08-02 جوامع الکلم المجلد الثامن ـ رسالة في جواب السيد اسماعيل ـ مقابله

رسالة فی جواب السید اسماعیل

 

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 28 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين.

و بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائي انه قد بعث الي السيد الجليل سيدنا السيد اسماعيل بخط التمس مني الجواب لمسائل كتبها و قد وردت علي في حال اشتغالي بشرح الزيارة الجامعة و كنت التزمت اني لا‌اشتغل عنه بشيء فلما وفقني الله عزوجل لاتمامه و ذكرت كلامه اعلي الله مقامه كتبت ما حضر و جعلت كلامه سلمه الله متناً ليتبين معني كل مسألة في محلها و بالله سبحانه استعين.

قال سلمه الله: فاليك اشكو ضعف نفسي عن المسارعة فيما وعد الله اوليائه و المجانبة عما حذر الله اعداءه.

اقول: اعلم ان النفس خلقت علي ما هي عليه من قابليتها و مقتضي قابليتها الضعف عن ذلك و انما افاض عليها الوجود لتقوي علي طاعته و كانت الافاضة في مقامين:

الاول: به تكونت في صورتها الظاهرة.

و الثاني: به تتكون في نوريتها و قوتها علي القرب من خالقها فاما الاول فمعلوم. و اما الثاني فهو مادة الوجود التشريعي و هو الارادات الالهية من المكلف و الاوامر الشرعية. و كما ان الوجود التكويني الاول لايتحقق الا بقابلية العبد له حين الايجاد كذلك الايجاد التشريعي لايتحقق الا بقابلية المكلف و هي (ظ) امتثال الاوامر و اجتناب النواهي كما قرر الشارع عليه ‌السلام و طبيعة النفس تقتضي مخالفة ذلك و بالمخالفة تهلك فامر الشارع عليه‌السلام بالمعالجة لها و تعليمها علي الطاعات بالتدريج. قال الصادق عليه‌السلام بالعقل يُستَخرَجُ غورُ الحكمة و بالحكمة يستخرج غور العقل هـ . و المراد انك تحمل النفس علي بعض الاعمال الصالحة فاذا عملت قوي العقل فاذا قوي العقل بعثها

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 29 *»

علي العمل و هكذا فانت تعوّد نفسك علي فعل الخير فان فعلَت فحسن و ان خالفَتْ فلاتهتمّ بما مضي و اجتهد فيما يأتي فربّما لو اهتممتَ بما مضي كان شاغلاً لك عمّا يأتي و لايرجع لك ما مضي و تستدرك ما مضي بالندم و الاستغفار و لايكون الندم شاغلاً لك عما يأتي.

و اكثر من ذكر الموت و احوال الاخرة من الجنة و النار و اعتبر بمن كانوا معك و سافروا قبلك الي الاخرة و اقتَدِ بمن استعدّ لذلك السفر الطويل بالزاد الجزيل منهم و حذّر نفسك ان‌تكون كمن سافر بغير زاد و اجعل لك وقتاً في اليوم و الليلة و لو قدر ساعة او اقلّ تنظر فيه الي ما خلق الله من السمٰوات و الارض و تعتبر بآيات الله كما قال تعالي و يتفكرون في خلق السموات و الارض ربنا ما خلقت هذا باطلاً و اجتهد في اخلاص العمل و ان كان قليلاً لان الله تعالي يقول لنبلوهم ايّهم احسن عملاً و لم‌يقل ايهم اكثر عملاً فافهم.

قال سلمه الله تعالي: و وسوسة نفسي و قلة صبري و كثرة همومي.

اقول اعلم ان الشيطان يأتي المؤمن اذا وقع منه تقصير و يفتح عليه باب الخوف ليشغله عن التلافي و الاتيان بما سياتي و ليدخله في باب القنوط. و من المؤمنين من يجري علي خاطره تصور حال قبيح في الله تعالي او في انبيائه و اوليائه و التصور في الحقيقة ليس منه و انما هو من القاء الشيطان و هذا هو النجوي الذي ذكرها الله تعالي في كتابه فقال انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارّهم شيئاً الا باذن الله و هذا كما قال تعالي و ليس بضارّهم شيئاً الّا باذن الله لان كيد الشيطان ضعيف فاذا عرض لك هذا و مثله فلاتخف منه و لاتهتم به فانه يذهب عنك لانه كما قال الله فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث و الشيطان مثل الكلب تمر عليه فينبح عليك فان تركته رجع عنك و ان اعتنيت بطرده اشغلك فكلما طردته ذهب و اذا رجعت رجع اليك و اما اذا تركته تركك فاعتبر بهذا المثال. و علي ان هذا الذي جري في تصورك ليس منك بل هو من الشيطان و لهذا يجري علي خاطرك بغير محبتك و رضاك و لو كان منك لرضيت به فاذا عرفت انه ليس منك فلايضرك و لاتخف

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 30 *»

منه. و اعلم ان الخبيث يأتيك به هو و يقول لك قد كفرتَ او نافقت او ارتددت فلاتطعه فانه كاذب لو كان منك لما كرهته و اذا لم‌يكن منك كيف تكون كافراً بفعل غيرك او مرتداً؟ و مع هذا فانت تكثر من قول يا مقلّب القلوب و الابصار صل علي محمد و اٰل محمد و ثبّت قلبي علي دينك و دين نبيك صلي الله عليه و اٰله و لاتزغ قلبي بعد اذ هديتني و هب لي من لدنك رحمة انّك انت الوهّاب، ليلاً و نهاراً فاذا خطر علي خاطرك ماتكره فقل اشهد الا اله الا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمداً عبده و رسوله 9 و اشهد ان علياً ولي الله7.

و اما قلة الصبر فانظر في نفسك هل تدرك مطلوبك بالصبر ام بقلة الصبر؟ فان قلت بقلة الصبر فلم‌تكرهها؟ و ان قلت بالصبر فاصبر حتي تدرك مطلوبك. و اما كثرة الهموم فانت جربتها هل حصّلت بها شيئاً مما اَهَمَّك ام لا؟ فان قلت حصّلت بها فينبغي ان‌تفعلها و تلازم عليها و ان‌قلت ما حصّلت منها الا الاذي فاتركها و لاتطلب لنفسك الاذي بما لاينفعك. و من الادعية المجربة اذا اصابك غم فقل ثلاثين مرةً لا اله الا انت سبحانك انّي كنت من الظالمين فقد جربته مراراً و عليه اعتمد و هو مروي عن النبي صلي الله عليه و اله.

قال سلمه الله: و اليك اشكو قلباً قاسياً مع الوسواس متقلباً.

اقول ليس قلبك قاسياً و لا متقلباً مع الوسواس لان القلب القاسي هو الذي لايشعر بهذه الامور بل يطمئن اليها و لو تقلب مع الوسواس لرأي ذلك حقاً و فرح به فلما تألّم قلبك من ذلك دل علي انه ليس منك و لا منه و انما هو من نجوي الشيطان. و اذا كان من غيرك لايضرك بل جزع قلبك من هذا و مثله كما قال صلي الله عليه و اٰله ذلك محض الايمان هـ ، انما خاف قلبك من هذه الامور لانه مطمئن بالايمان فاذا ذكره الشيطان ذلك ليحزنه تألّم من ذلك لانه منكر لها و هو معني كونه ماحضاً للايمان.

قال سلمه الله: و بالرين و الطبع متلبساً.

اقول علاجه ان‌تجلوه و تصقله بما ذكرنا من الاستغفار و الاكثار من ذكر الله و من ذكر الموت و الجنة و النار و باخلاص العمل و بملاحظة الرجاء في

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 31 *»

الله تعالي و حسن الظن به.

ثم قال و تعلموني ذكراً و ورداً لتصفية الباطن و تنوير القلب بنور المحبة و الزهد في الدنيا و الرغبة فيما عند الله.

اقول الذكر قسمان: احدهما هو ما ذكرنا لك من التفكر في خلق الله و صنعه و آثار قدرته و ذكر نعمه و جميل احسانه الذي لاتحصي و حسن الظن به و الرجاء فيه و الخوف من مقامه و ان‌تذكره عند الطاعة فتفعلها و عند المعصية فتتركها و امثال هذا. و ثانيهما ما تتلفظ به من الذكر و افضله الصلوة علي محمد و اٰله صلي الله عليه و اٰله فانها تكفّر الذنوب من دون توبة و لعن اعدائهم فانها موجبة للشفاعة في الدنيا باصلاح الاحوال و قضاء الحوائج و رفع الموانع و في الاخرة بالسلامة من النار و الفوز بالجنة. و الذكر الخاص لكل مطلوب توكلت علي الله الف و ثلاثة و عشرون و لكل مخوف اعتصمت بالله الف و تسعة و ستون و اما تصفية الباطن ففرغ قلبك لذكر الله سبحانه و لذكر اسمائه عليهم‌السلام فان‌ اجتمع قلبك علي هذا خاصة صفي باطنك و استنار قلبك بنور المحبة و ذلك مع المداومة علي المستحبات الشرعية و التوجه في الواجبات.

و اما الزهد في الدنيا فكما قال الصادق عليه‌السلام الاّ تكون بما عندك اوثق منك بما عند الله هـ ، و اما الرغبة فيما عند الله فبذكر انقطاع الدنيا و لذاتها و فنائها و ذكر دوام الجنة و لذاتها و بقائها و اكثار التفكر في تقلّب الدنيا و غدرها بمن ركن اليها و اشباه ذلك و ذكر الموت و ما بعد الموت و الحساب و الوقوف بين يدي الله و زيارة القبور و الاعتبار بها و بالدنيا و بما فعلتْ باهلها و هذا و امثاله مذكور في احاديث اهل البيت عليهم‌السلام و في كتب العلماء الموضوعة في علم اليقين و التقوي.

قال سلمه الله: و تمدوني و ترشدوني الي طريقة تصلح لي ديني و ما فسد مني و تصلح معاشي و معادي.

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 32 *»

اقول عماد هذا و قوامه المصلح للمعاش و المعاد هو التوكل علي الله و تفويض الامر الي الله و الرجاء في الله و حسن الظن بالله.

قال سلمه الله: و المدعو من فضلكم ان‌تبينوا لي معني الامر بين الامرين من الجبر و التفويض.

اقول اختلف الناس في حكم افعال العباد الصادرة‌ عن دواعيهم و بواعثهم القلبية. فقال الاشاعرة الله سبحانه اجراها عليهم و لايفعلون من انفسهم شيئاً و الاسباب التي تنسب اليها الافعال ليست في الحقيقة باسباب بل الفاعل في الحقيقة هو الله فيحدث في ابي‌لهب الكفر و يعذبه عليه و لا يقبح من جهته تعالي شيء بل كلما يفعل المحبوب محبوب لا يسأل عما يفعل و هم يسألون و مذهبهم في ذلك مشهور و هم اتباع علي بن اسماعيل بن ابي‌بشر الاشعري. و قالت المعتزلة ان الله خلقهم و ركّب فيهم الالات التي هي اسباب الفعل و امرهم و نهاهم فهم الفاعلون لافعالهم علي الاستقلال و ليس لله في افعال عباده الا الامر و النهي القوليّان و لولا ذلك لبطل الثواب و العقاب و لهم من ظواهر الايات و الاخبار ادلة كثيرة. فالاشاعرة اصحاب الجبر فانهم يقولون بذلك و يلزم من كلامهم ذلك ان الله اجبر عباده علي افعالهم و ليس لهم اختيار في الحقيقة بل جميع افعالهم منه تعالي. و المعتزلة اصحاب التفويض لانهم يزعمون ان العباد فاعلون بالاستقلال. و احاديث ائمتنا عليهم‌السلام مصرحة بان القائلين بالجبر و القائلين بالتفويض مشركون. و بينوا عليهم السلام لشيعتهم مذهب الحق الذي يدينون الله به و هو القول بالامر بين الامرين يعني لا جبر و لا تفويض ولكن بينهما منزلة فيه الحق و هي اوسع مما بين الارض و السماء الا انها ادقّ من الشعر و احدّ من السيف لايعلمها الا العالم عليه‌السلام او من علّمه اياها العالم و المعني ان هذه المنزلة التي ليست جبراً و لا تفويضاً لايعرفها الا الامام عليه‌السلام او من علّمه الامام عليه‌السلام بتعليم خاص و قد زلّت في معرفتها اقدام العلماء و الحكماء حتي كان وجود المصيب فيها اعزّ من الكبريت الاحمر و الغراب الاعصم و بيانها صعب مستصعب يحتاج الي تمهيد مقدمات و تطويل

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 33 *»

كثير و انا الان قلبي غير مجتمع و عليّ اشغال كثيرة و بي امراض متوالية ولكن لابد من اشارة الي ذلك علي جهة الاجمال.

فاقول ان كل ما سوي الله سبحانه حادث محتاج في بقائه الي المدد من اثر فعل الله سبحانه فليس للمكلف و لا لشيء من احواله و افعاله وجود و لا بقاء الا بالمدد من اثر فعله تعالي علي جهة الدوام و الاتصال بل كل شيء قائم بامره تعالي قيام صدور يعني كوجود الكلام من المتكلم و الشعاع من المنير و الصورة في المرآة من مقابلة الشاخص فمثالنا لم‌نرد به ان الاشياء صادرة عن ذاته كالنور من المنير، تعالي الله عن ذلك بل الاشياء صادرة عن فعله كصدور الكلام من المتكلم و النور من السراج و الصورة في المرآة من مقابلة الشاخص فهي آثار مخترعة بفعله لا انها جزء فعله. فقولنا قائمة بفعله قيام صدور نريد ان المتكلم مادام متكلماً فالكلام موجود مع التكلم لا قبله و لا بعده كذلك الاشعة من السراج و الصورة في المرآة من الشاخص فمادام مقابلاً لها فهي موجودة بمدد المقابلة و الا فليست شيئاً فلو اعرض بوجهه لم‌يكن في المرآة صورة اصلاً فمادام مقابلاً لها فهي موجودة و تنسب اليها احوالها و صفاتها لا الي المقابل فتقول هذه الصورة صغيرة او سوداء او عوجاء او كبيرة او بيضاء او مستقيمة و كل هذه صفات الصورة لا صفات وجه المقابل لان وجه المقابل هو واحد و تختلف صورته باختلاف المرآة التي هي القابلية فتنسب الاحوال و الصفات المختلفة اليها يعني و ان كانت ليست شيئاً الا بالمقابل كذلك الاشياء كلها قائمة بفعله قيام صدور و تتغير و تتكثر باختلاف قوابلها و لولا تجلي فعل الله سبحانه بها لا من شيء كونها لم‌تكن شيئاً فجميع افعالها و اعمالها منسوبة اليها لانها صفاتها لا انها منسوبة الي فعل الله تعالي لان فعل الله كصورة وجهك و الاشياء كصورة وجهك في المرآة و صورة وجهك في المرآة ليست هي صورتك التي في وجهك بل التي في المرآة شعاع صورة وجهك و ظلها فالصورة التي في المرآة قائمة بالمدد من صورة وجهك و المدد هو تجلي وجهك بشعاع صورته للصورة التي في المرآة و هذا التجلي هو مددها التي قامت به و هو ظل صورة وجهك

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 34 *»

فصورة وجهك لاتفارق وجهك و لاتتغير و لاتختلف و الصورة في المرآة تكبر و تصغر و تبيض و تسود و تستقيم و تعوج علي حسب قابليتها التي هي هيئة الزجاج و صقالته و بياضه و استقامته و كبره و اضدادها فصورة وجهك مثال لفعل الله و مقابلتك بها للمرآة مثال للمدد الذي به قوام الاشياء و بقاؤها و الصورة في المرآة هي مثال الاشياء و زجاجة المرآة هي مثال قوابل الاشياء فكما انك تنسب هيئات الصورة التي في المرآة اليها من الاعوجاج و الاستقامة و البياض و السواد و غير ذلك و لاتنسب شيئاً من هذه الاحوال و الهيئات الي صورة وجهك لان صورة وجهك ليس فيها شيء من ذلك لان هذا من صفات التي في المرآة بسبب قابلياتها التي هي هيئات زجاجة المرآة مع انه لولا مقابلة وجهك لم‌توجد صورة في المرآة و لم‌يوجد شيء من هيئاتها كذلك الاشياء فانها قائمة باثر فعل الله تعالي و لم‌تكن شيئاً بغير ذلك المدد و جميع احوالها و افعالها منسوبة اليها صادرة عنها و لم‌ينسب الي فعل الله تعالي شيء من احوالها كما لاتنسب شيئاً من احوال صورة المرآة من بياض و سواد و استقامة و اعوجاج الي صورة وجهك و ان كانت لاتقوم الا بها فالصورة في المرآة مستقلة بنسبة افعالها اليها و صدورها عنها و لاتكون و لاتوجد الا عند مقابلة صورة وجهك. كذلك الخلق افعالهم و اعمالهم منسوبة اليهم صادرة عنهم مع انهم هم و ما نسب اليهم و ما صدر عنهم لايوجد الا مع توجه المدد من الله تعالي الذي به بقاؤه و حفظ وجوده كما قال تعالي و من آياته ان‌تقوم السماء و الارض بامره و قال عليه‌ السلام في ادعية الايام من مصباح المجتهد للشيخ (ره) و كل شيء سواك قام بامرك، فتدبر هذا المثال و تفهمه فانك تجد حقاً واضحاً و نوراً لائحاً ليس بعده الا الضلال و الله سبحانه العالم بالاحوال و قد قال تعالي و قد ضربنا لكم الامثال و هذا مثال من تلك الامثال التي قال في كتابه.

قال سلمه الله: و ما معني ما شاء الله کان و ما لم‌يشأ لم‌يكن.

اقول اعلم ان الله سبحانه كان و لا شيء معه غيره ثم خلق المشية بنفسها لا من شيء غير نفسها حين خلقها فاحدث بها الامكان حين احدثها لانه محل

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 35 *»

خلقها في السرمد يعني ان المشية خلقها بنفسها في مكانها و وقتها فمكانها الامكان و وقتها السرمد. فهذه الثلاثة هي الوجود الراجح الوجود و معني اَحدَثَ بها الامكان انه تعالي امكن بها الامكان اذ لم‌يكن قبل المشية الا الوجوب البحت سبحانه و هو الوجود الحق و المشية في الامكان الراجح و هو الوجود المطلق و المشاءات في الامكان المساوي و هو الوجود المقيد و اوله العقل الكلي و آخره ما تحت الثري. فلما امكن الممكنات كانت حصصها الجزئية بالنسبة الي الامكان الكلي حصصاً كليةً غير متناهية مثلاً احدث في الامكان الراجح الذي هو العمق الاكبر المشار اليه في دعاء السمات للحجة عليه‌السلام امكان زيد علي وجه كلي غير متناه. و انما قلنا انه جزئي بالنسبة الي العمق الاكبر. و معني كون امكان زيد علي وجه كلي ان حصته من الامكان الراجح قبل التكوين يجوز ان‌تكون زيداً او عمراً او جبلاً او جملاً او طيراً او ارضاً او سماءً او نبياً او كافراً او ملكاً او شيطاناً او معدناً او نباتاً و هكذا الي غير النهاية فزيد في العلم الحادث الامكاني الراجح الوجود يجوز ان‌تقول هو ليس شيئاً يعني مكوناً قال تعالي اولا يذكر الانسان انا خلقناه من قبل و لم‌‌يك شيئاً يعني لم‌يكن شيئاً مكوناً ولكنه شيء معلوم ممكن. و يجوز ان‌تقول هو شيء يعني هو ممكن و ليس مكوناً قال تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لم‌يكن شيئاً مذكوراً يعني انه ما مر عليه وقت من الدهر الا و هو مذكور ولكن مذكور في العلم و الامكان لا انه مذكور بالتكوين. فلله سبحانه في كل شيء مشيتان مشية امكان و مشية تكوين فالامكان هو الخزانة الكبري التي لاتتناهي و الله الكريم سبحانه يمد منه كل مكون بما شاء و لا نهاية لهذا الامكان الا في الملك الذي تفرد به تعالي. فاذا قلتَ ما شاء الله كان تريد ما شاء الله تكوينه من الممكنات التي شاء امكانها كان بمشيته التكوينية (ظ) من مشيته الامكانية. و ما لم‌يشأ تكوينه من الممكنات التي شاء امكانها بالمشية الامكانية لم‌يكن لان الممكن لايكون مكوناً الا بالمشية التكوينية، مثلاً الجبل له حصة امكانية من الامكان الراجح فكوّن هذا الجبل من تلك الحصة الامكانية التي قلنا انها حصة امكانية

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 36 *»

جزئية علي وجه كلي غير متناه فان هذا الجبل يمكن ان‌يكون ذهباً و انساناً و حيواناً و ملكاً و شيطاناً و براً و بحراً و نبياً و كافراً و غير ذلك مما لا نهاية له و لا غاية ابد الابدين. فحاصل المعني ما شاء الله تكوينه من الممكنات كان و ما لم‌يشأ تكوينه منها لم‌يكن و اذا كونه ليس له فيه البداء الّا يكوّنه لانه كوّنه و كونه لايكوّنه محال. ولكن له ان‌يغير تكوينه الي اي صورة شاء بلاغاية و لا نهاية كما قال تعالي في اي صورة ما شاء ركبك،

و اما قول الصوفية و اتباعهم بانه ليس للحق في الشيء الا وجه واحد لانه علمه كذلك و علمه تعالي لايتغير وساوس و جهل بمقام الحق تعالي حتي انهم يقولون لا تتعلق قدرته تعالي بهداية الخلق كلهم لانهم ما اعطوه العلم من انفسهم بذلك و هو غلط فاحش فان الله تعالي العالم بذاته و بخلقه يقول و لو شاء الله لجمعهم علي الهدي فلاتكونن من الجاهلين فكيف يقول تعالي لشيء كن و لايكون او انه اتي بهذا الفرض علي جهة الفرض و التمثيل كما احتمله بعضهم و كتبه هو زعماً منه ان هذا مما لايحتمله الا اهله حتي ان الملامحسن في الوافي في باب الشقاوة و السعادة عنون بيان هذا فقال و ان كان الظاهريون لّبِمَعْزَلٍ عنه.

قال سلمه الله: و ما معني لا حول و لا قوة الا بالله.

اقول روي [في ظ.] معناه عن اميرالمؤمنين عليه‌السلام لا حول لنا عن المعاصي و لا قوة لنا علي الطاعة الا بالله و معني هذا الكلام ان الحول اي التحول عن المعاصي انما يكون منا بالله لانا لنا حقيقتان حقيقة من الله و هي الوجود و هو يقتضي الطاعات بميل طبعه و يقتضي التحول عن المعاصي كذلك لكنه محدث محتاج في بقائه الي المدد. و كذا في حصول الميل له و بقائه له و هو اي المدد انما يجري علي المحدث من فعله تعالي بارادته فاذا لم‌يرد لم‌يصل اليه مدد و اذا لم‌يصل اليه مدد لم‌يكن له اقتضاء و لا ميل، هذا اذا وصل الي الذات نفسها و لم‌يصل الي نفس الاقتضاء و الميل مدد و الا لم‌يكن شيئاً اصلاً و حقيقة من نفسه و هي الماهية و هي تقتضي المعاصي بميل طبعها و تقتضي ترك الطاعات كذلك و هي محدثة من الوجود المحدث و محتاجة في بقائها و في اقتضائها و ميلها

 

 

«* جوامع الکلم جلد 8 صفحه 37 *»

كذلك. و ميل الوجود من نوعه و مددها من نوعها و كل بارادة الله تعالي فاذا اراد العبد الطاعة باقتضاء حقيقته و ميلها و هي الوجود لايقوي عليها الا بمعونة من الله و هذا معني و لا قوة لنا علي الطاعة الا بمعونة من الله تعالي و ان مال اليها وجودنا و احبها قلبنا و اذا اراد ترك المعصية بعد ميل ماهيتنا و محبة نفسنا الامارة بالسوء لها لم‌نقدر علي تركها و التحول عنها الا بمعونة من الله تعالي. و هذا معني لا حول لنا عن المعاصي الا بالله لانه لو امد الماهية حين مالت الي المعصية عصي العبد قطعاً و مدده تعالي لها التخلية و الخذلان فلايطيع العبد الا بالله. فاذا مال الي الطاعة و ائتمر بها امده بالمعونة و لايمنعه ما يحب منه ان‌يفعل و لايعصي العبد الا بالله لانه اذا مال الي المعصية و ائتمر بها فان شاء ان‌يحول بينه و بينها فعَلَ بان‌يمد مقتضي الترك لها و هو الوجود. و ان لم‌يشأ ذلك خلّاه و كان تخليته مدداً لمقتضي فعلها و هو الماهية و لايجب في الحكمة عليه تعالي اكثر من هداية النجدين و المعونة اذا شاء و له الحمد علي كل حال و الحمد لله رب العالمين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و كتب العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائي حامداً مصلياً مسلماً مستغفراً.