08-05 جوامع الکلم المجلد الثامن ـ رسالة في جواب الاخوند الملاحسين الواعظ الکرماني ـ مقابله

رسالة فی جواب الآخوند الملا حسین الواعظ الکرمانی

 

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 282 *»

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين.

اما بـعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائي انه قد ارسل الي المخلص الصافي عن الرين العاري عن الشين الاخوند الملاحسين الكرماني المعروف بالواعظ بعض المسائل المتصعبة علي الافهام لان في بعضها ما لم‏يذكر في كلام و لم‏يجر علي لسان احد من الاعلام فيما وصل اليّ علي حال تشتت من البال لايكاد يحضره المقال فاجبت امره مع كثرة الاشتغال بما يحضرني علي سبيل الاستعجال فاقول.

قال سلمه اللّه و ايده برضاه و اصلح له آخرته و دنياه بينوا لنا هذه الفقرات الشريفة المذکورة في السورة المبارکة المسماة بـهل اتي علي طريقتكم مرة يقول عز من قائل يشربون بصيغة المعروف و مرة يقول و يسقون و مرة يقول سبحانه و سقاهم ربهم.

اقول: علي سبيل الاشارة و الاختصار اعتماداً علي فهمه سلمه اللّه و جوده قابليته اعلم ان اهل الجنة لهم احوال مختلفة لانهم دائماً يترقون و ينتقلون من درجة الي اعلا منها بلانهاية الا انهم اول ما يدخلون يمكثون في ادني مراتب الجنة كما قيل. ثم ينتقلون منه الي اعلا منها و هكذا فاول مراتبهم ما يسمي عند بعض العارفين بالرفرف الاخضر و ذلك عند ما دخلوا الجنة و اكلوا من كبد الثور. ثم من كبد الحوت. ثم شربوا من الكوثر. و بعد ذلك لهم فيها ما يشاؤون الا ان مشيتهم لما يشتهون تنبعث من نفوسهم علي حسب استعدادها و قابليتها و هم انما دخلوا الجنة بعد ما طهِّروا لو كان عليهم ذنوب. فتبقي اجسادهم و اجسامهم و طبايعهم و نفوسهم و ارواحهم و عقولهم و افئدتهم صافية من الاكدار متهيئة لقبول الانوار. و الانوار التي بها يترقون في المراتب العاليات تجري فيهم بعد ما تشرق في اكمامها علي قابلياتهم و انما تجري فيهم فيما

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 283 *»

يتنعمون به من انواع النعيم مما تشتهيه انفسهم و تلذ اعينهم من المآكل و المشارب و النكاح و ما يتفكهون فيه من مسائلة الاصحاب و منادمة الاحباب و مناجات رب الارباب سبحانه و تعالي و ذكره و استماع كلامه و غير ذلك من انواع النعيم التي يترقون بها في الدرجات الرفيعات التي لاغاية لها و لا نهاية و ذلك بما استقر فيها من الانوار و كمن فيها من الاسرار لان انواع النعيم جميعها اكمام تلك الانوار و الاسرار و مراكبها الحاملة لها الي ان‌توصلها الي قوابلها المشاكلة لها من اهل الجنة.

فاذا اكلوا من كبد الثور و كبد الحوت و شربوا من الكوثر دخلوا الجنة في مقام الرفرف الاخضر و جميع اجسامهم و ارواحهم يعني اجسادهم و اجسامهم و طبايعهم و نفوسهم و ارواحهم و قلوبهم و افئدتهم جميعاً صافية خالية من الانوار و الاسرار الا القليل و كلما تنعموا بما يشتهون استنارت قوابلهم و قويت علي تناول المقامات العالية التي لم‏ترها عين و لم‏تسمعها اذن و لم‏تخطر علي قلب بشر. فهم يشربون بانفسهم و علي‏ ايد الحور و الولدان و ذلك لقلة نوريتهم في اول دخولهم الجنة بالنسبة الي ما يستقبل من احوالهم و ما يتجدد لهم من انواع النعيم فعلي ما قيل يكون هذا حالهم في الرفرف الاخضر الا ان اخره اشرف و اكمل من اوله لانهم دائماً يترقون فقال تعالي في حالهم هذا الذي هو اول دخولهم ان الابرار يشربون من كأس.

فاذا انتقلوا منه الي الكثيب الاحمر و ارض الزعفران قويت قوابلهم و استنارت بواطنهم فيتجلي لهم المتفضل بالفضل فهناك يسقون فيها كأساً ففي مقام الرفرف الاخضر يشهدون انفسهم انهم يباشرون النعيم فعبر عن ذلك بنسبة اليهم. و في مقام الكثيب الاحمر و ارض الزعفران و هو مقام التجلي لهم بما لم‏يمهدوا في دار الدنيا صوره و اسبابه فتفضل عليهم بما شاء تعالي من حيث لم‏يشعروا به اي باسبابه في الدنيا بل ما حصل في ظنهم ذلك قال اللّه تعالي و اقبل بعضهم علي بعض يتسائلون قالوا انا كنا قبل في اهلنا مشفقين فمن اللّه علينا و وقانا عذاب السموم انا كنا من قبل ندعوه انه هو البر الرحيم و في هذا المقام حيث لم‏يستأهلوا لشرابهم لعدم اتيانهم بصورته و سببه في الدنيا لم‏يشعروا

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 284 *»

بساقيهم فعبر عن ذلك بنسبته الي المجهول و لو علموا باتيانهم بالسبب يعني ان اتيانهم بالسبب هو علمهم بالساقي يعني يكشف لهم عن الساقي ما هو و هو علمهم [عملهم خ‌ل] و امره تعالي و قدره في عملهم وضعه [و صنعه خ‌ل] لذلك لعبّر عنه بالمعلوم.

ثم ينتقلون منه الي الاعراف و هو مقام يتعارفون بينهم فما يصلون الي هذا المقام الا و قد قويت قواهم من شهادتهم و غيبهم فتدرك اجسادهم و اجسامهم ما تدركه النفوس و الارواح و العقول بدونها من المعاني و الصور و الاشباح و تدرك عقولهم و ارواحهم و نفوسهم ما تدركه الاجسام و الاجساد بدونها من الالوان و الاصوات و المقادير و تدرك في هيئته [هيئة خ‌ل] الاجتماع كهيئة الافتراق و بالعكس و لهم في اول انتقالهم غيبة عن نفوسهم حتي لايكادوا يشعرون بها.

و بعد ذلك ايضاً الي ان‌يصلوا الي مقام الرضوان الذي لايطعن قابله و لايرجل [لايظعن قاطنه و لايرحل خ‌ل] ساكنه فيغيبون عن جميع وجوداتهم و مشاعرهم و لايشهدون في كل شي‏ء الا ربهم فهو سبحانه يطعمهم و يسقيهم كما قال تعالي في اهل المقام و سقاهم ربهم شراباً طهوراً و ليس لهذا المقام غاية و لانهاية و لايخرجون منه ابداً و ربهم سبحانه في هذا المقام يسقيهم شراباً من رضاه طهوراً من وحدانيته يعني لايجدون في ذلك الشراب و لا في شي‏ء مما يترتب عليه شيئاً من كل ماسواه و لا انفسهم الا وجهه و آيته و هذا اعلي ما يمكن للممكن من النعيم من عطاء الجواد الكريم.

قال سلمه اللّه: و في الفقرة الاولي يقول من كأس و في الثانية كأساً و في الثالثة و سقاهم ربهم بدون التحديد.

اقول: قد تقدم انهم في اول دخولهم الجنة و ان كانوا صافين من الكدورات الا انهم ليس فيهم من الانوار و الاسرار الا ما كان لاصل عملهم او لازماً لاصل التصفية و اما ثمرات الاعمال المتجددة علي تجدد الانات و الاحوال فلم‏تصل اليهم لانها امور تدريجية و ان كانت انواع نعيم الجنة فعلية الكون في ارض الكمون الا انها تدريجية الظهور و الوصول الي اربابها سواء قلنا ان التأخير من مقتضي قوابل الكائنات ام بتأخير اربابها لمقتضي الاستقامة في تقدير الصواب و وصول الثمرات المتجددة الغير المقطوعة علي حسب

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 285 *»

قوة قابلها فكلما قبلت كثيراً قويت علي اكثر من الاول لتزايد القوة بتزايد الواصل اليها ففي اول الدخول يقول يسقون من كأس فاتي بصورة التبعيض اشعاراً بضعفهم عن الكل دفعة بل بالتدريج و لما قويت قواهم علي استعمال الكل دفعة قال كأساً لانهم يشربونه فلايبقي منه شي‏ء و لا من شهوتهم شي‏ء بعده فهو بقدر ما يشتهون لايزيد و لاينقص و هو قوله تعالي قوارير من فضة قدروها تقديراً اي انها مقدرة بقدر شهواتهم لاتزيد و لاتنقص. و لما كان استعدادهم قوياً لكثرة ما استمدّوا في اثناء المقامين المذكورين لم‏يحتاجوا في شرابهم الي الالة بل في الحقيقة نفس شرابهم آلة شرابهم فهو آلة نفسه فلم‏يثبت له آلة لعدم حاجة الشراب و الشارب و الساقي اليها فلذا لم‏يذكرها.

قال سلمه اللّه تعالي: و ايضاً في الاولي الكافور و الثانية الزنجبيل و في الثالثة لفظ شراباً طهوراً فان كان المراد بالكافور لبرودته هو اليقين و الزنجبيل لحرارته هو الخوف يري في الظاهر ان العكس انسب.

اقول: المراد بالكافور في الاولي ماء في الجنة اسمه الكافور لبرده و حلاوته و طيب رائحته يعني انهم يشربون من كأس مزاج ما فيه من ماء او خمر او عسل او لبن من ماء تلك العين المسماة بالكافور و لهذا قال تعالي بعده عيناً يشرب بها عباد اللّه يفجرونها تفجيراً او ان المراد ان الكأس المملوئة من ماء كان الماء برودته برودة الكافور و رائحته كذلك و انما قدم الكافور لاجل ما فيه من البرودة لانهم لما كانوا في ارض المحشر في شدة عظيمة و حرارة شديدة لو جاز الموت في يوم القيمة لمات اهل الجمع من شدة الحرارة فلما كان الامر كذلك و لحق اهل الجنة ما لحق غيرهم من الحرارة و العطش غالباً و ان كان حالهم احسن بالنسبة الي غيرهم ناسب لهم في اول دخولهم الجنة الماء البارد الذي يمحو تلك الحرارة بالكلية و لان البرودة بعد الحرارة مما ينعش الروح و تقوي الحرارة الغريزية و تمسك القوي عن الاختلال و التهافت ليكون ذلك سبباً للخلود ابد الابدين.

و هذه العين المسماة بالكافور في المقام الاول من الجنة و في المقام الثاني عين الزنجبيل و يسمي تلك العين بالسلسبيل و اهل

ا

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 286 *»

الجنة اذا وصلوا الي ذلك المقام اعني مقام الكثيب الاحمر و ارض الزعفران كان مزاج كأس شرابهم زنجبيلاً و هي العين السلسبيل لاجل طيب رائحته و تقويته للقوي و تحليله و هضمه للطعام لانهم في هذا المقام اكثر اكلاً و شراباً لقوة قواهم و نوريتهم و نورية طعامهم و شرابهم و لطافته و كثرة كيموسه و الزنجبيل معين علي الهضم ليعظم نعيمهم بكل ما يشتهون و لحرارته فان الحرارة من علة الكون و لاينافي البقاء و الثبات لان اجسادهم و اجسامهم قد صفيت عن جميع الاكدار و الاعراض و الغرائب و قد اكلوا قبل هذا كبد الثور لقوة الثبات لان التراب البارد اليابس طبعه الامساك و الثبات و اشد التراب في هاتين الصفتين اسفل التخوم من الارض السابعة و هي نقطة مركز العالم و نسبته في هاتين الصفتين الي كبد الثور نسبة الجزء الواحد الي ثلاث‌مائة الف و سبعة و اربعين الفاً و تسعمائة جزء و بعد ان بلغوا بذلك في رتبة الاستمساك و الثبات مبلغ البقاء و الدوام اكلوا كبد الحوت الذي هو معين علي بقاء الحيوة فببرودته الشديدة اعان ذلك الاستمساك و الثبات و برطوبته اعان علي الحيوة مع البرودة.

ثم شربوا من الكأس التي كان مزاجها كافور المعين علي البقاء و الثبات فاذا شربوا من طبع الزنجبيل لم‏يضر بحرارته في الاستمساك لشدة الاستمساك مع ما لحقه من مقوياته التي اشرنا اليها و كان بقوة هضمه معيناً للبقاء و باعثاً للقوة الغريزية بحرارته الغريزية و برايحته و كانت رائحته مع ما فيها من الفوائد من التحليل و التفتيح و الهضم و اصلاح الهواء و غير ذلك مستحسنة في الاطعمة و الاشربة و مشهية لهما. و تسمي تلك العين التي هي الزنجبيل سلسبيلاً و السلسبيل من اسماء الخمر. و سميت تلك العين باسم الخمر لان فيها منافع الخمر من القوة و تحسين اللون و التشجيع و التفريح و اذهاب الوحشة و اذهاب الغمّ بالتسلية و الهمّ بتقريب حصول المطلوب في النفس و غير ذلك. و لو قدم الزنجبيل علي الكافور لما حصلت من كل منهما فوائده لان الزنجبيل بطبعه مناقض لكبد الثور و الحوت و اذا توسط الكافور المناسب للكبدين كان وقاية لهما عن المناقض و كاسراً لسورته فلهذا تقدم بحكم قضية الترتيب الطبيعي فافهم. و هذان

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 287 *»

المذكوران المسميان باسم عقارين من العقاقير التي منفعتهما في الطب البدني انما سميا بذلك لمعالجة الابدان للخلود و لا مدخل لليقين في الكافور و ان اُوِّل به و اما الزنجبيل فلا مناسبة بينه و بين الخوف و انما يناسبه الكافور لان برودة الخوف اشدّ من برودة اليقين.

قال سلمه اللّه: و هل المراد بالشراب الطهور هو الطهور من الصور التي كانت في العلم و المعني الذي في العقل ام شي‏ء آخر؟

اقول: المراد بالطهور هو العصمة من كل نقص و وصمة فاما في المرتبة الاولي فان اهل الجنة تتفجر عليهم و لهم ينابيع العلوم فهم علماء طاهرون من الجهل و الموجب لطهارتهم من الجهل هو الشراب الطهور الذي في المرتبة الثالثة لانهم و ان كانوا في الاولي يعلمون ولكنهم يجري عليهم بعض الغفلات و كذا في الثانية و ان كانت اقل و لذلك قال بعضهم و لا اعلم هل هو من حديث خاص ام مستنبط من الاخبار اما الخاص فلم‏اقف عليه و اما الاستنباط فحق قال الناس في هذه الدنيا نيام فاذا ماتوا انتبهوا و الاموات نيام فاذا بعثوا انتبهوا و اهل المحشر نيام فاذا دخلوا الجنة انتبهوا يعني اذا وصلوا الي مقام الرفرف الاخضر انتبهوا و هم نيام فاذا وصلوا الي كثيب الاحمر و ارض الزعفران انتبهوا فاهل الكثيبة الاحمر و ارض الزعفران نيام فاذا وصلوا الاعراف انتبهوا و اهل الاعراف تعرض لهم السنة لا النوم فاذا وصلوا الي الرضوان انتبهوا و لايزالون في يقظة ابداً و ان تفاوتت في الشدة و الضعف.

و اما في الثانية فان اهل الجنة يشرق عليهم الانوار اليقينية و تنكشف لهم الخبايا العقلية مع ما لهم من حكم الاولي من العلوم فهم في هذه الرتبة طاهرون من كدورات الشك و الريب و طهارتهم هنا من كدورات الاحتمالات لاجل الشراب الطهور الذي في الثالثة و ما يجري عليهم هنا من الاحتمالات فانما هو بالنسبة الي المرتبة الثالثة و كذلك ما كان في الاولي لان المؤمن في هاتين المرتبتين لا جهل معه و لا ريب فيه ولكن بالنسبة الي المرتبة الثالثة يتبين له نقص ما تقدم عليها اذا وصل اليها و قد قال علي7 في حق اهل الجنة في وصف طعامهم قال7 اسفله طعام و اعلاه

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 288 *»

علم فلايكون معه في مطلق منازل الجنة جهل و لا ريب الا علي نحو ما قال9 اللهم زدني فيك تحيراً فانه9 قد بلغ من معرفة اللّه سبحانه ما لايحوم حوله احد من الخلق و وجد من التحير في اللّه سبحانه ما لايحتمله سواه ثم طلب الزيادة من التحير في اللّه تعالي بسبب شدة التجلي في مراتب ما يظهر به من العظمة بالعزة [و العزة‌خ‌ل] فاذا زاده اللّه تعالي تحيراً في عظمته سبحانه لم‏يزده ما وصل اليه و انما يزيده ما لم‏يصل اليه فاذا زاده تحيراً لم‏يجده قبل هذه الزيادة، کان ما قبل الزيادة‌ من التحير ليس تحيراً بالنسبة الي ما بعد الزيادة بل يكون بالنسبة الي الثاني انبعاثاً و انبساطا.ً فكذلك حال المؤمن في المرتبة الاول. و في المرتبة الثانية انما ينسب اليه في الاولي النوم و الجهل و الغفلة بالنسبة الي ما بعدها و انما ينسب اليه من الشك و الريب و النوم و الغفلة علي جهة الاحتمال انما هو بالنسبة الي الثالثة.

فان قلت انت نسبت الطهارة في المرتبتين الي الشراب الطهور الذي لايكون الا في الثالثة فكيف يعقل هذا؟ قلت ان هذه المراتب الثلاث للمؤمن في الجنة كالمراتب الثلاث له في الدنيا و البرزخ و في الاخرة و كما انه لايميل الي الطاعة في الدنيا و لايحسن جواب منكر و نكير و لايتأهل للروح و الريحان في قبره الا بما فيه من الطينة الطيبة التي نزل بها من الجنة الي الدنيا و هي التي خلقها اللّه سبحانه من اجابته في عالم الذر و انما تجري عليه في الدنيا المعاصي و ما يعرض في القبر من المكاره مع انها معه لانها قد تلوثت ببعض اللطخ الذي اصابها فباللطخ فعل ما فعل و جري عليه ما جري الي ان‌يرد اللطخ الذي اصابه الي صاحبه و يؤمر الي الجنة. فكذلك الشراب الطهور الذي سقاهم ربهم اياه قد سقاهم اياه عبيطاً في نوره الذي خلقهم منه و به يتطهرون في كل رتبة من مراتب وجودهم في عقولهم و ارواحهم و في نفوسهم و طبايعهم و في الدنيا و البرزخ و في الاخرة في هذين المقامين.

لما وصلوا الي المقام الثالث و هو مقام الاعراف عرفوا حين سقاهم الشراب الطهور انه هو الذي سقاهم اياه عند خلقه اياهم و المراد بالشراب الطهور هو الماء الطاهر المطهر لان الطهور من صيغ المبالغة بمعني المطهر

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 289 *»

بكسر الهاء فيكون طاهراً في نفسه و هو في الحقيقة نور اللّه المذكور في كلام اميرالمؤمنين7 اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه و هو اول نازل من سحاب المشية و هو النور الذي خلق المؤمن منه و هو بلسان العلماء الحكماء الوجود فانه الماء الذي خلق اللّه سبحانه منه ما شاء ان يخلق فافهم.

قال سلمه اللّه: و لما كانت هذه السورة مخصوصة باهل العصمة: و لم‏يكن الغير داخلاً فيهم و لم‏يذكر اسم الحوريات و لا اسم المؤمنات هل يجوز لنا في التأويل ان‌نقول و ان المراد بلفظ الفضة في قوله تعالي بانية من فضة و قوارير من فضة و اساور من فضة اي خادمتهم رضي الله عنها ام لا؟

اقول: اعلم ان التأويل في القرآن لايجوز الا ما اخذ عن اهله المخاطبين به محمد و آله الطاهرين صلي‌اللّه‌عليه وآله وعليهم اجمعين لان القرآن علي خلاف ما تعرفه الناس فان له ظاهراً و ظاهر ظاهر و هكذا و باطناً و باطن باطن كذلک و ليس لاحد ان‌يقول في القرآن الا بدليل عنهم: و هو قسمان:

احدهما ما وصل اليه من النص من كتاب او سنة او ما علم من اللغة و يقتصر فيما وصل اليه علي ما علم تناوله من معاني الكتاب غير حاصر لمعاني القرآن فيما علم فانه اذا دل الدليل عنده علي معني من معاني القرآن و قال هذا المعني يدلّ عليه كذا و هو عنده انه دليل ذلك غير متكلف له لغرض له في ذلك و لا غير عالم بانه دليل ذلك المعني فقد جاز له ذلك بشرط الا يحصره فيما علم فيقول ليس للاية معني غير هذا. و اما اذا حصر فهو ممن يفسر القرآن برأيه و قد روي عن اميرالمؤمنين7 انه قال قال رسول‌اللّه9 قال اللّه جل‌جلاله ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي. و ما عرفني من شبّهني بخلقي و ما علي ديني من استعمل القياس في ديني. و روي عنه9 انه قال من فسر القرآن برأيه فاصاب الحق فقد اخطأ و عنه9 من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار و امثال هذه كثيرة.

و ثانيهما ان‌يكون الرجل المؤول بالقرآن ان‌يعرف نوع الاعتقاد في

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 290 *»

توحيد اللّه و صفاته و ما يصح و يمتنع عليه و نوع ما يصح به الاعتقاد في افعاله و في اوامره و نواهيه و في مراداته من عباده و نوع الحكمة و الصنع و التكاليف و نوع حكمة الايجاد و القدر و البداء و المنزلة بين المنزلتين و ما اشبه ذلك و يعرف النبوة لمحمد9 و الامامة لاهل‌بيته9 و نبوة الانبياء و وصاية الاوصياء: و احوال التكاليف و الموت و البرزخ و احوال الاخرة و لو بالاطلاع علي نوع علم المسئلة. فاذا وصل الشخص الي هذه الرتبة بالعلم العياني القطعي الضروري جاز له ذلك ايضاً لانه اذا لم‏يعلم نوع علم هذه المسئلة التي اول الكتاب عليها بالعلم القطعي العياني لا البرهاني جاز ان‌يقول هذا ما [ان‌يقول بما خ‌ل] لايريده اللّه سبحانه و ان علم علم نوع هذه المسئلة بالعلم البرهاني القطعي لانه يجوز ان‌يكون هذه المسئلة خارجة بمخصص من مانع او مقتض اقوي بخلاف العلم العياني فان صاحبه يشاهد كل فرد من افراد هذا النوع في محله علي ما هو عليه او انه لم‏يره فان رآه رآه كما هو مثال ذلك فيما نحن فيه في كون المراد من فضة في الاية الشريفة هل هو المعدن ام فضة امة فاطمة3؟

فعلي الوجه الاول و هو ان المؤول اذا كان عنده دليل عنهم: او من الكتاب او من اللغة و سلمنا وجوده هنا فان قلت ان المراد به المعدن فهو حق لوجود الادلة بذلك. و ان قلت ان المراد به امة فاطمة3 فان كان عندك دليل خاص في ذلك جاز في اصل المسئلة ولكن قلنا بشرط عدم الحصر. فاذا قلت عندي ان المراد به امة فاطمة3 حصرت مراد اللّه فيها و هو خطاء فان اللّه سبحانه اراد المعدن الخاص. و لو قلت علي فرض دليل خاص علي ما اوّلت هذا من مراد اللّه تعالي صحّ التأويل لان ظاهر القرآن حجة لمن لايحصر الفهم فيه. فقد روي العياشي باسناده عن جابر قال سئلت اباجعفر7 عن شي‏ء من تفسير القران فاجابني ثم سألته ثانية فاجابني بجواب آخر. فقلت جعلت فداك كنتَ اجبتَ في هذه المسئلة بجواب غير هذا قبل اليوم. فقال لي يا جابر ان للقرآن بطناً و للبطن بطناً و ظهراً و للظهر ظهراً يا جابر و ليس شي‏ء ابعد من

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 291 *»

عقول الرجال من تفسير القرآن ان الاية ليكون اوّلها في شي‏ء و اخرها في شي‏ء و هو كلام متصل ينصرف علي وجوه. و غير ذلك مما هو صريح في عدم جواز حصر القرآن في شي‏ء واحد حتي ان المفهوم من اخبارهم: ان الامام7 قديحصر الاية في معني واحد و ليس بمحصور فيه ولكن من حصر له الامام7 وجب عليه القول بالحصر لانه انما حصر له لان المقام اقتضي من السائل او من السامع او ممن علم الامام7 وصول ذلك اليه بمعني ان من حصر الامام7 لاجله في شي‏ء مخصوص يزعم بانه غير مراد.

فبين7 ان المراد هذا لا غير يعني بالنسبة اليك من جهة الحكم او الاعتقاد او غير ذلك. مثال هذا ما روي في تفسير قوله تعالي ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم روي فيها انهم يسئلون عن خمس عن شبع البطون و بارد الشراب و لذة النوم و ظلال المساكن و اعتدال الخَلق. و في المجمع عنهما8 هو الامن و الصحة. و في العيون عن اميرالمؤمنين7 الرطب و الماء البارد. و في امالي الطبرسي عنه9 كذلك. و في الفقيه عنه7 كل نعيم مسئول عنه صاحبه الاّ ما كان في غزو او حج. و في الكافي عن الصادق7 من ذكر اسم اللّه علي الطعام لم‏يسئل عن نعيم ذلك الطعام. و روي في العيون عن الرضا7 قال ليس في الدنيا نعيم حقيقي فقال له بعض الفقهاء ممن حضره فيقول اللّه ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم اما هذا النعيم في الدنيا ماء البارد. فقال له الرضا7 و علا صوته كذا فسّرتموه انتم و جعلتموه علي ضروب؟ فقالت طائفة هو الماء البارد. و قال غيرهم هو الطعام الطيب. و قال آخرون هو طيب النوم. و لقد حدثني ابي عند ابي‌عبداللّه7 ان‌‌اقوالكم هذه ذكرت عنده في قول اللّه عزوجل ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم فغضب و قال ان اللّه عزوجل لايسئل عما تفضل عليهم به و لايمنّ عليهم و الامتنان بالانعام مستقبح من المخلوقين فكيف يضاف الي الخالق عزوجل ما لايرضي المخلوقون ولكن النعيم حبنا اهل‌البيت و موالاتنا يسئل الله عنه بعد التوحيد و النبوة لان العبد اذا وفي بذلك ادّاه الي نعيم الجنة

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 292 *»

الذي لايزول. و في الكافي عن الصادق7 في هذه الاية ان اللّه عزوجل اكرم و اجلّ ان‌يطعمكم طعاماً فسّوغكموه ثم يسألکم عنه ولکن يسألكم عما انعم عليكم بمحمد و آل‌محمد9 هـ .

فانظر كيف حصر الصادق7 النعيم في الاية فيهم و في موالاتهم مع ورود غير ذلك عنهم: كما سمعت بعضه و ذلك لما قلنا فان هؤلاء ينكرون تناول النعيم لهم و في الواقع هم المرادون بالاية في الحقيقة و غيرهم مما سمعت مراد بها ايضاً بالتبعية و الفرعية فحصر لاجل تأصلهم في النعيم و فرعية ماسواهم في مقابلة دعوي الاعداء عدم كونهم: مرادين من الاية و كون ماسواهم مما سمعت متأصلاً في الاية و لان ما يدّعونه من السؤال عن النعيم ليس بصحيح كما قال7. و اما الصحيح المسئول عنه هو شكر هذه النعم و من اين اكتسب و لم فُعِلت و في اي شي‏ء صرفت. لا انه تعالي يسئلهم عن نفس هذه الاشياء و كونها طيبة كما توهمه الاعداء فاذا حصر الامام7 الاية في معني واحد فهو من هذا النوع فشرط من يأول [يؤول خ‌ل] اذا وجد له دليلاً علي خصوص معني ما يأوله [يؤوّله خ‌ل] عليه الّا يحصر الاية في ذلك المعني لانه ما من آية الا و لها ظاهر و باطن. و قد روي الحسن بن سليمان الحلي; في كتابه المختصر لبصائر السعد الاشعري عن الصادق7 انه قال ان قوما آمنوا بالظاهر و كفروا بالباطن فلم‏يك ينفعهم ايمانهم ذلك شيئاً و لا ايمان ظاهر الا بباطن و لا باطن الا بظاهر هـ . فكيف يجوز الحصر؟

و علي الوجه الثاني و هو ان المأول [المؤول خ‌ل] يكون عالماً يعلم [بعلم خ‌ل] نوع المسئلة علم عيان لا علم برهان فانا نقول مثلاً ان هذا العالم اذا عرف بان جميع العوالم كشي‏ء واحد يشبه بعضها بعضاً و ان كل ما في هذا العالم فانه نازل من العالم العلوي من قليل و كثير و دقيق و جليل و ذات و صفة و حال و طبع و ان كل ما هناك فهنا دليله كما قال تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و كذا قوله7 الدنيا مزرعة الاخرة و قول الرضا7 قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هٰهنا و غير ذلك مع انه تعالي

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 293 *»

اخبر بذلك في كتابه الحق بقوله و ان من شي‏ء الا عندنا خزائنه و ما ننزله الا بقدر معلوم و دلّ دليل الحكمة المستند الي القرآن الصريح و النقل الصحيح علي ان فضة امة فاطمة3 و انها تخدمهم و تسقيهم و امثال ذلك شي‏ء كان في خزائن اللّه نزل منها ظاهره و صورته الي هذه الدنيا فاذا عادوا الي الاخرة و مرّوا علي تلك الخزائن التي نزل منها هذا الشي‏ء بصورته في حال صعودهم في عودهم و رجوعهم الي معبودهم وجدوه بحقيقته و جري لهم بكنه طريقته حتي يجد قوله تعالي الخاص ينطبق [ينطق خ‌ل] له باللسان العام كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اوتوا به متشابها و كذلك قوله كما بدأكم تعودون فان معناه انه كما تعودون بداكم و قول الصادق7 ما كل مايعلم يقال و لا كل مايقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله هـ . فاذا وجد ذلك العالم بنوع علم المسئلة بالعلم العياني لا البرهاني علم هذا و مثله و كتمه و اذا وجد اهله ادّي الامانة التي امره اللّه تعالي بادائها الي اهلها فافهم.

و لايجوز تأويل القرآن الا بالدليل القطعي و من قال بغير ذلك فقد ضل سواء السبيل فان القران امره عظيم و خطره جسيم. روي محمد بن ابراهيم بن جعفر النعماني في تفسيره باسناده عن اسماعيل بن جابر سمعت اباعبداللّه7 جعفر بن محمد الصادق7 يقول ان اللّه تبارك و تعالي بعث محمداً9 فختم به الانبياء فلانبي بعده و انزل عليه كتاباً فختم به الكتب فلا كتاب بعده احلّ فيه حلالاً و حرّم حراماً فحلاله حلال الي يوم القيمة و حرامه حرام الي يوم القيمة فيه شرعكم و خبر من قبلكم و من بعدكم و جعله النبي9 علماً باقياً في اوصيائه فتركهم الناس و هم الشهداء علي كل زمان و عدلوا عنهم ثم قتلوهم و اتبعوا غيرهم و اخلصوا لهم الطاعة حتي عاندوا من اظهر ولاية ولاة الامر و طلب علومهم قال اللّه تعالي فنسوا حظّاً مما ذكروا به و لاتزال تطّلع علي خائنة منهم و ذلك انهم ضربوا بعض القرآن ببعض و احتجّوا بالمنسوخ و هم يظنون انه الناسخ و احتجوا بالمتشابه و هم يرون انه المحكم و احتجّوا بالخاص و هم يقدّرون انه العام و احتجوا بأول الاية و تركوا السبب في تأويلها و لم‏ينظروا الي ما يفتح

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 294 *»

الكلام و الي ما يختمه و لم‏يعرفوا موارده و مصادره اذ لم‏يأخذوه عن اهله فضلّوا او اضلّوا. و اعلموا رحمكم اللّه انه من لم‏يعرف من كتاب اللّه عزوجل الناسخ من المنسوخ و الخاص من العام و المحكم من المتشابه و الرخص من العزائم و المكي و المدني و اسباب التنزيل و المبهم من القرآن في الفاظه المنقطعة و المؤلفة و ما فيه من علم القضاء و القدر و التقدّم و التأخر و المبين و العميق و الظاهر و الباطن و الابتداء من الانتهاء و السؤال و الجواب و القطع و الوصل و المستثني منه و الجار فيه و الصفة لما قبل مما يدل علي ما بعد و المؤكد منه و المفصل و عزائمه و رخصه و مواضع فرائضه و احكامه و معني حلاله و حرامه الذي هلك فيه الملحدون و الموصول من الالفاظ و المحمول علي ما قبله و علي ما بعده فليس بعالم في القرآن و لا هو من اهله و متي ادّعي معرفة هذا الاقسام مدع بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر علي اللّه الكذب و رسوله و مأويه جهنم و بئس المصير هـ . فتأمل رحمك اللّه ما في هذا الحديث لتعرف ان القول فيه عظيم لان هذه الامور التي ذكرها اكثرها ما تعرف الا بمعرفة مدلولها او بتعريف من المريد من المخاطبين به ما اراد.

قال سلمه اللّه: و هل يجوز لنا ان‌نقول ان النبي9 في مرتبة قوسي النزول و الصعود تكوّن من العقل الاول ام لا؟ و هل يجوز لنا ان‌نقول ان من ذات العقل الاول تكون هو و اهل‌بيته صلوات‌اللّه‌عليهم و من صفته و شعاعه الانبياء و المرسلون: و من شعاع الشعاع المؤمنون و من ذلك الشعاع الملائكة؟

اقول: اعلم ان محمداً9 خلقه اللّه قبل كل شي‏ء من سائر المخلوقات لان الحقيقة المحمدية هي محل المشية و متعلقها الذي لايتحقق المشية الا بها فهي كالانكسار الذي لايتحقق ظهور الكسر الا به و ذلك هو الوجود و هو الماء الذي به حيوة كل شي‏ء و هو الماء المنزل من السحاب الثقال المساق الي البلد الميت يعني ارض القابليات و ارض الجرز فلما ساق اللّه سبحانه تلك السحاب الثقال التي هي مشيته يعني وجّهها نحو الارض الميتة اي

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 295 *»

القابليات و هي جنان الصاقورة التي غرسوها: بايد الجود كان اول من اكل من ثمرة تلك الشجرة اي شجرة الخلد العقل الكلي المسمي عند قوم بالعقل الاول و هم اصحاب القول بالعقول العشرة و عند قوم باول الملائكة العالين الذين لم‏يسجدوا لادم لانهم افضل منه و عند قوم بالركن الاعلي الايمن عن يمين العرش.

و في رواية هو العقل و هو ملك له روس بعدد الخلايق من ولد و من لم‏يولد الي يوم القيمة و في اخري هو الروح اي الروح من امر اللّه و هو الذي يكون مع الانبياء و الرسل يسدّدهم و هو عقل محمد و آله9 و لم‏ينزل قبل محمد9 و انما نزل علي الانبياء المتقدمين: بوجه من وجوهه فلما ظهر9 في هذه النشأة نزل له و لم‏يصعد منذ نزل و هو الآن مع القائم7 و هو اي هذا العقل الاعظم و الملك المكرم الذي قال اللّه تعالي له ادبر فادبر يعني اصنع ما شاء تعالي من خلقه ثم قال له اقبل فاقبل فقال له و عزتي و جلالي ما خلقت خلقاً هو احب الي منك بك اثيب و بك اعاقب و لااكملتك الا فيمن احب هو من الحقيقة المحمدية كالوجه من الذات و كالجنب من الكل فمحمد و اهل‌بيته صلوات‌اللّه‌عليه و عليهم اجمعين هم تلك الحقيقة المحمدية. و هذا العقل الاعظم هو عقلهم و هو وجه تلك الحقيقة و هو منها كالوزير من السلطان انما يفعل في الرعية بامر السلطان في خدمته. و هو الذي اشار اليه ابومحمد العسكري7 في تاريخه يقول و الكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة يعني انه اول من ذاق من حدائقنا اول ثمرة الوجود فلايقال ان محمداً9 تكون من العقل الاول بل يقال الحق الواقع ان العقل الاول تكون من حقيقة محمد و آل‌محمد يعني من نورهم9.

و اما قولكم احسن اللّه مآلكم: «من ذات العقل تكوّن هو و اهل‏بيته صلوات‌الله‌عليهم» فبيانه ان الاصل في كل شي‏ء نور محمد9 و نور علي و آله: من نور محمد9 كالضوء من الضوء

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 296 *»

يعني مثل سراج عندك و اشعلت منه سراجاً اخر فالسراج الاخر بعد ان اشعلته منه كان مثله فافهم المثل الحق ثم بعد ان مضي ما شاء اللّه من السرمد او من البرزخ الذي بين السرمد و الدهر خلق سبحانه من نورهم حقيقة هذا العقل. و الذي فهمت من بعض الاخبار ان نورهم كان قبل حقيقة هذا العقل دهِراً او ثمانين الف سنة.

و الذي يجول في خاطري ان السنة في هذا المقام ثمانون الف شهر كل شهر ثمانون الف جمعة اي اسبوع كل جمعة ثمانون الف يوم كل يوم ثمانون الف ساعة كل ساعة كالف سنة مما تعدّون و هذا هو الذي فهمته من بعض الاخبار. ثم بعد ان مضي ما شاء اللّه و هو القدر المذكور خلق اللّه هذا العقل المشار اليه و بعد ان مضي منذ خلقت انوارهم: الف دهر خلق اللّه سبحانه انوار الانبياء علي محمدوآله و عليهم‌السلام. و بعد ان مضي منذ خلقت انوارهم: الف‌الف دهر خلق اللّه انوار شيعتهم المؤمنين و ذلك من فاضل انوار الانبياء: و [انوار الانبياء خ‌ل] من فاضل انوارهم:. و ذكر الاحاديث الدالة علي ما ذكرنا لايمكن حصرها ولكن اذكر حديثاً واحداً يدلّ علي سبقهم: علي كل شي‏ء و هو من كتاب رياض الجنان لفضل اللّه بن محمود الفارسي باسناده الي جابر بن عبداللّه الانصاري قال قلت لرسول‌اللّه9 اول شي‏ء خلق الله تعالي ما هو؟ فقال نور نبيك يا جابر خلقه اللّه ثم خلق منه كل خير ثم اقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء اللّه ثم جعله اقساماً فخلق العرش من قسم و الكرسي من قسم و حملة العرش و خزنة الكرسي من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاء اللّه ثم جعله اقساماً فخلق القلم من قسم و اللوح من قسم و الجنة من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاء اللّه ثم جعله اجزاء فخلق الملائكة من جزء و الشمس من جزء و القمر و الكواكب من جزء و اقام القسم الرابع في مقام الرجاء ما شاء اللّه ثم جعله اجزاء فخلق العقل من جزء و العلم و الحلم من جزء و العصمة و التوفيق من جزء و اقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء اللّه ثم نظر اليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور و قطرت منه مائة الف و اربعة و عشرون الف قطرة

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 297 *»

فخلق اللّه من كل قطرة روح نبي و رسول. ثم تنفسّت ارواح الانبياء فخلق اللّه من انفاسها ارواح الاولياء و الشهداء و الصالحين انتهي الحديث الشريف.

و اعلم ان محمداً و اهل‌بيته صلي‌اللّه‌عليه‌ وآله وعليهم خلقهم الله قبل ما ذكر من العرش و الكرسي و غيرهما بما شاء اللّه و في العرش هذا حقيقة العقل و هو الرتبة الثانية لهم. ثم تنزل نورهم فخلق العقل في الرتبة الثالثة و خلق اللّه سبحانه محمداً فمكث نوره يطوف حول القدرة ثمانين الف ستة ثم نزل و طاف حول العظمة ثم خلق اللّه نور علي7 من نوره فكان نور علي يطوف حول القدرة و نور محمد9 يطوف حول العظمة فنور محمد9 قبل نور علي بثمانين الف سنة هكذا في احاديثهم: فبقي يطوف نوره حول القدرة. و الظاهر انها الولاية ثمانين الف سنة ثم نزل الي العظمة و الظاهر انها النبوة ثم خلق نور علي7 بعد ذلك فطاف نور علي بالقدرة اي الولاية بعد محمد9 و نور محمد9 يطوف بالعظمة اي النبوة بعد ما كان يطوف بالولاية فافهم.

و الحاصل خلق اللّه نور محمد9 و خلق من عين نوره انوار اهل‌بيته الثلثة‌عشر معصوماً عليه‌و‌عليهم‌السلام و خلق من جانب انوارهم الايمن بعد تنزل نورهم العقل المشار اليه و خلق من فاضل انوارهم اي شعاعها انوار الانبياء و خلق من فاضل انوار الانبياء: انوار المؤمنين.

و اما الملائكة فعلي اقسام اما الاربعة العالون فخلقوا من جانبهم. فالعقل المذكور من جانب الايمن الاعلي لانه الغصن الاعظم من تلك الشجرة المباركة الكلية و الروح من الجانب الايمن الاسفل و الروح الذي علي ملائكة الحجب من الجانب الايسر الاعلي و هو الحجاب الزبرجد و الاسفل و هو الحجاب الياقوت. و اما الملائكة الكروبيون فخلقوا من شعاعهم و هؤلاء الكروبيون من شيعتهم من الخلق الاول وراء العرش و قد امر اللّه سبحانه واحداً منهم حين سأل موسي7 ربه ارني انظر اليك فتجلي ذلك الواحد للجبل فجعله دكاً و اما من دونهم فمن شعاع الشعاع و من شعاع شعاع الشعاع و هكذا.

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 298 *»

قال سلمه اللّه: و من ذلک الجهل الاول الثلاثة لعنهم‌الله و من صفته المنافقون ان المنافقين في الدرك الاسفل و من شعاع الشعاع ابليس و من شعاع ابليس الكافرون فكيف تقابل المؤمنين @ مع ابليس و تقابل الملئكة مع الكافرين.

اقول: الذي ينبغي اولاً تحقيق حقائق المذكورين ثم التقابل. فاقول ان الجهل الاول [مقابل خ‌ل] للعقل الكلي كما دلت عليه احاديث العقل و الجهل من الكافي و هو ضده و لم‏يكن ضدّ مناف لضده قبل الجهل الاول اذ لم‏يكن قبل العقل الاول خلق من الوجودات المقيدة لان العقل اول ما خلق اللّه يعني من الوجود المقيد فليس قبله خلق الا الوجود المطلق. و اما الماء الاول المسمي بنور الانوار و هو نور محمد9 و هو الوجود يعني المنزل علي الارض الميتة و الارض الميت @ التي هي الارض الجرز فهي خارجة عن الوجود المقيد بقوله تعالي يكاد زيتها يضي‏ء و لو لم‏تمسسه نار فهي ملحقة بالوجود المطلق لتوقف ظهوره عليها كالانكسار في توقف ظهور الكسر عليه او انها برزخ بين الوجودين الا ان الاية المذكورة تدل علي كونها من الوجود الراجح و هو الوجود المطلق لانه سبحانه يقول يكاد زيتها يضي‏ء و لو لم‏تمسسه نار. و لو قلنا انها من الوجود المقيد لم‏يكن بعيداً علي ارادة كونها من المخلوق لا من الخلق الا ان جعلها من الراجح ارجح لما هو معلوم ان اول ما خلق اللّه العقل يعني من المخلوقات لان الفعل خلق خلقه اللّه سبحانه بنفسه و اول مخلوق بالفعل هو العقل و هذا مخصوص بالوجود المقيد فيكون الضد فيما قبل العقل نفسه و هي اخته و انفعاله الموافق للفعل فلاتكون هنالك الماهية ظلمة و كيف تكون ظلمة بعد انتسابها الي وجودها و قد وصفها اللّه تعالي قبل هذا الانتساب بقوله تعالي يكاد زيتها يضي‏ء و لو لم‏تمسسه نار فلم‏تكن ماهية هي ظلمة قبل العقل بل هي نور بوجودها.

و اما في رتبة العقل الذي هو اول الدهر فالماهية هي الجهل و قد قلنا ان العقل متأخر عن الحقيقة المحمدية9 و الجهل خلقه اللّه بعد العقل فهو ضد له فلايكون ضداً لما قبله فلايكون احد من المنافقين الكبار و لا من المشركين و

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 299 *»

الكفار ضداً مقابلاً لمحمد و آله الاطهار 9 لان الضد و المقابلة انما يكونان في مقام واحد. و اما الجهل الاول فابليس لعنه اللّه و الملائكة: تقابلهم الشياطين لعنهم اللّه. و اما الانبياء فيقابلهم المنافقون الكبار الذين هم عناهم اللّه في كتابه فقال ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار و هي الطبقة السفلي الثالثة من نار جهنم المسماة بالفلق و في اسفلها الجب و التوابيت و الحية لكل واحد منهم تابوت و لكل واحد مع اخيه تابوت و هم في جوف الحية و ابليس فوق الجميع و تحتهم و المخصوصون ثمرة شجرة الجهل طلعها كانه رؤوس الشياطين اي هو رؤوس الشياطين شياطين الانس و شياطين الجن. و المغضوب عليهم من شيعتهم يقابلون من خلقهم اللّه سبحانه لرحمته من خواص شيعة محمد و آله9. و الضالون من شيعتهم يقابلون من لهم الشفاعة من محبي محمد و آله 9. و اهل الاعراف من الفريقين متقابلان فالذين من اصحاب اليمين خلطوا عملاً صالحاً و اخر سيئاً عسي اللّه ان‌يتوب عليهم و الذين من اصحاب الشمال مرجون لامر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم فالجهل الذي هو ابليس اي ظلمته فيه القوي الغير المتناهي قوته في الظلم و الفسق و الفساد و هذا الاصل الخبيث حقايق اهل التوابيت كل بذنبه و من فاضل طينتهم المغضوب عليهم و من دون ذلك الضالون. و العقل الذي هو الجانب الايمن في الحقيقة المحمدية فاضله في الحقيقة نور الانبياء: و فواضل انوار الانبياء حقايق خواص الشيعة و من دونهم المحبين و هذا ما فهمت من المقابلة من آثارهم:.

قال ايده اللّه تعالي: و هل يجوز لنا ان‌نقول ان سجين هو شعاع الجهل الاول؟

اقول: كما يجوز لك ان‌تقول ان عليين هو تنزل العقل الاول الكلي و هو محل صور الطاعات و الاعمال الصالحات كلا ان كتاب الابرار لفي عليين و ما ادريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون كذلك يجوز ان‌تقول ان

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 300 *»

سجين هو ترقي الجهل الاول في مراتب الادبار و هو محل صور المعاصي و الاعمال السيئات كلا ان كتاب الفجار لفي سجين و ما ادريك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين و الاصل في ذلك ان اللّه تعالي خلق العقل في اعلي عليين و خلق الجهل في اسفل سافلين بحكم اقتضاء المقابلة و المضادة فلما امر العقل بان ادبر فادبر متنزلاً حتي وصل الي التراب العذب و امره بان اقبل فاقبل صاعداً حتي وصل الي قاب قوسين و امر الجهل بان ادبر فادبر صاعداً في نزوله حتي وصل الي التراب المالح و الارض السبخة و امره بان اقبل فادبر هابطاً في صعوده حتي وصل الي ظلمة مبدئه فامتزج طرفا الادبارين فحصل اللطخ في مستضعفي الفريقين فتشابها و تشاكل الامر. و الحاصل ان سجين في سلطنة الجهل و رتبتِه منه كعليين في سلطنة العقل و رتبته منه و هي الرتبة الثانية في نزول الجهل الذي هو صعود حسي و كذلك العقل عليون في الرتبة الثانية في نزول العقل الذي هو نزول حسي و معنوي و عليون لوح من نور اخضر فيه كتب القلم صور اعمال المؤمنين و الانبياء و سائر المطيعين و صور نفوسهم فاعطي اللّه تلك الصور ما لها من الهيئات الغير المتناهية فيما لايزال و سجين لوح اسود مظلم متلاشي الحقيقة جعله ارضاً لمطارح غضبه و نقماته كتب الجهل فيه صور اعمال العاصين و صور نفوسهم باللّه الذي البس الاشياء ملابس دواعيها فاعطاها سبحانه بما اكتسب من هيئات اعمالها ما لها من الهيئات الغير المتناهية فيما لايزال و لايظلم ربك احداً.

قال ايده اللّه تعالي: و في بعض الاخبار يؤمي ان المنافقين و الشياطين لعنهم اللّه لم‏يبكوا علي الحسين7 و اما الكافرون فقد بكوا عليه7 كما ورد ان النار و اهل النار بكوا علي الحسين7 فكيف يكون كذلك الا اذا قلنا ان طينة المنافقين و الشياطين من الجهل الاول و طينة الكافرين من سجين و الحال ان اهل سجين لم‏يبكوا علي الحسين7 و السجين الصخرة و هو فوق النار.

اقول: الذي يدلّ عليه العقل و النقل ان جميع ما في الوجود المقيد من كل

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 301 *»

ذي هيئة و صورة مما في السموات و الارضين و سكان العناصر و البحار بكوا علي الحسين7 الا ان بكاءهم علي نوعين احدهما بمقتضي امكان ذي الهيئة و الصورة و بهذا النوع بكي علي الحسين كل شي‏ء حتي المنافقين و الشياطين و اهل عليين و اهل سجين و هذا بكاء معنوي و هو علي اصناف منه ان كل واحد منهم يجد في نفسه ضعفاً عن شي‏ء من الاشياء و منه ان كل واحد منهم يجد في نفسه رقة لشي‏ء من الاشياء و منه ان كل واحد منهم يجد في نفسه خضوعاً لشي‏ء من الاشياء و منه ان كل شي‏ء منهم يجد في نفسه ميلاً لشي‏ء من الاشياء منه ان كل شي‏ء منهم يجد في نفسه حاجة لشي‏ء من الاشياء و منه ان كل شي‏ء يجد في نفسه خوفاً من شيء من الاشياء و منه ان کل شيء منهم يجد في نفسه رجاء لشيء من الاشياء و منه ان کل شيء‌ منهم يجد في نفسه غماً لعدم ادراک شيء من الاشياء او لفوت شي‏ء من الاشياء و منه ان كل شي‏ء منهم يجد هماً عنده لامر مستقبل محبوب يخاف عدم ادراكه او بطوء ادراكه او محذور يخاف وقوعه و ما اشبه هذه و كل هذه و ما اشبهها بكاء علي الحسين7 او تباك لجمود عين طبيعته و يجري علي كل من اشرنا اليه من كل ذي هيئة و صورة من الخلق. و مرادي بذي الهيئة و الصورة ذو الانية حال وجدانه انيتَه و الي هذا المعني اشرت بقولي في قصيدتي المقصورة في مرثية ابي‌عبداللّه7 قلت:

ما في الوجود معجم لم‏يكن   الا اعترته حيرة في استواء
كل انكسار و خضوع به   فكل صوت فهو نوح الهواء
اما تري النخلة في قبة   ذات انفطار و انفراج فشا
ما سعفة فيها انتهت اُخبِرت   الا لها حزن امامي شوي
اما تري الاثل و اهدابه   عند الرياح ذا حنين علا
اما سمعت النحل ذا رنة   في طيرانه شديد البكا

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 302 *»
و السيف يفري نحره باكياً   و الرمح ينعي قائماً و انثنا
تبكيه جرد جاريات علي   جثمانه و ان تدق القَرا
و اللّه ما رأيت شيئاً بدا   في الكون الا ذا بكاء علا

فتأمل هذه الابيات تعرف ما اشرنا لك اليه.

و ثانيهما بالبكاء المعروف و هو جريان الدموع و يكون ذلك من محبيه7 و مبغضيه في حالة عدم التفاتهم الي جهة بغضه و عداوته فانهم في حالة التفاتهم الي عداوته و بغضه و ما يرد منهم من الحنق و الغيظ عليه و علي اتباعه و محبيه لايبكون عليه لشدة بعد قلوبهم حينئذ عن الرحمة و قسوتها عن قبول الخير و هو تأويل قوله تعالي ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشدّ قسوة و ان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار و ان منها لمايشقق فيخرج منه الماء و ان منها لما يهبط من خشية اللّه و البكاء علي الحسين7 من خشية اللّه. و اما في حال غفلتهم عن شقاقهم البعيد من رحمة اللّه اذا ذكر7 و ما جري عليه  علي اهل‏بيته و انصاره بكوا كما جري من كثير منهم مثل خولي الاصبحي لعنه اللّه هو يسلب زينب3 و الاطفال و يأخذ النطع سحباً من تحت سيد العابدين صلوات‌اللّه‌عليه و هو يبكي و لما سئلته قال لعنه اللّه ابكي لما جري عليكم اهل‏البيت و هو من المنافقين.

و الحاصل ان كل شي‏ء يبكي علي الحسين تبكيه الرياح بهفيفها و النار بتلهّبها و الماء بجريانه و امواجه و جموده و الشمس و القمر و النجوم بتغيراتها من حمرة و صفرة و كسوف و خسوف و الجبال بارتفاعها و انهدادها و الجدران بتفطرها و انهدامها و النبات بتغيّره و اصفراره و يبسه و الافاق بتكدّرها و اغبرارها و حمرتها و صفرتها آه ثم آه ثم آه ما ادري ما اقول و تبكيه التجارة بخسارتها و كسادها و العيون بتكدرها و المعادن بفسادها و الاسعار بغلائها و الاشجار بموتها و بقلة ثمرها و بسقوط ورقها و بيبس اغصانها و اصفرار ورقها اما سمعت بكاء الاواني حين تنكسر من الچيني و الخزف و من المعادن تبكيه بانكسارها و

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 303 *»

بصوتها حين الكسر اما سمعت هدير الاطيار في الاوكار و هفيف الاشجار و امواج البحار و بكاء الاطفال الصغار اما سمعت بكاء الاسفار بعدم امنية القفار اما سمعت الليل يبكيه بظلمته و النهار بالإسفار اما رأيت تفتت الاحجار و غور الابار و قلة الامطار و غلاء الاسعار و فساد الافكار و اختلاف الانظار و قصر الاعمار آه ثم آه ثم آه.

اجمل لك الامر بما اجمله العزيز الجبار في كتابه قال في هذا الشأن مصرّحاً بالبيان لمن كان لقلبه عينان و ان من شي‏ء الا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم فقال في بيان ان المراد بهذه الاية ما ذكرنا في الزيارة الجامعة الصغيرة المذكورة في آخر المصباح للشيخ; قال7 يسبح اللّه باسمائه جميع خلقه يعني ان كل شي‏ء يسبح اللّه بالبكاء علي سيدالشهداء عليه افضل الصلوة و السلام و الثناء و بذكر مصابه الجليل و بنشر فضائله و ممادحه في مصائبه. و قد قلت في هذا المعني في قصيدة رثيته7 بها

اما ثناؤك في بلائك       فهو لايحصيه كاتب

و اري جميع الخلق كلا     بالذي اوتي مخاطِب

يبدو بنعيك حين يبدو     و هو حال غير كاذب

فلذاك قيل لك المحامد   و الممادح في المصائب

الي آخر الابيات. و الحاصل هذا مجمل الجواب و البيان ان كل شي‏ء يبكي عليه الا حال التفاته الي عداوته و بغضه فانه في تلك الحال مطرود من رحمة اللّه التي وسعت كل شي‏ء لانه حين العداوة لا وجود لاصل عداوته له7. فلاجل ذلك قلنا هو حينئذ في ظلمة موهومة لاتشملها رحمة اللّه التي وسعت

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 304 *»

كل شي‏ء صلي اللّه عليك يا اباعبد اللّه بعدد ما في علم اللّه. اللهم العن اول ظالم ظلم حق محمد و آل‌محمد و آخر تابع له علي ذلك اللهم العن العصابة التي جاحدت الحسين و شايعت و بايعت و تابعت علي قتله اللهم العنهم جميعاً اللهم العن يزيد بن معوية اللّهم العن يزيد بن معوية اللهم العن يزيد بن معوية اللهم العن يزيد بن معوية تلعنه اربع مرات بعدد اركان العرش و اركان [نور خ‌ل] الوجود فالاولي بعدد النور الاحمر و هو الخلق و ما يرتبط به و الثانية بعدد النور الاخضر و هو الممات و ما يرتبط به و الثالثة بعدد النور الاصفر و هو الحيوة و ما يرتبط به و الرابعة بعدد النور الابيض و هو الرزق و ما يرتبط به لعنه اللّه بعدد ما في علم اللّه. و قولكم سجين الصخرة و هو فوق النار، جوابه فيما ذكرنا اذ لافرق بين الاعلي و الاسفل و انما الفرق هو حال الالتفات الي العداوة كما مرّ فافهم.

قال وفقه الله لخير الدارين و اصلح له احوال النشأتين: و بينوا رضي الله عنکم و عن والديکم ما معني هذا الشعر في قولكم:

اما تري النخلة في قبة   ذات انفطار و انفراج فشا؟

اقول: مرادي ان النخلة و الشجرة و غيرهما مقتضي الصنع المحكم و استقامة الايجاد بمقتضي استقامة طبيعة المصنوع ان‌تكون علي هيئة التساوي و الاستدارة الصحيحة لان الاستدارة الصحيحة اكمل الاشکال لتساوي الخطوط المخرجة من قطبها الي محيطها فكانت النخلة لها سعَف مستدير علي رأسها قبة و كان مقتضي الصنع المحكم و الايجاد المتقن ان‌يجريا علي حسب قابلية المصنوع و الامر الواقع في كل مصنوع كذلك و اذا اختلفت طبيعة المصنوع جري الصنع و الايجاد علي حسب اختلافها. و النخلة اكمل الاشجار و اقربها من الحيوانات و لهذا تستأنس و تستوحش و تخاف و تعشق و غير ذلك من صفات الحيوانات و لاجل ذلك امر الشارع9 بوضع جريدتين من النخل مع الميت تؤنسانه و يستأنس بهما و يرتفع بهما عنه عذاب الوحشة مادامتا خضراويتين لان رطوبتهما هي النباتية فيانس بهما و لانها اي النخلة انما

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 305 *»

سميت نخله لانها من فاضل نخالة طينة ابينا آدم7 فلذا قال9 اكرموا عماتكم النخل يعني انها اخت ابينا لانها خلقت من فاضل طينته فكانت النخلة اكمل الاشجار و اقربها من الحيوانات في الرتبة فيلزم من ذلك استقامة طبيعتها و يلزم من استقامة طبيعتها اعتدال خلقتها فيكون السعف المحيط برأسها متساوياً بحيث يحصل من تساويه ان‌يكون عليها قبة صحيحة الاستدارة. و قد قال بعض الشعراء في وصف النخل و حسن خلقته و حسن طلعه و ثمرته قال:

كأن النخيل الباسقات و قد بدت   لناظرها يوماً قباب زبرجد
و قد قُلّدت في عطفها([1]) زينةً لها   قناديل ياقوت بامراس عَسجَد

فقال قباب زبرجد يعني كانها قبة زبرجد اخضر هذا و [و هذا خ‌ل] ينبغي ان‌تكون كذا لاجل استقامة قابليتها لكنّا الآن نراها قبة غير معتدلة الاستدارة بل فيها انفطار اي انشقاق و انفراج اي فرجة فهي غير صحيحة الاستدارة و السبب في ذلك الاختلاف الذي جري عليها و اصابها بسببه عدم الاستقامة و عدم الاستدارة الصحيحة حتي كانت القبة التي علي رأسها من سعفها منفطرة منفرجة هو ما وصل اليها من مصائب [مصاب خ‌ل] سبط الرسول و فرخ علي و البتول صلي‌اللّه‌عليهم و آلهم الطيبين.

و قلت بعد هذا البيت:

ما سعفة فيها انتهت اخبرت           الا لها حزن امامي شوي

يعني ما فيها سعفة انتهت اي تم نموّها اخبرت اي و اخبرت بمصاب الحسين7 لانها قبل ان‌ينتهي نموّها لم‏تخبرها الملائكة الموكلون بنموها و الا لانقطع تسبيحهم للّه سبحانه لانهم يسبحون اللّه تعالي بتنمية هذه السعفة الي ان‏يتم نموها فاذا تمّ نموها اخبروها بمصاب الحسين7 فتنشوي و تَيبَس لانها تبكي علي الحسين7 بذبولها و يبسها و تخرج دموعها عليه

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 306 *»

7 بالرطوبات التي تتحلّل منها و لو ان الملائكة الموكلين بنموها اخبروها قبل تمام نموها بمصاب الحسين7 يبست و لم‏تجر فيها المادة فاذا يبست قبل التمام انقطع تسبيحهم للّه تعالي لانه تعالي وكّلهم بان‌يسبّحوه بتنميتها الي ان‌يتم نموها فاذا تم نموها امرهم بالصعود الي مراكزهم من الوجود فكانوا في مراكزهم يسبحونه الي يوم القيمة. فلذا قلت: ما سعفة فيها اي في النخلة انتهت اي في نموها اخبرت اي اخبرتها الملائكة بعد تمام نموها بمصاب الحسين7 و ما جري عليه يوم كربلا نفسي له الفداء. الا و حزن امامي شوي لها اي شواها و احرقها حتي يبست.

قال سلمه الله: و ما هذه الياء في کلامکم الشريف في المرثية: و الزاعبي غرضاً هل هي الياء الحاصلة من اشباع الکسرة ام شيء آخر؟

اقول: الزاعبي هو الرمح الطويل و الياء ياء‌ النسبة منسوب الي زاعب اسم بلد و الغرض بالغين المعجمة هو الهدف الذي يرمي بالسهام و هو المسمي بالنَيشان و انما خففت الياء لضرورة الشعر و هذا ظاهر.

قال سلمه اللّه و وفقه لرضاه: و بينوا اعلي‌اللّه‌درجاتكم لاي شي‏ء كانت الزوجتان المخلوقتان من مكان واحد و هو الضلع اليسري من الزوج كان كل واحد منهما للاخر كذلك و الحال ان المناسب كان بالعكس من الالفة و المحبة.

اقول: عبارتكم مشتبهة عليّ ما عرفت مرادكم منها. فان اردتم ان الزوجتين المخلوقتين من رجل واحد كيف تكونان لرجلين؟ فالجواب انهما لم‏تخلقا من واحد بل كل واحدة من زوجها نعم قدتكونان من زيد مثلاً فالتي كانت له خاصة لم‏تختلط طينتها بطينة غيره و التي كانت قد اخذها عمرو و طينتها من زيد فهي قد اصابها [لطخ خ‌ل] من طينة عمرو فلذا اخذها فاذا كان يوم القيمة و رجع كل شي‏ء الي اصله رجعت الي زيد. و بيان هذا اللطخ ان طينتها من طينة زيد من نفسه و اصابها لطخ عارض من عمرو و ذلك علاقة ظاهرة. فلما خرجا الي هذه الدنيا تزوّجها عمرو للعلاقة الظاهرة و معني ذلك انه تزوّجها

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 307 *»

لمالها او بجمالها او لاجل كون اهلها اهل عزة بين الناس و رغبة في القرب اليهم و امثال ذلك من انواع اللطخ. فاذا كان يوم القيمة زالت العوارض و رجعت الي احكام الذاتيات فتكون لزيد. و من اجل هذا السبب قدتتزوج المرأة عشرة رجال في الدنيا و يوم القيمة انما زوجة واحد منهم بل قديكون من غيرهم اذا كانت علاقاتهم عارضة. و ان اردتم معني غير هذا فلم‌يحضرني. فلو عرفت ان المراد كان غير هذا احببته و اللّه سبحانه اعلم بالصواب.

قال اصلح اللّه احواله: و بينوا رحمكم اللّه ان امثال هذه المسائل تفضل من اللّه عزوجل ام لاجل العسر و الحرج ام هو ظاهر في الواقع مثل النجاسة الممزوجة بالرماد المطروحة في الطريق المسحوقة و صار كله غبارا و مثل بول الاطفال في تراب الحجرة الواقعة فيه الغبار التي وقعت في الهواء المكيِفة بذلك و صارت مكتنسة و كانت كناسة طاهرة.

اقول: اعلم ان اللّه سبحانه خلق الاشياء طاهرة و ما حكم به عليها فهو مطابق للواقع و الواقع عند اللّه سبحانه هو ما دلّ عليه من الواقعي الوجودي او الواقعي التشريعي اما سمعت اللّه سبحانه يقول في شأن من يقذف المحصنة فاذ لم‏يأتوا بالشهداء فاولئك عند اللّه هم الكاذبون فقوله عند اللّه هم الكاذبون اي في الواقعي التشريعي و ان كان صادقاً في الواقعي الوجودي اذا خالف الواقعي التشريعي فتكون الطهارة علي الظاهر لاجل عدم ارادة العسر بالمكلفين. و اما في نفس الامر فاعلم ان اللّه سبحانه اذا حكم عليك بحكم مثلاً كما في هذه المسئلة فحكم اللّه ان طابق امتثال امره الواقع فلا كلام و ان خالف الواقع و انت قد امتثلت امره فالذي افهم و ان كان لايقول به الناس او لايعرفونه ان اللّه تعالي اذا حكم عليك و امرك باستعمال هذا الشي‏ء علي ظاهر الطهارة و لم‏يعلمك بشي‏ء خلاف ما امرك به كما لو استمر الاشتباه فانه يأمر ملائكة موكلين بذلك ينقلون [ان ينقلوا خ‌ل] عما امرك به الاجزاء النجسة حتي لاتباشر بامره الا ما هو طاهر عنده لانه عليم بكل شي‏ء و قادر علي كل شي‏ء و لايخفي عليه شي‏ء. فاذا كان انما يأمرك باستعمال الطاهر علي ما تفهم انت بحسب ما امرك به فاذا فهمت

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 308 *»

من امره شيئاً طاهراً و قد امرك باستعماله و هو لايأمر الا باستعمال الطاهر فاستعملته امتثالاً لامره و كان في الواقع فيه نجاسة فانه يعلمها فيأمر ملائكة ينقلون ما في ذلك من النجاسة لانه يعلمها و لايكون عنده ذلك طاهراً حتي تنقل الملائكة النجاسة او يغيرها و يحيلها بقدرته الي الطهارة كما يحيل نجاسة العذرة الي الطهارة باحالتها تراباً لانه تعالي يقول فاولئك عند اللّه هم الكاذبون و كيف يكونون كاذبين و هم صادقون في الواقع فاذا كان عالماً بهم كانوا عنده صادقين و كيف يكونون عنده کاذبين و صادقين فيحصل التناقض عنده و هو علي كل شي‏ء قدير. و عدم المنع من التناقض باعتبار حيثيّتين لاموجب له فان رفع التناقض اصلاً اولي من رفعه بالحيثيتين و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

([1]) عنقها خ‌ل.