقل فمن عقل عن اللّه اعتزل اهل الدنيا و الراغبين فيها و رغب فيما عند اللّه و كان اللّه انسه في الوحشة و صاحبه في الوحدة و غناه في العيلة و معزه من غير عشيرة و عن اميرالمؤمنين7 طوبي لمن لزم بيته و اكل كسرته و بكي علي  خطيئته و كان من نفسه في تعب و الناس منه في راحة و عنه7 ثلث منجيات تكف لسانك و تبكي علي خطيئتك و يسعك بيتك و عن علي بن مهزيار رفعه قال يأتي علي الناس زمان تكون العافية عشرة اجزاء تسعة منها في اعتزال الناس و واحدة في الصمت و في مصباح‌الشريعة عن الصادق7 صاحب العزلة متحصن

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 364 *»

بحصن الله و متحرس بحراسته فيا طوبي لمن تفرد به سرا و علانية و هو يحتاج الي عشرة خصال علم الحق و الباطل و تحبب الفقر و اختيار الشدة و الزهد و اغتنام الخلوة و النظر في العواقب و رؤية التقصير في العبادة مع بذل المجهود و ترك العجب و كثرة الذكر بلا غفلة فان الغفلة مصطاد الشيطان و رأس كل بلية و سبب كل حجاب و خلوة البيت عما لايحتاج اليه في الوقت قال عيسي بن مريماخزن لسانك لعمارة قلبك و يسعك بيتك و فرّ من الريا و فضول معاشك و استحي من ربك و ابك علي خطيئتك و فرّ من الناس فرارك من الاسد و الافعي فانهم كانوا دواء و صاروا اليوم داء ثم اتق اللّه متي شئت وعنه7 اطلب السلامة اينما كنت و في اي حال كنت لدينك و قلبك و عواقب امورك في اللّه عزوجل فليس من طلبها وجدها فكيف من تعرض للبلاء و سلك مسالك ضد السلامة و خالف اصولها بل رأي السلامة تلفا و التلف سلامة و السلامة قد عزت في الخلق في كل عصر خاصة في هذا الزمان و سبيل وجودها في احتمال جفاء الخلق و اذيتهم و الصبر عند الرزايا و خفة  المــٔون  و الفرار عن اشياء تلزمك رعايتها و القناعة بالاقل من الميسور فان لم‌تكن فالعزلة فان لم‌تقدر فالصمت و ليس كالعزلة فان لم‌تستطع فالكلام بما ينفعك و لايضرك و ليس كالصمت فان لم‌تجد السبيل اليه فالانقلاب في الاسفار من بلد الي بلد و طرح النفس في براري التلف بسر صاف و قلب خاشع و بدن صابر قال اللّه تعالي (ان الذين توفيهم الملئكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم‌تكن ارض اللّه واسعة فتهاجروا فيها) و انتهز نعيم عباد اللّه الصالحين و لاتناقش الاشكال و لاتنازع الاضداد و من قال لك انا فقل انت و لاتدع في شي‌ء و ان احاط به علمك و تحققت به معرفتك و لاتكشف سرك الا علي اشرف منك في الدين و اني تجد الشرف و اذا فعلت ذلك اصبت السلامة و بقيت مع اللّه عزوجل بلا علاقة وفيارشادالقلوب للديلمي روي سفيان الثوري قال قصدت جعفر بن محمد الصادق7

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 365 *»

فاذن لي في الدخول فوجدته في سرداب ينزل اثني‌عشر مرقاة فقلت يا بن رسول اللّه انت في هذا المكان مع حاجة الناس اليك فقال يا سفيان فسد الزمان و تنكّر الاخوان و تقلبت الاعيان فاتخذنا الوحدة سكنا أمعك شي‌ء تكتب قلت نعم فقال اكتب شعرا:

لاتجزعن لوحدة و تفرد
  و من التفرد في زمانك فازدد
فسد الاخاء فليس ثم اخوة
  الا التملق باللسان و باليد
و اذا نظرت جميع ما بقلوبهم
  ابصرت ثم نقيع سم الاسود
فاذا فتشت ضميره عن قلبه
  وافيت منه نقيع سم الاسود

و عن اميرالمؤمنين7 مداومة الذكر خلصان الاولياء ملازمة الخلوة دأب الصلحاء الي غير ذلك من الاخبار و الآثار الحاثّة علي الخلوة و الاعتزال.

و اعلم ان العلماء لما نظروا في هذه الاخبار و الاخبارالحاثّة علي المعاشرة و مؤالفة الناس و الاهتمام بامورهم و عيادة مرضاهم و تشييع جنايزهم و احيائهم و تلقيهم و حضور مجالسهم و مساجدهم و زيارتهم و اداء حقوقهم و امثال ذلك اختلف آراؤهم في جمعها و وضع كل منها موضعه فكل جمع بينها علي حسب فهمه و مزاجه و الاخبار صريحة نادية باختلاف احوال الخلق  و اغراضهم و حوائجهم و مراتبهم و ليس في كلام الحجج: اختلاف و نحن نذكر لك بحول اللّه و قوته ما تعرف به موضع كل واحد منها و نبين لطيف اشاراتهم عليها.

اعلم ان الجمع بين هذه الاخبار بوجوه: منها ان الواجب علي المؤمن ان يكون عبدا للّه سبحانه عاملا لاجله خادما له مخلصا فيه رائيا ربه في جهة الخدمة حاضر القلب متوجها اليه متقربا اليه ممتثلا امره و نهيه لايتحرك و لايسكن الا به فمن كان يمكنه ان يخدم ربه هكذا معاشرا للخلق مؤديا لحقوقهم كما يخدمه هكذا في الخلوات بلا تفاوت فسيّان عنده الخلاء و الملاء فذلك لايحتاج الي الاعتزال و التخلي بل الافضل له المعاشرة و تحمل المحنة لهداية الناس و لذلك لم‌يؤمر الانبياء حال بعثتهم و الاوصياء بالاعتزال عن الخلق و لو اعتزل الابرار بقي الفجار بلا هاد لهم و لم‌يقم للّه حجة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 366 *»

علي خلقه و لم‌يعرف الحق من الباطل و لفسدت السموات و الارض فانهما خلقا للحق و بالحق فلم‌يمدح الاعتزال لاجل اولئك الابطال و اما من كان ضعيف النفس و يري انه لايملك نفسه في الملاء حتي يقع في الخطيئة و الغفلة عن اللّه جل و عز و اما في الخلوة فيأمن من الخطايا و الغفلات و يعبد اللّه علي الوجه الذي امر به فذلك يجب عليه الاعتزال عن الخلق و ما عليه ان يهلك الناس جميعا قال اللّه سبحانه (عليكم انفسكم لايضركم من ضل  اذا  اهتديتم) و قال (ان ارضي واسعة فاياي فاعبدون) اي ان لم‌يمكنكم العبادة هنا فهناك فيجب عليه الاعتزال و ترك جميع المعاشرات المباحة و المندوبة اللّهم الا ان يجب امر لامحيص له عنه فيطلع و يباشر ثم يعتزل لحفظ نفسه عن الوقوع في الموبقات.

و ان قلت ان في المعاشرة مندوبات و هي مرغوب فيها و قد ندب الشارع اليها و وعد عليها ثوابات عظيمة قلت في الاعتزال ايضا مندوبات من الذكر و الفكر و التفرغ للعبادة فليس اذا ترك تلك المندوبات في العشرة  خوفا من الوقوع في المعاصي معها الي مندوبات الخلوة التي لايخاف فتنة معها كان تاركا للاولي بل هو عامل بالاولي فالعزلة لامثال هؤلاء اولي من العشرة البتة.

و منها ان الانسان اذا رأي في نفسه ضعفا و علم انه يقع بالعشرة في الفتن و المهالك و المعاصي و الخطايا و يري انه اذا اعتزل امن من تلك الموبقات و سلم نفسه و ان لم‌يعمل بعبادات الخلوة فذلك ايضا يكون الاعتزال بالنسبة اليه اولي و ان فاته مندوبات العشرة فان العمل بالمندوبات مع الوقوع في الخطايا لا خير فيها اذ فعل المندوب مستحب و ترك الخطيئة واجب فان لم‌يقدر علي ترك الخطيئة في الملأ وجب عليه حبس النفس في الخلأ حتي يأمن البوائق و لعمري لو لم‌يكن في الاعتزال غير انه لايؤذي احدا و لايغتاب و لايسمع غيبة و لايشتم و لايظلم و لايأكل مال احد و لايماري السفهاء و لاينظر نظرا محرما و لايسمع محرما و لايمشي الي محرم و لايتعلم عصيانا و لايهون عنده المعاصي برؤية الهتاكين و لايزداد حبه للدنيا بمعاشرة احباء الدنيا و ابنائها و يفرغ من بوايق ثلث دينه فان ثلث الدين في معاملة اللّه و حججه و ثلثه في معاملة نفسه و ثلثه في معاملة الخلق لكفي به فضلا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 367 *»

اللّهم اذا عرض واجب فذلك لا اعتزال منه و يجب عليه المباشرة و اما في غيره فلو لم‌يكن في العزلة الا حفظ ثلث دينه عن الموبقات لكفي و اليه يشير كلام اميرالمؤمنين7 طوبي لمن لزم بيته و اكل كسرته و بكي علي خطيئته و كان من نفسه في تعب و الناس منه في راحة و من الذي عرف نفسه و داءها و دواءها و زعم انه يقدر علي حفظ نفسه من موبقات العشرة اللّهم الا العميان الذين لايعرفون دقايق العصيان فانهم لعدم معرفتهم بالعصيان و فساد انفسهم يظنون عدم عصيانهم اذا لم‌يرتكبوا الكباير و الصغاير الظاهرة بابدانهم فوضع لهم مندوبات العشرة و لولا اولئك لفسد النظام و لولا الحمقاء لخربت الدنيا  و نظير ذلك ما قال رسول اللّه9 في الابل تلك اعناق الشياطين و يأتي خيرها من جانبها الاشئم قيل ان سمع الناس هذا تركوها قال اذا لايعدمها الاشقياء الفجرة انتهي، و المراد ان الناس اصناف و بهم يعمر الدنيا و ان اللّه سبحانه خلق للعشرة و اداء حقوقها قوما و اما الاذكياء المتنبهون البصيرون بعلل النفس و ادوائها و حيلها فيرون انهم يهلكون في العشرة و يأمنون بوائقها في العزلة فاولئك الواجب عليهم العزلة و اما الغافلون الذين لايعقلون تلك المحن و يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون فيعاشرون الخلق و يحبونها و لايملكون انفسهم عنها و يشتهونها و لايعقلون ضراءها ابدا لدقتها فوضع لاولئك مندوبات يقوم بهم مدينة المسلمين و تلك لهم في مقامهم عبادة و لو تركوها لتركوا العبادة ألاتري ان الاحسان الي المسلمين عبادة و انه لا شك ان تنقية بالوعة مسلم قربة الي اللّه عبادة فهل تري انه يستحب لكل مؤمن سريّ او غيرسريّ ان يترك العبادات المندوبة و الطيب و الطهر و لبس النظيف و حضور مواضع العبادة و الذكر و الفكر جميعا و يشتغل عمره في تنقية بالوعة المسلمين علي انها عبادة و هل ترضي لنفسك ذلك ألست تقول اني اشتغل بعبادة اخري انظف من ذلك و اطيب و ان ذلك لمن لا مروة له و لا قدر من المسلمين و هل سمعت بنبي او وصي نبي او ولي اشتغل باداني الامور التي يستنكرها الطباع السليمة و اهل المروة فلعمرك ان قوما من

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 368 *»

المؤمنين يرون مساورة الناس و معاشرتهم و تحمل اذاهم و استشمام نتن اعمالهم و اقوالهم و اخلاقهم بمنزلة عمل ذلك الكناس فتلك و ان كانت مستحبة الا انهم لايستبدلون الذي هو ادني بالذي هو خير و يرون الخلوة في مكان نظيف بطهارة سابغة و طيب ذكي و الاشتغال بالفكر و النظر في الآفاق و الانفس و الذكر و مجالسة اللّه جل و عز و مشاهدة انوار جماله احسن من  الجنة باسره فضلا عن الدنيا و يتنزهون عن كنس الدنيا و تنقية بالوعتها نعم هو ثواب لأنوف مسكرة و انفاس منتنة و نفوس غير انفة من رذائل الاعمال و اداني الخصال و ان اللّه سبحانه لما رأي العالم يحتاج الي انواع العمل خلق لكل عمل اهلا و له في كل رتبة امر و نهي فمن امتثل في رتبته امره فيها فقد عبد اللّه و له ثوابه.

و اعلم ان الآخرة شبيهة بالدنيا و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون وانبار التبن يسوي مبلغا يسوي اضعافه فص ماس و مع ذلك في التبن دنائته و في الفص رفعته و كذلك الثواب فرب ثواب لو اشتغلت به دهرا لم‌يساو عملا آخر في ساعة تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة و زيارة الحسين7 افضل من سبعين حجة و سبعين عمرة و علي هذه فقس ما سويها فاعتزل من الناس يا اخي الضعيف و دع الملاء لاهلها و انج نفسك من المهالك فلا خير في نافلة اضرت بالفرايض كما قال اميرالمؤمنين7 لا قربة في النوافل اذا اضرت بالفرايض و دع من لايعقل الفرايض و شأنه.

و منها ان العشرة حسنة اذا صلح الزمان و صلح اهله فكانوا ردءا للتدين و اعوانا للتقوي و اخوانا ناصرين لك علي الشياطين و اما اذا صار اهل الزمان اعداء الدين ساعين في اطفاء نور رب العالمين و اعوان الشياطين مانعين للمؤمنين عن الذكر و الفكر و العبادة و الزهد ضالين مضلين عاصين داعين الي العصيان وجب الفرار منهم كما يفر المرء من الاسد و انت لو تدبرت في هذه الازمان لم‌تجد نفسا واحدة في الف نفس بل الوف تكون غير مانعة عن التقوي و الدين،

تغيرت البلاد و من عليها   و وجه الارض مغبر قبيح

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 369 *»

و لنعم ما قال الشاعر:

و اخوان حسبتهم دروعا   فكانوها و لكن للاعادي
حسبتهم سهاما صائبات   فكانوها و لكن للفؤاد
و قالوا قد صفت منا القلوب   فقد صدقوا و لكن عن ودادي

و راجع اشعارا كتبها الصادق7 للسفيان و نحن لم‌نجد احدا في هذا الزمان عاشرته ساعة الا مانعا لخير يفوتك بسببه او مزينا شرا في نظرك و لا اقل من ذكر الدنيا و اكاذيب من آداب نفاقية و اغفالك عن اللّه او غيبة يغتابونها او كذب او بهتان او هزل او تزيين للدنيا او اباطيل تضر و لاتنفع او شبهات في الدين فضلا عن كلمات كفر و زندقة يتداولونها و لايشعرون فما حسن هذه المعاشرات و ان كان مؤمن واحد فيهم بعد واحد يكون معينك في الدين و يذكرك اللّه رؤيته و يزيد في علمك منطقه و يرغبك في الآخرة عمله فذلك بمنزلة النفس و العين و لا اعتزال عنه و لاينافي عشرته الاعتزال و لا اعتزال عن الحق و اهله و انما الاعتزال عن الشيطان و اتباعه و ذلك اهل للحق و انتما معتزلان و لكن اني و اني تلك نفوس قد مقتوا الدنيا و اهلها و زهدوا فيها و تركوها لاهلها فاتخذوا قفار الارض مأمنا لهم و حصنا حصينا عن جنود ابليس و من شر امثالنا ففي الكافي عن مهزم الاسدي قال قـال ابوعبداللّه7 يا مهزم شيعتنا من لايعدو صوته سمعه و لاشحناه يديه و لايمتدح بنا معلنا و لايجالس لنا عائبا و لايخاصم لنا قاليا ان لقي مؤمنا اكرمه و ان لقي جاهلا هجره قلت جعلت فداك فكيف اصنع بهؤلاء المتشيعة فقال فيهم التمييز و فيهم التبديل و فيهم التمحيص تأتي عليهم سنون تفنيهم و طاعون يقتلهم و اختلاف يبددهم شيعتنا من لايهر هرير الكلب و لايطمع طمع الغراب و لايسأل عدونا و ان مات جوعا قلت جعلت فداك فاين اطلب هؤلاء قال في اطراف الارض اولئك الخفيض عيشهم المنتقلة ديارهم ان شهدوا لم‌يعرفوا و ان غابوا لم‌يفتقدوا و من الموت لايجزعون و في القبور يتزاورون ان لجأ  اليهم ذو حاجة منهم رحموه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 370 *»

لن‌يختلف قلوبهم و ان اختلف بهم الدار الخبر و لنعم ما قال الشاعر:

للّه تحت قباب العرش طائفة   اخفاهم عن عيون الناس اجلالا

فاولئك فارّون منا و من امثالنا فرار المعزي من الاسد و تاركوننا مع الاشرار فاين لك بمؤمنين كذلك روي انه قالت الحواريون يا روح اللّه من نجالس قال جالسوا من يذكركم اللّه رؤيته و يزيد في علمكم منطقه و يرغبكم في الآخرة عمله و قد نهونا سادتنا صلوات اللّه عليهم عن معاشرة جماعة اجمع صفاتهم لك من غير ذكر احاديثها لادائها الي الطول في غير محله و هم اللئيم الاحمق و الشرار و الفاجر و الكذاب و العبيد و السفلة و الفاسق و البخيل و قاطع الرحم و الانذال و الاغنياء و النساء بالمحادثة و اهل التهمة و اهل البدع و من لاتنتفع بدينه او دنياه و المجذوم و السكران و عامل التماثيل و اللاعب بالنرد و الشطرنج و الاربعة‌عشر و الابرص و ولد الزنا و الاعرابي و الشاعر الذي يقذف المحصنات و في رواية الشعراء مطلقا و المتفكهين بسب الامهات و اصحاب الخمر و البربط و الطنبور فهل تري في اهل زمانك احدا يخرج عن هذه الخصال الا واحدا بعد واحد و ان فقد واحد كل ذلك فلايفقد انك لاتنتفع بدينه فاذا من تعاشره و من تساوره من اهل زمانك فاذا العزلة خير في هذا الزمان من العشرة.

و منها ان الانسان مدني‌الطبع و لهم حوائج شتي و مطالب مختلفة و خلقوا لاجل ذلك علي طبايع مختلفة ليشتغل كل واحد منهم بشغل و يقوم كل واحد بحاجة و من الحوائج ما يمكن الاتيان به في الملاء و منها ما لايمكن ألاتري ان مطالعة الكتب و الفكر في الدقايق العلمية لايمكن التأتي بها في السوق و تحتاج الي مكان فارغ و اما بيع مال صغير و شراء شي‌ء له فيمكن ذلك في السوق بل لابد لها  من السوق فكذلك يا هذا ان كنت طالبا لتحصيل حقيقة الانسانية و روح الايمان فان ذلك ليس يحصل في الملأ ألم‌تسمع ان قواها الذكر و الفكر و العلم و الحلم و النباهة و خواصها النزاهة و الحكمة فاني يحصل شي‌ء من ذلك مع عشرة الخلق و تلقي كل قادم و مشايعة كل مسافر و عيادة كل مريض و تشييع كل جنازة و تزاور اخوان المكاشرة و القيام بحوائجهم و الاهتمام بامورهم و الخدمة لهم و امثال

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 371 *»

ذلك.

و ان قلت ان هذه الامور مندوب اليها و عبادة و لو كانت مبعدة عن اللّه لماامر اللّه بها و ان كانت مقربة فلم تقول الخلوة و العزلة افضل قلت قد ذكرت لك ان الانسان مدني و مختلف الطبع و ينبغي ان يقوم كل واحد منهم بحاجة فامثال هذه الامور لاناس لايقدرون علي تحصيل حقيقة الانسانية او لانسان كامل لايتفاوت له الخلأ و الملأ و لو اشتغل الناس كلهم بتلك الامور فمن يشتغل بكسب المعارف و العلوم و كيف يحصل حقيقة العلم و المعرفة ما لم‌يتق الانسان و ما لم‌يحصل حقيقة الانسانية و العبودية و ما لم‌يتفرغ الانسان للعلم و العمل كيف يقدر عليه فالعزلة مخصوصة باناس خاصين ان تعديتهم لا خير لغيرهم في العزلة و هم قوم اغنياء عن دنيا الناس و دينهم فمن كان محتاجا الي شي‌ء من ذلك لايسعه العزلة و قد مر الاشارة الي الحاجة في الدين في الخبر و من لايحتاج الي الناس في امور دينه و قد حصلها اصولا و فروعا عن علم و معرفة و لايحتاج في معاشه الي احد من اهل الدنيا فالاولي له العزلة و من احتاج و عاشر الناس فقد تعرض للحقوق و يلزمه حقوق فان الامور متلازمة فاذا لزمه حقوق فليؤدها البتة و ليصبر و ليتحمل و عن ابي‌عبداللّه7 لاتتعرضوا للحقوق فاذا لزمتكم فاصبروا لها و عنه7 يا بني اياكم و التعرض للحقوق و اصبروا علي النوائب انتهي، بالجملة من كان مكفيا في دينه و دنياه لايحتاج الي دينهم و دنياهم  و اعتزل فقد حرز ثلث دينه و صلح لان يصلح ثلثي دينه الآخرين بحول اللّه و قوته و يمكنه التفرغ للذكر و التوجه الي المذكور.

فصل: من الشروط العظيمة المراقبة و هي في اللغة المحارسة و المحافظة و ان ينتظر كل واحد من الشخصين الآخر و المراد هنا استشعار الحضور لدي اللّه جل و عز و ان اللّه سبحانه يراه و هو حاضر لديه ناظر اليه فالانسان اذا كان مستشعرا ذلك فهو حاضر و يسعه ان يخاطب اللّه و يكالمه و يناجيه و الا فهو غايب عنه في مشعره و ان لم‌يكن غايبا في الواقع فالانسان اذا داوم علي استشعار حضور اللّه لديه و نظره اليه و استشعر عظمته و جلاله و كبرياءه و سلطانه الغالب و استيلاءه القاهر

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 372 *»

في نوره و بهائه و جماله و كماله و استحقار نفسه لديه و تلاشيه و اضمحلاله عنده و استشعر حضور نفسه لديه كحضور عبد آبق عاص مخالف امر مولاه متبع هواه مسود الوجه لدي السلطان الكبير العظيم الجليل القاهر الغالب المقتدر اقشعر جلده و وجل قلبه و جري دمعه و خضع لديه و خاف منه و اضطرب و اضمحل و وجب بحيث لايتمالك نفسه و هذه الحالة احسن الحالات و افضل القربات و بديهي ان كل شي‌ء يتقوي بالامداد بمثله ففي الاول يكون ذلك حالة عارضة و ربما تعسر عليك و تحتاج الي تكلف و يضطرب قلبك اضطراب العصفور في يد الصياد و يريد ان يفر و يطير و يأتي لك النفس بخيالات حمر و صفر يشغلك بها كما يأتي الام طفلها بها لدي بكائه لتشغله فاذا داومت علي ذلك و يئس منك النفس سكنت و احسنت التوجه و الاستشعار و صار الامر لك اوضح و ابين ففي الاول يكون قلبك كماء متموج لايتبين فيه الوجه كما هو و تري الشبح في طرايق و اشكال لاتشابهك بوجه فاذا سكن الماء رأيت وجهك فيه و عرفته و لم‌تنكر منه شيئا و تراه شعرة بشعرة فاذا واظبت علي ذلك و اعتادت النفس حتي تطبعت صار  ذلك سجية لها و مقاما بحيث يعسر عليها مفارقتها و لاتقدر علي التوجه الي الغير الا بعسر شديد و يضطرب قلبها كذلك العصفور المصيد ليفر و يطير الي وكره و مأمنه قال الصادق7 العارف شخصه مع الخلق و قلبه مع اللّه لو سهي قلبه عن اللّه طرفة عين لمات شوقا اليه الخبر، و ما احسن ما قال الشاعر:

صحبوا الدنيا بجسومهم   و اليك بانفسهم عرجوا

اولئك هم السابقون المقربون و اولئك اهل الحضور و اصحاب الحبور و الواصلون الي مقام السرور اولئك خلفاؤ اللّه و خاصته و اولياؤ اللّه و صفوته و هم اهل المحبة و النظر و السماع و المشار اليهم (و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون) فهم الواقفون ابدا لديه و الواصلون اليه اي الي حضرته و قربه لا ذاته كما زعمته الصوفية الكفرة و المتمتعون بلقائه الناظرون اليه المشار اليهم بقوله (وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة) بالجملة هم اهل القرب و ذلك المقام هو مقصود الانام من فعل الاعمال

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 373 *»

بقصد القربة فهذا هو القربة فلمثل هذا فليعمل العاملون و اليه فليسرع السالكون و اياه فليقصد القاصدون و قد حثّ آل اللّه سلام اللّه عليهم علي هذا المقام فمن ذلك قول رسول اللّه9 في وصية ابي‌ذر المعروفة قال9 يا اباذر اعبد اللّه كأنك تراه فان كنت لاتراه فانه يراك و في الكافي بسنده عن سليمان بن عمرو قال سمعت اباعبداللّه7 يقول ان اللّه عز و جل لايستجيب دعاء بظهر قلب ساه فاذا دعوت فاقبل بقلبك ثم استيقن بالاجابة و عن ابن‌القداح عن ابي‌عبداللّه7 قال قال اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه لايقبل اللّه دعاء قلب لاه و عن سليم الفراء عمن ذكره عن ابي‌عبداللّه7 قال اذا دعوت فاقبل بقلبك و ظنّ حاجتك بالباب و عن اسحق بن عمار قال قـال ابوعبداللّه 7 يا اسحق خف اللّه كأنك تراه و ان كنت لاتراه فانه يراك و ان كنت تري انه لايراك فقد كفرت و ان كنت تعلم انه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من اهون الناظرين اليك و عن داود الرقي عن ابي‌عبداللّه7 في قول اللّه عز و جل (و لمن خاف مقام ربه جنتان) قال من علم ان اللّه يراه و يسمع ما يقول و يعلم ما يعمل من خير او شر فيحجزه القبيح من الاعمال فذلك الذي خاف مقام ربه و نهي النفس عن الهوي و في ارشادالديلمي في مناجاة النبي9 يا احمد هل تدري اي عيش اهني و اي حياة ابقي قال اللّهم لا قال اما العيش الهنيئ فهو الذي لايفتر صاحبه عن ذكري و لاينسي نعمتي و لايجهل حقي يطلب رضاي ليله و نهاره و اما الحيوة الباقية فهي التي يعمل صاحبها لنفسه حتي تهون عليه الدنيا و تصغر في عينه و تعظم الآخرة عنده و يؤثر هواي علي هواه و يبتغي مرضاتي و يعظم حق عظمتي و يذكر علمي به و يراقبني بالليل و النهار عند كل سيئة او معصية و ينفي قلبه عن كل ما اكره و يبغض الشيطان و وسواسه الخبر الي غير ذلك من الاخبار.

و اعلم ان اعظم اسباب اعتدال الانسان مراقبة اللّه و لايراقب اللّه الا من نظر

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 374 *»

بنور اللّه اذ غير ذلك النور لايري نور اللّه و لايشاهد جمال اللّه و لايحضر حظيرة القدس و دار القرب و كل شي‌ء سواه غايب محجوب عن مشاهدة انوار اللّه و ينبغي للعبد مراقبة اللّه في كل حال فيعلم ان اللّه جليسه و شاهده يعلم احواله و يري افعاله و يسمع اقواله و يطلع علي اسراره و لايخفي عليه خافية قال اللّه سبحانه (وماتكون في شأن و ماتتلو منه من قرآن و لاتعملون من عمل الا كنا عليكم شهودا اذ تفيضون فيه و مايعزب عن ربك من مثقال ذرة في السماوات و لا في الارض و لا اصغر من ذلك و لا اكبر الا في كتاب مبين) و روي انه كان رسول اللّه9 اذا قرأ هذه الآية بكي بكاء شديدا و قال اللّه سبحانه  (و ماكنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم و لا ابصاركم و لا جلودكم و لكن ظننتم ان اللّه لايعلم كثيرا مما تعملون) فيجب ان يستشعر الانسان دائما معني قوله (و هو معكم اينما كنتم) و قوله (كان اللّه علي كل شي‌ء رقيبا) و قوله (أولم‌يكف بربك انه علي كل شي‌ء شهيد) روي يعني موجود في غيبتك و حضرتك فيستشعر انه يجلس و يقوم و يتحرك و يسكن و يتكلم و يسكت و يخرج و يدخل في محضره و مرآه فيحجزه ذلك عما يكرهه و يسخطه و ذلك علامة صدق المراقبة و ان المراقبة تورث الحياء و الوقار و ترك اللّهو و اللعب و الهجر و سوء القول و المعاصي صغيرة كانت او كبيرة و تعظيم اولياء اللّه و تبجيل احباء اللّه و ملازمة الفرايض و السنن و الهيبة و الجلال في اعين الناس و الخوف من اللّه و الرجاء اليه و الحب له بمشاهدة جماله و كماله.

و اعلم يا اخي انا كما عودنا انفسنا بمراقبة الدنيا و التوجه اليها حتي صارت القلوب تطير اليها طيران الطير الي وكره و اشتقنا اليه اشتياق الطفل الي امه نضحك اذا اقبلت الينا و نبكي اذا ادبرت يجب ان نعود انفسنا بمراقبة اللّه و ذكره و طاعته حتي نبلغ منها مقاما و ان جميع الخصال بالعادات و الانسان يخلق علي الفطرة صالحة للخير و الشر فاذا كان كذلك فعودها بالخير تكن من اهله و ان اللّه سبحانه لم‌يخلق في اصل الخلقة احدا شقيا و الآخر سعيدا و الشقاوة و السعادة اكتسابية ليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 375 *»

بالجملة المراقبة رأس كل خير و يأتي تفسيرها علي نهج الحكمة و المعرفة في الذكر القلبي و نحن ذاكرون ظاهرها هنا فالمراقبة من الشروط العظيمة للذكر و العبادة فان لم‌تكن مراقبة و حضور يكون الاذكار و العبادات كحركات النائم و الساهي و لا عبرة بها و لا انتفاع الا علي ما ذكرنا من كونها بنفسها عادة حسنة و تصير النفس بها سهل القياد اذا اراد العقل منها الطاعة يوما فتنقاد بسرعة من غير كلفة و الا فلا  فائدة فيها ازيد من ذلك فاذا اردت الذكر فراقب اللّه عز و جل و ادخل حظيرة قدسه و قم بين يديه قيام العبد الذليل و توجه اليه توجه الواله المشتاق و احفظ روحك و نفسك و وهمك و خيالك و فكرك و ظاهر بدنك عن جميع ما ينافي الادب و العبودية و اذكر اللّه جل جلاله بصدق و ايمان و انت في هذه الحالة تقدر ان تخاطبه بانت فانك في حضوره و اما اذا لم‌يؤذن بالدخول في ذلك الحرم فانت غائب و لاتقدر ان تخاطبه بانت مثلا اذا حصل لك الحالة الاولي لك ان تقول لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين و اما اذا لم‌يؤذن لك بذلك فينبغي ان تكتفي بلا اله الا هو او لا اله الا اللّه فانك غايب عنه محجوب بآمالك و اعمالك و في الدعاء انت لاتحتجب عن خلقك الا ان تحجبهم الآمال و في دعاء الاعمال دونك فلاتخاطب ربك و انت تهيم في بوادي الوساوس و الخيالات و متوجه الي المخلوقات فانه نوع من الاستهزاء و ان كان مطلق الذكر مع التوجه الي الغير عند قوم من الاستهزاء و لكن السلطان لايتوقع من البدوي ما يتوقعه من العاكفين في حرم كبريائه* محاسن قوم عند قوم مثالب* حسنات الابرار سيئات المقربين و تدبر في حالة الذكر خلاصة ما اذكره لك فان العلم حجاب غليظ عند العمل و لابد من ترك تفاصيله و الاخذ بروحه و خلاصته فتذكر في حال الذكر انك نوره سبحانه ألم‌تسمع اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه و النور عكس المنير و شبحه و مثاله و ما لم‌تنظر انت الي المرآة و تتوجه اليها لايتوجه نورك الذي فيها اليك فان اعرضت عنها اعرض المثال عنك علي حسب اعراضك و ان توجهت اليها توجه اليك علي حسب توجهك فانت لاتقدر ان تذكر اللّه جل جلاله

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 376 *»

حتي يذكرك فهو المبتدي بالنعمة و الكرم و الجود مع غنائه عنه فهو ما لم‌يذكر بالرحمة و التوفيق لم‌تذكره فاخضع لدي رحمته و توفيقه و نظره اليك خضوع  العبد الحقير لدي نظر السلطان الكبير اليه فان العبد لايتمالك نفسه حتي يخر علي وجهه ساجدا باكيا مضطربا فتذكر نظره اليك و اخضع لديه و اشكره عليه و اعلم ان له المنة و الرحمة و النعمة و اما اذا رأيت ذكرك دون ذكره فان ذلك يورث لك العجب و المن و الاذي و الدلال و لعلك تثبت لنفسك حقا عليه و تطلب منه اجرا و العبد و ما في يده لمولاه ضرب اللّه مثلا عبدا مملوكا لايقدر علي شي‌ء فانت لاتقدر علي حركة و سكون و عمل و خير و طاعة و برّ الا بحوله و قوته و في مصباح‌الشريعة عن الصادق7 من كان ذاكرا للّه علي الحقيقة فهو مطيع و من كان غافلا عنه فهو عاص و الطاعة علامة الهداية و المعصية علامة الضلالة و اصلهما من الذكر و الغفلة فاجعل قلبك قبلة للسانك و لاتحركه الا باشارة القلب و موافقة العقل و رضاء الايمان فان اللّه عالم بسرك و جهرك و كن كالنازع روحه او كالواقف في العرض الاكبر غير شاغل نفسك عما عناك مما كلفك به ربك في امره و نهيه و وعده و وعيده و لاتشغلها بدون ما كلفك و اغسل قلبك بماء الخوف و في نسخة الحزن و اجعله ذاكرا للّه من اجل ذكره اياك فانه ذكرك و هو غني عنك فذكره لك اجل و اشهي و اتم من ذكرك له و اسبق و معرفتك بذكره لك تورثك الخضوع و الخشوع و الاستحياء و الانكسار و يتولد من ذلك رؤية كرمه و فضله السابق و تصغر عند ذلك طاعتك و ان كثرت في جنب مننه فتخلص لوجهه و رؤيتك ذكرك له يورثك الرياء و العجب و السفه و الغلظة في خلقه و استكثار الطاعة و نسيان فضله و كرمه و لاتزداد بذلك من اللّه تعالي الا بعدا و لايستجلب به علي مضي الايام الا وحشة والذكر ذكران ذكر خالص بموافقة القلب و ذكر صادق بنفي ذكر غيره كما قال رسول اللّه9 لانحصي ثناء عليك انت كما اثنيت علي نفسك فرسول اللّه9 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 377 *»

 لم‌يجعل لذكر اللّه تعالي مقدارا عند علمه بحقيقة سابقة ذكر اللّه عز و جل له من قبل ذكره له فمن دونه اولي فمن اراد ان يذكر اللّه فليعلم انه ما لم‌يذكر اللّه العبد بالتوفيق لذكره لايقدر العبد علي ذكره تعالي انتهي  فذلك صفة المراقبة علي وجه الاجمال و سيأتي تفصيله في الذكر القلبي ان شاء اللّه.

فصل: اعلم ان الذاكرين مختلفون في‌اشتراط اذن الاستاذ هل فيه مدخلية ام‌لا فمنهم من يقول لايحتاج الي ازيد من اذن الرسول9 و الحجج: فانهم اذنوا الرعية عموما و حكمهم علي الواحد حكمهم علي الجماعة فلايحتاج الي اذن استاد و مرشد آخر و منهم من يقول يشترط اذن الاستاد لخصوص الذاكر و الذكر و بغير ذلك قليل الاثر و لنا في ذلك تحقيق و تدقيق و هو انه لا شك ان الاذكار كما قدمنا لها خصوصيات و ليس كل ذكر لكل حاجة البتة كما انه ليس ذكر شديد العقاب يناسب طلب الرحمة و لا ذكر يا عفو يا غفور يناسب دفع العدو و هكذا و من وجوه المناسبة ما هو خفي و منها ما هو جلي فاذا جاء التفاوت في الاذكار عند الحاجات جاء في الاشخاص و الاحوال و الاوقات و الامكنة و من البين ان نسبة شيئين الي شي‌ء واحد لاتكون علي السواء فاذا جاء التفاوت في الكل احتيج الي من يعرف ما يناسب الذكر في اوقاته و احواله و عند حاجاته.

و ان قلت انهم: شرحوا لكل حاجة ذكرا و دعاء و ما ذكروه و شرحوه موجود في كتب الاصحاب رضوان اللّه عليهم قلت نعم ان الانسان اذا سمع من استاذ متق متدين ان احد الدعوات المأثورة صحيح الرواية عنده مجرب مؤثر البتة يكون الانسان اشد علما و وثوقا به من رواية رآها في كتاب و لم‌ير المصنف و لم‌ير الراوي و لايعرفهم و لايدري حالهم الا من باب الظنون الاجتهادية و ذلك مما لا شك فيه فبذلك الركون و السكون و الوثوق  يصير اشد تأثيرا و اقول ايضا ان كتب الاصحاب و الاحاديث نحو كتب الاطباء فيها شرح الامراض و ادويتها و طريق صنعتها و ليس كل احد يقدر علي معرفة المرض و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 378 *»

معرفة دوائه من كتب الاطباء و الا لكان كل من يبلغ ماله قيمة كتاب طبيبا ماهرا بل معرفة المرض و معرفة دوائه امر خطير و لذلك تري لايؤثر للذين لم‌يأخذوا من استاذ اثرا تاما كاملا هذا و من البينات الواضحة البديهية ان رجلا ذا نفس قوية يؤلف حروفا لعقد سم او نهش او لدغ و يؤثر و يأذن لغيره ان يقرأ تلك الحروف و يعقد فيؤثر و بغير اذنه و اجازته لايؤثر فرأينا النفس القوية تؤثر مثل هذا التأثير بل يقول صاحبها للحمي اخرجي و لاترجعي فتخرج و يقول للجراد الواقعة علي بستان اخرجي فتخرج فاذا اذن صاحب نفس هكذا ولاسيما اذا كان عالما عاملا في الطريقة الحقة لرجل في مداومة اسم من اسماء اللّه لحاجة يكون اشد تأثيرا البتة و ذلك مما لاينكر بل لو قال له من يطمئن به في الجملة حتي مثل الاب للابن و الزوج للزوجة لكان اشد تأثيرا من ان يختار لنفسه البتة.

و ان قلت هذا من الادلة التي تصلح للنافين فان الائمة اصحاب نفوس قوية و قد امروا الناس بها قلت انهم لم‌يأمروا الآن شخصا واحدا بذكر واحد بل وصل منهم الف ذكر لحاجات شتي و انما الكلام في اختياري احد تلك الاذكار و تمييزي الصالح لي و غير الصالح و لا شك انهم اخبروا عن نفس قوية و جميع ما اخبروا به حق و لكن الكلام في المختار لي منها و ليس ينبغي توكيله الي المريض العليل فان اصابة العليل لقليلة و اشتهر ان رأي العليل عليل و ليس كلها يناسبني البتة كما عرفت و مع ذلك كله لست اقول انه واجب علي معني انه لايجوز الاشتغال بذكر قبل الاستيذان من الاستاد و لست اقول انه لايؤثر مطلقا بل اقول ان اثره قليل ضعيف ما لم‌يؤذن من الاستاد البصير الخبير الذي يسكن اليه و لهذا سر خفي  عام احب ان اذكره هنا و هو ان اللّه سبحانه احد لا تعين فيه بشي‌ء من الاشياء دائم لا فناء له و قد خلق مشية هي اشد الاشياء بساطة و قدسا و عموما حتي انها لاتعين لها الا انها هي هي و لذا قلنا انها هي التعين الاول فلاتختص بوجه و لا بشي‌ء و لا بوقت و لا بمكان و لا بحد من الحدود فالفايض منها مثلها في القدس و العموم و عدم التعين و انما التعين و الخصوصيات في القوابل و اوانيها فكل قابلية تستمد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 379 *»

منها علي حسب شكلها و لونها و حدها و علي حسبها فيتعين المفاض فيها لها و لاتستمد هي الا ان تتوجه الي المفيض توجها تاما مطمئنة ساكنة كما يتعين ماء البحر في الاناء المربع علي شكل المربع اذا كان الاناء ساكنا جامدا علي التربيع مصورا علي هيئة و اما اذا كان رطبا  رجراجا لايتعين بتعين و لايتصور بصورة خاصة و يتشكل كل طرفة عين بشكل ليس يتشكل ما فيه علي هيئة التربيع المعين البتة و لاينعقد عليه فانه في كل آن علي شكل فاذا كان الاناء مضطربا مواجا في الاشكال و الالوان لاضطرب هيئة الماء فيه البتة و لم‌تتعين فكذلك اواني النفوس اذا توجهت الي المفيض المطلق بحاجتها و رفعتها اليه و جاءت باناء حاجتها امتلأت من بحر فيض اللّه علي حسب مرادها و تعين ذلك الفيض فيها علي شكلها و اما اذا كانت مضطربة مواجة لم‌يتقدر ماء الفيض فيه بقدر معين و لم‌تقض له حاجة معينة البتة افهم ما اقول لك من الحكمة فهذا اصل اصيل في جميع الاذكار و الادعية و الاعمال و لذلك نقول يشترط في الاعمال العلم بكونها محبوبة للّه سبحانه حتي يؤثر في النفس و في الآخرة فيثاب به الانسان و ان كان ظانا او شاكا فليس يثاب لترجرج النفس فيهما و اضطرابها فقد يتوجه من وجه الي المفيض و قد يتنكس فان امتلأ  آنيته من وجه تفرغ من وجه فقد يقول انه للّه رضا و قد يقول ليس للّه فيه رضا فقد يترقب الرضا من اللّه و قد يترقب  السخط من اللّه فلاجل ذلك لايثاب ثوابا مستقرا معينا و ان كان ظانا فان الوهم الذي في مقابله ينكسه البتة و لو بعد حين قال الصادق7 من ظن و شك فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة اللّه هي الحجة الواضحة وكذلك الحال في الدعوات و لاجل ذلك روي عن الصادق7 اذا دعوت فاقبل بقلبك و استيقن بالاجابة و في رواية و ظنّ حاجتك بالباب.

فاذا عرفت هذا الاصل فاقول ان الاستاد الذي يطمئن اليه النفس اذا امر بذكر او دعاء يستيقن الانسان انه نافع صحيح مجرب فيتوجه نفسه به الي المفيض جل‌شأنه و تستفيض علي حسب مراده مطمئنا و ان لم‌يأخذ منه هو دائما متزلزل لايستقر فمرة يرجح في نفسه هذا و مرة يرجح هذا و مرة يراه نافعا من حيث و مرة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 380 *»

يراه غيرمناسب و مرة يعرضه خطرة في صحته و هكذا يتردد في الريب و لايوفق للمداومة و يبرد و يتركه عن قليل و اما اذا كان مأخوذا عن استاد عالم مجرب فانه يداوم عليه عن سكون و اطمينان فيؤثر بل اقول ان للنفس المطلقة اثرا في نفس اخري غيرمنكورة فان الانسان اذا قال له رجل آخر افعل كذا هو اشد شوقا اليه من ان يختار ذلك العمل بنفسه و لايعمل الانسان لنفسه ما يعمل لغيره البتة بل قد نجد النفس مؤثرة و ان علمت انها كاذبة في دعواها فان الرجل يمدح الرجل بما يعلم انه كذب محض فيبطر به و يحب المادح به او ينمّ اليه احد عن احد بما يعلم انه كاذب فيسوء ظنه بالمذموم و تأثير النفوس عجيب و ربما يصف للانسان عجوز شيئا فيطمئن الانسان اليه و يحسن ظنه بها فيستعمله و لو قال احد لك اني جربت هذا الذكر لهذا الامر يحسن ظنك به البتة و يكون سبب مداومتك عليه و ان لم‌يكن ذلك الاحد موثوقا به و ذلك مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه.

فاذا كان الامر كذلك فنفس الاستاد العالم العامل المتقي الزكي الصدوق المربي العازم  علي التربية و المعالجة اشد تأثيرا البتة فلو كان ذلك باذنه و اجازته و تعيينه يصير اشد تأثيرا  و تصير اشد مداومة و وثوقا و اطمينانا به البتة و ان سبب تأثير الادعية و الاذكار لمن رووها من المستمعين علي ما رووا هو استماعهم عن الامام7 و امره اياهم بها و اما اذا رووا تلك الادعية و الاوراد لغيرهم فلاتكاد تؤثر ذلك التأثير كما لايؤثر لك الآن مثل ما اثّر لهم و ليس ذلك من شدة اقبالهم و قلة اقبالك بل* الناس من حسب التمثال اكفاء* و كان السائلون امثالنا و لعله كان يسأل البدوي او الجمال او الحمال او السفان او مثلهم و كان يؤثر بسرعة و الآن ليس كذلك فاشتراط اذن الاستاد في قوة التأثير مما لايجوز الريب فيه و لا شك يعتريه قال اللّه تعالي (فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون بالبينات و الزبر) و عن ابي‌الحسن الثالث7 في حديث اعمدا في دينكما علي كل مسن في حبنا و كل كثير القدم في امرنا فانهم كافوكما   و عن علي بن الحسين7 في حديث و لكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لامر اللّه و قواه مبذولة في رضي اللّه يري الذل مع الحق

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 381 *»

اقرب الي عز الابد من العز في الباطل و يعلم ان قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه الي دوام النعيم في دار لاتبيد و لاتنفد و ان كثير ما يلحقه من سرائها ان اتبع هواه يؤديه الي عذاب لا انقطاع له و لايزول فذلكم الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا و بسنته فاقتدوا و الي ربكم به فتوسلوا فانه لاترد له دعوة و لاتخيب له طلبة و عن الصادق7 في حديث فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و عن ابي‌جعفر7 من دان اللّه بغير سماع عن صادق الزمه اللّه التيه الي يوم القيمة و عنه7 في قوله تعالي (فلينظر الانسان الي طعامه) قال الي العلم الذي يأخذه عمن  يأخذه و قال الصادق7 في حديث اما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا علي هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه الخبر و عن النبي9 يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد و قد اوردنا هذه الاخبار لعموم الفاظها و شمولها موضع الحاجة فان الاذكار و الادعية من الدين و لها فقيه عالم و من سواه عوام فيها و عليهم ان يقلدوه و ليس هذا الا من باب ذاك فكما انه لايجوز ان لايكون الانسان فقيها و لا آخذا عن فقيه كذلك هنا يجب ان يكون الانسان اما عالما بطرقها و اما آخذا عن عالم و لايحصل الاطمينان التام بغير ذلك و لايؤثر تأثيرا تاما و ليس فوق العيان بمستوضح و السلام.

و اما ما ابتدعته الصوفية من الاذكار المخترعة التي ماانزل اللّه بها من سلطان و وضعوا لها جلسات و رياضات غيرمشروعة و طريق اداء لم‌يجر به السنة فذلك كله بدعة لايجوز الاخذ به و لانمنع تأثيره في نفوس الضعفة و لا كل تأثير بمحبوب للّه سبحانه و ان رُقي الجوكية كلها او اكثرها مؤثرة مع انها من الكفرة و قد نهونا عن قرائتها لما فيها من الاشراك و كذلك هذه الاذكار المبتدعة مع السهر و الجوع و الصمت و غيرها تؤثر لامحة و تورث للنفس انقطاعا لامحة ولكن من

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 382 *»

النفوس من تنقطع الي سجين و منها ما تنقطع الي عليين ففي ارشادالديلمي في مناجاة النبي9 يا احمد ان العبد اذا جاع بطنه و حفظ لسانه علمته الحكمة و ان كان كافرا تكون حكمته حجة عليه و وبالا و ان كان مؤمنا تكون حكمته له نورا و برهانا و شفاء و رحمة الخبر فلايغرنكم حصول بعض الكشف لهم و اتصال بعض الشياطين بهم فان وراء هذا الحجاب شياطين و ملائكة روحانية فمن هتك هذا الحجاب و دخل الباب اتصل به الروحانيون اما  شياطين و اما ملئكة و يحصل له بعض ما فوق عادات الجسمانيين و ليس بشي‌ء فان الغرض نجاة النفس عن مهاوي سجين و الاتصال بعليين دار قرب اللّه جل جلاله و استعتاب اللّه أليس تدري ان في عالم المثال جنات و جحيم أيكفي الدخول في عالم المثال و ان دخل الجحيم نعوذ باللّه فلايغرنكم كلمات الصوفية و حالاتهم و خضوعهم و زهدهم و ذكرهم و رياضاتهم و فكرهم و صمتهم و صومهم فانك لو تعديت في الدنيا من عبدتها لوجدت هذه الخصال في الكل و ان عبدة الدنيا من غثاء الناس و سفلتهم عند جميع الفرق و نعد نحن عند الجميع من حشو العالم و ارذاله و الحمقاء الذين خلقوا لتعميره و من المنهمكين المنغمسين في اقذار الطبايع و المشغولين بعبادة البطن و الفرج و طبخ القاذور و التعادي و التعاوي كالكلاب و السباع و كالبهائم و في جميع الفرق و الملل جماعة رفضوا الدنيا لاجل الآخرة و اشتغلوا بالرياضات و المجاهدات الشاقة طلبا للآخرة و مرادي بالآخرة ما وراء الدنيا من عرصة الارواح سواء كانت من عليين او سجين و قد حكي لي اخ ثقة من اهل الهند انه رأي رجلا علق نفسه من شجر مدة من الدهر و قد كتب لاله‌سوهن‌لال في كتاب دبستان المذاهب من رياضات الجوكية و خوارق عاداتهم ما يتعجب الجاهل من حبس النفس مدة و القيام علي ارجلهم سنين و امثال ذلك و ان للّه تعالي عطايا في الارواح كما له عطايا في الاجسام و كما انه يعطي في الاجسام الكافر و المؤمن من السلطنة و الملك و القوة و القدرة و الخدم و الحشم كذلك يعطي في الارواح و ليس السلطنة دليل الايمان و النجاة و ليس مقصود العقلاء محض رفع التعلق عن الدنيا و ان دخل النار و انما المقصود رفع التعلق عن الدنيا و الانقطاع الي اللّه سبحانه و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 383 *»

التقرب اليه الذي فيه راحة الابد و النجاة في الآخرة و لذلك جاءت الانبياء و هذا هو الفرق بينهم و بين ساير المرتاضين من الفرق و انما رضوا صلوات اللّه عليهم بنا مؤمنين لان  صلاح الدنيا خير من فساد الدنيا و الآخرة و باتباع ناموسهم يصلح معاش الخلق و معادهم ان اتبعوهم و الا فنحن من غثاء الدنيا و زبالاتها بحيث لو القينا الي السناسية و الجوكية ماقبلونا البتة فضلا عن الانبياء و المرسلين و الاولياء المكرمين و ان للآخرة رجالا شعثا غبرا قد رفضوا الدنيا و ما فيها وراء ظهورهم لايلتفتون اليها و الي اهلها كما لايلتفت الانسان المتنزه الي العذرة و يهرب منها و من ديدانها و كل همّهم في عبادة ربهم و طاعة مواليهم لايأنسون الا الي امثالهم و لايعرفهم الا مثلهم و اين هم و كم هم اولئك هم الاقلون عددا الاعظمون خطرا آه آه شوقا الي لقائهم و التبرك بتراب اقدامهم و اقتفاء آثارهم و القيام الي خدمتهم قال اللّه سبحانه (و قليل من عبادي الشكور) و( قليل ما هم) و ان( اكثرهم لايعقلون) و قد روي في الكافي بسنده عن قتيبة الاعشي قال سمعت اباعبداللّه7 يقول المؤمنة اعز من المؤمن و المؤمن اعز من الكبريت الاحمر فمن رأي منكم الكبريت الاحمر و عن كامل التمار قال سمعت اباجعفر7 يقول الناس كلهم بهائم ثلثا الا قليلا من المؤمنين و المؤمن غريب ثلث مرات و عن ابن‌رياب قال سمعت اباعبداللّه7 يقول لابي‌بصير اما واللّه لو اني اجد منكم ثلثة مؤمنين يكتمون حديثي مااستحللت ان اكتمهم حديثا و عن سدير الصيرفي قال دخلت علي ابي‌عبداللّه7 و ذكر حديثه و ظنه كثرة الشيعة الي ان قال نظر7 الي غلام يرعي جداء فقال7 واللّه ياسدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ماوسعني القعود و نزلنا و صلينا فلما فرغنا من الصلوة عطفت الي الجداء فعددتها فاذا هي سبعة‌عشر و عن سماعة بن مهران قال قـال لي عبد صالح يا سماعة امنوا علي فرشهم و اخافوني اما واللّه لقد كانت الدنيا و ما فيها الا واحد يعبد اللّه و لو كان معه غيره لاضافه اللّه عز و جل اليه حيث يقول  (ان ابرهيم كان امة قانتا للّه حنيفا و لم‌يك من المشركينفغبر بذلك ما شاء اللّه ثم ان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 384 *»

اللّه آنسه باسمعيل و اسحق فصاروا ثلثة اما واللّه ان المؤمنين لقليل و ان اهل الكفر لكثير أتدري لم ذاك فقلت لاادري جعلت فداك فقال صيروا انسا للمؤمنين يبثون اليهم ما في صدورهم فيستريحون الي ذلك و يسكنون اليه و عن حمران بن اعين قال قلت لابي‌جعفر7 جعلت فداك ما اقلنا لو اجتمعنا علي شاة ماافنيناها فقال ألااحدثك باعجب من ذلك المهاجرون و الانصار ذهبوا الا و اشار بيده ثلثة قال حمران قلت جعلت فداك ما حال عمار قال رحم اللّه عمارا ابااليقظان بايع و قتل شهيدا فقلت في نفسي ما شي‌ء افضل من الشهادة فنظر اليّ فقال لعلك تري انه مثل الثلثة ايهات ايهات و عن علي بن جعفر قال سمعت اباالحسن7 يقول ما كل من يقول بولايتنا مؤمنا و لكن جعلوا انسا للمؤمنين الي غير ذلك من الاخبار و اما غير هؤلاء الاخيار فخلقوا لسياسة دوابهم و عمارة بلدانهم و خدمة مزارعهم و اموالهم و لايصرفون من الدنيا الا لاجل بقاء انفسهم لخدمة المؤمنين و امثالنا نحن اقل و اذل عند اللّه من ان يمهد لنا ارضا ذات فجاج و سماء ذات ابراج و يجري شمسا و قمرا و كواكب و يخلق لنا هذه المخلوقات ان لهذه السفينة ربانا و لهذه الدار ديارا هو محل عناية اللّه المنان و موقع نظر السبحان و قد جعل اللّه سبحانه لخدمهم نواميس لنظم الملك و جعل لهم علي اعمالهم اجورا فان هم الا اكرة و بئس الاكرة و لايعبدون اللّه الا لاجل ذلك و لكل منا مقام معلوم، يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون اغتروا بمقام الدنيا و اشتغلوا بزخرفها و احمرها و اصفرها و جعلها الشيطان لعبة لصبيانه فقد يخوفهم بها و قد يمنيهم و قد يصفرها و قد يحمرها و قد يصغرها و قد يكبرها و قد يصفيها و قد يكدرها و يزينها ليشغلهم عن نفسهم و عاقبتها و ما خلقت لاجلها الي  ان يأتيهم الاجل بغتة و هم غافلون و اللّه الغني يخلق الف‌الف مثلها فلايبالي و لايغتم و لايهتم و من كفر فان اللّه غني عن العالمين آه آه اللّهم ارحم وحدتي و كربتي و غربتي و ضعفي و طول سفري و قلة زادي و عجزي عن احتمال سخطك برحمتك يا ارحم الراحمين. بالجملة ان اذن الاستاد و اجازته دخيل و لها اثر جليل و بدونها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 385 *»

له نفع قليل و قليل و لعلك لاتحتاج بعد الي دليل و اللّه يهدي من يشاء الي سواء السبيل.

فصل: و من الشروط اللازمة المداومة و السر في ذلك ان اللّه سبحانه خلق ما خلق من المادة الامكانية التي يستوي فيها جميع الصور و لا اختصاص لها بشي‌ء من الاشياء ثم استخرج منها صورة خاصة و طبعها عليها علي حسب ارادته الظاهرة في صور الفواعل كما ان الطين يستوي فيه جميع الصور و يستخرج منه صورة خاصة علي حسب صورة القالب و كذلك تقدير العزيز العليم و تلك الفواعل في كل عالم محل مشيته و وكر ارادته لاتجري الا علي حسب ارادة اللّه سبحانه الي ان الفاعل الاول هو بعينه مشيته سبحانه و ليس الكلام في هذا و انما الكلام في ان الصورة تكون ظاهرة علي المادة ما قام الفاعل عليها و ان زال زالت فان الصورة ليست بواجبة تقوم بنفسها و تحتاج في قيامها في الخارج الي مقيم لها و ما يري من حركة الحجر بعد رفع اليد و بقاء اللبنة علي هيئتها بعد رفع القالب فان ذلك كان منهما باسباب عديدة سماوية بعض تلك الاسباب اليد و القالب و امثل لك في اللبنة حتي تقيس عليها الباقي فاعلم انك اذا وضعت الطين في القالب هو ساكن بطبعه فتغمز عليه بيدك فيتحرك و يتعدي موضعه الي ان يصل الي اطراف القالب فيمنعه القالب عن التجاوز و ترفع اليد فلايتحرك بعد و ترفع القالب فيبقي علي ما هو عليه و هذه الصورة فيها محفوظة باسباب علوية ألاتري انه لو سخن الهواء  حتي يذوب الارض ذابت اللبنة و ذهبت صورتها و لو زلزل اللّه الارض حتي تتفتت تتفتت اللبنة و تذهب صورتها و لو احال اللّه الارض الي الهواء بالاذابة و التبخير لانتشرت هواء و هكذا فاللبنة قائمة علي هذه الهيئة بمقادير اللّه و كان يدك سبب تحريك زال برفعها و القالب كان مانع التجاوز الذي هو فرع التحريك و لايحتاج اليه بعد زواله بالجملة الصور الامكانية باقية في عالم الفعلية بابقاء الفاعل و قيامه عليها و تزول بزواله فمادام الفاعل علي المادة تصورت علي حسب ارادته و اذا اعرض عنها زالت صورتها.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 386 *»

فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الانسان في هذه الدنيا بمنزلة الامكان للاكوان الشرعية فانه خلق خلقة يمكن فيه السعادة و الشقاوة و الايمان و الكفر و الخير و الشر و خلق لاستخراج كل واحدة من هذه من قوته اسبابا و عللا و هي ائمة الهدي و ائمة الردي و هو قوله في الاولين (و جعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا) و في الآخرين (و جعلناهم ائمة يهدون الي النار) و عن ابي‌بصير عن ابي‌عبداللّه7 الدنيا لاتكون الا و فيها امامان بر و فاجر قال اللّه (و جعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا) و اما الفاجر فالذي قال اللّه (و جعلناهم ائمة يدعون الي النار) فهذان الداعيان علل استخراج ما في الانسان من قوة السعادة و الشقاوة و الايمان و الكفر فهما مشيتان شرعيتان محبوبة و مبغوضة و لهما مثالان واقعان علي ارض امكان قلوب الاناسي ارض الجرز فان توجهت القلوب الي المشية المحبوبة الداعية بامر اللّه و الي اللّه و طاوعتها و امتثلت اوامرها الشرعية التي هي اذكر و تفكر و اعلم و احلم و تنبه و صلّ و صم و امثالها حدث من مثال تلك المشية الملقي في قابلية الانسان و من مطاوعته كون شرعي يسمي بالسعيد و المؤمن و الخير و امثال ذلك و ان توجهت الي المشية المبغوضة الداعية الي الشيطان بامر الشيطان و طاوعتها و امتثلت اوامرها اغفل و اعرض و اجهل و اسفه و اكذب و اغتب  و افسق و امثالها حدث من مثالها و من قبول الانسان كون شرعي يسمي بالشقي و الكافر و الشرير و الفاسق و امثال ذلك و هذا الكون موجود باق مادام الانسان متوجها الي المشية الشرعية مطاوعا لها ممتثلا لها و ان اعرض لمحة بعد الف سنة توجه فيها سقط عن مقامه و فني ذلك الكائن كما روي عن النبي9 لو عصيت لهويت قال اللّه تعالي (لئن اشركت ليحبطن عملك)(و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين).

فتبين و ظهر ان الواجب علي المؤمن المداومة علي الطاعة و الامتثال و الذكر و المراقبة و انه لو غفل طرفة عين لتأخر بقدر غفلته فمن كان غافلا فهو مولٍّ مدبر مادام غافلا و من كان متوجها ذاكرا فهو مقبل سالك الي ربه فالسالك لا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 387 *»

بد له من المداومة في آناء الليل و النهار مطاوعا دائما اوامر اللّه مجتنبا دائما نواهي اللّه حتي يكون سالكا الي اللّه تعالي دائما قال شيخي الاوحد و ملاذي الامجد­  في فوائد له: «ان المقربين قرأوا قوله تعالي (قل انظروا ما ذا في السموات و الارض) فنظروا فلم‌يخل وجودهم في حال عن وارد بآية من آيات اللّه و قرأوا قوله تعالي (ومايأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم انباء ما كانوا به يستهزءون) فعرفوا ان من غفل عن مراداته من تلك الآيات فقد اعرض عنها و من اعرض فقد كذب بالحق لما جاءه و من كذب فقد استهزأ بالوحي و استحق وعيد ذلك فشغلهم بما عرفهم من نفسه و صفته و فعله عما سواه في ذلك علي مراتب ذواتهم فظهر من ذلك عصمة الانبياء و الحجج: و ظهر الجواب عما ورد عنهم من نسبة المعصية بان المعصية معصية حقيقية في مقامها و قد تكون طاعة فيما دونها فيعاتبون عليها فيما بينه و بينهم و يثني عليهم بالثناء الخالد فتكون المعصية عند ترقيهم من مقام هم فيه و ما تحته معصومون ابدا الي مقام  لم‌يصلوا اليه فاذا اراد اللّه نقلهم الي الاعلي بانه لهم فظهر لهم التقصير في الاسفل فهم ابدا مقصرون من نحوه تامون من نحوهم و ان شئت قلت بالعكس فافهم و في الدعاء تدلج بين يدي المدلج من خلقك» انتهي،  ذكرت الفائدة بطولها لكثرة محصولها و المراد ان الاعراض تكذيب بالحق و استهزاء بالخالق و يوجب البعد من اللّه و الطرد و هو مناف مع السلوك الي اللّه سبحانه و قد روي في الكافي بسنده عن زرارة عن ابي‌جعفر7 قال قـال احب الاعمال الي اللّه عزوجل ما داوم عليه العبد و ان قل و عنه7 ما من شي‌ء احب الي اللّه عز و جل من عمل يداوم عليه و ان قل و عن ابي‌عبداللّه7 قال كان علي بن الحسين8 يقول اني لاحب ان اداوم علي العمل و ان قل و عنه7 اني لاحب ان اقدم علي ربي و عملي مستو و عن ابي‌عبداللّه7 قال قـال رسول اللّه9 افضل الناس من عشق العبادة فعانقها و احبها بقلبه و باشرها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 388 *»

بجسده و تفرغ لها فهو لايبالي علي ما اصبح من الدنيا علي عسر ام علي يسر و عن ابي‌عبداللّه7 قال في التورية مكتوب يا بن آدم تفرغ لعبادتي املأ قلبك غني و لااكلك الي طلبك و عليّ ان اسد فاقتك و املأ قلبك خوفا مني و الاتفرغ لعبادتي املأ قلبك شغلا بالدنيا ثم لااسد فاقتك و اكلك الي طلبك و عنه7 ما من شي‌ء الا و له حد ينتهي اليه الا الذکر الي ان قال فان اللّه عزوجل لم‌يرض منه بالقليل و لم‌يجعل له حدا ينتهي اليه ثم تلا (يا ايها الذين آمنوا اذكروا اللّه ذكرا كثيرا و سبحوه بكرة و اصيلا) و عنه7 شيعتنا الذين اذا خلوا ذكروا اللّه كثيرا و عن رسول اللّه9 من اكثر ذكر اللّه احبه اللّه و في رواية اظله اللّه في جنته وقد مر الحثّ علي كثرة الذكر و كفي في فضل الذكر الدائم ان الذاكر دائما يخاطب اللّه دائما و يرد اليه الجواب دائما من اللّه و يلبيه و ينعم  له و هو دائم الحضور فلو ان حجرا واجه الشمس ساعة سخن فما ظنك بمواجهة قلب المؤمن مع ربه و اعلم ان الذاكر متوجه الي ربه و لم‌يتوجه الي ربه الا بعد ان توجه ربه اليه و من ادام اللّه التوجه اليه يسعد و يستنير قلبه و يطرد عن قلبه الظلمة و الشيطان و الوساوس و من غفل عن اللّه لم‌يغفل الا بعد اعراض اللّه وجهه عنه لما رأي فيه مما يكرهه فمن ادام اللّه اعراض وجهه عنه لم‌يسعد ابدا و استولي عليه الشيطان و الظلمة و الوساوس و الشقاء البتة و ذلك بديهي ان شاء اللّه.

فصل: و من الشروط اللازمة للذاكر مجانبة التملي و ملازمة الخواء و سر ذلك ان اللّه سبحانه خلق العقل من مثال امره و مشيته المحبوبة فهو علي هيئة محبة اللّه و صفة مشيته لان الاثر علي صفة المؤثر فهو لايتوجه الا الي اللّه و لايريد شيئا سواه و لايتبع الا هواه و لايحب الا اياه و بذلك صار محبوب اللّه و خاطبه اللّه باني ماخلقت خلقا احب الي منك و خلق ما سواه لاجله كما خلقه لاجله تعالي قدره ثم امره بالادبار فنزل في العوالم الي ان نزل الي هذه الدار دار البلي و الاختبار و كلما ينزل الي عالم يغشاه اعراضه و يستولي عليه امراضه و يصير في ذلك العالم بالقوة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 389 *»

و يضعف نوره و يبطل فعليته و يقل آثاره و يخمد ناره و يكل مشاعره الي ان نزل الي تراب هذه الدنيا فخمد ناره بالكلية و بطل آثاره فدعاه اللّه بالاقبال اليه فقام يترقي شيئا بعد شي‌ء نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم لحما الي ان استوي بدنه و اتصل اعضاؤه و جري من سرته الدم الذي هيأه اللّه لغذائه فدخل معدته فانطبخ في معدته و انحل حلا هبائيا فخلق اللّه في معدته قوة مميزة بين الاصول و الفضول فميز بها اصول غذائه من فضوله فدفع الفضول التي كانت اعراضا مثقلة مكثفة للاصول الي مصابها ثم جذب الاصول الي كبده فطبخها مرة اخري و حلها كرة بعد اولي و خلق  اللّه قوة مميزة ميز بها بين اصولها الطبيعية و فضولها و دفعها الي مصابها فصارت الاصول هنا الطف و اشف و احكي لما وراءها و اطوع ثم جذب الجوهر الصافي الي قلبه فطبخه طبخة اخري و حلها حلا نفسانيا آخر فاخرج من كمونها بخارا صافيا لطيفا يوازي في لطافته جوزهرالقمر فصار لرقته و شفوفه و لطافته و نعامته صالحا لاشتعال الروح فيه فاشتعل الروح الفلكي الحيواني فيه كما اشتعلت في الافلاك و حييت بها فقامت تتحرك قبضا و بسطا و يطاوعها ذلك البخار كما يطاوع البخار الريح فركبته الروح فحيي بها و هو انشاء الخلق الآخر و كان قبل ذلك حين كونه دما و كيموسا و كيلوسا لايطاوع الروح ابدا و لايختبر من اراداته و لا من امره و لا من نهيه و كان الروح فيه بالقوة فلما لطف و نعم و زال عنه اعراضه الكثيفة صار يشف عن الروح و يحكيها و يطلع علي مراداتها و امرها و نهيها فيطاوعها فيتحرك بها و لها كيف ما شاءت و خلق اللّه من تلك الاعراض و الكثايف اعضاءه و جوارحه الغليظة الكثيفة فهي ايضا لاتكاد تطلع علي مراد الروح لولا هذا البخار اللطيف فهو يأخذ عن الروح الغيبية و يوصله الي الاعضاء فهو السفير بينهما و النبي و الرسول و القطب و المركز الذي عليه يدور رحي البدن يجب علي جميع الاعضاء ان تتوجه اليه و تتصل به و تأخذ عنه و تطيعه فهو الروح السفلي و الروح الظاهرة و ظاهر الروح و وجهها و لسانها و يدها و القائم مقامها في الاداء و قبلتها و كعبتها ليس للاعضاء من الروح الا هو و لايبدءون الا عنه و لايعودون الا اليه و لايعرفون الا اياه و لم‌يؤمروا الا بطاعته و معرفته و محبته و الرجوع اليه و الاتصال

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 390 *»

به و الخدمة له لايكلف اللّه نفسا الا ما آتيها و هو الذي آتاها.

بالجملة تظهر الحيوة في القلب و يحيي بها ثم يصعد البخار الي الدماغ بغلبة نار الحيوة عليه و تجفيف رطوباته الي ان تجعله  دخانا و يصعد الي الدماغ فيستوي عليه الروح و هو دخان فتقول له و للاعضاء به ائتيا طوعا او كرها فتأتيانها طوعا و تطيعانها و كلما يجف رطوباته في منازل الدماغ يخف و يزداد حرارته و دخانيته فبرّد اللّه الرءوف الرحيم الدماغ و رطّبه حتي لايحترق بحرارة ذلك الدخان و يعدل ذلك الدخان و كلما يخف و يقل رطوباته يقل ثقله و كسالته و يكثر طاعته للروح الغيبية و شفوفه عنها و حكايته عنها فيحكي قواها و مشاعرها الباطنة و علمها و عقلها و لكن مادام الطفل في الرحم و فيه رطوبات وافرة لايتدخن بخاره و ان صعد الي دماغه فهناك في دماغه ايضا بخار فلما تولد يبدؤ في تقليل رطوباته و في حرارة بخاره و يقل شيئا بعد شي‌ء رطوباته و لكن لاجل ان غذاءه اللبن كثير الرطوبة ايضا و لايتدخن بخاره في دماغه كما ينبغي الي ان يشرع في ساير الاغذية و ينفطم فيقل شيئا بعد شي‌ء رطوباته و يصفو شيئا بعد شي‌ء حواسه و يزداد مطاوعة بخاره و دخانه لروحه و مطاوعة اعضائه لروحه في بخاره و هكذا الي ان يبلغ و يزداد حرارته و يصير ابان ظهور عقله فيكلف و يرفق به الي ان يكمل اربعين ويحرق حرّشمس صيف شبابه رطوباته و يصير دخانا خالصا بحسبه فيكمل عقله و يظهر منه آثاره و يستولي علي البدن و يجري امره و نهيه و جميع تلك الرطوبات و الكثافات و الاعراض من مقتضيات هذا العالم الابعد عن المبدء و هي مساكن الشياطين و الغيلان فاذا بلغ اربعين و جفّ رطوباته و خلص دخانه و ظهر نور عقله ذهب الشياطين و لم‌يبق لهم هيكل يسكنون فيه فيفرون او يقتلون فيمكّن اللّه للعقل دينه الذي ارتضي له و ليبدله من بعد خوفه امنا يعبده لايشرك به شيئا و يمنّ عليه بعد ضعفه و يجعله اماما وارثا و يسكنه ارضهم و ديارهم و يري فرعون و هامان و جنودهما منه ما كانوا يحذرون و هيهنا غاية ما نحتاج اليه في هذا الباب.

فاذا تغذي الانسان  في هذه الدنيا جري في معدته علي ما بينا و شرحنا و ميز اللّه منه الاعراض و دفعها من مدافعها فلا حاجة بها في البدن لكثرة كثافتها و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 391 *»

عصر منه السلافة و اجراها في الكبد و ميز منها الاعراض و دفعها في مدافعها و خزنها لحاجة البدن ثم عصر منها سلافة و اجراها في القلب و ميز منها اعراضها و دفعها في مدافعها و جعلها غذاء الاعضاء و اخذ السلافة و الخلاصة بخارا هو بمنزلة الدخان و الدم له بمنزلة الزيت فاشتعل ذلك البخار بنار الروح الحيواني في مسرجة القلب و حيي ثم صعد علي ما بينا الي الدماغ و الغرض ان الانسان اذا اكثر الغذاء و الماء و لاسيما الاغذية الناعمة الكثيرة المحصول و حصل منه و دخل القلب حصل منه بخار كثير و تراكم و غلظ و كثر رطوبته و كثافته كبخار القدر اذا كثر و تراكم فحينئذ قل مطاوعته للروح الغيبية و قل شفوفه و تكدر مشاعره و قل تميزه و كثر ثقله و كسالته في طاعة العقل فكلما يأمره الروح بامر و يزجره و يصيح عليه لايتنبه و ان تنبه كسل عن القيام بخدمته و اذا صعد ذلك البخار الرطب الي دماغه صار دماغه كدماغ الاطفال و شعوره كشعورهم لكثرة رطوبة ذلك البخار فقل فهمه و تنبهه و تكدر حواسه و كثر خيالاته و وساوسه الناشئة من الشياطين السكنة في تلك الابخرة و مازج الشيطان الكسل الثقيل في طاعة ربه روحه البخاري و ثبّطه و استبطأه و تعلق الشيطان بذلك البخار و صعد الي سماوات دماغه و وسوس له بالوساوس السجينية و الاكاذيب و الاباطيل السفلية و ان سمع هناك شيئا من وحي الروح ضم اليه اضعافه و اضعاف اضعافه و اخبر به الاعضاء و الجوارح فاشتبه الامر عليهم و لربما يزعمون انه وحي الروح و خبره فيشبه نفسه الشيطان بممازجته الروح البخاري بالسفير بين الروح و بين الاعضاء و ينطق بالسفارة بامور ظلمانية سجينية و يدعي انه وجه الروح و لسانه و امره و حكمه و يده  و كعبته و قبلته و القائم مقامه حتي يشتبه علي الاعضاء هل هو هو ام شيطان كاذب و كل ذلك للامتلاء الحاصل من كثرة الغذاء و لذلك اختار الانبياء الاغذية الكثيرة الفضول القليلة المحصول لتسد جوعتهم و يحصل عنها بخار قليل رقيق و اما الاغذية الناعمة اللطيفة الرطبة فقليلة الفضول كثيرة المحصول اي البخار لاسيما الحيوانية التي قد تلطفت في بدن الحيوان مرة و كأنها لا فضول لها و كلها المحصول و البخار فيكثر البخار و يتراكم و يتعلق به الشياطين الكسلة النوامة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 392 *»

الموسوسة الجهلة الحمقي و يستولون علي الانسان و لا علاج لذلك الا تقليل الغذاء و تغليظه و اجتناب الاكثار من الاغذية الناعمة و الحيوانية و كثرة الماء و لذلك كان الانبياء و الاولياء: يقتصرون علي المآكل الجشبة و يقللون بحيث لايقدر عليه غيرهم صلوات اللّه عليهم و قد ورد الحثّ الاكيد علي تقليل الاكل و الاقتصار علي الخشنة الجشبة و حذروا سلام اللّه عليهم غاية التحذير عن التملي فقد قال اللّه سبحانه (كلوا و اشربوا و لاتسرفوا انه لايحب المسرفين) فالمتملي مبغوض للّه عزوجل و المقتصد محبوب و في الوسايل عن ابي‌بصير عن ابي‌عبداللّه7 قال قـال لي يا ابامحمد ان البطن ليطغي من اكله و اقرب ما يكون العبد الي اللّه اذا خف بطنه و ابغض ما يكون العبد الي اللّه اذا امتلأ بطنه و عنه7 ليس لابن آدم بد من اكله فاذا اكل احدكم طعاما فيجعل ثلث بطنه للطعام و ثلث بطنه للشراب و ثلث بطنه للنفس و لاتسمنوا تسمن الخنازير للذبح و عن رسول اللّه9 المؤمن يأكل في معاء واحد و المنافق يأكل في سبعة امعاء و في رواية يأكل الكافر في سبعة امعاء و عن ابي‌الحسن7 لو ان الناس قصدوا في الطعم لاعتدلت ابدانهم و عن حفص بن غياث عن ابي‌عبداللّه7 قال ظهر ابليس ليحيي بن زكريا8 و اذا عليه معاليق  من كل شي‌ء فقال له يحيي ما هذه المعاليق فقال هذه الشهوات التي اصيب بها ابن‌آدم فقال هل لي منها شي‌ء فقال ربما شبعت فشغلناك عن الصلوة و الذكر قال للّه عليّ ان لااملأ بطني من طعام ابدا و قال ابليس للّه عليّ ان لاانصح مسلما ابدا ثم قال ابوعبداللّه7 يا حفص للّه علي جعفر و آل‌جعفر ان لايملــٔوا بطونهم من طعام ابدا و للّه علي جعفر و آل‌جعفر ان لايعملوا للدنيا ابدا  و عن ابي‌عبداللّه7 ماكان شي‌ء احب الي رسول اللّه9 من ان يظل جايعا خائفا في اللّه  و عنه7  الاكل علي الشبع يورث البرص و قيل له7 حديث يروي عن ابيك7

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 393 *»

انه قال ماشبع رسول اللّه9 من خبز بر قط أهو صحيح فقال لا مااكل رسول اللّه خبز بر قط و لاشبع من خبز شعير قط و عن اميرالمؤمنين7 انه قال للحسن7 ألااعلمك اربع خصال تستغني بها عن الطب قال بلي قال لاتجلس علي الطعام الا و انت جايع و لاتقم عن الطعام الا و انت تشتهيه و جوّد المضغ و اذا نمت فاعرض نفسك علي الخلاء فاذا استعملت هذا استغنيت عن الطب و عن سلمان الفارسي عن رسول اللّه9 ان اكثر الناس شبعا في الدنيا اكثرهم جوعا في الآخرة يا سلمان انما الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر و عن عيسي بن مريم8 انه قام خطيبا فقال يا بني‌اسرائيل لاتأكلوا حتي تجوعوا و اذا جعتم فكلوا و لاتشبعوا فانكم اذا شبعتم غلظت رقابكم و سمنت جنوبكم و نسيتم ربكم و عن ابي‌ذر قال قـال رسول اللّه9 اطولكم جشاء في الدنيا اطولكم جوعا يوم القيمة و عنه9 اذا تجشأ احدكم فلايرفع جشاءه الي السماء و لا اذا بزق و الجشاء نعمة من اللّه فاذا تجشأ احدكم فليحمد اللّه عليها و عن ابي‌عبداللّه7 كل داء من التخمة الا الحمي فانها ترد  ورودا  و عن ابي‌جعفر7 ما من شي‌ء ابغض الي اللّه من بطن مملو و عن اميرالمؤمنين7 في حديث يا كميل لاتوقر معدتك طعاما و دع فيها للماء موضعا و للريح مجالا و عن شهاب بن عبدربه قال شكوت الي ابي‌عبداللّه7 ما القي من الاوجاع و التخم فقال لي تغدّ و تعشّ و لاتاكلن بينهما شيئا فان فيه فساد البدن أماسمعت اللّه تبارك و تعالي يقول (لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا) و عنه7 اول خراب البدن ترك العشاء و عن سليمن الجعفري قال كان ابوالحسن7 لايدع العشاء و لو بكعكة و كان يقول انه قوة للجسم و سمع ابوعبداللّه7 يقول من ترك العشاء ليلة السبت و يوم الاحد متواليين ذهب منه قوة لاترجع اليه اربعين يوما و عن الرضا7 قال ان في الجسد عرقا يقال له العشاء فاذا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 394 *»

ترك الرجل العشاء لم‌يزل يدعو عليه ذلك العرق حتي يصبح يقول اجاعك اللّه كما اجعتني و اظمأك اللّه كما اظمأتني فلايدعن احدكم العشاء و لو لقمة من خبز و لو شربة من ماء و عن النبي9 لاتدعوا العشاء و لو علي حشفة اني اخشي علي امتي من ترك العشاء الهرم فان العشاء قوة الشيخ و الشاب و عن ابي‌عبداللّه7 ترك العشاء مهرمة و عن ابي‌الحسن الرضا7 قال اذا اكتهل الرجل فلايدع ان يأكل بالليل شيئا فانه اهدي للنوم و اطيب للنكهة و قال ابوعبداللّه7 لاخير لمن دخل في السن ان يبيت خفيفا يبيت ممتليا خير له انتهي، اقول ان الانسان اذا نام غاصت الحرارة الغريزية في جوفه فان لم‌تجد شيئا عملت في رطوبات البدن الاصلية فاكلتها و ضعف البدن بذلك و بترك العشاء يقل البخار فيقل النوم فيغلب علي البدن الجفاف و احوج الاشخاص الي الرطوبات الاصلية الكهل و الشيخ فترك العشاء لهم اضر و الامتلاء المراد هنا الاكتفاء لا الاسراف الذي يمنع الرياح و النفس و عنه7 اذا  زاد الرجل علي الثلثين فهو كهل و اذا زاد علي الاربعين فهو شيخ.

بالجملة كثرة الاكل مذموم طبا و شرعا و جلّ امراض البدن يحدث من كثرة الاكل و يكثر معها رطوبة البدن و يزداد الكسالة و يزداد معها الدم و يكثر الروح البخاري و يتراكم و يغلظ و يرطب و يثقل فيكسل و يطغي الروح الحيوانية و يبطر و يزداد كبره و فخره و اشره و بطره و شماسته فلاتنقاد للنفس الانسانية كالحيوان المستسمن الشموس و يزداد ابخرة الدماغ الصاعدة من البدن فيتغيم سماؤه و تحجب بين شمس عقله و ارض بدنه فيتكدر مشاعره هذا اذا كثرت رطوبات البدن العارضة الفاضلة فاذا اثرت في الاخلاط و افسدتها حدث منها البلادة و الرعونة و الماليخوليا و امثال ذلك و بجميع ذلك يفسد الروح البخاري و لايكشف عن الروح الملكوتي و لايطاوعه فيبقي هو و الاعضاء في جهالات طبيعية و حيوانية و يغلب عليه شياطينهما سكنة تلك الابخرة و تخفيف الطعم ممدوح عند جميع العقلاء و عند اهل الدنيا و الآخرة و عند السعداء و الاشقياء

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 395 *»

و ليس هو من علامات السعادة فان الذين يريدون رفع التعلق عن البدن الطبيعي و الحيواني لابد لهم من تخفيف الطعم و ان كانوا يريدون الاتصال بالشياطين الروحانية كالجوكية و السناسية و غيرهم و كثرة الاكل من فعل البهائم المنهومة لا غير.

و اما ما يدل علي حسن جشوبة المطعم و خشونته فمنها ما رواه في الوسائل عن ابي‌عبداللّه7 قال كان اميرالمؤمنين7 لاينخل له الدقيق و يقول لايزال هذه الامة بخير ما لم‌يلبسوا لباس العجم و يطعموا اطعمة العجم فاذا فعلوا ذلك ضربهم اللّه بالذل و عنه7 عن آبائه: قال دخل النبي9 مسجد قبا فاتي باناء فيه لبن حليب مخيض بعسل فشرب منه حسوة او حسوتين ثم وضعه فقيل يا رسول اللّه أتدعه محرما فقال لا اني اتركه تواضعا  للّه و عنه7 قال اتي بخبيص فابي ان ياكل فقيل أتحرمه فقال لا و لكني اكره ان تتوق نفسي اليه ثم تلا الآية (اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) و روي انه اتي اميرالمؤمنين7 بخوان فالوذج فوضع بين يديه و نظر الي صفائه و حسنه فوجي باصبعه فيه حتي بلغ اسفله ثم سلّها و لم‌يأخذ منه شيئا و تلمص اصبعه و قال ان الحلال طيب و ما هو بحرام و لكني اكره ان اعوّد نفسي ما لم‌اعوّدها ارفعوه عني فرفعوه و عن ابي‌عبداللّه7 قال بينا اميرالمؤمنين في الرحبة في نفر من اصحابه اذ اهدي اليه خوان فالوذج فقال لاصحابه مدوا ايديكم فمدوا ايديهم و مد يده ثم قبضها و قال اني ذكرت ان رسول اللّه9 لم‌يأكله فكرهت اكله و عن عمرو بن بزيع قال دخلت علي ابي‌جعفر7 و هو يأكل خلا و زيتا في قصعة سوداء مكتوب في وسطها بصفرة (قل هو اللّه احد) فقال ادن يا بزيع فدنوت فاكلت معه ثم حسي من الماء ثلث حسوات حين لم‌يبق من الخبز شي‌ء ثم ناولني فحسوت البقية و عن الثمالي قال لما دخلت علي علي بن الحسين7 دعا بنمرقة فطرحت فقعدت عليها ثم اتيت بمائدة لم‌ار مثلها قط فقال لي كل فقلت ما لك لاتأكل فقال اني صائم فلما كان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 396 *»

الليل اتي بخل و زيت فافطر عليه و لم‌يؤت بشي‌ء من الطعام الذي قرب اليّ و عن سويد بن غفلة قال دخلت علي علي بن ابي‌طالب و وجدته جالسا و بين يديه اناء فيه لبن اجد ريح حموضة و في يده رغيف اري قشار الشعير في وجهه و هو يكسر بيده و يطرحه فيه فقال ادن فاصب من طعامنا فقلت اني صائم فقال سمعت رسول اللّه9 يقول من منعه الصيام من طعام يشتهيه كان حقا علي اللّه ان يطعمه من طعام الجنة و يسقيه من شرابها قال قلت لفضة و هي قريبة منه قائمة ويحك يا فضة ألاتتقين اللّه في هذا الشيخ بنخل هذا الطعام من النخالة التي فيه قالت قد تقدم الينا ان لاننخل له طعاما  قال ما قلت لها فاخبرته فقال بابي و امي من لم‌ينخل له طعام و لم‌يشبع من خبز البر ثلثة ايام حتي قبضه اللّه قال و كان7 يجعل جريش الشعير في وعاء و يختم عليه فقيل له في ذلك فقال له اخاف هذين الولدين ان يجعلا فيه شيئا من زيت او سمن و عن ابي‌الحسن الرضا7 قال فضل الشعير علي البر كفضلنا علي الناس ما من نبي الا و قد دعي لاكل الشعير و بارك عليها و مادخل جوفا الا و اخرج كل داء فيه و هو قوت الانبياء و طعام الابرار ابي اللّه ان يجعل قوت الانبياء الا شعيرا و في الحلية عن ابي‌عبداللّه7 ان احب الاصباغ الي رسول اللّه9 الخل و الزيت و قال هو طعام الانبياء و عنه7 احب الاصباغ الي رسول اللّه9 الخل و عن ابي‌جعفر7 في حديث ان عليا7 يطعم الناس خبز البر و اللحم و يرجع الي اهله فيأكل الخبز و الزيت و عن ابي‌عبداللّه7 في صفة علي7 في حديث ماكان قوته الا الخل و الزيت و حلواه التمر اذا وجده انتهي.

و اما اكل اللحم فالمستنبط من اخبار اهل العصمة: ان ادمانه مكروه  والسر في ذلك ان كل شي‌ء يقوي مثله و يضعف ضده و الاغذية الحيوانية يقوي الحيوانية بلا شك و ذلك ان المواليد كلها من العناصر الا ان عناصر النبات اصفي و اعدل من عناصر الجماد البتة و عناصر الحيوان اصفي و اعدل في الطبيعة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 397 *»

من النبات و ذلك لما وقع عليه من الكيلوس و الكيموس و دفع الفضول و حصول الخلاصة الكيموسية في بدنه و هو الدم فلما انتشر الدم في بدنه و تغذي به حصل منه اللحم و اللبن فهما من دم الحيوان و اذا وردا بدن الانسان فهما اقرب استحالة الي الدم و منه يزداد دم الانسان و لحمه كما روي في الوسائل عن ابي‌عبداللّه7 اللحم ينبت اللحم و روي اللحم من اللحم فاذا ادمن الانسان  اللحم ازداد دمه و كثر منه الروح البخاري و غلظ و تراكم و كثف و صعد ذلك البخار الي دماغه و حجب بين البدن و بين مشاعره كما يحجب الغيم بين الشمس و الارض فقلّ فهمه و ادراكه و قسي قلبه و حصل له سكر كسكر الخمر فان الخمر ايضا اسرع شي‌ء استحالة الي الدم و له بخار كثير يتراكم في الدماغ و يحجب بين الادراك و بين البدن فسكر و قسي قلبه و ازداد غضبه لهيجان الدم في بدنه و كذلك اللحم و لذا روي عن ابي‌عبداللّه7 قال كان علي7 يكره ادمان اللحم و يقول له ضراوة كضراوة الخمر انتهي و اللحم يزيد في السمن و الشحم فيطغي البدن بسببه البتة فبذلك رجح المرتاضون تقليل الدم و وقع تجربتهم علي ان الانسان بأكله اللحم يقل مناسبته مع الروحانيين و لايأنسون بهم و اما ان تركوا يزداد مناسبتهم مع الروحانيين و يأنسون بهم فلذلك قلنا ان من شروط رياضة السالك تقليل اللحم و لما كان آل‌محمد: هم النمرقة الوسطي اليهم يرد الغالي و بهم يلحق التالي يرجعون الناس عن الافراط و يسوقونهم عن التفريط نهوهم عن ادمان اللحم و تغليظ الرقبة و تسمين الجنب و ادمان اللحم و نهوهم عن الاعراض عن اللحم بالكلية و تركه لاجل ان البدن بيت الروح و الحيوانية مطيته و لابد من حفظ البدن و حفظ حيوانيته مادام الانسان في الدنيا فلاجل ذلك مدحوا اللحم و امروا به في احاديث كثيرة منها فعن ابي‌عبداللّه7 كان رسول اللّه9 لحما يحب اللحم  و عنه7 ترك ابوجعفر7 ثلثين درهما للحم يوم توفي و كان رجلا لحما و عن ابي‌عبداللّه7 ان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 398 *»

رجلا قال له ان من قبلنا يروون ان اللّه عزوجل يبغض البيت اللحم فقال صدقوا و ليس حيث ذهبوا ان اللّه يبغض البيت الذي يؤكل فيه لحوم الناس و عنه7 قال قـال رسول اللّه9 انا معاشر قريش قوم لحمون انتهي، و انما اصروا: في مدح اللحم فان صوفية العامة لعنهم اللّه قد اكثروا الروايات في المنع عن اللحم حتي حرموه و تشبهوا في ذلك بقوم من المجوس و المهاباديين و الجوكية و امثالهم فلما فرطوا ساقوهم آل‌محمد: الي الاعتدال و الشاهد علي ذلك ما روي عن السكوني عن ابي‌عبداللّه الصادق7 ان رجلا قال له يا بن رسول اللّه ان قوما من علماء العامة يروون عن النبي9 ان اللّه يبغض اللحامين و يمقت البيت الذي يؤكل فيه اللحم كل يوم فقال غلطوا غلطا بينا انما قال رسول اللّه9 ان اللّه يبغض اهل بيت يأكلون في بيوتهم لحوم الناس و يغتابون ما لهم لا رحمهم اللّه عمدوا الي الحلال فحرموه لكثرة رواياتهم انتهي، فخاف آل‌محمد: ان يذهب الناس مذهب المهاباديين في تحريم قتل الحيوانات بالكلية فاولوا الرواية التي قالها رسول اللّه9 الي معني الغيبة و الا فادمانه مكروه كما مر و لا شك في ان تحريمه بدعة في الدين و تركه يضعف الحيوانية التي هي مطية الروح الانسانية و لابد منها في الدنيا هذا و ترك اللحم و الحيواني يضر بالعقل فان الحيواني يزيد في الدم و تركه يؤدي الي تقليل الدم و بتقليل الدم يزداد السوداء في البدن و بغلبتها يزداد جمادية الانسان و يسوء خلقه كما هو مشهود من الناقهين و اصحاب غلبة السوداء فلذلك روي عن ابي‌عبداللّه7 اللحم ينبت اللحم و من تركه اياما فسد عقله و عنه7 اللحم ينبت اللحم و من تركه اربعين صباحا ساء خلقه و من ساء خلقه فاذّنوا في اذنه وبذلك وردت روايات مستفيضة.

فاذا عرفت الجمع بين الاخبار و الحمد للّه فاعلم ان العلة في المنع عنه و الحث عليه ما عرفت فالناس علي قسمين منهم من يأكل اكل المنهوم الحريص و يكثر اللحم و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 399 *»

غير اللحم حين يأكل فالاحسن  لذلك ان يأكله في كل ثلثة ايام كما سئل ابوعبداللّه7 عن شراء اللحم فقال في كل ثلث قيل لنا اضياف و قوم ينزلون بنا و ليس يقع منهم موقع اللحم شي‌ء فقال في كل ثلث قيل لانجد شيئا اخصر منه و لو ايتدموا بغيره لم‌يعدوه شيئا فقال في كل ثلث و ذكر اللحم عند ابي‌عبداللّه7 فقال كل يوما بلحم و يوما بلبن و يوما بشي‌ء آخر انتهي و منهم من يأكل قليلا كما هو الممدوح و ليس يبلغ أكله اكثار الدم و غلبته فليس يضره ان يأكله كل يوم ايضا كما روي عن زرارة قال تغديت مع ابي‌جعفر7 في شعبان خمسة‌عشر يوما كل يوم بلحم الخبر، و قد عرفت انهم: لحمون فهم اذا اكلوا كل يوم فرضا لايكثرون بحيث يضر بابدانهم و يزداد الدم فيهم و مع ذلك عرفت مما سبق زهدهم و اقتصارهم غالبا بالخل و الزيت و الذي لايشبع من خبز الشعير بابي هو و امي ثلثة ايام اي مقدار يأكل من اللحم اذا  اكل فمن يقلل الاكل لايضره الادمان كل يوم و ان كان في كل ثلث احسن تسليما لهم في تلك الاخبار و قيل لابي‌الحسن7 ان الناس يقولون من لم‌يأكل اللحم ثلثة ايام ساء خلقه فقال كذبوا و لكن من لم‌يأكل اللحم اربعين يوما تغير خلقه و بدنه و ذلك لانتقال النطفة في مقدار اربعين يوما انتهي، اقول اثر اللحم يبقي في البدن اربعين يوما فاذا ترك اللحم اربعين يوما ذهب اثره و نقص الدم و زاد السوداء و هاجت به و من الصوفية لعنهم اللّه من يفسر هذه الاخبار بان من ترك اللحم اربعين يوما استحق ان يؤذن في اذنه الاذان و كلمات الاسلام فانه يؤمن بها حقيقة و كذبوا لعنهم اللّه فان الاخبار صريحة في انه يسوء خلقه و هذا علاج سوء الخلق فان من غلب السوداء في بدنه تعلق به شياطين سيئة الخلق و الاذان لطردهم حتي انه روي عن علي7 كلوا اللحم فان اللحم من اللحم و اللحم ينبت اللحم و من لم‌يأكل  اللحم اربعين يوما ساء خلقه و اذا ساء خلق احدكم من انسان او دابة فاذنوا في اذنه الاذان كله و في رواية اذنوا في اذنه اليمني و روي من ساء خلقه فاطعموه اللحم و عن النبي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 400 *»

من اتي عليه اربعون يوما و لم‌يأكل اللحم فليقترض علي اللّه عزوجل و ليأكله بالجملة الاكثار منه مذموم البتة كما يذم الاكثار من كل غذاء بل اكثر لما بينا و لايجوز تحريمه و يكره تركه من غير تحريم و يورث سوء الخلق و غلبة السوداء و فساد العقل و لابد من ان ينال الانسان منه فلا احد اعبد و لا ازهد من محمد و آل‌محمد: فلو كان في تركه خير لتركوه و لكم في رسول اللّه اسوة حسنة، اولئك الذين هدي اللّه فبهديهم اقتده واياك ثم اياك ان تذهب مذهب المهاباديين في تحريم قتل الحيوانات و مذهب الهنود في تركهم لحوم الحيوانات و مذهب الصوفية الذاهبين مذهب اهل السيميا و الاربعينات غير المشروعة و الرياضات المبتدعة قال اللّه تعالي (قل من حرم زينة اللّه التي اخرج لعباده و الطيبات من الرزق) و لو كان الترك احب اليه لمااحله مطلقا نعم قال (كلوا و اشربوا و لاتسرفوا) و ما اسهل الافراط و التفريط علي النفس و ما اعسر التوسط لها و ان الناس لحادوا عن سواء السبيل لعدم ميل النفس اليه و رضوا بالافراط و التفريط لانه علي خلاف الحق فتري الرجل يسهل عليه ترك الاكل بالكلية و الاكل المفرط الممرض و لاتطاوعه نفسه في الاكل المقتصد و تراه يلج في ان لايتكلم و يسهل عليه الاكثار و لكن يصعب عليه ان يقول ما يعنيه و يسكت عما لايعنيه و هكذا يسرف ببذل جميع ماله و يمنع الحق عن اهله و لكن لاينفق في محله و لايمنع في محله بالجملة لما كان ترك اللحم بالكلية عليهم اهون من نيله بالاقتصاد تركوه و لاتزعم صعوبة الترك فان الاقتصاد في نيله اصعب و قد حده الشارع في كل ثلث و ان نال منه كل يوم فليقلّ كثيرا و لايجعل بدنه قبر الحيوانات  و قد روي في طب النبي عنه9 من اكل اللحم اربعين صباحا قسي قلبه.

و اعلم انا نعلم جملة ان الروح شأن سماوي و يتقوي بالسماويات من العلوم و الاعمال الحسنة و الاخلاق الزكية و التسبيح و التهليل و التمجيد و المراقبة و امثال ذلك و البدن شأن عنصري يتقوي بضم هذه الاثقال و اكل هذه الاثفال و هما

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 401 *»

ككفتي الميزان كلما يثقل احديهما تخف الاخري و كلما قوي احدهما ضعف الآخر و كلما نمي ذبل الآخر و هو قوله تعالي (اذهبتم طيباتكم في حيوتكم الدنيا و استمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تكسبون) فعلي ذلك العارف الحكيم علي وجل من مطلق الاكل فيأكل اكل المضطر و يري انه كلما ينال لقمة يضعف من روحه شي‌ء و يثقل روحه شي‌ء و يريد ان يخلد الي الارض و يمتنع عن الترفع و مثله كزقّ منفوخ حيزه فوق الماء و انت تشد عليه اثقالا و كلما تشد عليه شيئا ينزل درجة و كذلك مخلاط معدتك معلقة بروحك كلما تحط في مخلاط معدتك من الاثقال يثقل الروح و ينزل و يصعب عليه الصعود الي المدارج السماوية فلايتهني مؤمن بأكل ابدا و يغصّ به كل اكلة لحما كان او غير لحم فماظنك بما يناله المؤمن المشتاق الي السماء المشمئز من الارض و اهلها البري‌ء منها المشاهد لما يناله من حبة غذاء من الضرر العظيم فقد روي الصدوق في الاكمال في قصة يوذاسف و بلوهر قال ابن الملك ايها الحكيم اخبرني ما ذا تصيب من الطعام و الشراب قال الحكيم زعموا ان ملكا من الملوك كان عظيم الملك كثير الجند و الاموال فانه بدا له ان يغزو ملكا آخر ليزداد ملكا الي ملكه و مالا الي ماله فسار اليه بالجنود و العدد و العدة و النساء و الاولاد و الثقال فحلوا نحوه فظهروا عليه و استباحوا عسكره فهرب فيمن هرب و ساق امرأته و اولاده صغارا فالجأه الطلب عند المساء الي اجمة علي شاطئ نهر فدخلها  مع اهله و ولده و سلب دوابه مخافة ان يدل عليه العدو بصهيلها فباتوا في الاجمة و هم يسمعون وقع حوافر الخيل من كل جانب فاصبح الرجل لايطيق براحا و اما النهر فلايستطيع عبورها و اما الفضاء فلايستطيع الخروج اليه لمكان العدو فهم في مكان ضيق قد آذاهم البرد و احجزهم الخوف و طواهم الجوع و ليس لهم طعام و لا معهم زاد و اولاده صغار جياع يبكون من الضر الذي قد اصابهم فمكث بذلك يومين ثم احد بنيه مات و القوه في النهر و مكث بعد ذلك يوما آخر فقال الرجل لزوجته انا مشرفون علي الهلاك جميعا و ان بقي بعضنا و يهلك بعضنا كان خيرا من ان نهلك جميعا و قد رأيت ان اعجل ذبح واحد من هؤلاء الصبيان فنجعله

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 402 *»

قوتا لنا و لاولادنا الي ان يأتي اللّه عزوجل بالفرج فان اخرنا ذلك هزل الصبيان حتي لايشبع لحومهم و نضعف حتي لانستطيع الحركة ان وجدنا الي ذلك سبيلا فطاوعته امرأته فذبح بعض اولاده و وضعوه بينهم فنهشوه فما ظنك يا بن الملك بذلك المضطر اكل المستكثر يأكل ام اكل المضطر المستقل قال ابن الملك بل اكل المضطر المستقل قال الحكيم كذلك اكلي و شربي يا بن الملك في الدنيا القصة، فاولياء اللّه يرون متاع هذه الدنيا و مآكلها و مشاربها كالجيفة المنتنة المتفسخة التي يشمئز النفس من النظر اليها و يضر بالارواح روائحها و بالبدن اكلها فلايأكلون من ذلك الا بقدر الاضطرار و الضر الشديد حتي يحل لهم تناولها علي حسب قوله تعالي (فمن اضطر في مخمصة غيرمتجانف لاثم فان اللّه غفور رحيم) فأكلهم في الدنيا كأكل من جرب في وباء شديد ان الغذاء الفلاني ضار قتال فلم‌يجد شيئا الا اياه حتي ضعف و اضطر الي نيله فاي مقدار تري ان ينال منه فهكذا حالهم فانهم يرون ارواح الناس قد هلكت بسبب نيلهم من لذات الدنيا و مآكلها و مشاربها فلايصيبون منها الا بقدر دفع الضرورة  و حفظ البنية و يقتصرون علي اقلها ضررا و مـٔونة عليهم و اعلم ان المراد من الاكل و الشرب صرف عناية النفس عن البدن و اشتغالها بذكرها و مراقبتها من غير التفات الي البدن فلاتجوعه جوعا يشتغل النفس بالبدن و مقاساة الجوع و تنصرف عن ربها و ذكرها و مراقبتها و لاتشبعه شبعا يكسل البدن و يثقل فتلتفت النفس اليه و الي ثقله و دفع اذاه بل الاقتصاد ان تصرف من الغذاء بقدر تسكين فورة الجوع و صرف عناية النفس عن البدن حتي تفرغ لذكرها و فكرها و هذا الاقتصاد يتفاوت بحسب تعويد البدن فيمكن تقليل الغذاء شيئا بعد شي‌ء بحيث لايحس البدن ما نقص منه و لايضعف و يصير متعودا بالقليل شيئا بعد شي‌ء فيخف غاية الخفة من غير ان يضعف و من غير ان يحتاج النفس الي التوجه اليه و تغفل عن شأنها و هو في جميع الايام مقتصد بحسب كل يوم حتي انه يمكن ان يبلغ التخفيف مقدار درهم من الغذاء و اقل في كل يوم من غير ان يضعف كما حكي لي ان شيخنا الاوحد­  بلغ تقليل الاكل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 403 *»

الي مقدار فنجان صغير من فناجين القهوة فلما مر عليه ايام ضعف و نازعته نفسه في التكثير فعزم علي البقاء عليه فلما ايست نفسه عن التكثير اقبلت علي شأنها فقويت حتي انه قال لو عزمت علي قلع شجرة لقلعتها و لم‌يضعف بدنها بوجه و لا شك في انه كلما قل الغذاء قل تولد الاخلاط و الدم و قل الرطوبات و الابخرة و صفي الروح و صحي المشاعر و المدارك و خف الروح و كثر مطاوعته للروح الغيبي و اعتدل مزاجه و فارق الاضداد و شارك السبع الشداد و اشتد شباهته بالارواح الغيبية العلوية و استأنسوا به اذا صح منهاجه و قوي فان كل القوة من الروح و اذا لم‌يصح منهاجه اشتد شباهته بالارواح السفلية و الشياطين و تعلقوا به و كثر مطاوعته لهم و لكن ان لم‌يكن الانسان حكيما ماهرا بالغا يعلم تدبير البدن و سر الكينونة  ربما يورث له هذه الرياضة قلة الدم و غلبة السوداء و هيجان الصفراء و ساء خلقه و جن و تعلق به الشياطين و افسدوه و اخرجوه عن الاعتدال الانساني فلااجوز اقدام الجهلة علي ذلك من غير استاد كامل بالغ يدبر امرهم في كل يوم و يري صلاحهم و فسادهم و صحتهم و مرضهم و يصحح منهاجهم و يسددهم و يعلمهم في كل حين ما ينبغي لهم كما روي عن النبي9 من تزهد بغير علم جن في آخر عمره او مات كافرا انتهي، نعوذ باللّه فلايجسرن انسان علي الرياضات الشاقة من غير استاد عالم بفلسفة البدن و طبه و صلاحه و فساده و منهاج الحق فانه يخاف عليه الجنون و الارتداد بغلبة الشياطين و تسويلهم له و الاحسن لمن ليس له استاد قد سافر الاسفار الاربعة و كمل ان لايقدم علي ذلك و يقتصر علي الاقتصادات الظاهرة و الشريعة العامة الباهرة فانه لايهلك عليها احد و يصلح بها امر الدين و الدنيا غاية الامر انه يكمل في الظاهر و لكن من كمل في الظاهر يرجي له ان يقدر اللّه له استادا يبلغه منتهي آماله اذا كان طالبا لذلك اهلا له.

و اعلم انه بعد حصول الاستاد و الايواء تحت جناحه لا شك ان التدبير بالتبريد و الترطيب ضار باصحاب الرياضة و السلوك فانه يورث الكسل و غلظة الروح و بطؤ مطاوعته للنفس و البلادة و النسيان و عدم التنبه بدقايق الآيات و كذا التدبير بالتبريد و التجفيف فانه مجمد للروح مغلظ له مخلد في الارض و يورث

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 404 *»

الموت و عدم الانفعال و التنبه للآيات و الاشارات فالاحسن التسخين مع الترطيب مع غير اكثار في الاوائل و التسخين و التجفيف في الاواخر فانهما من جهة الفاعل و المراد الصعود اليه و مشاركة السبع الشداد فيخف بذلك الروح و يرق و يكثر مطاوعته للنفس و يسرع حركاته و يصفو حواسه و يزداد تنبهه للآيات و الاشارات شيئا بعد شي‌ء حتي يشابه اوائل جواهر علله و يلحق بالاعلي.

بالجملة ان الجوع ادام الروح و الجايع في الارض ضيف اللّه في السماء يغذي روحه و يطعمه بامداده و علومه و الهاماته و كذب من زعم من الصوفية انه يكثر الطعام كالبقر و يدعي انه رياضة الرجال و تقليل الاكل رياضة النساء اذ علي ذلك لم‌يكن احد من الانبياء و الاولياء يرتاضون رياضة الرجال نعوذ باللّه فقد روي الديلمي في ارشاده في مناجاة النبي9 فقال يا رب دلّني علي عمل اتقرب به اليك قال اجعل ليلك نهارا و اجعل نهارك ليلا  قال يا رب كيف ذاك قال اجعل نومك صلوة و طعامك الجوع يا احمد و عزتي و جلالي ما من عبد ضمن لي اربع خصال الا ادخلته الجنة يطوي لسانه فلايفتحه الا بما يعنيه و يحفظ قلبه من الوسواس و نظري اليه و يكون قرة عينه الجوع يا احمد لو ذقت حلاوة الجوع و الصمت و الخلوة و ما ورثوا منها قال يا رب ما ميراث الجوع قال الحكمة و حفظ القلب و التقرب اليّ و الحزن الدائم و خفة  المـٴونة من الناس و قول الحق و لايبالي عاش بيسر او بعسر يا احمد هل تدري بأي وقت يتقرب العبد اليّ قال لا يا رب قال اذا كان جايعا او ساجدا و فيها قال يا رب ما اول العبادة قال اول العبادة الصمت و الصوم قال يا رب و ما ميراث الصوم قال الصوم يورث الحكمة و الحكمة تورث المعرفة و المعرفة تورث اليقين فاذا استيقن العبد لايبالي كيف اصبح بعسر ام بيسر و فيه يااحمد ان العبد اذا جاع بطنه و حفظ لسانه علمته الحكمة و ان كان كافرا تكون حكمته حجة عليه و وبالا و ان كان مؤمنا تكون حكمته له نورا و برهانا و شفاء و رحمة فيعلم ما لم‌يكن يعلم و يبصر ما لم‌يكن يبصر فاول ما ابصره عيوب نفسه حتي يشتغل بها عن عيوب غيره و ابصره دقايق العلم حتي لايدخل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 405 *»

عليه الشيطان يااحمد ليس شي‌ء من العبادة احب اليّ من الصمت و الصوم فمن صام و لم‌يحفظ لسانه كان كمن قام و لم‌يقرأ في صلوته و في  طب النبي عنه9 من تعود كثرة الطعام و الشراب قسي قلبه و في الوسائل باسناده الي الفضل بن شاذان عن الرضا7 انما امروا بالصوم لكي يعرفوا الم الجوع و العطش فيستدلوا علي فقر الآخرة و ليكون الصائم خاشعا ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا عارفا صابرا علي ما اصابه من الجوع و العطش فيستوجب الثواب مع ما فيه من الامساك عن الشهوات و يكون ذلك واعظا لهم في العاجل و رايضا لهم علي اداء ما كلفهم و دليلا لهم في الآجل و ليعرفوا شدة مبلغ ذلك علي اهل الفقر و المسكنة في الدنيا فيؤدوا اليهم ما افترض اللّه في اموالهم الخبر، فظهر ان هذه الخواص ثابت للجايع و ان كان مع ذلك له نية الصوم فاحسن و احسن و عن النبي9 نوم الصائم عبادة و نفسه تسبيح و عن الصادق7 الصائم في عبادة و ان كان نائما علي فراشه و في الكافي بسنده عن النبي9 الصوم جنة من النار و عنه9 قال لاصحابه ألااخبركم بشي‌ء تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب قالوا نعم قال الصوم يسود وجهه و الصدقة تكسر ظهره و الحب في اللّه و المزاورة علي العمل الصالح يقطع دابره و الاستغفار يقطع وتينه و لكل شي‌ء زكوة و زكوة الابدان الصيام و عن ابي‌عبداللّه7 قال ابي ان الرجل ليصوم يوما تطوعا يريد ما عند اللّه عزوجل فيدخله اللّه به الجنة و عنه7 قال ان اللّه تبارك و تعالي يقول الصوم لي و انا اجزي به و عنه7 من صام للّه عزوجل يوما في شدة الحر فاصابه ظماء  وكّل اللّه به الف ملك يمسحون وجهه و يبشرونه حتي اذا افطر قال اللّه عز و جل له ما اطيب ريحك و روحك ملائكتي اشهدوا اني قد غفرت له و عنه7 اوحي اللّه عزوجل الي موسي ما يمنعك من مناجاتي فقال يا رب اجلّك عن المناجاة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 406 *»

لخلوف  فم الصائم فاوحي اللّه اليه يا موسي لخلوف فم الصائم اطيب عندي من ريح المسك.

و اما الاخبار في شرب الماء فقد روي في الوسائل بسنده عن ابي‌عبداللّه7 و هو يوصي رجلا فقال له اَقِلَّ من شرب الماء فانه يمد كل داء  و عنه7 لاتكثر من شرب الماء فانه مادة لكل داء  و عنه7 لايشرب احدكم الماء حتي يشتهيه فاذا اشتهاه فليقلّ منه و في حديث آخر لو ان الناس اقلّوا من شرب الماء لاستقامت ابدانهم و عنه7 من اقلّ شرب الماء صح بدنه انتهي، و ذلك ان كثرة الماء تذيب الاخلاط و تجريها فتنصبّ في ساير الاعضاء و تورث الامراض و تفسد المعدة و فساد المعدة اصل كل داء و ان اللّه سبحانه خلق بدن الانسان من طين و الماء يفسده البتة و لكن لايحسن تركه بالكلية فيغلب علي البدن المرتان و الجفاف فيقل مطاوعة الروح للنفس بسبب الجفاف و يتكدر فلايشف عن الروح و يتكدر المشاعر و لذلك روي ان شرب الماء يزيد في العقل و احسن القول قول اللّه سبحانه (كلوا و اشربوا و لاتسرفوا) و يكثر الحاجة الي الشرب اذا كثر الاكل و اما اذا قل الاكل قل الحاجة الي الماء البتة الا ان يكون في المزاج سخونة زائدة فيعالج السخونة بشي‌ء من المبردات و في ما ذكرنا من امر الخواء كفاية و بلاغ.

فصل: و من الشروط اللازمة للذكر و السلوك الي اللّه سبحانه السهر و قلة النوم و لما كان بناؤنا في هذا الكتاب علي تحقيق حقايق السلوك فلنشرح امر اليقظة و النوم علي ما يناسب السالكين في هذا المقام.

اعلم ان اليقظة هو توجه النفس الي ظواهر البدن في الروح البخاري فانه مركبها او لباسها او بيتها بالجملة هي فيه فبه و فيه تتوجه الي الظاهر و الباطن و هي بنفسها فوق الظاهر و الباطن فاذا كانت في الروح البخاري فتوجه الي ظاهر البدن يسري  النفس بالروح في المجاري الي الظاهر و الي المشاعر فتبصر بالعين و تسمع بالاذن و تذوق باللسان و تشم بالانف

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 407 *»

و تلمس بالاعضاء و تتحرك بالجوارح و تمسك الاعضاء ان تزول و كذلك تسري بالروح الي الدماغ فتتفكر بالمتفكرة و تتخيل بالمتخيلة و تتوهم بالمتوهمة و تعلم بالعالمة و تعقل بالعاقلة و تمسكها ان تزول فيكون الانسان الدنياوي يقظانا مادام كذلك فاذا بقي مدة كذلك و استعملت النفس اعضاءها في خدماتها تعبت الاعضاء و عملت حرارة توجه النفس في رطوبات الاعضاء و الاطراف و بخرتها و لاسيما اذا اكل الانسان و شرب و كثر رطوباته و عملت حرارة الهاضمة فيها فتبخر فتصعد الابخرة الي الدماغ و تراكمت و تغيم فضاء الدماغ و سترت وجه مثال النفس في الروح فلم‌ينفذ من تلك الابخرة الي الاعضاء فضعف استمساك الاعضاء فاسترخت الاعصاب و الاجفان و الاعضاء و خدرت فوقع البدن و انطبقت الاجفان و تعطلت الحواس و سكنت الجوارح مع ان الروح الحيوانية سارية في الاعضاء و هي حية الا ان الروح الساري كدر بممازجة الابخرة و كدوراته حاجبة وجه مثال النفس فبقي للروح البخاري البسط و القبض اللذان هما طباعه و زال عنه الادراك و الارادة اللذان هما من النفس و من ذلك يعلم للحيوانات ايضا روح نفساني منه يقظتها و احساسها و ارادتها و ان الروح الحيواني منه القبض و البسط حسب فحينئذ نام البدن و تعطلت الحواس الظاهرة و سكنت الاعضاء مع كون النفس في الروح البخاري فان كانت النفس شديدة المفارقة شديدة الاستمساك في نفسها تفرغت في شأنها و سارت في عالمها و ان لم‌تكن كذلك وكان لها تعلق كثير بالروح البخاري لعدم تخلصها و خلودها في الارض بقيت في الروح البخاري مجتمعة في القلب و متوجهة اليه في الدماغ فتراه و تري الابخرة التي تدور في الدماغ  فان كانت الابخرة غليظة كدرة جدا فلاتري في منامه شيئا و يتعطل خيالها و فكرها بالكلية و ان رقت في الجملة و لطفت امكنها التخيل و التفكر مشوبا بتلك الابخرة فتري اضغاثا و احلاما و هي في الخيال و الفكر و الوهم و العلم و العقل ضعيفة جدا فتصدق في منامه المحالات و الاكاذيب ما لاتصدقه في يقظته و تفعل في المنام ما لاتفعل في يقظته و تقول فيه ما لاتقول فيها و تجوز ما لاتجوز فيها و تظن ما لاتظن فيها و اشبه شي‌ء بها في حال المنام احلام الصبيان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 408 *»

و المجانين و البله و لاتستقر علي حال لدوران الابخرة في دماغه و تلك الابخرة تابعة لطبايعه و امزجته كما حققناه في كتابنا «تأويل‌الاحاديث» في علم الرؤيا و هو كتاب عجيب غريب و لا حاجة بتفصيلها هيهنا بالجملة و لذلك روي ان اكثر المنام رأي الاحلام و كذلك يضعف رأي من كثرت ابخرته لأكل او شي‌ء مبخر او سوء مزاج فطري او عارض فلايعتبر خيالاته و افكاره و اغلبها واهية فاسدة و مشاعره الظاهرة و الباطنة مسترخية خدرة غيرجازمة علي الشي‌ء و غيرقاطعة لاتقدر علي العضّ علي مدركه بضرس قاطع البتة و لذلك مشاعر البلغميين خدرة غيرحساسة علي الجزم و من ذلك اعرف ان الذين غلبت عليهم رطوبات المعاصي و ابخرة الاهواء و الشهوات و غيرها مما يكرهها اللّه مشاعرهم خدرة غير دراكة للحق فلهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها و لهم قلوب لايفقهون بها فمشاعرهم مسترخية يبلهون غاية البلاهة عند عرض الحق عليهم و ان ادركوا غيره عند عرض الباطل عليهم و لذلك تري اغلب الناس علماء في ساير الموارد و يشقون الشعر في ساير المقامات و اذا جاء امر الدين و الحق تبلدت اذهانهم و بلهوا و يصير مشاعرهم كدرة لاتقدر ان تحس شيئا و ذلك ان شمس انفسهم اذا توجهت الي درك الحق ثارت ابخرة العادات و الشهوات و الاحقاد  و العناد من ابدانهم و فيها شياطين مناسبة لها فتصعد الي سماء دماغهم و فيها الشياطين فيحدث لهم شكوك و شبهات و احتمالات لايكادون يجزمون علي حق فاغلب رأيهم في الدين رأي احلام فادراكهم فيه كادراك الاطفال و البله و اذا انصرفت نفوسهم عن التوجه الي الحق قلت حرارتها بسبب الاعراض عن المبدء فقل عملها في رطوبات بدنهم فلاتثور بخارا و تركد و يصحو دماغهم و مشاعرهم فيدق مداركهم و يقطعون بها الشعر و ذلك ان النفس عند التوجه الي الحق يشتد حرارتها لان كل الحرارة من جانب المبدء و عند التوجه الي الباطل تبعد عن الحق و تبرد و هذه البرودة اصل سجين و اصل جهنم فعن النبي9 في الطب المنسوب اليه اصل كل داء البرودة انتهي، و حر جهنم من جهة توجه مشية اللّه الي اهلها بالقلع و القمع و التفكيك و التعذيب

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 409 *»

و اما اهل الحق اذا توجهت نفوسهم الي الحق ازداد حرارتها فلطفت و رقت و اذا توجهت الي المشاعر لدرك الحق لم‌يثر من ابدانهم ابخرة عادة او شهوة او غضب او عناد او تكبر علي الحق فانهم جبلوا كذلك مسلمين فبقيت مشاعرهم صاحية و ادركت الحق و شقوا الشعر في امر الدين و اما في امر الدنيا ربما يكونون بلهاء و يغمي عليها اذا ذكر الدنيا و تبلدت مشاعرهم فهم بله في الشر لايعرفونه اذكياء في الخير و الحق.

بالجملة ان الانسان اذا غفي ضعف ادراكه البتة و اذا كثر رطوبات بدنه و ابخرته بسبب الاكل و الشرب ضعف رأيه البتة و لذلك يغلب عليه النوم فمن يريد صفاء المشاعر و جزمها فليجتنب الاكل و الشرب ازيد من حد الاستمساك خوفا علي المشاعر من التبلد و ضعف الرأي و ان كان ذلك منه بسبب سوء مزاج فليعالجه او ليسلم لرأي سخيف فان ذلك لازمه و اما النفوس غير المخلدة في الارض المفارقة للبدن و عالم المادة و المدة  و الاجسام فهي اذا ادبرت و غطيها الابخرة توجهت الي فوقها و سارت في عالمها و تلاقت ارواح الانبياء و الاولياء و الملئكة و لاتكون آراؤها سخيفة و لا رؤياها باطلة و انما هي بمنزلة وحي و الهام فلايتفاوت له النوم و اليقظة بوجه و من كان بين هذين فبين بين يخلط عملا صالحا و آخر سيئا فلاجل ذلك لا حجة في رؤيا غير الانبياء و لا عبرة برؤيا غيرهم و لايعتني بها اذا خالفت الموازين الشاهدة علي الحق و ان وافقت فالعمل علي الشواهد هذا و الابخرة المغطية للمشاعر في ابدان الانبياء و الاولياء و كبار الشيعة قليلة جدا جدا لقلة اكلهم و قلة رطوبات بدنهم و لذلك يكون نومهم خفيفا جدا و كان النبي9 ينام عينه و لاينام قلبه و كان شاعرا للدنيا في منامه و كذا اولياؤه سريعوا التنبه و التيقظ فهم اذا ادركوا بخيالهم و فكرهم ايضا شيئا ليس يبعد عن الحق غاية الامر ان الابخرة اللطيفة التي في بدنهم لخيالاتهم تكون كالمرآة الصافية المعتدلة للشمس و هي تابعة لخيالاتهم لا العكس فلايضعف عقلهم و رأيهم في المنام.

فاذا عرفت ذلك فاعلم ان اللّه سبحانه خلق الخلق للعبادة و المعرفة و ان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 410 *»

البدن عبد اللّه كما ان الروح عبد اللّه و ان البدن دكان النفس و محل‌كسبها تكسب فيه الجنة و العلوم و المعارف و هو مزرعتها فالمطلوب ان يكون يقظان قائما بالخدمة في آناء الليل و النهار و القاؤه بالنوم و افساد الرأي بالابخرة الصاعدة تعطيل مراسم العبودية و غبن و خسران في ايام الدنيا القليلة المسرعة في التقضي و الفناء و خوف بغتة الاجل فلابد للمؤمن ان يغتنم الفرص و يترك النوم ما امكنه اللّهم الا ان يغشاه نوم لاينفعه اليقظة و يتبلد اذا مشاعره فحينئذ لابد من النوم و يسعي في علاج تقليل النوم بتقليل الاكل و الشرب و تعويد السهر فان غلبة النوم كما تكون من غلبة الرطوبة كثرة النوم ايضا يرطب البدن لاعراض  الحرارة عن الظاهر فكثرة النوم تزيد في النوم و السهر يقلل الرطوبات و يزيد في السهر و قلة النوم و قد يكون غلبة النوم لاجل سوء المزاج فينبغي علاجه و اما تقليل النوم و زيادته فان كان علي غير وجه الحكمة يورث الجفاف و الذبول في البدن و غلبة السوداء و الجنون و الماليخوليا و ساير امراض الرأس و العين و الاذن و النوازل فلايجوز ان يقدم الجاهل لامثال هذه الامور الا باذن استاد كامل يراقبه و يطلع علي حاله و مزاجه في كل يوم و يعلم درجات تدرج الرياضة و مصالحها و مفاسدها و اما الجاهل فلربما يوقع نفسه في هذه الورطات فيجن و يفسد عقله بالكلية فمن ليس له استاد فليقتصر علي الحد المتعارف و قيام آخر الليل لاجل الصلوة و ان خالف فاني اخاف عليه الجنون و الخبل و مرادي من ذكر هذه الامور اسرارها و حكمة حقيقتها و وضعها و سلوك الانبياء و ذلك انه لايبلغ رياضة مرتاض رياضة الانبياء و الاولياء كما عرفت شطرا من عباداتهم و خوفهم و زهدهم و احوالهم صلوات اللّه عليهم و هم دائموا الرياضة بالرياضة الشاقة من يقدر علي مثل رياضتهم في تمام عمره.

بالجملة ان تعويد السهر شيئا بعد شي‌ء بتقليل الاكل و غيره مما يصفي الحواس و يذكي المشاعر و يخفف البدن و يزيد في الادراك كما عرفت من اسراره و هو احسن عون للذاكر السالك و لا شك ان النوم مناف للذكر مضاد مع دوامه فانه غفلة و موت و بطلان توجه فمن عرف ان الانسان سالك الي اللّه مادام

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 411 *»

ذاكرا و اذا غفل وقف و اذا توجه الي غير اللّه رجع عن اللّه و ادبر يقل النوم فان النوم له تعرس و اليقظة له سفر و المشتاق لايصبر علي التعرس ابدا.

ثم اعلم ان هذا البدن خلق خلقه اللّه لابد له من النوم و ان الانبياء و الاولياء مع شدة اشتياقهم كانوا ينامون و لابد للانسان العاقل من حفظ البدن فانه بهذا البدن يكون في الدنيا و في الدنيا  يكسب الجنة و جوار اللّه و العلوم و الحكم و الدنيا عند عبد اللّه احب من حجلة العروس فانه يتزود فيها لاجل الحيوة الباقية و الآخرة الدائمة و جميع الكمالات حاصلة له في الدنيا فلابد له من حفظ بدن به يكون في الدنيا و ذلك من اهم الاشياء كما ان المسافر في الاخطار اهم الاشياء عنده حفظ دابته و تعليفه و تسقيته فلابد من تعديل مزاج البدن و مراقبة اكله و شربه و نومه و يقظته و حركته و سكونه حتي لايخرج عن الاعتدال و لايمرض حتي تبلغ عليه النفس حاجتها و تنال عليه بغيتها فلابد للبدن من النوم فلننظر في انه اي وقت انسب للبدن و هو في اي وقت انفع و اي مقدار منه كاف.

فنقول ان اوقات النهار قد ترتبت بقدر اللّه تبارك و تعالي علي نحو الفصول و امزجتها فمن طلوع الشمس الي الظهر يوافق الربيع و يتربي فيه الدم و مزاجه حار رطب و فيه سلطان الدم لان حر الشمس فيه ضعيف و رطوبات الليل باقية و من الظهر الي الغروب يوافق فصل الصيف و يجتمع فيه حر الشمس و يجفف الرطوبات و فيه سلطان الصفراء و مزاجه حار يابس و يتربي فيه الصفراء و من الغروب الي نصف الليل سلطان المرة السوداء في الظاهر و جفاف النهار باق و ورد عليه برد الليل فمزاجه الظاهر بارد يابس و يتربي فيه السوداء و يوافق فصل الخريف و من نصف الليل الي طلوع الشمس سلطان البلغم و يشتد البرد و الرطوبة الظاهرة العارضة في الهواء و يوافق فصل الشتاء و يتربي البلغم فيه في بدن الانسان فيدور الليل و النهار علي بدن الانسان يتربي الاخلاط و تعتدل و ان كان سلطان الدم نوعا في الربيع و سلطان الصفراء نوعا في الصيف و سلطان السوداء نوعا في الخريف و سلطان البلغم نوعا في الشتاء كما ان سلطان الدم نوعا في الصبا في جميع فصول السنة و سلطان الصفراء نوعا في الشباب و سلطان السوداء نوعا في  الكهولة و سلطان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 412 *»

البلغم نوعا في الشيخوخة و في كل وقت من اوقات هذه الفصول يظهر اثره في ظاهر البدن و يبطن ضده ففي الربيع ايّ ربيع كان يظهر الحرارة و الرطوبة في ظاهر البدن و يبطن البرودة و اليبوسة و في الخريف بالعكس و في الصيف ايّ صيف كان يظهر الحرارة و اليبوسة في ظاهر البدن و يبطن البرودة و الرطوبة في الباطن و في الشتاء بعكس ذلك و الانسان في حال اليقظة يتوجه حرارته الغريزية الي الظاهر و يبرد باطنه و يرطب و في حال النوم يتوجه الحرارة الي الداخل و يبرد ظاهره و يرطب.

فاذا عرفت ذلك فاعلم ان النوم في الشتاء اي من نصف الليل الي طلوع الشمس ضار بالبدن و كلما يقرب من آخر الليل و طلوع الفجر و الشمس اضر فان في الشتاء يغلب البرودة و الرطوبة علي ظاهر البدن و يسخن الباطن و يجف فيشتد بذلك اثر الشتاء في البدن و يزيد بالنوم برودة ظاهره و رطوبته و حرارة باطنه و جفافه فبذلك يتغير بهذا النوم لون الوجه و يتهبج و يترمص العين و يسترخي البدن و يجف الفم و يتغير طعمه و يشتعل الباطن و ان كان فيه زيادة حرارة يمر الفم في ذلك الوقت فتبين ان النوم بعد زوال الليل الي طلوع الشمس ضار بالبدن ينبغي اجتنابه و يسمي النوم بين الطلوعين بالعيلولة اي نوم العلة.

و اما النوم من طلوع الشمس الي الزوال فكلما يقرب من طلوع الشمس ضار بالبدن لاجل العلة السابقة و ان كان اقل ضررا من بين الطلوعين و يسمي النوم في صدر النهار بالفيلولة اي الضعف و الفتور و ان قرب من الزوال نفع البدن فان ظاهر البدن حار رطب و رطوبته قليلة و باطنه بارد يابس و يبوسته قليلة فاذا توجه الحرارة الغريزية الي الباطن عدل الباطن و الظاهر فان حر الهواء يكافؤ برد ظاهر البدن بسبب النوم و حر توجه الروح الي الباطن يكافؤ برد الباطن نعم يرطب ظاهر البدن قليلا و يجف باطنه  قليلا فليس له ضرر كثير و انما يحتاج الانسان في بدنه الي هذين بعد طول اليقظة المجففة لظاهر البدن المرطبة لباطنه و يسمي هذا النوم بالقيلولة بمعني زيادة العقل.

و اما النوم بعد الزوال الي الغروب فضار بالبدن لان الروح اذا توجه الي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 413 *»

الباطن و الباطن بارد رطب كثير المائية عملت في الرطوبات و اثارت ابخرة كثيرة و ارياحا كما تجد ان في العالم يحدث الرياح و الغيوم بعد الظهر غالبا فيصعد تلك الابخرة الي الدماغ و يحدث النزلات و يثقل الرأس و تميع تلك الرطوبات و تجري في المفاصل و العروق فيكسل البدن جدا و هو نوم شديد الضرر جدا جدا و لاسيما كلما يقرب من الغروب فهو اضر و يسمي النوم بعد الزوال بالحيلولة لانه يحول بين المرء و بين الصلوة و يسمي النوم في آخر النهار بالغيلولة بمعني الهلاك.

و اما النوم بعد الغروب الي نصف الليل فان بعد عن الغروب فهو نوم نافع لان الباطن حار رطب و الظاهر بارد يابس فاذا توجه الحرارة الي الباطن عدل الرطوبة بيبسها و قوت الحرارة و رطب الظاهر باعراضها و قوي بردها و تبريد الظاهر و ترطيبه بالاعتدال في وقت من آناء الليل و النهار لازم كتسخين الباطن و تجفيفه بالاعتدال فان في طول اليقظة يقوي حرارة الظاهر و جفافه و برودة الباطن و رطوبته و لابد من تدبير مكافئ و ذلك يحصل بالنوم بعد العشاء و اما قبل العشاء و بعيد الغروب فلا لعين دليل مر في النوم بعد الزوال و بقاء الابخرة في العالم و البرودة و الرطوبة في الباطن فتبين ان خير النوم قبيل الزوالين و قبيل زوال الليل للبدن اصلح و قبيل زوال النهار للروح اصلح فان الباطن جاف و بتوجه الروح الي الباطن لايحدث في الباطن ابخرة تصعد الي الدماغ فيكون الرؤيا اصدق و اما قبيل زوال الليل فالباطن رطب و يحدث فيه ابخرة مغطية للروح و يصير الرؤيا اضغاث احلام بواسطة الشياطين الراكبة في تلك  الابخرة المتعلقة بها و لذلك كلما يقرب من السحر يجف الباطن و تركد الابخرة و تصحو المشاعر و تكون الرؤيا اصدق الا انه ضار بالبدن.

و النوم بالنهار نوعا ضار بالبدن فان الباطن بالنهار نوعا ارطب من الليل و حدوث الابخرة في الباطن نوعا اكثر و لاجل ذلك يحدث النوازل الا انه اذا قام الانسان بالليل و اضطر الي نوم النهار فاحسن اوقاته قبيل الزوال البتة و له حسن آخر فانه اذا نام في اول النهار غلبه النوم بعد العصر فان نام ضره و ان لم‌ينم كسل و اضرت بصلوته

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 414 *»

و ان نام بعد الزوال ضره ذلك كما مر و لم‌يغلب عليه بعد العشاء نوم فيسهر ثم يغلب عليه النوم بعد زوال الليل فيحرم صلوة الليل مع انه يضر النوم فيه و ان قام مع انه سهر قبيل زواله اضطر الي النوم بين الطلوعين و هو ضار و خسران و يتعلق به الشياطين و يقوم كالذي تخبطه الشيطان من المس فاحسن اوقات النهار للمتهجد قبيل الزوال فينشط لصلوته الظهر و لايغلبه النوم بعد العصر و يغلبه بعد العشاء فينام ثم ينشط للقيام بعد زوال الليل و لايغلبه النوم بين الطلوعين و قليل النوم قبيل الفجر قليل الضرر و يغني عن نوم كثير فانه قليله يوازي في تبريد الظاهر و ترطيبه و تسخين الباطن و تجفيفه كثيرا من النوم قبيل زوال الليل و بعيده فمن سهر الليل و نام قبيل الفجر قليلا اكتفي به و نفعه و لكن الشرط فيه قلة النوم فلو اكثر ضره كثيرا.

و اعلم ان النوم علي الخواء شديد الضرر فان الحرارة تتوجه الي الباطن فان لم‌تجد رطوبات عرضية تعمل فيها تعمل في الاخلاط و رطوبات البدن الذاتية و ضرت بالبدن و غلب عليه الجفاف و ان كان نوم الخاوي انفع للروح و رؤياه اصدق و لذلك روي قيلوا فان اللّه يطعم الصائم و يسقيه في منامه انتهي و اللّه يطعم و يسقي الروح بامداده و علومه و الهاماته الا انه غيرصالح للبدن فينبغي لصلاح البدن ان ينام الانسان علي الامتلاء ليكون للحرارة  المتوجهة الي الباطن متعلق و موضع عمل تعمل فيه فلاجل ذلك حسن النوم بعد العشاء و بعد الغداء لمكان الامتلاء فان توجه الحرارة الي الجوف و فيه غذاء حسن هضمه و طبخه و حله و جريه في العروق و الا عملت في الرطوبات الاصلية و ضعف البدن و لذلك قالت الاطباء من كثر فيه اخلاط و اراد استيصالها من غير تنقية فعليه بالصوم و النوم هذا منتهي التحرير في امر النوم علي ما يناسب هذا الكتاب فاكثار الاكل و النوم مما يزيد في رطوبة البدن و كسالته و يبلد المشاعر و يكثر الابخرة في البدن و يحجب بين النفس و بين البدن و يفسد الادراك و الشعور ففي الوسائل بسنده عن ابي‌عبداللّه7 قال ان اللّه عزوجل يبغض كثرة النوم و كثرة الفراغ  و عنه7 كثرة النوم مذهبة للدين و الدنيا و عن ابي‌الحسن موسي7

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 415 *»

يقول ان اللّه عزوجل يبغض العبد النـٴوم الفارغ و عن ابي‌عبداللّه7 قال عدو العمل الكسل و عن ابي‌جعفر7 من كسل عن امر دنياه فهو عن امر آخرته اكسل و عن ابي‌الحسن موسي7 اياك و الكسل و الضجر فانهما يمنعانك من حظك من الدنيا و الآخرة وعن اميرالمؤمنين7 ان الاشياء لما ازدوجت ازدوج الكسل و العجز فنتجا بينهما الفقر و عن ابي‌الحسن موسي7 اياك و الكسل و الضجر فانك ان كسلت لم‌تعمل و ان ضجرت لم‌تعط الحق و عن ابي‌عبداللّه7 انه قال اياك و الضجر و الكسل انهما مفتاح كل سوء انه من كسل لم‌يؤد حقا و من ضجر لم‌يصبر علي حق و عن ابي‌الحسن الاخير7 اياك و النوم بعد صلوة الليل و الفجر و لكن ضجعة بلا نوم فان صاحبه لايحمد علي ما قدم من صلوته و روي فيه رخصة عن ابي‌جعفر7 فانه قال انما علي احدكم اذا انتصف الليل ان يقوم فيصلي صلوته جملة واحدة ثلث‌عشر ركعة ثم ان شاء جلس فدعا و ان شاء  نام و ان شاء ذهب حيث شاء   وسئل احدهما8 عن النوم بعد الغداة فقال ان الرزق يبسط تلك الساعة فانا اكره ان ينام الرجل تلك الساعة و عن الصادق7 نوم الغداة شؤم يحرم الرزق و يصفر اللون و عنه7 نومة الغداة مشومة تطرد الرزق و تصفر اللون و تقبحه و تغيره و هو نوم كل مشوم و عن ابي‌جعفر7 قال ان ابليس انما يبث جنود الليل من حين تغيب الشمس الي مغيب الشفق و يبث جنود النهار من حين يطلع الفجر الي مطلع الشمس و ذكر ان نبي اللّه9 كان يقول اكثروا ذكر اللّه عزوجل في هاتين الساعتين فانهما ساعتا غفلة و تعوذوا باللّه عز و جل من شر ابليس و جنوده و عوذوا صغاركم في هاتين الساعتين فانهما ساعتا غفلة و عن جعفر بن محمد8 قال قـال رسول اللّه9 ماعجت الارض الي ربها عزوجل كعجيجها من ثلثة من دم حرام يسفك عليها او اغتسال من زنا او

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 416 *»

النوم عليها قبل طلوع الشمس و عن علي بن الحسين8 في حديث قال لاتنامن قبل طلوع الشمس فاني اكرهها لك ان اللّه يقسم في ذلك الوقت ارزاق العباد علي ايدينا يجريها و روي انه اتي اعرابي الي النبي9 فقال يا رسول اللّه اني كنت ذكورا و اني صرت نسيا فقال أكنت تقيل قال نعم قال و تركت ذلك قال نعم قال عد فعاد فرجع اليه ذهنه و روي قيلوا فان الشيطان لايقيل و عن الباقر7 النوم اول النهار خرق و القايلة نعمة و النوم بعد العصر حمق و النوم بين العشائين يحرم الرزق و عن النبي9 ثلث فيهن المقت من اللّه عزوجل نوم من غير سهر و ضحك من غير عجب و الاكل علي الشبع و عن النبي9 قالت ام سليمن بن داود يا بني اياك و كثرة النوم بالليل فان كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرا يوم القيمة و عنه9 لاسهر  بعد العشاء الآخرة الا لاحد  رجلين مصل او مسافر و عن علي7 لاينام الرجل علي وجهه و من رأيتموه نائما علي وجهه فانبهوه الي ان قال ليس في البدن اقل شكرا من العين فلاتعطوها سؤلها فتشغلكم عن ذكر اللّه عزوجل اذا نام احدكم فليضع يده اليمني تحت خده الايمن فانه لايدري أينتبه من رقدته ام لا و سئل7 عن النوم علي كم وجه هو قال النوم علي اربعة اوجه الانبياء تنام علي اقفيتهم مستلقين و اعينها لاتنام متوقعة لوحي اللّه عزوجل و المؤمن ينام علي يمينه مستقبل القبلة و الملوك و ابناء الملوك تنام علي شمايلهم ليستمرءوا  ما يأكلون  و ابليس مع اخوانه و كل مجنون و ذو عاهة ينام علي وجهه منبطحا و في رواية نوم الكفار و المنافقين علي يسارهم انتهي، و نحن قد بسطنا القول في امر النوم في كتابنا «حقايق‌الطب» و كتابنا «تأويل‌الاحاديث» فان شئت فراجع اليهما و اعلم ان للذكر شروطا كثيرة و قد مر بعضها في الذكر البدني و العبادات و ذكرنا بعضها هنا و يأتي ما يقدر اللّه جل جلاله رسمه في مواضع اليق به ان شاء اللّه و رأينا ان نعنون في آخر هذا المطلب فصلا نذكر فيه بعض الاذكار المأثورة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 417 *»

عن اهل الذكر سلام اللّه عليهم اجمعين فان اسماء اللّه جل جلاله كثيرة و لايمكننا استقصاؤها و كتب الدعوات بها مشحونة.

فصل: في الوسائل عن محمد بن مسلم قال سألت اباجعفر7 عن التسبيح فقال ماعلمت شيئا موظفا غير تسبيح فاطمة الخبر و عن زرارة بن اعين عن ابي‌عبداللّه7 قال تسبيح فاطمة3 من الذكر الكثير الذي قال اللّه عزوجل (واذكروا اللّه ذكرا كثيرا) و في رواية من سبح تسبيح فاطمة3 فقد ذكر اللّه الذكر الكثير انتهي، و كيفيته علي ما في الاخبار و المشهور بين العلماء الاخيار التكبير اربعا و ثلثين ثم التحميد  ثلثا و ثلثين ثم التسبيح ثلثا و ثلثين و عن ابي‌عبداللّه7 من بات علي تسبيح فاطمة3 كان من الذاكرين اللّه كثيرا و الذاكرات و عن ابي‌عبداللّه7 من قال حين يأوي الي فراشه ثلث مرات الحمد للّه الذي علا فقهر و الحمد للّه الذي بطن فخبر و الحمد للّه الذي ملك فقدر و الحمد للّه الذي يحيي الموتي و يميت الاحياء و هو علي كل شي‌ء قدير خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه و عنه7 من قال حين يأوي الي فراشه لا اله الا اللّه مائة مرة بني اللّه له بيتا في الجنة و من استغفر اللّه حين يأوي الي فراشه مائة مرة تحاتت ذنوبه كما يسقط ورق الشجر و عن ابي‌جعفر7 قال كانوا قليلا من الليل ما يهجعون قال كان القوم ينامون و لكن كلما انقلب احدهم قال الحمد للّه و لا اله الا اللّه و اللّه اكبر وعن ابن‌بكير قال قلت لابي‌عبداللّه7 قول اللّه عزوجل (واذكروا اللّه ذكرا كثيرا) ماذا الذكر الكثير قال ان تسبح في دبر المكتوبة ثلثين مرة و في رواية ما ادني الذكر الكثير و عنهم: من قال سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الا اللّه و اللّه اكبر ثلثين مرة فقد ذكر اللّه ذكرا كثيرا و عن شيبة الهذلي انه قال يا رسول اللّه علمني كلاما ينفعني اللّه به و خفف عليّ فقال اذا صليت الصبح فقل عشر مرات سبحان اللّه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 418 *»

العظيم و بحمده و لاحول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم فان اللّه يعافيك بذلك من العمي و الجنون و الجذام و الفقر و الهرم و روي لقضاء الحاجة بعد الفجر عشرا سبحان اللّه العظيم و بحمده استغفر اللّه و اسأله من فضله و سئل ابوجعفر7 عن التسبيح فقال ماعلمت شيئا موظفا غير تسبيح فاطمة3 و عشر مرات بعد الغداة تقول لا اله الا اللّه وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و يميت و يحيي و هو حي لايموت بيده الخير و هو علي كل شي‌ء قدير و لكن الانسان يسبح ما شاء تطوعا انتهي، و هذا الخبر يعطي الرخصة  في الزيادة و النقيصة في اعداد ساير الاذكار المروية و الاذكار غير المروية بخصوصها و انه ليس الاعداد المروية وظيفة معينة لايجوز زيادتها و نقيصتها فمن فعل من ذلك شيئا فليفعل لاجل رخصتهم و روي تلك التهليلات قبل ان ينقض ركبتيه و في المغرب مثلها و روي ذلك قبل ان تطلع الشمس و قبل غروبها و روي لامور الدنيا و الآخرة في دبر الفجر الي ان تطلع الشمس سبحان اللّه العظيم و بحمده استغفر اللّه و اسأله من فضله  و عن حماد بن عثمان قال سمعت اباعبداللّه7 يقول من قال ما شاء اللّه كان لاحول و لاقوة الا باللّه العلي العظيم مائة مرة حين يصلي الفجر لم‌ير يومه ذلك شيئا يكرهه وعن ابي‌بصير عن ابي‌عبداللّه7 قال من قال في دبر صلوة الفجر و في دبر صلوة المغرب سبع مرات بسم اللّه الرحمن الرحيم لا حول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم دفع اللّه عزوجل عنه سبعين نوعا من انواع البلاء اهونها الريح و البرص و الجنون و ان كان شقيا محي من الشقاء و كتب في السعداء و روي عن ابي‌الحسن7 ثلث مرات و قال انا اقولها مائة مرة و روي مائة مرة لكل احد قبل بسط الرجلين في دبرهما و فيها و لاحول بزيادة الواو و روي سبع مرات بعدهما قبل ان يتكلم  و عن ابي‌عبداللّه7 من قال اذا صلي المغرب ثلث مرات الحمد للّه الذي يفعل ما يشاء و لايفعل ما يشاء غيره

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 419 *»

اعطي خيرا كثيرا و عن علي7 في حديث ان اللّه يقول انا احق من سئل و اولي من تضرع اليه فقولوا عند افتتاح كل امر صغير او عظيم بسم اللّه الرحمن الرحيم و عن الصادق7 و لربما ترك بعض شيعتنا في افتتاح امره بسم اللّه الرحمن الرحيم فيمتحنه اللّه بمكروه لينبهه علي شكر اللّه و الثناء عليه وعنه7 اذا توضأ احدكم و لم‌يسم كان للشيطان في وضوئه شرك و ان اكل او شرب او لبس و كل شي‌ء صنعه ينبغي له ان يسمي عليه  فان لم‌يفعل كان للشيطان فيه شرك و في القدسي كل امر ذي بال لايذكر بسم اللّه فيه فهو ابتر و عن ابي‌عبداللّه7 قال كان رسول اللّه9 يحمد اللّه في كل يوم ثلثمائة مرة و ستين مرة عدد عروق الجسد يقول الحمد للّه رب العالمين كثيرا علي كل حال  و في رواية في كل صباح و مساء و عنه7 من قال اربع مرات اذا اصبح الحمد للّه رب العالمين فقد ادي شكر يومه و من قالها اذا امسي فقد ادي شكر ليلته و عنه7 من قال الحمد للّه كما هو اهله شغل كتّاب السماء قيل و كيف يشغل كتّاب السماء قال يقولون اللّهم انا لانعلم الغيب فيقال اكتبوها كما قال عبدي و عليّ ثوابها و عن النبي9 من تظاهرت عليه النعم فليكثر الحمد للّه و عنه9 لا اله الا اللّه نصف الميزان و الحمد للّه يملأه و عن النبي9 من تظاهرت عليه النعم فليقل الحمد للّه رب العالمين و من الح عليه الفقر فليكثر من قول لاحول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم فانه كنز من كنوز الجنة و فيه شفاء من اثنين و سبعين داء ادناها الهم و عن ابي‌عبداللّه7 من قال سبحان اللّه و بحمده سبحان اللّه العظيم و بحمده كتب اللّه له ثلثة‌آلاف حسنة و محي عنه ثلثة‌آلاف سيئة و رفع له ثلثة‌آلاف درجة و خلق منها طائرا في الجنة يسبح و كان اجر تسبيحه له و عن النبي9 من قال سبحان اللّه و بحمده كتب اللّه له الف‌الف حسنة و محي عنه الف‌الف سيئة و رفع له الف‌الف درجة و من زاد زاده اللّه و من استغفر غفر اللّه له و روي فضل كثير في

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 420 *»

قول كل من التسبيحات الاربع مائة مائة و في التسبيحات الاربع مطلقا في الصباح و المساء و روي الامر باكثارها و روي انها الكلمات التي اختارهن اللّه لابرهيم حيث بني البيت و روي انها اطابة الكلام و هن الباقيات الصالحات و عن احدهما اكثروا من التهليل و التكبير فانه ليس  شي‌ء احب الي اللّه من التهليل و التكبير و روي انهما ثمن الجنة و عن جبرئيل قال يا محمد طوبي لمن قال من امتك لا اله الا اللّه وحده وحده وحده و في رواية عنه طوبي لمن قال من امتك لا اله الا اللّه وحده مخلصا و روي من قال لا اله الا اللّه في ساعة من ليل او نهار طلست ما في صحيفته من السيئات و روي ما من الكلام كلمة احب الي اللّه من قول لا اله الا اللّه و ما من عبد يقول لا اله الا اللّه يمد بها صوته فيفرغ الا تناثرت الذنوب تحت قدميه كما يتناثر ورق الشجر تحتها و روي من قال اشهد ان لا اله الااللّه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله كتب اللّه له الف حسنة وروي فضل كثير في قول لاحول و لا قوة الا باللّه و روي فضل كثير في قول اشهد ان لا اله الا اللّه وحده لا شريك له الها واحدا احدا صمدا لم‌يتخذ صاحبة و لا ولدا كل يوم و روي عشر مرات و روي في كل يوم لا اله الا اللّه حقا حقا لا اله الا اللّه عبودية و رقا لا اله الا اللّه ايمانا و صدقا و روي فضل كثير في قول ما شاء اللّه لا حول و لا قوة الا باللّه سبعين مرة و في قول كل يوم مائة مرة لاحول و لا قوة الا باللّه وروي في كل يوم ثلثين مرة سبحان اللّه و ثلثين مرة لا اله الا اللّه الملك الحق المبين و روي مائة مرة مطلقا و روي لا اله الا اللّه مائة مرة في اليوم و روي التكبير مائة مرة عند المساء و روي من قال سبحان اللّه مائة مرة كان ممن ذكر اللّه كثيرا  و روي كل يوم سبع مرات الحمد للّه علي كل نعمة كانت او هي كائنة لشكر ما مضي و شكر ما بقي و في رواية قيل يا نبي اللّه علمني افضل الكلام قال قل لا اله الا اللّه وحده لاشريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت بيده الخير و هو علي كل شي‌ء قدير مائة مرة في كل يوم فانت يومئذ افضل الناس عملا  الا من قال مثل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 421 *»

ما قلت و اكثر من سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الا اللّه و اللّه اكبر و لا حول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم و لاتنسين  الاستغفار في صلوتك فانها ممحاة للخطايا باذن اللّه و روي من قال حين يطلع الفجر لا اله الا اللّه وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو حي لايموت بيده الخير و هو علي كل شي‌ء قدير عشر مرات و صلي علي محمد و آل‌محمد عشر مرات و سبح خمسا و ثلثين مرة و هلل خمسا و ثلثين مرة و حمد اللّه خمسا و ثلثين مرة لم‌يكتب في ذلك الصباح من الغافلين و اذا قالها في المساء لم‌يكتب في تلك الليلة من الغافلين و روي ان التهليل المذكور في هذه الرواية عشرا فريضة علي كل مسلم و روي عشرا في كل يوم اعددت لكل هول لااله الا اللّه و لكل هم و غم ما شاء اللّه و لكل نعمة الحمد للّه و لكل رخاء الشكر للّه و لكل اعجوبة سبحان اللّه و لكل ذنب استغفر اللّه و لكل مصيبة انا للّه و انا اليه راجعون و لكل ضيق حسبي اللّه و لكل قضاء و قدر توكلت علي اللّه و لكل عدو اعتصمت باللّه و لكل طاعة و معصية لاحول و لا قوة الا باللّه الي غير ذلك من الاذكار الواردة و هي لاتحصي كثرة.

و اما الاذكار الكتابية فهي ايضا كثيرة و جميع الاسماء المذكورة فيه صالح للذكر مع مراعاة شروطه الا انا نذكر نبذة منها هي علي صورة الذكر فمنها (بسم اللّه الرحمن الرحيم) و منها (حسبي اللّه عليه يتوكل المتوكلون) منها (الحمد للّه رب العالمين) منها (لا اله الا هو اليه المصير) منها (افوض امري الي اللّه ان اللّه بصير بالعباد) منها (تبارك اللّه رب العالمين) منها(هو الحي لا اله الا هو) منها (آمنا باللّه وحده) منها(اللّه ربي عليه توكلت و اليه انيب) منها (سبحان الذي سخر لنا هذا و ماكنا له مقرنين و انا الي ربنا لمنقلبون) ومنها (سبحان رب السموات و الارض رب العرش عما يصفون) و منها (للّه الحمد رب السموات و رب العالمين و له الكبرياء في السموات و الارض و هو العزيز الحكيم) و منها (هو اللّه الذي لا اله الا هو عالم الغيب و الشهادة هو الرحمن الرحيم هو اللّه الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام  المؤمن المهيمن

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 422 *»

العزيز الجبار المتكبر سبحان اللّه عما يشركون هو اللّه الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسني يسبح له ما في السموات و الارض و هو العزيز الحكيم) منها (ربنا عليك توكلنا و اليك انبنا و اليك المصير) و منها (لا اله الا هو الرحمن الرحيم) و منها (لا اله الا هو الحي القيوم) و منها (لا اله الا هو العزيز الحكيم) و منها (حسبي اللّه لا اله الا هو عليه توكلت و هو رب العرش العظيم) و منها (ما شاء اللّه لا قوة الا باللّه) و منها (لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين) و منها (تعالي اللّه الملك الحق لا اله الا هو رب العرش الكريم) و منها (هو ربي لا اله الا هو عليه توكلت و اليه متاب) و منها (سبحان اللّه رب العالمين) الي غير ذلك من الآيات الصريحة في الذكر و من البين ان الاذكار القرآنية لها فضل قرآءة القرآن و فضل الذكر علي ان فضل قرآءة القرآن اكثر من فضل الذكر و لكن الاذكار القرآنية يجمع الفضلين فينبغي اختيارها علي غيرها هذا و فضل كلام اللّه علي كلام الغير كفضل اللّه علي ذلك الغير فاذاً الاذكار القرآنية افضل الاذكار و اعظمها و اشدها تأثيرا و ينبغي مع ذلك ملاحظة شروطها حتي تنجح و انا اذكر لك قانونا في اختيار الاذكار في فصل و نختم به هذا المطلب ان شاء اللّه.

فصل: ان المؤمن في آناء الليل و النهار لايخلو من وارد يرد اليه من اللّه عزوجل فاما يرد اليه استشعار توحيد اللّه سبحانه في ذاته او صفاته او افعاله او عبادته و ما يــٔول الي ذلك من استشعار قدس اللّه سبحانه او صفاته الكمالية او شــٔون افعاله الرحمانية او الرحيمية و اما يرد عليه استشعار مقامات محمد و آل‌محمد: في مراتب البيان او المعاني او الابواب او الامامة و ما يــٔول الي ذلك من نسبتهم الي اللّه او الي الخلق او ما ينزل منهم الي الخلق من النعم و الايادي و اما يرد عليه استشعار نعماء اللّه و فضله عليه مما لايحصي و اما يرد عليه استشعار نقايصه و خطيئاته او حاجاته الي اللّه سبحانه من جلب محبوب رخاء او دفع مكروه لأواء و اما يسهو و يغفل ثم يتذكر و اما يمسه طايف من الشيطان ثم يتذكر و امثال ذلك

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 423 *»

فهو في كل حالة من هذه الحالات يناسبه ذكر من الاذكار و التمسك باسم من الاسماء فلو تمسك في تلك الحال الي ذكر مناسب اثّر فيه تأثيرا  ازيد من غيره من الاذكار البتة مثلا اذا استشعر الانسان قدس اللّه سبحانه و تنزهه عن صفات الخلق او وسوس اليه الشيطان تشبيها نعوذ باللّه فلا شك في ان الاذكار التي مفادها التقديس و التنزيه انسب كقول سبحان اللّه او سبوح قدوس او تعالي اللّه و امثال ذلك و اذا استشعر جلال اللّه في الجبروت فيا جليل انسب و اذا استشعر عظمة اللّه في الملكوت و عظمة خلقه فيا عظيم انسب و اذا استشعر كبر ملكه و كبريائه فاللّه اكبر و ياكبير انسب و اذا استشعر نعمائه و اياديه فالحمد للّه اوفق و اذا وسوس اليه الشيطان ذكر ضد او ند او توجه الي الغير فلا اله الا اللّه اقرب و اذا استشعر مقام محمد و آل‌محمد: فالصلوات عليهم اشبه و ان استشعر نقايصه و خطاياه فالاستغفار اولي و هكذا و علي هذه فقس ما سواها و يشير الي ذلك الدعاء الذي رويناه في الفصل السابق و هو اعددت لكل هول الدعاء و ان كان حاضر القلب فالاذكار الخطابية انسب كـلا اله الا انت مثلا و ان كان محجوبا فاذكار الغيبة اولي كـلا اله الا هو و لااله الا اللّه و امثال ذلك فالانسان لابد و ان يراقب نفسه في جميع حالاته و يعرف ما يناسبه في تلك الحال و يتوجه الي اللّه المتعال بالاسم الموافق له فانه يكون اشد تأثيرا البتة و ان فرض له حالة خلي من تلك الواردات فيها فابسط الاذكار له ذكر يا اللّه.

و اما العدد فالاوفق بحال السالك ان يذكر ذلك الاسم مادام علي تلك الحال فلاعدد خاصا له و قد مر الاذن العام من اكثار الذكر و جواز التمسك بكل تسبيح  فلاتخش مما ظنه بعض العلماء من ان تخصيص ذكر و وقت و عدد و مكان و كيفية بدعة فان جميع ذلك داخل تحت الرخصة و ما قيل ان فعل ما لم‌يرد بقصد الورود بدعة كلام باطل فان القصد امر جبلي قهري و لايقدر الانسان ان يقصد ورود ما لم‌يرد و تشريع تخصيص ما لم‌يخصص الشارع و انما يفعل العاقل الشي‌ء اذا كان احد افراد الكلي المأذون فيه فالشارع قد اذن لنا في الذكر الكثير و التسبيح

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 424 *»

بأي عدد شئنا فنحن نذكر اللّه باسم خاص من جهة انه احد افراد الذكر و باي عدد شئنا لاجل انه احد افراد الكثير و هو من الذكر فاي بدعة يلزم من ذلك و هو مستحب مندوب‌اليه تحت الكلي المستحب المندوب اليه و قصد تخصيص ما لم‌يخصص الشارع مما لايمكن للعاقل فلابدعة و الحمد للّه و لا تشريع بفضل اللّه فكل ما يسمي بالذكر يجوز الاتيان به باي لسان كان و باي عدد و في اي وقت و في اي مكان و باية كيفية و لينظر الانسان الي حاله و ما يناسبه و ما يكون اشد تأثيرا في نفسه بتجربته سواء كان مأثورا او غيرمأثور ألاتري ان الدعاء الذي لدفع العدو ينبغي ان يختاره الذي له عدو و يريد دفعه و الدعاء الذي لدفع الدين ينبغي اختياره لمن دهمه دين و هكذا و الاذكار المأثورة ايضا كذلك فانظر في كل حين الي حالتك و مرضك و داوه بدواء مناسب من اسماء اللّه و صفاته يا من اسمه دواء و ذكره شفاء فلاكل دواء يناسب كل داء ألاتري انه لايمكن ان يقال يا منتقم اغفر لي و يا غفور يا رحيم فرّق شمل فلان و خذهم بعفوك يا عفو و امثال ذلك فاذا عرفت ان كل حادث قائم باسم من اسماء اللّه و يحدثه اللّه به عرفت ان عند طلب ذلك الحادث لايجوز التمسك الا بذلك الاسم فاختر دائما لنفسك التمسك بسبب حاجتك و مرادك الذي جعله اللّه سبب اجراء حاجتك و من تتبع كتب الدعوات المأثورة و نظر فيها بنظر الاعتبار و تفكر  في عجايبها اطلع علي اسماء تخص بكل حاجة فان آل‌محمد: يأتون البيوت من ابوابها و يعرفون باب كل حاجة و الاسم الذي به يخلق اللّه كل حادث فلايدخلون الا منه و لايتمسكون في ذلك الامر الا به و لكن يحتاج الي فطانة و ذكاوة و معرفة بلحنهم صلوات اللّه عليهم و قد ذكر اهل الجفر بعض قواعد للاذكار لابأس بذكر بعضها لكونها احد افراد الذكر المندوب اليه و الاكثار المأموربه فان فعله السالك فانما يفعله لاجل انه احد افراد المطلق المأمور لا غير.

قال الشيخ الامجد و الاستاد الاوحد­  في رسالته التوبلية: «و للاسماء الحسني خواص مختلفة تنفعل لها الاشياء اذا استعملت كذلك علي الوجه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 425 *»

المقرر فيكون لها ابداعات منها ان تأخذ لكل حرف من حروف اسمك اسما اوله ذلك الحرف المأخوذ له و تذكرها بعدد اعدادها او بعدد حروف هجائها او بعدد حروف اعدادها بعد حذف المتكرر ثم تدعو بها بحرف النداء و تسأل حاجتك مثلا محمد يأخذ المجيد و الحليم و المعطي و الدليل و تذكرها بعدد اعدادها مثلا المجيد سبع و خمسون و الحليم ثمانية و ثمانون و المعطي مائة و تسعة و عشرون و الدليل اربعة و سبعون الجميع ثلاثمائة و ثمانية و اربعون و ان كان بعد بسط حروف هجائها م ي م ج ي م ي ا د ا ل ح ا ل ا م ي ا م ي م م ي م ع ي ن ط ا ي ا د ا ل ل ا م ي ا ل ا م فيكون اثنين و اربعين و ان شئت تحذف المتكرر فتكون تسعة او باعدادها الجفرية مائة و خمسة و تسعين او باعداد الاسماء الجفرية ستون» اقول بعد حذف المتكرر يبقي عشرة و هي م ي ج ا د ل ح ع ن ط فلعل الغلط من النساخ و اعدادها الجفرية مائة و تسعة و تسعون و الظاهر ان الساقط من حسابه الدال و المراد من الاعداد الجفرية ان تأخذ ميم اربعين ستة احرف و يا عشرة اربعة احرف و هكذا و قد حاسبه قبل اسقاط المتكرر و المراد باعداد الاسماء الجفرية ان تأخذ اسماء جمل  الصغير من الاسماء المذكورة فتأخذ الاسم مجيد اربعة ثلثة واحد اربعة و هكذا فاذا جمعت هذه الاعداد صارت ستين.

قال­: « و ان كان بعدد حروف اعدادها س ب ع خ م س و ن ث م ا ن ي ه ث م ا ن و ن م أ ه ت س ع ه ع ش ر و ن ا ر ب ع ه س ب ع و ن فتكون اثنين و اربعين في هذا المثال» اقول هي اثنان و اربعون ان اخذ سبع بلا هاء و القياس يقتضي اثبات ها كساير اخواتها فهي ثلث و اربعون و المراد اعداد الاسماء الاربعة المذكورة سابقا.

قال­:  «و ان كان بحذف المتكرر فخمسة‌عشر و ان كان بحروف اعداده الجفرية ا ر ب ع ه ث ل ا ث ه ا ح د ا ر ب ع ث م ا ن ي ه ث ل ث ه ا ح د ا ر ب ع ا ر ب ع ه س ب ع ه ت س ع ه ا ح د ا ر ب ع ه ث ل ث ه ا ح د ث ل ث ه ست و ستون»

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 426 *»

اقول انه ترك هاء ا ر ب ع ة في موضعين و القياس اثباتها كما في اخواتها و في الاول فهي ثمانية و ستون و المراد من هذه الاعداد اعداد حروف الاسماء بالجمل الصغير.

قال­:  «او بحذف المتكرر فثلثة‌عشر» اقول هو ا ر ب ع ه ث ل ح د م ن ي س ت فهو اربعة‌عشر و الكتاب مغلوط جدا و لايحتمل ان يكون السهو منه­.

قال­: «و كذلك تفعل بمحمد حتي تطابقا و تذكرها بالعدد المطابق بينهما» اقول المراد ان تتصرف في اسم محمد ايضا باحد التصرفات حتي يصير عدده مطابقا لعدد الاسماء في احد التصرفات فاذا تطابقا هو العدد الذي اذا ذكرت الاسماء بذلك العدد تؤثر فيك لانه عدد اسمك و منها ان تطلب من الاسماء ما يوافق حاجتك اما في العدد او في طبيعة الحروف و منها ان تنظر ما بين حاجتك و بينك من عدم التوافق كأن يكون اسم احدكما حروفه فيها التواخي و الآخر فيها التناكر او النورانية و الآخر ظلمانية او السعيدة و الآخر النحيسة او الحارة و الآخر الباردة و هكذا  فتختار من الاسماء الحسني ما يحصل به التعديل بينكما فاذكر به كما مر و تجمع بينه و بين اسمك و اسم حاجتك في شكل و ركبها كلمات و تدعو بها عجمية كانت او عربية بتوجه بال ملاحظا لمدلول الاسم و حاجتك حتي يتم الامر و منها ان تأخذ ما يوافق عدد اسمك من اعداد الاسماء الحسني اما بالجمل الكبير اسما او اسمين او اكثر حتي يحصل العدد مثل محمد اثنان و تسعون فتأخذ حي وهاب ولي جواد اثنان و تسعون فتقرؤ الفاتحة ٩٢ و سورة الم‌نشرح ٩٢ و تذكر الاسماء الحي الوهاب الولي الجواد ٩٢ ثم تقول يا حي يا وهاب يا ولي يا جواد صل علي محمد و آل‌محمد و افعل بي كذا و لاحظ حال الذكر بالحي الحيوة في كل شي‌ء و في الوهاب و الجواد العطية لكل شي‌ء و في الولي القيام بكل شي‌ء ولتكن حاجتك امام بالك حالة الذكر و قدم امام دعائك ذكر انه دعاك لذلك فاستجب له و وعدك فصدقه و اعلم ان القاصد اليه قريب المسافة قال تعالي (و اذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 427 *»

و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) و اعلم انك اذا اتيت البيوت من ابوابها فتحت لك الابواب و دخلت البيوت» الي آخر كلامه.

و قال في موضع آخر منه: «و اما كيفية استجابة الدعاء فان تعرف الواحد ثم معناه ثم بابه فتلحظ فقرك لحاجتك فتقصد بابه و تدعو واحدا طوي بوحدته ذاتك و حاجتك و قصدك و دعاءك فيظهر معناه من بابه بحاجتك من بابها و الي هذه المراتب الثلث اشار علي بن الحسين7 في الحديث المشار اليه سابقا بقوله المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا».

و قال بعيده: «اعلم ان الاسم الاعظم علي احوال فاما الاسم الخاص الاكبر فان اللّه ستره عما سوي اوليائه المعصومين لئلايبطل النظام لو وصل الي غير المعصوم فلاكلام لنا فيه لعدم علمنا بتركيبه و ان كان موجودا في الحروف النورانية  و اما غير الاسم اللفظي فمنها ما يحصل بالحال الصادقة كما يظهر للمرتاضين باذكار الاسماء و منها بتصفية الباطن و التجافي عن دار الغرور و ترك الشواغل فلايكون بينه و بين اللّه حجاب ما زال العبد يتقرب اليّ بالنوافل حتي احبه الحديث و منها ثمرة العلم باللّه و صفاته و اسمائه فيدعوه بها و للّه الاسماء الحسني فادعوه بها  و هو الذي اشرنا اليه هنا فاهل زماننا فاتتهم المراتب الثلث فهم لايحتملونه البتة و ان شرحت لهم الحال لم‌يفهموا المقال سواء عليهم ءانذرتهم ام لم‌تنذرهم لايؤمنون» انتهي كلامه اعلي اللّه مقامه و رفع في الخلد اعلامه. و قواعد اهل الجفر في بسطهم و تكسيرهم و استخراج الاسماء و الملائكة و اوفاقهم كثيرة جدا من اراد الاطلاع عليها فهي في كتب اهله مبسوطة و من تمسك باسماء اللّه المأثورة في طرق آل‌محمد: علي تلك القواعد من باب ان ذلك تحت مطلقات الذكر الكثير لا بأس به و له الخواص الجفرية ما وافق منها البرهان و التجربة و نحن نكتفي في هذا الفصل بما ذكرنا منها فانها كافية ان شاء اللّه.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 428 *»

خاتمــة

و لا علينا ان نختم هذا المطلب بذكر الاربعين و ما يناسبه اعلم ان الاربعين سر من سر اللّه و امر من امر اللّه و حكمة عجيبة من حكم اللّه لايتحول شي‌ء عن حال الي حال الا في الاربعين ظاهرا او باطنا و لايتم شي‌ء الا في الاربعين و لايكمل الا في الاربعين و تفصيل هذا المعني يطلب من ساير كتبنا و اما الذي يناسب هذا المقام ان هذا العالم اثر مشية اللّه المخلوقة بنفسها فهو علي صفتها فهو عندها في مقامه مخلوق بنفسه لها قائم بنفسه باقامتها اياه بنفسه فله مقامان مقام دهري فهو قائم بنفسه من حيث الجسمية و لا كلام فيه و مقام زماني فالموجودات الزمانية الحادثة في الارض قائمة بالسماوات و ذلك ان السماوات  عرصة المشية و العناصر عرصة الامكان و يستخرج القوي الامكانية باشراق السموات الي الفعلية فاشراق السموات هو القوة الفاعلة و العناصر هي القابلة فاذا اشرقت السماوات عليها حركها و ضرب بعضها ببعض و ركبها لاستخراج سر الوحدة الفلكية منها فلها في مقام القابلية ثلث دورات الاولي تركب بعضها ببعض تركب اختلاط في الظاهر علي غير اعتدال و صفاء عن الاعراض الهبائية فيحصل منه الجماد الذي ليس له طبع واحد و انما له بكل جزء طبع و الثاني تركب بعضها ببعض تركب امتزاج علي غير اعتدال و صفاء عن الاعراض الطبعانية و ان كان صافيا عن الاعراض الهبائية فيحصل منه المعدن الذي له طبع واحد و لكن لاختلاطه بالاعراض الطبعانية صار لاينمو الا ان فيه ماسكة و هاضمة ما يهضم ما وصل اليه من الخارج و يحيله الي شكله و يمسكه و ليس فيه جاذبة و لا دافعة و لا مربية نعم قد صفا في جوهره من الاعراض الهبائية و ان جاوره اعراض هبائية تزول عنه بادني تدبير فتلك الاعراض بمنزلة التراب المخلوط مع سحالة الذهب علي نحو المجاورة لا الممازجة والثالث تركب بعضها ببعض تركب اتحاد علي اعتدال نوعي و صفاء عن العرضين الهبائي و الطبيعي و خروج طبع واحد له من القوة الي الفعلية الذي هو بمنزلة القطب في العناصر و القلب الصالح لايواء الروح الفلكي فيه فصار ينمو بفضل الروح الفلكي و يتحرك الي كل جهة و يظهر من كل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 429 *»

من عناصره بفضل الروح الفلكي و مثاله فعل كالجذب و الهضم و الدفع و المسك و الارباء و الزيادة و النقصان فلما تم للمركب هذه الدورات الثلثة صلح لاظهار النفس الفلكية و ظهورها منها فانه حينئذ بمنزلة مرآة صافية قد جلت عن الاكدار و فارقت الاغيار و توجهت الي الشاخص بكلها فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فحينئذ يظهر فيها النفس الفلكية الحيوانية و تستولي  عليها بالامر و النهي و الحس و الارادة فتبصر و تسمع و تذوق و تشم و تلمس و ترضي و تغضب و تتحرك و تسكن فهذه الدورة هي الدورة الرابعة فتسمي الثلث الاول بالدورات القابلة و هذه الدورة بالمقبولة فاذا دار الشي‌ء هذه الدورات تم علي مقتضي هذا العالم و استوفي مراتب الارض و السماء و صار كلمة تامة و اسما تاما ينشأ منه الآثار السفلية و العلوية الا انه ادني مراتب التمام ثم له بعد ذلك لاستيفاء المراتب الغيبية ايضا اربع دورات ثلث قابلية و هي الحيوانية و الملكية و الجنية و الانسانية هي الدورة المقبولة لها فاذا استوفي المركب هذه المراتب صار كلمة تامة غيبية ينشأ منها آثار و ذلك ان دورة الحيوانية و الملكية و الجنية من مراتب ارض الطبايع الغيبية فلما بلغ اشده و استوي اي تم مراتب قابليته آتيناه حكما و علما و هما من النفس الانسانية فظهر عليه اشراق النفس الانسانية من سماء الملكوت الفاعلة في الارض بسر اللاهوت فاذا ظهر فيه النفس الانسانية صار كلمة تامة الي ادني مراتب التمام الغيبي فهو بالنسبة الي الاعلي في مقام ادني مراتب القابلية و يدور في غيب الغيب ثلث دورات الاولي الانسانية الثانية و الثانية النبوة و الثالثة الخاتمية و ذلك انها من دورات قابلية ارض الامكان المقيد فلما بلغ اشده و استوي آتيناه حكما سرمديا و علما سرمديا من سماء المشية السرمدية فهذه هي الكلمة التامة التي انزجر لها العمق الاكبر و نفس اللّه التي لايعلم احد ما فيها و الاسم الذي خلق بالحروف غير مصوت الي ان جعله علي اربعة اجزاء معا ليس شي‌ء منها قبل الآخر فاظهر منها ثلثة و هي دورات القابل لفاقة الخلق من حيث القابلية اليها و اخفي منها واحدا و هو المقبول المكنون المخزون و ان شئت ان‌تأخذ القوابل قوابل الكلمة الزمانية و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 430 *»

قوابل الكلمة البرزخية و قوابل الكلمة الدهرية فكل واحدة منها دورة بالنسبة الي الكلمة الكلية التامة  و المقبول الاعظم السرمدي فكمال دورات القابلية للكلمة التامة التي لايجاوزها بر و لا فاجر و ينقادان لها تسعة و هي قوي طا و هي القابلية العظمي و العاشرة هي المقبولة و تلك عشرة كاملة و لسنا الآن بصدد بيانه.

بالجملة لما كان في كل دورة من دورات القوابل علي حسب مقامه عشر قبضات تسعة من الافلاك و واحدة من الارض و ان كانت تختلف في القوة و الفعلية صار مراتب القابلية ثلثون و هي قوي لام قطب اسم الولي و مركزه و هي ميقات موسي لاتمام قابليته و واعدنا موسي ثلثين ليلة و كذلك يكون للمقبول ايضا عشر قبضات و بها يتم ميعاد ربه اربعين ليلة و يكمل الشي‌ء في اربعين فجري هذا السر في جميع الموجودات و صار مما لابد منه في تحول كل شي‌ء من حال الي حال و في تمام كل شي‌ء و كماله و بذلك وردت اخبار عن الائمة الاطهار سلام اللّه عليهم ما اختلف الليل و النهار ففي القدسي خمرت طينة آدم بيدي اربعين صباحا وفي الوسائل عن العبدالصالح7 انه سئل عن النطفة ما فيها من الدية و ما في العلقة و ما في المضغة و ما في المخلقة و ما يقر في الارحام فقال انه يخلق في بطن امه خلقا من بعد خلق يكون نطفة اربعين يوما ثم مضغة اربعين يوما ففي النطفة اربعون دينارا و في العلقة ستون دينارا و في المضغة ثمانون دينارا الخبر  و عن علي بن الحسين8 في حديث في حد النطفة هي التي اذا وقعت في الرحم فاستقرت فيه اربعين يوما و في حد العلقة هي التي اذا وقعت في الرحم فاستقرت فيه ثمانين يوما و في حد المضغة هي التي اذا وقعت في الرحم فاستقرت فيه مائة و عشرين يوما الخبر، فلكل منها اربعون يوما يتحول من حال الي حال و روي في اخبار عديدة ان من شرب الخمر لم‌يقبل منه صلوة اربعين صباحا و قيل لابي‌الحسن7 انا روينا عن النبي9 انه قال من شرب  الخمر لم‌تحسب صلوته اربعين صباحا فقال قد صدقوا قيل كيف لاتحسب صلوته اربعين صباحا لا اقل من ذلك و لا اكثر فقال ان اللّه قدر خلق الانسان فصيره نطفة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 431 *»

 اربعين يوما ثم ينقلها فيصيرها علقة اربعين يوما ثم ينقلها فيصيرها مضغة اربعين يوما فهو اذا شرب الخمر بقيت في مشاشه اربعين يوما علي قدر انتقال ما خلق منه ثم قال و كذلك جميع غذائه اكله و شربه يبقي في مشاشه اربعين يوما انتهي و في رواية عن ابي‌عبداللّه7 في شارب الخمر لايقبل اللّه منه صلوة مادام في عروقه منها شي‌ء انتهي و قد حدوه باربعين يوما فلايتحول من طبيعة الخمر الي اللحم الطاهر الخالص الا في اربعين يوما وروي ليس له توبة في الاربعين فان مات فيها دخل النار و روي ان مات في الاربعين مات كافرا و قد مر عن ابي‌عبداللّه7 في اللحم من تركه اربعين يوما ساء خلقه و قيل لابي‌الحسن7 ان الناس يقولون من لم‌يأكل اللحم ثلثة ايام ساء خلقه فقال كذبوا و لكن من لم‌يأكل اللحم اربعين يوما تغير خلقه و بدنه و ذلك لانتقال النطفة في مقدار اربعين يوما انتهي.

فتبين من هذه الاخبار و الآيات ان في الاربعين سرا من اسرار اللّه و فيها يتم كل ناقص و يكمل كل تام و فيها يتحول كل شي‌ء عن حال الي حال فكذلك يكون احوالات النفس في ترقياتها و تحولاتها و استكمالاتها و من ذلك روي في كنزالدقايق عن الكليني بسنده عن السدي عن ابي‌جعفر7 قال مااخلص عبد الايمان للّه اربعين صباحا او قال مااجمل عبد ذكر اللّه اربعين يوما الا ان هداه اللّه في الدنيا و بصّره داءها و دواءها و اثبت الحكمة في قلبه و انطق بها لسانه ثم تلا هذه الآية (ان الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم و ذلة في الحيوة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) فقال فلاتري صاحب بدعة الا ذليلا و لا مفتريا علي اللّه و علي رسوله و اهل بيته9 الا ذليلا  و في عيون ‌اخبار الرضا7 بسنده عنه7 بسنده العلي قال قـال رسول اللّه9 مااخلص عبد للّه عزوجل اربعين صباحا الا جرت ينابيع الحكمة من قلبه علي لسانه انتهي و لاجل ذلك بعث النبي9 بعد استكمال اربعين

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 432 *»

سنة و يكون كمال عقل كل امرء في اربعين فقد روي عن ابي‌عبداللّه7 ان العبد لفي فسحة من امره ما بينه و بين اربعين سنة فاذا بلغ اربعين سنة اوحي اللّه عزوجل الي ملكيه قد عمرت عبدي هذا عمرا فغلظا و شددا و تحفظا و اكتبا عليه قليل عمله و كثيره و صغيره و كبيره و عن ابي‌جعفر7 قال اذا اتت علي الرجل اربعون سنة قيل له خذ حذرك فانك غيرمعذور الخبر و عن ابي‌عبداللّه7 اذا بلغ العبد ثلثا و ثلثين سنة فقد بلغ اشده و اذا بلغ اربعين سنة فقد بلغ منتهاه فاذا طعن في واحد و اربعين فهو في النقصان و ينبغي لصاحب الخمسين ان يكون كمن كان في النزع انتهي.

بالجملة ان الانسان اذا وقع نطفته في الرحم تعلق به الروح النباتية الي ان يتم بدنه ثم يتعلق به الروح الحيوانية بعد اربعة اشهر ثم يتعلق به الروح الناطقة اول تولده في الدنيا و يترقي شيئا بعد شي‌ء و يزداد فهما و ادراكا الي ان يبلغ فيتعلق به العقل فيترقي و يزداد باتباع الشرع الي ان يبلغ اربعين فيبلغ منتهي عقله ثم يبدؤ في النقصان كما ازداد الي ان لايعلم شيئا و يعود جاهلا فيبقي فيه الناطقة الي ان يموت فيخمد فالاربعون هو منتهي الكمال فان في ثلثين سنة يكمل قابليته و في اربعين يكمل مقبوله و لذلك لما بلغ ظاهر النبي9 ثلثين استعد لظهور سر الولاية فتولد علي7 و ظل معه عشرا فاستكمل اربعين فاذا ارتحل بقي صاحب الولاية التي هي مقام نفس النبوة و النبوة مقام عقلها ثلثين  سنة فلقّب محمد9 بسيد الميم و خص علي7 بحرف اللام لقواهما.

بالجملة ان الاربعين سر من سر اللّه و امر من امر اللّه به يستكمل كل ناقص و فيه يبلغ كل مجاهد سالك فينبغي ان يديم الانسان كل ما يلتزمه اربعين يوما اقلا و من زاد استزاد و الاربعون الاصغر هو اربعون يوما و الاوسط اربعون اربعينات و الاكبر اربعون سنة.

و قال اهل الرياضة ان لكل نبي اربعين فلآدم7 اربعون التوبة و لادريس اربعون الرفعة و لنوح اربعون النجاة و لابرهيم اربعون

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 433 *»

الاستكرام و لصالح اربعون الاستكشاف و للقمان اربعون الحكمة و لداود اربعون الاستكمال و لسليمان اربعون الاستعظام و لايوب اربعون الاستشفاء و ليوسف اربعون الاستعظام و ليعقوب اربعون الاستبصار و ليونس اربعون الاستخلاص و لعيسي اربعون الاستنجاح و لمحمد صلي الله عليه و آله و علي ساير الانبياء اربعون الوصال.

اقول ان الانبياء سلام اللّه عليهم و الاولياء مرتاضون باشد الرياضة في جميع عمرهم فهم دائما في الاربعين لايفيقون و من الذي يقدر علي تلك الرياضة الشاقة التي قد مر بعض ذكرها و اللّه يعلم حيث يجعل رسالته فهم مع ذلك المقام يرتاضون تلك الرياضات الشاقة و نحن نريد ان نشبع من الذّ الطعام و نلبس انعم الثياب و نركب افره الدواب و ننكح احسن النساء و نستريح من كل تعب و نبلغ مع ذلك اعلي درجات المقربين فاذا نحن اشرف من الانبياء و المرسلين و الاولياء المكرمين اذ هم لم‌يبلغوا ما بلغوا الا بتعب و محنة و نصب و نحنّ ان نبلغ ما بلغوا بلهو و لعب و ذلك لايكون و اعلم ان لهم اي لاهل الرياضة ثلث اربعينات اربعون ترك العادة و اربعون تبديل الاخلاق و اربعون تصفية الباطن و المكاشفة و لهم اعمال و اذكار في شروط و آداب و يشترطون فيها اذن الاستاد و مراقبته للشخص ليأمن من اخطار ما يظهر له و هو الحق الذي  لا مرية فيه فان الانسان اذا بني علي الرياضة و الخلوة يظهر له بعض الاشياء التي يدهش منها فلو كان بغير هاد فلربما يجن و لربما يأخذه العجب و الاغترار و يفسد عليه دينه و لربما يسول له الشيطان امورا منكرة و يشتبه عليه امره فيدعي ما ليس له و مما نسب الي النبي9 من تزهد بغيرعلم جن في آخر عمره او مات كافرا انتهي و لربما يجتمع عليه الشياطين ليزحزحوه عن الرياضة و العمل و يظهرون له بصور منكرة و يلقون اليه اقاويل باطلة فلابد من استاد مطلع عليه يوقفه علي ما يظهر للسالك مما لا عبرة به و ما به عبرة و يقوي قلبه و يؤمنه من المخاوف و يعلمه لكل داء دواء و في كل مقام ذكرا و عملا و يعرفه ما يظهر له من الشياطين و ما يكون من جهة الملائكة فاياك اياك ان‌تقدم علي امثال هذه الرياضات من عند نفسك من

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 434 *»

غير استاد عليم خبير شفيق مراقب تبث اليه شكواك و تطلعه علي ما يظهر لك يوما فيوما.

و اعلم ان في الاذكار و الاوراد خواص لم‌تسطر في كتاب و لم‌تجر في خطاب و انما تنتقل من صدر الي صدر لايطلع عليها كل احد فمن لم‌يفز بمعرفة حملتها لايطلع عليها و يخبط فيها خبط عشواء و لايعرف ما يصلحه مما يفسده و اما الاستاد فهو الذي عرف تلك الخواص و يحمل السالك كل يوم علي ما فيه صلاحه و يؤنسه في الوحشة و يعلمه من الجهالة و يوقفه علي الخطرات و يؤمنه من المخاوف.

و اعلم ان وراء هذا الستر الظاهر الذي من قبله العامة امورا لم‌تره عين و لم‌تخطر علي قلب بشر و لايصدقها العوام الذين يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون البتة و لايجوز للجاهل بها ان يقتحم مسالكها و ان يهجم مواردها من غير هاد خبير و دليل بصير و قد سمعت من استادي العالم اعلي اللّه مقامه و رفع في الخلد اعلامه انه قال «لم‌يجر عادة اللّه سبحانه في خلقه ان يترقي احد من غير استاد و رفيق» انتهي، اقول ان الانسان هو امكان ما يراد منه و امكان كل صفة خير او شر و جميعها فيه بالقوة يوم اول و القوي اعدام لا تعين لها و ليست تخرج الي الفعلية الا بمكمل خارجي كما انه كان فيه قوة النطق و لم‌تخرج الي الفعلية الا بمعلم و كان فيه قوة العلوم و لم‌تخرج الا بمعلم و فيه قوة الصنايع و ليست تخرج الا بمعلم و كذلك فيه قوة الايمان و الكفر و السعادة و الشقاوة و الاعمال الصالحة و الطالحة و قوة الكشف عن الحقايق و مشاهدة الدقايق و معاشرة الارواح و ليس يخرج شي‌ء من ذلك الي الفعلية بنفسها و لا بناقص عادم لها فلابد من كامل في ذلك مكمل يخرج بقوة نور تكميله تلك الصفات من القوة الي الفعلية و هو الاستاد.

و اما الرفيق فان اقرب ما يكون الشيطان الي الانسان حال وحدته هذا والواحد يأخذه الكسالة و الملالة و الضجر و الرفيق منشط مهيج مشوق و للانسان حوايج لابد له منها و لابد له من ان يستعين فيها بغيره و يعاشره فان كان غير مناسب له و غير سالك مسلكه يعوقه عن سلوكه فلابد و ان يكون له اخ مناسب له موافق له في همّه متوجه الي مقصده يتعاونان علي حاجاتهم و يسلكان سبل ربهما يهتديان بهدي استادهما و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 10 صفحه 435 *»

لتفصيل هذا المطلب مقام آخر و لما كثر حجم الكتاب رأينا ان نختم هذا المجلد هنا و اسأل اللّه ان يعينني علي ختم جميع ما قصدناه و عزمنا علي رسمه في ساير المجلدات و اللّه هو المستعان و عليه التكلان و اسأل اللّه المنان ان يجعله ذخيرتي و يوفقني للعمل بما فيه و القيام بما انطوي عليه و يوفق ساير اخواننا المؤمنين علي العمل بما فيه و معرفة ما انطوي عليه في ظاهره و خافيه و كان الفراغ من رسمه ضحوة يوم الاثنين السابع و العشرين من شهر ذي‌القعدة الحرام من شهور سنة ثلث و سبعين بعد المأتين و الالف و انا اقول الحمد للّه الذي  هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا اللّه و صلي اللّه علي سيدنا البشير النذير الهادي محمد و آله الطيبين و استغفر اللّه من زلة الاقدام و ضلة الاحلام انه غفور رحيم، تمت.