07-02 مکارم الابرار المجلد السابع ـ الفطرة السلیمة المجلد الثالث – چاپ

 

 

 

الفطرة السليمة المجلد الثالث

 

من مصنفات

العالم الرباني و الحکيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد کريم الکرماني

اعلي‌الله مقامه

 

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 279 *»

 

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد للّه رب العالمين و صلي اللّه علي سيدنا محمد و اله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة اللّه علي اعدائهم اجمعين.

و بعـــد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم ان هذا هو المجلد الثالث من كتاب الفطرة السليمة في المعارف الدينية في الامامة و الولاية و البراءة  ففيه بابان من ابواب الكتاب و خاتمة في معني الاخوة و بها تمام الكتاب و اسأل الله الوهاب ان‏يوفقني لاتمامه كما وفقني لاتمام الجلدين السابقين و ان‏يجعله علي ما يحب و يرضي خالصاً لوجهه الكريم انه بعباده رءوف رحيم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم سبحانك لا علم لنا الا ماعلمتنا انك انت العليم الحكيم و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين و رهطه المخلصين.

الباب الثالث

في الامامة و في هذا الباب مطلبان و خاتمة

المطلب الاول

في اثبات امامة الائمةنوعية و شخصية و فيه مقصدان

المقصد الاول

في اثبات لزوم وجود خليفة و امام معصوم بعد النبيمادام شرعه في الدنيا باقياً

و عدم جواز خلو زمان عن حجة من الله معصوم و في هذا المقصد فصول

فصـل: اعلم ان ادلة اثبات لزوم وجود حجة من الله سبحانه دائماً في الملك

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 280 *»

هي بعينها ادلة قدمرت في باب النبوة ظاهرة و باطنة و المقتضي للزوم وجود النبي الحاكم بين الرعية هو المقتضي للزوم وجود الخليفة بعده و عدم خلو الارض من حجة من الله فلانعيدها هنا الا انا نذكر هنا ادلة اخري تختص بالامامة لئلايخلو هذا الباب ايضاً من الدليل و نبدأ بادلة سياسية و غيرسياسية ظاهرية ثم نتبعها بادلة حكمية باطنية ليعلم كل اناس مشربهم و ينال كل قوم ماربهم.

فاقول ان من البين ان محمداً9 خاتم‏النبيين فلا نبي بعده و دينه خاتم الاديان فلا دين بعده و قدبعث علي حين فترة من الرسل و طول هجعة من الامم حين كانت اعلام الاديان طامسة و اطلالها دارسة و اغلب اهل الدنيا يعبدون الاصنام و الحيوانات و الاشجار و الاحجار و قليل منهم اهل الكتاب و قدارتدوا عن دينهم بالكلية فمنهم من كفر بانكاره النبي اللاحق و منهم من كفر ببدعته في دينه و اتخاذه نبيه او الاحبار و الرهبان الهة من دون الله و منهم اميّون لايعلمون شيئاً فقام بين ظهرانيهم و هم وحشيون عن التدين و التأدب و الاستقامة يدعوهم الي اعتقادات بعيدة عن افهامهم و التخلق باخلاق منافية لسجاياهم مع شدة احقادهم و كبرهم و انفتهم عن قبول الحق فقام يدعوهم الي الحق مدة لبثه في مكة فلايزيدهم الا نفوراً و استكباراً اللهم الا احاداً منهم الي ان هاجر منها بعد ما رأي شدة كلبهم فجاء الي المدينة و اكثرهم يهود معادون للحق و كثير منهم جهال لايعرفون هراً من بر رعاة ابل و غنم و كسبة اسواق و اصحاب شقاق فنزل فيهم يدعوهم الي الحق مع استيحاشهم و عداوة اكثرهم فامن به بعضهم علي الظاهر و هم مع‏ذلك اهل ضنك و فقر فمنهم من كان يحترف في الاسواق و منهم من كان يقوم علي نخله و منهم من كان يطلب مواضع القطر و الكلأ و يدور مع غنمه و منهم من كان يسافر مع جماله و دوابه يطلب التجارات في الاسواق و البلاد نعم كان بعض العاجزين عن المكاسب او المستغنين عنها في اغلب الاوقات معه فاذا امر رسول‏الله9 بامر و حكم بحكم سمعه من حضره و فات من غاب عنه و انت تعلم ان كل من حضره لم‏يك يعيه و يحفظه اما لنفاقه القلبي و قلة اعتنائه كما قال الله سبحانه اذا خرجوا من عندك قالوا ماذا قال

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 281 *»

انفاً و اما لكونه وحشياً عن الدين ومعانيه كما ليس يعي عوامنا المعاشرون للفقهاء احكامهم اليوم مع انسهم بالدين و اما لقلة فهمه و اما لانهم لم‏يكونوا من اهله فان لضبط احكام الفقه و فهم جهاتها اهلاً كما ان لضبط الطب و النجوم اهلاً و ليس كل من سمع حكماً في قضية علم الحيثية المقتضية هذا و هو9كان غالباً في الاسفار و الغزوات و تفرق الناس فيها و اشتغالهم بحوائجها و غفلتهم و بطرهم و عدم اعتنائهم بالدين اكثر و اكثر كماهو مشاهد فلاجل ذلك كل واحد من المعاشرين حفظ شيئاً و غاب عنه اشياء مع نفاقهم الموجب لعدم الاعتناء التام الموجب لعدم الفهم التام اولاً و النسيان اخراً و التحريف وسطاً و الكذب عليه دائماًكما قال الله سبحانه و من اهل المدينة مردوا علي النفاق و قال جاهد الكفار و المنافقين الي غير ذلك من الايات الناصة علي شدة تمردهم و عنادهم فكانوا كذلك الي ان مات رسول‏الله9 و لم‏يلتفت الصحابة في زمن حيوته الي ضبط ماسمعوا في كتاب و لم‏يصنف كتاب في عصره في المسائل و الاحكام بل كانوا يحفظون علي ظهر القلب ان اعتنوا و اغلبهم لايظن امره الا سياسة او رياسة علي حسب مصالح الوقت و يظن ان كل من يترأس له الحكم يوماً فيوماً و ليس يلزم ضبط حكم هذا الرئيس للرئيس الاتي هذا و طباع اغلب الناس ان‏يضبطوا اذا ضبطوا احكاماً تخصهم و يحتاجون اليها لا احكام غيرهم اللهم الا الذي يريد ان‏يتفقه و يترأس علي اقوام فيضبط احكاماً تعمهم فلاجل ذلك لم‏يحفظ احكام الدين و لم‏يجمعها احد منهم و من حفظ ايضاً شيئاً نسيه لطول الزمن و اشتبه عليه و لربما حفظ المنسوخ و لم‏يحفظ الناسخ فتدبر رحمك‏الله بعين الانصاف هل‏يحتمل طباع العالم غير ذلك و هل كانوا علي غير هذه الصفة هذا و تفرق الصحابة بعده فمنهم من خرج لقتال مسيلمة و اهل الردة و منهم من خرج لجهاد اهل الشام و منهم من خرج لقتال اهل العراق و كل يوم يزداد تفرقهم و انت تعلم انه لم‏يكن عند كل واحد واحد منهم الا اقل قليل مع السهو و النسيان بالابتلاء بطول الاسفار و المقاتلات و المعاملات و فوات الناسخ و النفاق و عدم الاعتناء و العامية و الجهالة و امثال ذلك من يوم اول

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 282 *»

فتدبر وفقك الله ان هذا الدين الذي هو خاتم الاديان و ينبغي ان‏يبقي الي مائة الف سنة او اقل او اكثر و يتدين به اهل كل زمان هل‏ينضبط هكذا و هل‏يبقي مع لعب هولاء المنافقين به و كذب الكاذبين و تحريف المحرفين و نسيان الناسين و جهالة الجاهلين و وهم المتوهمين و هل‏يمكن ان‏يكتفي خاتم الانبياء بذلك و هل يبقي هذا الدين الي سنين عديدة فضلاً عن مدد مديدة اليس يحتاج هذا الدين الي قيم حافظ في كل عصر يعلم جميع الشرايع و الاحكام و الحلال و الحرام و الناسخ و المنسوخ و يكون مفزعاً للمسلمين و مرجعاً للمؤمنين و يكون الدين به محفوظاً الي يوم القيمة و يؤدي الي كل ذي‏حق حقه و يفتي لكل احد بحكمه اتظن كاولئك المنافقين ان امره كان سلطنة او رياسة او ديناً و معرفة و حكمة و علماً فان كان امره ديناً و علماً و حكمة و معرفة و يجب ان‏يبقي الي مائة الف سنة اليس يحتاج الي عالم به حافظ له و هل كان احد من اولئك الصحابة عالماً بجميع ما جاء به النبي9 و بجميع احكام العباد في جميع البلاد و القرون و الاعصار لا و لم‏يدع احد من العامة لاحد انه كان كذلك بل قام الاجماع من المسلمين علي انه لم‏يكن احد منهم كذلك فاذا كانوا كذلك لم‏يكونوا قيم دين رسول‏الله9 و ليس امره الا الدين فوجب بعده وجود قيم يقوم مقامه و يحفظ دينه و يؤدي الي رعيته والا لم‏يقم للاسلام عمود و لم‏يخضر له عود و لم‏يدم الي مائة الف سنة بل يخترم عن قليل و يضمحل و هو ينافي قوله سبحانه اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و قوله يريدون ليطفــٔوا  نور الله بافواههم والله متم نوره و قوله ارسل رسوله بالهدي و دين الحق ليظهره علي الدين كله ولو كره المشركون و ينافي كونه خاتم‏النبيين اتيان نبي بعده و ان لم‏يأت بقي الخلق بلا دين و بلا حاكم يحكم بين العباد و ينافي قوله سبحانه ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون فلابد بعد النبي9 من وجود ائمة خلفاء له قائمين مقامه في كل قرن قرن مدي نبوته و رسالته و هو الي يوم القيمة فلاتخلو الارض من قائم لله بحجة مستحفظ لدينه حاكم بين

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 283 *»

عباده بحكمه بعد النبي9 و لاتبقي الارض الا و فيها عالم يعرف الناس دينهم و احكامهم و لولاه لم‏يتم حقيقة ادعاء نبوة النبي9 و كان امره ناقصاً مخترماً و هذا هو ما اردنا اثباته و من انصف و تامل في سيرة الناس و الدنيا لم‏يبق له شك و لا ارتياب.

فصـل: اعلم ان النبي9 هو في الظاهر بشر مبعوث من عند الله سبحانه مصدق بالمعجز و ليس الصدق و النبوة و العصمة اية في جسد الانسان يعرف بها فلاجل ذلك ايده الله بالمعجز ليصدق به علي الله سبحانه و نبينا9 مبعوث علي جميع اهل الدنيا الي يوم القيمة فمادام كان حياً كان يبلغ و يقيم الحجة علي من يبلغ اليه و ياتيه من الامم و ياتي بالمعجزات مايقطع به الاعذار و ليس لنبي ان‏ياتي قوماً و يدعي النبوة و ياتي بمعجز لرجلين منهم او ثلثة او ازيد او اقل مرة واحدة ثم كلما يطلب منه من اتاه جديداًيحوله علي اولئك النفر ليخبروه انه اتي بمعجز و يستشهدهم علي نفسه بانه اتي يوم جاء بمعجز و الرجل شاك في كفر هولاء الشهود و ايمانهم و مشاركتهم له في الحيلة او اغترارهم بحيلته و يعلم ان فنون العلم كثيرة و هولاء لم‏يحيطوا بفنونه و يختلج بباله انه ربما اتي بحيلة بهرت عقولهم فظنوا انها معجزة كمانري من اتباع الصوفية يشهدون علي مرشديهم بالكرامات و المعجزات و الله يعلم انهم الكاذبون و لم‏يروهم الا شعبذة محضة فلابد و ان‏يكون النبي9 قائماً بمعجزه و براهينه دائماً لئلايبقي لذي‏حجة حجة فلما ارتحل النبي9 و هو مبعوث علي جميع الناس الي يوم القيمة اليس لابد و ان‏يكون بعده احد قائم بحجته الي كل من ياتي دار الاسلام و يطلب منهم الحجة علي صدق دعويهم اَ يتمّ حجة الله بان‏يشهد عند الرجل نفر ممن يشك في كفرهم و ايمانهم و اغترارهم او اهتدائهم و كلما يسألهم عن البرهان علي صدقهم يقولون له نحن شهود علي صدق انفسنا فلا والله لايتم حجة الله علي الخلق بذلك الي يوم القيمة.

و ان قلت يحتج عليهم بالمتواترات الموجبة للقطع قلت ان اهل الاسلام من معرفة المتواتر في عويل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 284 *»

الا بعض المتواترات النوعية و المعنوية فكيف بمن يدخل دار الاسلام جديداً و لايعرف احداً و لم‏يتصفح المسلمين و لم‏يعرف طبقات الاعصار و هذا الشرع باق الي يوم القيمة و لرب عصر يتم طبقات السند و الرواية الف طبقة فاني يمكن للداخل في دار الاسلام تصفح الاخبار في الف عصر حتي يعرف المتواتر و يؤمن بكم بسببه و الناس بعد نبيهم بيومين ضاع عنهم سيرته و اشتبه عليهم اكثر اخباره فكيف بالكافر الداخل في الاسلام بعد الف سنة و كذا لايقدر اهل الاسلام اذاً علي قتال الكفار و فتح البلاد فانهم ان كانوا يدعونهم الي الاسلام بغير حجة فليس ذلك من العدل و ان ارادوا ان‏يلقوا اليهم الحجة فان كان العسكر يشهدون لهم و هم يريدون قتالهم و يقيمون عليهم الحجة بشهادتهم فمااوهن هذه الدعوة و هذه الحجة و ان كانوا يامرونهم بمعرفة تواتر الاخبار و استفاضة الاثار فلابد في كل دعوة من تدارس دورة اصول فيطول التشاجر اذاً و لايبلغ المنتهي.

فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان دعوة النبي9 ليست تتم و لاتقوم له الحجة علي الخلق الي يوم القيمة الا بحجة معصوم قادر علي المعجزات و خوارق العادات ليدعو الي الله كما كان يدعو النبي9 و يقيم عليهم الحجة و يقاتلهم عليها والا لم‏يجز قتال احد من الكفار و لم‏ينتشر الدين و لم‏يكن علي احد ان‏يدخل في هذا الدين و قهر الناس علي التدين اكراه خارج عن العدل.

و ان قلت ان القرءان معجز و هو بيننا اقول ان جميع علماء الاسلام عجزوا عن فهم معني اعجاز القرءان فكيف بسائر الخلق و كل من بين فيه شيئاً فقدتكلف كمامر هذا و القران عربي و جميع اعاجم العالم محرومون عن فهم الفاظه فضلاً عن اعجازه كيف يحتج عليهم بالقران.

و ان قلت بشهادة العرب بالعجز قلت قدجاء المحذور الاول و يجب ان‏يذهب قوم الي الافرنج مثلاً و يقولوا امنا بنبينا فيقولوا باي حجة فيقولوا نحن بانفسنا شهود علي ان كتابه معجز من عند الله او يجب ان‏يجلوهم عن الافرنج و ياتوا بهم الي بلاد العرب و يبقوا حتي يتعلموا العربية و يفحصوا عن القرون و الاعصار حتي يفهموا انه لم‏يأت بمثله احد في عصر فلو كان الامر كذلك لم‏يقم لاسلامكم عمود و لم‏يخضر له عود و لاانتشر له دعوة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 285 *»

فتبين و ظهر لمن كان من اهل النظر انه لابد و ان‏يكون بعد النبي9 حجة في كل عصر مدي طول رسالته يقوم مقامه و يأتي بمعجزاته و لايكون احد كذا الا بعصمة و طهارة و علم و اتحاد طينة مع النبي9 و الناس عن هذا الوجه من السر غافلون و من انكر ذلك لابد و ان‏يحكم بالجور و وجوب اكراه الناس و سفك دمائهم بغير حجة و فيهم مسلمون للحق صالحون فيما هم عليه متعبدون مؤمنون فيما عرفوا من الحق او ينكر دعوة النبي9 و بعثته علي الخلق اجمعين فانه لايتم له دعوة بغير ما ذكرنا و ذلك سر ليس عنه محيص.

فصـل: و اما الحكم الباطنة علي لزوم وجود الحجة و الامام في كل عصر فلانهاية لها و منها ما مر في باب النبوة و هي بعينها جارية في الوصاية و الامامة ايضاً و نزيد هنا بذكر طرف منها.

فمنها ان الله سبحانه احدي‏الذات غيب مطلق لاتدركه الابصار حكيم قدخلق الخلق علي نهج الحكمة و الصواب و الترتب الحكمي حتي يدل علي وحدته سبحانه فكان اول ما خلق‏الله منه اشرفه و الطفه و ابسطه لانه ما وصف به نفسه لعباده و ايته و مثاله فهو كما اراد الله من خلقه ان‏يعرفوه به من الوحدة و البساطة و التجرد و التنزه و العلم و الحكمة و القدرة و امثال ذلك ثم الذي يليه في الرتبة لايعقل ان‏يكون في غاية الكثرة و التركيب و الكثافة و النقص و الجهل فيخالف الترتيب الحكمي و يختل به النظام و يلزم الطفرة و يبطل الدلالة فلابد و ان‏يكون دوينه في جميع ما له من الوحدة و النزاهة و الحكمة و القدرة و غيرها و يكون برزخاً بين الاول و الثالث يرتبط من حيث الاعلي بالاعلي و من حيث الاسفل بالاسفل وهكذا في كل درجة الي منتهي مراتب الخلق حتي يتصل الامداد و يتدارك الفيوض الكونية و الشرعية علي التدرج الحكمي الجاري في كل مشهود فلما كان النبي9 اول الموجودات بدلالة الايات و تواتر الروايات و اتفاق اهل الاسلام كان ابسط جميع الخلق و اوحدهم و اشدهم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 286 *»

نزاهة و اعلمهم و احكمهم و اقدرهم و كان حقيقته علي ما اراد الله ان‏يصفه به كما مر ثم لا شك انه لايليه احد من رعيته الجهال العاجزين الذين عبدوا الاصنام دهوراً و اكثرهم منافقون او جهلة غيرمعتنين بالدين و اكثرهم لايعقلون فلم‏يكن احد منهم و هم علي ما وصفت ممن يليه في الرتبة و يخلفه في رعيته.

فان قال قائل بلي قدكان فيهم من يليه في الرتبة فهو بغيتي و انا في صدد اثبات ذلك و معرفته و ان قال لم‏يكن فقدخالف ما اقتضاه الحكمة الالهية من التدرج في الخلق و عدم الطفرة فلابد و ان‏يكون بين النبي الذي هو اية الله و بين هذه الرعية واسطة بل وسائط ياخذون عنه الامداد و الفيوض و يؤدون الي من دونهم من الخلق يرتبطون به من حيث الاعلي فيكونوا اية الرب الاعلي و يرتبطون بمن يليهم من حيث الاسفل فيصل اليهم جميع علم النبي و قدرته و حكمته و ما وصل اليه من الفيوض عن مشية الله سبحانه و هم يفرقون بين من يليهم من الخلق المتكثر فيعطون كل ذي‏حق حقه و يسوقون الي كل مخلوق رزقه و هذا المقام ليس لللئام و الطغام و انما هو حظ سادة الانام و نواميس الايام صلي الله عليهم في جميع الدهور و الاعوام.

و منها ان النبي9 هو بمنزلة الروح في البدن الذي به حيوته و اول اذكاره و اعلي مراتبه الصادر من امر ربه المخبر عنه المؤدي الي البدن ما اراده الرب جل‏شأنه و اما الرعية فهم بمنزلة الاعضاء و مدينتهم بمنزلة البدن و لا شك ان الاعضاء و الجوارح لكثافتها و غلظتها لاتطلع علي ارادات الحيوة الغيبية و لاتسمع لندائها و لاتتاثر بحركتها لبعد المناسبة فقدر الله الحكيم العليم اعدل عضو بين الاعضاء و انسبها الي الروح الغيبي اللطيف و احكيها له و اطوعها فجعله القائم مقامه في الاداء في مملكة البدن و خليفته في رعيته و عيبة علمه و صندوق سره و يده الباطشة و عينه الناظرة و لسان صدقه الناطق و سيفه المسلول و هو القلب فجعله المطلع علي ارادات الروح و حركاته و سكونه المؤدي عنه اليها و المبلغ عنها اليه و مقسم فيضه و مفرق عطائه و هو اول من يتصل بالروح و اخر من ينقطع عنه و مفزع الاعضاء و مرجع الجوارح و قطب كرتها و مركز دائرتها فلولاه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 287 *»

لمات جميع الاعضاء مع وجود الحيوة في عالمها و كل عضو اتصل به حيي و كل عضو انقطع عنه مات و جاف فمن اتصل به اتصل بالحيوة و من انقطع عنه انقطع عن الحيوة و من توجه اليه توجه الي الحيوة و من ادبر عنه ادبر عن الحيوة و كذلك نسبة النبي و الامام بلا كلام فان الامام من الرعية كما ان القلب من الاعضاء الا انه مركز دائرتها و قطب رحاها و مفزعها و مرجعها تتحرك به و تسكن و هو كرسي استيلاء النبي و موضع سره و علمه و الامام هو الذي يعي جميع اسرار النبي كما ان القلب يعي جميع اسرار الحيوة و اما الاعضاء فكل عضو ان وعي فقديعي ما يناسبه و ليس له سلطان علي سائر الاعضاء و لا عنده ما تحتاج اليه الا القلب فانه يعلم جميع ما يحتاج اليه الاعضاء و ترجع اليه عند الاشتباه و جميع تصرفاتها باذنه و اما النبي فهو بمنزلة الروح الغيبي فان الروح جسم لطيف البس قالباً كثيفاً فالروح ايضاً من مراتب الجسم الا انه اعليها و اشرفها صدر من امر الله سبحانه كما ان النبي9 من الخلق الا انه الطفه و اشرفه و اعلاه و الخلق كل واحد منهم ذو جهة واحدة فانهم الرعية التي لكل منها مقام معلوم و ليس له ذلك الاستيلاء و الهيمنة علي البواقي فان ظن ظان انه كان احد في الرعية متأدباً بادابه متصلاً به من جنسه فهو بغيتي و ان قال لا فقدانكر الحكمة الثابتة فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الرعية لايقدرون علي الانتفاع من النبي الا بواسطة الولي و هو القطب و المركز الحاوي لجميع اسرار النبوة دون غيره و يجب ان لايخلو الزمان من هذا القلب فان البدن الاتي لايتقوم بالقلب الماضي و لابد لبدن الزمان دائماً من قلب حي قائم بين ظهرانيهم و هو الامام الحجة من الله المؤدي عن روح الرسول الي اعضاء الرسالة استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم.

و منها ان النبي9 يبعث في القوم ليكون حكماً عدلاً من الله بينهم يحفظ عليهم مدينتهم و يؤلف بين شتاتهم و يقتص عن ظالميهم و يعين مظلوميهم و يعلمهم ما لايعلمون مما في علمهم به صلاحهم و في جهلهم به

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 288 *»

فسادهم و يأمرهم و ينهاهم لانه لايقوم بغير ذلك مدينتهم و لايعيشون الي منتهي اجلهم و هذا المقتضي منهم دائم دوام كينونتهم اذ هو لازم تكثرهم و تعددهم في مرتبتهم و لابد و ان لايمنعهم الله الجواد الذي خلقهم كرماً و جوداً مقتضي3 ذلك المقتضیٖ  ابداً فانه مجيب لمن دعاه معطٍ لمن سأله جوداً و كرماً فلابد في الحكمة ان لايخلي الله الارض من النبي المبعوث من عنده الحكيم العليم العدل السلطان الحاكم بالقسط لان مقتضي بعثته دائم فيهم ماداموا في الدنيا و لما ان حكم الله علي النبي ان‏يكون بشراً من جنس ساير الناس بمقتضيات اخر يرد عليه ما يرد عليهم من التغيرات و العوارض و لابد من ارتحاله من الدنيا مع وجود الالسنة الداعية الي الله المقتضية لدوام وجودهم حكم الله سبحانه في عجيب حكمته ان‏يرتحل الانبياء من الدنيا و يظهروا بصورة اخري من جنسهم و يقوموا بينهم بالقسط و يتقلبوا في الصور حتي يقضي الحقين و يجيب الدعوتين فاوجب في عجيب حكمته ان‏يأتي النبي و يقوم بينهم ايامه ثم يرتحل بمقتضي قابلية البشرية ثم يظهر بصورة بشرية اخري و يمتحنهم بها فماكان يجوز اتيان نبي بعد نبي لايبعد ان‏يكون الصورة الاخري صورة نبوة و اما اذا انقطع النبوة و بلغت الخاتم فلابد و ان‏يتقلب في صور الخلفاء و الاوصياء و يظهر بصورهم و معني هذا التقلب و التصور ليس علي ما يزعمه اصحاب التناسخ بل المراد ان الله سبحانه في بديع حكمته خلق نفوساً زكية من نور واحد و روح واحد و طينة واحدة و اظهره اي ذلك النور في هياكل متعددة بشرية كما خلق جميع افراد الاناسي من نور الانسان ثم اظهر ذلك النور في هياكل الافراد فزيد انسان و عمرو انسان و بكر انسان وهكذا و ليس ذلك بتناسخ فاذا ظهر الانسان بصورة زيد و انقضي ايامه و ارتحل يظهر الانسان بصورة عمرو و ينطق من فيه فاذا ارتحل عمرو يظهر الانسان من صورة بكر وهكذا و كذلك النبي و الوصي كلاهما من نور واحد و حقيقة واحدة كلية يظهر بصورة النبي مادام النبي في الدنيا فاذا ذهب النبي ظهر بصورة الوصي فهو نبي و النبي هو بلا تفاوت الا في الهيكل البشري الظاهري و كذلك الامر في الانبياء السالفين و انما ذلك لعدم التنافي و التنافر بينهم و اضمحلالهم في جنب

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 289 *»

الواحد الاحد و تلاشي جهة تمايزهم في جنب جهة وحدتهم و عملهم بمقتضاها لا بمقتضي تمايزهم فمن رأي واحداً منهم فقدرأي الاخر و كل ما تطلب من واحد منهم يحصل لك من واحد اخر منهم فسر الاتحاد يتفاوت في مراتب الوجود علي حسب قربهم من الواحد و بعدهم عنه فهذا السر في المخلوق الاول اعظم و اعلي و في المخلوق الثاني دون ذلك بدرجة فلايبلغ اتحادهم مبلغ الخلق الاول و في الخلق الثالث دون الثاني بدرجة فلايبلغون في الاتحاد مبلغ الخلق الثاني ولكن اعاليهم لايخلون من اتحادما فانهم يحومون حول ربهم باجمعهم و ان كان بينهم تفاوت في السرعة و البُط‏ء فمن رأي واحداً من هولاء فكأنه رأي الاخر بادني تفاوت و يحصل من كل واحد ما يحصل من الاخر بادني تفاوت و اما ادانيهم فوجه الاتحاد فيهم ضعيف و وجه التمايز فيهم قوي و عملهم بمقتضاه اكثر فلاجل ذلك حصل بينهم الشقاق و التنافي و التنافر و التدافع و التنازع و احتاجوا الي وجود السابقين المتحدين الذين هم نظام كثرتهم و سمط تعددهم لايجتمعون الا بهم.

بالجملة اهل الوحدة هم المتحدون في النور المتعددون في الهياكل و اولي الخلق بذلك الخلق الاول فهم في مقام الوحدة بحيث تفوق وحدتهم اعلي مشاعر سائر الخلق فهم في اعلي درجات الوحدة الامكانية و لا تدافع بينهم و لا تنازع و لاتنافي و لا تنافر فكل واحد منهم كل واحد منهم بكل اعتبار نعم بينهم تفاوت في الهياكل التي مقتضياتها مضمحلة في جنب جهة وحدتهم فاذا ارتحل احدهم يقوم الاخر مقامه يقول بقوله و يعمل بعمله و يسير بسيرته و يحكم بحكمه بلا تفاوت يأتيك بكل ما كنت تريد من السابق حرفاً بحرف فهذا معني اتحاد انوار الخلق الاوّل و ارواحهم و طينتهم مع ما يري من تعددهم فنحن اذا علمنا ان للخلق درجات و علمنا ان بعضهم اقرب من المبدء من بعض علمنا ان اعاليهم متحدون و هم نظام وجود المتكثرين المتعددين يجرون بهم مجري واحداً يأتلفون بهم و يرتبطون بهم و يتعاونون بهم و لولا ذلك النظام الواحد لتفرقوا ايدي سبا و هلكوا عن اخرهم فاقتضي قوابلهم المتكثرة من ربهم سمطاً واحداًيسلكون فيه مسلكاً واحداً و هو كما عرفت رجل من اهل الوحدة و المقربين فاذا ذهب ذلك السمط

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 290 *»

و اجاب داعيه لابد و ان‏يقوم مقامه واحد اخر رباني وحداني بدل الواحد الاول ينتظمون بوجوده يكون هو هو السابق فانهم دائماً يحتاجون الي مثل ذلك الواحد الاولي و لايعيشون الا به وهكذا فليس يخلي الله الارض من ذلك الواحد الذي اقتضاه قابليتهم و مستمرون علي ذلك الاقتضاء كما ليس يخلي بدنك من نظام روح وحداني‏ينتظم به اعضاؤك المتعددة و يجريها مجريً واحداً و كل ما تحلل منه شي‏ء ابدله مثله ماننسخ من اية او ننسها نات بخير منها او مثلها فمحال في الحكمة ان‏يخلي الله تعالي قدره ارضاً او قرية من نظام ينتظمون به و الدليل علي وجوده في كل عصر بقاء العالم و نظام عيش بني‏ادم غاية الامر قد يدبر امرهم علانية و قد يدبره سراً و محال عادة خلو الزمان من ذلك النظام طرفة عين فاذا كان الامر كذلك فكيف يعقل ان‏يبعث خاتم‏الانبياء الذي لا نبي بعده ثم يرتحل و يخلي الله الزمان الي مائة الف سنة من نظام مع انه ارسل في سبعة الاف سنة مائة الف نبي و اربعة و عشرين الفاً و يترك الدنيا و الدين في ايدي المنافقين و الكافرين و الجاهلين و المنتحلين و يفسد امر الخلق اجمعين حتي يصبح الطالب للحق و لايدري من ايّ الي ايّ و لايميز بين الحق و الباطل و لايعرف سبيل الرحمن من سبيل الشيطان يجذب كل الي نفسه و يدفع عنها و لا واحد يدعو الي الواحد بكل جهة ايبقي بدن لاحق بحيوة سابقة ايسكن عطش لاحق بماء سابق ايري الشي‏ء في ظلمات لاحقة بنور سابق اينتظم المتكثرون بمفرق مشتتٍ داعٍ الي شهوة نفسه جاذب اليها دائماً و ايم الله لايشتبه امثال هذه الامور علي ذي‏مسكة و انما يهلك من يهلك عن بينة و لما كان امر الامامة في هذه الاعصار والحمد لله اوضح من الشمس و ابين من الامس و ذاق المنكرون لها عاقبة امرهم و اعتبر المعتبرون من فساد امرهم لانحتاج الي تحقيق زائد لاسيما و بناؤ الكتاب علي تحقيق مشكلات الحكمة و يأتي ايضاً مزيد تحقيقات يرفع الحجاب عن اعين الالباب ان شاء الله الوهاب.

فصـل: نريد و لا قوة الا بالله ان‏نثبت مطلق الامامة و لزوم وجود حاكم بعد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 291 *»

النبي9 في كل عصر مثله في الصفات ماخلا النبوة من الكتاب المحض الذي فيه تبيان كل شي‏ء و لاياتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه فقدروي من لم‏يعرف امرنا من القران لم‏يتنكب الفتن.

فاعلم انا اذا تصفحنا الكتاب بعد ما رأينا عياناً في الافاق وجدنا الله سبحانه اخبر باختلاف فرق الناس حيث قال انا خلقناكم من ذكر و اُنثي و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقيكم و قال و من اياته اختلاف السنتكم و الوانكم و قال و من الناس و الدواب و الانعام مختلف الوانه فالاختلاف في خلقهم يؤدي الي الاختلاف في خُلقهم كما قال سبحانه و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك و لذلك خلقهم و يؤدي الي التباغي و الظلم كما قال و ان كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض بل يؤدي الي الاختلاف في المذهب و الكفر و الايمان و المقاتلة كما قال سبحانه ولو شاء الله مااقتتل الذين من بعدهم اي من بعد الرسل من بعد ماجاءتهم البينات ولكن اختلفوا  فمنهم من امن و منهم من كفر ولو شاء الله مااقتتلوا ولكن الله يفعل مايريد فلما كان هذا الاختلاف سبب بوارهم و هلاكهم نهاهم عن ذلك فقال و لاتكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات و اولئك لهم عذاب عظيم ثم اخبر انهم يعصون و يختلفون كما قال و ليبينن لكم يوم‏القيمة ماكنتم فيه تختلفون و الايات الدالة علي اختلاف الامة و نفاق اكثرهم و ارتدادهم و انقلابهم ازيد من ان‏تحصي و كفي قوله سبحانه ولايزالون مختلفين الا من رحم ربك فاذا جاء الاختلاف الدائم يحتاجون الي حاكم يحكم بينهم و يمنعهم عن التقاتل و التنازع و التباغي يامرهم بالمعروف و ينهيهم عن المنكر و ذلك احد الاسباب الموجبة لوجود الحجج ظاهراً معروفاً  في الارض و يدل عليه قوله سبحانه يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق و خاطب نبيه و قال فاحكم بينهم بما انزل الله و لاتتبع اهواءهم عماجاءك

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 292 *»

من الحق و قال عموماً  كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و انزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و مااختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدي الله الذين امنوا لمااختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم و خاطب الحاكم بالحق و قال فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجاً مما قضيت و يسلموا تسليماً  فلايؤمن الناس حتي يتحاكموا الي الحاكم الذي جعله الله حاكماً و يسلموا لحكمه و نهيهم عن التحاكم الي اهل الجور و البغي فان الحاكم لرفع البغي فلو كان بنفسه باغياً كان ضرره مع استيلائه اعظم من نفعه فقال يريدون ان‏يتحاكموا الي الطاغوت و قدامروا ان‏يكفروا به و يريد الشيطان ان‏يضلهم ضلالاً بعيداً فوجب بحكم الكتاب التحاكم الي الحاكم الالهي و الاعراض عن اهل البغي و الجور فلابد في الحكمة من وجود حكام عدل في الارض فوجدنا الله سبحانه اخبر بانه يكون فيهم قوم كذلك حريون بالحكومة فقال ولتكن منكم امة يدعون الي الخير و يامرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و اولئك هم المفلحون و ذلك انه امر صورة  و جيئ به لبيان وجوب كون الخلق كذا في الحكمة كما يقال لتكن العين في اعلي البدن لئلايسترها شي‏ء ولتكن اليدان طويلتين للقبض و البسط اي لابد و ان‏تكون كذا و لم‏يخل‏بها في الحكمة فمعني ولتكن منكم امة اي لابد و ان‏تكون امة فان حصول هذا الامر علي ما تعرف كوني لا شرعي تكليفي ثم اخبر الله عن تلك الامة ان اولئك هم المفلحون فحلي المفلحون بالالف و اللام ليبين انهم هم حقيقة المفلحين و كل المفلحين و ليس هنا مقام بيان ازيد من ذلك و يأتي ان شاءالله ولكن باثبات هذا الفلاح لهم اثبت عصمتهم لانا وجدناه يقول لايفلح الظالمون و لايفلح المجرمون و لايفلح الكافرون و قال اتقولون علي الله ما لاتعلمون، ان الذين يفترون علي الله الكذب

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 293 *»

لايفلحون فاخبرنا ان جميع الظالمين و المجرمين و الكافرين و المفترين علي الله غيرمفلحين و اخبرنا علي الاطلاق ان تلك الامة هم المفلحون فعرفنا انهم لا مجرمون و لا ظالمون و لا كافرون و لا مفترون علي الله و من لايجرم و لايظلم فهو معصوم ثم اخبرنا بعد ¨ايٍ انهم موجودون لم‏يخل بوجودهم في الايجاد الجاري علي نظم الحكمة فقال و ممن خلقنا امة يهدون بالحق و به يعدلون فان وجودهم مما به نظام الخلق و عمادهم و بعدمهم فسادهم ثم فضلهم و شرفهم بالخطاب المستطاب فقال كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله ولو امن اهل الكتاب يعني بكم لكان خيراً لهم منهم المؤمنون و اكثرهم الكافرون ولاشك ان المخاطب هنا بعض الامة فان كلهم لم‏يكونوا كذا اجماعاً و هم اخرجوا لمنفعة الناس فهم غير عامة الناس ثم اخبر في هذه الاية انهم افضل من جميع الانبياء و المرسلين و اولي‏العزم المقربين فان في الاية تصريحاً بانه اخرج في الدنيا امم لمنفعة الناس و تلك الامم في كل عصر غير الناس و اخرجت صفة الامة اذ خرجوا لمنفعة الناس و هذه الامة خير امة كانوا كذا و الانبياء و المرسلون هم ايضاً امم اخرجت للناس الم‏تسمع ان ابرهيم كان امة قانتاً لله و قدنص الله سبحانه ان هذه الامة خير امة جاءت في الدنيا لمنفعة الناس و النكرة الموصوفة عامة في جهة الوصف بالبداهة و مما قام الاجماع عليه ان جميع هذه الامة لم‏يكونوا اشرف من جميع الانبياء و المرسلين فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان في هذه الامة اي امة خاتم‏النبيين صلوات‏الله عليه‏واله رجالاً يدعون الي الخير و يامرون بالمعروف و ينهون عن المنكر غيرمجرمين و لا ظالمين و لا مفترين علي الله و لا كافرين و هم افضل من جميع الخلق حتي الانبياء و المرسلين فانهم ان صاروا خيراً من الانبياء فهم خير من ساير الناس الذين اخرج الانبياء لمنفعتهم و هدايتهم بالبداهة قال سبحانه ان الله اصطفي ادم و نوحاً و ال‏ابرهيم و ال‏عمران علي العالمين فهذه الامة افضل العالمين بنص القران فلما امرهم فاطاعوا و دعاهم الي ما دعاهم فاجابوا و علم بما نص عليه من

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 294 *»

فلاحهم و عدم افترائهم علي الله و دعائهم الي الخير و امرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر انهم علماء معصومون صادقون اوجب الله الكون معهم حيث كانوا فقال اتقوا الله و كونوا مع الصادقين فمن دار معهم دار مع الحق و قال اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي‏الامر منكم اي الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدعاء الي الخير فانه لم‏يبق امر الا و قداندرج في هذه الجملة و نفس هذه الاية تدل علي عصمة اولي‏الامر و طهارتهم و بانضمام ¨ا يٍ اخر فان الله سبحانه يقول ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي‏القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون فعلمنا ان الله سبحانه لايامر بطاعة الجبت و الطاغوت و يقول فيهما يريدون ان‏يتحاكموا الي الطاغوت و قدامروا ان‏يكفروا به و لا بطاعة ظالم و هو يقول ولاتركنوا الي الذين ظلموا و لا بطاعة مكذب لامر الله سبحانه و امر رسوله و هو يقول لاتطع المكذبين و لا بطاعة الكافرين و المنافقين و هو يقول لاتطع الكافرين و المنافقين و لا بطاعة مسرف مفسدٍ و هو يقول و لاتطيعوا امر المسرفين الذين يفسدون في الارض و لايصلحون و لا بطاعة اثم و كفور بنعمة الله و هو يقول لاتطع منهم اثماً او كفوراً و لا بغافل عن ذكر الله متبع هواه مجاوز حدود الله و هو يقول و لاتطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان امره فرطاً فلما  امرنا بطاعة اولي‏الامر علي الاطلاق عرفنا انهم عدول في الحكم و في اعمالهم و افعالهم و اقوالهم و اخلاقهم مصدقون امر الله مؤمنون صادقون محافظون حدود الله مصلحون في الارض معصومون شاكرون لانعم الله ذاكرون لله اناء الليل و اطراف النهار متبعون مولاهم مخالفون هواهم كل ذلك علي حسب النصوص القرانية المحكمة و من كان هكذا هو المعصوم المطاع الذي يقرن طاعته علي الاطلاق بطاعة رسول‏الله9 و بطاعة الله فلو علم الله انهم ليسوا كذلك لنهي عن طاعتهم كمانهي في غير محل و وجدناه ثم حث

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 295 *»

بالرجوع اليهم و استنباط العلم منهم حيث قال ولو ردوه الي الرسول و الي اولي‏الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فوجب الرجوع الي هولاء و الكون معهم بعد رسول‏الله9 و الرجوع اليهم و الحايد عنهم حائد الي النار فماذا بعد الحق الا الضلال فمن حاد عمن امر الله بطاعته علي الاطلاق فقدعصي الله و اطاع من نهي الله الخلق عن طاعته كما سمعت.

ثم اردنا ان‏نعرف ان وجود هولاء الحكام كان او يكون في عصر واحد او يجب ان‏يكون في كل عصر بحيث لايخلو الارض من وجودهم تتبعنا في الكتاب وجدنا الله سبحانه وصف البرآء من الظلم المعصومين بالشهادة علي الخلق و الاطلاع علي خلق السموات و الارض و الناس حيث يقول بئس للظالمين بدلاً مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضداً حيث نفي الاشهاد عن الظالمين و الاعتضاد عن المضلين و يدل بمفهوم الوصف انه اشهد العادلين بقول مطلق خلقها و اعتضد بالهادين فظهر بهذه الاية ان المعصوم شاهد الله في السموات و الارض و النفوس و صرح بالمنطوق في اية اخري و قال و الذين امنوا بالله و رسوله اولئك هم الصديقون و الشهداء عند ربهم لهم اجرهم و نورهم و الذين كفروا و كذبوا باياتنا اولئك اصحاب الجحيم و هذا الايمان الذي يوجب مقام الصديقين و الشهداء فوق سائر درجات الايمان بل هو اعلي درجات الايمان و هو ايمان المعصوم و هو ايمان لايشوبه ظلم كما قال سبحانه الذين امنوا و لم‏يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن و هم مهتدون وقدعرف بنص منطوق الاية السابقة ان الظالم لايكون شاهداً فبقي المؤمن بالله و رسوله الذي لم‏يلبس ايمانه بظلم و هو المعصوم فتبين ان المعصوم هو الشاهد علي خلق السموات و الارض و خلق الاشياء علي الاطلاق فوجدناه يقول فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد و جئنا بك علي هولاء شهيداً و قال و يوم نبعث من كل امة شهيدا ثم لايؤذن للذين كفروا و لا هم يستعتبون و قال و يوم نبعث في كل امة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 296 *»

شهيداً عليهم من انفسهم و جئنا بك شهيداً علي هولاء فاثبت لكل امة شهيداً  اما الشهيد فهو المعصوم الحي لقوله سبحانه حكاية عن عيسي و كنت عليهم شهيداً مادمت فيهم فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم و انت علي كل شي‏ء شهيد واما الامة فتطلق علي الواحد فما فوقه كقوله سبحانه ان ابرهيم كان امةً قانتاً و قال في اهل السفينة و هم ثمانون و علي امم ممن معك و قال في بني‏اسرائيل و من قوم موسي امة يهدون بالحق و به يعدلون و قال و قطعناهم في الارض امماً  فكل من يصدق عليه الامة لابد و ان‏يكون عليه شهيد معصوم حي و هو الامام المتبع و لذلك قال يوم ندعو كل اناس بامامهم و قال انما انت منذر و لكل قوم هاد فتبين مصداق قول النبي9 المجمع‏عليه من مات و لم‏يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية.

ثم اردنا ان‏نعرف ان هذا الشخص يكون باختيار الناس ام باختيار الله جل‏جلاله فوجدناه يقول و يحاكم خلقه افمن يهدي الي الحق احق ان‏يتبع ام من لايهدي الا ان‏يهدي فمالكم كيف تحكمون و قال و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان‏يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون، ان ربك هو اعلم من يضل عن سبيله و هو اعلم بالمهتدين و قال و ربك يخلق ما يشاء و يختار ماكان لهم الخيرة و يقول لنبيه لاتعلمهم نحن نعلمهم ففي كل زمان امام حي‏شاهد من الله سبحانه امر بالمعروف ناهٍ عن المنكر داع الي الخير هاد للخلق و هو ولي الامر بعد الرسول9 مفترض‏الطاعة بنص اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي‏الامر منكم يجب الكون معه بنص كونوا مع الصادقين و هو افضل من جميع الانبياء و المرسلين معصوم مطهر من عند رب العالمين شاهد علي خلق السموات و الارضين و خلق الانفس اجمعين و هذا ما اردنا ايراده هنا هكذا يكون في كتاب الله تبيان كل شي‏ء و هكذا ينبغي ان‏يستخرج قد من الله بساداتنا سلام‏الله‏عليهم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 297 *»

علينا و بنا علي الناس ولكن اكثر الناس لايشكرون و ياتي تعيين اشخاصهم ان شاء الله في محله فترقب.

المقصد الثاني

في اثبات الامامة الخاصة و مايناسب ذلك و فيه فصول

فصـل: و لنقدم هنا اثبات الامامة الخاصة من الكتاب المستطاب ليكون متصلاًبما قبله في المقصد السابق لان ما ذكرنا هناك مقدمة ما نذكره هنا.

اعلم انك بعد ما عرفت في المقصد السابق انه يجب ان‏يكون في كل عصر بعد النبي9 حجة من الله معصوم يحكم بين العباد يامر بالمعروف و ينهي عن المنكر و يدعو الي الخير و يكون اشرف من جميع الانبياء و المرسلين و افضل كمابينا اردنا ان‏نعرف انهم في اي صنف من الناس فراجعنا الكتاب المستطاب وجدنا الله سبحانه قال و جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتبيكم و ماجعل عليكم في الدين من حرج ملة ابيكم ابرهيم هو سميكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم و تكونوا شهداء علي الناس فاقيموا الصلوة و اتوا الزكوة و اعتصموا بالله هو موليكم فنعم المولي و نعم النصير فرايناه خاطب قوماً و كلفهم بامرٍ عظيم هو بالاجماع مخالف لتكليف عامة الخلق و هو و جاهدوا في الله حق جهاده فان احداً من الرعية لايقدر ان‏يقوم بحق جهاده و عبادته و تقاته و لذلك قالوا في قوله و اتقوا الله حق تقاته انه منسوخ بقوله فاتقوا الله ما استطعتم وذلك لقيام الاجماع علي ان الله لايكلف نفساً الا وسعها فهذا التكليف و الذي في قوله فاتقوا الله حق تقاته لقوم يقدرون علي ان‏يقوموا بحق جهاد الله و تقاته و هو المعصوم المطهر الذي لايصدر عنه ترك الاولي فانه يقوم بحق ما يحب الله و يرضي و يريده من عباده بل لولا معصوم في خلق الله يعلم الله انه يطيعه في جميع الامور الكلية و الجزئية و القولية و العملية و النفسية لكان التكليف بكلها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 298 *»

و هو يعلم ان الخلق لايستطيعونه لغواً و تعالي الله عن ذلك فارادة جميع التكاليف من الخلق دليل وجود معصوم فيهم يعمل بكلها البتة ثم وجدناه يقول هو اجتبيكم فالمخاطبون بالخطاب هم قوم مجتبون و وجدنا الاجتباء في القران مخصوصاً بالانبياء كما قال ثم اجتبيه ربه فتاب عليه و هدي و قال بعد ان ذكر الانبياء اولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين من ذرية ادم و ممن حملنا مع نوح و من ذرية ابرهيم و اسرائيل و ممن هدينا و اجتبينا اذا تتلي عليهم ايات الرحمن خروا سجداً و بكياً قوله من النبيين بيان الذين و هم الذين مضي ذكرهم و من ذرية ادم صفة النبيين و ممن حملنا مع نوح عطف علي ادم و صفة بعد صفة تكريمية  فان من هو من ذرية من في السفينة هو من ذرية ادم و كذا من ذرية ابرهيم و اسرائيل و قوله ممن هدينا و اجتبينا عطف علي النبيين كما هو ظاهر و كذلك في قوله و وهبنا له اسحق و يعقوب كلاً هدينا و نوحاً هدينا من قبل و من ذريته داود و سليمان و ايوب و يوسف و موسي و هرون و كذلك نجزي المحسنين و زكريا و يحيي و عيسي و الياس كل من الصالحين و اسمعيل و اليسع و يونس و لوطاً و كلاً  فضلنا علي العالمين و من ابائهم و ذرياتهم و اخوانهم و اجتبيناهم و هديناهم الي صراط مستقيم و قوله و من ابائهم عطف علي اسحق اي وهبنا لابرهيم ما ذكر و بعض اباء من ذكر و بعض ذرياتهم و بعض اخوانهم الذين كانوا في عداد الانبياء فانه لم‏يذكر جميع الانبياء بالبداهة و لم‏يقل جميع ابائهم و جميع ذرياتهم و قال في صاحب الحوت فاجتبيه ربه فجعله من الصالحين و قال و ماكان الله ليطلعكم علي الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء و قال ليوسف يجتبيك ربك.

بالجملة المخاطبون في الاية الاولي هم المجتبون و في عداد الانبياء كما ذكر اجتباءه لهم و ليس كل هذه الامة مجتبين مصطفين بالبداهة و فيهم الظلمة و الفسقة الفجرة و المنافقون و الملاحدة فهم قوم مخصوصون يقدرون علي ان‏

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 299 *»

يقوموا بحق جهاد الله والا لماكلفهم و اجتبيهم الله كما اجتبي الانبياء ثم قال ملة ابيكم ابرهيم فصرح بان المجتبين من ذرية ابرهيم فوجدناه وافق قوله ان الله اصطفي ادم و نوحا و ال‏ابرهيم و ال‏عمران علي العالمين فكما جعل ال‏ابرهيم مصطفين هنا جعلهم مجتبين في تلك الاية و لا شك ان جميع امة محمد9 ليسوا بذرية ابرهيم و اما العرب و ان كانوا من ذرية اسمعيل7 الا ان كلهم ليسوا مجتبين و اشباه الانبياء و لايجتبي الله كل ظالم منافق بل هم قوم خاص من العرب كما يأتي فتبين ان المخاطبين من العرب ثم قال هو اي الله سميكم المسلمين من قبل اي في الكتب السالفة و في هذا اي في هذا الكتاب فهم المسمون بالمسلمين بتسمية الله المخصوصون بهذا الاسم و هذا الاسلام هو الاسلام الخاص لا العام فان العام يطلق علي من لم‏يؤمن ايضاً كما قال قولوا اسلمنا و لمايدخل الايمان في قلوبكم و اما الاسلام الخاص فهو العصمة كما قال سبحانه افنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون فكل مجرمٍ غير مسلمٍ فكل مسلم معصوم عن الجرم و لولا هذا لم‏يكن امتنان في هذه التسمية و لم‏يوافق الاجتباء و لذلك قال النبي المعصوم9بتعليم الله قل انني هداني ربي الي صراطٍ مستقيم ديناً  قيماً ملة ابرهيم حنيفاً و ماكان من المشركين قل ان صلوتي و نسكي و محيايَ و مماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك امرت و انا اول المسلمين اي اول الانبياء المعصومين و قال سبحانه تعظيماً له اني امرت ان‏اعبد الله مخلصاً (له الدين) و امرت لان‏اكون اول المسلمين فبنصوص هذه الايات رسول‏الله9 رئيس المسلمين غيرالمجرمين الذين سموا من قبل و في هذا بالمسلمين و غيرهم من الانبياء و وجدنا الانبياء ايضاً امروا بذلك و حرصوا لان‏يكونوا منهم كما قال نوح امرت ان‏اكون من المسلمين و قال ابرهيم و اجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا امة مسلمة لك و هذه الامة المسلمة من ذرية ابرهيم و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 300 *»

اسمعيل هم خير امة اخرجت للناس و هم المخاطبون بقوله هو سميكم المسلمين من قبل و في هذا و قال في ابرهيم اذ قال له ربه اسلم قال اسلمت لرب العالمين و قال في لوط فماوجدنا فيها غير بيت من المسلمين و قال في التورية يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا.

بالجملة هذا الاسلام غير الاسلام العام و هو اسلام خاص مخصوص بالانبياء لانه مرادف للعصمة و به منّ علي ال‏ابرهيم ثم مدحهم في اخري و قال من احسن قولاً ممن دعا الي الله و عمل صالحاً و قال انني من المسلمين ثم قال تعالي ليكون الرسول شهيداً عليكم و تكونوا شهداء علي الناس هذا التعليل يرجع الي قوله هو اجتبيكم او الي قوله جاهدوا و كلاهما واقعان فان بجهادهم و باجتباء الله اياهم بلغوا هذا المبلغ ليكون الرسول شهيداً عليكم لانه اول من اجتبيه الله و اول المسلمين و اكرم المجاهدين و تكونوا شهداء علي الناس فهم غير سائر الناس و هم شهداء الله علي الناس و قدمر ان الشاهد لابد و ان‏يكون حياً مشاهداً معصوماً مطهراً فان الله لم‏يقبل في صاع تمر شهادة غير العادل المرضي كيف يجعل كل فاسق من العرب شاهداً علي الناس هذا و يقول تعالي شأنه و ليعلم الذين امنوا و يتخذ منكم شهداء و لم‏يقل و يتخذكم او يتخذ كلكم شهداء بل اراد البعض و رايناه يعظم القيمة بهم فيقول يوم يقوم الاشهاد فشهود الله علي خلقه لايكونون ظالمين مجرمين غيرمعصومين كما مر في الايات السابقة انفاً فظهر من هذه الاية ان الحجج الشهود و الائمة الدعاة الذين اخبر الله عنهم و اوجب وجودهم في كل عصر هم من ال‏ابرهيم و هم معصومون مطهرون حكام الله في ارضه علماء بالدين و الكتاب فراينا الله سبحانه نص به في اية اخري فقال ام يحسدون الناس علي مااتيهم الله من فضله فقداتينا ال‏ابرهيم الكتاب و الحكمة و اتيناهم ملكاً عظيماً فال‏ابرهيم الذين اتيهم الله الكتاب و الحكمة و الملك هم المخاطبون بقوله ملة ابيكم ابرهيم و لاينافي هذا التفسير

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 301 *»

ما روي انا نحن الناس المحسودون فكانه قال انهم يسلمون تلك الفضيلة في ال‏ابرهيم كلية و هولاء من ال‏ابرهيم بالاجماع فما بالهم ينكرون تلك الفضيلة في حقهم فاما الكتاب الذي اتيهم الله فهو القران لقوله سبحانه و الذي اوحينا اليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لمابين يديه ان الله بعباده لخبير بصير ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا و قدمر انه قال ان الله اصطفي ادم و نوحاً و ال‏ابرهيم وال‏عمران فالقران بعد النبي9 اورثه الله ال‏ابرهيم و كذلك قال مؤيداً لذلك و لقدارسلنا نوحاً و ابرهيم و جعلنا في ذريتهما النبوة و الكتاب فمنهم مهتد و كثير منهم فاسقون فورث الكتاب المهتدون من الذرية و هم ذرية ابرهيم و اما الحكمة فهي من دعاء ابرهيم حيث قال ربنا و اجعلنا مسلمين لك اي انا و اسمعيل و من ذريتنا امة مسلمة لك و هم بعض الذرية غيرالمجرمين المعصومين كما مر و ارنا مناسكنا و تب علينا انك انت التواب الرحيم ربنا و ابعث فيهم رسولاً منهم فالرسول كان منهم لقوله من اتبعني فانه مني و الذرية الطاهرة هم الامة المسلمة و هم التابعون يقيناً للنبي9 و هم منه يقيناً وقال الله سبحانه بعد اية المصطفين ذرية بعضها من بعض و الله سميع عليم يتلو عليهم اياتك و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم انك انت العزيز الحكيم فالنبي9 علمهم الكتاب و الحكمة و زكيهم و هم ورثوه و عليهم يصدق يؤتي الحكمة من يشاء و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيراً كثيراً و مايذكر الا اولواالالباب و اما الملك العظيم فهو قوله تعالي اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي‏الامر منكم و اي ملك اعظم من الطاعة المفروضة علي جميع اهل الارض.

بالجملة اختص الامامة و الحجية و وراثة الكتاب و الحكمة و الملك و الولاية و الحكومة بال‏ابرهيم المعصومين من هذه الامة لاسيما و قدسمعنا الله سبحانه يقول قال اني جاعلك للناس اماماً قال و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين فاستثني الله

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 302 *»

من ذريته الظالمين و اثبت عهد الامامة لجميع المعصومين العادلين من ذريته و هم اصحاب الشهادة كما عرفت فثبتت الامامة في ذرية ابرهيم7 في معصوميهم و عدولهم الي يوم القيمة من غير مخصص و وجدنا الله يقول في بني‏اسرائيل و جعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لماصبروا و كانوا باياتنا يوقنون فثبت ان في بني‏اسرائيل ائمة يهدون بامر الله و قال تعالي سنة الله التي قدخلت من قبل و لن‏تجد لسنة الله تبديلاً و لن‏تجد لسنة الله تحويلاً  فتبين ان في هذه الامة ايضاً ائمة يهدون بامر الله و حكمه لا باجماع الناس و اختيارهم و هم في ال‏ابرهيم لما عرفت و هم معصومون مطهرون و احق ان‏يتبعوا من كل الامة لقول الله تعالي افمن يهدي الي الحق احق ان‏يتبع ام من لايهدي الا ان‏يهدي فهم المأمور بطاعتهم و اتباعهم من عند الله و هم اصحاب الصبر و اليقين لماعرفت و هم في كل عصر واحد بعد واحد شهود علي الخلق كما عرفت.

ثم اردنا بعد الحمد لله ان‏نعرفهم باعيانهم من الكتاب و ان عرفناهم بانه لم‏يدع في الاسلام عصمة لاحد من ال‏ابرهيم في هذه الامة الا لاربعة عشر نفساً منهم بل قام الاجماع علي عدم عصمة الباقي و به يكتفي المكتفي فراينا الله سبحانه يقول انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل‏البيت و يطهركم تطهيراً فاثبت الطهارة من كل رجس لاهل‏البيت: فهم المعصومون من اقذار الذنوب ففي عصره كان اهل بيته علي و الحسن و الحسين و فاطمة بالاجماع و قدنزل فيهم هذه الاية و لم‏يدع احد من الامة العصمة في غيرهم فاختص الامر بهم بلااكتراث و تامل و بعدهم جميع ولده اهل‏بيته و يخرج الذين لم‏يدع العصمة في حقهم ابداً و يبقي الباقون اذ هم اهل‏بيته يقيناً و ادعي فيهم العصمة و لم‏يقم اجماع علي نفيها عنهم و لولا الاجماع علي نفي بعض لوجب ان‏يكونوا كلهم بهذه الاية معصومين فخرج من خرج و بقي الباقي فوجب ان‏يكونوا معصومين فثبت العصمة في ال‏ابرهيم من ال‏محمد: و وجب ان‏يكون الامامة و الولاية و الشهادة في آل‏محمد: و هذا ما اردناه هنا.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 303 *»

و وجه اخر في تعيين العترة الطاهرة ان الله سبحانه حكم ان‏نكون مع الصادقين في قوله تعالي ياايها الذين امنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين فوجب علي الكل الكون مع الصادقين قطعاً و يشهد به العقل السليم ايضاً فلما راجعنا الكتاب راينا انه قال الله سبحانه قل تعالوا ندع ابناءنا و ابناءكم و نساءنا و نساءكم و انفسنا و انفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله علي الكاذبين و باجماع الامة المدعوون من اهل الحق هم علي‏و فاطمة و الحسن و الحسين: فان كانوا صادقين و هم الصادقون وجب الكون معهم و ان قيل ليسوا بصادقين فقدجمعهم النبي9 ليلعنهم و يقع اللعن في المباهلة علي رهطه و لايقول به عاقل فهم الصادقون و وجب الكون معهم و اما غيرهم فلم‏يثبت كونه صادقاً علي الاطلاق البتة و علي المدعي شاهد صدق.

و وجه اخر في تعيينهم ان الله سبحانه خصهم بالمودة المطلقة حيث قال لااسألكم عليه اجراً الا المودة في القربي فوجب محبتهم علي الاطلاق في كل حال لانها اجر الرسالة الذي يجب ان‏يؤدي في كل حال و امر الله سبحانه بمودة احد علي الاطلاق دليل العصمة و الطهارة و ان الله يحبه علي الاطلاق و من يحبه الله علي الاطلاق هو معصوم لانا وجدناه يقول لايحب الخائنين و لايحب الظالمين و لايحب الفرحين و لايحب الكافرين و لايحب المتكبرين و لايحب المسرفين و لايحب المعتدين و لايحب المفسدين و لايحب كل خوان كفور و لايحب كل كفار اثيم و لايحب كل مختال فخور فبامره سبحانه بمودة ذي‏القربي عرفنا انهم صلوات‏الله عليهم ليسوا بخائنين و لا ظالمين و لا فرحين بغيره سبحانه و لا كافرين و لا متكبرين و لا مسرفين و لا معتدين و لا مفسدين و لا خوانين و لا اثمين و لا مختالين و لا فخور و من سلب عنه هذه الخصال كلية فهو معصوم مطهر فان منها الاثم و الظلم و الاعتداء و هي نفيها يلزم العصمة و راينا الله سبحانه يقول حبب اليكم الايمان و زينه في قلوبكم و كره اليكم الكفر و الفسوق و العصيان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 304 *»

فهم بريئون من الكفر و الفسوق و العصيان و وجدناه وافق قوله سبحانه ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي‏القربي لانهم الذين قال الله فيهم اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي‏الامر منكم ثم وجدنا الله سبحانه ابانهم بالخمس و اشركهم بنفسه تكريماً حيث قال و اعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان لله خمسه و للرسول و لذي‏القربي بخلاف الصدقات فلم‏يجعل نفسه شريكة مع الفقراء و قال و¨ات ذاالقربي حقه و اصطفاهم في اية الاصطفاء و هم من ال‏ابرهيم المصطفين و خصهم باية التطهير الصريحة بالعصمة و بالامر بالصلوة خاصة بعد ماكانوا مشاركين للمؤمنين فقال و أمر اهلك بالصلوة و اصطبر عليها و بالانذار الخاص بعد ان كانوا مشاركين للناس في الانذار العام فقال و انذر عشيرتك الاقربين و الحقهم بدرجة النبي9 في اية الذين امنوا و اتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم فذرية كل مؤمنٍ تلحق به في درجته اكراماً له و ذرية النبي9تلحق به اكراماً له و كفي به فخراً لذريته و دلالة علي عصمتها و طهارتها و صلوحها لدرجة النبوة و لا شك ان من يصلح لللحوق بدرجة النبوة اولي بالخلافة و الوصاية و الامامة و الولاية و لم‏يخصص الالحاق بيوم القيمة بل اطلق فال‏محمد: في الدنيا و الاخرة ملحقون بمحمد9 و هو حجة الله و حاكم الله و ولي الله فهم ملحقون بدرجة الحجة و الحاكم و الولي و الدليل علي انهم ذرية رسول‏الله9 قوله تعالي و لقد ارسلنا رسلاً من قبلك و جعلنا لهم ازواجاً و ذرية وقال ماكنت بدعاً من الرسل و باية المباهلة و خصهم بالسلام عليهم من دون ال‌احد من الانبياء حيث قال سلام علي آل يس و هذه قراءة من القراء لاتنكر و يس هو محمد9 بالاجماع و يشهد له قوله انك لمن المرسلين و جعلهم اهل الذكر الذين امر الله بسؤالهم في قوله اسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و الذكر رسول‏الله9 في قوله انزل الله اليكم ذكراً رسولاً يتلو عليكم ايات الله مبينات فبعد ما وجدناه سبحانه خصهم بهذه المكارم و امر بمودتهم علي الاطلاق لم‏يبق في

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 305 *»

انكار امامتهم و ولايتهم مجال لاحد فهم الائمة الهداة الشهود من الله سبحانه في خلقه من دون سائر الامة و هم الذين لهم الفضل علي ساير الانبياء و المرسلين و اوصيائهم المكرمين و اصطفاهم علي جميع العالمين.

ثم اردنا ان‏نتعرف اعيانهم من كتاب الله و نعرفهم باشخاصهم فوجدنا الله سبحانه قال انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل‏البيت و يطهركم تطهيراً ولاشك ان آل‏محمد:و ذريته اهل‏بيته و الاية تدل علي عصمتهم و هي جارية في جميع الذرية الا انه في زمانه9 كان منهم علي و الحسن و الحسين و فاطمة: فجمعهم في الكساء و قال اللهم هولاء اهل‏بيتي و نزول الاية فيهم محل اجماع و هم الذين شملهم اية المباهلة تعالوا ندع ابناءنا و ابناءكم و نساءنا و نساءكم و انفسنا و انفسكم فكان علي7 نفس رسول‏الله9 و امسّ به من الاهل و الذرية و كان الحسنان و فاطمة من ذريته و اهله بل جزئه لانه سبحانه سمي الولد جزءاً في كتابه و جعلوا له من عباده جزءاً فكان علي7كله و الثلاثة اجزاءه و شهد الله عليهم بالتطهير و اذهاب الرجس علي الاطلاق ظاهراً و باطناً مع ما مر من الادلة و الاصطفاء و الاجتباء فكان الخليفة بعده نفسه و كله القائم مقامه و قدنهي الله عن التخلف عنه مادام في الدنيا حيث قال ماكان لاهل المدينة و من حولهم من الاعراب ان‏يتخلفوا عن رسول‏الله و لايرغبوا بانفسهم عن نفسه والكل مقدم علي الجزء و شهد الله سبحانه له بولايته و ولاية رسوله9حيث قال انما وليكم الله و رسوله و الذين امنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون فحصر الامر في رسوله و فيه و يشمله دعاء ابرهيم7 بالامامة لعدم ظلمه فهو الامام الاول بعد رسول‏الله9 القائم مقامه لايتقدمه احد ثم بعده الحسن فانه معصوم موجود في الدنيا بشهادة الله و هو الامام بنص الله في وعد ابرهيم7 و تقدم علي اخيه بكبره و باية اولوا الارحام بعضهم اولي ببعض والولد الاكبر اولي بالاب و بقوله تعالي السابقون السابقون

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 306 *»

اولئك المقربون فلما ارتحل7 كان اخوه حياً معصوماً من ذرية ابرهيم قدناله الدعوة في حيوة اخيه كما نالهما في حيوة ابيهما الا انهما سكتا لعدم الحاجة الي النطق و خفضا له جناح الذل من الرحمة و تركاً لنهره و تسليماً له و طاعة له بايجاب الله سبحانه اياها في مفهوم و ان جاهداك علي ان‏تشرك بي ما ليس لك به علم فلاتطعهما و اما في غير ذلك فيجب طاعتهما فاطاعا اباهما حال حيوته و اما بعده فكان الحسن اولي به لكبره فسلم له الحسين7 لسبقه الي العصمة و الامامة و الجنة و درجات قرب الله تعالي و الايمان و السابقون السابقون اولئك المقربون و لكل درجات مما عملوا و اما بعد وفاته فكان الحسين7 اماماً معصوماً موجوداً فلم‏تكن الامامة تتعداه الي غيره فتحولت الامامة عن الحسن الي الحسين7 فلما توفي الحسين7 كان ابنه اولي به و قدقال الله سبحانه النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و ازواجه امهاتهم و اولوا الارحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الله من المؤمنين و المهاجرين و لا شك ان الولد اولي بوالده لانه جزؤه فانتقل الامامة الي الولد و معه لم‏ينتقل الي ابناء اخيه و مثلهما كموسي و هرون حيث كانا نبيين و كان هرون خليفة موسي و بعده انتقل الامر و النبوة و الخلافة الي ابناء هرون دون ولد موسي فكان بعد الحسين7 علي بن الحسين7 وهكذا بعده ولده الي ان‏انتهي الامر الي قائمهم عجل الله فرجه و جميعهم يثبت ولايتهم بالاية المذكورة و كونهم من ال‏ابرهيم و ذريته المدعو لهم بالامامة و كونهم من اهل المودة المطلقة بالاجماع و هي توجب العصمة كما مر و يخرج من يخرج بالاجماع و يبقي الباقي و لم‏يدع في الاسلام عصمة غيرهم و عرفت انه لابد و ان‏يكون في كل عصر معصوم شاهد امام فهم الائمة واحداً بعد واحد بذلك و باية اولي الارحام و اطلاقها فاطلاقها ثابت ما لم‏يثبت مانع فكل ولد منهم اولي بجميع ما لابيه الا ما خرج بالدليل و لم‏يثبت خروجهم بكتاب و لا سنة و لا دليل عقل و لا وجه من الوجوه فالائمة الاثناعشر صلوات الله عليهم كانوا اماماً بعد امام و قدادعي في الاسلام عصمتهم بعد ما علمنا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 307 *»

في الكتاب وجوب كون جماعة معصومين داعين الي الخير امرين بالمعروف ناهين عن المنكر اولي‏الامر افضل من الانبياء و المرسلين ائمة شاهدين و لم‏يدع و لم‏يعرف عصمة غيرهم و ادعي عصمتهم و شهد الكتاب بعصمتهم باية التطهير و اية المودة المطلقة فهم ائمة قادة سادة اتباعهم عبادة و مخالفتهم شقاوة فالحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله.

و اما خصوصية الاثني‌عشر فان الله سبحانه يقول قل ماكنت بدعاً من الرسل فهو علي وتيرة الرسل الماضين و يقول الله سبحانه سنة الله التي قدخلت من قبل و لن‏تجد لسنة الله تبديلاً و لن‏تجد لسنة الله تحويلا  فلابد و ان‏يكون سنة الله في الباقين كما كانت في الماضين الا ما خرج بدليل قطعي من كتاب او سنة او اجماع او دليل عقل و قال الله سبحانه في بني‏اسرائيل في عدد رؤسائهم و لقد اخذ الله ميثاق بني‏اسرائيل و بعثنا منهم اثني‏عشر نقيباً و قال الله اني معكم لئن اقمتم الصلوة و اتيتم الزكوة و امنتم برسلي و عزرتموهم و اقرضتم الله قرضاً حسناً لاكفرن عنكم سيئاتكم و لادخلنكم جنات تجري من تحتها الانهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل و قال في اية اخري في اصناف اتباعهم و قطعناهم اثنتي‏عشرة اسباطاً امماً و اوحينا الي موسي اذ استسقاه قومه ان اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتاعشرة عيناً  قدعلم كل اناس مشربهم الاية و من البين ان حواريي عيسي7 الذين قالوا نحن انصار الله كانوا اثني‏عشر اتفاقاً فبمقتضي قوله تعالي لتركبن طبقاً عن طبق و اية السنة وجب ان‏يكون امم هذه الامة ايضاً اثنتي‏عشرة و نقباؤهم و اسباطهم ايضاً اثني‏عشر و الائمة هم اسباط النبي9بداهة و ادعي امامة هذه الاثني‏عشر مع ما روي من الاخبار من طرق العامة و الخاصة في ان الائمة اثناعشر كلهم من قريش فلايبقي مجال الا ان‏يكون عددهم اثني‏عشر صلوات الله عليهم اجمعين و لعمري ان امر ال‏محمد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 308 *»

: اوضح من نار علي علم و قداتضح و الحمدلله امرهم بحيث لم‏يبق شك و لا ارتياب و لايحتاج بعد الي دليل سنة و لا كتاب الا اني احببت ان اعلّم اصحابي كيفية استخراج المسائل من الكتاب و ليعلموا انه كيف يوجد فيه تبيان كل شي‏ء و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ.

فصـل: اعلم ان وضع هذا الكتاب علي التحقيقات الدقيقة و الحكم العميقة فلايناسبه ان‏نثبت امر الامامة بالاخبار و اثبات تواترها و قيام الاجماع علي صحتها و ردما عسي ان‏يرد عليها مع ان هذا يقتضي رسم كتاب مستقل كبير هذا  وقدتكفل بذلك كثير من علمائنا و كتبوا في ذلك ما لايحصي حتي صار هذا الامر مفروغاًعنه عند علمائنا فلايحتاج حقيقة بعد الي تجديدنا العهد فلنضرب نحن عنه صفحاً و لنتوجه الي ما تركوا من جميع ذلك و هو في الحقيقة امر لولاه لكان جميع استدلالاتهم ناقصاً و به يتم جميع امور الدين و الدنيا و الاخرة و نحن قدكتبنا في ذلك كتاباً مبسوطاً قريباً من ستة الاف بيت سميناه بعلم اليقين و كتاباً قبله اَخْصَرُ منه مسمي برسالة التسديد ثم ارخينا عنان القلم في ساير كتبنا اين ما جري ذكره ولابد و ان‏نشير اليه هنا كما قدمنا في جلد النبوة من هذا الكتاب ايضاً علي حسب وضع هذا الكتاب لانه لا ناصر له غيرنا و هو امر التقرير الذي هو هدي كل ضرير.

فنقول اعلم ان الله سبحانه احد ليس فيه جزء و جزء لا في الخارج و لا في الفرض و الاعتبار قائم بنفسه غيرمحتاج الي غيره و جميع ما سواه حادث و خلقه و لايرتبط به لتنافي الارتباط مع الاحدية الصرفة للزوم وجود ذكر كل من المرتبطين في الاخر فخلقه جملاً ايضاً قائم بنفسه دون غيره اذ لا غير الا انه متلاشٍ تحت احدية الذات مضمحل عند سطوع نوره و نعبر عن هذا التلاشي انه لغيره فالخلق قائم بنفسه لغيره و هو جل‏جلاله قائم بنفسه لنفسه لعدم انطوائه تحت شي‏ء سواه فلابد و ان‏يكون الخلق القائم بنفسه لغيره المتكثر في ذاته لاختصاص الاحدية بالازل الطاوي للكل حاوياً لجميع ما به يمكن ان‏يقوم بنفسه موضوعاً

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 309 *»

مترتباً علي نحو يمكن ان‏يرتبط بعضه ببعض و يقوم بعضه ببعض والا لم‏يقم بنفسه هذا و هو ظهور الاحد القائم بالنفس الدال بقيامه بنفسه عليه و به عرف نفسه له و هداهم اليه و هو كماله الذي تجلي به فلابد و ان‏يكون مرتبط المدلول بالدليل و المسبب بالسبب و المعلول بالعلة و المعد له بالمعد و المشروط بالشرط و المقتضي بالفتح بالمقتضي و الاجابة بالدعاء و المســٔول بالسؤال و القابل بالفاعل وهكذا والا لاختل النظام و بطلت الحكمة و لم‏تدل علي الواحد الفرد و دل علي مبادي عديدة يدور كل نوع منه علي قطبه و يــٔوب الي مبدئه لو كان فيهما الهة الا الله لفسدتا و لذهب كل اله بما خلق  فالارتباط التام بين اجزاء الخلق و قيام بعضه ببعض و قيام الكل بنفسه و انطواء الكل تحت الاحد جل‏جلاله دليل علي وحدة المبدء الحق جل‏جلاله فاذا وجب ان‏يكون الخلق علي نهج الحكمة و الصواب بريئاً عما به يختل النظام و ينحل الزمام وجب ان‏يكون جميع ما هو من جهة الرب القديم الثابت الدائم النور الكامل القوي القاهر الغالب المهيمن المستولي الواحد الاحد علي وفق صفته سبحانه ثابتاً مستمراً دائماً نيراً كاملاً  قوياً قاهراً غالباً مهيمناً مستولياً متسقاً متحداً و جميع ما هو من جهة النفس التي هي ضدها بعكس ذلك و لايكون بينهما اشتباه و التباس ابداً ابداً كما لايشتبه النور بالظلمة و الزايل بالمستمر الثابت هذا في الخلق الاولي و الوضع الالهي و اما في عالم الاعراض و استتار الاغراض فقدشيب الحق بالباطل و الثابت بالزايل ليبتليهم و يهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و لحصول الاختيار و رفع الاضطرار و اخراج مستجنات الاسرار و عدم تمكنهم من التمسك بشي‏ء من غير عروة فلو خلص الحق و الباطل عن الشوب لم‏يخف امرهما علي ذي‏حجي و اضطر الي وضع كل منهما موضعه كما يصيرون اليه في الاخرة فمن الحكمة ان قد شاب الله سبحانه الحق بالباطل و الباطل بالحق و اخذ من هذا ضغثاً و من هذا ضغثاً و جعل للحق المشيب رجحاناً علي ما شابه و للباطل المشيب رجحاناً علي ما شابه بحيث اذا نظر الناظر بعين الفطرة الالهية عرف رجحان الاصل و مرجوحية الفضل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 310 *»

في كل من الطرفين و انما جعل ذلك كذلك لانه من لوازم التعاكس و التعارض اللازم للكثرة و الاختيار في الخلق الساري في الغالب و المغلوب اللازمين للكثرة و كونهما منه و اليه كوناً فافهم فلما جاء الشوب جاء التعارض و الذاتي ابداً غالب علي العرضي ولو بعد حين و هو الذي انزل الكتاب منه ايات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تاويله و مايعلم تاويله الا الله و الراسخون في العلم الذين هم الميزان المنصوب الموضوع فوجب مادام الشوب باقياً الرجوع الي محكمات موازين الله التي ليس من الحكمة خلو الملك منها لانها محل عناية العالي من عالم الاعراض و حكاة امره و فيضه و مدده و لابد في دائرة كل امر من قطب محكم خال عن الاعراض يكون واسطة بين المبدء و ساير اصحاب الاعراض المحجوبين عنه والا لانقطعوا عن المبدء و هلكوا جميعهم فلابد من قلب معتدلٍ قائم بالقسط شاهد بالحق ناطق بالصدق في كل امر يدور عليه رحي ساير المشيبين بالاعراض المحجوبين بكثافة اعراضهم عن الاستحياء بالمبدء و اما استحياؤها عن القلب فتدريجي و للاعراض درجات فوجب في كل امر طلب المحكمات و الرد اليها ومنها دليل العقل غيرالمشيب و هو المستنير بنور الموازين المربي بتربيتها المسدد بتاييداتها و الذي وافقه جميع العقول بالجملة الذي هو من جهة الرب غالب فان كان في عالم الاصول فبنفسه و ان كان في عالم الفضول فباعوانه و انصاره و المؤيدين له و الذابين عنه و لايغلبن الخلق ابداً علي الحق و الشيطان علي الرحمن و حزب الله هم الغالبون و حزب الشيطان هم الخاسرون كتب الله لاغلبن انا و رسلي ان الله قوي عزيز فاذاً كل حق في الملك فالج ظافر مؤيد منصور ثابت دائم قاهر غالب و علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و كل باطل في الملك مخزي مكسور مقهور مخترم منقطع مغلوب مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 311 *»

كل حين باذن ربها و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرارٍ يثبت الله الذين امنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الاخرة و يضل الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء و قدشحن بهذا الامر الكتاب و استدل ابداً بذلك الانبياء الاطياب سلام‏الله عليهم‏اجمعين و ذلك سنتهم في كل باب و لاوردن هنا بعض تلك الاي لتكون علي بصيرة قال الله سبحانه كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد ايمانهم و شهدوا ان الرسول حق و جاءهم البينات و الله لايهدي القوم الظالمين و قال و ما للظالمين من انصار و قال و اسروا النجوي الذين ظلموا هل هذا الا بشر مثلكم ا فتاتون السحر و انتم تبصرون، قل ربي يعلم القول في السماء و الارض و هو السميع العليم و قال و من اظلم ممن افتري علي الله كذباً او كذب باياته انه لايفلح الظالمون و قال فمن اظلم ممن افتري علي الله كذباً ليضل الناس بغير علم ان الله لايهدي القوم الظالمين و قال يريد الله ان‏يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين ليحق الحق و يبطل الباطل ولو كره المجرمون و قال ان الذين يفترون علي الله الكذب لايفلحون و قال و لاتكونن من الذين كذبوا بايات الله فتكون من الخاسرين و قال ان الله لايهدي القوم الكافرين و قال لايفلح الساحر حيث اتي و قال و الله لايهدي القوم الفاسقين و قال جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقاً و قال بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون و استدل بذلك نبينا9 بتعليم الله تعالي فقال قل اي شي‏ء اكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم و مثله قوله قل كفي بالله شهيداًبيني و بينكم انه كان بعباده خبيراً بصيراً و استدل بذلك نوح علي نبينا و اله و عليه‏السلام فقال الله ام‌يقولون افتراه قل ان افتريته فعلي اجرامي و انا بري‏ء مما تجرمون و استدل بذلك موسي7 حيث قال الله سبحانه فلما القوا قال موسي ما جئتم به

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 312 *»

 السحر ان الله سيبطله ان الله لايصلح عمل المفسدين و يحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون و حيث قال الله فلما جاءهم موسي باياتنا بينات قالوا ما هذا الا سحر مفتري و ماسمعنا بهذا في ابائنا الاولين و قال موسي ربي اعلم بمن جاء بالهدي من عنده و من تكون له عاقبة الدار انه لايفلح الظالمون و استدل به صالح علي نبينا و اله و عليه‏السلام و قال ياقوم من ينصرني من الله ان عصيته و استدل به يوسف علي نبينا و اله و عليه‏السلام و قال ذلك ليعلم اني لم‏اخنه بالغيب و ان الله لايهدي كيد الخائنين و استدل بذلك رسل الله علي نبينا و اله و عليهم‏السلام قالت لهم رسلهم ان نحن الا بشر مثلكم ولكن الله يمن علي من يشاء من عباده و ماكان لنا ان‏ناتيكم بسلطان الا باذن الله و علي الله فليتوكل المؤمنون و اخبر الله سبحانه بقطع امداده عن الكاذب مزيداً علي ما مر بقوله ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من احدٍ عنه حاجزين و وصف الله سبحانه صفات الكاذبين و قال انما يفتري الكذب الذين لايؤمنون بايات الله و اولئك هم الكاذبون و قال هل انبئكم علي من تنزل الشياطين تنزل علي كل افاك اثيم يلقون السمع و اكثرهم كاذبون الي غير ذلك من الايات فاذاً كل حق في الدنيا حتي قول ان النواة نواة و الحصاة حصاة يجب ان‏يكون مصدقاً  منصوراً مؤيداً غالباً من عند الله سبحانه له نور و كل باطل في الدنيا حتي قول ان النواة حصاة و الحصاة نواة يجب ان‏يكون مكذباً مخذولاً مردوداً مغلوباً و ان كان للقول الحق بعض ما يزدري به و للباطل بعض مايحسن ولكن علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و يشترط في ذلك النظر بعين الانصاف و مجانبة الاعتساف و طلب الحق و المجاهدة في سبيله و الدخول من باب المطلوب مستمداً من الله سبحانه سائلاً منه الوقوع علي الحق قال الله سبحانه قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم  وقال الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و قال و أتوا البيوت من

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 313 *»

ابوابها نعم لايجب في الحكمة الوصول لكل احد الي كل ما اراد فان الله سبحانه لايغير حكمته الوسائل فماكان قداراده من خلقه و طلبه منهم و في تعريفه اياه لهم صلاح يكشف لهم عن حقيقته بطلبهم و ماكان لم‏يرده منهم و ليس في تعريفه لهم صلاح و قضي عليهم المنع من ذلك فهو محجوب عنهم لايصلون اليه بطلبهم الظاهري الشرعي فان كينوناتهم تابي عن ذلك و هي اقوي من طلبهم الظاهري و ليس الله بظلام للعبيد و هو الجواد الحميد فهو يسئل العباد عما كلفهم و يوصله اليهم لامحه و لايسألهم عما قضي عليهم و لم‏يطلب خلافه عنهم.

فاذا عرفت ذلك و تبينت ماهنالك فاقول ان الله سبحانه خلق خلقه بحكمته علي طبايع مختلفة و غرايز متشتتة مدني الطبع يحتاج بعضهم الي بعض و يتكفل بعضهم بحاجة بعض لا قوام لهم الا بالاجتماع و التمدن و في اجتماعهم باختلاف غرايزهم تنازع و تجاذب و تجادل و تخاصم فيحتاجون ابداً ما هم في الدنيا الي حاكم عادل يقوم بينهم بالعدل و يقضي بالقسط و يحكم بالحق و يحملهم علي ما فيه صلاحهم و نظام معاشهم و عمارة معادهم و يمنعهم عما فيه فسادهم و بوارهم و لابد و ان‏يكون ذلك الحاكم عارفاً بما جعل له عاملاً به في الملك فهو المعصوم المطهر عما هو خلاف الحق علماً و عملاً و تلك العصمة ليست علامة في ظاهر الخلقة فلايعلمها الا الذي خلقها فيجب ان‏يكون باختيار الله سبحانه العالم بالغيب و الشهادة و لايطلع علي اختياره احد الا باظهار ما يخص به من افعال الربوبية عليه و هو ما يعجز البشر عنه و نفي ما ينافيه عنه مما يجتمع العقول علي انكاره و استقباحه فمن وجد بين الخلق هكذا و قام بين يدي الله سبحانه في عباده حاكياً عنه مدعياً انه من عنده و ايده الله و صدقه و امده و ارشده و سدده و لم‏يظهر عليه ماينافي مدعاه هو الحق الذي لا شك فيه و لا ريب يعتريه و يجب اتباعه علي كل من اطلع عليه ثم هو الميزان الحق المتبع فكل ما قال هو حكم الله الحق في عباده و يجب طاعته فمن يطع الرسول فقداطاع الله فمن نصبه علي عباد الله بعده او اخبر بكونه من عند الله تعالي هو المطاع المتبع بعده و هو غني عن البرهان ازيد من ذلك فان جاء بعد ذلك بمعجز للبشر فهو فضل من عند الله سبحانه و له المن

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 314 *»

فمادام نص السابق معلوماً ثابتاً لكل من فحص لايحتاج اللاحق الي دليل اخر فان اختفي بتقلبات الزمان و تغلبات اهل العدوان فلابد و ان‏يجدد الله له المعجز و البرهان ليبلغ حجته و لايبقي لذي‏مقال مقال فذلك القائم بالقسط في هذه الامة هو محمد بن عبدالله صلوات‏الله و سلامه عليه و اله و ذلك مفروغ عنه في هذه الامة مع مابسطنا القول فيه في جلد النبوة و اما بعده فنحن لطول الزمان و اختصار البيان نحتاج الي دليل غير النص‏و ان كان اصحابنا قدجمعوا كتباً في ذلك كلها وافية شافية منها كتاب اثبات الهداة بالنصوص و المعجزات للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي مجلدات يشتمل علي اكثر من عشرين الف حديث و اسانيد تقارب سبعين الف سند منقولة من جميع كتب الخاصة و العامة و كتاب غاية المرام للسيد هاشم بن سليمان يشتمل علي ازيد من اربعة الاف و اربعمائة حديث في تعيين الامام و اثبات حق ال‏محمد: كلها من كتب العامة و الخاصة و قدطبع و انتشر في البلاد و الحمد لله الي غير ذلك من الكتب التي قدملأت البلاد و كلها كافية شافية تغني طالب الحق و يزيد احاديثها حد التواتر بمرات الا انا قدقصدنا في هذا الكتاب ايراد ادلة لايسع الخصم ردها و لا الاعتراض فيها و لا انكارها عند سماعها و التامل فيها.

فاقول لا شك في ان بعد النبي9 عترة له ادعت الامامة و اجتمعت عليهم طائفة من الامة و رووا في امامتهم احاديث بسبعين الف سند و اكثر و صدقهم جماعة و هم الشيعة و نشروا فيهم احكاماً و شرايع و دعوات و ذرايع و ادعوا العصمة و صدقهم الشيعة و ادعوا في حقهم العصمة و الطهارة و المكابر في ذلك كله كالمكابر في مجيئ نبي بمكة و ادعائه النبوة و اتيانه بشرع و كتاب و معجز بعينه و ذلك لايكلم و لايحاجج و لايخاصم و لا شك و لا ريب ان سلاطين اعصارهم و علماءها و اغلب الخلق ممن حاد عنهم و ذهب الي غيرهم من فرق السنة و الجماعة و غير الاثني‏عشرية كانوا ساعين في اطفاء نورهم و ازهاق امرهم و ادحاض حجتهم حتي انهم قتلوهم و اسروهم و سلبوهم و حبسوهم و شتتوهم و فعلوا بهم ما فعلوا مما لايخفي علي ذي‏نظر في الاسلام بل عند الخارجين منه و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 315 *»

كانوا ابداً في طلب عيب و قدح فيهم يسقطونهم به من نظر الناس و يظهرون انهم لايليقون بما يدعونه و كتبوا كتباً و صنفوا تصانيف فلم‏يسعهم مع شدة فحصهم و تعدد انظارهم و شدة العداوة و طول الاعصار ان‏يعيبوا عليهم شيئاً كثيراً و لا قليلاً ولم‏يجدوا فيهم مغمضاً و لم‏يحكوا عنهم ما ينافي ادعاءهم بل اجمعوا مع شدة انكارهم علي صدقهم مجملاً و ورعهم و زهدهم و علمهم و حسبهم و نسبهم و امامتهم و لزوم مودتهم الي غير ذلك من فضائلهم التي ملأت كتبهم كما سمعت بعضها و تواتر عنهم بالضرورة عند الشيعة انهم ادعوا الامامة و شهد بذلك اي من الكتاب و اخبار لاتحصي عن النبي9 و ساير الاصحاب برواية الاعادي فهم المصدقون من عند الله جل‏جلاله و مع‏ذلك لا شك في انهم اتوا بخوارق عادات و معجزات مجملاً حتي انها تظهر من قبورهم و مواضع اقدامهم قريباً و بعيداً الي زماننا هذا و ذلك مما لاينكر نوعاً فعلمنا بذلك انهم حجج الله علي العباد و خلفاء رسول‏الله9 في البلاد و قدصدقهم الله سبحانه اذ قاموا بين يديه و في مرأي منه و مسمع و ادعوا الخلافة و الوصاية و فرضوا الفرايض و سنوا السنن و نشروا اعلام اصول الدين و فروعه علي ما يوافق العقل السليم و استشهدوا باي و اخبار لاتحصي فلم‏ينكر الله سبحانه عليهم و لم‏يبطل دعواهم و لم‏يدحض حججهم و لم‏يقم احداً في مقابلهم و محض انكار المنكر لايكون دليلاً علي بطلان احد فان الناس انكروا علي رسول‏الله9ايضاً و لم‏يفدهم شيئاً اذ ابطل الله حججهم و اتم نوره ولو كره المشركون  فلو كان لله حاكم في ارضه غيرهم لقام بالامر باقامة الله و اظهر حقه و ابطل امرهم بتاييد الله و نصره الله و اقام حججاً و براهين علي حقيته و بطلانهم او اثار الله غيره ممن يشاء يبطل به امرهم و يدحض به حججهم البتة كما ابطل بال‏محمد: حجج المخالفين و اظهر بطلانهم للعالمين و كلما سعي الساعون و منكروا فضائلهم الناصبون في اطفاء نورهم و اخمال ذكرهم و اخماد امرهم ازداد نورهم و شاع ذكرهم و فضلهم حتي طرق الاسماع و ملأ الاصقاع و انتشر الوية امامتهم و ولايتهم في جميع الاحناء حتي بلغ اعنان السماء فلما عجزوا عن ذلك

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 316 *»

كله بادروا الي قتلهم و سبيهم و اسرهم و نهبهم فماازدادوا بذلك الا عزة و شرفاً و علواً و قدراً و الحمدلله فاي دليل احكم من ذلك و اي برهان اقوي مما هنالك فهذا هو البرهان الذي لايحتمل النقض و لايعترضه معترض في الطول و العرض و بهذا السراج نهتدي نحن في جميع ظلمات الارض و نقيم به كل سنة و فرض فالحمدلله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و هذا البرهان مما خصنا الله بتشييد اركانه و اجتبانا لشرحه و بيانه و ناهيك به شفاء لما في الصدور و دليلاً هادياً لطرق البطون و الظهور اولم‏يكف بربك انه علي كل شي‏ء شهيد و بكل شي‏ء عليم و علي كل شي‏ء قدير فهو حسبنا ونعم المولي و نعم النصير.

فصـل: اعلم ان بناء الناس ان‏يذكروا في ابحاثهم ما ذكره السابقون و ان ابطل الله امره و اخمد ناره و قطع اثاره بالحجج الباهرة و الدلائل الظاهرة و صار من المفروغ عنه عند اهل البصيرة فيكررون في كتبهم و محاوراتهم تلك الشبه المفروغ عنها فيجددون الشبه في اذهان الذين لم‏يسمعوا ادحاض الله تعالي قدره اياها و من ذلك امر الامامة و قدحصل و الحمدلله ذي‏المنة علي عباده الفراغ عنها بانقراض رؤساء الضلالة الذين كانوا يظنون انهم امراء الدين و خلفاء رسول‏الله9 و بقي خيام مذهبهم بلا عمود و بقوا متفرقين حياري متشتتين تحت كل كوكب بفضل الله الودود اذ قدعرفت مما سبق انه لايجوز ان‏يخلو الارض من حجة لله سبحانه مدبر لامر الملك عالم بالحلال و الحرام و الفرايض و الاحكام و تدبير امر العباد و تعمير البلاد و قداخترم امر الاعادي و الحمدلله و قطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين و بقي امرهم كسروانية و قيصرانية و عادوا الي الجاهلية الاولي و ليس فيهم من يدعي في حقه ولو بالباطل انه خليفة الله و خليفة رسوله9 و انه حافظ الدين و حاكم بالشرع المبين منذ قرون و دهور و كل مذهب مبناه علي الاخترام و الانقطاع باطل مضمحل فلاحاجة الي برهان اخر بعد هذا البرهان بعد انقراضهم و انما

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 317 *»

كان يختلج في الصدور الضعيفة بعض الشبه حين كان فيهم من يدعي الامامة ولو كذباً و افتراء و اما الان فقدوقع الفراغ عن ذلك بالكلية ولو كان امر خلافة رسول مدعٍ هكذا  لدل علي بطلان امر ذلك الرسول ايضاً فضلاً عن امر خليفته.

ولو قيل ان امر الشيعة ايضاً عاد الي ذلك حيث انه ليس فيهم امام قائم لله بحجة ظاهر معروف فدل ذلك علي بطلان امرهم ايضاً قلت ليس الامر كذلك و الشيعة الاثناعشرية مجمعون مقرون علي وجوب خليفة لله في ارضه و مجمعون علي انه موجود الي الان و ¨اتون علي ذلك بادلة و براهين من الكتاب و السنة و يروون في ذلك اخباراً عديدة من كتب العامة و الخاصة و شاركهم في ذلك غيرهم من العامة كثيراً و لايشترطون في الحجة الظهور و البروز فان الفائدة التي في الحجة ليست محض السلطنة و الحكومة الظاهرة بل فائدته امور:

منها الفوائد الكونية التي تترتب علي وجوده مما سمعت و ستسمع فذلك يشترط فيه شهادته للخلق لا شهادة الخلق له كماينتفع الخلق من فضل الله جل‏وعز و لايشاهدونه و عدم مشاهدة الخلق لله لاينفي حاجة الخلق الي خالق مفيض ممد لهم.

و منها الفوائد الشرعية فمنها حفظ الكلمة و جمعها و جمع الفرقة و تفريقها و رعايتها و الحفظ لهم و عليهم فذلك ايضاً يحتاج الي رؤيته للخلق لا رؤية الخلق له و امر الامامة امر عظيم و خطب جسيم و ليس محض السلطنة و الحكومة و تجنيد الجنود و حفظ الثغور كما ستسمع ان شاء الله تعالي.

و منها الحكم بين المتنازعين و اجراء الحدود و تجنيد الجنود و ذلك ايضاً امر لايجب فيه المباشرة عقلاً و نقلاً و اجماعاً و لايجب فيه مشاهدة الرعية للسلطان و كان النبي9 يبعث الامراء و ينصب القضاة و ائمة الصلوة و لم‏يكن جميعها بمباشرته و لم‏يك يشاهده جميع الامة و كذلك اليوم امر الشيعة سلطانهم موجود غايب فنفرضه في بعض القري و لايشاهده كل الرعية و يخرج امره و نهيه الي نوابه و امرائه و قضاته و قدخرج من احاديثه الي شيعته و امره و نهيه ما خرج و قرر من احاديث ابائه: ما قرر و نحن نعمل باحاديث ابائه من حيث انها مقررة من عنده فلو نهانا عنها كلية تركناها و عدلنا حيث ما عدّلنا و اعدلنا فعملنا بهذه الاخبار كلها عملاً بامره و نهيه غاية‏الامر

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 318 *»

انه ليس يغير اوامره و نواهيه كلية و يغيرها بتغيير الافهام و تقريب البعيد و تبعيد القريب و ليس لنا التعرض عليه البتة فهو موجود و تصرفه ثابت موجود بلا تفاوت مع ايام ظهوره و القول بانه لو كان ظاهراً كنت اتشرف بلقائه تمن و،

ما كل ما يتمني المرء يدركه تجري الرياح بما  لاتشتهي السفن

هذا اويس كان من افضل الصحابة و لم‏يشاهد النبي9 فلعله لو كان ظاهراً وكلك بثغر و لم‏ياذن لك في التخلف عنه و تركه و كنت فيه الي ان‏تموت و كان ياتيك الاخبار بالرواة كما تاتيك الان و كنت كما تكون الان فاي فرق في ظهوره و خفائه بالجملة بيننا و بين العامة بون بعيد.

و اما من قال ان الامام وجوده لطف و تصرفه لطف اخر و عدمه منا فلم‏يعرف امامه كماينبغي و حسب تصرفه محض تصرف السلطنة او داري خصمه بهذا القول و كلم علي قدر عقله و ستسمع في خلال هذا الكتاب ما تعرف منه ان الامام يقوم به امر الكون و الشرع في الدين و الدنيا و الاخرة و لولاه لساخت الارض و لم‏يعرف احد نفسه فضلاً عن دينه بالجملة بهذا البرهان نحن نحصل اليقين بكل حق و يثبت به امامة الائمة الاثني‏عشر: بخصوصهم و الحمدلله رب العالمين و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين.

فصـل: اعلم ان الذي يقتضيه الادلة العقلية ان‏يكون المعصومون: اربعة‏عشر منهم واحد هو قطبهم و مركز دايرتهم و قلبهم و اية الواحد الاحد فيهم و عرش استواء الرحمن لهم و السفير بينهم و بين ربهم و اثناعشر منهم هم شـٔون ذلك الواحد و تفصيله و وجوهه في توجهه الي ساير الرعية و توجههم اليه و ايدي عطائه و منعه و واحد اخر منهم هو وعاء تلك الشـٔون و محل ذلك التفصيل و حامل تلك الانوار و مجمع تلك الاسرار و ان كان لهم فوق ذلك مقام ولاية كلية و نبوة كلية و فوق هذين مقام وحدة مقدسة عن الكثرات دالة علي وحدة خالق البريات و علي ذلك في العقول ادلة و في الافاق و الانفس ايات و في الكتاب و السنة شواهد و في القرون الخالية سنن و قدمربعض الوجوه في جلد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 319 *»

النبوة و نذكر منها هنا ما يتيسر.

اعلم ان الله سبحانه كان اذ لا كان في قدس توحده و كنه تفرده فتجلي بمطلق الوجود به اذ لا سابق عليه و خلقه بنفسه و له في تزييل‏الفواد مقامات و ان كانت متحدة باتحاد وحداني لغاية بساطته و سبقه علي كل كثرة و كونه علة كل شي‏ء فله حيث الي ربه و هو حيث كونه وجوداً محضاً معريً عن كل اعتبار سواه حتي الاطلاق و يعبر عنه بالوجود لابشرط و من اطلقه علي ذات الحق الازلية فقداخطأ فانه لا اسم له و لا رسم و انما هو عنوانه جل‏وعلا في الوجود المطلق و له حيث من نفسه و مخلوقيته و له من هذا الحيث مقامات نعبر عنه بالكيان الثلاثة و هي جهة اجمال و كلية معنوية و جهة تفصيل و صورة جزئية بالنسبة و حيث ثالث بينهما هو منتهي الاجمال و مبدؤ التفصيل و هذه الكيان مما لابد منه في كل مكون و لايتم الا به و قدبرهن عليه في محله في ساير كتبنا و يعبر عنها في الفلسفة بالروح و النفس و الجسد و لكل من هذه الكيان الثلثة طبايع اربع و هي ايضاً مما لابد منه في كل حادث و قدبرهنا عليه في ساير كتبنا في الفلسفة و غيرها و من ثم اطبق الحكماء علي ان كل ممكن مثلث‏الكيان و مربع‏الكيفية و لما ظهر هذه الكيفيات الاربع في جميع مراتب الكيان بدت اثنتاعشرة كيفية مختلفة في الصفة و ذلك ان الموجود لابد فيه من هذه الكيفيات عند انخلاقه من فعل فاعله و لكل كيفية كيان ثلثة روحانية مجملة صاعدة و جسدانية مفصلة هابطة و نفسانية متوسطة رابطة بينهما مؤلفة فروحانيات الكيفيات كلها في الكون الروحاني للموجود و هو مؤلف منها و نفسانياتها كلها في الكون النفساني له و هو مؤلف منها و جسدانياتها كلها في الكون الجسداني له و هو مؤلف منها فتحقق للموجود من حيث تعينه اثنتاعشرة كيفية بها تتم‏مراتبه لا محيص عنها و لا غني له عنها البتة وذلك الحيث الاول اي الوجود المحض اللابشرط هو كالرحمن المهيمن علي عرش جميع تلك الكيفيات و كالمادة السارية في جميع مراتب الصور و الحقيقة الظاهرة بجميع تلك التعينات و هو في‏نفسه مبرؤ عن تلك الصفات و للمجموع من حيث المجموع حيث اخر و هو الحيث التركيبي الحاصل من تركب الكل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 320 *»

فهذه اربعة‏عشر حيثاً لا غني للموجود عنها و بين هذين الحيثين اي الذي عبرنا عنه بالوجود الحق و حيث نفس التجلي مقام برزخي و هو مقام الوجود المطلق النوعي الساري في جميع تلك الكثرات و هو حيث اتحادها في معني الوجود الاطلاقي و لهذا المقام جهتان جهة الي الوجود الحق و جهة الي الكثرات و هي حيث صلوحه لتلك التعددات الاعتبارية المعتبرة المثبتة فيه من باب تزييل‏الفواد و رويته ظهورها في الاثار فتفصل الواحد بهذين الاثنين اولاً ثم تفصل هذان الاثنان بالكيان الثلثة ثم الكيان بالكيفيات الاربع و لاجل خروج الواحد و الاثنين عن حد الكثرات تعين كون اول الاعداد ثلثة و اول الازواج اربعة فلما ظهر الثلثة في الاربعة حصل الاثناعشر و باجتماعها حصل السبعة فثنيت في التجلي في نفسه و في تعلقه فظهر اربعة‏عشر و قدظهر سر ذلك في جميع مراتب الوجود في افاقها و انفسها منها ما تشاهد في العبودية الدالة علي مراتب الربوبية و فيما هيهنا الدال علي ما هنالك و هو ان هذا العالم له حيث من ربه و هو الجسم المطلق مع قطع النظر عن قيد الاطلاق و هو اية الله و مثاله و نوره في هذا العالم و حيث اخر للجسم من حيث الاطلاق و هو الجسم بشرط لا و له مادة جوهرية و صورة صلوحية و هو اية المشية و هذان المقامان فوق مقام الكثرات و التعينات و لهذا العالم في مقام التعين بعد ثلث مراتب مقام اجمال و هو العرش و مقام تفصيل و هو العناصر و مقام بين‏بين و هو الافلاك و الكرسي و هي برزخ بين العناصر و العرش له من حيث العرش اجمال و هو الكرسي و من حيث العناصر تفصيل و هو الافلاك السبعة و الكيفيات الاربع سارية في جميع هذه المراتب الثلث الا ان روحانيات الكيفيات في العرش الاعلي فاتحدت لشدة التشاكل و ظهر واحداً اطلس و جسدانياتها في العناصر السفلي و ظهرت اربعة نوعاً و ان كانت اشد تكثراً من الافلاك و نفسانياتها في الافلاك الوسطي فالكرسي نفس كلية و الافلاك مشاعرها و قواها كما ان زحل عاقلتها و المشتري عالمتها و المريخ واهمتها و الشمس مادتها اي المادة الظاهرة منها و الزهرة خيالها و عطارد فكرها و القمر صورتها اي صورتها الظاهرة منها و ظهر التعدد هنا لان الافلاك جهات تعلقات الكرسي بالسفليات و يركب من هذا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 321 *»

المجموع بدن جامع يجمع جميع تلك القوي و يظهر منه اثار كل واحد و افعاله و ذلك محسوس مشاهد و اية ذلك في الانسان ايضاً مشاهد فانه مركب من قبضات هذه البسايط و له من كل واحد منها حصة و قبضة و هذه المراتب جارية في جميع العالم فانه قدعلم اولواالالباب ان الاستدلال علي ماهنالك لايعلم الا بماهيهنا الا ان لهذه المراتب في كل مقام اسماً و رسماً و انا انما ذكرناه باللسان الطبيعي لتعليم من لا درية له في الالهي.

و اما القول فيه باللسان الالهي في مقام الوجود المطلق و التجلي الاول ان لذلك التجلي حيثين حيث ذات و غيب و هو حيث المثال الملقي في هويته و حيث ائيته لله سبحانه و حيث نفس التجلي و كونه وجوداً بشرط التقدس عن الكثرات و الاطلاق عن المقيدات في جهتيه و حيث ظهور في الشــٔون و له من هذا الحيث اربع مراتب مقام باطن و مقام بطون و مقام ظاهر و مقام ظهور و لهذه المقامات الاربعة مقام كلية و مقام جزئية و مقام بينهما برزخي رابط بين ربوبية الكلية و عبودية الجزئية و قطب بينها هو محل عناية العالي و السفير بينه و بين الداني و هو القلب المتوسط بين تلك الاعضاء و مقام الكلمة التامة و الشخص الجامع و النور اللامع و لولا هذه المراتب لم‏يقم لفسطاط التجلي عمود و لم‏يخضر ابداً له عود و لم‏يتحقق تام المراتب كامل المقامات و للمجموع المركب مقام رابع‏عشر و هو مقام الحاملية لتلك الانوار و الوعائية لتلك الاسرار و ما لم‏يكن كليات الحكمة تامة في ظهورها تامة في بطونها كاملة في كليتها كاملة في جزئيتها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم فظهر ملك التجلي بهذه الجهات الاربع‏عشرة و لما كان هو مؤثر جميع ماعداه سري هذا السر في جميع تلك الاثار و جري ذلك الامر في جميع الاقطار و لما كان اول صادر منه اي من الوجود المطلق الذي هو المشية المخلوقة بنفسها النور المحمدي صلوات‏الله و سلامه عليه و اله و الاثر يطابق صفة مؤثره جري ذلك السر فيه ايضاً بل تحقق فيه اولاً و انما ذكرناها في التجلي الاول من باب التزييل الفؤادي و مشاهدة الاسرار في الاثار فتحقق في ذلك النور مقام

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 322 *»

ائية للواحد الاعلي جل‏شانه و مثال للعالي الواقع في هويته و هو مقام اتحادهم في المحمدية و مقام كلنا محمد و مقام ائية للمشية و هو مقام الاثنينية و الوصول الي حول حجاب العظمة بعد الطواف حول حجاب القدرة فشق ذلك النور نصفين فقال الله سبحانه لنصف كن محمداً و لنصف كن علياً فهو اخوه و نفسه و منه و تحقق له في مقام الظهور ثلثة مقامات نبوة و ولاية و عصمة فالنبوة هي كالقلب و القطب بين هذه الظهورات و بين العالي و السفير بينهما و القائم مقام العالي في الاداء كما قال اميرالمؤمنين7 في حقه استخلصه في القدم علي ساير الامم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس و انتجبه امراً و ناهياً عنه اقامه في ساير عوالمه مقامه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا هو الملك الجبار الخطبة  فهو مستخلص في مقام الائية القديمة منفرد عن التشاكل من ابناء جنسه و هم الاولياء فغيرهم ليس من جنسه صلوات‏الله عليه و اله و قائم مقام العالي في مقام القطبية في الاداء عنه و له مقام هوية و انية و هو حيث نفسه في نفسه و هو مقام الولاية فله في هذا المقام اثناعشر مقاماً لما ذكرنا من ان له ثلثة كيان كون روحاني بالنسبة الي مقامه و كون نفساني و كون جسداني و لكل كون منها مقامات اربعة مقام الباطن و البطون و الظاهر و الظهور كما قدمنا فالظاهر هو ظاهر الباطن و الظهور هو ظهور البطون و للباطن و الظاهر مادية و ان اختلفا في النوعية و الشخصية.

و اعلم هنا ان العرفاء اختلفوا في النبوة و الولاية ايهما اشرف و اعلي فمنهم من قال بتقدم النبوة علي الولاية و منهم من قال بالعكس و الظاهر ان النزاع باختلاف الانظار فان محمداً9 اشرف من علي اتفاقاً من المسلمين في كل مقام فان كانت النبوة اشرف فهي لمحمد9 او الولاية فهي لمحمد9 و الحق ان القول في ذلك يختلف باختلاف الانظار فان اريد ظواهرهما فالنبوة اشرف لانها مقام السفارة و الوساطة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 323 *»

الكبري و المنبئية عن الله سبحانه بالفتح و الكسر و الولي هو المعطي كل ذي‏حق حقه و السايق الي كل مخلوق رزقه و هو المباشر المتعلق بالرعية و ان اريد المراد منهما فالله سبحانه هو الولي‏و ليس الله سبحانه بنبي و لا رسول فهنالك الولاية لله الحق و لم‏تظهر في النبي‏لعدم استقلاله في جنب ربه لكماله و غاية قربه و ظهرت في الولي لاستقلاله لانه جهة نفس النبي كمايظهر الفاعل في المشتق عن الفعل المتاخرعنه و المراد من الفاعل هو اعلي من المصدر و يوصف العالي بالفاعل و لايوصف بالفعل فالفعل اعلي من ظاهر الفاعل و ادني من المراد منه و الفعل احكي للفاعل و اقرب اليه و اشرف و ان لم‏يسم‏بالفاعل لاضمحلاله فافهم المثل فالنبوة ادني من باطن الولاية و صورتها و ظهورها و لاجل ذلك ظهر علي بتثليث الاسم و محمد بتربيعه و الثلثة فرد و الاربعة زوج.

فاذا عرفت ذلك فاعلم ان المادة جهة الرب العليا و الصورة جهة النفس الدنيا فالمادة احكي للرب هنا و الصورة احكي لظهوره و قدقدمنا ان الباطن و الظاهر لهما مادية و البطون و الظهور لهما صورية فلاجل ذلك ظهرت المقامات الاربعة في الاكوان الثلثة بمقامين ولويين و مقامين نبويين يعني ظهر في كل كون مقام الباطن و الظاهر بالولوية و العلوية و مقام البطون و الظهور بالنبوية و المحمدية فظهر سيدهم و افضلهم الذي هو في مقام الباطن بالعلوية و سمي بعلي و ظهر بعده الحسن7 بالمحمدية و لذلك كان شبيهاً بمحمد9 في الصورة و السيرة و كني بابي‏محمد و ظهر بعده الحسين7بالعلوية و لذلك كان شبيهاً به و كان اباعلي و اباعبدالله فان مقام علي7 اول مقامات العبودية و التابعية لمحمد الاعلي فقال انا عبدالله و اخو رسوله و انا عبد من عبيد محمد ثم ظهر بعده القائم عجل‏الله فرجه بالمحمدية و هو بعد الحسين7 افضل الكل و ظهر بعده علي بن الحسين بالعلوية و لقب بزين‏العابدين ثم ظهر بعده محمد بن علي بالمحمدية و صار مدينة العلم و باقره ثم ظهر بعده جعفر بن محمد بالعلوية و لذلك كني بابي‏عبدالله كالحسين الظاهر

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 324 *»

بالعلوية ثم ظهر بعده موسي بن جعفر بالمحمدية و موسي اسم نبي طابق اسمه اسم الموسي الاول و لقب بالكاظم و هو من صفات محمد الكاظم للغيظ تادباً بادب الله سبحانه ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و اصفح الاية ثم ظهر بعده علي بن موسي بالعلوية و لقب بالرضا للمرتضي و كني بابي‏الحسن ثم ظهر بعده محمد بن علي بالمحمدية ثم ظهر بعده علي بن محمد بالعلوية و الهادوية لاجل قوله انما انت منذر و لكل قوم هاد و علي‏الهادي ثم ظهر بعده الحسن بالمحمدية علي حذو الحسن الاول و كني بابي‏محمد مثله و هذا من غريب اسرار اسمائهم و ترتيبهم صلوات‏الله عليهم ولم‏يصل الينا من طرق الاخبار افضلية بعض الثمانية من بعض و هم اعلم بما هم عليه صلوات‏الله عليهم نعم روي في كتاب سليم بن قيس ان فاطمة3 قالت لرسول‏الله9 في حديث طويل ذكر فيه علياً و الحسن و الحسين: و حمزة و جعفر فاي هولاء الذين سميت افضل فقال رسول‏الله9 اخي علي افضل امتي و حمزة و جعفر افضل امتي بعد علي و بعد ابني و سبطي الحسن و الحسين و بعد الاوصياء من ولد ابني هذا و اشار رسول‏الله9 الي الحسين منهم المهدي و الذي قبله افضل منه الاول خير من الاخر لانه امامه و الاخر وصي الاول الخبر و هذا الخبر يعطي ان كل سابق منهم افضل من اللاحق لان السابق امام اللاحق و اللاحق وصي السابق و فرعه ولكن رويت روايات اخر ان القائم صلوات‏الله عليه افضل التسعة و العلم بهم عند الله عزوجل و عندهم صلوات‏الله عليهم و اما في غير القائم فالبرهان الذي ذكره9 محكم فان الامام لابد و ان‏يكون افضل من الماموم و كل صامت ماموم لامحه و اما الحامل لهذه الانوار و الجامع لهذه الاسرار الذي هو ايضاً في مقام الصورة المناسبة للمحمدية و صاحب العصمة الكلية فهو فاطمة المكناة بام‏ابيها و لها مقام الحجرية للعيون الاثنتي‏عشرة المنبجسة بضرب عصاء موسي عند استسقائه لقومه اثني‏عشر سبطاً.

بالجملة هم سلام‏الله عليهم في هذا العدد علي طبق شــٔون المشيــة و جهاتها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 325 *»

ثم سري سرهم في جميع العالم و ظهر هذه الجهات في كل شي‏ء بحسبه في الافاق و في الانفس و من العجب ان البدن الانساني الذي هو فذلكة العالم الكبير ظهر انواره و هداته في اثني‏عشر و هي حواسه الخمس الظاهرة و حواسه الخمس الباطنة و نفسه و عقله فلو رفعت هذه الانوار الحجج عن ارض البدن لساخت و رجت و اندكت و انما يبقي البدن و يهتدي بهذه الهداة و الرعاة له هذا و في نظر اخر له قلب عرشي و صدر كرسي و عاقلة زحلية و عالمة مشتروية و واهمة مريخية و مادة شمسية و خيال زهري و فكر عطاردي و روح قمري و صفراء نارية و دم هوائي و بلغم مائي و سوداء ترابية و مجموع مركب مولودي علي حذو العالم الكبير حرفاً بحرف.

بالجملة لاجل هذه الاسرار و غيرها خلقهم الله اربعة‏عشر نوراً يجمعها ثلثة يجمعها اثنان يتحدان في المبدء بوحدة تحكي ظهور الواحد الازل جل‏شانه و كذلك تقدير العزيز العليم.

فصـل: بقي هنا اشكال احببت ان‏اختم به و بجوابه هذا المقصد لان جوابه لايكون الا عندنا و لايعرف الا من كتبنا و هو انه لو قال احد انكم قدبينتم ان سر وجود المعصوم في كل عصر ان الناس مدنيون مختلفوا الطبايع جهال فيحتاجون الي حاكم و معلم تقوم به مدينتهم و يتعلمون منه مابه قوامهم و نظامهم علي حد ما مر و لاجل ذلك اقام الله بينهم في كل عصر نبياً و اماماً معصوماً يشاهدونه و يرجعون اليه و يترافعون اليه ليحكم بينهم بالقسط و يسألونه فيعلمهم مابه صلاحهم فاذا كان الامر كذلك تبين فساد مذهب العامة حيث لايثبتون في كل عصر اماماً معصوماً دالاً علي الله فلو قال قائل لكم ان هذا البرهان ان كان حقاً فمذهبكم ايضاً باطل كالعامة فانكم بقيتم بعد غيبة حجتكم كمابقيت العامة بعد فقد نبيها و اكتفيتم بعلمائكم كما اكتفوا بعلمائهم و وقعتم في الشكوك و الظنون و التشاجر و الاختلاف كما وقعوا و ورد عليكم ما ورد عليهم فكل ما ابطلتم به مذهبهم ابطلنا به مذهبكم.

اقول اعلم ان الله سبحانه غيب مطلق و احد حق لاتدركه الابصار و هو

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 326 *»

يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير يمتنع معه ذكر غيره و الخلق كلهم في رتبة الحدوث اخترعهم لا من شي‏ء و ابتدعهم لا لشي‏ء فهم لازموا رتبهم لايتجاوزونها و لايصعدون عليها فلايدركون حيث يمتنع وجودهم فيه فلايمكن ان‏يعرفوه سبحانه الا بما عرف نفسه و انما خلقهم لاجل المعرفة و العبادة و جعلهم بحيث اذا عرفهم صفة تعريفه عرفوها و تلك الصفة كانت كامنة فيهم مستورة بحجب انيتهم فاجتبي من خلقه خلقاً علّاه بتعليته و فضله بتكرمته و انتجبه في القدم علي ساير الامم و ابانه عن ساير خلقه بان جعله صفة تعريفه و حقيقة توصيفه فجعله كاملاً  في الوصفية له سبحانه بحيث لا فرق بينه و بينه الا انه خلقه بدؤه منه و عوده اليه فجعله يده في استخراج ما فيهم بالقوة و استظهار ما وضع في غيبهم بالوديعة فابتعثه امراً و ناهياً منه الي ساير عوالمه و جعله القائم مقامه في ساير خلقه و انزله اليهم و البسه في كل عالم لباسهم و انطقه في كل عرصة بلسانهم ليترجم لهم عن الله و يبين لهم مراد الله و يستخرج كوامن قوابلهم و يستظهر ما اخفي الله فيهم من صفة تعريفه ليعرفوه و يعبدوه و ذلك قوله و ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم حتي اذا اراد هداية البشر و تعريف نفسه لهم انزله اليهم و البسه لباس البشرية فجاء بين ظهرانيهم و قال انما انا بشر مثلكم يوحي الي انما الهكم اله واحد و بين لهم التوحيد في جميع مراتبهم كما قال ادعو الي الله علي بصيرة انا و من اتبعني بعد ما قال الله تعالي له ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن وجميع ما جاء به9 توحيد محض الا ان التوحيد في كل مقام بحسبه فتوحيد الفؤاد بالمعرفة العيانية و دليله الحكمة و توحيد العقل باليقين و دليله الموعظة و توحيد النفس بالعلم المجرد و دليله المجادلة و توحيد المثال و الظلال بالعلوم المقترنة و الصور و توحيد البدن بالاعمال الصالحة و الحسنات و دليلهما ايضاً المجادلة فدعا كل قوم الي ربهم بلسانهم و دليلهم و استخرج به كوامن ما ابطن فيهم من سر التوحيد و حقيقة التفريد فما لم‏يكن ذلك البعيث معصوماً مطهراً عن جميع ما هو خلاف التوحيد في جميع مراتبه لم‏يكن الة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 327 *»

استخراج التوحيد فيها جميعاً و كان من جهة عصيانه الة استخراج الشرك و الكفر فانه كماكانت الطاعات و الاعمال الحسنة و الاخلاق الزكية كلها ظواهر التوحيد و تجسماته كذلك يكون المعصية ظاهر الشرك و تجسمه فان كان البعيث يخطي و يسهو و يلهو كان حين الخطاء و السهو و اللهو الة الشيطان و يده في استخراج الشرك و الكفر و فروعهما.

و ان قيل ما ضر ان‏يكون من حيث البشرية خاطئاً ساهياً و من حيث الابلاغ يحفظه الله قلت ان الله سبحانه حكيم لايباشر شيئاً بذاته و انما يفعل مايفعل باسبابه التي جعلها له فان كان الخطاء و السهو يجري في جميع الاسباب الملكية من مبدئها الي منتهاها فبم يمنع الله الخطاء و السهو و يلزم من ذلك ان‏يخطئ الله و يسهو اذا كان لابد لاسبابه الخلقية من الخطاء و السهو و كل من يخطي يخطي بفعله و الفعل غيره فيكون الله اذاً خاطئاً نعوذ بالله و ان كان يكون في الملك سبب و اسباب ليست تخطي و تسهو و هي غيره9 فمن الذي هو اعلي من محمد و ال‏محمد: الذين هم اول ما خلق الله و اشرف مابرأ الله فهم السبب الذي لايخطي و لايسهو هذا و هم وصف تعريفه سبحانه فان كان وصف الله نفسه بالخطاء و السهو فينبغي ان‏يعرف الله و يوصف بالخطاء و السهو و ذلك باطل بالبداهة فهم سلام‏الله عليهم منزهون مبرءون عن الخطاء و الزلة و السهو و النسيان في جميع امورهم البشرية و الحجية صلوات‏الله و سلامه‏عليهم هذا و هم سلام‏الله عليهم اول ما خلق الله و خلق ماخلق من شعاع نورهم فما فقد فيهم يجب ان‏يفقد في جميع العالم فلايكون منه عند احد فما غفل عنه النبي9 لايجوز ان‏يلتفت اليه احد ممن خلق من نوره و ما سها عنه لايجوز ان‏يتعمده احد غيره و ما اخطأ فيه لايجوز ان‏يصيبه احد من الخلق و ذلك من البطلان بمحل.

فان قيل ان بشرية النبي9 ليست بمؤثرة الكاينات البتة و انما المؤثر غيبه و نوره فما ضر ان‏يصدر من بشريته الخطاء و السهو و النسيان اقـل ليس بعد الحق الا الضلال و ليس بعد النور الا الظلمة و بعد الرحمن الا الشيطان فالنبي ان اخطأ بشريته او سهت او نسيت هل هو من هذا الحيث مظهر الرحمن

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 328 *»

و محل مشيته او مظهر الشيطان و جحر ارادته لايسعك ان‏تنسبها حال الخطاء الي الله سبحانه فان الله لم‏يتجل بالخطاء و لايجري مشيته بالسهو فهي مظهر الشيطان و مظهر الشيطان لايليق بالاخبار عن الله و لايعتمد عليه و ليس بصفة لله و ليس له قابلية الحكاية عن امر الله و ترجمة ارادته فاذا لابد و ان‏يكون في كل عصر حجة مترجم عن الله مؤد عنه معرف اياه مستخرج كوامن ما ابطن في خلقه من صفة تعريفه و لماكان النبي بشراً مؤدياً يجري عليه الموت و الارتحال وجب في الحكمة ان‏يكون بعده من يقوم مقامه حاكماً بين العباد حافظاً لدين الله شارحاً لمراد الله حياً قائماً بالحفظ و لايسع احداً من الرعية حفظ حكم جميع الخلق الي يوم‏القيمة اذ لايحفظ حكم جميع الخلق الا صدر النبي او صدر كصدره و الاحكام بحسب قوابل العالم و الاشخاص و تتجدد بتجدد القوابل و لله البداء يقدم مايشاء و يؤخر مايشاء فلايسع احداً من الرعية حفظ احكام جميع العباد في جميع البلاد في جميع الاعصار و لايعلم احد من غير الشاهدين علي الخلق تجدد القوابل و كيفيتها و ماينبغي لها الا النبي او من هو من جنسه فوجب ان‏يكون بعد النبي9 في جميع الاعصار امام معصوم مطهر به يقوم الكون و الشرع فهو اما ظاهر مشهور او مستتر مغمور لئلاتبطل حجج الله و بيناته و الله سبحانه رءوف بعباده فان راي صلاح العالم باظهار الحجة يظهره و يظهر امره و ان راي الصلاح في خفائه يخفيه عن اعين الرعية و ان اخفاه عن اعين الرعية لم‏يخف الرعية عنه فهو الشاهد عليهم يراهم و يسمعهم و يعلم مايصلحهم و مايفسدهم و يعلم احكام الدين و يشاهد الاعصار و يطلع علي صدور العلماء الابرار و يعلم الزيادة و النقصان و هو من عند الله مامور بالبيان و قادر علي الحفظ و السوق و الدفع و ان لم‏يعاينه احد من الرعية فلا مانع له بعد الشهادة و القدرة و المامورية فالامام الحافظ واجب بعد ارتحال النبي و لولاه لم‏يعرف الحق من الباطل و لالتبس علي المسلمين امورهم البتة و شرط التصرف و الحفظ رؤيته و هي حاصلة و قدرته و هي كاملة و المامورية و هي لا شبهة فيها و اما اذا ذهب النبي و لم‏يبق حجة معصوم فلا حافظ و الناس غيرشاهدين الحقايق غيرمطلعين علي القوابل و لايعلمون

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 329 *»

الصلاح و الفساد و النبي قدرفع العناية عنهم بموته فهم كابل مهملة لاتعلم مرعاها و مشربها و مناخها و معطنها و امـا نحن اليوم فلسنا كالعامة العمياء و الحمدلله اذ لنا حافظ شاهد قادر مامور بحفظ ديننا لنا و قداستفاض بذلك الاخبار و اوردناها في كتابنا علم اليقين للاعتبار و هو المعصوم المطهر الذي لايخطي و لايسهو و لاينسي و لايلهو و اما العلماء فهم رواة و حملة لاحكام الحجة الي الخلق و رسل و نقلة كما لو كان ظاهراً  قاعداً في الكوفة او المدينة و نصب القضاة في كل بلد و بعث فقهاء الي اطراف العالم بعينه فهو يوم يكون في الكوفة ليس يراه كل اهل الارض و لايشافه كل اهل الارض و انما كان النبي9 بالمدينة و ساير الناس غيب عنه لايرونه و هو يبعث الرسل و النقلة و حملة الاخبار فيخبرون الناس فنحن اليوم مع امامنا كاهل مكة مع رسول‏الله9بلاتفاوت و كما ليس يشترط في سفراء النبي9 في عصره العصمة و ليس بناء العالم عليه والا لوجب ان‏يكون كل احد معصوماً حتي يطمئن ان اذنه ماخانته و ان فهمه مااخطأ في فهم الحكم فيكونون اذا كلهم معصومين مطهرين و ذلك غيرلازم بداهة فكما انه لايجب عصمة اذن المستمع و فهمه لايجب عصمة حامل الخبر و الاثر الي صاحبهما فكما لم‏يشترط العصمة في سفراء النبي في عصره الي الغائبين عنه ظاهراً ليس يشترط العصمة في فقهاء الشيعة مع وجود امامهم و غيبته عن اعينهم و انما الاكتفاء و الاطمينان بحفظه و نظره هذا و نحن نشترط في الفقيه ان‏يكون راوياً عنهم اصلاً او فرعاً عاماً او خاصاً و الراوي لايحتاج الا الي الصدق و لذلك اجمع الشيعة علي الاكتفاء برواية الواقفية و الفطحية اذا كان عليها قرائن الصدق نعم لو كان الفقيه يجوز له ان‏يفتي بدليل عقله وحده او برأيه و استحسانه او مصلحة يراها او غير ذلك من غير باب السمع و النطق و الرواية لوجب فيه العصمة حتي يحصل القطع بانه اصاب معني حقيقة الحق و حتي يعلم انه لم‏يغلب علي عقله جهل او الحاد او غضب او شهوة او طبع او عادة او غير ذلك و المفتي بالراي هو مدعي مقام الولاية بل النبوة بل الالوهية فانه غير مستند الي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 330 *»

غيره مستبد برأيه و علمه و لابد في الولي و النبي من العصمة و ان‏يكونا عدلاً حقيقياً و اما الحاكي الراوي فلايراد منه الا الصدق و يمكن الاعتماد علي الرواة مادام الحافظ في البين و علم صدقهم بالقراين و اما العامة فقداخطأوا من وجهين الاول عدم الاعتقاد بوجود حافظ بعد النبي9 و الثاني الاستبداد بالراي فبيننا و بينهم بعد المشرقين والحمدلله رب العالمين.

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 331 *»

المطلب الثاني

في بعض فضائلهم صلوات‏الله عليهم و ان كان لو كان البحر مداداً لكلمات ربي

لنفد البحر قبل ان‏تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مدداً، ولو ان ما في الارض

من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفدت كلمات الله ولكن 

احببت ان‏اذكر بعض ما منحنا الله من المعرفة ببعض فضائلهم صلوات‏الله عليهم

بحيث يناسب وضع هذا الكتاب و فيه مقصدان

المقصد الاول

في بعض الفضائل الكلية التي هي اس كثير من الفضائل و فيه فصول

فصـل: اعلم ان جميع ما ذكرناه في مجلد النبوة من الفضائل جارية في حقهم الا النبوة فانهم باجماع الشيعة متحدون مع النبي9 في النور و الروح و الطينة يجري فيهم جميع ما يجري في النبي الا النبوة فانها الكلمة التي اختص بها النبي9 قال الله سبحانه ان الله اصطفي ادم و نوحاً و ال‏ابرهيم و ال‏عمران علي العالمين ذرية بعضها من بعض و هم ال‏ابرهيم بنص الكتاب حيث يقول ملة ابيكم ابرهيم و هم من ابرهيم لقوله من اتبعني فانه مني و هم متبعوه لانهم علي ملة ابرهيم لقوله قل انني هداني ربي الي صراط مستقيم ديناً قيماً ملة ابرهيم و من يرغب عن ملة ابرهيم الا من سفه نفسه و قدعرفت انهم معصومون لاية التطهير فهم المتبعون لابرهيم فهم منه و اله فهم ذرية بعضها من بعض فيجري علي بعضهم ما يجري علي بعض فهم مشتركون مع النبي9 في جميع فضائله الا النبوة فلو راجعت المجلد السابق استغنيت عن تفصيلها هنا فهم مشاركون مع النبي9 في البيان و المعاني و الابواب و الامامة و القطبية الا النبوة فانها مخصوصة بمحمد9 و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 332 *»

بعض الاحكام الظاهرة يختص في ظاهر الشرع به9 و بعد ذلك هم كلهم من نور واحد و طينة واحدة و روح واحد يجري في اخرهم ما يجري في اولهم و لذلك قالوا اولنا محمد و اوسطنا محمد و اخرنا محمد  كلنا محمد فاعادتنا الكلام هنا بعد ما فصلناه في المجلد الثاني فضل ولكن سنح لنا معني اخر لحديث جابر في المعارف السبعة احببنا ان‏نذكره هنا لئلايخلو هذا المجلد ايضاً من بيانه فان فيه جل فضائلهم و هو الحديث الذي رواه جابر عن زين‏العابدين7 و هو حديث طويل و فيه المعرفة اثبات التوحيد اولاً ثم معرفة المعاني ثانياً ثم معرفة الابواب ثالثاً ثم معرفة الامام رابعاً ثم معرفة الاركان خامساً ثم معرفة النقباء سادساً ثم معرفة النجباء سابعاً و قال7 ياجابر تدري ما اثبات التوحيد و معرفة المعاني اما اثبات التوحيد فمعرفة الله القديم العامة الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيب باطن لاتستدركه كما سنذكره كما وصف به نفسه و اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده الخبر و سمي التوحيد في حديث جابر بن عبدالله عن الباقر7 بالبيان فقال يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال فقلت و ما البيان و ما المعاني قال7 اما البيان فهو ان‏تعرف الله سبحانه ليس كمثله شي‏ء فتعبده و لاتشرك به شيئا و اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد الخبر.

اعلم انا قدمنا معني هذين الخبرين علي وجه في المجلد الثاني و الذي نذكره هنا وجه اخر منه و هو ان لهم: مقامين غيب و شهادة و اجمال و تفصيل و كلية و جزئية و ذلك انه حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فجميع ماسوي ذات الاحد القديم جل شانه العظيم خلق كائناً ماكان بالغاً مابلغ حتي الاسماء و الصفات و لاجل ذلك صار كمال التوحيد نفي الصفات عنه و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 333 *»

الخلق هذا هو المعني الاعم اي المنطوي تحت الاحد و اما اذا اخذ الخلق بمعني ما تعلق به الامر سواء كان ذلك الامر نفس ذلك الخلق كما  قال الصادق7 خلق الله المشية بنفسها او غيرها كما قال ثم خلق الاشياء بالمشية فبينهما ثالث البتة و هو ما اضمحل فيه جهة الخلقية و الامرية المشاراليهما بقوله له الخلق و الامر بغلبة جهة الحق عليه و ذلك ان هذه المراتب الثلث في جميع مراتب الخلق بالمعني الاعم موجودة الا انه اذا صعد صاعداً بلغ مقاماً صار الخلقية و الامرية فيه مضمحلتين متلاشيتين فلايبقي فيه لهما عين و لا اثر فلا خلق و لا امر و انما الظاهر فيه بالفعل هو الحق و الاسماء للاعيان و مناشئ الاثار فاذ لا عين و لا منشأ اثر فلا اسم فاذا بعد عن ذلك المقام بدرجة خفي فيه الحق و ظهر فيه الامر بعينه و ليس للخلق فيه عين و لا اثر فلايسمي بالحق و لا بالخلق و انما هو امر لا غير فاذا نزل نازلاً غلب عليه جهة الخلق و ظهرت عليه بعينها و خفي فيه الحق و الامر فلا حق و لا امر بل هو خلق و ¨اية ذلك الكيان الثلثة في المولود الفلسفي حيث ان كل واحد من الروح و النفس و الجسد مركب من بخار و دخان و ملح الا ان الروح غلب عليه البخار و كمن فيه اخواه فسمي باسم الغالب و يؤثر تاثير البخار و النفس غلب عليها الدخان و خفي فيها اخواها فسميت باسم الغالب و تؤثر تاثير الدخان و الجسد غلب عليه الملح و خفي فيه اخواه فسمي باسم الغالب و اثر تاثير الملح و لاجل كون كل واحد من الطبايع الثلث في كل واحد من الكيان امكن تركيبها و تاليفها بعد تقريبها و الف كل واحد كل واحد بما فيه من جنسه فافهم و الحال هكذا في الخلق بالمعني الاعم فالوجودات الثلثة سارية في جميع مراتبه الا ان كل درجة منه يسمي باسم الغالب و يؤثر تاثير الغالب فان اخذ الخلق بالمعني الاخص من الاخص([1]) فبينهما ثالث البتة و هو الامر اذ الامر غير الخلق لقوله تعالي شانه له الخلق و الامر و ان اخذ الخلق بالمعني الاعم من الاخص([2])  فبينهما ايضاً ثالث و هو الوجود الحق و مرادنا من هذا الوجود الحق الساري غير الذات الاحدية القديمة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 334 *»

بل هو الذات في الذوات للذات و هو الثالث الذي بين الواجب و القديم الاقدم و بين الخلق بالمعني الاعم من الاخص و هذا الوجود المبارك غير الحادث و القديم الاقدم و يسمي في عرف ال‏محمد: بالقديم و الازلي و غيرالمكون و ذلك في اخبارهم مستفيض غيرمنكور فمن ياول تلك الاخبار فلياول كلامنا و من يتركها بحالها فليترك كلامنا بحاله فانا اخذنا منهم و اقتفينا اثرهم فمن تلك الاثار ما  ورد في الدعاء يا اقدم من كل قديم و في ادعية عديدة اللهم اني اسالك باسمك العظيم و ملكك القديم و في الزيارة السلام علي الاصل القديم و الفرع الكريم و في الخطبة في صفة النبي9 انتجبه في القدم علي ساير الامم و في اخري انا صاحب الازلية الاولية و في اخري كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غيرمكونين موجودين ازليين و من اسمائه سبحانه ازل الازال الي غير ذلك مما لايعد كثرة هذا و انا نصرح بان ذلك كله من الخلق بالمعني الاعم فلا ضير فلايلزمنا شرك و لا اعتقاد بتعدد القدماء و ان قلت ان الذات الاحدية اجل من ان‏توصف و ليس لها اسم و رسم و انما الاوصاف في عرصة الخلق بالمعني الاعم و قلت اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم بلغت مقاماً اعظم.

بالجملة غرضنا ان‏نبين لك ان ما سوي الحق الاحدي خلق و قدثبت بضرورة الاسلام و تواتر الاخبار و دلالة الكتاب و ادلة العقول المستنيرة ان محمداً9 لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع و انه اول الخلق و اشرفه و اكرمه و اقربه من الله جل جلاله و افضله و اسبقه بحيث انه لا نكير علي ذلك بين المسلمين اجمالاً بل من انكر ذلك اجمالاً خرج من ضرورة الاسلام و كفر بالذي انزل السبع المثاني و القران العظيم كيف لا و هو في الكتاب اول المسلمين و اول العابدين و هو خير امة اخرجت للناس و قدتواتر في الاخبار ان ال‏محمد: من نور محمد و طينته و روحه و نحن قدكتبنا في ذلك كتاباً سميناه بنعيم الابرار و قداقمنا فيه ادلة من الكتاب و السنة و الاجماع و الادلة العقلية علي ان محمداً و ال‏محمد: هم اول الخلق و اشرفه و اسبقه و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 335 *»

اقربه من الله سبحانه و سنذكر في هذا الكتاب ان شاء الله ما يكتفي به المكتفي فترقب فاذا صار محمد و ال‏محمد: اول ما خلق الله بقول مطلق فلايسبقهم سابق من الخلق و لايتقدم عليهم متقدم فمقامهم في اعلي درجات الخلق بالمعني الاعم لا ثالث بينهم و بين الله عزوجل و هم اول تجل تجلي الله به و اول وصف وصف به نفسه و اول تعريف لله عزوجل و اول شهادة شهد الله بها لنفسه فلهم في ذلك المقام اربعة مقامات بالتزييل الفؤادي حين النظر الي اثارهم و ان كانت الافئدة اقصر من ان‏تثبت فيهم التعدد في ذلك المقام الا انها تحكم للتجلي اينما كان و اينما تدركه و تميزه اربعة مقامات مقام باطن و بطون و ظاهر و ظهور و المراد بالباطن الذات الظاهرة بالبطون و بالبطون وصفها الذي ظهرت به و اتصفت و كذلك المراد بالظاهر الذات الظاهرة بالظهور و بالظهور الوصف الذي ظهرت به و اتصفت فلابد لكل تجل تام من هذه الاربع مراتب فان البطون تمام الظهور و الظهور تمام البطون و ما لم‏يكن كليات الحكمة تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و تعالي الحكيم عن ذلك و ذلك ان التجلي له حيثان حيث الي المتجلي و حيث نفسه و كونه تجلياً و من البين ان الحيث الاول اغيب من الحيث الثاني لقدس نفس المتجلي عن التجلي فهو عرصته فوق عرصة التجلي من حيث نفسه و ابطن فالحيث الاول يثبت له جهتان جهة الذات الظاهرة بكونها متجليةً و جهة المتجلي نفسه و هما الباطن و البطون لغيبوبتهما عن درك الابصار ما لم‏تظهرا و كذا الحيث الثاني يثبت له جهتان جهة الذات الظاهرة في التجلي و حيث نفس التجلي و هما الظاهر و الظهور و المشهودان بالتعلق اما الباطن فهو مقام البيان و باطن النبوة لغلبة ذلك علي محمد9 الذي هو غيب الله و باطنه العالي عن درك الابصار الذي اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء و البطون فهو مقام المعاني و باطن الولاية التي هي نفس النبوة و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 336 *»

صورتها التي بها قوامها و عليها اتكاؤها  قال هي عصاي اتوكأ عليها و اهش بها علي غنمي و لي فيها مارب اخري و قال لولا علي لماخلقتك فهو الحيوة و الباطن هو الحي و هو القدرة و الباطن هو القادر و هو الرحمة و الباطن هو الرحيم و هو الملك و الباطن هو المالك و هكذا فجميع المعاني مقامها هو البطون و الموصوف بها هو البيان الباطن و اليها الاشارة بقوله اللهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك الدعاء و بقوله اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم و الضمير راجع الي الباطن فانت اذا اردت دعوته باسم امتثالاً لقوله تعالي لله الاسماء الحسني فادعوه بها تتذكر ما شئت من المعاني كالرزق او الرحمة او غير ذلك فتتذكر الظاهر بها اي تنظر الي جهتها الي ربها فتقول يا رازق يا رحيم ثم تذكر انطواءهما و انطواء نفسك و دعائك و حاجتك تحت الذات القديمة الاحدية حتي تمتثل قوله ادعوني استجب لكم و الياء هي نفس المتكلم اي الذات الظاهرة بالتكلم فافهم و اما مقام الظاهر فهو مقام الابواب و ظاهر الرسالة و السفارة و البابية و الجناب و الحجاب و اللسان الترجمان بين الغيب و اهل الشهادة و اما مقام الظهور فهو مقام الامام و ظاهر الولاية و الخلافة قال ظاهري امامة و وصية و باطني و المراد به مقام البطون غيب ممتنع لايدرك و هو مقام خلافة الرسول و نيابته و يده و لسانه و عينه و اذنه و المؤدي عنه و المبلغ الي الرعية دعوته و الهاش لغنمه و امينه المؤدي الي كل ذي‏حق حقه و السائق الي كل مخلوق رزقه قال الصادق7 في حديث فالصورة الانزعية هي الضياء و الظل و هي التي لاتتغير في قديم الدهور و لا فيما  يحدث من الازمان فظاهره صورة الانزعية و باطنه المعنوية و تلك الصورة هيولي الهيولات و فاعلة المفعولات و اس الحركات و علة كل علة لا بعدها سر و لايعلم ما هي الا هو و يجب ان‏يعلم يا مفضل ان الصورة الانزعية التي قالت ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 337 *»

لايدرك ليست كلية الباري و لا الباري سواها و هي هو اثباتاً و ايجاداً و عياناً و يقيناً لا هي هو كلاً و لا جمعاً و لا احصاء و لا احاطة  قال المفضل قلت يامولاي زدني شرحاً فقدعلمت من فضلك و نعمك ما اقصر عن صفته قال يامفضل سل ما احببت قلت يا مولاي تلك الصورة التي رُأيت علي المنابر تدعو من ذاتها الي ذاتها بالمعنوية و تصرح بلاهوتيته قلت لي انها ليست كلية الباري و لا الباري غيرها فكيف يعلم بحقيقة هذا القول (قال) يامفضل تلك بيوت النور و قمص الظهور و السن العبارة و معدن الاشارة حجبك بها عنه و دلك منها اليه لا هي هو و لا هو غيرها محتجب بالنور ظاهر بالتجلي كل يراه بحسب معرفته و ينال علي مقدار طاقته فمنهم من يراه قريباً و منهم من يراه بعيداً يامفضل ان الصورة نور منير و قدرة قدير ظهور مولاك رحمة لمن امن به و اقر و عذاب علي من جحد و انكر ليس وراءه غاية و لا له نهاية الي ان قال قلت يا مولاي فما باطن الميم فقال7 نور الذات و هو اول الكون و مبدع الخلق و مكون لكل مخلوق و متصل بالنور منفصل لمشاهدة الظهور ان بعد فقريب و ان ناي فمجيب و هو الواحد الذي ابداه الاحد من نوره و الاحد لايدخل في عدد و الواحد اصل الاعداد و اليه عودها و هو المكنون الي ان قال فقلت يا مولاي يقول السيد انا و علي كهاتين لاادري يميناً و لا شمالاً و اقرن بين سبابتيه فقال يامفضل ليس مقدار احد من اهل العلم ان يفصل بين الاسم و المعني غير ان المعني فوقه لانه من نور الذات اخترعه فليس بينه و بين النور فرق و لا فاصل و لاجل ذلك انا و علي كهاتين اشارة منه الي العارفين ان ليس هناك فصل ولو كان بينه و بينه فصل لكان شخصاً غيره هذا هو الكفر الصراح اما سمعت قوله ان‏يفرقوا بين الله و رسله و قوله و يقطعون ما امر الله به ان‏يوصل الي ان قال فمن عرف الاشارة استغني عن العبارة و من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة الم‏تسمع الي اشارات الاسم الي مولاه([3]) تصريحاً بغير تلويح حيث يقول

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 338 *»

انك كاشف الهم مني و انت مفرج كربتي انت قاضي ديني و انت منجز وعدي ثم يكشف عن اسمه الظاهر بين خلقه فيقول انت علي الخبر ذكرته بطوله لكثرة محصوله فيما نحن بصدده فالولي في كل مقام صفة للنبي و صورة يظهر جميع ما منه منها و الموصوف يقيم الصفة مقامه في عرصة التجلي تحكي عنه و تدل عليه و تدعو اليه فالناس محجوبون عن الموصوف مبتلون بالصفة فمن توجه اليها توجه اليه و من ادبر عنها ادبر عنه و من اقر بها فقد اقر به و من جحدها فقد جحده الم‏تسمع الي اشارتها حيث يقول في خطبته و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران.

فصـل: مثال هذه المقامات العرش و الكرسي و الشمس و القمر فان العرش مقام الغيب و الباطن و التقدس عن التعينات و الحدود و التخطيطات و مبدأ المبادي و غاية الغايات و الكرسي مقام الصورة و التعين و الحدود و البروج الاثني‏عشر و اخر مقام الاجمال و اول مقام التفصيل و مقام الظاهر بالنسبة الي العرش و هما غيبان باطنان الا ان العرش اغيب من الكرسي و قدروي الصدوق في التوحيد حديثاً شريفاً فيهما بسنده عن حنان بن سدير قال سالت اباعبدالله7 عن العرش و الكرسي فقال ان للعرش صفات كثيرة مختلفة له في كل سبب وضع في القران صفة علي‏حدة فقوله رب العرش العظيم يقول الملك العظيم و قوله الرحمن علي العرش استوي يقول علي الملك احتوي هذا ملك الكيفوفة في الاشياء ثم العرش في الوصل منفرد عن الكرسي لانهما بابان من اكبر ابواب الغيوب و هما جميعاً غيبان و هما في الغيب مقرونان لان الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منه الاشياء كلها و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحد و الاين و المشية و صفة الارادة و علم الالفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدء فهما في العلم بابان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 339 *»

مقرونان لان ملك العرش سوي ملك الكرسي و علمه اغيب من علم الكرسي فمن ذلك قال رب العرش العظيم اي صفته اعظم من صفة الكرسي و هما  في ذلك مقرونان قلت جعلت فداك فلم صار في الفصل جار الكرسي قال صار جاره لان علم الكيفوفة فيه و فيه الظاهر من ابواب البداء الخبر اقول لما كان هذا الخبر من اخبارهم الصعبة لا باس بالاشارة الي معناه بقدر ما نعرفه منه بفضلهم و جودهم.

فاعلم ان للعرش و الكرسي مقام وصل و مقام فصل اما مقام وصلهما فالعرش و الكرسي هما تمام الملك الا ان العرش جهته الي ربه و حيث فعليته و الكرسي جهته الي نفسه و حيث مفعوليته فالعرش ايته السموات و الكرسي ايته الارض و هما اخوان بل هما شي‏ء واحد منظراً مخلوق بنفسه و ان كانا شيئين مخبراً فلاجل ذلك صار العرش اغيب من الكرسي و علمه الطف و اغيب و هو منه كالروح من الجسد و المعني من اللفظ و القدر في العمل فالعرش هو ملك كيفوفة الايجاد للاشياء كما ان كيفوفة جميع الحروف في حركة يدك الا انها خفية و ظهورها في الحروف و اما كون الكرسي مطلع البدع و منه الاشياء كلها فانهما معاً بالنسبة الي ما دونهما مقام المشية و هما المشية المخلوقة بنفسها الا ان العرش مقامه مقام النفس التي خلقت المشية من حيث نفسها و هي الكرسي بها فالكرسي هو الذي منه يظهر جميع الاشياء كما روي عن النبي9 ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم فالعرش هو الف الاختراع و الكرسي هو باء الابداع و مواد الاشياء من العرش و صورها من الكرسي فهما كالحركة و صورة الحركة و مرجع الحروف الي صورة الحركة و دلالتها عليها فلاجل ذلك قال ان الكرسي مطلع البدع و منه الاشياء كلها و اما كون العرش هو الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحد و الاين و المشية و صفة الارادة فانه في الخلق الاول اي العرش و الكرسي معاً حيث كانا شيئاً واحداً خلق([4]) بنفسه مقام المشية و الفعل فهو في خلق الكرسي مشية و ارادة و قدر و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 340 *»

قضاء ففيه علم كيفية الايجاد و التكوين بالنسبة الي الكرسي و اما علم الالفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدء فالمراد بالالفاظ لفظ كن و ساير الاوامر الكونية و الحركات و الترك هي الافعال فان الفعل هو الحركة الايجادية و اما علم العود و البدء فيه فانه الذي منه البدء و اليه العود اذ هذا صفة الفعل المتعلق بالمفعول الذي هو شعاعه و نوره و اثره و علي صفته هذا مقام وصلهما و اما مقام فصلهما فهو الفلك التاسع و الثامن ففي الفصل صار الكرسي جار العرش لان العرش في الفصل اية العرش في الوصل و الكرسي فيه اية الكرسي في الوصل و صار جاره لان صدور علم الكيفوفة من العرش و ظهوره من الكرسي علّمه علمه و جعله باب مدينته فمن اراد المدينة فليأتها من بابها و مرجع الاثار جميعاً الي الكرسي و ظهورها منه كما عرفت و تري و صار علم العرش اغيب من علم الكرسي لان العرش مبدأ المواد و الكرسي مبدأ الصور فلو تدبرت فيما شرحنا و بينا علي سبيل الاشارة لعرفت منه الباطن ان شاء الله.

فهما اية باطن النبوة و الولاية و مقام البيان و المعاني من حيث الائية و الوصفية لله لا من حيث الفعلية فالعرش مقام البيان و الكرسي مقام المعاني و العرش مقام الباطن و الكرسي مقام البطون كما عرفت و اما مثل ظاهر النبوة و الولاية فالشمس و القمر فالشمس مقام ظاهر النبوة و اية العرش في الظاهر و قطب الافلاك و باب الابواب و باب الباب و جناب الجناب و اما القمر فهو مقام ظاهر الولاية و اية الكرسي في الظاهر و خليفة الشمس قال الله سبحانه والشمس و ضحيها و القمر اذا تليها فعن ابي‏عبدالله7 الشمس رسول الله به اوضح الله للناس دينهم و قال في القمر اذا تليها ذلك اميرالمؤمنين تلا رسول الله و نفثه بالعلم نفثا الخبر فهذان المقامان بالنسبة الي المقامين الاولين جزئيان فالشمس مقام انا بشر مرئي محسوس مثلكم نوعاً و انما الفرق بيني و بينكم انه اوحي الي و القي في روعي و هو اعلي اذكاري انما الهكم اله واحد و قداوحي هذا الوحي الي الكرسي لما القي في روعه من العرش فهذا الوحي حكاية الكرسي لي عدم استقلاله عند العرش و كونه عبداً من

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 341 *»

عبيده فانه باقراره له بالعبودية و الاضمحلال ظهر عليه كنهه فحكي لي ما ناله من العرش قال ابوعبدالله7 الشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي و الكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش الخبر فنور الشمس مكتسب من نور الكرسي و ما اوحي اليها من النور فقد اوحي اليها بواسطة الكرسي و ان كان الكرسي اخذاً من العرش فهو مغترف من بحر العرش مفرغ في الشمس ثم تؤدي الشمس ما القي اليها الي القمر و تنفثه مما علمت نفثا و ما لم‏ينطفئ نور الشمس الحار اليابس في بحر فلك القمر البارد الرطب ثم يصل الي الارض ماتحملته ابداً و لولا فلك القمر بينها و بين الارض لاحرقت سبحاتها ما انتهي اليه بصرها من الارض و ذلك من ايات الله التي اراها خلقه في الافاق و كم من اية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون فهما جزئيان بالنسبة الي العرش و الكرسي فالشمس مقام الرسالة و السفارة بين الكرسي و بين اهل الارض و مقام بشرية الرسول و القمر مقام الامامة و الوصاية و الخلافة و تليها في الانارة اذا غابت.

فتلخص من ذلك ان البيان مقام باطن النبوة و المعاني مقام باطن الولاية و الابواب مقام ظاهر الرسالة و الامام مقام ظاهر الخلافة و ان كان تتحقق هذه المراتب في كل واحد من الحجج كما بينا و شرحنا في الجلد الثاني في النبوة فما ورد من الفضائل الظاهرة و كمال العبودية فهو في ظاهرهم و ما ورد من الفضائل الباطنة و خصال الربوبية فهو في باطنهم و الحكيم يصدق بجميعها و يضع كل واحدة مقامها نزلونا عن الربوبية و قولوا في فضلنا ما شئتم و لن‏تبلغوا.

فصـل: و لهم مقام خامس و هو مقام القطبية و النور النازل من سماء وجودهم الي ارض جودهم و الودق الخارج من سحاب رحمتهم الي البلاد الميتة المحيي لها فهم سلام الله عليهم في مقام القطبية يظهرون بلباس الرعية بين ظهرانيهم فهم كعبة الاتقياء و الوجه الذي يتوجه اليه الاولياء و المهوي الذي يهوي اليه افئدة الناس ليقضوا تفثهم و ليوفوا نذورهم و الحجر الذي يؤدي اليه الامانة و يتعاهد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 342 *»

عنده الميثاق ليشهد لهم بالموافاة اذ هو الشهيد عليهم من انفسهم قال تعالي لقد جاءكم رسول من انفسكم و قال يوم نبعث في كل امة شهيداً عليهم من انفسهم و جئنا بك شهيداً علي هولاء فهم في مقام كونهم من انفس الخلق و من اخوانهم كعبة الانام و قبلة الاسلام في جميع الايام ينبغي ان‏يشد اليهم الرحال و يفد اليهم افئدة الرجال و ينفر اليهم الطوائف ليتفقهوا في الدين و يشهدوا منافع لهم و يذكروا الله في ايام معلومات صلوات الله عليهم فيروه فيهم و يعبدوه بعبادتهم و يطيعوه بطاعتهم فهم في هذا المقام قائمون مقام الله في الاداء من راهم فقد راي الحق فهم في هذا المقام بمنزلة الروح البخاري الذي هو في الجسمانية من نوع الاعضاء مماثل لها و انما الفرق بينه و بينها انه يوحي اليه ان الروح الملكوتي هو الواحد المتفرد في ذاته و هو اولي بالروح و الاعضاء و ما لها و منها و اليها فهو الحي العليم القدير السميع البصير المحس المدرك وحده وحده  و جميع ما للجوارح و المدارك كله منه و هو اولي به لا شريك له و ان كل حركة و سكون و فعل و عمل في الاعضاء فهو له و منه و اليه لا شريك له من الجوارح و الاعضاء و الالات و الادوات بوجه من الوجوه و انه هو مقصود الاعضاء و مطاع الجوارح لايجوز لاحد من الاعضاء التوجه الي غيره و طلب سواه ابداً ابداً و يوحي اليه جميع رضاه و غضبه و محابه و مساخطه و امره و نهيه لايطلع علي ذلك كله احد من الاعضاء دونه الا بوساطة الروح البخاري فهو الترجمان و السفير بين الاعضاء و بين الروح الملكوتي فهو لهم باب المراد و قبلة العباد و كعبة الوفاد يتوجهون اليه من اطراف البلاد فمن كان متصلاً به حيي و حفظ عن الفساد و من انفصل عنه فسد و هلك و باد فكل ما بيد الاعضاء من خير و نور و حس و شعور و قدرة و قوة و حيوة فهو منه و اليه ان ذكر شي‏ء من ذلك فهو اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و كل ما كان فيها من نقص و شر و ثقل و موت و جهل و عجز فهو منها و اليها و هي احق بها و معني هذا الوحي و الترجمة خفي يجب التنبيه عليه و هو ان الروح البخاري لما خلص عن شوائب الاكدار و جانب الاغيار و تمحض في الروح الجبار ظهر من كنهه ما استجن فيه من مثال الروح الملكوتي و اشتعل في زيت وجوده حتي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 343 *»

اشرق و انار فصار كالسراج المنير بين الديار و استضاء فاشرق لمن استنار فادي ما حمل و ظهر بما جبل عليه فكان خليفة تلك النار و سمي باسمها بين اهل الاسرار و شرح ذلك اميرالمؤمنين7 حين اجتاز به يهودي و هو يتكلم مع جماعة فقال يا ابن ابي‏طالب لو انك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شان من الشان قال7 و ما تعني بالفلسفة اليس من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجوداً بما هو انسان دون ان‏يكون موجوداً بما هو حيوان فقد دخل في باب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغير فقال الله اكبر يا ابن ابي‏طالب لقد نطقت بالفلسفة جميعها في هذه الكلمات صلوات الله عليك انتهي و لما كان بناء هذا الكتاب علي العلم احب ان‏اعنون فصلاً مستقلاً لشرح هذه الكلمات الشريفة ليتبين مراده صلوات الله عليه.

فصـل: اعلم ان الله كان في قدس كماله و عز جلاله و بهاء جماله اذ لا كان و هو ذات احدية مهيمنة علي كل متوحد و متكثر فتجلي بكينونة ازلية متوحدة متفردة ليس لها حد محدود و لا نعت موجود و لا اجل ممدود و لا غاية موصوفة و لا نهاية معروفة فهي كينونة فعلية كاملة فاحدث بها مشية بنفسها و هي كمال فعلي لا ترقب فيها فجعلها مبدأ المبادي و غاية الغايات و مكملة جميع النواقص و مرجحة جميع القوي المستجنة في الامكان فاخرج بها بدايع الاكوان و الاعيان و اول ما ظهر منها نور شعشعاني اضاء له قوابل الامكان و اول ما استضاء به قابلية العقل الكلي و هو الباكورة في جنان الصاقورة و القلم النابت في اجمة الجبروت فقال له اقبل الي قبول امري و مطاوعة حكمي و الانوجاد بايجادي فاقبل و اطاع فهذا الاقبال مساوق لخلقه فهو منه كالانكسار عند الكسر فلما كمل وجوده و تم شهوده قال له ادبر و المراد من هذا الادبار توجهه الي الاشراق و الانارة علي جميع

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 344 *»

ما دونه الذي تحقق بنفس ادباره اي نفس المراتب الدانية نفس نوره المشرق و شعاعه المتالق و كلما كان يحدث من انارته رتبة كان يحتجب بها عنها كما قال روحي له الفداء تجلي لها بها و بها امتنع منها فكان الداني لاجل حجبه اياه دار قوة و استعداد لظهوره و ابراز نوره يعني كان يمكن في حقه التلطف و التصفي حتي يرق حجابه و ينهتك استاره حتي ينكشف اسراره و كان يمكن عدم ذلك اذا اخلد الي الارض و اتبع هواه و ادبر عن مولاه و كان هكذا ديدنه في النزول الي ان بلغ ارض هذا العالم اي طبايع العناصر فصارت دار قوة و استعداد لظهور انوار العقل و بدو اسراره فكل عال بالنسبة الي الداني صوريّ ملكي اي فعلية خالية من قوي ما دونه كما  قال روحي له الفداء حين سئل عن العالم العلوي صور عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و خلق الانسان ذانفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها و ان اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد انتهي و سينحل عقد هذا الخبر في هذا الفصل ايضاً ان شاء الله فكل عال صوري بالنسبة الي الداني و المراد بالصورة الفعلية نظراً الي ان المادة امكان صالح فهي دار قوة و استعداد لظهور نور العالي فاذا  ظهر عليها و تصور بها فهي اي تلك الصورة فعلية دانية حاكية عن الفعلية الاولي كثيفة مصبوغة بصبغ تلك الهوية و ليس الفعلية الاولي عين الفعلية الثانية فلاتغلط فان الفعلية الاولي فعلية غيرمتكثفة بكثافة هوية الدنيا و تكثرها و مثلهما كحبة فعلية زرعتها فغابت في الساق النابتة و صارت بالقوة ثم عادت بالفعل متكثرة في سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فالفعلية الدانية ظهور الفعلية الاولي في القوابل الدانية المنصبغة بصبغها المكتسبة منها من صفاتها و هذا الريع هو غاية الزرع و هذه الاكتسابات هي غاية النزول و الصعود فالعالي بالنسبة الي الداني صورة فعلية ساذجة متوحدة فلما تنزلت الي المادة الدنيا غابت فيها و استجنت بنورها و ظهورها لا بنفسها فهي في درجة علوها محفوظة و لولاها لانقطع الداني عن المبدأ.

فلما نزل العقل علي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 345 *»

ما بينا و شرحنا الي طبايع هذا العالم ناداه ربه بلسان جواهر اوائل العلل و هي التي لم‏يمت العقل فيها و يشرق منها انواره و هي هنا السموات ان اقبل و هذا النداء هو النور المشرق من السموات المتنبهة المنبهة لرواقد القوي الراقدة في مراقد الطبايع فقامت تصعد درجة بعد درجة نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً و تم ظاهر الولد فلما حصل فيه الاعضاء و الجوارح بعد تفصل الاخلاط و حصل له معدة و كبد و قلب و وصل اليه الغذاء و ورد معدته و صار كيلوساً بالانحلال المناسب و تميز منه الطراطير العكرية و ان كانت قليلة جداً لان الغذاء دم مصفي و نزل من المعدة الي الامعاء خرج الصافي اللطيف منها الي الكبد فانحل ثانياً فيها انحلالاً طبيعياً مناسباً له و تميز منه الطراطير العكرية الطبيعية ماءاً و نزل الي الكلية و المثانة و دهناً و نزل الي المرارة و ملحاً و نزل الي الطحال و بقي الجوهر الصافي الخالص عن شوائب الاكدار الهبائية و الطبيعية و ذهب الي قلبه فانحل هناك انحلالاً ثالثاً جوهرياً و صعد منه بخار لطيف هو خلاصة خلاصة خلاصة الغذاء الواصل اليه و بقي عكره في اسفل القلب و اندفع الي الاوردة و هذا البخار هو المشاراليه بقوله من اعتدل طباعه صفا مزاجه فاعتداله الكامل بان صار فيه جزء من الحرارة و جزء من البرودة و جزء من اليبوسة و جزءان من الرطوبة و صفاء مزاجه من تلك الطراطير العكرية الغليظة الحاجبة بينه و بين الروح الملكوتية و هو قوله بها احتجب منها و انما صفا المزاج باعتدال طبعه لانه اذا اعتدل قوي دافعته فدفعت عن نفسه الاعراض و الغرائب الطرطيرية فهو من اول الامر معتدل و باعتداله يدفع عن نفسه الاعراض في كل درجة و كمال اعتداله يظهر في البخار فاذا صفا مزاجه قوي اثر النفس الوحدانية الصورية الملكية فيه يعني تنبه ماكان فيه راقداً من اثر النفس و نورها و مثالها الذي كان فيه و ذلك المثال هو جهته الي ربه فانه صفا مزاجه و استعد و عمل فيه حيوة الام الفعلية و حيوة الافلاك الواصلة اليه بواسطة اشعتها الملقاة علي الارض فقوي ضعف ذلك المثال و تنبه راقده فقام و اشتعل في ذلك الدخان و البخار الصافي فصار حياً دراكاً متحركاً مريداً فاذا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 346 *»

بلغ هذا المبلغ سما الي ما يرتقيه اي علا  الي مقام يرتقيه بقوة جذب النفس اياه اليه و سموّه اقباله و اجابته دعوة الداع اذا  دعاه بالاقبال اليه فان الاشياء تنجذب الي مشاكلاتها و تميل اليها فان المشاكل القوي يقوي ضعف المشاكل الضعيف فيصير حيزه حيزه فيميل اليه فلما كان ميله بتقوية القوي كان انجذاباً فاذا سما الي ما يرتقيه و يمكنه السمو اليه تخلق بالاخلاق النفسانية و استحال الي طبعها و انتشأ منه اثار كما تنتشئ من النفس فينظر الي مؤثره و يتصور بصورته و يتصف بصفته علي معني قوله7 تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فحينئذ يصير موجوداً بالروحانية دون ان‏يكون موجوداً بالبخارية فيكسوه الروح الملكوتية حلة اسمه و حده فيدعي روحاً مثله و ينشأ عنه الاثار الروحانية فيصير سميعاً بصيراً ذائقاً شاماً لامساً مريداً متحركاً كالروح الملكوتية فيدخل في الباب الملكي الصوري و يصير روحاً بالفعل فان الملائكة فعليون عالون عن القوة و الاستعداد ليس لهم ترقيات و انقلابات و لذلك قال7 و ليس له عن هذه الغاية مغير فانه حينئذ صورة فعلية لاتقبل غير ما هي عليه الاتري ان الصفرة صفرة ابداً لايمكن ان‏تكون غير صفرة و انما المتغير و القابل للتغير هو الاصفر فيزول عنه الصفرة و يلبس لون الحمرة و اما الصفرة فلاتكون الا صفرة ابداً و كذلك حال الملائكة فالملك هو هو علي ما هو عليه لايزول و لايحول فمنهم قيام لايركعون و منهم ركوع لايسجدون و منهم سجود لايقعدون فاذا تخلق البخار باخلاق الروح الملكوتي دخل في باب الملكي الصوري فان النفس ملكية صورية فاذا صار ملكياً صورياً لم‏يكن له عنها مغير فثبت علي ما هو عليه و يظهر من ذلك ان الانسان في التغير و التبدل مادام متعلقاً بالمواد ذوات القوة و الاستعداد فاذا للدواعي فيه نصيب يجذبه كل داع الي شكله فهو تبع كل ناعق يميل مع كل ريح لامرنهم فليغيرن خلق الله، دعوتكم فاستجبتم لي فلاتلوموني و لوموا انفسكم و اما اذا دخل في الباب الملكي الصوري ليس له عنه مغير يسبحون الليل و النهار لايفترون، لايعصون الله ما امرهم و يفعلون مايؤمرون فيعتصمون بعصمة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 347 *»

الله و يكونون معصومين ان المتقين في مقام امين، الا ان اولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، فوعزتك لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين، ان عبادي ليس لك عليهم سلطان قال الله سبحانه و ماجعلنا اصحاب النار الا ملائكة اي ماجعلنا اصحاب القائم نار الله الموقدة علي الكفار الا ملائكة لانهم معتصمون بعصمة الله و من يعتصم بالله فقد هدي الي صراط مستقيم فهم ملائكة لايعصون الله ما امرهم امامهم و هم بامره يعملون.

فصـل: كما مثلنا لك في البخار و الروح الحيوانية يجري الامر في الروح الحيوانية و النفس الانسانية الكونية التي بدو تعلقها عند تولد الولد التولد الدنياوي حرفاً بحرف الا ان تلك التصفية تجري في الدماغ و كما يكون الامر فيهما كوناً يكون الامر في الانسان الشرعي فاذا اعتدل طباع الانسان الكوني صفا مزاجه ثم قوي اثر النفس الناطقة القدسية فيه فسما الي ما يرتقيه فتخلق باخلاقها فدخل في الباب الملكي الصوري فاطمئن و رضي و ارتضي و دخل في عباد الله المأيوس عنهم الشيطان و دخل الجنة دار القرب و الكرامة و دار السلام.

و الاشارة الي ذلك علي نحو الاجمال ان الله سبحانه ذات فعلية لاتترقب لنفسها حدوث كمال و لاتنتظر لوجهها تجدد جمال بل هي علي ما هي عليه ازلاً  و ابداً و قدذكرنا انها اول ما تجلت تجلت بكينونة متوحدة متفردة ازلية و هي الكمال الذي لانقص فيه و النور الذي لا ظلمة فيه و الحق الذي لا باطل فيه و الثابت الذي لا انقطاع له ثم تجلت بها بالمشية بنفسها و خلق بها الامكان الراجح و هو هي ثم خلق بها الامكان الجايز و اكوانه علي ترتيب مذكور في محله و جميع هذه التجليات من مراتب الخلق اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما.

و له مقامان اذ مرة تنظر اليه من حيث الرب و هو عند ملاحظة سر الاحدية النافذة في كله الطاوية له و هو المشاراليه بقوله7 ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك و بقوله لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيه صوت الا صوتك و بقوله

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 348 *»

مارايت شيئاً الا و رايت الله قبله او معه و بقوله لنا مع الله حالات هو فيها نحن و هذا النظر يحصل لك بمعرفة الاحدية و طيها ما سويها  طي الامتناع اولاً ثم التوجه الي الاشياء من حيث المثال الملقي في هويتها و لاتزعمن ان هذا المثال منفصل عن الذات انفصال الشبح عن وجهك او متصل بها اتصال الشبح بوجهك نعوذ بالله بل هو مثال كائن غيرمكون بفعل و لا حادث بحركة و هو مقامه سبحانه الذي لا تعطيل له في كل مكان يعرفه به من عرفه لا فرق بينه و بينه الا انه مضاف الي جهة اضافته و هو جهة اضافته و لا بيان فوق ذلك فانه سر مبهم و رمز منمنم لايجوز الافصاح به بل لايمكن التعبير عنه و من عرف هذا المثال من العبيد فقدبلغ اقصي مقام التوحيد و اعلي درجة التفريد.

و مرة تنظر اليه من حيث انه هو هو فتري امكاناً و اكواناً و اعياناً كلاً  في مقامه و حده و اقصي مراداتنا من الوجود الشرعي هو ما تراه بالنظر الاول و هو مقدم علي الوجود الكوني بما لا غاية له و لا نهاية و هذا هو الذي يعبر عنه بان الوجود الشرعي روح الوجود الكوني فلما خلق الله الاكوان احتجب ذلك الوجود الشرعي بها عنها و هي تاويل قوله تعالي وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون الله و هو غاية الغايات و نهاية النهايات فلما عمر الله ديار الاكوان و زين بلاد الاعيان اصطفي من بينها اكواناً كان ذلك الوجود فيهم مشهوداً بالفعل فحلاهم بتحليته و علاهم بتعليته و جعلهم سماوات افاضاته و مبادي امداداته و هم الذين لم‏يغلب عبوديتهم الربوبية و لم‏يحجب انوارهم ظلمات الطبيعة و لم‏يغط كثرتهم سر الاحدية و كان زيت انيتهم مشتعلاً بنار الهوية و حديدة قابليتهم محماة بحرارة الالوهية تجلي الله لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله بلا تكلف فجعلهم القائمين مقامه في الاداء و خلفاءه في عرصة الاكوان و الانشاء و جعلهم ترجمان وحيه و السنة ارادته و وجهه الذي لايفني و هيكله الذي لايبلي و جعل نفوسهم علي هيئة محبته و طباعهم علي صفة ارادته فمايشاءون الا ان يشاء الله لانه جعل مشيته في مشيتهم و ارادته في ارادتهم و محبته في محبتهم و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 349 *»

رضاه في رضاهم و اخلاقه في اخلاقهم و صفاته في صفاتهم و جعلهم جهة اضافته و اقترانه في كل باب و جعلهم له لا  لهم من المبدء الي الماب فاقامهم بين ظهراني العباد فانطقهم بما احب و رضي في البلاد و دعوا الرعية الي ما انفسهم عليه من الصفات ان كنتم تحبون الله فاتبعوني و لم‏ينطقوا الا بما جبلوا عليه و كانوا فيه و ما احبوا و استحسنوا و هو الشرع المبين و الدين المتين فقد روي عن ابي‏عبدالله7 ان الله عزوجل ادب نبيه علي محبته فقال انك لعلي خلق عظيم ثم فوض اليه فقال عزوجل و ما اتاكم الرسول فخذوه و مانهاكم عنه فانتهوا و قال عزوجل من يطع الرسول فقداطاع الله ثم قال و ان نبي الله فوض الي علي و ائتمنه فسلمتم و جحد الناس فوالله لنحبكم ان‏تقولوا اذا قلنا و تصمتوا اذا صمتنا و نحن فيما بينكم و بين الله عزوجل ماجعل الله لاحد خيراً  في خلاف امرنا و عن زرارة قال سمعت اباجعفر و اباعبدالله8 يقولان ان الله عزوجل فوض الي نبيه امر خلقه لينظر كيف طاعتهم ثم تلا هذه الاية ما اتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و عن ابي‏عبدالله7 ان الله عزوجل ادب نبيه فاحسن ادبه فلما اكمل له الادب قال انك لعلي خلق عظيم ثم فوض اليه امر الدين و الامة ليسوس عباده فقال عزوجل ما اتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و ان رسول‏الله9 كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح‏القدس لايزل و لايخطي في شي‏ء مما يسوس به الخلق فتادب باداب الله الخبر تفكر في هذه الاخبار و اعرف لحن سادتك الاطهار فان المراد بتاديبه تسليط نار الربوبية علي زيت وجوده و المراد بتادبه و استكماله اشتعاله بتلك النار و صيرورته ظاهر الجبار فقال له انك لعلي خلق عظيم ثم اذن له في الاشراق و الانارة في ظلمات القوابل فان شئت قل فوض اليه امر الدين علي ما عرفت و ان شئت قل ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي، ولو تقول علينا بعض الاقاويل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 350 *»

لاخذنا منه باليمين، ان اتبع الا ما يوحي الي فلا منافاة و ان كتاب الله المجيد اجل و اعظم من ان‏يكون فيه اختلاف و ليس المراد بالتفويض تفويض انقطاع عن الله عزوجل نعوذ بالله فذلك كفر في التكوين و التشريع بل هو تفويض اظهار و ابراز و هو ايمان فيهما وعلي الحالين هو الله المتفرد بالايجاد و التشريع لا شريك له و عن جابر قال قـال رسول‏الله9 ان الله خلق السموات و الارض دعاهن فاجبنه فعرض عليهن نبوتي و ولاية علي بن ابي‌طالب7 فقبلتاهما ثم خلق الخلق و فوض الينا امر الدين فالسعيد من سعد بنا و الشقي من شقي بنا نحن المحللون لحلاله و المحرمون لحرامه و عن محمد بن سنان قال كنت عند ابي‏جعفر7 فذكرت اختلاف الشيعة فقال ان الله لم‏يزل فرداً متفرداً في الوحدانية ثم خلق محمداً و علياً و فاطمة:فمكثوا الف دهر ثم خلق الاشياء و اشهدهم خلقها و اجري عليها طاعتهم و جعل فيهم ما شاء و فوض امر الاشياء اليهم في الحكم و التصرف و الارشاد و الامر و النهي في الخلق لانهم الولاة فلهم الامر و الولاية و الهداية فهم ابوابه و نوابه و حجابه يحللون ما شاءوا و يحرمون ما شاءوا و لايفعلون الا ما شاء الله عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فهذه الديانة التي من تقدمها غرق في بحر الافراط و من نقصهم عن هذه المراتب التي رتبهم الله فيها زهق في بر التفريط و لم‏يوف ال‏محمد حقهم فيما يجب علي المؤمن من معرفتهم ثم قال خذها يامحمد فانها من مخزون العلم و مكنونه و في حديث كامل عن الحجة7 جئت تسأله عن مقالة المفوضة كذبوا بل قلوبنا اوعية مشية الله فاذا شاء شئنا و الله يقول و ماتشاءون الا ان‏يشاء الله ثم رجع الستر الي حالته فلم‏استطع كشفه الخبر و هولاء سلام‏الله عليهم هم سموات الجود و افلاك افاضة المعبود جل و عز فهم ايدي مشيته و اكمام ارادته و نجوم هدايته فاشرق من شمس وجودهم انوار

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 351 *»

التشريع و الهداية يعبر عنها بـصلوا و صوموا كما يعبر عن المشية الكونية بـكن و كما انه لا لفظ هناك و لا صوت و انما هو صرف تعبير في عالم الالفاظ كذلك لانوارهم حقايق خارجية يعبر عنها في هذا العالم بـصل و صم و حج ولكن مرادنا من تلك الانوار انوار خارجية و تكميلات نفسانية حالية الاتري انك بمجاورة الجواد يتقوي ما فيك من الجود و يضعف ما فيك من الشح و لعله لا لفظ بينكما و لايقول ابداً لك جد بما تجد ولكن يشرق عليك لطيفة جوده الغالب و يقوي ما فيك من صفة الجود ضعيفاً فينتعش صريعه و يقوم فيعبر عن ذلك الاشراق بقول جد و عن تلك التقوية بقول التاييد و التسديد و عن التقوي و القيام بالصفة الامتثال و قول بلي فافهم ذلك فانه اصل في كل باب.

و لما كان وجود المبدأ الاول هو الكامل في جميع جهات الجمال و الاعتدال و المتصف باوصاف الله بالفعل و لطيفته في جميع وجوه الكمال غالبة فاضلة اشرق من جميع وجوه كمالاته نور شعشعاني وجودي علي ارض قوابل الاستعدادات الكونية فمنهم من انفعل دون جهة من جهات تلك الانوار و منهم من انفعل دون جهتين و منهم من انفعل دون ثلث جهات الي ان منهم من انفعل دون جميع جهات انوارهم فتقوي و تكمل و خرج تلك الجهات من كمون قابليته الكونية الي عرصة الوجود و ذلك النور الشعشعاني هو نداء اقبل الشرعي و نداء الست بربكم و محمد نبيكم و علي و احدعشر من ولده و فاطمة الصديقة اولياءكم الستم توالون اولياء الله و تعادون اعداء الله الاتصلون الاتصومون الاتزكون الاتحجون الاتجاهدون في سبيل الله اعداء الله وهكذا الي اخر الشرايع و الاحكام و الحلال و الحرام و الرواجح و المرجوحات بل المباحات فصارت القوابل بين مجيبة و منكرة و مسرعة و مبطية من جهة و من جهات و بذلك حصل الاختلاف بين الناس بعد ما كانوا مؤتلفين في امكان القبول و عدمه فمنهم شقي و سعيد اما الذين شقوا ففي النار و اما الذين سعدوا ففي الجنة و ذلك قوله تعالي كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين الاية و لم‏يقبل تلك الاوامر و لم‏يُقبل الا من اعتدل طباعه و صفا مزاجه حتي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 352 *»

قوي اثر النفس فيه و هي ذلك النور المشرق فسما الي ما يرتقيه فتخلق بالاخلاق النفسانية و صار موجوداً بما هو انسان و هو ذلك النور المشرق و استهلك فيه جهة الانية دون ان‏يكون موجوداً بما هو حيوان فيضمحل فيه اثر ذلك النور و يستقل اثر الماهية عليه فاذا صار موجوداً بذلك النور دخل في باب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغير كما  قال و لامرنهم فليغيرن خلق الله و لانه من المخلصين الذين قال ابليس في حقهم لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين و جميع ارسال الرسل و انزال الكتب و بعث الاولياء لاجل تكميل الناقصين علي ما بينا و شرحنا و هذه الصورة المستخرجة من كمون امكان الاكوان هي الوجود الشرعي المركب من مادة و صورة مادته مس نار اشراق ذلك الوجود الكامل و صورته انفعال زيت قابلية الكون فيخرج شعلة المؤمن علي صفة زيت قابليته و اثر نار وجود الكامل فافهم و تدبر و كذلك ينفعل قوابل المؤمنين باثر كمال اعلي ثم ينفعل قابليته باثر كمال اعلي و لا غاية له و لا نهاية لان وجود الكامل الاول الذي هو مشية الله الشرعية لانهاية له في الكمال و لا غاية كلما وضعت لهم حلماً رفعت لهم علماً ليس لمحبتي غاية و لا نهاية بالجملة قدطال الكلام مع انا لم‏نكن بصدد بيانه فتدبر.

و قدتبين بعد هذا التطويل كيفية الوحي من العالي الي الداني و انه من باب الاشراق و القاء المثال فالروح البخاري يقول للاعضاء انما انا بشر مثلكم في الجسمية و التركيب و الفرق بيني و بينكم انه اوحي الي بالاشراق و القاء المثال ان الروح الملكوتي الذي هو مربيكم و مدبر اموركم واحد و قدعرفت ان ذلك الوحي هو نار حيوة اشتعلت في دخان الروح البخاري الصاعد من زيت الدم الاصفر في مسرجة القلب فافهم.

فصـل: ان في مقام القطبية لهم صلوات‏الله عليهم بعض خصايص يجب علي مثلي اظهارها و بيان ما فيها و ابراز خوافيها لان بعض الطلبة المبتدئين لما سمعوا مني و من مشايخي اعلي‏الله مقامهم بعض فضائلهم: لم‏يعرفوا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 353 *»

مراتبهم و لم‏يضعوا كل شي‏ء في حده و مقامه و اتوا بما يخالف الاخبار و صريح الاعتبار فغلوا في حق بعض مراتبهم بوضع الشي‏ء في غير محله و ذلك انك لو وصفت جسمهم بصفات عقلهم لغلوت في حق جسمهم و ان كان لعقلهم ذلك الفضل و الكمال ولكن جسمهم ليس في ذلك الحد و فرق بين جسمهم و عقلهم البتة و ليس من المحبة و الاقرار بالفضائل ان‏يثبت الانسان لاعراضهم ما هو حق لجواهرهم و يقول في اجسامهم بما هو حق لعقولهم فالحكيم من يضع كل شي‏ء موضعه و يقول في كل بحسبه و ان كنت استهدفت لاولئك الطلاب نفسي حيث انشأت هذا الفصل و ان لم‏ينسبوني جهلاً الي تقصيري فينسبوني هنا الي التقية لامحه ولكن علي بيان الحق من الباطل و شرح كل مقام علي ما هو عليه.

فاعلم ان هذا الجسد العنصري قدتالف من عناصر هذا العالم الجسماني المحسوس بالموازين الكمية و الكيفية بدوران الافلاك و طرح الشعلات و الانوار المحركة المحيية المربية للسفليات فتالف الجسد من هذه العناصر غذاء ثم كيموساً ثم كيلوساً علي الترجمة الجديدة ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم لحماً ثم انشاء خلق اخر ثم جنيناً ثم وليداً ثم طفلاً مغتذياً بفمه الي ان كبر و مقتضي هذا البدن العنصري ان‏يكون كساير المواليد العنصرية التي تولدت منها  فهو بدن زماني له طول و عرض و عمق و كمية و كيفية و هو في جهة و في رتبة و في وقت و في مكان و في وضع و في اجل و في كتاب علي مقتضي عالم الاجسام و له احناء و جوارح و اعضاء و وجه و ظهر و هو بدن شخصي مادي بالفعل لايمكن ان‏يكون من حيث واحد ذاحدين مختلفين فلايمكن ان‏يكون حين هو طويل و في مكان هو طويل اقصر منه و من حيث هو احمر اصفر و من حيث هو خفيف ثقيلاً و من حيث هو في المشرق في المغرب و من حيث هو اسفل اعلي منه وهكذا بل لابد و ان‏يكون الحدود متواردة عليه واحداً بعد واحد و هذا هو شأن المادة الجسمانية الزمانية فلاتسع ان‏تتصف بحدين متصاقعين في حد فافهم ما اقول لك و اما المادة الدهرية فيمكن ان‏تتصف بحدين في ان واحد دهري فحين هي في المشرق في المغرب و حين هي اسفل اعلي منه و حين هي طويلة بطول معين اطول منه و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 354 *»

حين هي حمراء صفراء و هكذا و اما المادة الزمانية فيمتنع في حقها ذلك و يمتنع تصوره في حقها لتلازم اجتماع وجود الشي‏ء مع عدمه من حيث واحد فاذا ظهر الشي‏ء بالمادة الزمانية يلزمه ان لايتصف بصفتين متضادتين في ان واحد و من حيث واحد فاذا كان متحركاً لم‏يكن ساكناً و اذا كان ساكناً لم‏يكن متحركاً و اذا كان ناطقاً لم‏يكن ساكتاً و اذا كان ساكتاً لم‏يكن ناطقاً و ليس من الحكمة ان‏يصف الانسان مادة زمانية بالضدين و ليس ذلك بجايز حتي نجوز خرق العادة  في ذلك.

بقي مقدمة اخري ابينها لك و هي ان هذا البدن الظاهري له باطن بحسبه مناسب له يعني كما عرفت ان المادة الزمانية لايمكن في حقها الاتصاف بالمتضادين كذلك اقول في المثال المتعلق من حيث اسفله بالمواد الزمانية فالمادة البرزخية ايضاً ليس يجوز فيها من حيث اسفلها ان‏تتصف بالمتضادين كالاجسام الزمانية الم‏تر ان ما في خيالك لايمكن ان‏يكون احمر اصفر في ان و حيث واحد و متحركاً و ساكناً بلحاظ واحد مثل هذه المواد الزمانية حرفاً بحرف فلايمكن لهذا البدن ان‏يتصور بمشاعره الباطنة ايضاً شيئين في ان واحد من حيث واحد و يفعل بظاهره او باطنه فعلين متضادين من حيث واحد بل ذلك حال كل مادة جايزة بالنسبة الي صورها المقومة و لايجتمع في عرصة من العرصات الشي‏ء مع عدمه نعم المادة الدهرية مهيمنة علي الصور الزمانية المتممة و السرمد مهيمن علي الدهر كما بينا و شرحنا.

فاذا تحقق ذلك فنقول ان الحجة في مقام القطبية و مقام انا بشر مثلكم هو كذلك لايمكن اتصافه بشيئين متضادين من حيث واحد فبدنه هذا ان كان قائماً فهو غيرقاعد و ان كان متكلماً فهو غيرساكت و ان كان ناطقاً بالحمد و السورة  في صلوته فهو غيرناطق بالكلام المنافي مع خادمه وهكذا و لاامنع ان‏يظهر الحجة الكلي بشخصين فيصلي بواحد و يتكلم مع الخادم بالاخر فان له ان‏يظهر بالف الف صورة و يفعل الف الف فعل كما هو شأن الكليات و انما الكلام في الشخص الواحد من تلك الاشخاص انه لايفعل فعلين متضادين و لايتصف بالصفة و عدمها في ان واحد فاذا كان الامام ناطقاً بالحلال و الحرام فهو غيرناطق

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 355 *»

بالقصص و العبر و الامثال و اقول كذلك الامر في باطن هذا البدن الشخصي فاذا كان متخيلاً حال زيد ليس بمتخيل حال عمرو و اذا كان متوجهاً الي مسئلة ليس بمتوجه بهذا المشعر الي مسئلة اخري و لايلزم منه جهله كما انك عالم بعلم النحو في اثناء الصلوة و ليس علي لسانك و لا علي بالك ذكر مسائله و اذا كنت ماموراً من عند الله سبحانه باشتغالك بالصلوة و توجهك اليها لايجوز لك التوجه الي النحو و اشتغالك به البتة و كذلك حال البدن الشخصي من الحجة فاذا كان من عند الله مأموراً بخدمة محظوراً عليه التوجه الي غيرها ليس يتصف بظاهره بغيرها و لايخطر بباله غيرها و اسألك هل يخطر علي بال الامام ما يكرهه الله و يخطر علي باله الميل الي المعاصي او يخطر علي باله الوساوس المنهية او التصورات القبيحة ام لا فان قلت نعم فقداسأت الثناء علي امامك و نفيت عنه العصمة و ان قلت لايخطر بباله شي‏ء من ذلك قلت تلك الامور امور يصلح ان‏تكون متعلقة العلم فان لم‏يخطر بباله ذلك فهو علي قولك جاهل به اذ ليس عنده صورها و ان كان لاينافي عدم كون صورها في ذهنه علماً بها اقول فكذلك بعض ما يحبه الله او بعض المسائل و العلوم اذا لم‏يكن في ذهنه بالفعل لاشتغاله بطاعة غيرها فليس بجهل نعم يجب ان‏يكون بحيث اذا سئل اجاب ان شاء و علمه البتة و لم‏يجهله نعم ان نفس الحجة الكلية الالهية هي محيطة بالاشياء وسع كرسيه السموات و الارض و عقله جوهر دراك محيط بالاشياء عالم بالشي‏ء قبل كونه يعلم الاشياء علم معاينة و احاطة يري كل شي‏ء في مقامه و حده فاذا تحقق النمرقة الوسطي فلاتتجاوزها و ضع كل شي‏ء في محله و مقامه و ضع كل خبر في مقامه و اعلم انهم اخبروا كل احد بما يطيق من امرهم فاخبروا واحداً عن ظاهرهم و واحداً عن باطنهم و واحداً عن باطن باطنهم و هكذا فعن الصادق7 ان امرنا هو الحق و حق الحق و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السر و سر السر و سر المستسر و سر مقنع بالسر انتهي فان شئت فقل انهم يعلمون ماكان و مايكون الي يوم القيمة و ان جبرئيل ياخذ عنهم و يتعلم منهم كيف لا و ان سلمان خير من جبرئيل و ان شئت

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 356 *»

قل ان النبي9 ماكان يعلم شيئاً حتي ينزل عليه جبرئيل بالوحي من الله سبحانه اليس مرة تقول اني اعلم النحو و العربية و الحكمة و مرة تقول ليس يحضرني الا ما خطر ببالي فكذلك النبي9 ليس يحضره في بدنه البشري الا ما خطر بباله و ما خطر بباله حامله و منزله الروح الامين فليس في خياله شي‏ء حتي ينزل الروح اليه بالخاطر و ان الروح ياخذ من نفسه المهيمنة علي كل شي‏ء و يغترف من بحرها و يفرغها في محل خياله فافهم فياعباد الله لاتغلوا في دينكم و لاتقولوا علي الله الا الحق و هذه هي النمرقة الوسطي اليها يرد الغالي و بها يلحق التالي ان شاء الله وهذا الفصل اساس يجتمع عليه اخبار كثيرة مختلفة و يرتفع الخلاف من بينها فكن بصيراً و ضع كل شي‏ء في محله.

فصـل: و لما وصل الكلام هنا تذكرت مسئلة طالما تشاجر فيها اصحابنا و لم‏اجد من احدهم من وقف علي مر الحق فيها الا قليلاً منهم و ذلك لانهم لم‏يكونوا من فرسان هذا الميدان فاحببت ان‏اثبت في هذا الكتاب اصلاً عليه يتفق كلمة هذه العصابة ان شاء الله و هي مسئلة سهو المعصومين سلام الله عليهم هل‏يجوز او لايجوز و هل وقع ام لم‏يقع و انما اختلافهم لاختلاف الانظار في مطاوي الاخبار فلنسرد اولاً اخبار المسئلة ثم نثني بذكر اقوال اصحابنا ثم نثلث ان شاء الله بذكر ما منحنا الله منها.

فقدروي الشيخ عبدالله بن نور الله من التهذيب بسنده عن زرارة  قال سالت اباجعفر7هل سجد رسول‏الله9 سجدتي السهو قط قال لا و لايسجدهما فقيه و من تفسير النعماني بسنده عن اسمعيل بن جابر عن الصادق7 عن اميرالمؤمنين صلوات الله عليه انه قال في بيان صفات الامام فمنها ان‏يعلم الامام المتولي عليه انه معصوم من الذنوب كلها صغيرها و كبيرها لايزل في الفتياء و لايخطي في الجواب و لايسهو و لاينسي و لايلهو بشي‏ء من امر الدنيا  و ساق الحديث الي ان قال7 و عدلوا عن اخذ الاحكام من اهلها ممن فرض الله طاعتهم ممن لايزل و لايخطي و لاينسي و من عيون الاخبار

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 357 *»

باسناده عنه7 قال في صفات الامام فهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد امن من الخطاء و الزلل و العثار الخبر و روي في البحار باسناده عن مفضل عن ابي‏عبدالله7ان الله تبارك و تعالي جعل للنبي9 خمسة ارواح روح‏الحيوة فبه دب و درج و روح‏القوة فبه نهض و جاهد و روح‏الشهوة فبه اكل و شرب و اتي النساء من الحلال و روح‏الايمان فبه امر و عدل و روح‏القدس حمل النبوة فاذا  قبض النبي9 انتقل روح‏القدس فصار في الامام و روح‏القدس لاينام و لايغفل و لايلهو و لايسهو و الاربعة الارواح تنام و تلهو و تغفل و تسهو و روح‏القدس ثابت يري به ما في شرق الارض و غربها و برها و بحرها قيل جعلت فداك يتناول الامام ما ببغداد بيده قال نعم و مادون العرش و في العوالم من بصايرالدرجات بسنده عن جابر عن ابي‏جعفر7 قال سالته عن علم العالم فقال ياجابر ان في الانبياء و الاوصياء خمسة ارواح روح‏القدس و روح‏الايمان و روح‏الحيوة و روح‏القوة و روح‏الشهوة فبروح‏القدس ياجابر عرفوا ما تحت العرش الي ما تحت الثري ثم قال ياجابر ان هذه الارواح يصيبها الحدثان الا ان روح‏القدس لايلهو و لايلعب وفي رواية اخري منه فروح‏القدس من الله و ساير هذه الارواح يصيبها الحدثان فروح‏القدس لايلهو و لايتغير و لايلعب الي غير ذلك من الاخبار.

و رويت في كتبنا اخبار اخر تدل علي وقوع ما ظاهره السهو في اعداد الركعات و في القراءة في الصلوة و في النوم عن الصلوة و في الروايات اختلافات ايضاً مع انها قصة واحدة ظاهراً و رويت تلك الروايات في روايات العامة ايضاً و هي اشد اختلافاً و روي في البحار بسنده عن الهروي قال قلت للرضا7 يا ابن رسول‏الله ان في الكوفة قوماً يزعمون ان النبي9 لم‏يقع عليه السهو في صلوته فقال كذبوا لعنهم الله ان الذي لايسهو هو الله الذي لا اله

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 358 *»

الا هو الخبر و في العوالم من السراير بسنده عن الفضيل قال ذكرت لابي‏عبدالله7 السهو فقال و يتفلت من ذلك احد ربما اقعدت الخادم خلفي يحفظ علي صلوتي و من العيون باسناده عن الرضا7 في حديث ان الامام مؤيد بروح‏القدس بينه و بين الله عمود من نور يري فيه اعمال العباد و كلما احتاج اليه لدلالة اطلع عليه و يبسط له فيعلم و يقبض منه فلايعلم و الامام يولد و يصح و يمرض و ياكل و يشرب و يبول و يتغوط و ينكح و ينام و ينسي و يسهو الخبر فهذه الاخبار و امثالها تدل علي وقوع صورة السهو منهم لايحتمل غير ذلك و هي اخبار مخالفة للكتاب موافقة للعامة و رواياتهم و مخالفة للروايات الاولة.

و اما علماؤنا فقداختلفوا في ذلك اختلافاً شديداً اما الصدوق و شيخه محمد بن الحسن فقدذهبا الي وقوع الاسهاء من الله عليهم و داروا مدار ظواهر الاخبار الدالة علي وقوع السهو و كانهم لم‏يظفروا بما يعارضها او ظفروا و جمعوا بعدم وقوع السهو الشيطاني و وقوع الاسهاء الرحماني و قدانكر عليهما بعض اصحابنا في زمانهما و بعدهما و كأنه الان انعقد الاجماع بعدم وقوع السهو منهم و لايضر بالاجماع خروج بعض اصحابنا فان بعد انعقاد الاجماع الضير علي الخارج من الاجماع و لا ضير علي الاجماع منه و من المتاخرين قدسجل علي وقوع السهو السيد نعمة الله الجزايري في الانوار النعمانية و نقل ذلك من بعض معاصريه ايضاً كالمحقق القاشاني و بعض مجتهدي العراق و قال الملا محسن في الوافي بعد ايراد بعض احاديث السهو و بعد ما اورد رواية الحسن بن صدقة قال قلت لابي‏الحسن الاول7 سلم رسول‏الله9 في الركعتين الاولتين فقال نعم قلت و حاله حاله قال انما اراد الله عزوجل ان‏يفقههم قال الملا بيان تعجب السائل من سهوه مع كونه معصوماً عن الخطاء فاجابه7 بانه كان في ذلك مصلحة للامة بان‏يفقهوا بمثل هذه الامور معالم دينهم و يعلموا ان البشر لاينفك عن السهو و النسيان و ان المخلوق

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 359 *»

محل الغفلة و النقصان و انما المنزه عن جميع صفات النقص هو الله سبحانه ثم ذكر كلام الصدوق هـ  و كذلك توقف المجلسي; في البحار و هو الظاهر من الشيخ عبدالله في العوالم و انما اختلف علماؤنا رضوان الله عليهم لاجل اختلاف ظواهر الاخبار و لا لوم عليهم فانه ساقهم الي ذلك التسليم و انا لااشك في انهم لم‏يريدوا انتقاص ال‏محمد: و انما ذهب من ذهب منهم الي ذلك و توقف من توقف منهم عن محض التسليم و الاتباع فلاجل ذلك لايكفرهم ذلك فانهم متبعون لآل‏محمد: و لنعم ما روي عن الشيخ البهائي ان نسبة السهو الي الصدوق اولي من نسبة السهو الي النبي9 بالجملة ان من شاننا ان‏نذكر الحق في ذلك بدليل الحكمة و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم فانا لانعلم الا ما علمنا انه هو الحكيم العليم.

اعلم ان الافلاك التي هي ايدي الفاعل في هذه الدنيا لما دارت علي الارض و طرحت انوارها عليها ضربت تلك الانوار بعض اجزائها ببعض علي ما فيها من الكثافة حتي تركبت العناصر علي ما شاء الله و اراد و دار عليه النجوم فحصل من ذلك جماد من الجمادات الغاسقة فلما دارت عليها دورة اخري و ضربت بعض اجزائها اللطيفة ببعض حصل معدن من المعادن و اختلط به الاجزاء الكثيفة عرضاً فلما دارت دورة اخري و عملت في صوافيها و الفتها حصلت النفس النباتية و اختلط بها المعدنية و الجمادية علي نحو العرض فان غلب النفس علي الاعراض سخرتها و اجرتها في طاعتها و حفظتها بوحدتها عن الفناء و الدثور الي اجل مسمي و جمعتها فلم‏تدعها تتفرق و تتشتت اراؤها و تجري بطبايعها و لذلك تري النبات باعراضه ينمو و يزيد و يربو و تبلغ في طاعته مبلغاً تسمي بالنبات شرعاً و لغة و عرفاً و يجري عليها رسمه و ان لم‏يجر عليها حده الذاتي و مع‏ذلك الاعراض اعراض و هي غير النبات فاذا فارقت النفس عادت الاعراض الي جماديتها ولكن مادام فيها النفس النباتية يظهر منها افعالها من الجذب و الدفع و الامساك و الهضم و الربا كما تشاهد و هي حية مشتعلة بنار النفس النباتية و كذلك اذا دار الافلاك و حصل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 360 *»

منها النفس الحيوانية و صحبت النباتية و المعدنية و الجمادية و سخرتها و استوت علي عرشها القت في هويتها مثالها فاظهرت عنها افعالها و اجرتها في طاعتها حتي اشتعلت فيها فاعطتها اسمها و رسمها فسميت شرعاً و عرفاً و لغة بالحيوان و صدق عليها رسمها حكمة و ان‏لم‏يصدق عليها حدها الذاتي فهي حيوان جمادي و نباتي في عالم الجمادات و النباتات و خليفة الحيوان فيه و محل افعاله و مشياته يظهر في عالميهما بهما مايشاء و لذلك حملتاه و صارتا مظهره وكذلك اذا حصل الروح الانسانية و استولت عليها و سخرتها و اشتعلت فيها و استخلفتها في عوالمها و القت مثالها فيها و اظهرت افعالها منها فما لم‏يستول المعدن كمال الاستيلاء علي الجماد و يفن الجماد تحت جلال المعدن لم‏يكن معدناً معصوماً خالصاً عن شوائب غير المعدن و ما لم‏يشتعل النبات في المعدن بحيث يخفي المعدن عن نفسه و يظهر بالنبات لم‏يكن نباتاً معصوماً عن ادناس الشياطين الساكنة في المعدن و ما لم‏يغلب الحيوان علي النبات بحيث يبطل شهواته و يجري علي حسب محبة الحيوان ابداً لم‏يكن الحيوان معصوماً عن ادناس الشياطين الساكنة في مقام النبات البتة و كذلك ما لم‏يتجل الانسان علي الحيوان و افناه من نفسه و اوجده بنوره بحيث لم‏ير لنفسه استقلالاً دونه و لا ميلاً  و لا شهوة و لا غضباً لم‏يكن الانسان معصوماً عن ارجاس الشياطين البتة الاتري ان المراة اذا لم‏تصف و لم‏تعتدل عن جميع الاكدار و الاعوجاجات لم‏تحك الشمس علي ما هي عليه و اذا لم‏تحك الشمس علي ما هي عليه لم‏يكن لحكها مطابقاً للشمس البتة و جميع ما هو مقتضي الجماد و خاصته نقص للمعدن فان بقي في جمادية المعدن شي‏ء من تلك الخواص منع المعدن عن الظهور بما هو عليه وهكذا في كل رتبة فجميع خواص الجماد عليها شياطين صارفة عن طاعة المعدن و جميع خواص المعدن عليها شياطين صارفة عن طاعة النبات و جميع خواص النبات عليها شياطين صارفة عن طاعة الحيوان و جميع خواص الحيوان عليها شياطين صارفة عن طاعة الانسان البتة و لذلك لم‏يقع الانسان في معصية الا باستيلاء احد هذه الشياطين عليه فصرفه عن الانسانية التي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 361 *»

هي سبيل الطاعة لله سبحانه.

فمن‌كان ذاعين يشاهد ما قلنا و ان لم‏يكن عين فيقبله عنا

و كذلك اذا استولي علي روح الانسان روح النبوة اي روح‏القدس فان افني روح الانسان من نفسه و اثبته بنفسه و استولي عليه و اشتعل فيه حتي لم‏يظهر منه الا هو كان معصوماً بحقيقة العصمة والا فهو مطيع شيطان من الشياطين الانسية علي ان حسنات الابرار سيئات المقربين او مطيع شيطان من الشياطين الحيوانية او النباتية او الجمادية البتة.

و ما قيل من اسهاء الله دون اسهاء الشياطين فهو كلام من ليس بحكيم و هو بعينه كاضلال الله دون اضلال الشيطان و ايقاع الله في المعصية دون ايقاع الشيطان و ذلك ان الله سبحانه ابي ان‏يجري الاشياء الا باسبابها و لا شك ان السهو ليس من صفات الله الاحد الطاوي للكل و ليس من صفات المقرب منه حال القرب بل هو من صفات البعيد حال البعد و ان من حادث في الملك الا بمشية الله و ارادته و قدره و قضائه و امضائه و ان الله يظهر مشيته من تلك الاسباب فنحن لانشك ان من ضل فانه يضل باضلال الله بل لعنهم بكفرهم ولكن يجري اضلاله علي يد ابليس لا يد محمد و علي8 فيكونا مضلين لا هاديين و علي هذه فقس ماسواها فالله سبحانه منسي كل ناس من الثري الي الثريا لكن لاينسي ناس الا بانساء الله اياه علي يد ابليس و لذا قال يوشع و ماانسانيه الا الشيطان ان‏اذكره وقال تعالي و اما ينسينك الشيطان فلاتقعد بعد الذكري مع القوم الظالمين بالجملة كل من ينسيه الشيطان فانما ينسيه الله و كل من ينسيه الله فانما ينسيه بالشيطان بلاتفاوت ابداً فافهم ان كنت من ابناء الحكمة فالنسيان نقص في العصمة التامة البتة و انما هو بغلبة شيطان حيواني او نباتي او جمادي البتة و كذلك السهو و الخطاء و الزلل فانها كلها من باب واحد فان قال القائل بالعصمة التامة الكلية لمحمد9 و لاله: لزمه ان‏يقول بعدم استيلاء شي‏ء من شياطين ساير المراتب عليهم و صرفهم عن خاصة روح‏القدس كما انك اذا قلت بالعصمة التامة للمرآة ممايخالف الشمس لزمك ان‏تقول بعدم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 362 *»

وشمة علي وجهها فانها تخالف الشمس لامحه و ان لم‏يقل بالعصمة التامة كذبه الكتاب حيث يقول الله سبحانه في اقوالهم ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و في افعالهم بل عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و قدامر الله سبحانه باتباعه علي الاطلاق حيث يقول ما اتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا و قال لقد كان لكم في رسول‏الله اسوة حسنة و قال ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و قال وماتشاءون الا ان‏يشاء الله و امثال ذلك من الايات و اما الاخبار في ذلك فمتجاوزة حد التواتر بمرات كيف و هم اسماء الله و صفاته و محال افعاله و اوكار مشيته و وجهه و يده و لسانه و القائمون مقامه في الاداء فمن يجوز علي الله السهو و النسيان فليجوز عليهم فياسبحان‏الله هل هم في حال سهوهم و نسيانهم مظهر الله او مظهر الشيطان فان قلت مظهر الله اثبتت السهو علي الله و ان قلت مظهر الشيطان فهو نبي عن الشيطان و ان قلت فعلي ذلك كل خاطئ و ناس و ساه مظهر الشيطان قلت نعم الم‏تسمع ان روح‏الايمان يفارق الانسان اذا قارف ذنباً فان  ¨اب الي الحق عاد اليه الا ان روح‏الايمان قديفارق و قديمرض و قديضعف بحسب تفاوت الاعمال فروح‏القدس اذا سها صاحبه او نسي و غلب عليه الشيطان ضعف و ذلك ضعف في نبوته و ذلك وصمة الشيطان البتة فمن حيث السهو هو خليفة الشيطان و الداعي اليه و رسوله الي الناس و الداعي اليه و هذه الاحوال تنافي العصمة التامة و لاتليق باقرب الخلق الي المبدء و اكرمهم علي الله و ادلهم عليه و ان قلت فما بال يوشع قلت اولاً انا لانثبت له العصمة التامة الكاملة و ثانياً انا لاننكر وقوع ترك الاولي من غير محمد و ال‏محمد: فترك الحوت اذا كان خلاف الاولي فهو من الشيطان الا انه شيطان بالنسبة الي مقام النبوة كما اشرنا اليه من ان حسنات الابرار سيئات المقربين و لا شك ان نور السراج في الدرجة البعدي اظلم من الدرجة القربي و ان كان البعدي انور من الذي هو ابعد منها بدرجة فافهم.

فتبين و ظهر ان هذا القول اي جواز الخطاء و السهو علي محمد و ال‏محمد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 363 *»

: قول بنفي العصمة التامة و لولا تسليم صاحبه لال‏محمد: لقلنا بكفره الا انه يمنعنا من ذلك تسليمه و كثيراًما كان يقع في عصر الحجج عن اصحابهم امثال هذه الاقوال و اعظم فلم‏يكونوا يكفرونهم لتسليمهم.

و اما الاخبار الواردة فانها مخالفة للكتاب و الادلة العقلية و الاجماع القائم القطعي من الشيعة و اخبارهم المتواترة و موافقة للعامة فهي صدورها تقية مع انها مشتملة علي مناكير ازيد من السهو و هي عدم التذكر بعد التذكير و اختلاف شديد في متونها و علي الكذب بعد التنبيه باني مانسيت و مانقصت الصلوة و الحاجة الي الاستشهاد من القوم بعد التذكير و التنبيه و تعيير القوم بنقص كان شريكهم لو صح نعوذبالله و الغضب في غير محله علي الامة المسلمين غير المعترضين علي نبيهم المقتدين به و امثال ذلك و لابد لمن يصدق هذه الاخبار ان‏يرفو جميع هذه الخروق و اني له بذلك و اما حديث نوم النبي9 عن صلوة الصبح فكذلك فان النوم عن الصلوة كائناً ماكان نقص و ليس من صفات من لاتاخذه سنة و لا نوم و لا صفة القائم مقامه في الاداء فهو ايضاً وارد مورد التقية كساير اخبار السهو و اما حديث الرضا7 ان الامام ينسي و يسهو و ما رواه في العوالم عن البصاير بسنده عن بعض اصحابنا قال قلت للرضا7 الامام يعلم اذا مات قال نعم يعلم بالتعليم حتي يتقدم في الامر قال علم ابوالحسن بالرطب و الريحان المسمومين اللذين بعث اليه يحيي بن خالد قال نعم قلت فاكله و هو يعلم قال انساه لينفذ فيه الحكم و في رواية قلت فاكله و هو يعلم فيكون معيناً علي نفسه فقال لا يعلم قبل ذلك ليتقدم فيما يحتاج اليه فاذا جاء الوقت القي الله علي قلبه النسيان ليقضي فيه الحكم انتهي فذلك بمعني الترك علي حسب ما بيناه  في الفصل السابق فان البدن الزماني لايسعه الاتصاف بصفتين في ان واحد و التوجه الي امرين في حال واحد و لابد له من تعاقب الاحوال و التوجهات و ورود الخواطر فاذا توجه الي المبدء حق التوجه لابد و ان‏يترك التوجه الي ماسواه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 364 *»

فعلي هذا المعني انهم حال صلوتهم ناسون لانفسهم حتي يخرج عن رجل احدهم السهم و هو لايحس و ناسون لكل شي‏ء سوي الله اي تاركون معرضون لاشتغالهم بامر الله بما هو اهم و اولي فيتركون ماسواه لامحه و ذلك ان النسيان ضد الحفظ كما في القاموس و هو الحراسة و الرعاية فالنسيان ترك الرعاية و الحراسة و قال في المصباح انه مشترك بين معنيين احدهما ترك الشي‏ء علي ذهول و غفلة و ذلك خلاف الذكر و الثاني الترك علي تعمد و عليه و لاتنسوا الفضل بينكم اي لاتقصدوا الترك و الاهمال و قال في النهاية اصل النسيان الترك و قال السهو في الشي‏ء تركه من غير علم و السهو عنه تركه مع العلم و منه قوله تعالي الذين هم عن صلوتهم ساهون انتهي و روي في المجمع عن ابي‏عبدالله7 في هذه الاية هو الترك لها و التواني و عن ابي‏الحسن7 هو التضييع لها انتهي و في الخبر ليس بازيد من ان الامام ينسي و يسهو و هم يتكلمون بالكلمة و يريدون منها سبعين وجهاً و هذا معني لغوي ظاهري فالمراد منه ان الامام في مقام البشرية كماياكل و يشرب لابد له ان‏يترك الشي‏ء و يسهو عنه اذا اراد التوجه الي غيره لانه مقتضي البشرية فتدبر و ليس للقائلين بالسهو مستند غير هذه الاخبار و هي كما تري محمولة علي التقية بمقتضي القواعد الشرعية التي اسسوها سلام الله عليهم لفهم اخبارهم فلامحيص عن الرجوع اليها و الاعراض عن تلك الاخبار و ردها الي قائلها هذا و هي مخالفة للادلة العقلية و القواعد الحكمية و الاصول الملية و اجماع المذهب و اما من زعم ان الرواة الذين رووا هذه الاخبار هم من المقرين بسهو النبي فلا اجماع علي عدمه فهو خطاء منه فلربما يروي الراوي حديثاً و هو يعلم انه تقية و يترك العمل به السنا نحن معاشر العلماء نروي كلنا هذه الاخبار ولكن لانعتقد بها و كذلك هم فتدبر و انصف.

فصـل: و من الفضائل الكلية التي يرجع اليها جل الفضائل بل كلها انهم سلام

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 365 *»

الله عليهم اول ما خلق الله لايسبقهم سابق و لايلحقهم لاحق و لايطمع في ادراك مقامهم طامع.

و ذلك فضل عن اداني حده اعالي فهم العالمين بعيد

و لاازعم فضيلة قالها قائل او يقولها عارف الا و هي فرع هذا المقام و لازمه  ومن العجايب ان قدجعل الله هذه الفضيلة في النبي9 من ضروريات الدين و في الائمة: من ضروريات المذهب في هذه الازمنة و نطق بها الكتاب و تواتر بها اخبار الاطياب عليهم سلام الله الوهاب و نحن لما  علمنا هذا كتبنا كتاباً  في هذا المعني سميناه بـنعيم‏الابرار و جحيم الفجار و اثبتنا فيه هذا المقام بالكتاب و السنة و الاجماع و دليل المجادلة و الموعظة و الحكمة و الامثال الافاقية و الانفسية بما لامزيد عليه و قدخرج بحمد الله كتاباً مستطاباً مباركاً يقر عيون المسلمين و يكمد اكباد المنافقين الناصبين و لابد و ان‏نذكر هنا بعض ما يناسب وضع هذا الكتاب  فاقول:

اعلم ان الاحد جل‏وعز لم‏يزل قديماً متوحداً متفرداً بالبينونة عما سواه و عدم الاقتران و الارتباط به يمتنع معه ما سواه بكل وجه فلا شي‏ء حين اذ هو الا هو حتي محمد و ال‏محمد: فانهم معدومون معه عدم الامتناع البحت البات و قداشرك بالله عزوجل من اثبت مع الله مقاماً من مقاماتهم او حيثاً من حيوثهم و ليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب و لا لهم جل مقامهم في معناه فضيلة و لا تعظيم فهم ممتنعون مع الله كجميع ما سوي الله فهو هو وحده وحده وحده اذ هو لا اله سواه و لا احد غيره فلايعقل ان‏يكون رتبة دون رتبته او مقام دون مقامه او حيث دون هذا الحيث و لايمكن النزول عن عرصته و لا الصعود عنها فلا شي‏ء سواه باي اعتبار و ليس بكل الاشياء اذ الاشياء ممتنعة معه ولايعقل ان‏يكون الشي‏ء كل الممتنعات و ان قلت انا قدنري انفسنا وجودات ناكل و نشرب و نتمتع فهل نحن اشياء ام لا فالانكار خلاف البداهة و الاقرار ناف لامتناع ما سواه فما المفر قلت انه لايقال ان الاحد غير الاعداد و لا عدد سوي الاحد و هذا سر مبهم و رمز منمنم انظر في العالم اتري شيئاً سوي الجسم ابداً و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 366 *»

مع‏ذلك عرش و كرسي و افلاك و عناصر فاذا كان الامر في الجسم بالنسبة الي العالم هكذا و الجسم هو حقيقة ساير الاجسام فما ظنك بما هو حق ساير الاشياء لا حقيقتها و هو اولي بها منها و احق بها منها و اقرب اليها منها و اوجد في مكانها منها فكذب من زعم ان الله حقيقة الاشياء و قصر في معرفته جل‏وعز اذ هذا نوع و جنس قداجراهما في الله عزوجل و سبحانه سبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيراً ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير فمن عرف معني الاحد و انطواء الاعداد تحته طي الامتناع عرف ان لا شي‏ء سوي الاحد و لم‏اعط ازيد من هذا عبارة و قدانقطع دونه الاشارة.

و اول ما يعبر عنه بتعبير او يخبر عنه بتخبير هو كينونته الازلية المعبرعنها بالوجود الحق و الغيب المطلق و العماء البات و ذات الذوات التي تفسخت دونها الصفات فهي التي لايسبقها سابق و لايلحقها لاحق و لايطمع في ادراكها طامع و هي ليست بذلك الاحد و لا الاحد سواها و ليست بكلية الباري و لا الباري غيرها بل هي هو وجوداً و كوناً و عياناً و تمثلاً و ليست هي هو بساطة و احدية و كلاً و جمعاً و هذه و ان لم‏يطلق عليها الخلق لانها كينونة الحق الا انها غيرها و غيورها تحديد لها و لا تحديد فهي الخلق و الممكن و الحادث بالمعني الاعم اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و قدانعقد الاجماع من الفريقين علي ان محمداً9 اشرف الخلق و اوله و افضله و اكمله و انعقد الاجماع من الشيعة علي ان آل‏محمد: من نوره و روحه و طينته و كلهم واحد و لاجل ذلك قال مولينا الصادق7 في حديث طويل له مع مفضل نحن الذين كنا عنده و لا كون قبلنا  الي ان قال المفضل ا في كلامكم و الاخبار عنكم دليل علي ذلك قال نعم يا مفضل في خطبة اميرالمؤمنين7 الحمد لله مدهر الدهور و قاضي الامور و مالك(ظ) نواصي حتم المقادير الذي كنا بكينونته قبل الخلق و قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين موجودين ازليين منه بدئنا و اليه نعود الخطبة الي ان قال المفضل يابن رسول‏الله ان هذا الكلام عظيم تحار فيه العقول فعرفني ما معناه قال قـال اميرالمؤمنين 7 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 367 *»

الذي كنا بكينونته في القدم و هو المكون و نحن المكان و هو المشي‏ء و نحن الشي‏ء و هو الخالق و نحن المخلوقون و هو الرب و نحن المربوبون و هو المعني و نحن اسماؤه و هو المحتجب و نحن حجبه كائنين غيرمكونين نسبحه و نمجده و نقدسه في ستة اكوان كل كون منها ماشاءالله من المداء قال المفضل ياسيدي فمتي هذه الاكوان قال يا مفضل اما الكون الاول فنوراني لا غير و اما الكون الثاني فجوهري لا غير و اما الكون الثالث فهوائي لاغير و اما الكون الرابع فمائي لا غير و اما الكون الخامس فناري لا غير و اما الكون السادس فاظلة و ذر لا سماء مبنية و لا ارض مدحية فيه الذي قال الله تعالي خلق الجان من مارج من نار الخبر و في رواية عن النبي9 ان الله تبارك و تعالي كان و لا شي‏ء معه فخلقني و خلقك روحين من نور جلاله و في رواية خلقني الله من صفاء نوره فدعاني فاطعته و خلق من نوري علياً فدعاه الي طاعته فاطاعه و خلق من نوري و نور علي فاطمة فدعاها فاطاعته و خلق مني و من علي و من فاطمة الحسن و الحسين فدعاهما فاطاعاه و في رواية كنت انا و علي نوراً بين يدي الرحمن قبل ان‏يخلق عرشه باربعة‏عشر الف عام و في رواية قيل له اول شي‏ء خلقه الله تعالي ما هو فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير و في رواية كان الله و لا شي‏ء غيره لا معلوم و لا مجهول فاول ما ابتدأ من خلق خلقه ان خلق محمداً و خلقنا اهل‏البيت معه الي ان قال فنحن اول خلق الله و اول خلق عبد الله و سبحه و نحن سبب خلق الخلق و سبب تسبيحهم و عبادتهم من الملائكة و الادميين فبنا عرف الله و بنا  وحد الله و بنا عبد الله و في رواية  ان الله لم‏يزل فرداً متفرداً في وحدانيته ثم خلق محمداً و علياً و فاطمة فمكثوا الف الف دهر ثم خلق الاشياء الي غير ذلك من الاخبار المتواترة التي رويناها في كتابنا نعيم‏الابرار فهم: اول كل ما سوي الله و مبدؤه و منتهاه بهم فتح الله و بهم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 368 *»

يختم و انت تعلم ان كنه الذات القديمة اجل و اعز من ان‏يسمي باسم او يعبر عنه بتعبير او يوصف بوصف فجميع ما عبرته الالسن او تعبره و جميع ما سماه مسم و ما يسميه و جميع ماوصفه واصف او يصفه فجميع ذلك و جميع ما ينزه عن ذلك فانه ايضاً نحو تعبير ولو بالنفي لايتجاوز مقام الكينونة هذا بل لايكاد يصل اليها فان دونها تنقطع الاشارات و تتفسخ الكينونات و تتمزق الاذكار و تخمد الانوار فبذلك عرف ان هذه المسئلة اس الفضائل و اصلها فمن اقر بها لزمه الاقرار بجميع فضائلهم و من انكرها انكر امراً متواتراً في الاخبار قدقام عليه اجماع الامة و دل عليه صحيح الاعتبار و كفاك في البرهان ان هذا الخلق المتكثر لابد و ان‏ينتهي الي واحد متوحد يطويه كيف لا و الطاوي ابداً اظهر من المطوي و هو اكبر شهادة اولم يكف بربك انه علي كل شي‏ء شهيد الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شي‏ء محيط و قددل الادلة بعامتها كما بينا و شرحنا علي ان اول جميع الكاينات محمد و ال‏محمد: فهم ذلك الوجود الطاوي و النور الحاوي لايتجاوزهم موجود و لايصل اليهم معدود و ينقطع دونهم كل مشهود فهم منتهي العبارات و غاية الاشارات و مبدأ الكاينات بهم فتحت الموجودات و ختمت المبروءات فمالم‏يقل لم‏يقل و ماقيل او يقال فهم محله و اهله بل اين و متي و يقول ولي الهدي صلوات الله عليه انا الذي لايقع علي اسم و لا شبه فتبين و ظهر ان هذه المسئلة اس جميع الفضائل و حقيقة كل الكمالات و قدجعلها الله من فضله الذي به اتم حجته من الضروريات فكل ما يتفرع عليه بالضرورة يجب الاقرار به و لايجوز انكاره وهذا ما اردنا ايراده في هذا المقام.

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 369 *»

المقصد الثاني

في بعض فضائلهم الجزئية الذي يحسن الاشارة اليه او تكلم بعضهم فيه اشير الي ماحضرني منها و لاحول و لا قوة الا بالله و فيه ايضاً فصول

فصـل: في علمهم سلام الله عليهم و انه هل‏يعلمون علم‏الغيب ام لا و ما معناه اعلم انك اذا اقررت انهم سلام الله عليهم اول المخلوقات و مبدأ الكاينات و اقرب المذروءات الي رب البريات لزمك ان‏تقول انه لايسبقهم سابق و لايلحقهم لاحق و لايطمع في ادراكهم طامع فاذا جميع ما خلق الله كائناً ماكان و بالغاً ما بلغ دون رتبتهم و هم سببه منهم بدئ و اليهم يعود و في الزيارة فما شي‏ء منا الا و انتم له السبب و في الخبر و نحن سبب خلق الخلق و في اخر عن ابي‏عبدالله7 نحن السبب بينكم و بين الله عزوجل بالجملة هم سلام الله عليهم سبب  ما دونهم من الخلق فماهم سببه لايخفي عليهم كائناً ماكان و بالغاً مابلغ و هو المستثني في قوله تعالي و لايحيطون بشي‏ء من علمه الا بما شاء فما شاءه فانما شاءه بمشيته و هم محلها و وكرها و مستقرها منهم تبرز و بهم تتعلق في الدعاء اللهم انك جعلت قلوب اوليائك مسكناً لمشيتك و ممكناً لارادتك و جعلت قلوبهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدات من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم الدعاء فاذا جميع ما يشاء الله بتحريك اسرارهم و بابداء ارادته علي السنتهم فكيف يجوز ان‏يخفي عنهم شي‏ء مما اجراه الله بهم و ظهرت ارادة الله فيه علي السنتهم و اما المستثني‏منه فهو العلم الامكاني لا الذاتي فانه لايبعض و الاستثناء المنقطع خلاف الاصل و اما العلم الامكاني فله اقسام فمنه مالايخرج الي عرصة الكون ابداً و الكمال للواحد المتعال ان‏يكون ممكناً لا مكوناً لان في خروجه الي عرصة الكون خلاف الحكمة و خروج الاكوان عن

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 370 *»

الدلالة علي الواحد جل‏شأنه و فساد الخلق الاتري ان كل شي‏ء كان في حده و مقامه يمكن ان‏يكون جميع ما سواه الي ما لانهاية له في ذلك الحد و لايكون ابداً و من ذلك اخلاد الانبياء و المومنين في النار و افناء الخلق و مخالفة الوعد و امثال ذلك فمالايخرج ابداً الي الكون فهو في الامكان و هم سلام الله عليهم يعلمونه كما هو و ما هو عليه عدم التعين و الامتياز و ما يمكن ان‏يخرج فمنه موقوف بشروط و لمايخرج شروطه الي عرصة الكون و منه منجز و هو ممضي مشروح‏العلل مبين‏الاسباب فما كان موقوفاً فما لم‏تخرج الي الكون فيعلمونه في الامكان و ان خرجت فانما تخرج بهم و تجري بسببهم فعند ذلك يعلمونه و هو مما شاء الله و اما ماكان منجزاً فهو مما شاء الله و اجراه بهم و هم يحيطون به علماً فمنه ما ظهر في سوالف الزمان لما حان اجله و مضي و منه ما يظهر في ما سيأتي و لمايحن حينه في الزمان و اما في الدهر فهو موجود في حده و محله مكشوف عندهم و هذا هو ما روي في احاديث عديدة انهم يعلمون ماكان و مايكون علم احاطة و عيان لا علم اخبار و الاحاديث الدالة علي هذه المطالب بالنص و اللزوم متواترة و الحمدلله وليس في ذلك اشكال و انما الاشكال في مثل ما روي انه لولا اية في كتاب الله لاخبرتكم بما يكون الي يوم القيمة يمحو الله ما يشاء و يثبت و ما دل علي انهم لايعلمون علم البداء مع ما دل انهم يعلمون ما يكون الي يوم‏القيمة مع ان ما يكون و لمايكن يحتمل البداء فالجواب عن هذا الاشكال يعرف مما ذكرناه في المجلد الاول في مسئلة البداء و الاشارة اليه هنا ان ما يكون له معنيان احدهما الموقوف الذي اشرنا اليه اي الذي بعد في الامكان و لمايتحقق شروطه و اذا تحقق شروطه خرج فهو لمايخرج الي الكون و سيخرج فهذا مما لله البداء فيه يقدم ما يشاء و يؤخر ما يشاء لانه لم‏يمض بعد فمثل ذلك لم‏يطأ عرصة الاكوان لا في الزمان و لا في الدهر و هو في الامكان بالقوة و منها ما خرج الي الاكوان في الدهر و لمايظهر في الزمان اي لم‏يحن حينه فهو في الدهر مما قدكان و في الزمان مما سيكون فهم يعلمون ماكان و مايكون

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 371 *»

في الزمان لانه في الدهر مماكان و امضي بهم صلوات الله عليهم فهم يعلمونه عياناً فمثل ذلك لايجري عليه المحو في الدهر و لا التقديم و لا التاخير و ان تقدم و تاخر في الزمان فيجري البداء في ظهوره دون وجوده و هذا البداء منهم و اليهم ففي الزيارة القضاء المثبت ما استاثرت به مشيتكم و الممحو ما لااستاثرت به سنتكم و مثال ذلك انك قدصورت سريراً معيناً  في ذهنك عند نفسك ثم ان شئت صنعته اليوم و ان شئت اخرته الي غد فافهم المثل بخلاف البداء الاول فانه في الامكان الذي فوق اكوانهم ولكن ان قدم الله موقوفاً فانما يقدمه بهم لانهم محل المشية و ان اخر فبهم و انما مثل علمهم الدهري و البداء الزماني كعلم الله الازلي و البداء الامكاني حرفاً بحرف فتدبر فكما انه لا بداء لله جل‏وعز و انما البداء في الامكان كذلك لا بداء لهم في الدهر و انما البداء في الزمان.

و اما ما روي من انهم لايعلمون الغيب و ما روي انهم يعلمونه فمثل ذلك لاينبغي ان‏يخفي علي الحكيم الذي عرف الموصول و المفصول و الشبهة في ذلك للعامي الجهول و ذلك ان الذات جل‏جلالها ازلية قديمة متعالية عن منال خلقها كائناً ماكان و بالغاً مابلغ فذلك الغيب الذي لايعلمه احد من الخلق قل لايعلم من في السموات و الارض الغيب الا الله اي لايعرف احد من اهل السموات و الارض ذات الله جل‏جلاله فالغيب بهذا المعني لايعلمه احد من الخلق و ان تجاوزت هذا الغيب فالغيب الثاني هو الكينونة و الذات الظاهرة المعبرعنها بنفس المشية التي خلقت بها و تلك هي العلم السابق لله سبحانه و لا معلوم الذي به خلقت المشية و هذا الغيب ايضاً لايعلمه الا الله سبحانه و علمه مخصوص بتلك الكينونة اذ ليس معها سواها فكيف يعلمها من هو معدوم معها و اما الغيب الثالث فهو الامكان الراجح و هو الغائب عن درك جميع الاكوان قبل ان‏يكون فلايحيطون بشي‏ء منه علماً الا ما شاء الله فيعلّمه احداً علم اخبار لا علم احاطة و عيان و ذلك ان جميع الكائنات فيه معدوم و بالقوة و لا ذكر له فيه فلايعلم الشي‏ء ما مبدؤ وجوده دونه البتة فان جاوزت هذا المقام وصلت الي عرصة الاكوان و هم سلام الله عليهم اولها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 372 *»

و مبدؤها و علتها و سببها فكلها مشهودة لهم و محاطة و مكشوفة و ليست بغيب بالنسبة اليهم فان سمي هذا المقام بالغيب فيمكن ان‏يراد به المستور عن جميع من هو دونهم فلا غرو في ان‏يعلموا ما لايعلمه غيرهم صلوات الله عليهم و هذا هو الغيب المراد في هذه الاية عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا من ارتضي من رسول و محمد9 هو الرسول او المرتضي من الرسول هو علي المرتضي الذي كان من رسول‏الله9 فعلمه الله الغيب و اظهره عليه و عرفه اياه و لا شك انه لم‏يعلم ذات الله و لا كينونته و لا الامكان و انما علم الاكوان و علم جميع الاكوان مستور عما سواهم بالبداهة فانه لايحيط بالكل الا علة الكل و هم علة الكل لا غيرهم و ان تجاوزت هذا المقام فالغيوب اضافية فان ما في دار زيد غائب عن عمرو و ما في دار عمرو غائب عن زيد فكل شي‏ء مشهود لخلق مستور عن خلق و ليس بغيب مطلق فان علم رجل ما في دار زيد ساوي زيداً في علمه و لا ضير و لم‏يشارك الله في علمه و انما شارك زيداً في علمه و هم سلام الله عليهم الذين بهم ملأ الله سماءه و ارضه و الذين هم قدس الله الذي ملأ  الدهر و هم اعضاد الخلق و شهوده الذين اشهدهم الله خلق السموات و الارض و اتخذهم شهداء علي جميع خلقه فلايخفي عليهم من هذا النوع خافية في السموات و الارض فاذا كانوا بنصوص القران شهداء فليسوا بغيب فليس علمهم علم غائب عنهم و ليس العلم بما لايعلمه زيد غيباً والا لكان علم عمرو بما  في دار زيد غيباً فافهم فعلمهم هذا ليس بعلم غيب فحيث يثبت الغائب عنهم فهم لايعلمونه قطعاً الا علي نحو الاخبار من الله جل‏وعز حيث يمكن الاخبار فان الذات غائبة عنهم و لا اخبار عنها و اما الكينونة فحيث انها علم و لا معلوم  فلا اخبار عنها ايضاً و اما الامكان فيمكن ان‏يخبر الله سبحانه من ارتضاه من رسول بشي‏ء من القوابل المستجنة فيه و ترتباتها و لوازمها و اما ساير العلوم الكونية فهو علم اوقفهم الله عليه و علمهم اياه و اشهدهم خلقه.

و ان شئت فقل لماكانوا قائمين بمشية الله و يحتاجون الي المدد دائماً ولو انقطع عنهم المدد طرفة عين لعدموا فهم يحتاجون الي الله جل‏وعز فيمايعلمونه في كل آن ان‏يعلمهم في ذلك الان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 373 *»

بتعليم جديد خاص والا لم‏يعلموا و لايكفي لعلمهم في الان الثاني تعليمهم اياه في الان الاول فلايعلمون شيئاً الا بتعليم جديد و انت لو قلت في المذهب انهم لايعلمون الا بتعليم جديد خاص من الله لماانكر عليك احد سواء في ذلك علم الغيب و غيره اذ من البديهيات انهم يعلمون الغيب بتعليم الله حتي انا نحن نعلم الغيب بتعليم الله و بذلك نكون مؤمنين بالغيب الاتري انا نعلم وجود الجنة و النار و الصراط و الميزان و كلها غيب و انما علمناها بتعليم الله فلا امتناع في ان‏يعلموا الغيب بتعليم الله جل‏وعز البتة بل نحن نقول انه لايعلمون الشهادة الا بتعليم الله في كل آن و نقول بان من يزعم انهم في الشهاديات لايحتاجون الي تعليم جديد مفرط متجاوز للحد مفوض مدع لاستقلالهم دون الله فتدبر و بهذه الجملة تواتر الاخبار و قد راها من جاس خلال الديار و احب ان‏اذكر هنا بعض الايات و الاخبار تيمناً.

قال الله عزوجل و ماكان الله ليطلعكم علي الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء و هذه الاية في المراد نحو قوله عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا من ارتضي من رسول و قال قل لااقول لكم عندي خزائن الله و لااعلم الغيب و لااقول لكم اني ملك ان اتبع الا ما يوحي الي فيمكن ان‏يراد بخزائن الله المشية لماروي ان خزائن الله بين الكاف و النون و يمكن ان‏يراد بالغيب ذات الله او الكينونة او الامكان و يمكن ان‏يراد لااعلم الغيب مستقلاً ولكن اتبع ما يوحي الي منه و قال و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو و المفاتح هي الخزائن و يمكن ان‏يراد بها المشية لما مر و يمكن ان‏يراد بالمفاتح المفاتيح و هم هم المفاتيح لايعرفهم الا هو لانهم محال المشية فلايمكن الاطلاع علي ما شاء الله الا بهم و قال لو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير و مامسني السوء فيراد منه لو كنت اعلمه مستقلاً او اعلم العلم الامكاني و قال سبحانه انما الغيب لله و لله غيب السموات و الارض فلا شك ان كل غيب له و ملكه ولكن الذي يخصه العلم الامكاني و قال تعالي ان الله عنده علم الساعة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 374 *»

و ينزل الغيث و يعلم ما  في الارحام و ماتدري نفس ماذا تكسب غداً و ماتدري نفس باي ارض تموت و هذا هو العلم بجميع الكاينات فان العلم المتعلق بالخلق اما يتعلق ببدئها بموادها فابان عنه بانه ينزل الغيث فانه الماء الذي منه كل شي‏ء حي و هو مادة كل شي‏ء و اما يتعلق بصورها فابان عنه بقوله و يعلم ما في الارحام اي ارحام القوابل فانه يصوركم في الارحام كيف يشاء و اما يتعلق بايام الاجل و تقلباته في ايام عمره فابان عنه وماتدري نفس ماذا تكسب غداً  و اما يتعلق بفساد الكون فابان عنه و ماتدري نفس باي ارض تموت و اما يتعلق بمعاده فابان عنه بقوله ان الله عنده علم الساعة  فهذه الاية تشتمل علي علم جميع الكائنات و كله مخصوص بالله سبحانه و لايعلم احد شيئاً منه الا بتعليم خاص سبحانك لا علم لنا الا ماعلمتنا انك انت العليم الحكيم و في العوالم بسنده عن الاصبغ بن نباتة قال سمعت اميرالمؤمنين7 يقول ان لله علمين علم استاثر به في غيبه فلم‏يطلع عليه نبياً من انبيائه و لا ملكاً من ملائكته وذلك قول الله تعالي ان الله عنده و ذكر الاية الي تموت و له علم قداطلع عليه محمداً و اله فقداطلعني عليه يعلمه الكبير منا و الصغير الي ان‏تقوم الساعة و في رواية عن الصادق7 هذه الخمسة لم‏يطلع عليها ملك مقرب و لا نبي مرسل و هي من صفات الله عزوجل انتهي و امثال هذه الاخبار انه لم‏يطلع الله احداً عليها اي بالاطلاع الاحاطي و اما الاطلاع بالاخبار فقداخبر ففي القران من ذلك كثير و جل معجزات الانبياء و الاولياء الاخبار عن ذلك و ذلك متواتر عنهم بل نحن نعلم كثيراً من ذلك فالمعني ان احداً لايطلع علي هذه الخمسة و هي علم جميع الكائنات الا بتعليم الله جل‏جلاله و لم‏يقل احد انه لايمكن الاطلاع علي هذه الامور ولو بتعليم من الله عزوجل و الاخبار الواردة في معني الغيب كثيرة و من عرف ما ذكرنا و شاهد ما بينا قدر علي وضع كل خبر موضعه و ما لم‏يكن له موضع فلايخلو من التقية فيحمل عليها فتفهم.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 375 *»

فصـل: في معني التفويض اليهم اعلم ان الناس وقعوا فيما وقعوا من الافراط و التفريط لانهم لم‏يطلعوا علي الحقايق فلاجل ذلك اضطروا الي الاخذ بظواهر الادلة و هي لاختلاف المحال مختلفة فمنهم من افرط و منهم من فرط و اما من من الله عليه بمعرفة حقيقة المسئلة فلايكاد يفرط او يفرط الا ان‏يشاء الله فتنته فيعميه عن قصد الحق و لاحول و لا قوة الا بالله العلي العظيم فمن من الله عليه بالتوحيد و معرفة التفريد لايكاد يقول بالتفويض الي احد من الخلق من محمد فمن دونه الي الثري فان التفويض من المحال و كيف يمكن ان‏يفرض خلق منقطع عن الخالق عزوجل مستغن عنه حتي يعقل التفويض اليه و ان كان الخلق لا وجود له الا بمدد الخالق و مشيته كما قال و من اياته ان‏تقوم السماء و الارض بامره  فمن يفوض و الي من يفوض و هو و جميع ما له و به و منه و اليه و عليه و لديه و فيه و عنده كلها قائمة بامر الله عزوجل بحيث انها اشياء و موجودة اذا روعي فيها و رأي فيها المشية والا فليس لها وجود ابداً فالي من يفوض الله عزوجل سبحانه سبحانه سبحانه عمايقول الظالمون علواً كبيراً فعندنا لايجوز التفويض الي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن و لا غيرهم من الخلق ابداً و ليس عندنا  قبض روح عزرائيل و احياء اسرافيل و خلق الملكين الخلاقين و اعمال غيرهم من الملائكة من باب التفويض اليهم نعوذ بالله بل ليس في عالم الزمان امر شي‏ء مفوضاً الي احد من الخلق حتي انه لم‏يفوض امر التشريع ولو في بعض المسائل الي محمد9 فما روي مما يدل علي ذلك متشابه يرد الي المحكم و المحكم قوله تعالي هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه و قوله قل الله خالق كل شي‏ء و قوله الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شي‏ء و قوله ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و قوله ان اتبع الا ما يوحي الي و امثال ذلك فمن اثبت غير الله خالقاً  فهو كافر بالله عزوجل و من قال ان الله خلق بعضاً و خلق احد غيره بعضاً فهو مشرك بالله العظيم و يكون كالمجوس ثنوياً و من قال ان الله و احداً غيره شريكان في الخلق علي الاشاعة فهو مشرك بالله عزو

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 376 *»

جل و من قال ان الله وكل احداً من الخلق لاجراء الافاعيل فهو يفعل وكالة عن الله تعالي او ان الله اذن لاحد من خلقه ان‏يفعل فهو يفعل باذن الله فهو ممن اخرج الله عن سلطانه و انكر قدرته اللانهاية فاشرك بالله ما ليس له به علم و من قال ان الله عزوجل هو الفاعل لما يشاء و الحاكم لما يريد و هو محدث كل حادث و مشيئ كل شي‏ء وحده وحده وحده لاشريك له فهو مؤمن حقاً.

نعم ان الله يفعل ما يشاء بما يشاء كيف يشاء فانه ابي ان‏يجري الاشياء الا باسبابها و جعل لكل شي‏ء سبباً فيحرق بالنار و يبرد بالماء و ينور بالشمس و يظلم بالارض و هكذا يفعل ما يشاء بما يشاء كيف يشاء و من تلك الاسباب اسباب شهادية و اسباب غيبية و اسباب صورية و اسباب معنوية و اسباب جزئية و اسباب كلية و السبب لايكون شريكاً للمسبب بكسر الباء و لا وكيلاً له و لا ماذوناً من عنده كماتري من البلورة انها ليست شريكة للشمس في الحرارة و الاحراق و لا وكيلة لها بحيث لاتحرق الشمس و تحرق هي و لا ماذونة من قبلها بحيث يقال ان الشمس اذنت للبلورة بان‏تحرق فهي تحرق دون الشمس بل الشمس هي الحارة المحرقة وحدها الا انها تظهر احراقها في البلورة لاستعدادها للمظهرية دون الاجرة كذلك يفعل العزيز العليم يخلق ما يشاء بما يشاء و منه الملكان الخلاقان و يتوفي الانفس بملك الموت و يحيي الموتي باسرافيل و هكذا و هو عزوجل بفردانيته فاعل الافعال الا انك بعد ان عرفت هذا السر لك ان‏تنسب الفعل الي السبب لاجل ظهوره منه كما يقال ان القلم يكتب حسناً و السكين يقطع جيداً و كتبته يداي و قدقال الله عزوجل الله يتوفي الانفس و قال قل يتوفيكم ملك الموت و قال الذين تتوفيهم الملائكة و قال الله خالق كل شي‏ء و قال احسن الخالقين و قال و ما من دابة في الارض  الا علي الله رزقها و قال و علي المولود له رزقهن و كسوتهن الي غير ذلك من الايات الكثيرة فكل نسبة الي غيره عزوجل فمن باب ظهور الفعل من السبب والا فالفعل صدوراً يصدر من الله الواحد في افعاله بلا شريك فمن زعم ان في الملك محدثاً غيره فقداشرك بالله العظيم.

و قدذكرنا ان من تلك الاسباب ما هو جزئي كما

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 377 *»

عرفت بعضها و منها ما هو كلي كالسبب الاعظم الاعظم الاعظم و هو مابه فتح الله و به يختم و اليه يرجع امر العالم فهو الذي لايسبقه سابق و لايفوقه فائق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع فلذلك تقرؤ في الزيارة فما من شي‏ء منا الا و انتم له السبب و اليه السبيل و عن ابي‏عبدالله7نحن السبب بينكم و بين الله عزوجل فهم سبب الاسباب منهم يظهر كل سبب و اليهم ينتهي كل سبب و الله عزوجل هو مسبب هذا السبب من غير سبب لانه لايسبقه سابق فمن قال ان الله عزوجل هو الخالق الرازق المحيي المميت محدث كل حادث و خالق كل مخلوق لكن بما يشاء كيف يشاء و اعظم ما شاء ان‏يخلق به و يرزق به و يحيي به و يميت به و يحدث به هو هم صلوات الله عليهم لان الخلق بعضهم سبب بعض و كل مقدم سبب المؤخر و هم اقدم من الكل و اسبق علي جميع ما سويهم فهم سبب الكل و بهم احدث الله الكل لا بغيرهم و لايشاركهم في هذه السببية احد من الخلق اذ جميع الاسباب من ظهورهم و شعاع نورهم لم‏يقل شططا و هو الموحد لله بتوحيد الافعال كماشاء الله المتعال و ليس بتفويض ابداً فان التفويض كفر و جميع ما خرج من العدم الي الوجود خرج بسبب فانه ابي ان‏يجري الاشياء الا باسبابها فهذا مجمل القول علي نحو الظاهر.

و اما الاشارة الي حقيقة المسئلة كما يليق بهذا الكتاب فاعلم ان كل ماسوي الواجب جل‏وعز مسبوق بالامكان و هو العدم السابق علي الوجود و العدم المحض ليس بسابق علي الوجود فانه ليس محض فالامكان هو عدم الاشياء الصالح لان‏يخلق منه الاشياء الا انها فيه منفية و جميعها فيه علي السواء بلا امتياز فهو صلوح الكل بلاتفاوت و الكل فيه بالقوة و لايخرج شي‏ء من تلك القوي الي عرصة الفعلية من دون كامل بالفعل في تلك الجهة خارجي فاذا حصل كامل في تلك الجهة المرادة وقع فضل كماله علي ذلك الامكان و احاله شيئاً فشيئاً الي مشاكله فصوره بصورة من نحو كماله و هذا هو معني ماكان يقال الحكمة اظهار ما قدكمن لا ايجاد ما لم‏يكن كما ان صورة الالف في المداد بالقوة فاذا جاء

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 378 *»

حركة يدك من الامام الي الوراء و وقع ظلها عليه اخرجت من كمونه الحركة من الامام الي الوراء فتصور بصورة الالف و كذلك الدهن فيه النار بالقوة فاذا جاءت النار بالفعل و القت شبحها و حرارتها الفعلية عليه كملت ما فيه من الحرارة النارية بالقوة علي نحو الاحالة فاخرجها من القوة الي الفعلية فصارت شعلة و الذي خفي علي الكثيرين تركب الامكان من الطبايع فلعلهم يزعمونه امراً بسيطاً لا طبايع فيه فيحار فيه عقولهم كيف يظهر منها كل هذه الصور المختلفة و الامر علي خلاف ذلك فان الامكان ليس باحد و لا بسيط و انما هو مركب من الطبايع العامة الامكانية التي هي قوابل جميع الصور و تلك الطبايع فيه موجودة علي نهج الاتحاد السرمدي فبتلك الطبايع الشايعة صلح لجميع الصور التي هي هيئات تلك الطبايع و مقتضياتها ان ظهرت بالفعل كما تري في الماء و الطين في هذه الدنيا اللذين منهما خلق كل مولود و هما مركبان من الطبايع صالحان للتصور بصور لانهاية لها فاذا جاء مكمل لصورة من الصور طاوعاه و تصورا بصورة ذلك المكمل و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فلاجل ذلك احتاج كل موجود مسبوق بالعدم الي سبب كامل به يخرج من العدم الي الوجود و مما بينا ظهر لمن ابصر ان السبب لابد و ان‏يكون مشاكلاً مناسباً لما يراد اخراجه من العدم الي الوجود فالشي‏ء الجزئي سببه جزئي لامحه و الكلي سببه كلي و الشهادي شهادي و الغيبي غيبي و من البين ان الاسباب الجزئية ظواهر السبب الكلي و هو بمنزلة الاحدية في اعدادها و بمنزلة الذات في صفاتها فالسبب الكلي الاعظم الاعظم الذي به اي بذاته او بصفاته و ظهوراته او افعاله اخرج الله الخلق من العدم الي الوجود هو المخلوق الاول و يجب ان‏يكون غيرمسبوق بالعدم اذ لا كامل سابقاً يخرجه من العدم الي الوجود و لابد و ان‏يكون بين الكامل و المتكمل مناسبة و لايجوز ان‏يكون الذات القديمة سبب الخلق و لايجوز انقلاب العدم الي الوجود بنفسه فوجب ان‏يكون سبب كامل كلي ذو انوار و اشعة لانهاية لها و يكون سبباً بنفسه بلا سبب سابق عليه به يخرج الله جل‏وعلا من كمون الامكان ما يشاء علي ترتيب الحكمة و ليس ذلك بتفويض و لا تشريك و لا توكيل و لا اذن و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 379 *»

انما الخالق هو الله وحده يخلق ما يشاء بما يشاء كيف يشاء.

فصـل: و لما ان‏بلغ الكلام الي هيهنا احببت ان‏اذكر ما طال به المقال بين اهل القيل و القال من امر العلل الاربع فهم بين غال و قال و مفرط و مفرّط و اردت و لا قوة الا بالله ان‏اذكر هنا حقيقة الامر حتي يتبين للمنصفين ما فيه و يشرح ظاهره و خافيه.

اعلم ان علة الشي‏ء سببه و ما يتوصل به اليه و هي عند الحكماء اربعة فان الشي‏ء مركب من مادة و صورة فمادته حصة من امكانه السابق قابلة للتصور بصورته و صورته ما ظهر عليها بصنع الصانع المحيل لها الي مشاكله فالشي‏ء بهما شي‏ء و كل واحد منهما ركن الشي‏ء و هو قائم بهما قيام ركن الا ان المادة هي الركن الاعظم الجوهري و الصورة هي الركن الاصغر العرضي و مثلهما كالخشب و صورة السريرية و بهما يوجد السرير في الخارج فالخشب هو العلة المادية عندهم و الصورة السريرية هي العلة الصورية و لما كان لهما خالق و موجد اوجدهما بصنعه و هما قائمان به قيام صدور سموا ذلك الصنع المتعلق بهما بالعلة الفاعلية و لما ان كان الفاعل الحق جواداً كاملاً و لايتعلق صنعه بشي‏ء الا بسبب ذلك الجود الموجب لان يوجه صنعه الي ايجاد ذلك الشي‏ء و غير الفاعل الحق ايضاً يحتاج الي مهيج يهيجه علي فعل ذلك الشي‏ء الذي يصنعه يشترط تعلق صنع الصانع بوجود الشي‏ء بذلك الجود السابق و سموا ذلك بالعلة الغائية فالعلة الغائية هي علة للفاعلية و الفاعلية علة للمادية و المادية علة لتحقق الصورة و ان لم‏تكن علة وجودها فلاجل ذلك قالت الحكماء انه ما من شي‏ء الا و له علل اربع فجميع ماسوي الله جل‏وعز حادث و الحادث يحتاج في وجوده الي علل اربع لامحه ولكنها في كل رتبة من مراتب الخلق علي حسبه.

اما الخلق الاول الذي لا سابق عليه سوي الواجب جل‏وعز فيجب ان‏يكون جميع علله عينه اذ لا سابق عليه يكون علة له و الذات جلت و علت لاتكون مادة خلقه و لا صورته و لا الصنع المتعلق بالخلق و لا المقتضي الداعي الي الصنع اذ جميع ذلك ينافي الاحدية فمن عرف الاحد نزهه عن جميع الصفات و عرف ان كمال التوحيد نفي الصفات عنه هذا و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 380 *»

العلة متضايفة مع المعلول و ذكر كل واحد في كل واحد و الله الاحد اجل من ان‏يكون ذكر غيره فيه ولو كانت العلة هي القديمة لكان المعلول ايضاً قديماً لعدم جواز تخلف المعلول عن العلة التامة و الله لايكون ناقصاً و العلية وصف و الذات منفي عنها الصفات عند الموحدين في الدعاء كان عليماً قبل ايجاد العلم و العلة و في الخبر علة ما صنع صنعه و هو لا علة له فوجب ان‏يكون الخلق الاول جميع علله في نفسه فبذلك ليس لوجوده ترقب ولم‏يسبقه عدم ابداً ولو كان معدوماً حيناًما لكان علل وجوده معدومة و لم‏يكن يصير الذات علة و لايوجد شي‏ء بلا علة والا لم‏يكن مصنوع الفاعل فوجب ان لايسبقه عدم ابداً فهو العلة الغائية و الفاعلية و المادية و الصورية خلقه الله لا لشي‏ء و لا بشي‏ء و لا من شي‏ء و لا علي شي‏ء لايسأل عما يفعل و هم يسألون و كما انه لا بدء له لا فناء له فهو اية اولية الله و اخريته و ازليته و ابديته و وجوبه و قدمه و غنائه و كماله و عدم تناهيه فانه ليس فوقه شي‏ء يصل به اليه شي‏ء بعد شي‏ء و يسعي مترقباً اليه و هو لايفقد نفسه ابداً و هي علة جميع ما يمكن في حقه فجميع ما يمكن في حقه موجود له بالفعل و الامكان لا نهاية له فالخلق الاول هو بنفسه العلل الاربع لنفسه و هو المعلول الاول قال الصادق7 خلق الله المشية بنفسها و اما ما سواه فهو دونه و من نوره و شعاعه اذ بعدم التناهي و الفعلية الكاملة لم‏يدع الخلق الاول معه مقاماً يسع غيره و يفقد هو كماله فيتناهي به فاذ لم‏يكن معه شي‏ء كان ما سواه دونه و كل اثنين لايتجامعان يكون احدهما شعاع الاخر لامحه و ظهوراً و تمثلاً  له فالمنير منهما هو غيرالمتناهي المعطي ما دونه اسمه و حده و النور هو المتناهي الذي لايري الا برؤية المنير و لايوجد الا بوجوده.

بالجملة جميع ما سوي الخلق الاول شعاعه و نوره و ظهوره و تمثله في الخارج و لابد و ان‏يكون للشعاع ايضاً علل اربع اما ذات الخلق الاول فلاتكون مادة للخلق الثاني و لا صورة له بلا شك و كذا لاتكون علة فاعلية لتكثر الاشعة و توحدها و لابد من المشاكلة بين الفاعل و المفعول و لا علة غائية اذ لو كانت

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 381 *»

علة لاقتضي اقتران الفاعلية بها ثم اقتران المفعولات بها و لوجب ان‏يكون جميع الحوادث و الاشعة في عرضها فاذ لم‏يصلح ان‏يكون ذات الخلق الاول علل الاشعة و الانوار بذاتها وجب ان‏تكون بشعاعها و هو عين الاثار فالخلق الاول علة نفسه في نفسه بنفسه و اما في انواره و اثاره فهو علة لها بها لا بنفسه فقول الصادق7 خلق الله الاشياء بالمشية فمعناه بشعاع المشية و نورها كما تقول كتبت بيدي و قلت بلساني فالمراد الحقيقي بحركة يدي و حركة لساني لا بذاتهما و هذا المجاز شايع معروف و منه انا اليه راجعون اي الي امره راجعون او نقول ان الباء ليست حقيقة للاستعانة بالذوات اذ لايستعان بها علي شي‏ء حقيقة و لا حقيقة لها غير ذلك و انما المستعان‏به في كل مقام ظهور الشي‏ء و صفته فوضع الباء حقيقة لذلك فقوله7 خلق الله الاشياء بالمشية اي بظهورها و حيث اقترانها فقوله خلق الله المشية بنفسها انما تتحدان هناك بدليل خارجي فافهم و تدبر فهل في الاثار هي ممتازة او متحدة فذلك يختلف بحسب اختلاف المراتب فيشتد تشاكلها كلما قربت الي المبدء و تمايزها كلما بعدت و علي اي حال يكون الخلق الاول هو علل الخلق بنوره و شعاعه فهو العلة المادية و الصورية لان ماسواه من شعاعه و نوره و الشعاع مادته من ظهور منيره و صورته من صورة ذلك الظهور و الظهور ظهور اذا رأي الظاهر منه و فيه و به والا فليس بظهور له فهو العلة المادية و الصورية لماسواه و كذا هو العلة الفاعلية فان الكل بفعله و هو فعله من حيث الاضمحلال و هو العلة الغائية فان الغاية ظهور كماله و الخلق هو ظهور كماله فهم سلام الله عليهم الذين هم الخلق الاول كما مر هم العلة المادية و الصورية و الغائية و الفاعلية بظهورهم من غير تفويض و استقلال لهم و لا تشريك و لا توكيل و لا اذن و ان الله هو الخالق و كان كنزاً مخفياً فاحب ان‏يعرف فخلق الخلق لكي‏يعرف فاخترع الخلق لا من شي‏ء و ابتدعه لا لشي‏ء كل ذلك بما شاء كيف شاء و هو العزيز العليم و ان هذا هو الصراط المستقيم نحن النمرقة الوسطي الينا يرجع الغالي و بنا يلحق التالي و الحمد لله و قدشرحت لك جميع اطراف المسئلة لو

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 382 *»

تدبرت في حدود هذه الكلمات.

فصـل: قدروي في العوالم و البحار انه سأل ابوذر الغفاري سلمان الفارسي رضي‏الله عنه يا اباعبدالله ما معرفة اميرالمؤمنين7 بالنورانية قال يا جندب فامض بنا حتي نسأله عن ذلك الي ان قالا جئناك يا اميرالمؤمنين نسألك عن معرفتك بالنورانية قال صلوات الله عليه مرحباً بكما من وليين متعاهدين لدينه لستما بمقصرين لعمري ان ذلك الواجب علي كل مؤمن و مؤمنة ثم قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال7 انه لايستكمل احد الايمان حتي يعرفني كنه معرفتي بالنورانية فاذا عرفني بهذه المعرفة فقدامتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و صار عارفاً مستبصراً و من قصر عن معرفة ذلك فهو شاك و مرتاب يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال7 معرفتي بالنورانية معرفة الله عزوجل و معرفة الله عزوجل معرفتي بالنورانية و هو الدين الخالص الذي قال الله تعالي و ماامروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا الصلوة و يؤتوا الزكوة و ذلك دين القيمة  الخبر واحببت ان‏اذكر شيئاً من ذلك هيهنا و ان كان وضع كتابنا علي ذلك.

اعلم انه يمكن ان‏يراد من قوله بالنورانية شيئان الاول ان‏يراد بها صفة العارف و الثانية ان‏يراد بها نوع معرفة المعروف فان اردنا الاول فالمراد معرفة اميرالمؤمنين7بالنورانية التي جعلها الله في المؤمن و هي المشاراليها في قول رسول‏الله9 اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله المفسر في قول الصادق7 اي النور الذي خلق منه المشاراليه في قوله تعالي فمن لم‏يجعل الله له نوراً  فما له من نور و يسعي نورهم بين ايديهم و بايمانهم و ذلك النور هو مادة المؤمن التي خلق منها و ليس له ذكر قبلها و هي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 383 *»

نفسه التي من عرفها فقدعرف ربه و هي فؤاده المشاراليه ماكذب الفواد ما راي و هي صفته سبحانه و اية تعريفه و تعرفه سبحانه به عرف نفسه لخلقه و ذلك النور هو شعاع ال‏محمد: لان شيعتهم منهم كشعاع الشمس من الشمس و الشعاع صفة المنير و شبحه المنفصل المطابق لشبحه المتصل و دليله و ¨ايته فمن عرف النور عرف المنير بصفته و لايعرف المنير حقيقة عند من دونه الا بنوره الذي تجلي له به فمن عرف اميرالمؤمنين7بنورانية هذا النور وصل الي حقيقة معرفته الممكنة لمن دونه و من لم‏يعرفه بهذه النورانية فقد عرفه بغير ما هو عليه و بغير ماخصه الله به و عرف نفسه لمن دونه فمن عرف الشمس بغير نورها الذي تجلت به فقد عرفها بغير صفتها و من عرفها بغير صفتها فقد ضل عن معرفتها و غوي.

و ان اريد بالنورانية صفة معرفة المعروف فالمراد معرفتهم بالنورانية التي جعلها الله فيهم المشاراليها في قولهم: اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده و قولهم يفصل نورنا من نور ربنا كما يفصل نور الشمس من الشمس و ذلك هو حقيقة معرفتهم فمن عرفهم بهذه المعرفة فقدبلغ و كمل و وصل و اقر بماجعله الله لهم من الفضل و هذه المعرفة لاتحصل الا بتلك العين اي الفؤاد و المراد الاشارة الي هذه المعرفة علي نهج الاختصار.

اعلم ان من عرف ان الله سبحانه كان فرداً في ذاته متوحداً ليس معه ذكر ماسواه لا بوجود و لا عدم و عرف ان اول جميع ما خلق محمد و ال‏محمد: عرف انهم سلام الله عليهم كماله عزوجل و نوره و اسمه و صفته و انهم موقع كل اسم و صفة كائنين ماكانا بالغين مابلغا و انهم فانون مضمحلون في جنبه سبحانه لااذكر لانفسهم و انهم بجميع ما هم عليه ذكر الله عزوجل و لله لا لانفسهم و عرف ان جميع ما قيل في العالي يقع عليهم لانهم الموصوفون و هم مواقعه و جميع ما قيل في حقهم هو الواقع علي الله لانهم نوره و لم‏يكونوا لانفسهم و هم الذين بهم عرف الله توحيد ذاته و صفاته و افعاله و عبادته لهم و لغيرهم بهم صلوات الله عليهم و هم غاية الغايات و نهاية النهايات و مواقع الاسماء و الصفات

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 384 *»

و هم في اعلي مقاماتهم في غاية الوحدة الامكانية لانهم اول الموجودات و مبدأ الكاينات و لايجري عليهم صفات ما هو دونهم من الكثرة و التعدد و كانوا علي تلك الوحدة الي ان ظهروا في هذا العالم فظهروا بصور متعددة علي حسب اقتضاء الاوقات الزمانية و لهذه الابدان الشخصية الجزئية نفوس جزئية متلاشية فانية  عند نورهم الكلي الوحداني بحيث لا حكم لجزئيتهم و انما صار الجزئي يحكي الكلي لفعلية جميع قبضات البسايط فيه علي اكمل مايمكن و ليست في غيرهم صلوات الله عليهم هكذا فهم الكلمات التامات فظهر منهم جميع كمالات الكلي بحيث لايشذ عنها شاذ و جميع من سواهم منحط عن تلك الدرجة فيفقد كل من دونهم قبضة فلايظهر منه كمالها فبذلك صاروا صلوات الله عليهم في مقام الجزئية حكاة الكلي و مراة جميع الاسماء و الصفات لله سبحانه و هم في مقام حكاية الكلي اشرف و اعظم من تمام هذا العالم لصفاء طويتهم و اعتدال سجيتهم و طهارتها عن الاعراض بخلاف هذا العالم فانهم سلام الله عليهم بمجاهدتهم في الله قدبلغوا مبلغ اخروية بسايط العالم و ما بهم من الاعراض لم‏يختلط بهم بحيث يحجب ابدانهم عن حكاية الكلي و لذلك يتركونه اذا شاءوا و يضمونها بابدانهم اذا شاءوا بخلاف ما بالبسايط من الاعراض فانه لايزول عنها الا بنفخ الصور و طي الارض و السماء و تبديلهما.

و اما صفة ظهورهم في ابدان عرضية متعددة اذا شاءوا في زمان واحد او ازمنة متعددة فسهلة عند من عرفهم و هي ان حقايقهم الدهرية الكاملة المفارقة المستقلة في الدهر نسبتها الي جميع الاوقات و الامكنة علي السواء فاذا شاءوا التجلي في امكنة عديدة او اوقات اخذوا من اعراض هذا العالم و الفوها بحيث تناسبهم في الصفاء و الاعتدال و تجلوا فيها و نطقوا عنها و ياتي شرحها في الرجعة ان شاء الله فافهم راشداً موفقاً فقد ذكرت لك سر الامر و حقيقته فتفهم ولو راجعت حديث النورانية لرأيت ان ما ذكرناه في هذا الفصل شرح اكثر فقراته علي سبيل الاشارة.

فصـل: في معني الغلو و التقصير اعلم ان الغلو لغة بمعني التصلب و التشدد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 385 *»

في الامر حتي يجاوز الحد و التقصير قطع اخر الشي‏ء اي من طوله فالغالي في ال‏محمد:هو الذي تصلب فيهم حتي جاوز حداً جعله الله لهم في توصيفهم فجاوز بهم عن ذلك الحد و المقصر في حقهم من انزلهم عن مقام جعله الله لهم وكلاهما طريق ضلالة و عن علي7 يهلك في اثنان محب غال و مبغض قال وقال7 يهلك في رجلان محب مفرط يقرظني بما ليس لي و مبغض يحمله شنــٔاني علي ان‏يبهتني و لا شك ان الغلاة كفرة و كذا المقصرون بعد البيان فمن رفع ال‏محمد: عن الامامة الي حد النبوة فقد غلا و من رفع النبي عن مقام النبوة الي مقام الالوهية فقد غلا و كذا من رفع الشيعة عن مقام التشيع الي مقام الائمة فقد غلا و هو كفر بالله العظيم فعن ابي‏بصير قال قـال لي ابوعبدالله7 يا بامحمد ابرأ ممن يزعم انا ارباب قلت برئ الله منه قال ابرأ ممن يزعم انا انبياء قلت برئ الله منه و ذلك من بديهيات مذهب الشيعة و مما استقر عليه مذهبهم و لا شك فيه وكذلك من قصر و وصف الله بصفة النبي9 او وصف النبي9 بصفة الائمة: دون صفة النبوة او وصف ال‏محمد: بصفة الشيعة دون صفة الامامة فلو فعل ذلك بعد البيان فقد اشرك بالله العظيم و اما من وضع كل واحد منهم مقامه الذي جعله الله له و وصف كل واحد بما وصفه الله فهو مؤمن حقاً.

فالذي اقول في هذا المقام ان الله سبحانه احد لايثني تعالي عن مجانسة مخلوقاته و تقدس عن مقارنة مذروءاته ليس كمثله شي‏ء و لاتدركه الابصار و لاتحيط به خواطر الافكار و لاتعرفه غوامض الاسرار فهو مجهول الكنه بري‏ء عن الاسم و الرسم اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم و اول جميع ما سواه باسره نور محمد9 و اله الطاهرين سلام الله عليهم فهو اول ما خلق الله لايفوقه فائق و لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق ثم كانوا علي ذلك التوحد و التفرد ابداً الي ان ظهروا في عالم الكثرة فانشق نصفين فصار نصفه محمداً و نصفه علياً كما روي في

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 386 *»

الاخبار ثم تفصل نور علي7 الي الائمة الاطهار صلوات الله عليهم و هم جميعهم من نور واحد و طينة واحدة خلقهم الله قبل خلق الخلق بالف الف دهر فلما استكمل خلقهم خلق الله من شعاع نورهم الانبياء و الاوصياء ثم من شعاع نور الانبياء الشيعة و لكل منهم مقام معلوم فلايمتنع اثبات جميع ما سوي ذات الاحد من الكمال لهم صلوات الله عليهم و ليس بغلو و لا تجاوز عن الحد في حقهم ولذلك روي في المستفيضة منها لاتجعلونا ارباباً و قولوا في فضلنا ما شئتم فانكم لاتبلغون كنه ما فينا فان الله عزوجل قد اعطانا اكبر و اعظم مما يصفه واصفكم او يخطر علي قلب احدكم فاذا عرفتمونا هكذا فانتم المؤمنون و في رواية نزلونا عن الربوبية و قولوا في فضلنا ما شئتم و لن‏تبلغوا و في رواية قولوا انا عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم الي غير ذلك من الاخبار و نحن و الحمد لله لم‏نجاوز بهم مقام الخلق في كتابنا هذا و ساير كتبنا و مباحثاتنا و عقايدنا ولكن المخالفين لنا مقصرون في معرفة التوحيد و يصفون الله بصفات خلقه فاذا وصفنا خلقاً بتلك الصفات يزعمون انا غلونا و نحن نبرأ الي الله سبحانه ممن يغلو في حقهم صلوات الله عليهم او يقصر وليكن ذلك محكماً عندك ارجع اليه ساير اقوالنا و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله.

فصـل: و مما اكثر آل‏محمد: ذكره  في احاديثهم امر روح‏القدس7  فاحببت ان لايخلو كتابي هذا من ذكره فانه مرجع كثير من فضائلهم صلوات الله عليهم.

اعلم ان اصل الروح مشتق من الريح و اخرج علي لفظ الروح لانه مجانس للريح متحرك مثلها كما روي و مصداق هذا المعني منه في الظاهر الروح البخاري الذي في البدن فانه الذي كالريح و يسمي الروح الفلكي المشتعل فيه بالروح تعبيراً عن الاعلي بالادني و لان ما في الاعلي حقيقة ما في الادني و ما في الادني ظاهر ما في الاعلي و لذلك تعلق الروح الفلكي بالبخاري و اشتعل به فالفلكي ايضاً علي صفة الريح و ان لم‏يكن علي شكلها و قديطلق

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 387 *»

الروح و يراد منه الروح الملكوتي البرزخي بين العقل و النفس و قديطلق و يراد منه العقل كقوله9 اول ماخلق الله روحي و قديطلق و يراد منه النفس كما يقال قبض ملك الموت روحه اي نفسه لقوله تعالي الله يتوفي الانفس فروح‏القدس هو العقل و هو رئيس الملائكة و غيرهم و هو المشاراليه بقوله تعالي تنزل الملائكة و الروح و اوحينا اليك روحاً من امرنا فعن ابي‏جعفر7 في تفسيره خلق من خلق الله اعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول‏الله9 يخبره و يسدده و هو مع الائمة من بعده و في رواية اطلق عليه لفظ الملك و عليه هو من العالين و ليس من عرض ساير الملائكة و هو المشاراليه بقوله يسالونك عن الروح قل الروح من امر ربي كما روي عن ابي‏عبدالله7 في تفسيره خلق اعظم من جبرئيل و ميكائيل لم‏يكن مع احد ممن مضي غير محمد9و هو مع الائمة يوفقهم و يسددهم و ليس كل ماطلب وجد و في رواية هو من الملكوت و في رواية سماه بالطارق المذكور في قوله والسماء و الطارق لانه يطرق الائمة من عند ربهم بما يحدث بالليل و النهار وفي رواية صورة اعظم من جبرئيل و ميكائيل و في رواية عن الرضا7 قال ايدنا بروح منه مقدسة مطهرة ليست بملك لم‏تكن مع احد ممن مضي الا مع رسول‏الله9 و هي مع الائمة منا تسددهم و توفقهم و هو عمود من نور بيننا و بين الله عزوجل و قديطلق الروح علي الناطقة القدسية فيسمي بروح‏الايمان و قديطلق علي النفس الحيوانية الفلكية كما روي في تفسير قوله تعالي يسالونك عن الروح قال التي في الدواب و الناس قيل و ما هي قال هي من الملكوت و القدرة و قديطلق علي النفس النباتية فيقال الروح النباتي و بذلك يكون النبات حياً و قديطلق الروح علي القوي كما روي ان فيهم خمسة ارواح روح‏القدس و روح‏الايمان و روح‏القوة و روح‏الشهوة و روح‏البدن فروح‏القوة و روح‏الشهوة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 388 *»

هما القوتان الغضبية و الشهوية التي في الحيوان و روح‏البدن هو الحيواني الفلكي و المؤمن فيه اربعة ارواح و هي ما سوي روح‏القدس و في الحيوانات ثلثة ارواح و هي روح‏القوة و الشهوة و البدن و لما كان الكافر ليس فيه روح‏الايمان يشارك الحيوان في الثلثة و ان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فروح‏القوة و الشهوة هما قوتان في الحيوان و روح‏البدن هو حيوته الحيوانية و لذلك عبر عنه في بعض الاخبار بروح‏الحيوة و قدم عليهما و اختلف الترتيب في خبر اخر و المراد محض العد او هو من تغيير الرواة فاذا اتبعت روح‏الايمان عملت الثلثة بامره و له و حييت بفضل حيوة الايمان و الطاعة و اذا اتبعت الاربعة روح‏القدس عملت الاربعة بامره و له و جرت في طاعته و اعماله و حييت بفضل حيوته.

و اما ما في دعاء الصحيفة في الصلوة علي الملائكة و الروح الذي علي ملائكة الحجب و الروح الذي هو من امرك فالاول هو الروح الملكوتي المهيمن علي ملائكة الحجب سكنة النفس و الثاني هو الذي مادته من امر الله المفعولي و هو العقل و هو روح‏القدس و قدعبر في بعض الاخبار عن روح‏القدس بالعمود من نور يري فيه الدنيا و ما فيها و في بعضها بلفظ المنار و روي انه كهيئة العين علي راس النبي و الاوصياء.

بالجملة روح‏القدس هو العقل الكلي و هو عقلهم و هو وسط الكل و علة العلل و عالم بالشي‏ء قبل كونه محيط بالاشياء من جميع جهاتها و هو عمود من نور راسه عند الله و يمر علي روح الحجة و نفسه و طبعه و مادته و مثاله و قلبه و صدره و عقله و علمه و وهمه و فكره و خياله و حسه المشترك و راسه الاخر عند حواس الامام فيسمع بذلك النور و يبصر به و يشم و يذوق و يلمس به و هو يؤيد جميع حواسه و كلما اشكل شي‏ء علي جميع هذه المراتب يلتفت الي هذا العمود و يري فيه ما يريد و اذا نفد ما عند هذه المراتب ياتيه بذلك الروح المزيد و هو المنار الذي حقيقته مشرفة عليه ينظر في الف الف عالم و يري فيه اعمال اهل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 389 *»

جميع العوالم كل عالم في جزء من هذا المنار بازائه و هو علي صفة العين الرائية التي لاتنام و لاتعمي عن شي‏ء و تدرك كل شي‏ء علي ما هو عليه و هذا المنار يرفع لهم اذا تولدوا و يشتد لهم ظهوراً و فعلية بالمراقبة الخاصة اذا انتقل اليهم الامر و هو لايلهو و لايسهو و لايخطي و لايزل و لاينام و لايغفل فلو وقع عليه شي‏ء من ذلك لفني ضده عن كل العالم لانه مؤثر الكل و الذي في ذلك العمود اصول جميع ما خلق الله و مباديه و علله بها يعلمون الاشياء علم احاطة ولو تدبرت في حدود هذه الكلمات لوجدتها شرح جميع اخبار الباب فهم سلام الله عليهم بهذا الروح يعلمون ماكان و مايكون الي يوم القيمة و يقدرون علي ما يشاءون من التصريف في جميع الف الف عالم و يظهرون الغرائب و الاسرار و المعجزات و يعلمون الاسم الاعظم باعتبار و به يفعلون ما يشاءون و مع‏ذلك هذا الروح خادمهم لان حقيقتهم اعلي من ذلك و بذلك كتب العسكري7 ان روح‏القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة و المراد صاقورة العالم اي قحف راسه و هو عالم الجبروت ذاق من حدايقهم التي غرسوها في ارض الامكان باكورة ثمرة الوجود لان العقل اول ما خلق الله و هو ظل فؤادهم و دونه مطيع له منقاد عبد طاعة و لاينافي ذلك ما روي من انه يسددهم و يؤيدهم و يعلمهم فانه ياخذ عن حقيقتهم و يوصله الي ساير مراتبهم كما ان خيالك ياخذ عن نفسك و يوصل الي صدرك و مالم‏يخطر ببالك الخاطر لاتدري البتة و كما ان جبرئيل خادمهم و ما لم‏ينزل لايعلمون فافهم راشداً موفقاً.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 390 *»

الخاتمـة

في بيان معني الرجعة و بيان اسرارها و فيها فصول

فصـل: اعلم ان الرجعة امر من امر الله و سر من سر الله فهمها من المعضلات و درك حقيقتها من المشكلات و الايمان بها من خواص المؤمنين المسلمين لال‏محمد: و نحن قدكتبنا شيئاً من بيانها مع التفاصيل الواردة في الاخبار في كتابنا ارشادالعوام و قدكتبها شيخنا الاوحد في كتاب يشتمل علي مسئلتين العصمة و الرجعة ولكن يظهر منه ان عزمه كان علي جمع الاخبار لا كشف الاسرار و كذلك ما كتبه في شرح‏الزيارة و غيره من كتبه اعلي‏الله مقامه والذي اريد و لا قوة الا بالله في هذه الرسالة شرح حقيقتها و ان لم‏استوف الاخبار اذ بناء الكتاب علي شرح الحقايق و الاشارة الي الاثار.

فاقول ان المراد بالرجعة رجوع الائمة و شيعتهم الماحضين و كذا اعدائهم في الدنيا ان لم‏يكونوا ممن اهلكهم الله بالعذاب في الدنيا لقوله تعالي و حرام علي قرية اهلكناها انهم لايرجعون و كذا من كان له قصاص و ان لم‏يكن ماحضاً فيرجع و يقتص من قاتله و يعيش بعده ثلثين شهراً ثم يموتون في ليلة واحدة و هي الحشر المشاراليه في قوله تعالي و يوم نحشر من كل امة فوجاً ممن يكذب باياتنا فهم يوزعون و هي غير الظهور لان الامام7 حي غايب و سيظهر ان شاء الله و لم‏يسلب الملك فيرجع اليه فمبدؤ الرجعة من رجوع الحسين7 الي الدنيا و القول بها هو المحكي عن الاكثرين و انكرها بعض الامامية و لم‏يعترف الا بخروج القائم و منهم الشيخ المفيد رضي الله عنه فطرح الاخبار بانها اخبار احاد و حملها علي ظهور القائم و اما العامة فينكرونها راساً و يشنعون علي الشيعة و زعموا ان القول به يلزم التناسخ و استدلوا بادلة واهية ذكرها شيخنا اعلي الله مقامه و ردها بما لا مزيد عليه و سجل عليها بالايات و الاخبار بحيث اغنانا و لله الحمد عن ذكرها ثانياً هنا.

بالجملة هي عندنا ثابتة بالكتاب و السنة المتواترة معني و اجماع الشيعة اليوم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 391 *»

المقطوع دخول المعصوم فيهم و الاقرار بها اليوم من اركان المذهب و اصوله و لايقدح في الاجماع خروج نادر من الشيعة قدخرج بشبهة و بعدم ثبوتها عنده و ليس لمن لايعلم حجة علي من يعلم.

فصـل: اعلم انا قدقدمنا في المعاد من تفصيل البدء و العود ما يغنينا عن التفصيل هنا ولكن لابد لنا من الاشارة الي بعض المقدمات لاستنتاج النتايج و اتساق الكلام.

اعلم ان الله سبحانه احد لا بدء لاوليته و لا منتهي لاخريته لايمر عليه الاوقات و لايطرأ عليه البداوات هو علي ما هو عليه ابداً ازلاً لايترقب لنفسه حدوث كمال و لاينتظر حصول جمال و جميع ما سواه حاضر في ملكه الي ما لانهاية له فلايستفيد زيادة ملك و لايستزيد علماً و لا قدرة و لا سلطاناً و كل شي‏ء عنده بمقدار ثابت في حده و مقامه ابداً ازلاً و لايلزم من ذلك قدم الاشياء فانها دائمة‏الافتقار ثم تجلي بوجود مطلق بنفسه لنفسه من نفسه علي نفسه فلم‏يكن له ايضاً بدء و لا ختم و لا ترقب و لا تغير و لا زوال و لا تحول و لا انتقال لم‏يشاركه فيما هو عليه سواه و ليس معه غيره و هو المسمي بالمشية بالاضافة الي ما دونه ثم اول خلق الله بهذا التجلي المسمي بالمشية العقل و هو الجوهر الدراك الكلي المعنوي و المراد باوليته علو وجوده علي ما دونه و قربه من مبدئه كاولية العرش بالنسبة الي الكرسي ثم امره بالادبار و المراد بالادبار اشراقه علي المراتب الدانية و نفس الوجودات الدانية اشراقه و نوره فعمر بنوره جميع المراتب الخلقية الي الجسم و احتجب كل عال عن عين الداني بنفس الداني اذ تجلي لها بها و بها امتنع منها فكان غيباً بالنسبة اليه و تفصل كل مرتبة دنيا بالنسبة الي العليا و تكثر و تكثف فما خفي في العليا بغلبة الوحدة ظهر في الدنيا و صارت الدنيا بيانها و شرحها و بذلك قدعلم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و ان العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ليس تاخر كل رتبة دانية عن العالية بتاخر وقتي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 392 *»

و انما تاخره تاخر رتبي كتاخر الافلاك بعضها عن بعض مع وجود الجميع في ¨ان واحد ثم تفصل كل رتبة علي حسبه بجهات كماله بعرش و كرسي و افلاك و عناصر و كذلك احتجب تفصيل كل عليا بتفصيل كل دنيا فجميع العروش كامن في هذا العرش و جميع الكراسي في هذا الكرسي و جميع الافلاك و العناصر في هذه الافلاك و العناصر كل في تنزله الا ان من هذه التنزلات ما يحكي انوار الغيوب لصفائه و منها ما يحجب لغلظته و كثافته فتم بذلك كليات عرصة الامكان مع بسايطها و تفاصيلها الكلية و بدوران هذه الافلاك علي هذه العناصر الذي هو نداء اقبل حصل بينهما مواليد مقبلة يغلب علي بعضها الاجزاء الحاجبة فيحجب انوار الغيوب و علي بعضها الاجزاء الحاكية فيحكي و الحاكي يشتعل بنور الكلي الغيب فيظهر عليه نور منصبغ بصبغه متهيئ بهيئته متشخص بشخصيته و ذلك الاشتعال هو نفسه الشخصية و هو شعاع النفس الكلية و ظهورها و شان من شــٔونها و كمال من كمالاتها فلم‏يفرز للمولود حصة من الكلي و ان ما له اشتعاله بنوره فان كان المولود كامل الاجزاء لطيفها و معتدلها و صافيها حكي جميع شؤنً الكلي والا فحكي بعض كمالاته علي حسبه و هذا هو حيوة المولود فاذا اختل اجزاء وجوده و نفد دهنه او فسد فسد تركيبه و بطل الحكاية و ذهب الاشتعال و رجع الاجزاء الي البسائط و فني الاشتعال في ذلك الزمان و الوقت ان كان الاشتعال بنور او نار زمانية او برزخي ذي‏امتداد و ان كان صورة ذلك الاشتعال موجودة في مكان وجودها السرمدي لاتفني اذ لايضل ربي و لاينسي الا انها تفني في الزمان و البرزخ و ان كان الاشتعال بنار دهرية يبقي صورة ذلك الاشتعال في الدهر لها مادة من فعل الكلي و صورة اكتسابية من تلك الاجزاء فاذا انكسر المراة يبقي ذلك الشبح قائماً بمؤثره قيام صدور و بجزئيه قيام ركن و مادته بصورته قيام ظهور و صورته بمادته قيام تحقق و هو نفسه و حقيقته الباقية تدخل بدنه الاصلي بعد فناء البدن العرضي كما مر و هو بجميع ذاتياته المجزي المثاب المعاقب و ما هو خارج عن ذاته اعراض قدلحقته و اذا فارقته لحقت غيره و لايابي عن شي‏ء كما لايابي المراة عن مثل الشواخص و الثوب عن لبس كل احد و قد مر شرح ذلك مفصلاً.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 393 *»

فصـل: اعلم ان العقل حين التنزل تنزل علي نحو الابهام و الاطلاق معري عن الاكتسابات الجزئية الناشئة من المراتب الدانية كما تري من اطلاق نزول الروح الحيواني الي المشاعر فهو دراك مطلق و يكتسب العلم بجزئيات المسموعات و المبصرات و غيرها في مقام تنزله من المشاعر و ذلك حاصل نزوله و هذه المشاعر الجزئية كانت كامنة فيه مستجنة استجنان الشجرة  في النواة فامره الله بالنزول حتي يتمكن من ان‏يظهر الي عرصة الفعلية ما هو مستجن فيه و بالقوة فالنزول كان علي نهج الاطلاق و الابهام و به غرس حبة كل عال في ارض كل دان حتي تفسخت فيه و شاعت و انحلت و ذابت و انفعل و انصبغ جميع اجزائها في تلك الارض بالقوة ثم امره الله بالاقبال فصعد من حال التفرق الي التركيب ثم من غير الحاكي الي الحاكي فظهر فيه النفوس الغيبية منصبغة بصبغه مكتسبة منه تفاصيل استخرجت من كمون المراتب الدنيا التي هي تنزلات العليا فتحصل للعقل تفاصيل علوم المراتب الدنيا و انبسط بذلك و اعلم ان الصاعد هو النازل و درجات الصعود هي درجات النزول و وقت الصعود هو وقت النزول فالنفس مقامها مثلاً اوسط الدهر صعوداً و نزولاً و هي هناك ابداً ثابتة الا انك اذا نظرت اليها من حيث الوجود تراها نازلة و اذا نظرت اليها من حيث الظهور تراها صاعدة يعني مبادي صورها من الداني و مبادي موادها من العالي هذا مجمل القول في النزول و الصعود والا فليس ان العقل نزل في اوقات و لا صعود كالنازل من درج ثم صعد في وقت اخر كالصاعد علي الدرج بل كل ذي درجة ابداً في درجته و تفاصيل صوره مكتسبة من الداني و اجمال مادته حاصل له من العالي فافهم فقدكشفت لك قناع حقيقة المسئلة لتكون من الفائزين فكل شي‏ء حاضر في محل وجوده عند ربه و في هذا النظر لا بدء و لا عود و كل شي‏ء لازم حده و مقامه و اما من حيث التدرجات في ظهور الحكايات فصعود و يصعد الشي‏ء درجة بعد درجة الي ان‏يصل الي مبدئه الذي نزل منه و الخلق منذ انشئ هذا العالم في الصعود كما مر و هذا هو احد معاني العود علي نهج الاختصار و قد مر تفصيله.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 394 *»

فصـل: و اما العود الذي هو عود الارواح الي الاجساد فهو مما اشكل علي الناس دركه و قد مر في المجلد الاول شرحه ان المراد عود الارواح الي الاجساد الاصلية و قدبينا شرحه بحيث لاينافي العود بالمعني الاول و لاينافي السير الطبيعي الاقبالي و لايحتاج الي الرجوع قهقري و تطبيقهما من غوامض العلوم و كذلك الامر في الرجعة فلايعرف معناها علي مايوافق القواعد الحكمية و يطابق السير الاقبالي الا الاقلون و نحن نريد ان‏نشرح هنا بقدر ما علمنا الله من ذلك مما يوافق الكتاب و السنة.

اعلم انه لا شك و لا ريب عند الحكماء في ان كل موجود في هذا العالم فانما ينزل من الخزائن العليا كما قال الله سبحانه و ان من شي‏ء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فالشي‏ء الموجود هنا له مراتب من لدن المشية المتعلقة به المبدئة له الي ان‏ينتهي اليه و لا طفرة و تلك الخزائن في كل مرتبة علي حسبه ففي الجبروت جبروتية و في الملكوت ملكوتية و في السماء سماوية و في الغيب غيبية و في الشهادة شهادية و في عالم المعني معنوية و في عالم الصورة صورية حتي انه لو وجد هنا قطرة ماء لابد و ان‏يثبت لها دهرية بالنسبة اليها و كذلك لاشك و لا ريب في ان العالي يحوي الداني بجميع امكنته و اوقاته و لايتقدر بقدره و لايتشخص بشخصياته مثلاً  آن من الدهر يحوي جميع الزمان باوقاته و امكنته يعني نسبته الي جميع اوقات الزمان و امكنته واحدة اينما وضع مرآة مقابلة له ينطبع فيها عكسه الاتري ان الماء الكلي دهري و هو موجود جزئي من موجودات الدهر و هو حاو لجميع الاوقات و الامكنة الزمانية فلو وجد مظهر له في اي جزء من اوقات الزمان او امكنته انطبع فيه و اعطاه اسمه و حده فالذي في اول الزمان ماء و الذي في اوسطه ماء و الذي في اخره ماء و كذلك ما  في المشرق و المغرب و اي مكان اتفق هو ماء انطبع فيه الماء الدهري و اعطاه اسمه و لا شك ايضاً ان هذه الموجودات في الاوقات و الامكنة مظاهر الماء لا حقيقته و هذه جزئيات لايعطي احدها الاخر اسمه و حده كما حقق في محله بل لو اخترع شي‏ء في الدنيا لم‏يكن فيما مضي و لايكون فيما بقي بل اخترع و اوجد في ان واحد ثم فني يتحقق له

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 395 *»

حقيقة دهرية نسبتها الي جميع الزمان سواء بحيث يظهر في كل ما وجد مثل ذلك في اي وقت و اي مكان و لذلك يكتفي في تقييد المطلق و الامتثال له بفرد واحد كما حققناه في الاصول نعم يشترط في ظهوره مناسبة بين المظهر و الظاهر فمتي ما وجد جسم رقيق سيال بارد رطب ظهر عليه الماء و هو غير الماء فلو لم‏يظهر عليه الماء لم‏يكن ماء البتة غاية‏الامر انه لايتخلف الاجابة عن الدعوة التامة فلو صنعت من قطعة حديد سيفاً ظهر عليها السيف و اذا كسرتها خفي السيف و اذا اعدتها عاد السيف ظاهراً و اذا كسرتها خفي ولو صنعت ذلك الف الف مرة و لاينافي ظهور السيف علي الحديد مرة بعد اخري كون العالم في الصعود بل تصور الحديد بصورة السيف و انكساره بسبب الاعراض فمتي ما وضع مرءاته تبين فيها وجه السيف و كلما رفعت خفي وجهه غاية‏الامر ان المراة في الان الثاني الطف اذا لم‏يعرضها عارض لان العالم كلية في الصعود و كذلك الامر في بدن زيد في الدنيا فان زيداً حين وجد في الدنيا تحقق له نفس دهرية هي حقيقة زيد و هي في الدهر و نسبتها الي جميع الزمان سواء فلو اعيد بدن زيد في الدنيا الف الف مرة يعود حقيقة زيد الدهرية اليه الف الف مرة و لاينافي كونه صاعداً و كون الزمان صاعداً غاية‏الامر ان البدن المصنوع ثانياً الطف و احكي و لذلك يقتل الجبت و الطاغوت في كل يوم الف مرة و يحييان و في كل مرة هما هما و من هذا الباب عيش عزير7 بعد موته و عيش حماره و عيش الذين خرجوا من ديارهم و هم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم و عيش طيور ابرهيم7 و عيش اصحاب الكهف بعد طول لبثهم و احياء عيسي7 الموتي فانه كان سبب الموت تخلل الات البدن بسبب الاعراض و الامراض فاذا سوي البدن و ازال العرض او المرض تجلي فيه الروح ثانياً كما كان متجلياً و كيف يشك في ذلك و الخلق دائماً في الكسر و الصوغ فانه يتحلل منهم ما يتحلل و ياتيهم بدله فاذا اعتدل البدل و صفا و واجه نفس زيد انطبعت فيه بل هم في لبس من خلق جديد وهكذا كما يتعلق النار بالدهن في كل آن فانه كلما يصل الدهن الي مرتبة التكلس و الصفا و الرقة و واجه النار انطبعت فيه ولو وصل اليه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 396 *»

المدد الي يوم القيمة و اذا انقطع المدد خفي النار و المثل تقريبي و ليس اذا اعدت تكليس دهن بعد الانطفاء يعود تلك الشعلة الزمانية بعينها فانها زمانية و فنيت ولكن العائد علي الدهن الثاني الشعلة الدهرية الاتري ان الاولي شعلة و الثانية شعلة و لذلك لما قال الزنديق للصادق7 اخبرني عن السراج اذا انطفي اين يذهب نوره قال يذهب فلايعود قال فما انكرت ان‏يكون الانسان مثل ذلك اذا مات و فارق الروح البدن لم‏يرجع اليه ابداً كما لايرجع ضوء السراج اليه ابداً اذا انطفي قال لم‏تصب القياس ان النار في الاجسام كامنة و الاجسام قائمة باعيانها كالحجر و الحديد فاذا ضرب احدهما بالاخر سطعت من بينهما نار يقتبس منها سراج له الضوء فالنار ثابتة في اجسامها و الضوء ذاهب و الروح جسم رقيق البس قالباً كثيفاً و ليس بمنزلة السراج الذي ذكرت الخبر و غرضه7 ان هذا الضوء الذي علي السراج دنياوي تولد من الجسم الدنياوي الذي هو الدهن فاذا انطفأ السراج يذهب الضوء الذي هو الاشتعال و اصل النار باق في الاجسام لايذهب و اما الروح فهو جسم رقيق دهري ايته النار لا الضوء و اذا فني الجسم الكثيف القالبي بقي ذلك الجسم الرقيق الدهري و انما الروح البخاري ايته و مظهره في البدن فلو فرقت اجزاء البدن و اجزاء الروح البخاري ماتفرق الروح الدهري فاذا تالفت مرة اخري و واجهت ذلك الروح بعينه بالمناسبة عاد اليها الروح اي ظهر فيها ولو كرر ذلك في كل يوم الي اخر الدهر و لا امتناع فيه و لايخالف الحكمة و ارانا الله امثاله في الماضين و في افعال السابقين غاية‏الامر ان الصيغة الثانية تكون الطف و احكي لما وراءها و هكذا كلما كسر و صيغ فافهم و من هذا الباب ماكان اميرالمؤمنين7 يري نفسه الشريفة في امكنة عديدة و اوقات مختلفة فانه7 نفسه الشريفة مفارقة للمواد الزمانية كاملة قادرة ثابتة في الدهر و نسبته متساوية الي جميع الاوقات و الامكنة فاينما و متي‏ما الف من المواد الدنياوية جسداً مناسباً له مواجهاً اليه انطبع مثاله فيه و نطق

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 397 *»

من لسانه و نظر من عينه و بطش من يده بلا تفاوت مع جسده المعروف و كذلك ظهور جبرئيل بصورة دحية او الاعرابي فاذا الف جسداً علي طبعه انطبع فيه مثاله.

و ان قلت ان هذه المواد الدنياوية اذا الفت علي نهج الاعتدال و صفيت استخرج من نفسها نفس دهرية خاصة بها و تكون شخصاً خاصاً مجدداً و ان لم‏تؤلف علي نهج الاعتدال لم‏يظهر عليها نفس فكيف يجوز ان‏ينطبع فيها نفس مستقلة ثابتة غير ما يستخرج منها و ما الفرق بين هذا القول و القول بالتنـاسخ،  قلت ان التناسخ ان‏تظهر نفس في غير بدنها لا في بدنها المناسب لها المواجه اليها الاتري ان ظهور الماء الدهري في كل بدن مناسب زماني وجد في وقت او مكان من النظم الطبيعي العادي و اما اذا حصل بدن ترابي ليس يظهر فيه ابداً و كذلك روح زيد لايظهر في بدن عمرو فانه غيرمناسب له و اما اذا الف بدن زيد بعد خرابه كما كان اول مرة فهو مناسب لروحه مواجه له فيظهر عليه و لايلزم تناسخ واما النفس المستخرجة منه فان كانت فرداً زمانياً من افراد ذلك الكلي الدهري فلاتنافي و انما التنافي فيما اذا لم‏تكن فرداً منه فلو كان المستخرجة فرداً من افراد كلي اخر فذلك المنافي غير الجائز و يظهر من ذلك ان البدن لم‏يصغ علي الصيغة الاولي و لم‏يتوجه الي ماكان اولاً متوجهاً اليه و المفروض انه لو صيغ علي صيغته يوم اول و واجه الي ماكان مواجهاً اليه الاتري ان مواد بدن زيد العرضي دائمة التجدد و روحه البخاري دائم‏التجدد و كل بخار متجدد الاشتعال بالحيوانية و كل شعلة حيوانية متجدد الاشتعال بالانسانية و في كل ان يتجدد شعلته الانسانية الزمانية تجدد اشتعال شعلة السراج و هو هو فالشعلة المرئية في نظر الحكيم في كل ان غير ما في الان السابق و كذلك روح بدن زيد متجدد في كل آن و هذه الشعلات الانسانية العرضية المتجددة كلها مناسبة لنفس زيد و بدن زيد الاصلي الكامن غيرالمتجدد بتجدد الاعراض مواجه اليها و يظهر علي الكل في كل ان نفس زيد و لا تناسخ و قداستخرج من بدن زيد في كل آن نفس زمانية فكذلك لوصيغ ابدان متعددة لشخص كلي و اشتعل ارواحها الزمانية بانسانية عرضية متناسبة متشاكلة مواجهة الي حقيقة واحدة فانه يظهر علي الكل تلك الحقيقة الدهرية كما

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 398 *»

تري ان هذه الابدان مختلفة شخصاً و كلها انسان قدظهر عليها الانسان و كذلك لو صيغ لاصناف ابدان يظهر عليها تلك الاصناف و كذلك اذا ظهر لشخص ابدان فان الكلية و الجزئية اضافية و زيد كلي بالنسبة الي حال طفوليته و شبابه و كهولته و هَرَمه و ساير اوقاته و امكنته و حالاته فهو في كل ذلك زيد فهو كلي بالنسبة كما انه جزئي بالنسبة كما ان النوع جزئي بالنسبة الي الجنس.

بالجملة كما ان زيداً يظهر في جميع حالات بدنه و بدنه مختلف الاشتعال شخصاً في الحالات كذلك يظهر النفس القوية المفارقة الكلية في ابدان عديدة و ان كان لها اشتعالات عديدة و دهرية الكل هي تلك النفس المفارقة الكلية بل اقول اذا تقدس النفس و اشتد اطلاقها فلربما تظهر في ابدان مختلفة مع اختلاف اشتعالاتها ولو صنفاً بل ولو نوعاً بل ولو جنساً و من هذا الباب قولهم انا ادم و شيث و انا نوح و سام و انا ابرهيم و اسمعيل و امثالها و قولهم الا و انا نحن النذر الاولي و نحن نذر الاخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان و قوله انا الذي اتقلب في الصور كيف‏ما شاء الله و انا صلوة المؤمنين و صيامهم و امثال ذلك من كلماتهم.

بالجملة احياء رجل بعد موته امر جايز واقع لايخالف القواعد الحكمية و لاينافي صعود الاشياء الي مباديها و هي صاعدة دائماً و لايسع انكار ذلك احداً بعد اقراره بالقران و اخبار العترة الطاهرة و لم‏يكن ذلك من باب التخييلات البتة فان بعض من احيي عاش في الدنيا زماناً كساير الناس كعزير7 و لم‏يكن ذلك من باب التناسخ و الحمد لله علي ما سددنا لاتباع ال‏محمد: في المبدء و الختام.

فصـل: اعلم ان لكل احد خلقين خلقاً اولياً جوهرياً به هو هو و هو تمام حقيقته و خلقاً ثانوياً عرضياً و هذا الخلق الثاني العرضي له رتبتان رتبة برزخية و هي الاعراض الطبيعية و رتبة دنياوية و هي الاعراض الهبائية و انما قدر الله كسر الابدان في الدنيا لتنحل في طبايعها و تزول اعراضها و قدر الله كسر الابدان في البرزخ بنفخ الصور لتنحل في طبايعه و تزول اعراضه فيتخلص الخلق الاولي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 399 *»

بما هو هو و لذلك الخلق مراتب ثمان من فواده الي جسمه و جميعها اصلية و تلك المراتب فوق الدنيا و البرزخ و ليست ممازجة مع الاعراض الدنياوية و لا البرزخية ممازجة جسم بجسم لعدم المصاقعة و ليست بسلافة هذه الاعراض و لا خلاصتها و لا لطيفها و انما هي دهرية من اثر راس المشية المتعلقة بها قدظهرت علي تلك الاعراض و هي ماكانت في عالم الذر فنزلت الي هذه الدنيا ثم صعدت الي رتبتها و هي لما نزلت صارت بالقوة في هذه الاعراض و خمدت نارها و ماتت حيوتها و عدم وجودها و تعينها ثم لما صعدت حييت بعد الموت و تعينت بعد العدم و صارت بالفعل بعد ما كانت بالقوة و خرجت الي حد الامضاء بعد ماكانت في حد المشية و الارادة و القدر و القضاء في الدنيا و البرزخ و صارت ممضاة بعد ان لم‏تكن ممضاة عند انفسها في مراتبها و اما عند الله فكانت ممضاة وكل شي‏ء عنده عزوجل ممضي معلوم و انما تَدَرُّج الحصول للخلق في الخلق فافهم فليس لزيد نفس قبل ان‏يظهر منه نفس و تخرج من قوة بدنه.

بالجملة اذا تالف بدن في هذه الدنيا من هذه العناصر تالف من اصول هذه العناصر ايضاً بدن الا انه مختلط مع هذه الاعراض الدنياوية فاذا حصل فيه دم و هو اول صفاء الاغذية حصل فيه نفس نباتية و لهذه النفس اي الدم اجزاء اصلية هي النفس النباتية الاصلية فاذا ورد القلب و صعد منه بخار و اشتعل بحيوة الافلاك حصل فيه حيوانية و لتلك الحيوانية اجزاء اصلية هي حيوانية ذلك الشخص و اذا صعد الي الدماغ و صار دخاناً و اشتعل بنفوس الافلاك حصل فيه نفسانية و لتلك النفسانية اجزاء اصلية هي نفسانية زيد و عرضية هذه المراتب كلها ذاهبة و جائية و متجددة في كل ان و اصولها باقية محشورة بموادها و ان تغير صورها و من زعم ان المحشور هو نفس زيد دون تلك المراتب فقد قال بالمعاد الروحاني دون الجسماني ولو اول ذلك بان للنفس في عالمها جسداً  فقد انكر البعث الجسماني الذي عليه استقر الاسلام و الحق ان لهذا الجسد و لنباتيته و لحيوانيته ايضاً  اصولاً وذاتيات كلها تحشر و تعاد والا فلم‏يكن المعاد جسمانياً.

بالجملة اذا مات الانسان و خر بدنه ميتاً بقي في بدنه اجزاؤه الاصلية

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 400 *»

الجسمانية الي ان‏يتفسخ بدنه العرضي و يذهب كل جزء الي عنصره فتجتمع الاجزاء الاصلية في قبر طبايعه الي ان‏ينفخ في الصور فتتفرق في الطبايع البرزخية اذ معها اعراض برزخية لابد و ان‏تزول و اما الروح البخاري فاذا خرج من البدن تفرق ما فيه من العنصرية العرضية و يبقي الفلكية الطبيعية التي فيه و هي الحيوانية الناطقة المشتعلة بالانسانية و لما تخلص من المواد العرضية العنصرية عاد بصورة عمله و هو مستجمع جميع المراتب ما سوي الجسد و بقي في البرزخ منعماً او معذباً و هو في البرزخ جسماني كجسمانية الافلاك فيبقي طول البرزخ الي ان‏ينفخ في الصور فيتفتت و يتفرق كما تمور السماء موراً و تبدل الارض غير الارض و السماوات و تطوي السماء كطي السجل للكتب فيبقي السماوات و الارض و المواليد اربعمائة سنة في الطبايع البرزخية و لاتحسبها خارج هذه السموات و الارض بل هي في مقام هذه السموات و الارض و انك لو نظرت اليهما و قطعت نظرك عن صورهما الدنياوية و موادهما العرضية تجد الطبايع و المراد هي هي و هي هيولي كل البسايط فلا حاس هناك و لا محسوس ثم ينفخ في الصور نفخة اخري فتركب فتصور اجزاء كل سماء و اجزاء الارض و اجزاء المواليد بصور تناسب ذاتية كل واحد فيأتون فرادي عن الاعراض كما خلقوا اول مرة فيدخل كل روح جسده و يخرج من قبر طبعه ينفض التراب عن راسه و يقوم لله رب العالمين و قد مر تفصيلها.

فصـل: اعلم ان الزمان منذ انشئ في الصعود و كلما يصعد درجة يظهر عليه من النفوس الغيبية شي‏ء و لما كان لغاية الكثرة مختلف الاجزاء حصل لصعود اجزائه تقدم و تاخر زماني فساع سريع و لاحق بطي‏ء فبذلك حصل فيه جمادات و نباتات و حيوانات و اناس و انبياء و حجج: و لنوع العالم ايضاً ترق و صعود و انما اخر القيمة الي ان‏يصل العالم في صعوده الي درجة الانسانية و يكلف و يعيش الي منتهي اجله ثم يموت فيقوم قيامته لان التكليف غاية الخلقة فاذا وصلت انسانيته الكامنة فيه الي الفعلية كلف بتكليف انساني فعمل عمله الي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 401 *»

منتهي اجله فيموت فاذا مات قامت القيمة الكبري لان من مات فقد قامت قيامته فلابد و ان‏يصل الدنيا الي مقام الانسانية و الانسانية تحصل بالتعلم و التادب و ذلك يحصل بالمعلم الكلي و المؤدب الكلي للعالم و تربية كلية كيف‏ما شاء الله و قدحققنا في ساير كتبنا ان شخص العالم كان في زمن ادم علي نبينا و اله و عليه‏السلام بمنزلة النطفة فترقت بحرارة شريعته الي ان وصلت الي مقام العلقة في زمن نوح علي نبينا و اله و عليه‏السلام ثم ترقت بحرارة شريعته الي ان وصلت الي مقام المضغة في زمان ابرهيم علي نبينا و اله و عليه‏السلام ثم ترقت بحرارة شريعته الي ان وصلت الي مقام العظام في زمن موسي علي نبينا و اله و عليه‏السلام و تفصل فيه الشرايع و الاحكام ثم ترقت بحرارة شرعه و تاديبه الي ان وصلت الي مقام كسوة اللحم في زمان عيسي علي نبينا و اله و عليه‏السلام و لم‏ينسخ جميع شريعة موسي بل غيّرها في‏الجملة و كمّلها و اغلب احكامها باق في زمانه ثم ترقت الي مقام انشاء خلق اخر في زمان نبينا محمد9 فاتي بالاخبار عن الغيب و حكي الامور الغيبية و دعا الي الايمان بالغيب و احيي العالم و حيوته باقية لاتنسخ الي يوم يموت العالم فلما نصب علي7 و اظهر سر الولاية تولد العالم و تعلق به النفس الناطقة الانسانية و يترقي بذلك شيئاً فشيئاً و يتقوي انسانيته و نرجو ان‏يكون قد تراهق في هذه الاوقات و تقارب الحلم فاذا بلغ اشده و بلغ الحلم يكلف و هو عند ظهور الامام7 فيأتي بشرع جديد و امر جديد و كتاب جديد هو علي العرب شديد و يؤخذ بالحدود التامة و يؤخذ بالعلم و العمل و يؤدب تاديباً و كذلك يمر عليه الزمان الي ان‏يكمل اربعين و يكمل عقله بظهور محمد9 فيقتل الشيطان عند ذلك الوقت المعلوم فينقطع مواد معاصي العالم و شهواته و غضبه و غيرها من مبادي المعصية فيطيع الله و لايعصيه في جميع اطرافه الي ان‏يبلغ منتهي اجله فيحتضر و يصعد محمد و ال‏محمد: عن الدنيا فيبقي في هرج و مرج و يبطل مشاعره الي ان‏ينفخ في الصور فينزع نفسه عن جسده و يتفتت جسده و يتفكك في قبر طبايعه و يبقي في القبر الي ان‏يحشر و يقوم القيمة الكلية و يحاسب فيُجزي كل نفس بما تسعي اعاننا الله

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 402 *»

علي ملاقاة ذلك اليوم بحرمة محمد وال‏محمد:.

بالجملة كذلك يصل العالم الي درجة الانسانية و الكمال و كما ان الانسان مستجمع للمراتب الجمادية و النباتية و الحيوانية و الانسانية و الارضين و السموات كذلك العالم اذا بلغ مبلغ الانسانية يكون مستجمعاً للمراتب و لا شك ان الجامعية الانسانية لم‏تكن له قبل ظهور سر الولاية فيه و لايكلف قبل الظهور بتمام التكليف و يسامح و لايؤخذ بالحدود التامة و لايموت مبادي معاصيه قبل قتل ابليس و اتباعه و لاينقطع مواد الشر عن العالم قبله.

فصـل: اعلم ان عناصر هذا العالم اربعة و لكل اثر خاص به علي حسب طبعه و صورته فاذا استولي عليها النفس النباتية و اشرقت عليها و نورتها صارت العناصر خدماً لها متصرفة عن امرها و نهيها حية بها و ربما غلبت الجمادية و ضعفت النباتية و علي اي حال تركبت القوي من الطبعين لنزول حيوة النبات الي الجماد و صعود اصباغ الجماد الي النبات و لحيوة العناصر بروح النبات تناسب افعالها النبات فتصير جاذبة و هاضمة و دافعة و ماسكة و مربية فاذا استولي عليهما النفس الحَيَوانية و اشرقت عليهما احيتهما بشعاعها فصارتا متصرفتين عن امرها و نهيها او اطاعتهما لانهماكها فيهما كما مر فناسبت افعالهما الحيوان و افعاله اياهما فصارت كلها حيوانية علي ما يناسب الحيونة و مما يخصهما المضاء علي الطبع اَمامهما من غير روية و لا نهاية و ان لاتقفا علي حد الا ان‏يمنعهما مانع طبيعي فلاجل ذلك يقع اثارهما في غير محل فتكون ظلماً و غشماً فاذا استولي عليها النفس الانسانية الكونية و اشرقت عليها حييت كلها بشعاعها فصارت متصرفة عن امرها و لربما انهمكت فيها فاتبعتها في مقتضياتها و علي اي حال تركبت الافعال و الاثار لنزول رويتها اليها و صعود اصباغها اليها فصارت رويتها مصبوغة باصباغها فتروت بالنظر و السمع و الشم و الذوق و اللمس و الحركة و السكون و كثف فهمها فيها و علي حسب الجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة و المربية و انعقد فهمها عليها و علي حسب العناصر فجمدت و قست علي حسبها و كذلك حصلت في هذه القوي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 403 *»

مسحة من الروية الانسانية فلم‏تقف الانسانية اذا انهمكت ايضاً علي حد و اخلدت الي الطبايع و هوت في هاويتها فمن الله علي العباد بالعقول و مظاهرها و تعبيراتها حتي تعقل اياها و تحددها تحديداً و لاتمضي علي وجهها امامها بلا نهاية و تلك العقول هي عقال الروية الانسانية الكونية و الحيوانية و هي التي يعبد بها الرحمن و يكتسب بها الجنان و هي نور الشارع بها يصير الانسان من شعاعه و هي روح‏الايمان و وجه من وجوه روح‏القدس كلما اقبل علي الانسان اطاع و كلما ادبر عصي و يقال يفارق العاصي اذا عصي و يعود اليه اذا تاب.

بالجملة الغرض ان ما لم‏يدخل روح‏الايمان بدناً يكون الانسان كالانعام لما فيه من روح‏النبات و روح‏الحيوان بل هو اضل لروية له و انسانية كونية تصورت بصور الشياطين لاتباعه اياها و هي النفس الامارة بالسوء و شياطين الانس و الجن يوحي بعضهم الي بعض زخرف القول غروراً فهي النفس الشيطانية الانسانية و هي التي تكون امارة ثم ملهمة ثم لوامة ثم مطمئنة ثم راجعة ثم راضية ثم مرضية ثم امةً ثم داخلة في الجنة و هي العاصية التي تدخل النار والا فالحيوانية العرضية تنقطع موادها في البرزخ و لاتصعد عنه و اذا ما لم‏يدخل روح‏الايمان في احد يصدر منه جميع ظلم الحيوان و غشمه عن روية و تدبير و مكر و ان كان مكرهم لتزول منه الجبال فيشتد فساد الانسان عند اشتداد انسانيته الكونية ما لم‏يتعلق به العقل الشرعي فبذلك يشتد فساد الانسان و ظلمه و غشمه قبل التكليف ثم اذا الجم بلجام الشرع قر و استقر و ان لم‏يتشرع و كفر يشتد شوكة شره الي ان‏يضعف قواه فيهدأ قهراً و يخمد ناره قسراً.

فاذا عرفت هذه الحقايق تعرف ان العالم لابد و ان‏يشتد ظلمه و غشمه و شره قبل ظهور الامام الحق7 و ذلك مما لابد منه و لابد و ان‏يكون اهل الحق قبل ظهوره مقهورين مظلومين مقتلين مبتلين بانواع البلايا و يكون الغلبة لشوكة الباطل و يكون اعلام الحق طامسة و اثاره دارسة و الشبهات مشتبكة و الاراء مختلفة و الاختلافات واقعة حتي لايبقي من الايمان الا اسمه و لا من القران

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 404 *»

الا رسمه و لا من الاخبار الا صحفها و لا من العلماء الا كل مدع مفتر طالب لحطام الدنيا يلعن بعضهم بعضاً و يتبرأ بعضهم من بعض و بذلك وردت اخبار متواترة و اثار متضافرة و قامت ادلة معتبرة و تجربة و شواهد بينة فمن ارادها فليراجع ساير كتبنا و ما كتبه الاصحاب في هذا الباب اللهم الا ان الحق لاينقطع مواده بالكلية و لايازر اصوله بالمرة فان الدنيا تقوم بالحق و السموات تدور عليه فلو لم‏يبق في الدنيا حق لم‏تبق طرفة عين الا ان اهله في دولة الباطل كالنجوم الصغار في ظلمات الليل يغيب منهم واحد و يطلع منهم واحد و لهم نور ضعيف يلمع قليلاً ليهتدي بها المستهدون في تلك الظلمات و اليهم الاشارة في تاويل و بالنجم هم يهتدون  فهذه علامات عامة لابد و ان‏تقع قبل ظهور دولة الحق.

و كذلك له علامات خاصة و وردت بذلك روايات متضافرة الا انه لم‏يثبت كون جميعها من المحتوم ولكن بعضها محتوم كما روي من كمال الدين عن الثمالي قال قلت لابي‏عبدالله7 ان اباجعفر كان يقول ان خروج السفياني من المحتوم قال نعم و اختلاف ولد العباس من المحتوم و قتل النفس الزكية من المحتوم و خروج القائم من المحتوم فقلت فكيف يكون النداء قال ينادي مناد من السماء اول النهار الا ان الحق مع علي و شيعته ثم ينادي ابليس لعنه الله في اخر النهار الا ان الحق في السفياني و شيعته فيرتاب عند ذلك المبطلون انتهي و في رواية النداء من المحتوم و كف يطلع في السماء من المحتوم قال و فزعة في شهر رمضان توقظ النائم و تفزع اليقظان و تخرج الفتاة من خدرها و الظاهر ان الدجال من المحتوم و السفياني لعنه الله هو عثمن بن عنبسة من اولاد ابي‏سفيان بن حرب يقبل من بلاد الروم و في عنقه صليب و هو صاحب القوم فيملك تسعة اشهر يخرج بالشام فتنقاد له اهل الشام الا طوائف من المقيمين علي الحق يعصمهم الله من الخروج معه و ياتي المدينة بجيش جرار حتي اذا انتهي الي بيداء المدينة خسف الله به الارض و ذلك قول الله عزوجل ولو تري اذ فزعوا فلا فوت و اخذوا من مكان قريب

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 405 *»

فلايفلت منهم الا رجلان من جهينة و هو ما جاء من القول و عند جهينة الخبر اليقين فيرد وجههما الي قفاهما و هو قوله تعالي من قبل ان‏نطمس وجوهاً فنردها علي ادبارها و يملك كور الشام الخمس دمشق و حمص و فلسطين و الاردن و قنسرين.

و اما اختلاف ولد العباس فالذي يظهر من الاخبار انه يعود السلطنة اليهم ثانياً و الدليل علي ذلك ما رواه محمد بن ابرهيم النعماني في كتاب الغيبة بسنده عن علي بن ابي‏حمزة قال زاملت اباالحسن موسي بن جعفر7 بين مكة و المدينة فقال لي يوماً ياعلي لو ان اهل السموات و الارض خرجوا علي بني‏العباس لسقيت الارض دماءهم حتي يخرج السفياني قلت له يا سيدي امره من المحتوم قال من المحتوم ثم اطرق راسه و قال ملك بني‏العباس مكر و خدع يذهب حتي يقال لم‏يبق منه شي‏ء ثم يتجدد حتي يقال ما مر منه شي‏ء و بسنده عن الحسن بن الجهم قال قلت للرضا7 اصلحك الله انهم يحدثون ان السفياني يقوم و قد ذهب سلطان بني‏العباس فقال كذبوا انه ليقوم و ان سلطانهم لقائم انتهي فظهر انه لابد و ان‏يعود الملك الي بني‏العباس و يستولوا علي البلاد و العباد كهيئة دولتهم في الزمن السابق.

و اما قتل النفس الزكية فهو غلام من ال‏محمد اسمه محمد بن الحسن يقتل بلا جرم بين الركن و المقام و ليس بين قتله و بين قيام القائم الا خمس‏عشرة ليلة.

و اما النداء فروي فيه روايات فمنها في شهر رمضان ليلة ثلث‏وعشرين باسمه7 قبل قيامه بثلاثة اشهر و سبعة‏عشر يوماً و منها صيحات ثلث في شهر رجب عند ظهور الكف من عين الشمس و هي الا لعنة الله علي الظالمين و الثانية ازفت الازفة يا معشر المؤمنين و الثالثة هذا اميرالمؤمنين قد كر في هلاك الظالمين.

و اما الدجال فهو يخرج من اصبهان يوم خروج السفياني و هو العاشر من الجميٰدي الاولي في السنة التي يخرج فيها القائم في العاشر من ¨اتي محرمها.

و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 406 *»

العلامات غيرالمنصوصة علي حتميتها كثيرة و لما لم‏يكن بناء الكتاب علي ضبط امثال ذلك لم‏نستوف ذكرها هنا و قدذكرنا في غيره من كتبنا.

بالجملة كما ان للانسان قبل بلوغه علامات للعالم ايضاً قبل بلوغه علامات و هي رحمة للابرار و نقمة علي الفجار فاذا بلغ العالم مبلغ حلمه و صار قابلاً للتكليف و تعلق به العقل الذي به يكلف و يثاب و يعاقب و به يعبد الرحمن و يكتسب الجنان يسفر عن وجهه الرحمن و يظهر القائم عجل الله فرجه و لما كان زمانه7 مبدأ دورة جديدة اي دورة العقل اقتضي الحكمة ان‏يكون في فرد من السنين لان الفرد هو مبدأ الزوج و احكي للمبدء و في يوم النيروز لانه اول يوم يتجدد فيه حيوة العالم و اول السنة و يوم فيه نصب الولي و تعلق الانسانية فيه بالعالم و يوم ظهور سلطان الله جل‏وعز و يوم عاشر محرم لانه طالب ثار الحسين7 و يكون في تلك الدورة ميشوماً علي الاعداء مباركاً علي الاولياء و في الجمعة و السبت خلاف في الاخبار و الاوفق بالاعتبار ان‏يكون يوم الجمعة لانه يوم اجتماع الخصوم و عيد المسلمين و ظهور سلطان الله و لعل الجمع ان يوم قتل الحسين7 كان العاشوراء يوم السبت و يوم ظهوره7 و يوم الجمعة يظهر غير داع الي نفسه و يقتل الخطيب ثم يغيب و يظهر يوم السبت داعياً الي الله و لما كان مرادي في هذا الكتاب ذكر بعض اسرار الكليات لم‏استقص ذكر الجزئيات و من ارادها فعليه بساير كتبنا.

فصـل: اعلم انه7 هو العقل الكلي فلما صفا مشاعر العالم و قواه ظهر فيه و مالم‏يطهر العالم عن ادناس الرطوبات المبلدة و الحاجبة عن اثار العقل لم‏يظهر نوره و قدكان اباؤه و جده: جميعهم العقل الكلي الا ان العالم لم‏يكن مستعداً لظهورهم بمقتضي باطن العقل فظهر انوارهم من وراء غيوم تلك الرطوبات و الابخرة ضعيفة بقدر ان‏يشرق العالم بنور هدايتهم و لم‏يظهروا من علومهم و اسرارهم الا بقدر صلاح ذلك الزمان و كلما رق تلك الغيوم و السحب اشتد ظهور انوارهم و قوي بروز اثارهم الي ان‏بلغ في هذا الزمان الي ما

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 407 *»

تري فاشتد بقوة تلك الانوار ايمان المؤمنين و كفر الكافرين و نفاق المنافقين و فساد المفسدين لما اشرنا اليه سابقاً و كذلك يشتد الامر حتي يستحق المؤمنون الاستفاضة جهاراً و يقدروا علي النظر الي ذلك الجمال البهي و الوجه الرضي و النور العلي و يستحق الكافرون وقوع سطوته عليهم و ابادتهم عن بسيط الارض فيظهر عند ذلك سيف ذي‏الجلال و يطهر الارض بمائه و يذل المنافقين و يعز المؤمنين ان شاء الله.

و وجه اخر ان الناس منذ نزلوا الي هذه الدنيا اختلط طينتهم و التطخ بعضهم ببعض و اودع بعض الكفار في اصلاب المؤمنين بالعرض و بعض المؤمنين في اصلاب الكافرين بالعرض و لابد و ان‏ينفض كل من ذينك الصلبين ما اودع فيه حتي اذا افني الكافر لم‏يفن معهم من اودع في صلبهم من المؤمنين قال الله تعالي لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا.

و وجه اخر ان الطين اختلطت من ذاتي و عرضي و لكل اقتضاء فلو فرق بينهما في غير اوانه لزال التركيب و فسد النظام ولو لم‏يفرق كان كما كان في عصر ابائه: فاخر ظهوره7 حتي يستعد المؤمنون للحمل علي الطاعة و الزجر عن المعصية و يطيقوا تكليفه و يستعد القوابل لحمل الخلق علي الانسانية و لاشك انه لايجوز ذلك قبل ابان ظهوره لعدم طاقة الخلق للحمل علي صرف الحق.

و وجه اخر انه كان في سابق علم الله سبحانه ان‏يكون بدء الايجاد كذلك لانهم يقبلون من غاية البعد و لابد و ان‏يصدر منهم مدة ما يخالف مقتضي مقام المقربين من الخيرات و ينحرفوا عن الحق الي ان‏ينقص عنهم ظلمات البعد و يستنيروا بنور القرب فاخفي الامام7 حتي يقع تلك المعاصي و الانحرافات في دولة غيرهم حتي اذا صفا العالم و استعد للعمل بالحق يظهرهم حتي يجري علي ايديهم الحق الخالص تكريماً لهم ولو ظهر الامام و لمايستعدوا فان تركهم و شرهم قتلوه و ان صرفهم لمايستعد العالم.

و وجه اخر انه لا شك و لا ريب ان الناس يتصلون بكل دولة غالبة لاغراض

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 408 *»

لهم و لاجل ذلك لما غلب النبي9 و دخل الناس في دينه افواجاً ابي الله لدينه الا الخالصين ففتنهم بسكوت اميرالمؤمنين7 فارتد الناس علي اعقابهم قهقري و لم‏يبق الا صبابة كصبابة الاناء فمر علي ذلك ازمان حتي رجع الامر بحسب الظاهر اليه قليلاً و اجتمعوا حوله ففتنهم بسكوت الحسن7 فرجعوا قهقري فلم‏يبق معه الا قليل ثم الائمة: و ان كانوا كلهم منزوين مقهورين الا انه كثر المدعون للتشيع و كثروا حتي اراد الله فتنتهم مع اجتماع الوجوه الاخر فغيب الله شمس وجه الحجة7 و اشتد الفتنة حتي ارتد من يرتد و جري علي الدين ما جري عليه بعد فقد رسول‏الله9 و لم‏يبق علي الحق الا قليل قليل و حسبك ان الحجة ينتظر في مدة الف سنة وجود ثلثمائة و ثلث‏عشرة نفساً من المخلصين حتي يظهر امره و لايجد ففي غيبة النعماني بسنده عن ابي‏عبدالله7انه دخل عليه بعض اصحابه فقال له جعلت فداك اني والله احبك و احب من يحبك ياسيدي مااكثر شيعتكم فقال له اذكرهم قال كثير فقال تحصيهم قال هم اكثر من ذلك فقال ابوعبدالله7 اما لو كمل العدة الموصوفة ثلثمائة و بضعة عشر كان الذي تريدون ولكن شيعتنا من لايعدو صوته سمعه و لا شحناؤه بدنه و لايمتدح بنا معلناً و لايخاصم لنا قالياً ولايجالس لنا عائباً و لايحدث لنا ثالباً و لايحب لنا مبغضاً و لايبغض لنا محباً  قلت فكيف اصنع بهولاء الشيعة المختلفة الذين يقولون انهم يتشيعون فقال فيهم التمييز و فيهم التمحيص و فيهم التبديل تاتي عليهم سنون تفتنهم و سيف يقتلهم و اختلاف يبددهم الخبر و عنه7 ويل لطغاة العرب من شر قداقترب قلت جعلت فداك كم مع القائم من العرب فقال شي‏ء يسير فقلت والله ان من يصف هذا الامر لكثير فقال لابد للناس من ان‏يمحصوا و يميزوا و يغربلوا و سيخرج في الغربال خلق كثير و عن الحسين بن علي7 يقول لايكون الامر الذي تنتظرون حتي يبرا بعضكم من بعض و يتفل بعضكم في وجوه بعض و يشهد بعضكم علي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 409 *»

بعض بالكفر و يلعن بعضكم بعضاً فقلت ما في ذلك الزمان من خير فقال الحسين7 الخير كله في ذلك الزمان و عن ابي‏جعفر7 قال لتُمحّصن يا شيعة ال‏محمد تمحيص الكحل في العين فان صاحب الكحل يدري متي يقع الكحل في عينه و لايعلم متي يخرج منها كذلك ليصبح الرجل علي شريعة من امرنا و يمسي و قدخرج منها و يمسي علي شريعة من امرنا و يصبح و قدخرج منها و عن ابي‏عبدالله7 انه قال والله لتكسرن تكسر الزجاج و ان الزجاج ليعاد فيعود والله لتكسرن تكسر الفخار و ان الفخار لينكسر فلايعود كما كان والله لتغربلن والله لتميزن والله لتمحصن حتي لايبقي منكم الا الاقل و صغر كفه و عن اميرالمؤمنين7 في حديث فوالذي نفسي بيده لاترون ما تحبون حتي يتفل بعضكم في وجوه بعض و حتي يسمي بعضكم بعضاً كذابين و حتي لايبقي منكم او قال من شيعتي الا كالكحل في العين او كالملح في الطعام و ساضرب لكم في ذلك مثلاً و هو مثل رجل كان له طعام فنقاه و طيبه ثم ادخله بيتا فتركه فيه ماشاءالله ثم عاد اليه فاذا هو قداصابه السوس فاخرجه و نقاه و طيبه ثم اعاده الي البيت فتركه ماشاءالله ثم عاد اليه فاذا قداصاب طائفة منه السوس فاخرجه و نقاه و طيبه فاعاده فلم‏يزل كذلك حتي بقيت منه رِزمة كرزمة الاندر لايضره السوس شيئاً وكذلك انتم تميزون حتي يبقي منكم عصابة لايضرها الفتنة شيئاً الي غير ذلك من الاخبار و قدوقع ما وعدوه و قام ما اخبروا به ها قداختلفت الشيعة بعد اجتماعهم علي ائمتهم علي اراء متشتتة و اهواء متفرقة يلعن بعضهم بعضاً و يكفر بعضهم بعضاً و يقتل بعضهم بعضاً و لا شك انهم قداختلفوا فمنهم من امن و منهم من كفر ولو شاء الله مااقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد و اولي المختلفين بالله و رسوله و خلفائه سلام‏الله عليهم من يتبع كتاب الله من غير تاويل و سنة نبيه9 من غير تبديل و منهاج ال‏محمد: من غير تحويل و اخذوا بجميع ما

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 410 *»

نزل من عند الله علي عباده من غير تسويل و لايعزب عن ربك شي‏ء من حال تلك الفرق بل و لايخفي علي المنصفين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم.

فصـل: اعلم ان ظهور الحجة7 و ان كان محتوماً لايحتمل البداء فيه اذ هو من العلة الغائية لايجاد العالم الا انه يحتمل البداء في تقدمه و تاخره لانه لمايقع وما لم‏يقع لم‏يمض و ما لم‏يمض فهو ما يحتمل المحو و الاثبات و هو باطن الساعة التي علمها عند الله لايجليها لوقتها الا هو فعن ابي‏حمزة الثمالي قال سمعت اباجعفر7 يقول يا ثابت ان الله تبارك و تعالي قدكان وقت هذا الامر في السبعين فلما ان قتل الحسين صلوات الله عليه اشتد غضب الله علي اهل الارض فاخره الي اربعين و مائة فحدثناكم فاذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر و لم‏يجعل الله له بعد ذلك وقتاً عندنا و يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام‏الكتاب قال ابوحمزة فحدثت بذلك اباعبدالله7 فقال قدكان ذلك انتهي و السبعون الموقت و الاربعون و مائة ايضاً مماكان قدحكم بهما بحسب قوابل العالم فاذا تغيرت القوابل تغير ماكان حكم لها قال الله تعالي ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و انما مثل ذلك كجدار مرصوص اذا رايته حكمت عليه بانه يبقي مائة سنة فاذا جاء رجل و جرف اصله و رايته حكمت عليه بانه يبقي يوماً او بعض يوم فاذا جاء رجل اخر و رمّه و رايته حكمت عليه بانه يبقي خمسين سنة و كذلك يتغير الاحكام المقدرة علي العباد بحسب اختلاف القوابل في عرصة وجوداتها لانفسها و اما في عرصة وجوداتها لربها فهي مع قوابلها المختلفة موجودة و الحكم الواقع هناك واحد لايتغير و مذكور هناك الاحكام المتغيرة بانها يحكم بها و تتغير فلاتغير في علم الله المحيط جل‏وعز و انما التغير في علم الخلق و هو قوله تعالي يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام‏الكتاب فالعلم الاول مخصوص بالله جل‏وعز اذ شرطه الاحاطة بما لانهاية له بما لانهاية له و هي لاتحصل الا للاحد الحقيقي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 411 *»

جل‏شأنه و اما غير الاحد الحقيقي فلايكاد يطلع علي ما لانهاية له بما لانهاية له و هو قوله سبحانه ولايحيطون بشي‏ء من علمه الا بما شاء و ليس المراد به العلم الذاتي فانه لايستثني منه شي‏ء فذلك العلم المخزون المكنون هو الذي لايطلع عليه احد الا بما شاء الله فانه فوق المشية و هو العلم المشاراليه بقوله7 بالعلم خلقت المشية و هو حيث وجود الاشياء لله سبحانه و المشائية مبدأ كون الشي‏ء لنفسه فهيهنا عرصة ما اظهر الله من ذلك العلم لخلقه فما برز الي المشية فال‏محمد: يعلمونه فمنه ما في الامكان الراجح و الوجود الراجح علي انه قوة التجلي بجميع الاشياء علي السواء فما هو كذلك يعلمونه كذلك و منـه ما في الوجود الجايز فماكان هناك يعلمه الحجج: بانه يكون ممكناً جايزاً و صلوحاً لجميع التصورات و الافعال الممكنة الصادرة منه بلاتعين و منـه ما في النفس المجردة فماكان هناك يعلمونه علي التجرد الدهري و الشخصية الدهرية و ان كان كلياً بالنسبة الي الزمان و  مـا  كان منه في الطبايع يعلمونه علي نحو الانحلال و الذوبان و عدم التمايز و ماكان منه في الهباء فهم: يعلمونه علي نحو التحصص بلاتعين و مـا كان منه في الاظلة فهم: يعلمونه علي صورة ظلية برزخية دهرية مبدءاً و زمانية من حيث التعلق و مـا كان منه في الاجسام فيعلمونه سلام الله عليهم علي نحو تمام الانعقاد و التعين و التشخص الخاص فمابرز من علمه سبحانه في هذه المراتب فهم يعلمونه و قدبرز ما برز حين برز بهم صلوات الله عليهم اذ هم سبب خلق الخلق و علته و هم محل المشية فلم‏يظهر منها شي‏ء في عرصة الخلق الا و قدنزل اليهم اولاً ثم ظهر عنهم ثانياً.

و اما ما لم‏يكن فمنه ما لم‏يكن و لايكون ابداً فان كونه مخالف للحكمة و ظهور سر الاحدية ولكن هو ممكن مقدور فيعلمونه انه ممكن مقدور لله سبحانه و لايكون كادخال الانبياء النار مثلاً و منه ما لم‏يكن و سوف يكون اذا تحقق شرط وجوده و شرط وجوده بعد في الامكان فلايدرون هل يتحقق الشرط فيتحقق المشروط ام لايتحقق فانه بعد في الامكان اللهم الا ان‏يعلموه علي نحو الاخبار الخاص من الله

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 412 *»

سبحانه و كلمة الاخبار تقال و قل من يعرفه علي نحو حقيقة الحال.

اعلم ان العلم بالشي‏ء علي نوعين علم احاطي و علم اخباري اما العلم الاحاطي فهو حاصل للعلة بالنسبة الي معلولها و اما العلم الاخباري و هو ما يوجده العالي من صفة علمه في الداني فيوجده اذ يوجده في ذاته علي نحو الذاتية و الفعلية و في كل مشعر من مشاعره علي نحو ذلك المشعر بتلك الذات.

بالجملة العلم الاخباري الواصل اليهم في مقام حقيقتهم ليس بواسطة ملك و لا خلق كلام و انما هو امر ذاتي افيض اليهم و الذات مقام الفعلية و الاتحاد فهم اما محيطون بما يعلمونه و اما متحدون معه و قال الله سبحانه لايحيطون بشي‏ء من علمه و لم‏يقل لايتحدون و اما الواصل اليهم في ساير المراتب فقديكون بواسطة ملك و قديكون بالاستنباط من الواح السموات و الارض و ما اخبرهم الله سبحانه فيهما بان فلاناً سيكون فافهم ان كنت تفهم والا فاسلم تسلم و مع‏ذلك لايعلمون الا ماشاء الله فما شاء الله ان‏يحيطوا به يحيطون به و ما شاء ان‏يخبروا عنه يخبرون قال7 اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريده انتهي.

و اما ما لم‏يكن و سيكون و قدوجد شروطه في عرصة الوجود بهم فذلك الذي يعلمونه فامر الظهور و ان كان محتوماً حقيقة الا انه لم‏يحتم وقته و يجوز فيه التقدم و التاخر و لله في وقته المشية فهم لايعلمون ذلك علي نحو الاحاطة فانه لم‏يدخل بعد في حد الامضاء فلاجل ذلك قالوا سلام الله عليهم كذب الوقاتون انا اهل‏البيت لانوقت و قالوا ابي الله الا ان‏يخالف وقت الموقتين و يمكن اخذ هذين الخبرين علي عموم لفظهما فنحكم علي عدم امكان توقيت كل ما لم‏يكن بعد و يؤيد هذا المعني قوله تعالي و ماتدري نفس ماذا تكسب غداً و ماتدري نفس باي ارض تموت فهم سلام الله عليهم لايعلمون متي يؤمر القائم بالظهور و علي ذلك يدل الروايات و منها قول اميرالمؤمنين7 لولا اية في كتاب الله لاخبرتكم بمايكون الي يوم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 413 *»

القيمة يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام‏الكتاب لعلي نقلته بالمعني.

فصـل: اعلم ان المراد بالرجعة رجوع الاموات الي الدنيا و اول وقت الرجعة ظهور الحسين7 الي الدنيا و هو علي ما يظهر من الروايات بعد مضي تسع و خمسين سنة من ظهور الحجة7 و معه جماعة و ياتون بعده قوم بعد قوم وهو الراجفة المشاراليها في قوله تعالي يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة و هي علي7 و ينشر مع الحسين7 اصحابه الاثنان و السبعون و يزيد بن معوية و اصحابه فيقتلهم حذو القذة بالقذة و هو قوله تعالي ثم رددنا لكم الكرة عليهم و امددناكم باموال و بنين و جعلناكم اكثر نفيراً و ينشر معه سبعون نبياً و اثناعشر الف و روي خمسة و سبعون الف صديق و هو7 يلي حساب الخلق في الرجعة و الرجعة ليست عامة و انما هي مخصوصة بمن محض الايمان محضاً او محض الكفر محضاً نعم ينشر اناس قتلوا في الدنيا و لم‏يمحضوا الايمان ليقتصوا من قاتليهم و يقتصون و يعيشون ثلثين شهراً ثم يموتون في ليلة واحدة بل و في الخبر من عذب يقتص بعذابه و من اغيظ بغيظه و من قتل اقتص بقتله و علي ذلك ينشر كثير من الناس.

بالجملة يرجع7 بعد ظهور الحجة بتسع و خمسين سنة فيعيش معه احدي‏عشرة سنة ثم يموت الحجة فيجهزه و يكفنه و يدفنه و يقع بعده هرج و مرج الي خمسين سنة فيخرج اميرالمؤمنين7 بعد ثمان سنين لنصرة الحسين7 و يبقي معه الي ثلثمائة سنة و تسع سنين ثم يقتل و يبقي اربعة الاف سنة او ستة الاف او عشرة الاف ثم يرجع الي الدنيا و الحسين7 حاكم و يملك خمسين الف سنة ثم يخرج السيد الاكبر محمد9 في من امن به او كذبه مع امام امام و وقت وقت ثم يبقون الي قبيل نفخ الصور هذا مختصر من الاحاديث في كليات الرجعة التي نريد ان‏نبينها هنا و اما الجزئيات فهي خارجة عن مقام الاستدلال و من اراد التفصيل فليراجع الكتب الموضوعة في الرجعة.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 414 *»

فصـل: اعلم ان علم الرجعة علم مشكل جداً لم‏يكشف فيما اعلم الي الان لثامه و لم‏يفض ختامه و لم‏يتصد احد الي حل مشكلاته و بيان معضلاته و ان مشايخنا اجل الله شأنهم قداسسوا بنيان المعرفة به ولكن لم‏يبينوه علي ما ينبغي و لم‏يتصدوا لبيانه و لم‏يكن ذلك الا انه خارج عن فهم اهل الزمان كالمعاد فانهم سمعوا اخباراً فيهما و فهموا شيئاً منها و اتفقوا علي ما فهموا و لم‏يرجعوا الي الذين سكتوا فـٰال الامر الي ان زعموه مجمعاًعليه فمن قال خلاف ما  فهموه و ان كان موافقاً لمدلول الاخبار بعد التنبيه زعموه خارجاً عن الاجماع فلاجل ذلك كتم العلماء علمهم فيهما و لم‏يبينوه الا تحت عبارات و اشارات و كما تصدينا لتوضيح امر المعاد في المجلد الاول لنتصد لتوضيح امر الرجعة ايضاً في‏الجملة لنلين به صعاب الطبايع و نستخرج به الودايع.

فاقول و لا حول و لا قوة الا بالله اعلم ان حقيقة الشي‏ء هي المفعول المطلق فهو تمام حقيقة الشي‏ء و ذاته و كنهه و ما به هو هو و كل ما هو خارج عن تلك الحقيقة فانما هو عرض ملحق بها لايزيد في الذات عروضه و لاينقص منها زواله و ذلك ان الشي‏ء يقوم بمادة و صورة مادته اثر فعل الفاعل و صورته مخلوقة من نفس تلك المادة و هي اثر صفة الفعل المتعلق بالمادة و النسبة بين الفعلين هي النسبة بين المفعولين فالشي‏ء قائم بمشية الله و فعله قيام صدور و بمادته و صورته قيام ركن و مادته قائمة بصورته قيام ظهور و صورته قائمة بمادته قيام تحقق و المفعول المطلق مستجمع جميع مابه الشي‏ء شي‏ء و مقامه مقام ضرباً عند ضرب و مقام النور من المنير و مقام الكلام من المتكلم و الشبح في المراة من الشاخص فهو الشي‏ء بحقيقة الشيئية غنياً عما سوي مؤثره فانه العلة التامة الباقية الغنية فيكون اثره ايضاً كذلك و جميع ما هو خارج عن هذه الحقيقة كائناً ماكان بالغاً مابلغ ليس مما به ذلك الشي‏ء ذلك الشي‏ء فالمفعول‏به بمعني المظهر ليس مما به الاثر اثر و مما به موجود فان وجد مراة ظهر عليها النور والا لم‏يظهر لا انه لايوجد لان النور شعاع المنير و كماله و مثاله تابع له و هو موجود ظهر او لم‏يظهر نعم ان المظهر يخصص اطلاق النور اي اطلاقه الاضافي عن المظاهر فيخصص ظهوره و يشخص

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 415 *»

بالمظهر فيقع النور المطلق في المراة فينصبغ و يتشكل في بطن المراة فيحصل له متممات شخصية في عرصة الظهور فاذا كسر المرءاة عاد النور الي اطلاقه علي ما صدر و ذلك اصل اصيل ليس عليه سبيل نعم للشي‏ء مظهر ذاتي و هو القابلية و الماهية من حيث هي و هو مما به الذات ذات و اما المظاهر الخارجة عن حقيقة الذات فهي عرضية ليست من الذات و لا الي الذات.

فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الله سبحانه اول ما خلق خلق محمداً و ال‏محمد: قبل ان‏يخلق شيئاً من ساير خلقه بالف الف دهر من نور مشيته لم‏يجعل لاحد في مثل الذي خلقهم منه نصيباً فكانوا يعبدون الله و يسبحونه طول تلك المدة و لا عابد سواهم ثم خلق الانبياء من نورهم و شعاعهم فهم بالنسبة اليهم كضرباً بالنسبة الي ضرب و كالنور بالنسبة الي المنير و كالشبح بالنسبة الي الشاخص ثم جعل اعدل تلك القوابل و اصفاها مظاهر لتلك الانوار البهية و اظهر تلك الانوار فيها فكانت تلك المظاهر بالنسبة اليهم مرايا عرضية خارجة عن ذواتهم و حقايقهم ثم خلق من شعاع حقايق الانبياء حقايق الاناسي و ذواتهم ثم اصطفي من جنس تلك الحقايق حقايق معتدلة صافية حاكية مواجهة الي انوار الانبياء و اظهر فيها حقايق الانبياء و جعل اعدلها و اصفاها مظاهر لتلك الانوار المقدسة الاربعة‏عشر فحصل لهم هيهنا عرضان و للانبياء عرض واحد و المؤمنون في ذاتيتهم ثم خلق من شعاع حقايق الاناسي حقايق الحيوانات و جعل معتدلها مظاهر حقايق الاناسي و اعدلها مظاهر حقايق الانبياء و اعدلها مظاهر حقايق تلك الانوار الاول ثم خلق من شعاعها حقايق النباتات و جعل اعدلها مظاهر الحيوانات و اعدلها مظاهر الاناسي و اعدلها مظاهر الانبياء و اعدلها مظاهر تلك الانوار الاول ثم خلق من شعاعها حقايق الجمادات و جعل اعدلها مظاهر النباتات فكان لها هنا عرض و اعدلها مظاهر الحيوانات فكان لها عرضان و اعدلها مظاهر الاناسي فكان لها ثلثة اعراض و اعدلها مظاهر الانبياء فكان لها اربعة اعراض و اعدلها مظاهر تلك الانوار الاول فكان لها خمسة اعراض و تلك المرتبة ذاتية الجمادات و عرضية المقامات الاول فليست منها و لا اليها و مثل كل عال بالنسبة الي الداني

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 416 *»

مثل شبح الشاخص من المرءاة و كل عال قائم بمؤثره قيام صدور و بمادته و صورته قيام ركن و مادته قائمة بصورته قيام ظهور و صورته بمادته قيام تحقق و تمام ما به هو هو تلك المادة و الصورة و انما يقوم ذلك العالي بذلك المظهر الداني قيام ظهور و تشخص في رتبة ذلك الداني و لذلك العالي بالنسبة الي المظاهر الدانية نوعية و اطلاق و في ذلك المظهر تشخص و تعين فماكان المظهر باقياً مواجهاً الي العالي ينطبع فيه نوره و شعاعه و مهما انكسر و انحرف عنه يخفي ظهور العالي في تلك الرتبة لا انه يعدم العالي في مكانه اللهم الا ان‏يتفرق اجزاؤه في رتبته فانه يعدم هناك وهكذا فكل ما له روح اشراقي اذا تخلل الات مظهره و انكسر مرآة بدنه يرجع روحه الي مشرقه علي ما صدر منه باقياً بابقائه و لايلحقه فساد بسبب فساد البدن بوجه فان اعيد المظهر و سبك المراة مرة ثانية سواء كانت من الاجزاء الاولية او غيرها و واجه بها احد ذلك الروح رجع تعلقه بها و ظهر عليها مرة ثانية و ذلك ان اصول المرايا لها نوعية و امكانية لاتخصص لها بصورة دون صورة فاذا ردت المرايا الي الاصول رد ممازجة و انحلت في النوع ثم اخذ من ذلك النوع الصالح اجزاء و سبك مراة اخري علي كم الاولي و كيفها و وجّهت الي ذلك الروح ظهر فيها لاينكر من نفسه شيئاً و يذكر ماكان ذاكراً و يعلم ماكان عالماً مديوناً لمن كان مديوناً له و دائناً لمن كان دائناً له فانه هو هو بلا تفاوت و لم‏يكن المراة اولاً و اخراً منه و لا اليه و علي ذلك كان اصحاب المعاجز يحيون الموتي و لانستلزم ان‏يكون اجزاء المظهر تلك الاجزاء الاول ابداً.

و ان قلت فما معني من يحيي العظام و هي رميم قلت  انه يُحيا عظام بدن زيد الاصلي لا عظام المراة العرضية فان هي الا كفرس كان زيد راكباً عليه فنزل و ركب فرساً اخر و هو هو علي كل حال و ليس المرآة راجعة الي نور الشمس لا بغلايظها و لا بلطايفها و صفاياها و انما النور قائم بالشمس مركب من مادة و صورة هما تمام حقيقته و ليس المراة جزء الموضوع‏له للنور و علي ذلك كان علي7 يرد الشمس فان وقت العصر كان محفوظاً في مقام وجوده فلما  قابله7 بمرءاة الاجسام عاد الوقت بعينه و انما ذلك كشمعة صنعتها علي صورة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 417 *»

جمل ثم كسرتها ثم صنعتها علي الصورة الاولي فقابلت في المرة الثانية صورة الجمل التي هي قائمة بصنع الصانع الدهري و كانت في نفسه فانطبعت فيها كما انطبعت اول مرة و هو قوله سبحانه و انظر الي حمارك و لنجعلك اية للناس و انظر الي العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً و لا شك ان المحيي هو حماره لا غير بل لا شك ان البدن يتحلل في كل آن و يجيء غيره بدله و يصاغ علي هيئته و يظهر عليه ذلك الروح بعينه و هو هو بعينه فحمارك حمارك يوم اول و هو هو ولو بعد عشرين سنة بل اقول كل ذي‏مادة مستقلة موجودة قبل الصورة فصورته اثر صانع غير صانع المادة او اثر راس لفعل الصانع غير راس اخر قدتعلق بالمادة و علي اي حال نعبر عنه بصانع اخر فالصورة لها صانع البتة لانها لم‏تكن ثم كانت و صانعها غيرصانع المادة فهي قائمة بصنع صانعها البتة و لها وجود و ماهية البتة كما ذكرنا غنية به عن غيره غاية‏الامر انه اظهر اثر فعله علي المادة الخاصة و ان مثل ذلك الا كالكلام الذي هو اثر المتكلم و انما يظهر في مراة الهواء و كالكتابة التي هي اثر الكاتب و انما تظهر في مراة المداد فمادام المداد مواجهاً لذلك الاثر يكون ذلك الاثر فيه ظاهراً  فاذا انحرف خفي عنه و اذا اعيد الي المواجهة ظهر فيه ثانياً و مثل ذلك ما مثل به الصادق7 من مثل اللبنة انها هي هي و هي غيرها فان اللبنة الظاهرة مادتها من الطين و انما تشخصت في الملبنة فصارت مكعبة و اكتسبت الصورة من الملبنة فاذا كسرتها عادت طيناً كما كانت ثم اذا رددتها في الملبنة عادت الي الصورة اللبنية فهي هي مادة و هي غيرها صورة اذ الصورة الثانية بحدودها و وقتها و مكانها الشخصية غير الصورة الشخصية الاولي البتة و كذلك نور الشمس و هو بمنزلة الطين و المراة بمنزلة الملبنة و يتصور طين النور في بطنها بصورتها فاذا انحرفت المراة عاد طين النور الي ماكان ثم اذا وضعت المراة ثانياً ظهر فيها النور بصبغها مرة ثانية فالطين مثل للمادة النوعية الصادرة عن فعل المؤثر لا المادة المرءاتية كما يزعمه المبتدي و يفهمه من كلام الاكابر.

بالجملة تلك المادة النوعية بالنسبة الي صور المراة اما يكون لها شخصية

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 418 *»

في عالمها و اما لا فان كانت متشخصة عادت بعد كسر المظهر الي شخصيتها كماكانت و ذلك كافراد الاناسي و لذا يكون عودهم عود مجاورة و ان كانت غيرمتشخصة تبقي علي ماكانت من عمومها كافراد الحيوان و النبات في الدنيا فانها عودها عود ممازجة فالمراد بالعود علي اي حال العود الي المظهر شخصية او نوعية و ليس العود يوم القيمة الا هكذا و ليس العود في الرجعة و اعادة اصحاب المعجزات الاموات الا هكذا و لم‏يكن اعادة وقت الصلوة الا هكذا و لايحضر الاوقات يوم القيمة و الامكنة الا هكذا.

بقي شي‏ء فلعله يشتبه علي بعض الطلبة و هو انه ربما يتحير الرجل انه كما ان نور كل سراج نوره مادة و صورة و غني عن السراج الاخر كذلك قيام زيد اثره غني عن عمرو و قيام عمرو اثره و غني عن زيد فما الجامع و ما المادة النوعية الظاهرة في مراة بدنهما هل هي واحدة ام متعددة فان كانت متعددة فان لبّن زيد لبنة و كسرها عمرو ثم لبنها ثانياً لم‏تعد اللبنة الاولي بل و ان كان الملبن الثاني هو الاول ايضاً فان زيداً في الاول لبن بحركة و في الثاني بغيرها و لكل اثر خاص بها اقـول انا اذا وجدنا من شيئين اثراً واحداً دلنا ذلك علي ان الاثر من جهة اشتراكهما لا من جهة افتراقهما فان جهة الافتراق في كل مباينة مع جهة الاخر و لايعقل ان‏يصدر منهما اثر واحد فاذا راينا نحن من وراء زجاجة خضراء و زجاجة صفراء بريقاً و لمعاناً دلنا ذلك علي ان البريق من امر مشترك بينهما لا من خضرة الخضراء و صفرة الصفراء و كذلك اذا سمعت النطق من رجل اسود و احمر يدلك ذلك علي ان الاثر من الحد المشترك و هو الانسان و النفس الناطقة لا من سواد الاسود و حمرة الاحمر فاذا بين نطقيهما حد مشترك هو اثر الانسان الكلي و انما الاسود و الاحمر مظهران لاثره و ان هما عنده الا كاليدين عند نفس الحايك فانها هي التي تحوك بيديها القت في هويتهما مثالها فاظهرت عنهما افعالها و الفعل فعل النفس و ان ظهر من اليدين نعم يرجع الي اليدين ماكان في الحياكتين من اختلاف فما يظهر من اليد الرعشاء علي خلاف ما يظهر من اليد الصحيحة ولو اتقنت هذا الاصل لعلمت ان ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 419 *»

و عرفت ان المصلي من الكل و الصائم من الكل و المزكي من الكل و هكذا هو النفس الكلية الالهية فالحد المشترك بين جميع الاعمال هو اثر النفس الكلية و ان ظهر من زيد و عمرو و بكر و خالد اما الخيرات فهي منها بهم و اما الشرور فهي منهم بها انا اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك مني.

فاذا اتقنت ذلك علمت ان اللبنة هي حقيقة واحدة قدظهرت علي الطين بصنع زيد فاذا كسرها عمرو و اعادها فانما واجه بذلك الطين تلك اللبنة التي هي اثر الملبن منهما فصح الاعادة و جميع اللبن في الدنيا صارت لبناً لمواجهتها اللبن النوعي و لذلك تجد بين اللبن و الطين عموماً من وجه و ليس الطين مادة ذاتية لللبنة فافهم فانه دقيق.

فصـل: فعلي ما عرفت جميع ما تري من عرش و كرسي و افلاك و عناصر و جماد و نبات و حيوان و انسان بل و افعال و صفات و نسب لها حقايق قائمة بمؤثرها نوعية او شخصية و انما ظهرت في المراة الزمانية الدنياوية الشخصية و مهما فسدت تلك المراة غابت تلك الحقيقة قائمة بمؤثرها محفوظة بحفظه باقية بابقائه فان اعاد معيد المراة و واجه بها اليها عادت الي الظهور فيها و هي هي و لايشترط ان‏تكون المرآة من الاجزاء الاولية مادة بل و لا صورة شخصية و يكفي النوعية المواجهة ولو نشاء لمسخناهم و من نعمره ننكسه في الخلق بل هم في لبس من خلق جديد و كذلك لايشترط ان‏تكون بكثافة الاولي بل يشترط المواجهة ولو لطفت المادة الزمانية الف الف مرة فانها لاتصير بلطافة تلك الحقايق ابداً و كذلك يترقي زيد في الدنيا بالرياضات و المجاهدات و تلطيف البدن و الروح الحيواني درجات و هو هو نعم كلما يكون المراة الطف تكون الحكاية اكثر و البيان اوضح.

بالجملة ان الاشياء بعد ذلك تختلف احوالها فمنها ما يكتسب الشخصية من المرءاة و لولا المرآة لا شخصية له اصلاً فان حقيقته الشخصية نفس تلك الصورة المشخصة في الزمان فعلي ذلك ليس له حقيقة واحدة دهرية شخصية بل هي حقايق عديدة في كل طرفة عين و اسرع منها كشعلة تحسبها مادامت شعلة واحدة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 420 *»

و هي متجددة في كل آن فالحقيقة الشخصية للورد مثلاً تتعدد في كل آن من حين كونه في الكم الي حين انفتاقه بل و تنثر اوراقه و جفافها فحقايقها الشخصية زمانية فاذا كسرت المرآة الزمانية قام الورد النوعي بمؤثره في دهره و لا تشخص ولو رده الولي و اعاده في اي مرآة صدق انه عاد الورد ولو لم‏يكن علي الصور الماضية و اما لو شاء ان‏يعيد احدي تلك الصور الماضية فلايمكن ان‏يواجه بالمادة الزمانية تلك الصورة المطروحة في غيب الزمان و المكان و يعيدها لان تلك الصورة مشخصة بوقتها و مكانها و حدودها و لايمكن ظهورها في وقت اخر و مكان اخر بخلاف ما كان مستعلياً علي الاوقات و الامكنة فافهم فاحياء حمار عزير مثلاً ليس احياء شخص الحمار فانه كان في ايام حياته في كل ان شخصاً علي‏حدة فكيف بعد انفاقه و انما كان وحدته كوحدة الشعلة من اول الليل الي اخره مع انها في كل ان غير الاولي فالحمار المحيي كالسراج المطفا اذا اشتعل ثانياً فهو هو نوعاً و ليس هو هو شخصاً و ذلك لانه ليس للجمادات و النباتات و الحيوانات حقايق شخصية الا في عرصة الزمان.

و منها ما لها شخصية دهرية اذ تشخصها و تصورها هناك فلها حقيقة شخصية قائمة بمؤثرها فاذا كسرت المراة رجعت الي ربها مشخصة فاذا اعيد مرآة مواجهة عادت بشخصيتها اليها فالجمادات و النباتات اذا كسرت مراتهما رجعتا الي ربهما نوعيتين و لا تشخص لهما في الدهر نعم مثلهما الشخصية مكتوبة في غيب الزمان و المكان ابداً و هي اشبه شي‏ء بالملائكة و اما الحيوانات فهي و ان كان لها ارواح فلكية مفارقة في‏الجملة لكنها ليست متعينة من ذات نفسها و انما تعينها و تشخصها من العنصريات و هي منهمكة في الطبيعيات فالاسد اسد في طبع النار مثلاً و البهيمة بهيمة في طبع الماء مثلاً و هكذا والا فهي حرارة غريزية فلكية لا تخصص لها من ذات نفسها و لم‏تكتسب مدة حيوتها شيئاً تتشخص به فاذا كسر مراتها عادت الي ربها حقيقة نوعية و مازجت نوعها و اما الانسان فليس تشخصه بطبايعه العنصرية و لا بالحيوانية و انما تشخصه بعقايده و علومه و اعماله و اخلاقه فان الانسان حقيقته جوهرة دراكة حية بالذات خلقت من ارض العلم و طبايعه شأنها العلم و الحلم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 421 *»

و الذكر و الفكر و النباهة و النزاهة و الحكمة مفارقة للغرايز الحيوانية و الطبايع النباتية و الجواهر الجمادية و هي تعينها من طبايعها و اختلافها كماً و كيفاً كما ان اختلاف النباتات من طبايعها كماً و كيفاً فاذا واجه بدن جمادي نباتي حيواني معتدل كامل المراتب لايق لتعلق الانسان النفس الكلية الالهية اشرقت عليه بنفس ناطقة كونية فانارت عرشه بعقل مطلق عن التشريع و كرسيه بنفس مطلقة و فلك زحله بتعقل مطلق و فلك مشتريه بعلم مطلق و مريخه بتوهم مطلق و شمسه بوجود مطلق و زهرته بخيال مطلق و عطارده بفكر مطلق و قمره بحيوة مطلقة لكن متعينة بطبايعه العنصرية و بها اختصت بها و كذا نفسه الحيوانية فلها اول وهلة اطلاق‏ما  فتشرق علي عينه ببصر مطلق و اذنه بسمع مطلق و خيشومه بشم مطلق و لسانه بذوق مطلق و جلده و اعضائه بلمس مطلق ثم شرعت النفس المتعلقة به في الاكتساب و تحصيل الجزئيات و امتثال الامر و الناهي اياً كان فتشخصت و امتازت عن غيرها بحسب اعمالها و علومها فان اكتسبت الاعمال و العلوم من عليين كانت متشخصة بتشخص علييني و ان اكتسبتهما من سجين كانت متشخصة بتشخص سجيني نعم كان لها قبل الاعمال و العلوم تشخص كوني من جهة المرآة و هيئتها و صبغها و قديحصل لمن لم‏يعرف شيئاً من عليين و سجين تعين كوني بالعلوم الكونية و الرسمية و الاعمال اذا لم‏يك عرض عليه ايمان و كفر فيتعين بتعين كوني و يبقي بذلك التعين في قبر طبعه ميتاً اذ ليس بحي بحيوة الايمان و لا بروح الكفر وانما اكتسب ما اكتسب قريباً من اكتساب الاسد الاسدية من طبايعه فلاجل انهماكه في الطبايع و تسفل ذاته يصيبه ما يصيب الحيوان من الحدثان و ايته ما يصيب روح الحية مما يصيب بدنه من التقطع فلاجل ذلك يبقي نفس المستضعف مع جسده في قبره الي ان يشاء الله فيصفي عن الطبايع و يتجرد متعيناً بتعين كوني فيؤتي به عرصة القيمة فيكلف فاما يصعد صاعداً الي درجات عليين و اما ينزل نازلاً الي دركات الجحيم و قد مر في الجلد الاول شرح هذه الاحوال فراجع.

بالجملة اذا عادت المرايا في الرجعة من المواد الاولية او غيرها و وجّه بها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 422 *»

الارواح الماحضة الشخصية ظهرت الارواح عليها لم‏تنكر من انفسها شيئا كما انها اذا بقيت منذ خلقت الي تلك الايام حرفاً بحرف الاتري ان مواد مرايا بدنك قدتبدلت في مدة عمرك حتي ان هذه الاعراض التي لك اليوم لم‏تكن بموادها و صورها عشر سنين قبل و لم‏يبق مماكان لك عشر سنين قبل و مع ذلك انت انت لاتنكر من نفسك شيئاً و تذكر ما مر عليك و كذلك الرجل في الرجعة يذكر ما مر عليه و لاينكر من نفسه شيئا مع ان مراة بدنه غير ماكان في الدنيا و انما صار لاينكر من نفسه شيئا لان الاجزاء الاصلية من بدنه تعاد في ضمن الاعراض الجديدة فهي هي فتدبر.

فصـل: لابد لنا من شرح عالم البرزخ قليلاً و ان تقدم شطر منه في المجلد الاول و لما كان اتساق الكلام موقوفاً عليه اردنا و لا قوة الا بالله ان‏نشرح منه ما يناسب المقام.

اعلم انه لما كانت الطفرة في مراتب الوجود خلاف الحكمة و الصواب و ان كان الله قادراً علي ذلك جعل الله عزوجل مابين كل رتبتين من مراتب الوجود برزخاً ولكن درك البرزخ امر مشكل و ليس علي ظاهر ما يقصده الناس منه من كون جوهر بين الجوهرين اعلاه كالجوهر الاعلي و اسفله كالجوهر الاسفل فانه لو كان اعلاه كالجوهر الاعلي مادة و صورة فهو من الاعلي و ان كان اسفله كالجوهر الاسفل مادة و صورة فهو من الاسفل و اذا هو شيئان لا شي‏ء واحد و لابد ايضاً بينهما من برزخ و ان كان الجوهر الوسط مبايناً للاعلي و الاسفل فليس ببرزخ علي ما يفسرونه بل البرزخ بين شيئين هو فعل العالي الصادر منه المتعلق بالسافل فهو صدوراً  اية العالي و ظهوره و نوره و ظهوراً مناسب للسافل مرتبط به واقع عليه و ليس اعلاه من جنس العالي لا مادة و لا صورة و لا اسفله من جنس السافل لا مادة و لا صورة مع انه يشبه الاعلي و الاسفل في عاليه و دانيه فاذاً عالم البرزخ هو البرزخ بين الدهر و الزمان فهو فعل النفس الكلية الدهرية المتعلق بالاجسام الزمانية و فعل النفس الكلية هو التعقل و التعلم و التوهم و التخيل و التفكر فهذه المشاعر صادرة من النفس و متعلقة بالمواد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 423 *»

الزمانية فلاتشعر النفس بتلك المشاعر ما لاتنتزعه من الاجسام الزمانية فبالتخيل تدرك صور ما في الزمان و بالتوهم تدرك معاني تلك الصور و بالتفكر تربط بين تلك المعاني و الصور و بالتعلم تدرك صورها المجردة بالنسبة و بالتعقل تدرك معاني تلك الصور الكلية بالنسبة و تفصيل ذلك ان النفس الكلية قداشرقت علي الاجسام الزمانية بواسطة الجسم الكلي لما قابلتها فصدر منها شعاع كلي صدوراً له مادة و صورة فوقع علي العرش فانصبغ فيه و حدث له تشخص و علي الكرسي و حدث له تشخص و علي الافلاك و حدث له تشخصات و علي العناصر فحدث له تشخصات و ذلك النور المنصبغ في بطن كل واحد هو نفسه الظلية التي بها يتحرك نحو حركته و تلك النفس هي دراكة حية متحركة بالارادة الا انها في العرش عقل و في الكرسي نفس و في زحل تعقل وهكذا في كل محل علي حسب صبغ ذلك المحل و في العناصر تلك النفس الظلية ارض ذلك العالم اي عالم البرزخ و مراتب تلك النفس الظلية تختلف علي حسب المرايا و مادام المرايا باقية شخصيتها باقية و اذا كسرت بطلت و عادت الي النوعية التي كانت عليها قبل التعلق فذلك العالم له عرش و كرسي و افلاك و عناصر ظلية كما عرفت لكن هي باقية مادامت هذه المواد الدنياوية باقية فاذا ذهبت ذهب شخصية المثل و عادت الي الكلية و فيه جميع الجمادات و المعادن و النباتات و الحيوانات و فيه اظلة الاناسي كلمة تامة مركبة من حصص من تلك الاظلة المطلقة و فيه جميع اللذات و المكاره لكن مادامت المواد في الدنيا باقية فاذا ذهبت محي مثلها من لوح عالم البرزخ و اثبتت  في لوح العلم في رتبة الملكوت و ليس فيه المثل الماضية فان اسفل عالم البرزخ يمر عليه الاوقات كما تمر علي الاجسام و كما ان المثل الماضية مرت بالاوقات الماضية و كتبت في غيوب الامكنة كذلك في عالم البرزخ فيتجدد دائماً فيه مثل العرش و الكرسي و الافلاك و النجوم و العناصر و المواليد و القرانات و النسب و المكاره واللذات كما يتجدد في الاجسام و ليس علي لوحه دائماً الا الآن الحاضر كما في هذه الدنيا و لاجل ذلك يكون فيه بكرة و عشي و يحسب من الدنيا مرة و ياتون اهله وادي‏السلام و قبورهم و اهاليهم و يردون وادي برهوت و حضرموت

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 424 *»

و عيون بقر و امثالها فان مثل الجميع حاضرة فيه اي نفوسها و حقايقها الظلية و هي الصور التي بها تسمي الاشياء بما تسمي لها موادها و صورها و بهما قوامها لا بالمواد العرضية اللهم الا ظهوراً و تشخصاً فافهم.

و اما المثل الماضية فهي في لوح الارتسام و الكتاب المحفوظ قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و ليست تدرك بالنفس الظلية المتجددة كما ليست تدرك بالحواس الظاهرة و اما ما تدركه من المثل الماضية التي تتخيلها فهي لاجل ان نفسك المهيمنة علي الاوقات الزمانية و الظلية تلتفت الي مثال الخيال المنطبق علي مثل الحواس المقابلة لمثال المحسوس في زمانه و مكانه و ليست تدركه بمثال الخيال في ¨انك هذا بل بذات الخيال و هي دهرية صدوراً و مهيمنة علي مثلها في اوقاتها ثم تنزل في لوح خيالك في ¨انك و تتصور بصورة خيالك في ¨انك و كذلك يدرك المرء المثل الدنياوية و البرزخية و تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً و ما عملت من سوء و من يعمل مثقال ذرة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرة شراً يره.

فتبين و ظهر ان هذه الدار جميعها نفوس ظلية صادرة من النفس الكلية نوعية ظاهرة علي الاجسام مشخصة بها فتشخصها باق ببقاء الاجسام و اذا تفرق الاجسام بطل شخصياتها و فني عالمها فمادام العرش الجسماني و الكرسي و الافلاك الجسمانية و العناصر باقية نفوسها باقية فاذا نفخ في الصور و مارت السماء موراً و دكت الجبال دكاً و رجت الارض رجاً بطل نفوسها في البرزخ ايضاً و عادت الي النوعية الدهرية و اتحدت المراتب في النفس الكلية و كذلك لزيد حصة من كل فلك و من الارض فاذا مات الانسان يموت بدنه فيتفرق جسده الاصلي فيه بتفرق بدنه لانه نفس منجمدة فيه كنفس الحية في جسدها فيبقي في قبر طبايعه و يبقي افلاكه فيبقي مثله الفلكية الي ان‏ينفخ في الصور فيتفكك هنالك افلاكه و يبطل مثلها ثم تعود الي كليته الدهرية فتتحد فيها و هي حقيقة زيد بما هو زيد.

و اعلم ان نفوس البسايط مطلقة كاطلاق البسائط يعني ان لها تعيناً نوعياً  في بطون

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 425 *»

البسائط و نفوس الاناسي متشخصة كتشخص الاناسي يعني ان لها تعيناً شخصياً كونياً في بطون الابدان فاذا خرب البدن فالنفس العنصرية اي ما للعناصر من الشعور و الادراك و الحيوة و الحركة لجمودها و شدة انهماكها في البدن تتفرق و لها طبايع جوهرية علمية فيبطل علمها و شعورها و اما النفوس الفلكية فهي ايضاً مركبة من طبايع جوهرية علمية لكن من صفاياها فتبقي بعد خراب البدن متعينة بتعينات طبايعها العلمية المتعينة المتشخصة و اما العالم فلايموت الا عند نفخ الصور فاذا مات العالم دفن جسده في قبر الطبايع و تفتت و بقي نفسه الظلية علي النوعية بسائط الي ان‏ينفخ الثانية فيرد جسده الاصلي و يتعلق به روحه الدهري في غاية المشاكلة و الاتحاد و قد مر تفاصيل هذه المقامات فان شئت فراجع.

فصـل: اعلم ان سبب الموت هو تخلل الات البدن و زوال المواجهة مع النفس و سبب التخلل اختلاطه بالاعراض الداعي كل واحد منها الي جهته و المائل كل واحد منها الي حيزه و المنصدم كل واحد منها من ضده الاقوي و توارد الافات لانها خلقت للفناء فاذا تخلل البدن زالت المواجهة فخر ميتاً و كذلك الجسد البرزخي هو حي ما لم‏يتخلل فاذا زالت المواجهة بالتخلل خر ميتاً و ذلك حال كل ذي روح اشراقي فاذا اعيد البدن ثانياً و توجه الي نفسه ظهرت فيه كما كانت ظاهرة اول مرة و في الدنيا الارواح و الابدان مختلطة و في البرزخ الارواح علي اختلاطها و الجسد يطهر شيئاً بعد شي‏ء عن اعراض الدنيا فاذا زال اعراضه الدنياوية لم‏يبق مانع برزخي من تركيبه فيأتلف ثانياً متوجهاً الي روحه فيتعلق به ويحيي و يمشي حياً صحيحاً سوياً في عالم البرزخ علي صورة علمه و عمله كماعرفت و علي ذلك يتفاوت رد الارواح الي الاجساد الاصلية في سرعة الاستحياء و بطئه فساع سريع التخلص قليل الاعراض حيي بسرعة و متاخر بطي‏ء التخلص كثير الاعراض و الانهماك حيي بعد مدة فالارواح راجعة الي اجسادها البرزخية اذا كانت ماحضة ذات شعور في البرزخ و اما المستضعفون الذين تسفل ارواحهم حتي مازجت اجسادهم و صور

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 426 *»

نفوسهم من ابدانهم و ليس لهم الا بعض العلوم الحسية او الكونية فاولئك يبقون في قبورهم الي ان‏يتخلص ارواحهم و تتمحض فليس اولئك يرجعون في الرجعة اللهم الا للتقاص كما يحيي الحيوانات يوم القيمة في مقامها ليقتص الجماء من القرناء ثم تموت مرة واحدة فكذلك بعد مااقتص المظلوم من الظالم يبقون ثلثين شهراً ثم يموتون ليلة واحدة و لعل ذلك في اوائل زمان الرجعة و اما اهل الدنيا فهم علي تناسلهم يبقون و يتناسلون في اجسادهم كما هو الآن و يرون الاموات المحيين كما يرون الجن و الملائكة و يرون الجنتين المدهامتين و كما يري الاولياء المعرضون عن الدنيا الآن اهل البرزخ و الجن و علة رؤية اهل ذلك الزمان اهل هورقليا قوة مشاعرهم و شدة ذكائهم ان كانوا مؤمنين و ابتلاء الكافرين بكفرهم فيرون المحيين ليصيبون ببعض جزاء اعمالهم كما قد يري غير المؤمن الارواح في هذه الدنيا.

بالجملة ليس الرجعة من باب الاعجاز و خارق العادة و انما هي امر طبيعي علي حذو نظم العالم و صعوده الي مبدئه و انما يحيون في الرجعة كما يرجعون الي اجسادهم في الاخرة فالناس في الدنيا مختلطة ارواحهم و اجسادهم بالاعراض فيبقون احياء متعلقة ارواحهم باجسادهم مادام فيها اعتدال‏ما و مواجهة فاذا انحرفت مرايا اجسادهم عن مواجهة ارواحهم بسبب الاعراض و تخلل الاتها ماتوا فدفنت اجسادهم العرضية في طبايع الدنيا حتي تاكلها الارض فتتفرق فاذا تفرقت تفرق الجسد الاصلي و هو النفس الظلية المتعلقة بعناصر بدنه الدنياوي و هو مركب من العناصر الظلية الهورقلياوية التي هي حقايق هذه العناصر العرضية اي النار بما هي نار و الهواء بما هو هواء و الماء بما هو ماء و التراب بما هو تراب اي نفوسها الشاعرة بشعور ضعيف فيتفرق الجسد الاصلي مع تفرق الاعراض ولكنه في قبر طبايعه الهورقلياوية و يذهب ارواحها علي ما هي عليه في الجنة او النار الي ان‏يطهر الاجساد عن اعراض الدنيا فاذا طهرت تالفت بالمشاكلة و واجه كل جسد روحه فاشرق عليه و حيي و قام و مشي حامداً لربه فيبقي الي ان‏يصيبه حدثان او عارض من اعراض البرزخ و لولا ذلك العارض لعاش طويلاً حتي انه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 427 *»

ربما يري الرجل من صلبه الف ولد ذكر و انما ذلك لتشاكل اجزاء جسده في‏الجملة و يعيشون و يدوم البرزخ الي ان‏ينقضي اجله و ينفخ في الصور و انقضاء اجله بصعود اهله عنه و انقضاء اجالهم كما كان انقضاء اجل الدنيا بصعود اهلها عنها و انقضاء اجالهم و ليس المراد فناؤهما في مقامهما لعدم خلو رتبة عن جلوة الحق و فيضه فاذا انقضي اجال اهل البرزخ بسبب تخلل الاعراض البرزخية في اجسادهم نفخ في الصور و ماتوا و صعدوا الي عرصة القيمة فتفرقت اجسادهم و دفنت في قبور طبايعها و فارقتها ارواحها و ماتت الارواح بنفخ الصور لوجود الاعراض فيها فماتت اجسامها بنزع المواد و موادها بنزع الطبايع و طبايعها بنزع النفوس و نفوسها بنزع الارواح و ارواحها بنزع العقول و عقولها بنزع الانوار فبقيت كل رتبة في مخزنها من الصور الي ان‏تطهر من الاعراض فاذا طهر العقول و تالفت بالمشاكلة حكت الانوار و اذا طهرت الارواح و تالفت بالمشاكلة حكت العقول و هكذا الي ان اذا طهرت الاجساد و تالفت بالمشاكلة حكت الامثلة و بعثت حية من قبورها و نشرت ثم حشرت الي ربها كما مر في المجلد الاول فامر الرجعة امر طبيعي جار علي نظم الحكمة و ليس بخارق للعادة و لا من باب احياء الاموات في هذه الاوقات.

و اعلم ان الارواح في هذه العناصر بالقوة و بالحيوة الدنيا تصير بالفعل مقارنة متصلة فاذا ماتت تخلصت في الفعلية مفارقة مستقلة و ليست ترد الي القوة ثانياً فلاتخرج في الرجعة من عرصة القوة و انما هي في عالمها بالفعل و يترقي الزمان الي عرصة الفعلية و لاتنزل الفعلية الي عرصة القوة ثانياً فالناس في الدنيا ارواح و ابدان عنصرية و في الرجعة ارواح و ابدان هورقلياوية و في الاخرة ارواح و ابدان ملكوتية و لما كان الغرض في هذا الكتاب ذكر بعض كليات الرجعة دون جزئياتها اكتفينا بما ذكرنا و فيه لعمري كفاية و بلاغ و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 428 *»

الباب الرابع

في الركن الرابع و الضياء اللامع و النور الساطع تمام العلة و ختام الكلمة

و قدذكرنا في ساير كتبنا هذا الامر و كتبنا فيه منفرداً و غيرمنفرد و الحمد لله حتي صار اوضح من نار علي علم و اشهر من الشمس في العالم و اقول كما كان يقول الصادق7 كثيراً:

علم المحجة واضح لمريده   و اري القلوب عن المحجة  في عمي
و لقد عجبت لهالك و نجاته   موجودة و لقد عجبت لمن نجا

و مع‏ذلك كله اردنا و لا قوة الا بالله ان لايخلو كتابنا هذا من هذا الامر ايضاً و لانه كان في نيتنا ان‏نفصل هذا الكتاب علي اربعة ابواب و قداتينا علي ما اراد الله جل‏وعز علي ثلثة ابواب منها فلنشرع الان في هذا الباب و نذكر فيه ما يقدر الله الملهم للصواب انه كريم وهاب فهذا الباب يفصل علي مقدمة و خمس مقالات و مقصدين و خاتمة.

المقدمــة

في بيان المراد من الركن الرابع

حتي يكون الطالب حال الاستدلال علي بصيرة بالمستدل‌عليه

اعلم ان حقيقة مرادنا علي الجملة من الركن الرابع الاعتراف بان اولياء ال‏محمد: هم اولياؤ الله و يجب ولايتهم و اعداء ال‏محمد: هم اعداؤ الله و يجب عداوتهم ثم لا شك انهم كما يختلفون في ولاية ال‏محمد: يختلفون في كونهم اولياء الله و يختلفون في مقدار وجوب الولاية لهم و كيفيتها و مقدار حقوقهم فـلكل درجات مما عملوا فلايستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون انما يتذكر اولواالالباب و ان اكرمكم عند الله اتقيكم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 429 *»

و يرفع الله الذين امنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات و في المؤمنين سابقون و اصحاب ميمنة كما  قسم الله سبحانه و سابقون و تابعون و معلوم ان لكل حقاً علي مقدار قوة ايمانه و لما كان بناء اهل زماننا علي التقليد المحض في جميع امور الدين استوحش كثير منهم من عدنا ذلك من اركان الدين و زعموا انا زدنا في الدين ما لم‏يكن و ابدعنا بدعة فكثر بذلك النزاع حتي ملأ الاصقاع و طرق جميع الاسماع و كتبنا في ذلك كتباً عديدة و نشرناها حتي سكنت الفورات و لم‏يبق لهم مجال مقال الا لبعض الاغبياء و ما هو الا كصبابة الاناء.

فنقول اولاً ان الدين عند الله الاسلام و من يبتغ غير الاسلام ديناً فلن‏يقبل منه و الاسلام هو التسليم و التسليم هو التصديق بما اخبر الله عباده به و الانقياد لامره و نهيه فما اخبر الله به عباده و اراد منهم التصديق به هو الدين و كل ما سوي ذلك خارج عن الدين فمن اتي بشي‏ء غير الدين فقدابدع و شرع و اخترع و اما من تمسك بما اخبر الله في كتابه و اتي به النبي9 في سنته و دل علي حقيته العقل المستنير و شهد به ايات الافاق و الانفس متفقة المقالة فكيف يكون بدعة و اي عري الدين اوثق مما اشرنا اليه و ياتيك نبأه ان شاء الله ثم ممايكون في السنتهم و افواههم اسم اصول دين و فروع دين و لايشعرون و لنا ان‏نطالبهم ماذا اصول الدين و ماذا فروعه و هل ربكم و نبيكم جعل بعض الامور اصول الدين و خصها باحكام و بعضها فروع الدين و خصها باحكام ام لا؟ و تزعمون انه من الفرايض ان‏يعلم كل مسلم اصول دينه و فروعه و تمرنون بتعليمه الاطفال و الصبيان حتي ينشاوا علي الاسلام و يظهر من قولكم و فعلكم ان معرفتهما من الامور العامة البلوي التي لا محيص لمسلم عنها فكان الواجب ان‏ينزل بمثل ذلك كتاب و يجري به سنة و خطاب و يكون في الاخبار متواتراً و في الاثار متكاثراً فهاتوا باية واحدة من الكتاب و اثر واحد من الشرع المستطاب قدبين فيهما ان اصول الدين ماتذكرونه حتي نسلم لكم و مما يضحك الثكلي ان بعضاً منهم قام يستشهد باي و اخبار تدل علي التوحيد و باي و اخبار تدل علي العدل و باي و اخبار تدل علي المعاد و هكذا النبوة و الامامة و لم‏يعلم المسكين ان كون هذه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 430 *»

الامور من الدين ليس محل النزاع و انما النزاع في كون هذه الامور اصولاً دون غيرها او كون الاصول اقل منها و الباقي من الفروع.

بالجملة بل كذبوا بما لم‏يحيطوا بعلمه و لماياتهم تاويله وليس يدرون ان هذا التقسيم ليس من الله و رسوله و انما المسلمون لما اختلفوا بعد نبيهم9 علي ثلثة و سبعين فرقة سمي كل فرقة ما امتاز به عن الفرقة الاخري بالاصل و اتفق بعضها محل اتفاقهم فسموه باصول الدين و بعضها محل امتيازهم فيما تناقشوا فاختلفوا فيه فسموه باصول المذهب و رضي ان‏يسمي القسم الاول باصول الدين من زعم ان السني و الجبري مسلم و من اهل الدين و اما من قال بكفرهما فليس يري فرقاً بين اصول الدين و المذهب و المساكين غافلون عن هذه الامور و متمسكون بما علمهم استادهم في الكُتّاب و لما امتاز المسلمون بالتوحيد عن عبدة الاوثان قالوا التوحيد (من) اصول ديننا و لما امتاز المسلمون بالاقرار بالانبياء و بمحمد9 عن البراهمة و ساير الملل قالوا ان الاقرار بالنبوة و بمحمد9 من اصول ديننا و لما امتازوا عن الدهرية و التناسخية بالاقرار بالمعاد قالوا ان الاقرار بالمعاد من اصول ديننا و علي ذلك اتفق كلمة ظاهر الاسلام ثم تشعبوا الي جبرية و عدلية فقال العدلية ان العدل من اصول مذهبنا كما ان الجبر من اصول مذهب الجبرية و الي امامية و غير امامية فقال الامامية ان معرفة الامامة من اصول مذهبنا ثم اختلفت الامامية في عدد الائمة فقال الاثناعشرية ان الاقرار بالاثني‏عشر من اصول مذهبنا كما ان غيرهم من الفرق جعل ما ذهب اليه من اصول مذهبه فتلك اصول ما ذهبوا اليه عند الاختلاف و ليست الاصول الخمسة المذكورة بشي‏ء خص الله اصول الدين به و دعا اليه النبي9 دون غيره فان النبي9 دعا الي علم الله كما دعا الي عدل الله و دعا الي سمع الله و بصره و قدرته و حيوته و جميع صفاته الكمالية كما دعا الي عدل الله و منكر كل واحد منها كافر خارج عن الدين و وقع فيها الاختلاف ايضاً و كثر فيها المقال بين الامة ولكن المتاخرين ينسجون علي ترتيب نسج المتقدمين انا وجدنا اباءنا علي امة و انا علي اثارهم مقتدون.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 431 *»

ثم نقول لهم ان اكتفيتم بالكليات مما يجب الاعتقاد به و سميتموه اصول الدين و لاجل ذلك تركتم البواقي فلم لم‏تكتفوا من جميع مسائل معرفة الله بمعرفة الله و تقولوا ان اول اصول الدين معرفة الله ثم من البين ان معرفة علمه و سمعه و بصره و عدله و ساير صفاته و افعاله من اجزاء معرفة الله و من جميع مسائل معرفة النبي بمعرفة النبوة ثم من البين ان الاقرار بعصمته و علمه و كمالاته و صدقه و حقية ما جاء به من اجزائه و علي ذلك لم لم‏تجعلوا المعاد و الامامة مما جاء به و تصدقوه فيما جاء به و تكتفوا بان اصول الدين معرفة الله و معرفة رسوله و هاتان تحتويان علي جميع الدين و ان اردتم التفصيل فهو الي خمسمائة اقرب منه الي الخمسة فلم لم‏تعدوا الكل و ان اردتم مابه امتياز الامة الناجية عن الامم الهالكة فعدوا اثنين و سبعين فان مابه الامتياز اثنان و سبعون فاجعلوا اصول الدين بعدتها و اكثر لدخول الجزئيات و اديان ساير الملل و النحل ايضاً و من انصف عرف ان ذلك محض اصطلاح عن بعض الناس من العامة العمياء و تبعهم الاخرون و زادوا فيها الامامة لتخص مذهبهم و لم‏ينزل بها كتاب و لم‏يجر بها سنة ولو كان ذلك امراً معيناً محدوداً لكانوا يلقنون بها كل من يدخلونه في الاسلام و كل من يموت و لكانوا يذكرونها في الادعية الواردة في تذكير العقايد و من كان متتبعاً في الاخبار عرف بلا غبار انه لم‏يكن لذلك اثر عند الائمة الاخيار و عند النبي9 و اصحابه الابرار و انما هي شي‏ء اصطلح عليه الامة بعد ان جعلوا امرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون فان كانوا يريدون بها مايتعلق بالاعتقاد فليجعلوها خمسمائة و ازيد و ان كانوا يريدون ما به امتياز الفرقة الناجية عن ساير الفرق فليجعلوها اثنين و سبعين نوعاً و جزئياته لاتحصي و ان كانوا يريدون ما يجب علي المكلف ان‏يجتهد فيه بعقله من غير تقليد فليكتفوا بمعرفة الصانع و الرسول اذ يجوز في البواقي الاخذ بقول النبي و لا حرج و علي ذلك كانوا في عصره9و لم‏يكن بواجب ان‏يحكم البنت ذات‏التسع بعقلها بين العدلية و الجبرية و التناسخية و المعادية بلا شك و ان كانوا يريدون ان ذلك من معظم المسائل فليس العدل باعظم من علمه سبحانه و كلامه و مشيته و لا الاخرة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 432 *»

باعظم منها بالجملة نسج المتقدمون نسجاً و نسج المتاخرون علي منوالهم من غير روية ثم يستوحشون عن خلاف ما يسمعون و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل.

و اما نحن فقدجعلنا اركان الدين اربعة نظراً الي ان امور الدين جميعها ينقسم قسمين لا غير فاما هي معرفة ذوات يجب علي كل متدين معرفتها و اما هي معرفة اقوال تلك الذوات و اوامرها و نواهيها و ما تدعو  اليها اما معرفة الذوات فهي معرفة الله جل‏جلاله الذي ليس كمثله شي‏ء و معرفة جميع صفاته و افعاله من فروعها و معرفة النبي9 و معرفة جميع صفاته و افعاله من فروعها و معرفة الائمة: و معرفة جميع صفاتهم و افعالهم من فروعها و معرفة اوليائهم ليواليهم و اعدائهم ليعاديهم و معرفة جميع صفاتهم و افعالهم من فروعها و ان كان الذي يجب ان‏يعرفه المكلف بعقله هو معرفة الله و رسوله و يكتفي في البواقي باتباعه و اتباع النقل الصحيح عنه و اما معرفة ما دعوا اليه فهي كالصلوة و الزكوة و الخمس و الحج و الجهاد و غيرها من شرايع الدين و يجب الاخذ فيها بالاثر الصحيح الذي يرويه الاولياء عنهم صلوات الله عليهم او غير الاولياء مع القرائن المفيدة للقطع بصحته و هو في الحقيقة عمل بالقراين لا برواية الاعداء فانهم لايصدقون علي الله و رسوله و حججه: فهذا مرادنا من اركان الدين فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر و ليس لفظ الاركان له خصوصية تطالبنا بنص خاص فيه فانت سمها اعلام الدين او اصول الدين او اعمدة الدين او غير ذلك فاختر لنفسك ما يحلو و معاني ما ذكرنا مجمع علي وجوب الاعتقاد بها و المعرفة لها فخذ بالمعني و سمه بم شئت فلا مشاحة فيه الا انه جري الاصطلاح عليه و لايخلو من مناسبة و هي ما ذكره الكاظم7 في حروف الاسم الاعظم فقال هي اربعة الاول لااله الا الله و الثاني محمد رسول‏الله و الثالث نحن و الرابع شيعتنا منا  و سميت بالاسم الاعظم لان من تمسك بها و دعا الله مع اليقين بها استجيب له و يقدر معه علي التصرف فيما شاء كيف شاء اذ لايخيب و لايخزي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 433 *»

و نحن قدكتبنا هذه المسئلة في ساير كتبنا مفصلاً مشروحاً لاسيما في كتابنا الزام النواصب و لكثرة ماكتبت و باحثت في هذه المسئلة لايقبل قلبي علي التفصيل التام فان ساير كتبي والحمد لله كاف في المرام فاكتفي هنا ببعض الادلة من كل نوع لئلايخلو كتابنا هذا عن ادلة هذه المسئلة ايضاً و لقلة ناصري هذه المسئلة و كثرة خاذليها و خلو كتب السالفين عن تحقيقها كما ينبغي فلنعنون لاثبات هذه المسئلة مقالات و خاتمة.

المقالة الاولي

في اثبات الركن الرابع و النور اللامع من الكتاب المجيد و الفرقان الحميد

الذي لاياتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و من اخذ دينه منه ثبت كما هو ثابت لايزول و من اخذ دينه عن افواه الرجال افني عمره في قال و يقول.

اعلم انا اذا راجعنا الكتاب المستطاب رايناه حكم علي من امن بالله و رسله وحججه ان‏يوالي الاولياء و يعادي الاعداء حيث يقول المؤمنون و المؤمنات بعضهم اولياء بعض و هو حكم في صورة الاخبار و قال ان الذين امنوا و هاجروا و جاهدوا باموالهم و انفسهم في سبيل الله و الذين اووا و نصروا اولئك بعضهم اولياء بعض ثم جعلهم حزبه و اعوانه و انصاره منسوبين اليه و كفي به فخراً و ذخراً و قال و من يتول الله و رسوله و الذين امنوا فان حزب الله هم الغالبون فالمتوالون في الله هم حزب الله الغالبون ثم رايناه حذر و انذر من موالاة الكافرين و النواصب و المنافقين اشد التحذير و قال لايتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين و من يفعل ذلك فليس من الله في شي‏ء الا ان‏تتقوا منهم تقية و يحذركم الله نفسه و الي الله المصير فاخرجهم من حزبه بقوله فليس من الله في شي‏ء و اثبت لهم النفاق بقوله بشر المنافقين بان لهم عذاباً اليماً الذين يتخذون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ايبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعاً و بقوله ياايها الذين امنوا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 434 *»

لاتتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين اتريدون ان‏تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار و لن‏تجد لهم نصيراً فاثبت لهم النفاق و انما خاطبهم بالمؤمنين في اول الاية لظاهر اقرارهم و استدل بذلك في اية اخري حيث قال تري كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم انفسهم ان سخط الله عليهم و في العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله و النبي و ما انزل اليه مااتخذوهم اولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون و كرر النهي تعظيماً بقوله ياايها الذين امنوا لاتتولوا قوماً غضب الله عليهم قديئسوا من الاخرة كمايئس الكفار من اصحاب القبور و قال ياايها الذين امنوا لاتتخذوا عدوي و عدوكم اولياء تلقون اليهم بالمودة و قدكفروا بما جاءكم من الحق و قال ياايها الذين امنوا لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً و لعباً من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم و الكفار اولياء و اتقوا الله ان كنتم مؤمنين ثم عظم الامتحان و قال ياايها الذين امنوا لاتتخذوا اباءكم و اخوانكم اولياء ان استحبوا الكفر علي الايمان و من يتولهم منكم فاولئك هم الظالمون لما  قال في اية اخري ان الظالمين بعضهم اولياء بعض و الله ولي المتقين و كفي بذلك فخراً  للمؤمنين المتقين و قال في اية اخري تعظيماً للامتحان لاتجد قوماً يؤمنون بالله و اليوم الاخر يوادون من حاد الله و رسوله ولو كانوا اباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه و يدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم و رضوا عنه اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون و قال قبل هذه بآي الم‏تر الي الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم ما هم منكم و لا منهم و يحلفون علي الكذب و هم يعلمون ثم ساق الايات في خزيهم و عذابهم و خلودهم في النار الي قوله لاتجد قوماً الاية.

فتبين و ظهر ان هاتين امران من شروط الايمان من اتي بهما فهو مؤمن و من

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 435 *»

لم‏يات بهما فهو كافر و ليس ساير فروع الدين هكذا فان من تواني في شي‏ء منها يفسق و لايكفر اللهم الا ان‏يجحده بعد كونه ثابتاً فهو كافر لانه جحد رسول‏الله9 و اما امر الولاية فهو امر فوق جميع الشرايع فان الانسان يكفر بمحض الاتيان بما ينافيه لقوله تعالي و الذين كفروا بعضهم اولياء بعض و قوله ان المنافقين و المنافقات بعضهم من بعض و قوله و من يتولهم منكم فاولئك منهم فمن والي لله عدواً او عادي لله ولياً فهو كافر منافق حين يفعل ذلك و بمحض مايفعل فلاجل ذلك صار هذا الركن عديل ساير الاركان و لايساويه شي‏ء مما جاء به النبي9 و قلنا انه الركن الرابع من الايمان و تمام كلمة الاذعان و هل‏يتلجلج في خلد مؤمن قرأ القران و عرف معاني الفرقان ان هذا الامر ليس من اركان الدين او يساويه شي‏ء من شرايع الشرع المبين بل يقطع بان ذلك من تمام ولاية الله و ولاية رسوله و حججه: بل يعرف ان الايمان هو معرفة هذه الذوات و تولاهم و ان الشرايع بعد هي العمل بمقتضي ذلك الايمان كما قال الله سبحانه ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و قال هو الذي حبب اليكم الايمان و زينه في قلوبكم و كره اليكم الكفر و الفسوق و العصيان اولئك هم الراشدون فضلاً من الله و رحمة ولكن النفوس المستنكفة سهلة القياد للشرايع الصامتة التي لايحتمل فيها معارضتهم و يابون عما يحتمل ان‏يعارضهم في شي‏ء من امر دنياهم فتركوا الفرايض ذوات الالسن و تمسكوا بصوامتها فاذا عرض عليهم شي‏ء من ذوات الالسن استوحشوا و خافوا علي دنياهم.

فاذا عرفنا من القران ان ولاية الاولياء و براءة الاعداء من اركان الايمان وجدناه فرق بين درجات المؤمنين في الظاهر و جعل لكل درجة و نفي التسوية بين افراد اهل الدعوة فقال و مايستوي الاعمي و البصير و الذين امنوا و عملوا الصالحات و لا المسي‏ء قليلاًما تتذكرون و المراد بالاعمي و البصير ما شرحه في اية اخري و قال افمن يعلم انما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمي انما يتذكر اولوا الالباب

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 436 *»

و قال هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون انما يتذكر اولوا الالباب و قال ام نجعل المتقين كالفجار و قال لايستوي القاعدون من المؤمنين غير اولي الضرر و المجاهدون في سبيل الله باموالهم و انفسهم فضل الله المجاهدين باموالهم و انفسهم علي القاعدين درجة و كلاً  وعد الله الحسني و فضل الله المجاهدين علي القاعدين اجراً عظيماً درجات منه و مغفرة و رحمة و كان الله غفوراً رحيماً و قال لايستوي منكم من انفق من قبل الفتح و قاتل اولئك اعظم درجة من الذين انفقوا من بعد و قاتلوا و كلاً وعد الله الحسني و الله بما تعملون خبير فعرفنا من هذه الايات ان المؤمنين مختلفون في درجات الفضل و حب الله لهم و قربهم من الله و قد قال الله سبحانه و يؤت كل ذي‏فضل فضله و قال لاتتمنوا ما فضل الله به بعضكم علي بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا و للنساء نصيب مما اكتسبن و اسألوا الله من فضله ان الله كان بكل شي‏ء عليما  فتبين ان المؤمنين علي درجات و لكل فضل فعرفنا انه لابد و ان‏يكون لولايتنا للمؤمنين ايضاً تفاضل فمن كان اقرب الي الله و اشد حباً لله و الله اشد حباً له نكون له اشد ولاية و الذي دون ذلك فيكون ولايتنا له دون ذلك فان ذلك مقتضي العدل المامور به بقوله اعدلوا هو اقرب للتقوي و قال ان الله يامركم ان‏تؤدوا الامانات الي اهلها و اذا حكمتم بين الناس ان‏تحكموا بالعدل و قدنفي الله التسوية بين الاصناف مطلقا فليسوا سواء في شدة الولاية و ضعفها و لايحكم العقل العدل بالتسوية بينهم و ياتي ان الله حكم العقول في ذلك.

بالجملة رايناه قسم المؤمنين اولاً بالمتقين و الفجار كما قال ام نجعل المتقين كالفجار ثم قسم المتقين الي عالم و غيرعالم و قال هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون ثم قسم العالمين الي ثلثة اصناف و قال ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله و هو اعلم بالمهتدين و انما يذكر

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 437 *»

دليل الحكمة و الموعظة و المجادلة للعلماء لا للجهال فعرفنا ان درجات العلماء مختلفة بعضها فوق بعض اما اهل الحكمة فهم الذين شرفهم الله بقوله و قال يؤتي الحكمة من يشاء و من يؤت الحكمة فقداوتي خيراً كثيراً و مايذكر الا اولوا الالباب و اما اهل الموعظة فهم الذين شرفهم الله بقوله فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هديهم الله و اولئك هم اولوا الالباب و اما اهل المجادلة فقد اذن الله لهم ان كانت بالتي هي احسن و قال لاتجادلوا اهل‏الكتاب الا بالتي هي احسن و قال هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين و هم اهل العلم و قدشرفهم الله بقوله انما يخشي الله من عباده العلماء فلكل منهم درجة فضل كما قال و لكل درجات مما عملوا و ما ربك بغافل عما يعملون ثم شرف الله هولاء الاصناف الثلثة و حلاهم بحلية السابقية و المتبوعية فقال و السابقون الاولون من المهاجرين و الانصار و الذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و اعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها ابداً ذلك الفوز العظيم  و قال وكنتم ازواجاً ثلثة فاصحاب الميمنة ما اصحاب الميمنة و اصحاب المشامة ما اصحاب المشامة و السابقون السابقون اولئك المقربون و سميناهم بالسابقين لان الله عزوجل رفع درجتهم علي ساير الانام و قال يرفع الله الذين امنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات فبرفعة مقامهم و قربهم من الله صاروا سابقين كما  قال تعالي ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون و الذين هم بايات ربهم يؤمنون و الذين هم بربهم لايشركون و الذين يؤتون ما اتوا و قلوبهم وجلة انهم الي ربهم راجعون اولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون فالسابقون هم العلماء الذين جعلهم الله متبوعين للجهال و اوجب عليهم متابعتهم و نفي التسوية بينهم و بين غيرهم و رفع مقامهم و قربهم منه و اعطاهم منصب الشفاعة و قال لايملكون

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 438 *»

الشفاعة الا من شهد بالحق و هم يعلمون  فالسابقون لهم ثلث درجات اهل الحكمة و اهل الموعظة و اهل المجادلة بالتي هي احسن فلا شك ان مراتب الولاية لهم ايضاً تختلف علي حسب مراتب سبقهم في الايمان فالولاية التي لاهل الحكمة علي حسب درجتهم و لاهل الموعظة علي حسب مقامهم و لاهل المجادلة علي حسب رتبتهم علي حسب ولاية الله لهم و درجتهم عنده و من مزية تولاهم ان سمعنا الله عزوجل يقول ياايها الذين امنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين فاوجب علينا ان‏نكون مع ثقات العلماء و معتمديهم و سمعناه قدامرنا باخذ العلم عنهم و وعدنا الامن بتقريره و تسديده فقال و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياماً امنين و قدفسره الامام7 بان المراد بالقري المباركة هو هم سلام‏الله عليهم و بالقري الظاهرة الرسل و النقلة عنهم الي شيعتهم و فقهاء شيعتهم و السير مثل للعلم فحكم الله سبحانه علي ضعفاء الشيعة بالسير فيهم و اخذ العلم عنهم ليالي و اياماً امنين و كما امرنا بالتعلم منهم امرهم بالانذار و الابلاغ فقال فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون و انب قوماً تركوا السمع و الطاعة لهم و اخبر انهم من اصحاب السعير و قال كلما القي فيها فوج سالهم خزنتها الم‏ياتكم نذير قالوا بلي قدجاءنا نذير فكذبنا و قلنا مانزل الله من شي‏ء ان انتم الا في ضلال كبير و قالوا لو كنا نسمع او نعقل ماكنا في اصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لاصحاب السعير و النذير كما سمعت اعم من العلماء و اخبر بالرضا عنهم و عن تابعيهم و بخلودهم في الجنة فقال والسابقون الاولون من المهاجرين و الانصار و الذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و اعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها ابداً ذلك الفوز العظيم.

ثم خص الله السابقين بصفات ابانهم بها عن ساير الامة فاعطاهم اولاً مقام

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 439 *»

السبق الي الجنة و المغفرة و قال السابقون السابقون ثم شرفهم بالقرب منه و قال اولئك المقربون ثم بلغهم مقام الشهادة فقال ان كتاب الابرار لفي عليين و ماادراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون فهم الصديقون في قوله ان الذين امنوا و عملوا الصالحات اولئك هم الصديقون و الشهداء عند ربهم ثم خصهم بالتسنيم النازل من السنام الاعلي و هو اشرف شراب في الجنة فقال و مزاجه من تسنيم عيناً يشرب بها المقربون ولم‏يمزج لهم و انما مزج شيئاً من التسنيم بشراب الابرار اذ قال ان الابرار لفي نعيم الي ان قال يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون و مزاجه من تسنيم فالمقربون يشربونه صرفاً و الابرار يشربونه ممزوجاً بالرحيق و هو مقام عال و افضل من ذلك كله ان جعل انبياءه منهم لمشاركة الصفة و قال يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسي بن مريم وجيهاً في الدنيا و الاخرة و من المقربين و جعلهم من الدعاة اليه كما قال ادعو الي الله علي بصيرة انا و من اتبعني و هم الذين اتبعوه في العلم و العمل والا لم‏يكونوا اهل الدعوة مع ما علمت من قوله من اتبعني فانه مني فهم من الانبياء و الانبياء منهم ثم شرفهم بحمل الكتاب و جعل صدورهم مخازن الخطاب فقال بل هو ايات بينات في صدور الذين اوتوا العلم و مايجحد باياتنا الا الظالمون فاي فضل يضاهي هذه الفضائل و اي كمال يباري هذه الخصائل و من البين ان من كان كذلك يجب تولاه و التبري من اعداءه و متابعته في التقوي و الاقتداء به في الهدي و هذا هو مرادنا بالركن الرابع و النور الساطع و الضياء اللامع فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر و ليس علي امرء مسلم غضاضة في دينه يتبع كتاب ربه و يوالي اولياء ربه و يعادي اعداء ربه و اعداء اوليائه و ما في الكتاب المستطاب من الاجمال فقدشرحه ال‏محمد: في اخبارهم فلنعنون لذلك مقالة اخري نذكر فيها بعض الاخبار.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 440 *»

المقالة الثانية

في بعض الاخبار الواردة في هذا المضمار مطابقة لكتاب الله الجبار

فمنها ما رواه الشيخ عبدالله بن نورالله باسناده عن جابر بن يزيد الجعفي في حديث طويل انه قال لعلي بن الحسين8 الحمد لله الذي من علي بمعرفتكم و الهمني فضلكم و وفقني لطاعتكم و موالاة وليكم و معاداة اعدائكم قال صلوات الله عليه يا جابر اوتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولاً  ثم معرفة المعاني ثانياً ثم معرفة الابواب ثالثاً ثم معرفة الامام رابعاً ثم معرفة الاركان خامساً ثم معرفة النقباء سادساً ثم معرفة النجباء سابعاً و هو قوله قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان‏تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً   الحديث وهو نص صريح علي ان معرفة الله عزوجل لاتتحقق الا بمعرفة هذه السبعة و في تفسير البرهان نقلاً من الكافي في حديث وضع الاذان بسنده الي عمرو بن اذينة عن ابي‏عبدالله7 فذكر معراج النبي9 قال فلما عرج الي السماء الاولي قالت الملائكة يامحمد كيف اخوك اذا نزلت فاقراه السلام قال النبي9فتعرفونه قالوا كيف لانعرفه و قداخذ ميثاقك و ميثاقه منا و ميثاق شيعته الي يوم القيمة علينا و انا لنتصفح وجوه شيعته في كل يوم و ليلة خمساً و كذا قالت الملائكة له في السماء الثانية فقالوا كيف لانعرفه و قداخذ ميثاقه و ميثاقك و ميثاق شيعته الي يوم القيمة علينا الخبر و منه يعلم ان الله سبحانه اخذ ميثاق ولاية الشيعة علي الملائكة و يجب عليهم تولاهم بل الملائكة خدام شيعة علي7 كما روي ان الملائكة لخدامنا و خدام شيعتنا و يدل علي هذا العهد ما قال العسكري7 في تلو قوله تعالي الذين ينقضون عهد الله الماخوذ عليهم بالربوبية و لمحمد9 بالنبوة و لعلي7 بالامامة و لشيعتهما بالجنة و الكرامة الخبر و العهد الماخوذ للشيعة بان لهم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 441 *»

الجنة والكرامة اي ان‏يعترفوا بان لهم الجنة و لهم الكرامة عليهم بان‏يكرموهم.

و منها ما قاله7 في تلو قوله و اذ اتينا موسي الكتاب و الفرقان اوحي الله بعد ذلك الي موسي7 ياموسي هذا الكتاب قداقروا به و قدبقي الفرقان فرق مابين المؤمنين و الكافرين و مابين المحقين و المبطلين فجدد عليهم العهد به فاني اليت علي نفسي قسماً حقاً لااتقبل من احد ايماناً و لا عملاً الا مع الايمان به و باخيه علي وصيه قال موسي ما هو يا رب قال الله تعالي ياموسي تاخذ علي بني‏اسرائيل ان محمداً خير النبيين و سيد المرسلين و ان اخاه و وصيه علياً خير الوصيين و ان اولياءه الذين يقيمهم سادة الخلق و ان شيعته المنقادين له المسلمين له اوامره و نواهيه و لخلفائه نجوم الفردوس الاعلي و ملوك جنان عدن  قال فاخذ عليهم موسي7 ذلك فمنهم من اعتقده حقاً و منهم من اعطاه بلسانه دون قلبه فكان المعتقد منهم حقاً يلوح علي جبينه نور مبين و من اعطاه بلسانه دون قلبه ليس له ذلك النور فذلك الفرقان الذي اعطاه الله عزوجل موسي و هو فرق بين المحقين و المبطلين الخبر فاذا كان هذا حال الملائكة و هذا حال الامم السالفة فكيف ينكرون علينا هولاء العصبة بان ابدعنا في جعل الركن الرابع من الايمان.

و منها ما قاله7 في تلو قوله و اذ اخذنا ميثاقكم و رفعنا فوقكم الطور قال اميرالمؤمنين7 ان الله تعالي ذكر لبني‏اسرائيل في عصر محمد9 احوال ابائهم الذين كانوا في ايام موسي7 كيف اخذ عليهم العهد و الميثاق لمحمد و علي و الهما الطيبين المنتجبين للخلافة علي الخلايق و لاصحابهما و شيعتهما الي ان قال قال الله تعالي للموجودين من بني‏اسرائيل في عصر محمد9 علي لسانه قل يامحمد لهولاء المكذبين بك بعد سماعهم ما اخذ علي اوائلهم لك و لاخيك علي7 و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 442 *»

لٰالكما و لشيعتكما بئسما يامركم به ايمانكم ان‏تكفروا بمحمد و تستخفوا بحق علي و اله و شيعته ان كنتم مؤمنين الخبر و هولاء القوم يستخفون بحقهم بانكارهم فضلهم الذي ابانهم الله به من بين العالمين و قدشهد بذلك الاشجار حيث استشهدها النبي9 فيما رواه العسكري في حديث حارث بن كلزة الثقفي الطبيب الذي جاء بزعمه يداوي النبي9 فذكر الخبر الي ان قال دعا النبي9 شجرة فاتت قال فنادت اشهد ان لا اله الا الله ثم شهدت للنبي بالرسالة ثم لعلي بالوصاية ثم قالت و اشهد ان اولياءك الذين يوالونه و يعادون اعداءه حشو الجنة و ان اعداءك الذين يوالون اعداءك و يعادون اولياءك حشو النار فنظر رسول الله9 الي الحارث بن كلزة فقال يا حارث او مجنون يعد من هذه اياته فامن حارث و حسن اسلامه الخبر فاري في كل مقام الشهادة بالاولياء جزء الشهادة بالتوحيد و النبوة و الرسالة و هولاء القوم ينكرون و لعلهم يكفرون الشجرة لو كانوا يشهدون.

و كذا حديث الضب المشهور الذي جاء به الاعرابي يطلب اية و قدالقي الضب فمرغ خديه في التراب ثم رفع راسه و انطقه الله فقال اشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له و ان محمداً عبده و رسوله و اشهد ان اخاك هذا علي بن ابي‏طالب علي الوصف الذي وصفته و ان اولياءه في الجنة يكرمون و ان اعداءه في النار يهانون فامن الاعرابي و قال انا اشهد بما شهد هذا الضب و امن اليهود الحاضرون الخبر او كافراً كان الضب ايضاً و ابدع في الدين حيث جعل الشهادة بالاولياء جزء ايمانه و ركناً من دينه و قد امن الاعرابي و اليهود بهذا الايمان فاي بدعة ابدعنا و اي ضلالة خرجنا.

و قد راينا علياً7 قد لقن من اراد اسلامه بامر ولاية الاولياء و جعله من حدود الايمان و اركان الاذعان و هو فيما رواه العسكري7 في

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 443 *»

حديث الطبيب اليوناني بعد ما قال الطبيب ان كفرت بعد ما رايت فقد بالغت في الفساد و تناهيت في التعرض للهلاك فامرني بما تشاء اطعك قال علي7 امرك ان تفرد الله بالوحدانية و تشهد له بالجود و الحكمة و تنزهه عن العبث و الفساد و عن ظلم الاماء و العباد و تشهد ان محمداً الذي انا وصيه سيد الانام و افضل رتبة اهل دارالسلام و تشهد ان علياً الذي اراك ما اراك و اولاك من النعم ما اولاك خير خلق الله بعد محمد رسول‏الله و احق خلق الله بمقام محمد بعده و بالقيام بشرايعه و احكامه و تشهد ان اولياءه اولياء الله و ان اعداءه اعداء الله و ان المؤمنين المتشاركين لك فيما  كلفتك المساعدين لك علي ما به امرتك خير امة محمد9 و صفوة شيعة علي7 الخبر فاراه7 لقن الكافر اذا اراد اسلامه بالاركان الاربعة و ذكر ان المقرين بالاركان هم صفوة شيعة علي7 فاي بدعة في هذا و اي تخريج خرجنا.

و مثل ذلك ما في الكافي بسنده عن يعقوب بن جعفر قال كنت عند ابي‏ابرهيم7 و اتاه رجل من اهل نجران اليمن من الرهبان و معه راهبة فاستاذن لهما الفضل بن سوار الي ان قال ثم ان الراهب قال اخبرني عن ثمانية احرف نزلت فتبين في الارض منها اربعة و بقي في الهواء منها اربعة علي من نزلت تلك الاربعة التي في الهواء و من يفسرها قال ذاك قائمنا فينزله الله عليه فيفسره و ينزل عليه ما لم‏ينزل علي الصديقين و الرسل و المهتدين ثم قال الراهب فاخبرني عن الاثنين من تلك الاربعة الاحرف التي في الارض ما هي قال اخبرك بالاربعة كلها اما اوليهن فلا اله الا الله وحده لا شريك له باقياً و الثانية محمد رسول الله9 مخلصاً و الثالثة نحن اهل البيت و الرابعة شيعتنا منا و نحن من رسول الله9 ورسول الله من الله بسبب فقال الراهب اشهد ان لا اله الا الله و ان محمداً  رسول الله9 و ان ما جاء به من عند الله حق و انكم صفوة الله من خلقه و ان شيعتكم المطهرون المستبدلون و لهم عاقبة الله و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 444 *»

الحمد لله رب العالمين الخبر فرأيت انه اذا اراد ان‏يسلم ذكر هذه الاركان و ثبت له الايمان و قرره امام الانس و الجان و ذكر ان هذه الاركان هي الاربعة الاحرف الممتازة الخاصة التي نزلت علي الارض و ارادها الله من خلقه فما لهولاء القوم لايكادون يفقهون حديثاً.

و يشير الي هذه الاحرف ما روي عن الكاظم7 ان حروف الاسم الاعظم اربعة الاول لا اله الا الله الثاني محمد رسول الله و الثالث نحن و الرابع شيعتنا انتهي و تسميتها باحرف الاسم الاعظم لان من اعتقد بها و دعا الله بها نال منه ماااراد.

و منها ما قال العسكري7 في تلو قوله تعالي و اذا لقوا الذين امنوا قالوا امنا يعني كايمانكم بمحمد9 مقروناً بالايمان بامامة اخيه علي بن ابي‏طالب و ان خلفاءه من بعده النجوم الزاهرة و الاقمار المنيرة و الشموس المضيئة الباهرة و ان اولياءهم اولياء الله و اعداءهم اعداء الله الخبر فاراه7 جعل اركان الايمان هذه المذكورات دون غيرها.

و روي عن الصادق7 في تلو قوله و لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كانهم لايعلمون قال لما جاءهم جاء اليهود و من يليهم من النواصب كتاب من عند الله القران مشتملاً علي وصف فضل محمد و علي8 و ايجاب ولايتهما و ولاية اوليائهما و عداوة اعدائهما نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب الخبر فاراه7 ذكر وجوب ولاية الاولياء و شهد بان القران نازل بها فمابال هولاء يكذبوننا بما هو بهذا الوضوح من الدين.

و اراها قد جعلها رسول الله9 اوثق عري الايمان في حديث رواه في العوالم من المحاسن بسنده عن ابي‏علي الطائي قال قـال ابوعبدالله7 اي عري الايمان اوثق فقال الحضار الله و رسوله اعلم ثم عدوا الصلوة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 445 *»

و الزكوة و صوم شهر رمضان و الحج و الجهاد في سبيل الله فكان يقول في كل واحد ان له فضلاً و ليس به فقالوا الله و رسوله اعلم فقال قـال رسول الله9 ان اوثق عري الايمان الحب في الله و البغض في الله و توالي ولي الله و تعادي عدو الله انتهي بل ان هذا الركن علامة صدق الاعتقاد بالاركان السابقة كما رواه من مجالس المفيد بسنده عن جيش بن المعتمر عن علي7 في حديث يا جيش من سره ان‏يعلم امحب لنا ام مبغض فليمتحن قلبه فان كان يحب ولياً لنا فليس بمبغض لنا و ان كان يبغض ولياً لنا فليس بمحب لنا ان الله سبحانه اخذ الميثاق لمحبينا بمودتنا و كتب في الذكر الحكيم اسم مبغضنا.

و مما يدل علي ذلك صريحاً ما رواه في الخصال عن الاعمش عن الصادق7 في حديث شرايع الدين قال حب اولياء الله واجب و الولاية لهم واجبة و البراءة من اعدائهم واجبة و من الذين ظلموا ال‏محمد ثم عد اصنافهم الي ان قال و الولاية للمؤمنين الذين لم‏يغيروا و لم يبدلوا بعد نبيهم واجبة مثل سلمان الفارسي و ابي‏ذر الغفاري و المقداد بن الاسود الكندي و عمار بن ياسر و جابر بن عبدالله الانصاري و عبدالله بن الصامت و عبادة بن صامت و خزيمة بن ثابت ذي‏الشهادتين و ابوسعيد الخدري و من نحا نحوهم و فعل مثل فعلهم و الولاية لاتباعهم و المقتدين بهم و بهديهم واجبة و نحو ذلك ما رواه  في العيون فيما  كتب الرضا7 الي المامون من شرايع الاسلام فاي تخريج في هذا المضمار و اي تشريع في هذا الاعتبار و هكذا ساير الاخبار الساطعة الانوار التي اوردناها في كتابنا الزام النواصب و انما ذكرنا هنا معدودة منها لئلايخلو كتابنا هذا من شرف اخبار ال‏محمد:و ان شئت البواقي فراجعه فهذه الاخبار قدجاءت موافقة للكتاب و العقل المستنير كما ياتي و للاجماع من الملل فضلاً عن الاسلام فوجب تصديقها و الاقرار و الديانة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 446 *»

بها و الاعتقاد بمضامينها التي هي كون هذه الاربعة اركان الدين و اصولها و كون بواقي الشرايع فروعها و سيأتيك ما ينبهك ان شاء الله ان كتب لك.

المقالة الثالثة

في بعض الادلة العقلية الموزونة بالموازين الالهية و انواعها ثلثة

النوع الاول: دليل الحكمة و هو اشرف الادلة و اهله اصحاب الافئدة و لعله في اعين الظاهريين استحسان و ليس بدليل ولكنه دليل ذوقي عياني كشفي و قدشحن به الكتاب و السنة لكونه اشرف الادلة ففي الاستدلال به علي هذا الركن مقامان:

الاول الاستدلال بدليل الحكمة علي ان ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء مطلقا من اركان الدين.

اعلم ان الشيئين اما ان‏يتحدا في المادة نوعاً و يختلفا في الصورة علي نحو التواطي او التشكيك او لايتحدا فالاول يكون النسبة بينهما عرضية و ذلك كزيد و عمرو او كالنار و الهواء و الثاني يكون النسبة بينهما طولية اي الادني اثر الاعلي بمادته و صورته و ذلك كالمطلق و المقيد و المقيد عندنا ليس من حصة من المطلق و المطلق لايتحصص و ليس المقيد من مادة المطلق فيكون في عرضه لصدق الاسم في الطولية دون العرضية و ذلك كالجسم المطلق و العرش او الكرسي او غيرهما من الاجسام المقيدة ففي الطولية ليس العالي وراء حد الداني بحيث اذا تجاوزت محدب كرة الداني تدخل في عرصة العالي و لايكون في امكنة المقيدات فيزاحمها بل هو داخل فيها لا كدخول مقيد في مقيد و خارج عنها لا كخروج مقيد عن مقيد بل هو اولي بها منها و اوجد في مكانها منها يعني ان رايت العالي فهو اذ ذاك هو و لا سواه و لم‏ينضم به شي‏ء سواه فيكون قدتحقق المقيدات و ان رايت الداني فهو اذ ذاك هو مقيد و لا مطلق و نعبر عن هذا القسم بالشعاع و المنير فالمقيد شعاع المنير و نوره نظراً الي ان النور ليس مادته من مادة المنير و انما مادته مثال و شبح منفصل من المنير كما روي في

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 447 *»

خبر معرفة الخنثي ان العدول ينظرون الي المراة فيرون الشبح فاذاً المنير اولي بالانوار من الانوار و اوجد منها في مكانها و ليس نور بنور الا برؤية المنير فيه فاذا انقطع اعتباره فاذا هو ظلمة و عدم و قدحققنا ذلك في ساير كتبنا فمادام يري المنير من النور فهو نور و ان قطع النظر عن اعتبار المنير فهو ظلمة.

و ان الله سبحانه خلق ال‏محمد: قبل ان‏يخلق القلم و اللوح او شيئاً غيرهما و خلق من شعاعهم شيعتهم بالبداهة و علي ذلك استفاضة الاخبار و تواطؤ الاثار و شيعتهم منهم كشعاع الشمس من الشمس و روي انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا و الاشتقاق هو الاشتقاق الكبير و لا ضير فهم: اوجد في امكنة وجودات شيعتهم منهم و اولي بهم منهم و انما يدرك تشيع الشيعي ما اعتبر وجودهم صلوات الله عليهم فلو قطع النظر عن وجودهم فلاتشيع اليس تقرا ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و الم‏تسمع نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر فهم سلام الله عليهم اصل شيعتهم و لا تاصل لهم الا بهم و لا تحقق لهم الا برؤيتهم فاذا وجب تولاهم وجب تولاهم في شيعتهم و من عادي شيعتهم و هو يعلم انهم من شيعتهم فقد عاديهم فقد روي في الوسائل باسناد عديدة عن ابي‏عبدالله7 قال ليس الناصب من نصب لنا اهل‏البيت لانك لاتجد رجلاً يقول انا ابغض محمداً و ال‏محمد ولكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و انكم من شيعتنا و مر في حديث جيش بن المعتمر عن علي7 من سره ان‏يعلم امحب لنا ام مبغض فليمتحن قلبه فان كان يحب ولياً لنا فليس بمبغض لنا و ان كان يبغض ولياً لنا فليس بمحب لنا فعلم بدليل الحكمة انه يجب ولاية اولياء الله و البراءة من اعداء الله فانهم ايضاً اظلال اعداء ال‏محمد: بحكم المقابلة و المرئي فيهم هو هم ثم حدود التولي تختلف بحسب اختلاف مراتب الشعاع فكل من كان هو احكي لهم و اجمع لكمالاتهم و شــٔونهم و فضائلهم كان اولي بالولاية حتي ان القريب الاقرب من الاشعة الذي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 448 *»

لا فرق بينه و بين المنير الا انه عبده و نوره له من الولاية مثل ما للمنير الا ان تولاه لاجل المنير و تولي المنير لاجل نفسه و يتحقق تمام تولي المنير بتولاه قال علي7محبك من احبك و احب من احبك و ابغض من ابغضك و مبغضك من ابغضك و ابغض من احبك و احب من ابغضك.

بقي شي‏ء و هو انا ذكرنا ان النور نور ما راي المنير فيه و اذا لم‏ير المنير فيه فهو ظلمة فالشيعي له جهتان جهة الي المنير و بها يكون شيعياً و جهة الي نفسه فلايري منها المنير فمن لاحظ فيه جهته الي منيره و تشيعه و شعاعيته ثم ابغضه فقدابغض المنير و يكون ببغضه له ناصباً كافراً لانه ابغض المنير و اما من ابغضه لاحنة بينه و بين ذلك الرجل او لخلق سيئ له او لعمل او لشي‏ء اخر لا من جهة تشيعه فذلك ليس يرجع الي المنير و لايصدق عليه انه ابغض ولي علي و شيعته فليس يكفر و لاينصب و ان كان له فسقاً ان كان في غير محله فلاتغفل فان الشيعي له جهتان البتة و يمكن للنفس التوجه الي كل جهة منه بدون الجهة الاخري و كذلك الامر في اعدائهم فلو احببت خلقاً حسناً فيهم او عملاً صالحاً ظاهراً فليس ذلك يرجع الي حب اعدائهم بل الي حبهم اذ ذلك المحبوب مسحة من مولاك فيهم بالعرض من جهة اللطخ و الخلط و قداشار الصادق7الي ذلك بقوله و هو يعلم انكم تتولونا و انكم من شيعتنا نعم يختلف الشيعة بحسب المراتب و يكون اعتبار الجهتين في الذين لكل من الجهتين فيهم اعتبار و اما من استهلك جهته الي نفسه في جهته الي مولاه بحيث انه لايعرف الا به و لايري منه الا هو و هو منقطع اليه معروف به مضمحل لديه فذلك الذي لايعذر احد في بغضه و لايقبل منه الاعتذار باني لم‏ابغض جهة تشيعه و انما ابغضت جهة نفسه اذ ليس له اعتبار من نفسه لاسيما بعد موته و عدم بقاء شي‏ء من اثاره الا اثار ولايته كسلمان و ابي‏ذر و المقداد و عمار و اضرابهم في كل عصر و اوان فلا عذر لاحد في بغضهم و امثال ذلك كثيرة.

الاتري ان تربة كربلا لو رفعت بقصد كونها تربة الحسين7 كان لها الاحترام و فيها الشفا و ان لم‏ترفع بهذا القصد لا حرمة لها وهكذا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 449 *»

الامر في كل تربة من ارضه الي ان‏تاخذ التربة من جوار قبره صلوات الله عليه فتلك لشدة الانتساب لاتحتاج الي قصد و من اساء الادب اليها فقد اساء الادب الي صاحبها وكذلك كلمات القران هي الكلمات التي يتفوه العرب بها فلو كان لفظة قـال مكتوبة بقصد القران لاتمسها الا بطهارة و اذا كانت مكتوبة بقصد لفظ غيره فلا حرمة لها و اما كلمات صريحة في القرانية لاتحتمل غيرها كـ قل هو الله احد و بسم الله الرحمن الرحيم و امثالها فلا عذر لاحد في مسها بلا طهارة و لايسمع منه انه مسها بغير قصد القرانية اذ كانه لا حيث لها الا القرانية.

و كذلك امر الشيعة فكبار الشيعة الذين بذلوا مهجهم دون ال‏محمد: و صرفوا عمرهم في علومهم و بذلها و نشرها و لاينسبون الا اليهم و هم من العدالة و التقوي و الزهد بمكان فلا عذر لاحد في بغضهم و عداوتهم اذ لاتبان فيهم جهة الااجهة تشيعهم و لايعرفون الا بالتشيع و انهم علماء مذهب الشيعة و حملة علوم ال‏محمد: فتدبر حفظنا الله من شرور انفسنا و سيئات اعمالنا.

بالجملة قدتبين مما ذكرنا ان ولاية اولياء محمد و ال‏محمد: من تمام ولايتهم بل هي ولايتهم حقيقة اليس رفع السيف رفع الحديد و وضعه وضعه و حبه حبه و بغضه بغضه و اليس حب نور الشمس حبها و بغضه بغضها فكذب من يزعم انه يحب محمداً و ال‏محمد و هو يبغض نورهم و شعاعهم بعد ما تبين ان فلاناً نورهم و شعاعهم.

بقي شي‏ء و هو انه ربما يسول للانسان نفسه ان فلاناً ليس من شعاع محمد و ال‏محمد او لم‏يثبت فلا باس ببغضي اياه و ليس بغضه بغضهم اقـول اذا صح ذلك عنهم مطلقا فبذلك يتجه اليهودي ايضاً علي المسلم انكم لستم اولياء الله والا لكنا نحبكم و هكذا السني علي الشيعي و المعول علي ظهور الاثار فان لكل حقيقة اثراً كما قال النبي9علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور فاذا كان اثر الرجل ولاية ال‏محمد: و بغض اعدائهم و العمل باثارهم فما باله ليس من شعاعهم و نورهم ان هذا الا تلبيس الملبسين و تعلل المتعللين كما اذا

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 450 *»

كان الرجل ينكر فضائلهم بعد البيان و يبغض اولياءهم و يوالي اعداءهم فما باله ليس من الناصبين؟

و الثاني في الاستدلال علي ان للشيعة درجات و فيهم سابقين و لاحقين و لكل درجات مما عملوا و حقوق بحسب مقامهم.

اعلم ان الله سبحانه خلق الشيعة من شعاع ال‏محمد: كما روي انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا و لا شك ان الشعاع من لدن المنير الي منتهي غايته مختلف المراتب باختلاف القوابل التي ضمنته و ان كان الشعاع من حيث الصدور وحدانياً كمؤثره فكلما قرب الي المنير كان اوحد و ابسط و الطف و انور و اشبه بالمنير حتي انه يصل الي مقام يرق فيه القابلية حتي يكاد ان‏يفني من نفسه * فكانما خمر و لا قدح*  و كلما بعد عن المنير كان اشد تكثراً و اغلظ و اكثف و اقل شبهاً بالمنير حتي يكاد ان‏يكون ظلمة و لا نور و لا ذكر للمنير فيه * فكانما قدح و لا خمر*  و مابين ذلك درجات لاتحصي فنور المنير و ظلمة القوابل كانهما مثلثان تداخلا راس كل مثلث علي قاعدة الاخر ففي قاعدة النور نقطة من الظلمة مستهلكة و لا حكم الا للنور و في قاعدة الظلمة نقطة من النور مستهلكة و لا حكم الا للظلمة و لايعقل الطفرة في درجات النور و القوابل لان القابل في الدرجة العليا من الامكان لانه اللاتعين موجود و المعطي ذو جود و المقتضي موجود و المانع مفقود و القابلية اللاحقة بنفسها منحطة عن درجة الاستفاضة من المنير من غير ان‏يتجلي في القابلية الاولي اولاً ثم يتجلي بها للثانية و بهذا العجز و الانحطاط صارت ثانية و لاحقة و اللاحق هو العاجز عن الاستفاضة قبل السابق والا لكان سابقاً فكيف يستفيض اللاحقة قبل السابقة و هي ابعد تناسباً بالمنير من السابقة و محجوب عن درك المنير من غير غشاء و وقاية تكثف نوره و السابقة اولي بالمنير و انسب من اللاحقة و متمكنة من النظر الي المنير من غير واسطة فاي دليل علي وجود التسعة ادل من نفس العشرة اذ هي تسعة اضيف اليها واحد فكيف تنكرها و اي دليل ادل علي وجود النفس من الجسد المحجوب عن العقل الا بواسطة النفس و يري اثر

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 451 *»

العقل عليه و اي دليل ادل علي النور القوي من وجود النور الضعيف و يعلم ان ضعفه ليس لضعف السراج و انما ضعفه لشوب النور الاتي بظلمة القوابل السابقة و بظلمة قابليته و بعدها عن السراج فاذاً   لا دليل ادل علي وجود الكاملين من الشيعة من وجود الناقصين و يعلمون انهم ليسوا باول صادر عن المنير و اشبه اثر به فلابد و ان‏يكون بينهم و بين المنير وسايط علي حسب بعدهم قال الله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياماً  امنين و قال و السابقون السابقون اولئك المقربون فاذا وجود الكاملين من الشيعة اظهر من الشمس و ابين من الامس و لاشك انهم في غاية القرب و اشد شبهاً بالمبدء حتي انه لا فرق بينه و بينهم الا انهم عباده و خلقه فتقها بيده بدؤها منه و عودها اليه و المراد بعدم الفرق عدم الفرق في الصفة و بالمستثني الفرق في الذات فذات النور عبد المنير و اثره احدثه لامن شي‏ء و اما في الصفة و الفعل فلا فرق اذ النور بنفسه صفة المنير و فعله فالذين هم عند قاعدة النور اشبه شي‏ء شبهاً بالمنير في الصفة و احكي له ثم يضعف الشباهة شيئاً فشيئاً الي ان لايبقي فيه الا ذكر المبدء فاذاً لكل طائفة حق بحسب حكايتها المبدء و اراءتها اياه و ذلك الحق هو ما للولي علي الرعية من السمع و الطاعة و الميل اليه و المحبة له و معرفة الاعلي به و التوجه اليه منه و امثال ذلك فاينما وجده الرعية يجب عليها ان‏تؤدي اليه حقه علي حسب ما وجدته و سيأتيك عدد مراتب الاولياء و درجات الاصفياء فترقب و اكتفينا بما ذكرنا من دليل الحكمة هنا لما فصلناه في كتابنا الزام النواصب.

النوع الثاني: دليل الموعظة الحسنة و هو حظ السالكين و ارباب القلوب من المؤمنين الذين اشار اليهم رب العالمين بقوله فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هديهم الله و اولئك هم اولوا الالباب.

اعلم ان بهذا النوع من الدليل ايضاً نستدل في المقامين:

الاول الاستدلال علي وجوب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء.

اعلم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 452 *»

ان الله سبحانه خلق الخلق لفائدة و هي الجود عليهم و التفضل و الكرم بالحيوة الابدية و القدرة الكاملة و الاحاطة التامة و الكمالية الباقية له و هي التي وعدهم من نعيم الجنة و لاينالون تلك الفائدة الا بافادة الله اياها و لايتحقق الافادة الا بقبولهم و استفادتهم و تلك الاستفادة هي فعلهم و منهم و خلق فيهم الاختيار ليستحق المدح مقبلهم و الذم معرضهم ثم علمهم طريق اكتساب تلك المقامات و سماها العبادة و مكنهم من العصيان لتتحقق العبادة فقال ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و لما كان اول العبادة المعرفة قال خلقت الخلق لكي‏اعرف و كانت تلك الطريق هي المحبوبة لله عزوجل لانها سبب الوصول الي دار رضاه ان الله لايرضي لعباده الكفر و ان تشكروا يرضه لكم و رضاء الله رحمته و سخطه عذابه و كان العامل بها و السالك فيها محبوباً لله تعالي قال ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و قال و الله ولي المؤمنين و الله ولي المتقين و قال فسوف ياتي الله بقوم يحبهم و يحبونه اذلة علي المؤمنين اعزة علي الكافرين الي غير ذلك من الايات و من يحبه الله يحبه الرسول البتة لاجل ان رضاء النبي9 لايخالف رضاء الله البتة و معاداتهم مجانبة رحمة الله و النبي ليس يجانب رحمة الله و من يحبه الرسول9 يحبه ال‏محمد: فانهم لايخالفونه في شي‏ء من الامر و كيف يمكن ان‏يعادوا من احبه الله و رسوله او يحبوا من ابغضه الله و رسوله فاذا كان الشيعة المتبعون لهم و الموالون اياهم ممن يحبه الله و رسوله و اولياؤه و لم‏يكونوا محبوبين الا لاتباعهم محاب الله و مراضيه كيف يجوز لولي لهم ان‏يعادي اولياءهم او يوالي اعداءهم و وليهم هو المتصف بصفتهم و هو اذا كان محباً لهم كان محباً لصفتهم فان ذاتهم ممتنعة عن الادراك و صفتهم موجودة في اوليائهم فوجب ولاية من كان متصفاً بصفاتهم هذا و المؤمن مؤمن باتباعه اوامر الله و اجتنابه نواهيه و اكتسابه العلة الغائية و هي قربه تعالي و المحبة هي الميل و غايتها الاتصال فالمحب للمتقربين الي الله سبحانه متوجه الي الله متقرب اليه و العداوة هي التنافر و التباعد و عداوة المتقربين الي الله تعالي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 453 *»

تنافر عن دار قرب الله و جواره و تباعد عنه فمحبة اولياء الله سبب التقرب الي الله و عداوتهم سبب التباعد عن الله فمحبتهم طاعة لله و عداوتهم معصية له فلايختار عاقل ما يتباعد به عن جوار الله الذي فيه خير الدنيا و الاخرة علي ما يتقرب به الي الله عزوجل فيحرم عن كل خير في الدنيا و الاخرة و محبة الاولياء اتصاف بصفة الله و صفة رسوله و حججه: يقيناً و عداوة الاولياء اتصاف بصفة اعداء الدين و اعداء الرسول الامين و اعداء حجج الله علي الخلق و في الحقيقة هذا الامر من الضروريات التي لاتحتاج الي الدليل و كل نظري انتهي اليه وجب التسليم له فلانطيل بذكره الكلام.

الثاني الاستدلال علي وجود الكاملين بهذا الدليل و يحتاج الي مقدمة و هي ان الله سبحانه كما عرفت خلق الخلق لفائدة و لاينالون تلك الفائدة الا باسباب حصولها و اسباب حصولها مفيدها و هو موجود و مطاوعتهم لمفيدها و هي منهم وجهات تلك المطاوعة الطاعة و لايعرفون تلك الطاعة الا بالتعليم و لايقدرون علي العمل بها الا بالتمكين و التوفيق و ابي الله ان‏يجري الاشياء الا باسبابها فلابد من سبب التعليم و التمكين فخلق لذلك اسباباً و هي الرسل و الحجج و الاولياء الكاملون صلوات الله عليهم و احتيج الي الاولياء مع وجود الحجج كما  احتيج الي الحجج مع وجود الرسل و العلة فيه ان الرسول شخص بشري يجري عليه الموت و مادام شريعته باقية تحتاج الي حافظ و مؤد عنه و خليفة منه و هو الحجج و الرسول و الحجة شخصان بشريان يكونان في بلد و لايمكن الايصال الي اطراف مابعث اليها الا بواسطة الحملة و الثقات القابلين للتعليم و التمكين و هم علماء امته و رعيته و خلفاؤه الجزئية الي تلك الاطراف و لولا العلماء المبلغون لماانتشر الدين و لماتعلم الجهال الشرع المبين و لماتمكن القابلون من العمل بمقتضي امر الرسول و نهيه و لاسيما في حال فقد النبي و غيبة الولي و دول الضلال و غلبة الجهال و كثرة الاعداء و قلة الاولياء و انطماس الاثار و تشعب الطرق خلال الديار و خفاء الحق فلولا اولئك العلماء المعلمون الممكنون لمابقي احد الا ارتد كماروي عن العسكري7 عن ابيه7 لولا من يبقي بعد غيبة قائمكم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 454 *»

7 من العلماء الداعين اليه و الدالين عليه و الذابين عن دينه بحجج الله و المنقذين لضعفاء عباد الله من شباك ابليس و مردته و من فخاخ النواصب لمابقي احد الا ارتد عن دين الله ولكنهم الذين يمسكون ازمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها اولئك هم الافضلون عند الله انتهي و انت تعلم ان كل الدنيا جهل و لايعبد به الله الا مواضع العلم و مواضع العلم عند العلماء و جوارهم فلو كانت البلاد خالية عن العلماء سواء كانت في عصر الحجة او بعده كانت جاهلة و لايعبد الله بالجهل و الحجة بنفسه بشر لايحضر كل بلد فتبقي البلاد في الجهل فلاتعبد الله فوجب في الحكمة ايجاد علماء اخر غير الحجج يجوبون البلاد و يعلمون العباد و يمكنونهم من التزود ليوم المعاد.

فاذا عرفت هذه المقدمة السديدة فانصف ربك اليس وجود اولئك من الحكمة و عدمهم خلاف الحكمة و ان عجزت عن درك ذلك اليس وجود اولئك اكمل و اسهل لترقية العباد و هل‏يجوز ان‏يعدل الله عن الاكمل الي غير الاكمل و هو قادر علي ايجاد الاكمل و الاكمل اولي بالايجاد و ترك الاولي قبيح علي العباد فضلاً عن القوي القادر المختار البتة و قدعاتب الله بترك الاولي الانبياء فكيف يترك الاولي بنفسه هذا و النفس الضعيفة لاتقدر ان‏تسالك النفس القوية و تضمحل و تتلاشي عندها فالخلق الضعيف الكثير لايقدرون علي الاستفادة الكاملة من الكامل القوي الواحد الشخصي و لم‏يجر عادة العالم علي ذلك و لم‏يجر عادة الانبياء و الحجج علي تكميل الخلق الناقصين بخرق العادة فلاجل ذلك في العادة احتيج الي وجود كاملين جزئيين يكونون وسائط بين الحجج و بين الضعفاء في حضورهم و غيبتهم و يكونون خلفاءهم عليهم كما  قال تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا  فيها  قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياماً امنين فمن انصف ربه و علم سياسة المدن و طريق الهداية و الارشاد علم ان وجود اولئك الهداة واجب او هو الاولي و الاكمل اقلاً و الاسهل و ان الله سبحانه لايترك الاولي لما عاتب انبياءه بترك الاولي و لقبحه عن القادر الغني.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 455 *»

فتبين و ظهر انه لابد و ان‏يكون في كل عصر لهم شيعة كاملون مكملون حملة اسرارهم و اثارهم مؤدون الي شيعتهم عنهم و بذلك استفاضت الاخبار منها ما رواه في العوالم من بصاير الدرجات بسنده عن الحسين بن يونس عن ابي‏عبدالله7 في صفة الامام قال فاذا كان الامر يصل اليه يعني الي الامام اللاحق اعانه الله بثلثمائة و ثلثة‏عشر ملكاً بعدد اهل بدر و كانوا معه و معهم سبعون رجلاً و اثناعشر نقيباً و اما السبعون فيبعثهم الي الافاق يدعون الناس الي ما دعوا اليه اولاً و يجعل الله في كل موضع مصباحاً يبصر به اعمالهم و من خطبة لعلي7 اللهم واني لاعلم ان العلم لايازر كله و لاينقطع مواده و انك لاتخلي ارضك من حجة لك علي خلقك ظاهر ليس بالمطاع او خائف مغمور كيلاتبطل حججك و لايضل اولياؤك بعد اذ هديتهم بل اين هم و كم اولئك الاقلون عدداً و الاعظمون عند الله جل‏ذكره قدراً المتبعون لقادة الدين الائمة الهادين الذين يتادبون بادابهم و ينهجون نهجهم فعند ذلك يهجم بهم العلم علي حقيقة الايمان فتستجيب ارواحهم لقادة العلم و يستلينون من حديثهم ما استوعر علي غيرهم و يانسون بما استوحش منه المكذبون و اباه المسرفون اولئك اتباع العلماء صحبوا اهل الدنيا بطاعة الله تعالي و اوليائه و دانوا بالتقية عن دينهم و الخوف من عدوهم فارواحهم معلقة بالمحل الاعلي فعلماؤهم و اتباعهم خرس صمت في دولة الباطل ينتظرون لدولة الحق و سيحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل هاه هاه طوبي لهم علي صبرهم علي دينهم في حال هدنتهم و يا شوقاه الي رؤيتهم في حال ظهور دولتهم و سيجمعنا الله و اياهم في جنات عدن و من صلح من ابائهم و ازواجهم و ذرياتهم و في الكافي في حديث عن ابي‏عبدالله7 انظروا علمكم هذا عمن تاخذونه فان فينا اهل‏البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تاويل الجاهلين و بمضمونه احاديث كثيرة.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 456 *»

فتبين و ظهر ان الله جل‏وعز لايخل بهذا الامر العظيم و لايترك الاولي و لايهمل هذا الخلق و ان وجود الامام وحده لايكفي لهذا الامر بحسب العادة اذ لايشهد كل قطعة بر و بحر و لابد من خلفاء له و حكام يبعثهم الي الافاق ليهدوا و يعلموا كل من عرفوه بالاستعداد لئلايضل اولياء الله و لولا ذلك لبقي الخلق علي الجهل و الضلالة و لم‏يتم الدعوة و ضاع من في الاطراف.

و ان قلت ذلك لازم و هم فقهاء الشيعة قلت لسنا الآن بصدد تعيين اولئك و غرضنا اثبات اكمل من ضعفاء الشيعة و جهالهم به يعلمهم الله من الجهالة و يمكنهم من الطاعة و ان لم‏يتبعوه فان الواجب ان‏يكون الخلق من الحكيم في غاية الاتقان فان لم‏يتبعه الناس فلانقص علي خلق الله كما ان الذي خلق العطش خلق الماء فان لم‏يشرب رجل الماء حتي يموت فلا نقص في خلق الله.

فـ لله تحت قباب العرش طائفة اخفاهم عن عيون الناس اجلالاًً

و هم ناظرون مأمورون بالهداية و مشاهدون القوابل فمن عرفوه بالاستعداد لماخلّوه ان‏يضيع و من البديهيات ان وجود اولئك لاينافي كتاباً و لا سنة و لا اجماعاً و لا ضرورة و لا عقلاً  فلايجوز لاحد ان‏يرد هذا القول علي القائلين به لعدم قيام دليل علي كذبه قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين و من كان متديناً لايكذب هولاء القوم غاية الامر انه يقول لم‏يثبت لي وجودهم و اما الانكار مع انه لم‏يصعد السماء و لم‏يخرق الارض و لم‏يطف بجميع البلاد فكيف يجوز عند العاقل فالانكار مخاطرة النفس البتة و ان راجع امرأ و انصف من نفسه ما كتبناه هنا و في ساير كتبنا عرف بلا غبار انه يجب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء و الاطاعة و الانقياد لروساء المؤمنين و وجودهم لازم في الحكمة و من اللطف الواجب.

النوع الثالث: دليل المجادلة بالتي هي احسن فنستدل بذلك ايضاً لاهل الجدال علي المقامين:

فالاول الاستدلال علي وجوب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء نوعاً.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 457 *»

فاقول لا شك ان الله سبحانه خلق هذا الخلق و بعث اليهم الرسل و انزل عليهم الكتب و دعاهم الي امتثال اوامره و اجتناب نواهيه فاجاب منهم مجيبون و اعرض منهم معرضون ثم ان قلت ان الله سبحانه دعاهم الي ما فيه هلاكهم و به بعدهم عنه فذلك خلاف البداهة فان الله وعدهم بالطاعة خير الدنيا و الاخرة و بالمعصية شر الدنيا و الاخرة و نري انه اهلك الامم الماضية بعصيانهم و ان قلت انه دعاهم الي ما فيه نجاتهم في الدنيا و الاخرة و به يتقربون اليه فالمجيبون للدعوة ناجون و متقربون الي الله سبحانه ثم لايخلو اما ان‏تقول ان الله يبغض المجيبين الناجين المقربين و اما يحبهم فان قلت بالاول خالفت ضرورة الاسلام و الكتاب و السنة و ان قلت بالثاني فهم اولياؤ الله و احباؤه متقربون اليه يحبهم و يحبونه فاذا كانوا كذلك لايخلو قولك في حبك لهم من ان‏تقول انه يكون مقرباً منهم و موصلاً اليهم او تقول انه يكون مبعداً عنهم فان قلت بالثاني خالفت البداهة فان الحب ينشأ من المناسبة و يكون سبب الاتصال و دليل المجانسة و البغض بعكس ذلك و كل مجانس يكون محباً للمجانس لانه يقويه و عدواً للمنافر لانه يضعفه ضرورة ان الاشياء تتقوي باشكالها و تتضعف باضدادها و ان قلت بالاول فحبك لاولياء الله دليل علي مناسبتك معهم و مجانستك لهم و يكون سبب اتصالك بهم حتي انه روي من احب حجراً حشره الله معه فاذا حب اولياء الله دليل السعادة و بغضهم دليل الشقاوة و بهذا القدر نكتفي من المجادلة فانه بديهي ان شاء الله ولا احد من اهل الاسلام بل من الاديان قال بانه لايجب حب اولياء الله.

و الثاني الاستدلال به علي وجود السابقين و الوسايط من المؤمنين و ذلك ايضاً بديهي و اني لااجد عاقلاً يقول ليس في خلق الله اتقي مني و اورع و اعلم و اكمل و كيف يتفوه العاقل بذلك و هو لم‏يجب جميع المشرق و المغرب و جميع بقاع الارض و لم‏يطلع علي ما في الصدور و علي عباد الله الظاهرين فضلاً عن المغمورين و لايدل علي ذلك دليل عقلي و لا وحي فاذا يجب علي المسلم ان لايبت علي عدم كون كاملين في العلم و العمل في كل عصر و ينزل اولاً من درجة الانكار الي درجة الاحتمال و لايرد علي القائلين به قولهم و لايكذبهم بقولهم فان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 458 *»

كل من ادعي مايمكن كونه و لاينافي ديناً و لا عقلاً لايجوز انكاره و ان لم‏يقدر ان‏يثبته اذ يحتمل وجوده في نفسه و ان لم‏يدعه مدع فاذا نزلت من عرصة الانكار الي مقام الاحتمال فاقول ان نبينا9 مبعوث علي كل الناس ام بعضهم فان قلت بعضهم كذبت و ان قلت كلهم صدقت لقوله تعالي قل ياايها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً فان كان مبعوثاً علي الكل يجب الابلاغ الي من بعث اليه ام لا فان قلت لا امحلت و ذهبت فائدة البعثة و ان قلت نعم صدقت و قال الله تعالي ياايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك و ان لم‏تفعل فمابلغت رسالته و قال ان عليك الا البلاغ فاقول هل‏يمكن في الخلقة البشرية الشخصية الزمانية في العادة ان‏يصل النبي بنفسه الي جميع اقطار الارض و يوصل الي الكل في المدة القليلة ام لا و هل فعل النبي9 ذلك ام لا فان قلت نعم كذبت و ان قلت لا لم‏يصل الي جميع العباد و البلاد صدقت فاقول هل اخل بالابلاغ فليس بمعصوم ام لم‏يخل فلاتقدر علي اختيار الاول فلم‏يخل فهل يتحقق الابلاغ مع عدم وصوله بنفسه الا بالابلاغ بواسطة ام لا و لا شك انه لايمكن الا بواسطة و هل‏ينبغي ان‏يكون الواسطة الذي يكون خليفة له في الابلاغ عالماً بما يبلغ او يجوز ان‏يكون جاهلاً لايسعك اختيار الثاني فتبين انه كان في عصره بينه و بين من لم‏يصل اليه عالم بمعني ما يريد ان‏يبلغه و يجب عليهم متابعته و الرد عليه رد عليه و القبول منه قبول منه و حبهم له حب له و بغضهم له بغض له و كذلك نقول هو رسول الي الخلق الي يوم‏القيمة فجعل في كل عصر خليفة بدله معصوماً لئلايضيع من في اصلاب الرجال و ارحام النساء الي يوم القيمة و ذلك الخليفة ايضاً بشر شخصي لايمكنه عادة الابلاغ الي جميع الخلق و لايمكن الايصال الا بعلماء صالحين كاملين بهم يقوم عمود الابلاغ و يتم الحجة علي العباد و اشد من ذلك حال غيبتهم سلام‏الله عليهم فان الناس حينئذ اشد احتياجاً الي العلماء فوجود العلماء المبلغين من شروط ابلاغ  النبي و من تمامه و اسبابه و يجب بقدر وجوب الابلاغ و منكره منكر الابلاغ و في الاخلال

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 459 *»

به تضييع الدين و الاهمال في ابلاغ رسالة رب العالمين و من البين انه ليس بناء الرسل علي الابلاغ علي نحو خرق العادة و لاجل ذلك لم‏يبلغ النبي9 بخرق العادة و هو اشرفهم و املكهم له و انما اتخذ سفراء علماء و حملهم علمه و ارسلهم اليهم قال7 لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا وقدعرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم و قال7 اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله فوجودهم من تمام الرسالة و الامامة يعني لايتحقق الرسالة و الامامة العامة الا بوجود شيعة علماء حلماء مبلغين عن الحجة ما امر بابلاغه الي الخلق و بدونهم ناقصتان في العادة فالقول بعدمهم بعد كونه بلا حجة و صادراً عن محض العناد قول بعدم تمام الرسالة و النبوة و اخلال الحجة بما امر به و عدم العصمة نعوذ بالله و ذلك ليس كلام مؤمن بالله و رسله.

و ان قلت كلامك هذا لايفيد وجود ازيد من راو لاخبارهم الي ساير المكلفين و نحن لاننكر ذلك اقول لايكفي الراوي وحده فان امم الارض مختلفة و الافهام متفاوتة و رب حامل فقه و ليس بفقيه فلايكفي محض الرواية الي اهل الهند و السند و القند و الترك و الديلم و لابد من شارح لهم و هو قوله تعالي فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون و طلب العلم فريضة علي كل مسلم و لايطلب الا من العالم و صرف الرواية اذا كان لايفهمها الراوي و المروي اليه ليس بعلم فمن اوجب طلب العلم علي كل مسلم وضع علماء يطلبه منهم و بذلك مرت القرون و تمادت الاعصار و مضت الامم و فوق كل ذي‏علم عليم و يؤت كل ذي‏فضل فضله هم درجات عند الله و لكل درجات مما عملوا  و كذلك فضلنا بعض النبيين علي بعض فضلاً عن غيرهم هذا و لايكفي في سياسة المدن و نظم البلاد و العباد محض الابلاغ و انما يحتاج كل قطعة من الارض الي حاكم يرفع النزاع و يحمل الناس علي القصد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 460 *»

و التنازع يقع في جميع الامور الظاهرة و الباطنة و الاعمال و الاحوال و العلوم و لا شك ان ما اختلفتم فيه من شي‏ء فحكمه الي الله و ان تنازعتم في شي‏ء فردوه الي الله و الرسول فينبغي الرد الي الله و رسوله في جميع المنازعات و اذا لم‏يمكن الرد الي الرسول الشخصي البشري للاقاصي في كل شي‏ء تنازعوا فيه وجب ان‏يكون له خلفاء في الاطراف يرفعون النزاع و يحكمون بين الناس بالقسط في جميع الامور مما تنازعوا فيه و عدم امثال اولئك الخلفاء نقص في الابلاغ و الرسالة و يكون وجوب الرد الي شخص الرسول لجميع اهل الارض في كل شي‏ء تكليفاً بما لايطاق فتدبر و انصف.

فالشيعة مختلفوا الدرجات بعضهم اعلم من بعض و بعضهم اتقي من بعض و بعضهم اكمل من بعض و ذلك من البديهيات فان لم‏تكن اعلم الخلق ففوقك اعلم منك و ان لم‏تكن اتقي الناس ففوقك اتقي منك و ان اكرمكم عند الله اتقيكم و ان لم‏تكن اكمل الناس ففوقك اكمل و اي دليل ادل علي ذلك من عدم كونك اعلم الخلق و كافياً للناس و هادي من سواك الي الحق و الي طريق مستقيم و فوق كل ذي‏علم عليم فالكاملون في الحقيقة ايدي الامام و السنته في الهداية و الابلاغ و الايصال و بدونهم لايحصل عادة و هم غيرمهملين لما امروا به لانهم معصومون مطهرون.

فتبين و ظهر انه يجب ان‏يكون في كل عصر كاملون عالمون حاكمون حتي لايكون في خلق الحكيم نقص ثم ان كانوا خائفين مغمورين فمن ظلم العباد و ان الله لايظلم الناس شيئا ولكن الناس انفسهم يظلمون و لماكان ساير كتبنا في هذا الباب كافية شافية لاسيما كتابنا الزام النواصب اكتفينا بما ذكرنا.

المقالة الرابعة

في الاستدلال علي ذلك بامثلة الافاق و الانفس

التي جعلها الله اسباب التبين و الاستدلال و قال سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال في الارض ايات للموقنين و في انفسكم افلاتبصرون و قال و كم من اية

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 461 *»

في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون فايات الافاق و الانفس في الشهادة كاشفة عن الغيب كما  قال الرضا7 قدعلم اولواالالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و لما  قال الله سبحانه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت.

بالجملة ففي هذا المقصد مثالان:

الاول  المثال الٰافاقي و هو انك اذا نظرت الي هذا العالم وجدته علي طبقتين طبقة متحركة و طبقة ساكنة اما الطبقة الساكنة فهي الارض و شأنها مطاوعة الطبقة العليا و امتثال امرها و التحرك بتحريكها و اما الطبقة المتحركة فالسموات و شأنها الاحاطة بالارض و الحركة عليها و تحريكها و اثارتها في الظاهر و الباطن و نضجها و تربيتها و اخراج المواليد منها بتكميلها فسميت الطبقة العليا بالاباء العلوية و الارض بالامهات السفلية و المواليد اولاد بينهما تحصل بنكاح السماء الارض و حركتها عليها و انزال نطفتها التي هي انوارها و شعلاتها اليها فتنزل الارض ايضاً و هي لطايف اهبيتها فتختلطان و يحصل الاولاد من نطفة امشاج منهما و لولا السموات و الاباء المتحركات المحركات لماكمل شي‏ء من الارض و لماخرج شي‏ء من قوتها الي الفعلية بنفسها و كل قوة تخرج الي الفعلية بتكميل ذي‏فعلية و السموات هي ذوات الفعلية في الكمالات الجسمية فتكمل الارض و لولاها لماتكملت ابداً ابداً و اذا نظرنا الي السموات وجدناها ذوات مراتب: الاولي مرتبة العرش و هو الاطلس الخالي عن جميع التعينات الجسمية ممادونه و هو جهتها الي ربه و هو مبدء المبادي و غاية الغايات و منتهي النهايات فاليه ينتهي جميع الاجسام منه بدئت و اليه تعود و به فتح الله و به يختم و هو اول جسم موجود خلقه الله و هو مركب من بسيطين اي من جزئين غير مركبين بتركيب الاجسام فلا ابتداء زماني له و لا انتهاء ثـم دونه مقام الكرسي و هو نفس العرش و جهة تفصيله و تكثره قدشحن باثني‏عشر برجاً هي مبادي تدبيرات العالم و فيه كواكب وجوه جميع الاثار و هي معلوماته و رقوم سطره قلم العرش في لوحه و هما اخوان الا ان العرش معنوي كلي غيبي و الكرسي صوري كلي شهادي و هما اصلا جميع

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 462 *»

التاثيرات و مبدءا جميع الحركات و هما وكرا مشية الله و فعله المتعلق بتدبير العالم الا ان العرش جهة الكرسي الي ربه و الكرسي جهة العرش الي نفسه و الكرسي خليفة العرش و وصيه و ينتهي تفاصيله الي اثني‏عشر برجاً و لما استسقي موسي النفس الكلية الالهية لقوم ظهوراتها و اشعتها قال الله سبحانه فاضرب بعصي العرش حجر الكرسي فانبجست منه اثنتي‏عشرة عين البروج ليعلم كل اناس من طوايف القوابل مشربهم و مستمدهم (بالفتح).

و لما كان قابلية الارض بعيدة عن مجانسة العرش و الكرسي غيرمستاهلة للتلقي عنهما و استماع امرهما و نهيهما و عمشة عن روية انوارهما عاجزة عن حمل اعباء كمالاتهما و ما لم‏يوفق الله القابلية بالتمكين لم‏تستاهل للتكوين خلق الله بين الكرسي و بين الارض افلاكاً  دوارة متحركة مستاهلة للتلقي عن الكرسي لاجل المناسبة معه صالحة للالقاء الي الارض للمناسبة من حيث غلظتها و كدورتها بالنسبة فهي اسباب التمكين و التقريب و التوفيق و التاييد حتي يقترن انوارها بالارض و تخالطها و تمازجها و تنبهها و تؤهلها لتلقي انوار الكرسي و اثاره و اسراره و لولا الافلاك لمااطاقت اياها ابداً ابداً و فنيت باول اشراق منهما و تلك الافلاك بالنسبة الي الكرسي كيدك و لسانك بالنسبة اليك فهي مضافة اليه و منه و له انما صار سلمان من العلماء لانه رجل منا اهل‏البيت، من اتبعني فانه مني، ان اولي الناس بابرهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين امنوا فالعرش هو مثل محمد9 الذي هو اول ما خلق الله و به فتح الله و به يختم و هو العقل الكل و الكرسي مثل مجمع الولاية و اصل العصمة صلوات الله عليها تشتمل علي اثني‏عشر برجاً صلوات الله عليهم و هي السماء ذات البروج و اما الافلاك فهم كاملوا الشيعة الملحقون بساداتهم الداير الساير كواكب نفوسهم في البروج دائماً و هم بين عديم عرض و ذي عرض بحسب اختلاف مقامهم دائبون في خدمتهم سايرون في البلاد لتكميل قوابل المستعدين و الارض مثل القوابل من الضعفاء و الناقصين و من فيهم الكمالات بالقوة و انما خلقوا لتخرج تلك القوي من كمونهم الي بروزهم و هيئ لاخراج

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 463 *»

تلك القوي اسباب السموات فدار عرش الرسول بالابلاغ و لم‏يكلف الا نفسه فبلغ الي كرسي نفسه و لم‏يعقل منه الا هو فجعله خليفته و ادار الخليفة خدام سمواته من نقباء الشمس و زحل و نجباء القمر و المشتري و حكماء المريخ و علماء الزهرة و عطارد فكملوا قوابل الضعفاء حتي استاهلوا لظهور نور الولاية فيهم و لولا ذلك لمااستطاعوا ان‏يتلقوا من ائمتهم شيئاً و ما يري من تلقي الناس من النبي و الامام فانما هو تلق عرضي ظاهري و المطلوب التلقي الباطني و معرفة الوسائط الاتري انه ليس لاحد ان‏يقول ان الافرنجيين احياء يرزقون و لايعرفون نبياً فليس النبي بواسطة فيض بين الله و بين خلقه فان الشان في المعرفة فالناس و ان كان يصل اليهم انوار كواكب الكرسي لكن ليس يصلهم شي‏ء منها الا بواسطة الافلاك فافهم هذا المثل الحكيم الذي ضربه الله في الافاق بحيث ليس فيه مغمض ابداً و هو نص فيما نريد من توسط كبار الشيعة بين الضعفاء و بين الحجج و هو مطابق مع الكتاب التدويني حيث يقول الله سبحانه و جعلنا بينهم اي القوابل الارضية و بين القري التي باركنا فيها اي العرش و الكرسي قري ظاهرة و هي الافلاك و قدرنا فيها السير سير الانظار و الاوهام سيروا فيها ليالي و اياماً امنين و لاحول و لا قوة الا بالله العلي العظيم.

و الثاني المثال النفساني و هو بعد مابينا المثال الافاقي سهل جداً فان الانسان عالم صغير و فيه انطوي العالم الاكبر و فيه من كل جزء من العالم قبضة فعرشه قلبه و كرسيه صدره و مشاعره الباطنة افلاكه و ساير الاعضاء ارضه و جميع تدابير ارض بدنه بافلاكه التسعة و قلبه هو مبداه و مظهر عقله به فتح الله و به يختم و صدره مظهر نفسه و هو خليفة قلبه و عاقلته و عالمته و واهمته و وجوده و خياله و فكره و حيوته هي اسباب تمكين الاعضاء و الجوارح للاطلاع علي اوامر القلب و الصدر و ايديهما في ايصال الفيض اليها و لولا المشاعر لمااطلع عضو علي امر القلب و لماتاهل لقبول امرهما و حكمهما و لماتحرك بتحريكهما فقلبك مثل نبيك و صدرك مثل وليك و مشاعرك امثال خدامه و شيعته الممكنون الكاملون

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 464 *»

المكملون من نقباء العاقلة و الشمس و نجباء المشتري و القمر و حكماء المريخ و علماء الزهرة و عطارد فهم يمكنون الاعضاء و يبلغون عن القلب و الصدر اليها و هم من كمالهما و ايديهما و السنتهما و بدونهم لايتم ابلاغهما و ايصالهما و لايقوم حجتهما و ان الله تعالي قدره جعل فيكم دليل وجود الكاملين لئلاتقولوا يوم القيمة انا كنا عن هذا غافلين فاذا كان هذا شأنهم فلا شك ان لهم حقاً فوق الحقوق و يجب ان‏يؤدي اليهم فمن لم‏يشكر العبد لم‏يشكر الرب.

و لم‏نستدل بهما علي وجوب ولاية نوع الاولياء و البراءة من الاعداء لشدة وضوحهما و من عرف من الافاق و الانفس ان ما ارتبط بشي‏ء جري عليه حكمه و ورد مورده و الاشياء تتقوي باشكالها و تتضعف باضدادها لايخفي عليه وجوب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء.

المقالة الخامسة

في الاستدلال علي ذلك بالاجماع و الضرورة من المذاهب

بل الملل باجمعها بل الجبلات و السجايا

و قد فصلنا ذلك تفصيلاً  في كتابنا الزام النواصب و نسلك هيهنا سبيل الاختصار.

اعلم ان كل من دخل عرصة التشيع بل الاسلام عرف ذلك بلا غبار ان المسلمين اخوة تتكافا دماؤهم و انهم يد علي من سويهم و هم بناء دينهم علي التالف لاسيما بعد قوله و اذكروا  اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا و كنتم علي شفا حفرة من النار فانقذكم منها فالعدوان شفا حفرة النار و الاخوة هي النجاة من النار و قال انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم و لزوم محبة المسلم للمسلم من ضروريات مذهب الشيعة بل من ضروريات الاسلام بحيث لو سئل عنه النساء و الصبيان لعرفوا ذلك فكيف يكون قولنا بانه يجب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء و انها من اركان الدين كفراً او فسقاً او خروجاً عن الدين و هل افتراؤهم ذلك الا من تلبيس ابليس اللعين و اي مسئلة من مسائل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 465 *»

الدين اوضح من ذلك بل علي ذلك جميع امم الانبياء بل اهل النحل فلاتجد اهل ملة و نحلة الا و هو يحب من يقول بقوله و يبغض من يرد عليه قوله فذلك بديهي جميع الملل و النحل و من ضرورياتهم بل ذلك من لوازم السجايا و الجبلات حتي ان الظبي يالف الظبي و الغنم يالف الغنم و الابل يالف الابل و كل واحدة منها ينفر عن مفترسه و عدوه و كذلك صنوف الاناسي فالصبي يالف الصبي و الشاب الشاب و الكهل الكهل و الشيخ الشيخ و العالم العالم حتي ان الحلاق يالف الحلاق و هولاء يدعون ولاية ال‏محمد: و منهم من يدعي العلم و ينفرون عن جماعة محضوا ولاية ال‏محمد: و صرفوا عمرهم فيها و في نشر فضائلهم و درسها و كتبها و حلها و افنوا شبابهم في علوم ال‏محمد: فهل ذلك الا من اختلاف الطين و مفارقة الفطر و قال الله سبحانه ولكن اختلفوا  فمنهم من امن و منهم من كفر ولو شاء الله مااقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد و لا شك ان اولاهم بالايمان اولاهم بالله و اولاهم بالله اشدهم حباً لله و لرسوله و اله سلام الله عليهم و لاوليائهم و اطوعهم لهم و اسلمهم و ذلك امر لاينكر و عند الصراط يعرف المعوج من المستقيم و المائل عن القويم و الي الله المشتكي و المستعان خرجنا بما نفث الصدر عن بناء الكتاب و الغرض ان ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء من ضروريات المذهب بل الملة بل الملل بل النحل بل العقلاء بل من لوازم السجايا فمنكرها منكر جميع ذلك و مــٔاله الي ما شاء الله.

و اما وجود سابقين علي سبيل الاجمال فالاجماع قائم علي ان في الشيعة بل في الملة بل في الملل جهالاً و علماء و ناقصين و كاملين و العلماء الكاملون هم اولي بالله و برسوله و اكثر تقرباً اليهما و اولي بكل خير و فيض نزل منهما و هم احكي لصفاتهما و افعالهما و كمالاتهما بالبداهة و هم خلفاء الرسل و حملة علومهم و محال عنايتهم و يدل علي ذلك قوله تعالي و ماارسلنا من قبلك من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله اياته و الله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 466 *»

مرض و القاسية قلوبهم و ان الظالمين لفي شقاق بعيد و ليعلم الذين اوتوا العلم انه الحق من ربك فيؤمنوا (به) فتخبت له قلوبهم و ان الله لهادي الذين امنوا الي صراط مستقيم فاثبت الله سبحانه ان كل نبي بعث الي قوم و قرأ علي قومه ايات الله و دين ربه القي الشيطان في قراءته قراءة و في دينه بدعاً و في حقه باطلاً  فلو خلص الحق لم‏يخف علي ذي‏حجي ولكن لابد من ان‏يكون من هذا ضغث و من هذا ضغث ليكون لكل من الفريقين مستمسك فيكون تمني الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض فيهلك هالكهم عن بينة و تمني النبي استبصاراً للذين اوتوا العلم ففي كل امة رجال اوتوا العلم بكتاب الله و بالحق و الباطل و تخبت و تخضع قلوبهم و تسلم له و رجال في قلوبهم مرض و قلوبهم قاسية و هم ظالمون مشاقون لله و لرسوله و قال الله سبحانه و السابقون السابقون اولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الاولين و قليل من الاخرين و قال و اصحاب اليمين ما اصحاب اليمين الي ان قال ثلة من الاولين و ثلة من الاخرين و قال انا انزلنا التورية فيها هدي و نور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا و الربانيون و الاحبار بما استحفظوا من كتاب الله و كانوا عليه شهداء و قال و كاين من نبي قاتل معه ربيون كثير الاية و قال لتجدن اقربهم مودة للذين امنوا الذين قالوا انا نصاري ذلك بان منهم قسيسين و رهباناً و انهم لايستكبرون و يقول الله سبحانه لتركبن طبقاً عن طبق و يقول سنة من قد ارسلنا قبلك من رسلنا و لاتجد لسنتنا تحويلاً  و كما  ان  في النصاري قسيسين و رهباناً و في اليهود ربانيين و احباراً و لم‏يك امة الا و فيهم اولوااعلم و مخبتون فلابد و ان‏يكون في هذه الامة ايضاً رجال كبار علماء حلماء حكماء يحكمون بالحق و به يعدلون و لا شك ان حقوقهم اعظم من حقوق ساير الرعية لقوله تعالي هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون انما يتذكر اولوا الالباب و لعلك قدبلغك امر هابيل في عصر ادم7 و امر حزقيل مومن ال‏فرعون في عصر موسي7 و صاحب يس حبيب النجار في عصر عيسي7 و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 467 *»

امر ذي‏القرنين معروف و صفة لقمان مشهورة و روبيل صاحب يونس فاذا كان امثالهم في السابقين و لن‏تجد لسنة الله تبديلاً و تركبن سنن من كان قبلكم بالاتفاق فلابد و ان‏يكون في هذه الامة ايضاً رجال سابقون كاملون يعينون الحجة علي اداء الرسالة و ابلاغها بمقتضي قوله فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون و يحكمون بين الناس بالقسط كما حكم الربانيون و الاحبار بما استحفظوا من كتاب الله.

و ان قلت ان ادلتك لاتفيد ازيد من وجود امثال الفقهاء قلت فليكونوا منهم و سيأتيك انه لا مانع من وجود اكمل منهم ايضاً و لما اطلنا الكلام في ذلك في كتابنا الزام النواصب نكتفي هنا بهذا القدر لئلايخلو كتابنا عن الاشارة الي نوع الدليل والله يهدي من يشاء الي سواء السبيل.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 468 *»

المقصد الاول

في صنوف السابقين و بيان درجاتهم علي نهج الحكمة و فيه فصول

فصـل: اعلم ان الله سبحانه اول ما تجلي تجلي بذات ظاهرة و جوهرة حقيقية اذ لا سابق عليها حتي تكون صفة لها او عارضة عليها ثم تجلي بها بصفاتها و اسمائها التي هي كمالاتها و وجوداتها اي ظهوراتها ثم بها اي بتلك الاسماء خلق ماخلق فاول ما خلق هو الوجود الذي به كل شي‏ء موجود و الماء الذي منه كل شي‏ء حي و هو الحقيقة و الفؤاد و النور و مثل ذلك الوجود في صورة العقل فقيل اول ما خلق الله العقل ثم امره بالادبار فادبر الي مقام الروح ثم الي مقام النفس ثم الي مقام الطبع ثم الي مقام الهباء ثم الي مقام الاظلة ثم الي مقام الجسم نازلاً من العرش الي الفرش فصار جميع المراتب العالية مخبوءة مستورة تحت حجاب التراب و صارت فيه بالقوة بمعني قوة الظهور ثم لما دعا الله عزوجل العقل الي الاقبال خرجت تلك المراتب الي الفعلية شيئاً فشيئاً و عند خروج كل رتبة الي الفعلية ان وقفت حصل نوع من الخلق والا صعد الي النوع الاعلي فاول ما تحرك الي الاقبال تحركت الطبايع بالتركب المحض فتركب بعضها ببعض فلما وقفت لجمودها و عدم مطاوعتها حصل منها الجماد اللهم الا ما كان منها كثير الرطوبة مطاوعاً فصعدت فظهر عليها اثار صوافي الطبايع فلما وقفت لجمودها حصل منها النبات اللهم الا ما كان منها اكثر رطوبة فصعدت فظهر عليها اثار الحيوة الفلكية فصارت حيواناً لما وقفت و منها ما كان اكثر مطاوعة فصعدت فظهر عليها اثار النفس الناطقة المميزة فصارت انساناً لما وقفت و منها ما كان اكثر مطاوعة فصعدت فظهر عليها اثار الروح الملكوتي فصارت نبياً و سفيراً لما وقفت و منها ماكان اكثر مطاوعة فصعدت فظهر عليها اثار روح‏القدس و يختص ذلك المقام بمحمد و ال‏محمد صلوات الله عليهم الذين بهم فتح الله و بهم ختم و هكذا و لما كان المقصود ذكر مراتب الانسان نقتصر عليه و عليه قس ما سواه.

اعلم ان الانسان له مراتب منها ما هي اية الاعالي و صفتهم فهو و ان كان

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 469 *»

في مقام النفس الناطقة الا ان فيه صفة الروح الملكوتي و صفة صفة العقل و ما فيها من صفة الفؤاد و ما فيها من صفة الاسماء و ما فيها من صفة المسمي و منها ما هي من مراتب انسانيته من طبعه و مادته و مثاله و جسمه و كمن جميع المراتب العالية في جسمه فاذا دعا الله العقل الي الاقبال و صار يقبل و يرقي شيئاً بعد شي‏ء صار يخرج تلك المراتب واحدة بعد واحدة من الكمون الي البروز و من القوة الي الفعلية فلا كل انسان جميع مراتبه العشرة فيه بالفعل بل منهم من ليس فيه بالفعل الا جسمه و منهم من صار فيه بالفعل مثاله و منهم مادته و هكذا فالجهال من الاناسي فاما هم واقفون في مقام الجمادية و اما هم واقفون في مقام النباتية و اما هم واقفون في مقام الحيوانية و اما العلماء منهم فهم الذين قدصار فيهم النفس الناطقة القدسية بالفعل فحصل لهم العلم بالله و برسوله و بحججه سلام الله عليهم و بشرايعه و احكامه و ما اراده من خلقه بقدر الطاقة البشرية و حصل لهم بذلك الخشية من الله عزوجل و الفرقان الذي به يفرق بين الحق و الباطل و من ترقي منهم فقدصار فيهم صفة الروح الملكوتية بالفعل فازدادوا علماً و صاروا محدثين و الهموا بالواردات الغيبية و الرُؤي الصالحة التي هي جزء من ستة و اربعين جزءاً من النبوة و من ترقي منهم فقد صار فيهم صفة العقل بالفعل فكتب الله في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه اي برأس من رءوس روح‏القدس و عون من اعوانه و دخل في عباد الله المايوس عنهم الشيطان و من اهل الرضوان لانهم بايعوا الله تحت شجرة العقل و هي الباكورة التي اكل منها روح‏القدس في جنان الصاقورة فاضيفوا الي العقل و صاروا منه و اليه لا فرق بينهم و بينه الا بالظلية و الاصلية و صاروا خلفاء الرسول و العقل الظاهر الذي عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان ومن ترقي منهم و صعد صار الفؤاد فيه بالفعل فصار من اهل الحكمة عارفاً بالله و صفاته و الحجج و صفاتهم و نظر الي الامثلة الملقاة في هويات الاشياء و عرف البدء و الكيف و اللم و هيهنا منتهي ترقي اهل العلم و بذلك يحوزون مراتب المجادلة و الموعظة و الحكمة و يصيرون من اهل المشاهدة و العيان الي غير ذلك

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 470 *»

من الفضائل التي يتحملها الصدور و لايتحملها السطور و من ترقي منهم و صعد صار مقام الاسماء فيه بالفعل و حصل فيه قدرة و قوة و تمكن من الامر و النهي و الحكم في البلاد و العباد و استجيب دعاؤه فيما اراد و استجاب الله دعاء من دعاه به من اهل السداد لقوله تعالي لله الاسماء الحسني فادعوه بها  و منهم من ترقي و صعد الي مقام المسمي اي الموقع الذي يقع عليه الصفة و قدس ساحة الذات العليا عن الاقتران بالصفات لشهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و المسمي صفة في الحقيقة مقترنة بالصفة رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و اللسان عن بيان فضائل هولاء و الذين قبلهم كليل و القلب من عدم تحمل الزمان عليل فالكتمان اولي و البيان بالاشارة احري.

و ان الله جل‏وعز لم‏يجعل في قوة انسان شيئاً الا و قداراد اخراجه منه و هيأ اسباب اخراجه و سيخرج يوماً ما اللهم الا ان‏يكون بدء كينونته من رتبة دنيا و ليست بحيث تليق بحكاية العليا فذلك يقف عند وصوله الي اعلي رتبته و يختم عليه و ان كان يسير في تلك الرتبة الي ما لا نهاية له و هو تاويل قوله تعالي و لكل منا مقام معلوم و هو قوله سبحانه و لكل درجات مما عملوا و قداصطلح ال‏محمد: علي ان من صار فيه النفس بالفعل و صار عالماً او الروح او العقل او الفواد فهو نجيب و من صار فيه صفة الاسماء بالفعل فهو نقيب و قلمايخلو النقيب عن حكاية المسمي و من صار جميع المراتب العشرة فيه بالفعل فهو الكامل المكمل حقاً و هو المطيع لله فيما امر الله صدقاً و الممتثل امر اقبل بقدر الطاقة البشرية صدقاً قال الله تعالي يا ابن آدم انا رب اقول للشي‏ء كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشي‏ء كن فيكون انا حي لااموت اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي حياً لاتموت و لعلي نقلته بالمعني و قال انه ليتقرب الي اي العبد بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده التي يبطش بها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 471 *»

ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته.

فصـل: اعلم ان النقباء علي ما عرفت هم الذين استجابوا دعاء اقبل بجميع مراتبهم و توجهوا الي الله سبحانه بكلهم و صعدوا اليه باقدام الامتثالات حتي قطعوا جميع المراتب التكوينية و التشريعية و التدوينية و سافروا الاسفار الاربعة فيها جميعاً و اما النجباء فهم الذين سافروا الاسفار الاربعة في جميع مراتب التكوين و التدوين حتي اطلعوا علي حقايق الاشياء و الامثلة الملقاة فيها بقدر الطاقة البشرية و انكشف لهم المراتب الكونية حتي عرفوا الكيف و اللم و شاهدوا الحقايق وجداناً و اري ان‏اكتفي في معرفتهم بماكتبه السيد الاجل الاستاد اجل الله شانه و انار برهانه لحكم عندي وجهها و شرحها قال اجل الله شانه في شرح القصيدة المبارك: النقباء هم ثلثون نفساً و لهم هيمنة علي الاشياء بطاعة الله سبحانه و ظهرت عليهم احكام الاسماء العظام الثمانية و العشرين و كل اسم له هيمنة علي عالم من العوالم و طور من الاطوار كالبديع المربي لعالم العقول و قدظهر عليه سر هذا الاسم فيتصرف في العقول كيف شاء الله من الزيادة و النقصان و الصحة و الفساد و الخلل و الثبات و كالباعث المربي لعالم الارواح و النفوس باحوالها يتصرف في الارواح و النفوس كيفما يريد مما اراد الله و هكذا الي تمام الثمانية و العشرين من الاسماء المربية لقوسي النزول و الصعود و المراتب كلها مجتمعة في الانسان الصغير لكونه انموذجاً من العالم الانسان الكبير فاذا ظهرت عليه اثار تلك الاسماء تظهر تصرفاته لظهور تلك الاسماء فيدعو الله سبحانه بالاسم المربي لذلك العالم فيقع الامر كما يريد و بالجملة فالنقباء قدكملوا الاسفار الاربعة في مراتب التكوين و الذوات و كملوا الاسفار الاربعة في مقام الاسماء و الصفات و كملوا الاسفار الاربعة في مقام الحروف و القوي و الاعداد فصاروا مظاهر للحق سبحانه في كل المقامات فيكون لهم التصرف في كل الجهات و هولاء الثلثون لهم الاتصال بالغوث الاكبر و السر الاعظم بواسطة الاركان و يتصلون به ما ارادوا و شاءوا في كل الاحيان فكل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 472 *»

منهم الانسان الكامل و البشر الواصل قدظهرت فيه النفس الناطقة القدسية التي من عرفها فقد عرف الله و من جهلها فقد جهل الله و من تخلي منها فقد تخلي من الله قد ظهرت فيه القوي الخمس و الخاصيتان اما القوي فهي علم و حلم و فكر و ذكر و نباهة و اما الخاصيتان فالنزاهة و الحكمة فنزهوا عن مقتضي الكثرات و امتلــٔوا حكمة من بارئ السموات و سامك المسموكات و هولاء هم الرواق الثاني بعد الرواق الاول.

و اما النجباء فقال فيهم هم اربعون علي ما ذكروا و قالوا و هولاء هم الذين اكملوا الاسفار الاربعة في التكوين و لم‏يصلوا الي مقام الاسماء و الصفات و مقام سلب القيود و الانيات مهما شاءوا و ارادوا و هم العلماء الاعلام و الامناء و القوام و الحفاظ و الحكام و هم الذين كلفوا بحفظ الدين و سد الثغور التي فيها طرق للشياطين و حفظ القلوب عن تطرق ابليس اللعين بجنوده من الجن و الانس اجمعين و علموا طريق التعليم بامارات الحق و اليقين و معاونة الضعفاء و المساكين في امر الدين من غير ان‏يتصرفوا في التكوين و لايلزم ان‏تنقاد الاشياء و تنفعل لهم و للنقباء هيمنة و استيلاء عليهم و نسبتهم الي النقباء نسبة النقباء الي الاركان و هم الذين ورد فيهم عن طرق اهل‏البيت: ان لنا في كل خلف عدولاً ينفون عن ديننا تحريف الغالين و انتحال المبطلين و هم القري الظاهرة للسير الي القري المباركة في قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياماً امنين الليل عبارة عن الاخذ بالتقليد و اليوم عبارة عن العلم و اليقين و الامان عن الغلط و الفساد و هم الذين في علومهم مستندون الي كتاب الله و سنة نبيه و الدليل العقلي الواضح و اية من العالم فانه الكتاب الاكبر من قوله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و هم اصحاب الشريعة و الطريقة و الحقيقة و هولاء اخر الرواق و بعض المشايخ قال ان بعد النجباء قوم صالحون و هم ثلثمائة و ستون نفساً و هم العلماء

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 473 *»

الا ان مقامهم دون مقام النجباء و لم‏يثبت لنا ذلك بواضح الدليل و الذي دل عليه الدليل من وسائط الخلفاء و رواق مدينة العلم هو الذي ذكرناه و نص عليه سيد الساجدين و زين العابدين7.

الي ان قال: اعلم ان الذي ذكرناه من بيان النقباء و النجباء محصله ان الفرق بينهم باعتبار صعودهم لاكمال الاسفار الاربعة فمن سافر متصاعداً الي ان بلغ مقام مبدء تكوينه و قطع المنازل الثمانية و العشرين في التكوين و المنازل الثمانية و العشرين في التدوين و هو مراتب الحروف ثم صعد منها الي ان قطع المنازل الثمانية و العشرين من منازل الاسماء التي هي ارباب الانواع حافظة وجود كل مرتبة من مراتب التكوين و التدوين و مفيضة عليهما بالفيض المقدس من خزانة الفيض الاقدس فاذا قطع تلك المنازل و سري تلك المراحل فقد حصل الاسم الاعظم الجامع الكلي بالنسبة الي جميع مراتب العوالم و الاسماء العظام و المختصة كل اسم منها بمرتبة من المراتب فعال مؤثر في جميع شــٔون تلك المرتبة و اطوارها و احوالها و كل ما لها بها منها اليها عندها فهو الواقف علي فوارة القدر الجاري بامر مستقر و يفيض علي كل مرتبة بحسب اطوارها و شـٔونها ما يناسب مقامها و مرتبتها فقدبلغ من المقام الي ان حصل الاسماء العظام و الاسم الجامع الكلي التام منفعل له الاشياء لما عنده من تلك الاسماء و تخضع لديه و تخشع عنده فهو الفعال في مراتب الوجود ممايختص بمرتبته في السلسلة العرضية و هذا الواصل الكامل هو النقيب و النجيب هو الذي اكمل الاسفار الاربعة في مراتب التكوين و التدوين و لم‏يقطع منازل الاسماء و لم‏يرحل اليها فمادام هو في هذا المقام نجيب و اذا رحل الي مراحل الاسماء و منازلها و قطع تلك المراحل الي ان وصل مقام الاسم الجامع يكون نقيباً فالنجيب قبل النضج التام و الاعتدال العام والنقيب هو المعتدل الفعال فالنجباء يصلون الي مقام النقباء و النقباء هم في كمال المرتبة و لايصلون الي رتبة الاركان لان سلسلة النقباء مع الاركان طولية و مع النجباء عرضية هذا ملخص ما ذكرناه و محصل ما بيناه ولكنه في هذه الايام قد ورد وارد غيبي من عالم اللاهوت علي القلب و عرفت ان النقباء و النجباء هم قسمان لايصل كل منهما الي ما يصل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 474 *»

اليه الاخر.

ثم شرع في تحقيق المسئلة ما حاصله ان في السلسلة العرضية لايتحقق الداني الا بالعالي و العالي مفيض الداني و سبق كل رتبة علي الدانية وجودي الي ان قال ماخلاصته ان العالم ينحل الي شيئين احدهما الاجزاء و الثاني الكل فالموجودات لها مقام في الجزئية و لها مقام في التمامية و الجامعية فكما ان الاجزاء تحتاج الي وجود ما هو اقرب منها كذلك الكليات و مرادي بها الحقايق الجامعة كافراد الانسان فان كل واحد تام في الجامعية و جامع للاجزاء الحقيقية و تمام هذا النوع لايتحقق الا بالوسائط كالاجزاء ففي الانسان من هو بمنزلة القطب الذي يدور عليه الكون بتمامه و هو الحقيقة المحمدية صلي الله عليها مع ما تشتمل عليه من المراتب و المقامات الي ان قال من مقام التوحيد الذي هو مقام البيان و مقام المعاني اركان التوحيد و مقام الابواب مقام الانبياء الي ان قال و من مقام الامام الذي هو مقام خلفائه الي ان قال فهو9 و خلفاؤه و اولاده هو القطب الي ان قال و من هو بمنزلة العرش الاركان الاربعة المذكورون و من هو بمنزلة الكرسي الحامل للمنازل التي بالسير فيها يكمل القمر شهراً تاماً ثلثين يوماً هم النقباء ثلثين نفساً علي ما قاله اميرالمؤمنين7 و من هو بمنزلة الافلاك السبعة هم النجباء فعلي هذا البيان التام تبين لك ان النجباء لهم مركز يدورون حوله و مقام يقفون عنده لايصلون الي مقام النقباء في حال من الاحوال الي ان قال فالسبعة في مقامها تدور و تستمد بلا انقطاع والكرسي في محله و مركزه يدور بلا انقطاع و العرش في محله و مركزه يدور بلاانقطاع و كل عال منها محل فيض للسافل و كذلك النجباء لهم مقام و مرتبة لايصل اليها احد مما تحتهم من المؤمنين و غيرهم الي اخر كلامه اعلي الله مقامه.

و اقول ان الله سبحانه بدأ كل فرد من افراد الانسان من مرتبة من المراتب و هي اول اذكاره و مبدأ اطواره ثم انزلهم جميعهم الي غاية البعد اي التراب ثم دعاهم الي الاقبال اليه و العود الي ما بدءوا منه فمن كان مبدأ كونه من الكرسي و نزل الي التراب و صار فيه جميع المراتب العالية فيه بالقوة و رجع فخلع عن نفسه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 475 *»

الاعراض شيئاً بعد شي‏ء لابد و ان‏يمر علي جميع المراتب التي نزل منها و يمكث في كل مرتبة ما شاء الله ثم يصعد كما كان نطفة مدة ثم علقة زماناً و هكذا فكذلك يمر علي الافلاك زماناً فيكون الذي هو في الحقيقة نقيب نجيباً مدة و النقابة فيه بالقوة و النجابة بالفعل ثم يصعد من رتبة الافلاك الي الكرسي فيصير نقيباً و كذلك من بدئ من الافلاك و نزل الي التراب يكون مدة في رتبة الطبايع ثم يعود الي ما بدئ منه فلربما يكون الرجل في اصل خلقه نجيباً و ظهر مدة في عرض العلماء ثم ترقي و فاز بمقام النجابة فبهذا المعني يمكن ان‏يصير العالم نجيباً و النجيب نقيباً و اما صعود كل واحد عن مبدأ ذكره فلا كيف و جميع ما للنجيب نازل من النقيب و جميع ما للعلماء نازل من النجباء فان لكل طبقة حداً   لايتجاوزه و هو تاويل قوله تعالي و لكل منا مقام معلوم.

فصـل: في عدد هولاء الاصناف قال شيخنا الاوحد اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه في رسالة الرجعـة في تفسير حديث النبي9 فيخرج النجباء بمصر و الابدال من الشام و عصائب العراق الخبر اقول النجباء جمع نجيب و هم صنف من الاولياء و قال في الرسالة الصوفية المسماة بالحقيقة المحمدية النجباء و هم الاربعون و قيل السبعون القائمون باصلاح امور الناس الي اخر كلامه و قيل انهم تحت الابدال فوق الصالحين لانهم يقولون انه لابد للنظام في تمامه من قطب و هو محل نظر الله من العالم و اربعة اركان و اربعين بدلاً و سبعين نجيباً و ثلثمائة و ستين صالحاً فلو اختل هذا العدد من العالم بطل النظام و نقله منا الشيخ ابرهيم الكفعمي في حاشية كتاب الجنـة اخذه عنهم و لم‏نجد لذلك في اخبارنا الا ما اشار اليه علي بن الحسين7 في حديث الخيط الاصفر ثم ذكر الخبر ثم قال و لم‏يذكر شيئاً من عدد الاركان و لا النقباء و لا النجباء نعم روي في اخبارنا في ذكر حال الحجة في قوله7 نعم المنزل طيبة و ما بثلثين من وحشة و يمكن ارادة الابدال و انهم ثلثون

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 476 *»

و قد سمعت كلام السيد الاجل قبل في عددهم انه ايضاً متردد لانهما لم‏يظفروا بنص في ذلك و انا ظفرت بالنص في العوالم رواه من بصاير الدرجات و رايته ايضاً في بصاير الدرجات في الباب الثامن و الخمسين و المائة قال حدثنا عمران بن موسي عن محمد بن الحسين عن عنبس بن هشام عن الحسين عن يونس عن ابي‏عبدالله7 قال اذا اراد الله ان‏يخلق اماماً اخذ الله بيده شربة من تحت عرشه فدفعه الي ملك من ملائكته فاوصلها الي الامام فكان الامام من بعده منها فاذا مضت عليه اربعون يوماً سمع الصوت و هو في بطن امه فاذا ولد ربي بالحكمة و كتب علي عضده الايمن و تمت كلمة ربك صدقاً و عدلاً  لا مبدل لكلماته و هو السميع العليم فاذا كان الامر يصل اليه اعانه الله بثلثمائة و ثلثة‏عشر ملكاً بعدة اهل بدر فكانوا معه و معهم سبعون رجلاً و اثناعشر نقيباً فاما السبعون فيبعثهم الي الافاق يدعون الناس الي ما دعوا اليه اولاً و يجعل الله له في كل موضع مصباحاً يبصر به اعمالهم انتهي و من هذا الخبر يظهر ان النقباء اثناعشر و النجباء سبعون و هو في النقباء نص و في النجباء ظاهر و خبر ثلثين ليس فيه نص علي انهم النقباء فلعل بعض النجباء الكليين معهم و يقرب هذا المعني ما اتخذ رسول الله9 باشارة جبرئيل اثني‏عشر نقيباً من الانصار تسعة من الخزرج و هم اسعد بن زرارة و براء بن معرور و عبد الله بن حزام ابو جابر و رافع بن مالك و سعد بن عبادة و منذر بن عمر و عبد الله بن رواحة و سعد بن ربيع و عبادة بن صامت و ثلثة من الاوس ابوالهيثم بن التيهان و اسيد بن خضير و سعد بن خثيمة كما اتخذ موسي في بني‏اسرائيل اثني‏عشر نقيباً و كذلك يقرب هذا المعني اتخاذ موسي اثني‏عشر نقيباً و اتخاذ عيسي اثني‏عشر حوارياً.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 477 *»

المقصد الثاني

في الاشارة الي بعض فضائلهم التي خصهم الله بها و في هذا المقصد فصول

فصـل: اعلم انه لا شي‏ء من مراتب المخلوقات يتجاوز مبدأه فانه اول اذكاره التي ذكره الله عنده و ذكر الله عنده و هذا باب من العلم يفتح منه ابواب وينبغي ان‏نشرح حقيقة هذه المسئلة اذ لم‏تشرح في كتاب.

اعلم ان كل شي‏ء هو هو بصورته التي هو بها يمتاز عن غيره و هذا لاينافي قولنا في غير هذا المحل ان الشي‏ء شي‏ء بمادته و صورته فان مراد القوم بذلك الاختلاف اي ان الشي‏ء هل هو المادة و الصورة عرض او هو الصورة و المادة عارضة او هو الوجود و الماهية تبع للوجود او هما معاً فان مراد من قال ان الشي‏ء هو الوجود و الماهية عارضة حالة ان الوجود هو الحق جل‏وعلا و هو الشي‏ء بحقيقة الشيئية و هو بنفسه متحد غيرمتكرر و انما جاءت الكثرة من عروض هذه الماهيات العدمية في الرتب الخلقية و من قال بعكس ذلك فمراده ان الشي‏ء هو الماهية الثابتة غيرالمجعولة و ان الله لم‏يخلقها و انما افاض عليها فامكانها في وجودها و هي الصور العلمية التي هي عين الذات و الذي يقول ان الشي‏ء هو الوجود و الماهية تبع اراد ان الامر واحد و لايصدر منه الا الواحد و ما صدر منه هو الوجود و الماهية التي بخلاف الوجود لايمكن صدورها من الامر الوجودي فلو صدر منه لكان وجوداً لا ماهية و لعدم الامتياز فالله سبحانه خلق الاربعة و الزوجية امر تبعي لايحتاج الي جعل جاعل فاردنا ان‏نقول ان جميع ذلك توهمات و الحادث حادث بمادته و صورته فالله سبحانه خلق المادة لا من شي‏ء و في اي صورة ما شاء صورها كماحققناه في محله و الذي نريده هنا ان الشي‏ء في الظاهر يسمي بذلك الشي‏ء بصورته فلو سلب عنه الصورة و صورت المادة العرضية الظاهرية بغير تلك الصورة لم‏تمتنع الاتري ان الكلب كلب مادام علي صورته فاذا استحال ملحاً تغير صورته لا مادته و ان المادة باقية علي حالها و ان تغير حكمها  في بطن الصور و مادة الكلب هي مادة الملح و هما واحدة في الحالين فالاصل في الكلب اي ما به الكلب كلب و ليس به الكلب

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 478 *»

ملحاً هو الصورة الكلبية.

بالجملة ان الشي‏ء في الظاهر يسمي بذلك الشي‏ء بصورته و وضع الاسم له من حيث صورته لا مادته و الاسم وصف منفصل مطابق لصورته و تلك الصورة حدود و تعينات خاصة فهي كم خاص و كيف خاص و جهة خاصة و رتبة خاصة و مكان خاص و وقت خاص و وضع خاص و اجل خاص و كتاب خاص فاذا اجتمعت هذه الحدود صار شيئاً خاصاً في تلك الحدود فما فوق الحدود غيرها و ما دونها غيرها فهو محصور في حدها و رتبتها من الوجود فاذا كان الشي‏ء شيئاً ناقصاً ملكياً اختص بذلك الحد الخاص و لكل منا مقام معلوم فلايتحول عنه و لايزول عما جعل عليه و ان كان الشي‏ء جامعاً فيحتوي علي حدود ما يجمعه فان كان جامعاً مركباً من شيئين يحتوي علي حدهما او ثلثة فعلي حدها و هكذا الي ان‏ينتهي الامر الي الانسان الكلمة الجامعة و العالم الصغير الذي قال في صورته اميرالمؤمنين7 هي المختصر من اللوح المحفوظ و ينسب اليه:

و انت الكتاب المبين الذي   باحرفه يظهر المضمر
اتزعم انك جرم صغير   و فيك انطوي العالم الاكبر

فتلك الكلمة مشتملة علي جميع الحروف الكونية اي انموذجها الا ان افرادها مختلفة في فعلية جميع تلك الحروف و قويتها الا انها منطوية فيها و الكامل منهم من صار جميع تلك الحروف من حيث هي هي فيه بالفعل و منشأ الاثار و الافعال و اكمل منه من صار جميع تلك الحروف فيه بالفعل من حيث ربها اي كونها اسماء الرب و صفاته كما يأتي ان شاء الله و معني استجماع الانسان جميع الحروف انه في نفسه مُبدأٌ من مقامٍ هو فوق جميع مراتب الجن و الحيوان و النبات و الجماد بل العرش و الكرسي و الافلاك و الطبايع و مابينها فهو في ذلك المقام في مقام مبدأ جميع هذه المقامات التي هي دونها و جميعها مندمجة فيه فان مقام النفس الناطقة مقام دهرية جميع هذه الكثرات و وحدتها و هذا الاندماج في الكلي علي حسبه و في الجزئي علي حسبه و اما فيما دون ذلك المقام فهو متنزل اليها مار عليها اخذ من كل رتبة لباساً منها الي ان اتي الي غاية البعد فاحتوي بذلك

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 479 *»

علي جميع مراتب الحروف بحسبه اي الكلي بكليته و الجزئي بجزئيته فبذلك قلنا ان الانسان كلمة جامعة مركبة من جميع الحروف الكونية والا فهو في نفسه ليس مركباً منها نعم هو حقيقة بدئت من مقام مبدئية ما سواها فهي مذكورة فيها بصلوح الظهور و التجلي كما ان جميع ما تصنعه من افعالك و اثارك مندمجة في نفسك و هي محتوية علي مباديها و لاجل ذلك كانت النفس هي الكتاب الذي قدسبق قال الله تعالي مااصاب من مصيبة في الارض و لا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان‏نبرأها و كل شي‏ء احصيناه في امام مبين و هو اللوح المحفوظ الذي يكون افعالك فيه مرسوماً قبل ان‏تفعل و حين ما تفعل و بعد ان‏تتحول عنه و تفعل غيره فاحتواء النفس في ذاتها علي ما دونها هكذا فتركيب الانسان من الحروف عند تنزلها الي المراتب الكونية فالانسان المحسوس كلمة جامعة ولكن لايتجاوز النفس القدسية التي هي مبدأ ايجادها و النبي كلمة جامعة ايضاً ولكنه يتجاوز النفس القدسية و يصل الي مقام الروح الملكوتية ثم لايتجاوزها و اما الخاتم7 فهو ايضاً كلمة جامعة تامة لكنه يتجاوز الروح و يعود الي حيث بدئ فكما بدأكم تعودون فالانسان في نفسه له حدود انسانية و هو محصور في رتبتها لايتجاوزها فالاعلي منه رتبة الانبياء و الادني منه رتبة الجن فان صعد كان نبياً لا انساناً و ان نزل كان جناً لا انساً و هو يعود الي حيث بدئ فافهم ما شرحنا لك فالانسان جميعهم ذووا نفس ناطقة نوعاً ولكن للنفس الناطقة مراتب كما ان هذا العالم بكله جسم لكن للطبايع رتبة و للافلاك رتبة و للكرسي رتبة و للعرش رتبة و كل نفس جزئية لها حد و هي مأخوذة و مُبْدأة من رتبة معينة من مراتب النفس فلرب انسان خلق من ظواهر طبايع عالم النفوس فهي فيه بالفعل و البواقي فيه بالقوة  و لاكمال في القوة و لايثاب الانسان عليها و لايصعد علي مدارجها لو كانت بالفعل فهو كالجماد في ذلك العالم و لرب انسان خلق من صوافي طبايع ذلك العالم فهو كنباته و لرب انسان خلق من فلك قمره فهو كحيوانه و لرب انسان خلق من فلك زهرته فهو كجن ذلك العالم و لرب انسان خلق من ساير افلاكه فهو

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 480 *»

انسان ذلك العالم الاناسي الجزئية و لرب انسان خلق من كرسي ذلك العالم فهو النجيب الكلي و لرب انسان خلق من عرش ذلك العالم فهو النقيب الكلي و جميع هولاء اصحاب نفوس قدسية و في كل واحدة منها ما لها بالفعل و ما فوقها بالقوة ليس لها درجته و لا ثواب اهله و لا عينهم و لا علمهم و لا عملهم فلكل منهم مقام معلوم ولما كان بدؤ كل فرد منهم من درجة يكون عوده اليها و كلما يصعد باقدام امتثالاته و طاعاته و توجهاته الي الله سبحانه يصعد الذي قبله مثله و اسرع فابداً يكون النسبة بينهما باقية و هو قول الصادق7 كما رواه في الكافي في حديث طويل ان الله سبق بين المؤمنين كما يسبق بين الخيل يوم الرهان ثم فضلهم علي درجاتهم في السبق اليه فجعل كل امرأ منهم علي درجة سبقه لاينقصه فيها من حقه و لايتقدم مسبوق سابقاً و لا مفضول فاضلاً  تفاضل بذلك اوائل هذه الامة و اواخرها و لو لم‏يكن للسابق الي الايمان فضل علي المسبوق اذا للحق اخر هذه الامة اولها نعم و لتقدموهم اذا لم‏يكن لمن سبق الي الايمان الفضل علي من ابطأ عنه ولكن بدرجات الايمان قدم الله السابقين و بالابطاء عن الايمان اخر الله المقصرين لانا نجد من المؤمنين من الاخرين من هو اكثر عملاً من الاولين و اكثرهم صلوة و صوماً و حجاً  و زكوة و جهاداً و انفاقاً و لو لم‏يكن سوابق يفضل بها المؤمنون بعضهم بعضاً عند الله لكان الاخرون بكثرة العمل مقدمين علي الاولين ولكن ابي الله عزوجل ان‏يدرك اخر درجات الايمان اولها و يقدم فيها من اخر الله او يؤخر فيها من قدم الله الخبر و يدل علي ذلك ايضاً خبر اجزاء الايمان و درجاته و فيه فمن لم‏يجعل فيه الا عشر جزء لم‏يقدر علي ان‏يكون مثل صاحب العشرين و كذلك صاحب العشرين لايكون مثل صاحب الثلثة الاعشار الخبر والمراد بالسبق السبق الرتبي الي الاجابة لا السبق الزماني في التولد و بلوغ التكليف و قبول الاسلام اذ كم من ناقص يتقدم و كم من كامل يتاخر و اوائل هذه الامة اي اولهم اجابة و اعلاهم درجة فالعرش اسبق في الاجابة من الكرسي و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 481 *»

الكرسي اسبق من الافلاك و الافلاك اسبق من الطبايع و هذه الاخبار دالة علي ما ذكره سيدنا الاجل من ان النجيب لايقدر ان‏يصل الي رتبة النقيب ولكن علي ما شرحنا الظاهر بالنجابة و السالك في مناهجها المخلوق بذاته من رتبة النقابة يقدر ان‏يصل الي رتبة النقابة بخلاف من بدئ من رتبة النجابة فلايتجاوزها و لايتحمل ما يتحمله النقيب.

بالجملة تبين مما ذكرنا ان الشي‏ء لايتجاوز مبداه و كل شي‏ء يعود الي حيث بدئ منه فعلي ذلك ليس الشي‏ء بموجود فيما فوق حده و ليس له مشعر من هناك و لا ذكر وجودي فليس يجد شيئاً من حيث هو مفقود فيه ابداً ابداً الا بقدر ما تجلي ذلك العالي فيه به اي بذلك الداني فلا اطلاع للداني ابداً و لايقصد مراداً غير ما وصله في رتبته و لذا قال السيد الاستاد اجل الله شانه في جوامع كلمه كل‏ما طرق سمعك يمكنك الوصول اليه اذ الشي‏ء ما لم‏يقع في مدركك و ينطبع و تنفعل منه و تتحد بما نالك لاتكاد تدركه و الذي هو فوقك لايقع بذاته في مشاعرك فلاتنال ذاته بل بصفاته و انت صفاته و نوره فقدتجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها فليس يكاد يدرك الكرسي العرش ابداً فان لجسم العرش حيزاً  لاينزل منه و لجسم الكرسي حيزاً لايصعد منه فلايتلاقيان ابداً و ما تري في الاناسي من تلاقي العالي و الداني فانما هو تلاقي جسم عرضي مع جسم عرضي و هما من صقع واحد و لاترتب بينهما و انما العبرة بالنفوس الاتري ان اباذر يتلاقي سلمان بجسمه و لايتلاقيه بايمانه فلو علم ابوذر ما في قلب سلمان لكفره فكذلك الكرسي لايتلاقي جسم العرش حيث لا عارض فليس عند الكرسي من العرش الا صفة العرش اذ ما دون الذات الصفة و لا ثالث بينهما فلاينال الكرسي و لايفهم و لايعقل من العرش الا صفته و تلك الصفة ليس الا اعلي مقامات الكرسي فليس يقوم صفة العرش مع الكرسي في صف فلو وقف لكان بعض الكرسي و حيزه حيز الكرسي و عنصره من عنصر الكرسي فهو الكرسي فقدوصف العرش نفسه للكرسي بالكرسي و كذلك الكرسي بالنسبة الي الافلاك و الافلاك الي الطبايع

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 482 *»

فلايعرف النجباء من النقباء الا ما ظهر من النقباء لهم بهم غاية الامر ان الكرسي صفة متصلة للعرش فلا ضير و كذلك جميع ما كان في عرصة واحدة كل دان صفة متصلة بالعالي و ليس الترتب بينها بالاثرية و المؤثرية سوي ما كان بين النقباء و الاركان فانه بالطول و اشد بينونة.

فصـل: اعلم ان الشيئين لايخلوان من ان‏يشتركا في المادة و يفترقا في الصورة كالباب و السرير مثلاً فانهما يشتركان في المادة و هي الخشب و يفترقان في الصورة و اما يفترقان في المادة و الصورة معاً كالشمس و نورها مثلاً فان الشمس مادتها الجرم السماوي و صورتها الضياء الاصلي و النور ليس من الجرم السماوي بل من شبح منفصل عن الشبح المتصل به و صورته من نفس ذلك الشبح المنفصل و الاول منهما اي ما كان المادة مشتركة علي قسمين فاما ان‏يكون الشيئان في عرض واحد او يكون احدهما اعلي من الاخر و حيزه اعلي و بنفسه اقوي او اوحد و اشرف فما كان المادة مشتركة و هما في عرض واحد فالنسبة بينهما تسمي بالتواطي علي اصطلاح القوم و ما كان احدهما اعلي و الاخر اسفل فهما علي التشكيك مطلقا علي الاصح فليس نسبة جميع افراد الانسان علي التواطي بل الاعلم الاشرف الاتقي اعلي درجة ان اكرمكم عند الله اتقيكم، و لكل درجات مما عملوا، و يؤت كل ذي‏فضل فضله، و كذلك فضلنا بعض النبيين علي بعض، تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض الي غير ذلك من الايات الدالة علي سبق درجة بعض الاناسي كما ان درجات اجزاء العالم بعضها فوق بعض كالماء فوق التراب و الهواء فوق الماء و الافلاك فوق الطبايع و بعضها فوق بعض فالنسبة بينها علي التشكيك اي المادة واحدة و التفاوت بالصفاء و الكدورة و اللطافة و الكثافة فصورة الكثافة درجتها تحت درجة اللطافة و لاتعرض صورة الكثافة علي المادة اللطيفة ما لم‏يعرضها صورة اللطافة و المادة القابلة للصورة اللطيفة لاتتصور بالصورة الكثيفة اول مرة قبل ان‏تتلبس بالصورة اللطيفة و للمادة في الصورة تكثف و تغلظ و تكثر

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 483 *»

به تصلح للصورة الكثيفة فالمادة هي امكان الصورة العالية و الصورة العالية هي امكان الصورة الدانية و هكذا حتي تصل الي غاية البعد فاذا لاتصلح مادة النار و اهبيتها للتلبس بصورة الهواء قبل ان‏تتلبس بصورة النار فاذا تلبست بصورة النار و تكثفت صلحت للتلبس بصورة الهواء و لاتصلح للتلبس بصورة الماء الا بعد تلبسها بصورة الهواء و هكذا فلو اخذت صورة الجمود التي بها يكون التراب تراباً ظهر بالمائية فلو اخذت عنه صورة الرطوبة اللزجة التي بها يكون الماء ماء صار هواء ولو اخذت الصورة الرطبة الهوائية عن الهواء صار ناراً ولو اخذت عنه صورة النارية صارت فلكية علي حسب درجاتها الي ان‏تاخذ عن العرش صورة العرشية فيبقي المادة الجسمانية التي لاتصلح الا للتلبس بصورة العرشية اول مرة و تصلح لساير الصور علي ترتيب عرفت فعماد وجود التراب الماء و عماد وجود الماء الهواء و عماد وجود النار الافلاك بترتيبها و عماد وجود الافلاك الكرسي و عماد وجود الكرسي العرش و عماد وجود العرش الجسم المطلق و هكذا تصعد صاعداً الي ان عماد وجود العقل الماء الاول و ذلك انه قدثبت عندنا ان المادة الواحدة لاتصلح لصورتين مختلفتين في الرتبة فانها ان كانت قابلة للصورة الكثيفة لاتكون قابلة للصورة اللطيفة و كذلك العكس فمادة الياقوت لاتصلح لصورة اللبنة و مادة اللبنة لاتصلح لصورة الياقوت و ما تري من تصعيد الرمل الي ان‏يصير ماساً فانك تاخذ عنه صورة الرملية ثم تصفي المادة ثم تلبسها صورة اصفي ثم تنزع عنها صورتها ثم تصفي مادتها ثم تلبسها صورة اصفي الي ان‏تعود مادته بصفاء مادة الماس و صورته بصفاء صورة الماس كما ان الله سبحانه يصفي الحصص العنصرية الي ان‏يصير بصفاء الروح البخاري الحيواني الفلكي و اذا لم‏يصر الرمل ماسا فان الرمل بمادته و صورته انتزع عن المادة اللطيفة التي كانت في غيبها و صالحة للماسية اللهم الا ان‏يراد بالمادة ما في غيب الشي‏ء ولو في اقصي غاية اللطافة والا فالمادة المقارنة للصورة الرملية تلك الكثافة التي كانت عارضة علي المادة الاولية الاتري ان صورة الكسر تعرض الجمود و مادته الجامد و صورة الجمود قدعرضت الماء و ليس الكسر يعرض الماء ولكن يعرض الجامد فالماء يجمد و الجامد ينكسر

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 484 *»

فافهم فاني قدكررت العبارة ليتضح لك ما كان يبين بالاشارة.

فصـل: اعلم ان الله عزوجل بعد ما انزل العقل الذي خلقه اول مرة الي عرصة التراب فقدتبدل حيوته بالموت او كماله بالنقص و قوته بالضعف و فعلية ظهوره بالقوة ولكنه موجود في غيب التراب و ليس العقل في التراب ككون صورة الكوز قوة في التراب فيكون معدوماً بل علي ما ذكرت لك في الفصل السابق من تلبس الماء بالجمود و تصور الجمود بالكسر و ليس الماء معدوماً في المكسور ولكنه عرضته اغشية فاستتر تحت غيوم تلك الاغشية الم‏تسمع ان العقل الكلي ملك له وجوه بعدد كل نفس و علي كل وجه حجاب فاذا بلغ الرجل يكشف عن وجهه فيقع نور العقل علي قلبه فيصير عاقلاً فذلك الملك موجود و وجهه موجود لكنه مستور و من وراء الستر مفقود و بالقوة فافهم ذلك فانه دقيق فالعقل موجود في ضمن التراب و به يكون عاقلاً و مكلفاً يجري عليه من التكليف مايجري علي العقلاء قالتا اتينا طائعين، ولكن لاتفقهون تسبيحهم الي غير ذلك ولكنه قدعرضته اغشية عديدة تبلغ كلياتها تسعة عشر و عند عروض كل غشاء خفي منه نور و قوة و كمال و ادراك الي ان‏بلغ التراب فاستتر نوره من كل باب و اين التراب و رب الارباب ولكن لم‏يعدم و بذلك الوجود دعاه الله اليه و خاطبه و امره و نهاه فانجذب الي دعائه الجاذب ما لم يعقه عن الصعود و الانجذاب تلك الاغشية و الاعراض المتعلقة به فان اجزاء الاعراض و اعراض الاجزاء مختلفة فساع سريع نجا و متاخر بطي‏ء رجا و متخلف مقصر سجي فقام يصعد منه مالم‏يعقه عائق و اخذ في خلع الاعراض عنه بقوة الامتثال فكلما خلع عرضاً اشتد قوة في الامتثال و كلما اشتد قوة اشتد قوة في خلع الاعراض علي حذو قوله7 بالحكمة يستخرج غور العقل و بالعقل يستخرج غور الحكمة ففي كل درجة ترق الاغشية و سحائب الاستار و يزداد ظهور الانوار ففي القدم الاول ترقي من الترابية الي المعدنية و في القدم الثاني ترقي الي البرزخية كالمرجان و شبهه و في القدم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 485 *»

الثالث ترقي الي النباتية و في القدم الرابع الي البرزخية كالبورايخ و في القدم الخامس الي الحيوانية و في القدم السادس الي البرزخية كالنسناس و المسوخات و في القدم السابع الي الانسانية ثم ترقي في درجات الانسانية الي الصالحية ثم الي العالمية ثم الي النجابة ثم الي النقابة و لا شك انه في كل منزل من المنازل يزداد نوراً و قوة و كمالاً و يظهر من انواره بسبب رقة الحجاب ما لم‏يكن ظاهراً الي ان‏يسفر عن وجهه فيعود الي حيث بدئ و ذلك في النقباء في الدنيا و البرزخ و الاخرة وجدانية و لايسفر العقل عن وجهه وجوداً الا في مقام الرضوان في اقصي الجنان و في غيرهم لم‏يسفر عن وجهه وجوداً و لا وجداناً والا لم‏يخصص الله القول باناس دون اخرين و لم‏يقل ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و لم‏يقل انما يتذكر اولوا الالباب و لم‏يقل لو كنا نسمع او نعقل ماكنا في اصحاب السعير فاذاً ارباب العقول اقل قليل من الناس يوجد منهم واحد بعد واحد و ليس ذلك حظ كل عالم ففي النجباء لم‏يظهر و لايظهر الا ظل العقل و هم به عالمون بما هم عالمون و في العلماء بظل ظله وهكذا فلاينال درجته بلا حجاب الا النقباء فبذلك وجب علي النجباء ان‏ينقادوا للنقباء و يسمعوا لهم و يطيعوا امرهم في كل حال فلو عاش النجيب الف سنة في علمه و عمله لم‏يبلغ رتبة النقباء و هم مدلجون بين يديه ابداً لايصل اليهم سرمداً و هو بمادته و صورته دون رتبتهم و مادته من صورتهم و صورته من دون ذلك فمادة النقباء من اعلي عليين و صورتهم من دون ذلك و مادة النجباء من حيث صورة النقباء و صورتهم من دون ذلك فالنقباء وسايط كل فيض شرعي او كوني للنجباء لايصل اليهم شي‏ء منها من التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه الا بهم و لذلك معذورون فيما لايبلغ عقولهم مما يتحمله اولئك الاعلون مقاماً كما في قوله7 لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لكفره او لقتله.

بالجملة و كذلك نسبة النقباء في الفؤاد بالنسبة الي الحجج: فان الحجج:هم المنكشف لهم الفؤاد بنفسه بلا ستر و حجاب و اما

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 486 *»

النقباء فمعرفتهم تنتهي الي ظل الفؤاد و ظاهره و لايبلغ نفس الفؤاد الا هم صلوات الله عليهم من عرف نفسه فقدعرف ربه و من عرفهم فقدعرف الله و من جهلهم فقدجهل الله و بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله و انفسنا و انفسكم، لقدجاءكم رسول من انفسكم فهم ايات الله الظاهرة في الخلق قال سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فهم ايات الله بهم يعرف الله و النقباء ارباب ظواهر الايات و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و واصلون اليها وصول وجدان ظاهر لا وصول حقيقة و لهم مقام العقل كما عرفنا بلحاظ و ان كان بلحاظ اخر هم ايضاً ارباب ظواهر العقول و الواصل الي العقول الانبياء و ان كان بلحاظ اخر الفؤاد هو مقام البيان و المعاني و العقل هو مقام النبوة و الروح مقام الانبياء و النفس هو مقام النقباء و لها مراتب كل في رتبته و ان كان بلحاظ اخر الفؤاد مقام البيان و العقل مقام المعاني و الروح مقام الابواب اي الانبياء و النفس مقام الاوصياء و النقباء و النجباء في افلاك مشاعر النفس و فيها اذكار السابقين و اخبارهم من شاء استخبرهم فهم عالمون بالاخبار عارفون بالاسرار.

بالجملة الانظار مختلفة و لكل وجه في مقامه لاينافي بعضها بعضاً و الاصل فيه ان عالم البشر عالم مثل هذا العالم له عرش و كرسي و افلاك و طبايع و ليس وراء العرش ضيق و لا سعة و لا مادة و لا صورة و لا مكان و لا زمان نعم فوق العرش رتبة الجسم المطلق و هو فؤاد هذا العالم فالحجج حين نزلوا عالم البشر للتبليغ نزلوا منزلة العرش الذي هو اول ما خلق الله من هذا العالم و اما الفؤاد فهو الرحمن المستوي علي العرش فهو اية الله و مقام تعريفه و تعرفه و لايحسب من عالم الخلق و اول ما خلق الله العقل و به خلق ساير خلقه اي بادباره فاخذ الله لهم قلوباً من عرش ذلك العالم و هو اعلي عليين لايشاركهم في تلك الطينة احد و هم ارواحهم و انوارهم و طينتهم واحدة هذا و العرش له درجات من محدبه الي مقعره و اما الانبياء فهم من رشح ابدان ال‏محمد:فهم في مقام الكرسي الذي هو من شعاع العرش و ظاهره و رشحه ثم النقباء الذين هم من شعاع

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 487 *»

الانبياء في مقام الشمس الحاكية لعلم العرش و الكرسي القائم مقامهما و لسان ترجمانهما واما النجباء فهم في مقام فلك زحل و فلك المشتري و فلك المريخ اصحاب البواطن و اما العلماء فهم في مقام فلك الزهرة و عطارد و القمر اصحاب الظواهر و ساير الاناسي التابعين المطيعين في مقام الطبايع فان عرفت ذلك فلك التعبير بعد بما تشاء فان في كل فلك ذكر جميع ما هو اعلي منه فبوجدانه ذكر فلك و وصوله رتبة ذكره قدينسب اليه فافهم راشداً موفقاً.

فصـل: اعلم ان للكامل من الاناسي في اي مقام يكون المقامات الاربعة التي اشرنا اليها في باب النبوة و الامامة و هي مقام البيان و المعاني و الابواب و الامامة فان فيهم ذكراً من الفؤاد و ذكراً من العقل و ذكراً من الروح و ذكراً من النفس فهي فيه من المقامات السفلي كما كانت في ال‏محمد: من المقامات العلياء و لانحتاج الي شرح المقامات لانها قدمرت في البابين المتقدمين و الذي نقوله هنا ان الكاملين هم القري الظاهرة للسير الي القري المباركة و قدامر الله الضعفاء ان‏يسيروا في هذه القري فان الله لايكلف نفساً الا ما اتيها و لم‏يجعل لاحد الوصول الي القري المباركة ابداً فان الناس ليسوا مشاركين لهم في المادة و الصورة و انما تحد الادوات انفسها و تشير الالات الي نظائرها فلو انك و انت من التراب قدرت ان‏تدرك الفلك عساك ان‏تدرك من ليس من مقامك فاذا ليس لاحد الوصول الي القري المباركة بل و لا الي القري الظاهرة الا بقدر ما فيه من صفتهم و ذكرهم فرجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجاه الطلب الي شكله فلايتجاوز شي‏ء عن حده و مقامه و هو تاويل قوله تعالي قل كل يعمل علي شاكلته فان الادراك عمل و الشاكلة هي الطريقة الناشئة من الطبيعة اللازمة لرتبته فادراك كل شي‏ء علي حسب طبعه و يلزم كل طبع حيزه و لايتجاوزه فالضعفاء لايكادون يصلون الي مقام الوسائط فضلاً عن مقام القري المباركة و لما كان ما فيك صفتهم المتصلة و ينبغي لك ان‏تسير في

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 488 *»

تلك الصفة سيراً وجدانياً قال جل‏شانه سيروا فيها ليالي و اياماً امنين و للسير فيهم اربع مقامات ادناها السير فيما ظهر فيهم من انوار الامامة فتشاهد نور امامك فيهم لانهم شعاعه و شيعته و نوره و الشعاع صفة المنير و اعلي منه السير فيما ظهر فيهم من انوار الابواب و ذلك ان المومن مادته من نور الباب بينه و بين ربه مع ان شيعة الامام و شيعة النبي واحدة باعتبار فشيعة علي هو شيعة النبي و بالعكس و باعتبار مادته من نور النبي و صورته من نور الولي و هما ابوا هذه الامة و المومن اخو المؤمن لابيه و  امه ابوه النور و امه الرحمة و روي سلمان باب الله في الارض و انه كان محدثاً و من العلماء و من اهل‏البيت و اعلي منه السير في مقام المعاني فان الله جل‏وعز خلق المومن من نور عظمته و جلال كبريائه و نور المومن اشد اتصالا ًبنور الله من اتصال نور الشمس بالشمس و اعلي منه السير في مقام البيان و ذلك قوله7 اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله قال7 جالسوا من يذكركم الله رؤيته و يزيد في علمكم منطقه و يرغبكم في الاخرة عمله و قال سبحانه و في الارض ايات للموقنين و في انفسكم افلاتبصرون و سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم.

و اعلم ان خلق الله جل‏جلاله علي نوعين بسائط ناقصة و مركبات جامعة ولاشك ان اية الاحد في الكلمة الجامعة اظهر من البسايط الناقصة و المركبات الجامعة تتفاوت في الرتبة و لا شك انه لا مركب اجمع من الانسان في الغيب و العيان و خلق الله الانسان في احسن تقويم و لقدكرمنا بني‏ادم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا و الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه فجهة الرب علي ما تظهر في الانسان لاتظهر في شي‏ء من الاشياء كما انه لايعمل بحدود الشريعة المقدسة التي هي ظهور حدود التوحيد احد كالانسان فاذا كان الانسان انساناً شرعياً فهو حجة الله الكبري و آية الله العظمي و برهان الله النير و دليل الله الانور و لايقوم الحجة علي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 489 *»

احد من الخلق بشي‏ء مثل ما يقوم علي الشخص بالانسان الشرعي الكامل و ليس بعد العيان بيان و ان كان للجدران اذان فالعادل عنه الي ما يعدل الي بسائط ناقصة فيه جميع ما هو غيره بالقوة الي مثل ظلية تابعة لذوات المثل الخارجية فالمثل الخارجية اولي بان‏تكون حجة و ¨اية الي حقايق نورية فاية حقيقة اولي من الحقيقة الانسانية لاسيما الكاملة.

بالجملة الانسان اعظم اية لله سبحانه فانه الكلمة الجامعة فان كان جميع الحروف الكونية فيه بالفعل فذلك ماكنا نبغ و ان كان جميع الحروف الشرعية فيه بالفعل فذلك المبدء و المرجع و هو الغاية و المفزع لم‏يشق من عرفه و لايسعد كل السعادة من جهله.

فصـل: الجسم المطلق و ان كان قربه الي الفرش كقربه الي العرش بلاتفاوت و ظهوره بالغبراء كظهوره بالخضراء من غير تفاوت الا ان مراتب الظهورات في انفسها متفاوتة و مترتبة بعضها علي بعض بلا طفرة و بعضها في تحققها اقل شروطاً و بعضها اكثر شروطاً و بعضها موقوف علي بعض كمراتب العدد فلايعقل تحقق الاثنين الا بعد واحد فانه واحد و واحد و لايعقل تحقق الثلثة الا بعد واحد و اثنين فانه واحد و اثنان و هكذا لايعقل الحركة الا بعد وجود متحرك و لايعقل السرعة الا بعد وجود حركة و لايعقل الصفة الا بعد وجود موصوف و لا المشروط الا بعد وجود شرطه و لا المعد له الا بعد وجود معده وذلك ان القوابل الامكانية مادامت في الامكان معدومة لا مسجونة متعينة و انما يخرج الي الفعلية منها اولاً ما لايحتاج الي شرط و هو الذي يخرج بنفسه فلا بدء لخروجه و لايعلم مدة ماكان العرش علي الماء الا الله ثم ما يحتاج الي شرط واحد ثم ما يحتاج الي شرطين ثم ما يحتاج الي ثلثة و ذلك ان ما دون الاول يقصر عن خروجه بنفسه و يحتاج الي مكمل فاذا ظهر المكمل بشرط واحد يخرج به مايحتاج الي شرط واحد فاذا تحقق الشرطان و ظهر بهما المكمل يخرج به مايحتاج الي شرطين فاذا تحقق ثلثة شروط و ظهر بها المكمل يخرج به ما يحتاج الي ثلثة و هكذا فلايخرج قابلية من العدم الي الوجود الا بمكمل موجود و لايكمل مكمل الا بقدر فعليته

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 490 *»

فلاجل ذلك ترتبت القوابل في درجات الوجود من غير طفرة و احتاجت الكل الي القابلية الاولي التي خرجت بنفسها من القوة الي الفعلية فلايعقل عدمها اولاً و اخراً اذ المعدوم لايوجد نفسه و لايعقل خروجها من القوة الي الفعلية بالجسم المطلق اذ لايعقل الفعل الذاتي فهو وجود دائمي سرمدي ازلي ابدي لا تحول له و لا زوال و لا تغير و لا انتقال و هو عرش الوجود و مستوي الرحمن المعبود ثم به يخلق الله الكرسي كالضوء من الضوء فان الكرسي هو المشروط الاول و له شرط واحد اذ هو محل المشية الاولي و نفس العرش و ظهوره الاول ثم به يخلق الله الشمس فانها مظهر العرش و الكرسي و مبدأ الشهادة و اول مشروطة بالغيب ثم بها يخلق الله زحل و القمر ثم بهما المشتري و عطارد ثم بهما المريخ و الزهرة ثم بها النار ثم بها الهواء ثم بها الماء ثم بها التراب فلايكفي وجود العرش في انتفاع الشمس ما لم‏يكن كرسي و ان كان العرش قوياً كاملاً فان الشمس ليست بقابلة للانتفاع من العرش ما لم‏يظهر بالكرسي و يتلبس بلباسه و هكذا لايقدر زحل علي الانتفاع من الكرسي ما لم‏يتلبس بالشمس و علي هذه فقس ماسواها فاذاً لايكاد ينتفع الخلق من الرب الاحد جل‏شأنه ما لم‏يتوسط مشية و لايكاد ينتفع الانبياء من المشية ما لم‏يتوسط الحقيقة المحمدية و لايكاد ينتفع الاناسي من الحقيقة الا بتوسط الانبياء و هكذا فلايكفي وجود الغوث يومئذ بدون الاركان و لا وجود الاركان بدون النقباء و لا وجود النقباء بدون وجود النجباء و لا وجود النجباء بدون وجود العلماء و لذلك اوجب الله السير في القري الظاهرة للوصول الي ظهور القري المباركة.

و ان قال قائل قدنزل الغوث الي منتهي المراتب و تلبس بنفسه بلباس كل مرتبة فلايحتاج في الانتفاع منه الي واسطة اخري قلت و ان كان الامر كذلك فقد تلبس في كل رتبة الي مبدء تلك الرتبة فانه الحجة في كل رتبة و لابد من استعلائه علي رعيته فالذي دوينه اذا نزل الي تلك الرتبة يتلبس بدوينه فان بدن ساير الانبياء ليس باعتدال بدن الغوث البتة و هكذا فاذا الترتب علي حاله  في كل مقام و لاينتفع الداني الادني من العالي الاعلي الا بتوسط الاوسط لعين ادلة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 491 *»

ذكرناها هذا و الاقترانات العرضية لاتثمر الا انتفاعات عرضية و المدار علي الحقايق و الترتبات الذاتية ارايت لو وضعت انملتك علي قلبك ايهما اقرب الي قلبك انملتك او عضدك لا شك ان عضدك اقرب الي قلبك بالذات و ان كان انملتك اقرب اليه بالعرض و لايصل الحيوة الحقيقية الي الانملة الا بواسطة العضد و كذا لو جلس ادني الناس الي النبي و كان اعلاهم في سفر بعيداً عنه فما تري ايهم اقرب الي النبي9 ادني الخلق او اعلي الخلق فمدار القرب علي القرب الذاتي لا المكاني العرضي فالطابق المتصل بالسراج ابعد من السراج من المرآة الواقعة بعيداً فانها احكي له اينما كانت فلاينفع نزول الغوث الي ادني المراتب بالعرض و اقتران الضعفاء به و لابد في انتفاعهم منه الي الوسائط هذا  والانتفاعات العرضية مع عدم الانتفاع الذاتي لايجدي شيئاً و الانتفاع الذاتي لايمكن الا بترتيب ذاتي فان مادة الداني صفة العالي كما عرفت و لايعقل انتفاع الداني من الاعلي من غير توسط العالي فالعالي المقارن في كل رتبة باب الاعلي الي الداني في ايصال الامداد الي الداني و باب استفاضة الداني من الاعلي و مع الاخلال بمعرفته لايطلع علي شي‏ء من الاعلي و لذلك جعله الامام7 من اجزاء المعرفة الحقيقية و قال المعرفة اثبات التوحيد الي ان قال ثم معرفة الاركان خامساً ثم معرفة النقباء سادساً ثم معرفة النجباء سابعاً فالعالي المقارن ركن جميع ما للداني من علم بالاعلي و اعتبر ذلك بزجاجات سبعة بعضها فوق بعض و في جوفها سراج و كل زجاجة سابقة ركن معرفة اللاحقة بالسراج.

فصـل: اعلم ان اثر المؤثر اذا كان واحداً حكي بوحدته في مقامه جميع شــٔون المؤثر باجمعها في ذاته علي نحو الوحدة و الاجمال و في شــٔونه و اثاره علي نحو الكثرة و التفصيل و اما اذا كان الاثر متعدداً لتعدد جهات ذات المؤثر فجميع هذه الاثار يحكي جميع شــٔون المؤثر و اما بعضها فلايحكي الكل علي نهج شدة الفعلية و كمالها فانه اثر جهة من جهات ذات الموثر كما ان ما  في المراة من شبحك يحكي حاجبه حاجبك و عينه عينك و عارضه عارضك و هكذا فكل واحد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 492 *»

واحد من الاثار ليس يحكي جميع شــٔون المؤثر فكل واحد منها راوي فضل له و حامل اسم من اسمائه نعم لما كان جهات ذات الموثر في غاية التشاكل و هذه الاثار قدصدرت عنه اولاً فهم اخوة متكافــٔون بعضهم قريب من بعض و يصدر من كل واحد ما يصدر من كل واحد غاية الامر ان بعضهم اقوي من بعض في جهته الخاصة به الموكل عليها فليس يحسن ما سواه مثل احسانه اياها و اما فقدانه ما سواه بالكلية فلا كما ان ال‏محمد: جميعهم يحكون نور النبي9 و كل واحد منهم يحكي جهته الخاصة به اشد و ليس بفاقد لساير الجهات بالكلية و لاجل ذلك ظهر واحد منهم بالارتضاء و واحد بالاجتباء و واحد بالشهادة و واحد بالعبادة و هكذا مع ان كلهم ارواحهم و نورهم و طينتهم واحدة و ذلك لاجل ان ما به اشتراكهم اقوي مما به امتيازهم و كذلك الامر في المومنين فانهم باجمعهم اثار جهات وجود الحجة: و كل واحد يحكي جهة الا انهم اخوة شديدوا التشاكل و ما به امتيازهم اضعف مما به اشتراكهم فيصدر من كل واحد منهم ما يصدر من الكل و ان كان في جهته الخاصة به اقوي الا تري انه يجب علي كل واحد ما يجب علي كل واحد من الايمان و الاعتراف بجميع جهات وجود العالي فافهم و كما انهم باجمعهم يحكون جميع جهات الموثر علي وجه الكمال لا واحد واحد منهم ليس كل واحد واحد منهم علة جميع ما دونه او بعضهم بل العلة مابه اشتراكهم لا ما به امتيازهم و لاجل ذلك لايطلع افراد الاناسي علي الجن و ليس بموت انسان يموت افراد من الجن او جني بل ولو مات جميع افراد الانس ربما يبقي الجن كما كانوا قبل خلقة ادم علي نبينا و اله و عليه‏السلام و لا انسان و كذلك في كل رتبة ولاجل ذلك ربما ماكان يعلم الانبياء ما كان يعلمه بعض من دونهم كما لم‏يعلم سليمان ما علمه الهدهد و النملة و انكشف لابي‏حمزة الثمالي مالم‏ينكشف لابرهيم من بعض العوالم و هكذا و انما ذلك لاجل ان افراد الانبياء لم‏يكونوا علل مادونهم و انما العلة هي الحقيقة الجامعة و كذلك امر الشيعة فال‏محمد: خزان الله في الدنيا و الاخرة و شيعتهم خزانهم لكن جميع شيعتهم خزانهم قداودعوا علومهم جميعهم و عند كل واحد بعضها و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 493 *»

وكلوه عليه و اودعوه اياه فلايجب ان‏يطلع كامل الشيعة علي جميع العلوم بحيث لايخفي عليه جزئي من الجزئيات بل لعل له مجهولات لاتحصي و انما هو خازن ما اودع من علم امامه7 نعم ليس جهله بما يجهل كجهل ساير الناس بما يجهلون فانا ذكرنا ان مابه الامتياز فيهم في غاية الضعف و هم اخوة متكافــٔون فعند كل واحد شي‏ء يقدر علي استنباط ما يشاء منه و هو مقتضي ما به اشتراك القوم و يعبر عنه بنقطة العلم و هم مختلفون  في فعلية العلوم الجزئية و قوتها قريبة و بعيدة.

فاما النقباء الكليون فهم يحضرهم جميع ما اودعوا و وكلوا به و اما النجباء فلهم قوة قريبة يقدرون علي ما يراد منهم بالقوة القريبة فلايلزم ان‏يحضرهم جميع ما يراد منهم و سر ذلك ان النقباء هم اولوا الالباب و العقل هو كلي معنوي محيط بالاشياء من جميع جهاتها و النجباء هم اولوا العلم و اصحاب النفس صاحبة الصور الجزئية و النفس في ذاتها دراكة علي الابهام للصور فهي لهم نقطة علم حصلت لهم و اما حضور صورة عندها يمنع حضور الاخري و يشغلها شأن عن شأن و قولنا ان النقباء يحضرهم جميع ما اودعوا فمعناه انهم اذا سئلوا اجابوا بلا تامل لا ان جميع ما اودعوا ابداً مكشوف لهم انكشاف كفك لك و انت ناظر اليها فان ذلك شأن العلة و الموثر حسب فلايجب ان‏يكون مطلعاً علي كل حادث يحدث في الافاق بل ربما كان غافلاً عن جميعها و لايجب ان‏يطلع بعد التوجه ايضاً علي الحوادث التي لم‏يوكل عليها و ان كان له قوة و نقطة علم اذا شاء و توجه و استنبط اطلع و اما النجباء فلايجب حضور ما اودعوه لديهم علي ما عرفت نعم لهم نقطة علم و هي نفسهم الزكية التي اذا شاءوا ان‏يستنبطوا منها ما اريد منهم قدروا عليه.

فلاتغلوا ايها الاخوان في دينكم و لاتقولوا علي المشايخ الا الحق و ما يرضون فلاتنسبوهم الي العظائم بعد جهل موسي بما علمه خضر و جهل خضر بما علمه موسي و جهل سليمان بما علمه النملة و الهدهد و جهل داود بما  فهم سليمان فلا علم لاحد الا ما علمه الله و الذي لايجهل شيئاً هو الحجة الكلي المعصوم و هو ايضاً روحه القدسية الكلية محيطة بالكل احاطة مشاهدة و عيان و هو العدل الذي قال الله في مفهوم كتابه بئس للظالمين بدلا ما اشهدتهم خلق السموات و الارض و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 494 *»

لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضداً و اما ورود ما يحضر روحه القدسية في خاطره فعلي التدرج الزماني البرزخي شيئاً بعد شي‏ء كما كان يقرا الحمد و حين تفوهه بكلمة منها لم‏يكن متفوهاً بكلمة بعدها و كذلك امر ما يخطر علي بالهم و لربما كانوا مشتغلين بجهة مهمة و لم‏يتوجهوا في خواطرهم الي المسئلة فماكانوا يجيبون فيها حتي يرد عليهم و هو المعبر عنه عندهم بالنكت و وقع السلسلة في الطست و الرجم و الحديث و النفث فاذا ورد عليهم اجابوا والا اخروا الي وقت امكان التوجه اذ لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون.

و كذلك لايجب ان‏يكون الشيعي الكامل الذي به ينزل الفيض علي من دونه مطلعاً علي من يصل به الفيض اليه فانه علة ما يفيض لا من يستفيض كما  انك علة ما تتكلم لا من يسمع الكلام فلايجب ان‏تطلع علي من يسمع كلامك و يشترط في الاستفاضة توجه المستفيض الي المفيض لا علم المفيض بالمستفيض اذا لم‏يكن علة و اما العلة فلا شك انه مطلع بمن يستفيض منه في مقام العلية فانه علة الفيض و المستفيض و فيما ذكرنا من امر تولي الاولياء كفاية و بلاغ مع ما كتبنا  في ساير كتبنا مفصلاً هذا و قد طالما شرعت في هذا الكتاب و اتفق في اثناء تصنيفه تصنيف كتب عديدة فاخذني الملال و احببت ان‏اختصر في المقال فلنختم الكتاب بذكر شي‏ء من اسرار البراءة من الاعداء ان شاء الله.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 495 *»

تتميــم

في ذكر شي‏ء من اسرار البراءة من الاعداء و فيه فصول

فصـل: اعلم ان الله جل‏وعز خارج عن حدود خلقه جملة لايوصف بشي‏ء من صفاتها و لايحد بشي‏ء من حدودها و لايقترن بشي‏ء منها خارج عنها لا كخروج شي‏ء عن شي‏ء مع انه داخل فيها لا كدخول شي‏ء في شي‏ء لاينسب الي شي‏ء و لاينتسب اليه شي‏ء و لايقترن بشي‏ء و لايقترن به شي‏ء و لايضاف الي شي‏ء و لايضاف اليه شي‏ء قربه من اشرف خلقه كقربه من اخس خلقه و بعده من اول خلقه كبعده من اخر خلقه قريب في بعده بعيد في قربه و هو قوله جل‏قدره الرحمن علي العرش استوي اي ليس شي‏ء اقرب اليه من شي‏ء اخر و جميع ماسواه خلق اخترعه لا من شي‏ء و ابتدعه لا لشي‏ء خلق الكل بمشيته و صورهم علي حسب ارادته و عينهم علي مقتضي قدره و ركبهم علي طبق قضائه و تممهم علي وفق امضائه و رتبهم علي حكمة وضعه و نهاهم الي منتهي اجله و كتبهم في سابق كتابه ليس فيهم ما يخالف مشيته و لايوجد فيهم ما يمتنع عن ارادته و هم اذل و احقر من ان‏يخرجوا عن تحت سلطانه و ادون و اقصر من ان‏يتولوا عن امتثال امره و الانتهاء عن زجره سجد له سواد الليل و ضياء النهار علي حد سواء و سبح له جميع ما في الارض و السماء انقاد لامره الكافر بكفره كما انقاد له المومن بايمانه كذب من زعم انه يوجد في ملكه ما لايريد و افتري من ظن انه يكون خالق سواه فيما ينقص و يزيد و روي ما من شي‏ء في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن كان يزعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرك و قال الصادق7 خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية و قال جل‏شأنه قل الله خالق كل شي‏ء ولو قال قائل ان الخلق عند الخالق جل‏جلاله في الطاعة و الانقياد في حد العصمة الملكية لما قال شططاً فلايوجد في جميع خلقه من الدرة الي الذرة عاص و لا معرض ولو اعرض معرض طرفة

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 496 *»

عين لخرج من عرصة فسحة الوجود الي مضيق العدم سبحانه سبحانه سبحانه عن ان‏يكون في خلقه ما لايريد قال7 هي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة فتعالي عما يقول الظالمون علواً كبيراً   و ان من شي‏ء الا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم، كل قدعلم صلوته و تسبيحه   فلا كافر بالنسبة اليه و لا عاص و لايستحق احد من هذا الحيث منه سخطاً و لا عقاباً فان من وجد فقد امتثل قوله كن و جزاه الله بجنة الوجود و هو يتمتع منه ابداً علي نحو الخلود كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذوالجلال و الاكرام و هو وجه الشي‏ء و يشير اليه علي وجه قوله كل شي‏ء هالك الا وجهه و ذلك ان ما دخل عرصة الوجود و كتب في لوح العلم لايخرج منه لايضل ربي و لاينسي.

ثم للخلق في الخلق مراتب هي من كمال الخلق مبدأ نور ينتهي اليه جميع الانوار المنبثة في الخلق و مبدأ ظلمة ينتهي اليه جميع الظلمات المنتشرة  في الخلق و تفقد الظلمة ما في النور من الوحدة و الكمال و القوة و القدرة و الصفاء و اللطافة كما يفقد النور اضداد ذلك مما في الظلمة و سمي مبدأ النور بالعقل و مبدأ الظلمة بالجهل و جميع الانوار اثار العقل و اشعته و جميع الظلمات اظلال الظلمة و سواده و الخلق الذين بين هذين المبدأين صالحون للتوجه الي احد المبدأين و الاكتساب منه فان هذين هما المبدءان الشرعيان و الخلق من غير ملاحظتهما خلق كوني امة واحدة صالحة للاستنارة من مبدأ النور و الاظطلام من مبدأ الظلمة و لهم الارواح الثلثة روح البدن الذي به يدبون و يدرجون و روح القوة الذي به يقوون علي المشاق و الاعمال و يدفعون المكاره و روح الشهوة الذي به ياكلون و يشربون و ينكحون و يطلبون المحاب و يشاركون الحيوانات في هذه الارواح الا انها فيهم اقوي و علي ما يليق بالحيوان الناطق فمن توجه منهم الي مبدأ النور استنار و وقع النور منه عليه و انطبع في مرءاته فصار انساناً و مومناً و ذلك ان الانسان الشرعي هو ذلك النور و هو روح الايمان و هو النفس القدسية التي هي من ارض العلم و ليس له منبعث من البدن و غرسها في الجنان و سقيها من ماء الحيوان و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 497 *»

غارسها يد الرحمن فذلك النور اذا اشرق علي وجوده صار فواداً عارفاً بالله جل‏وعز بمقتضي اعرفوا الله بالله و المعرفة من صنع الله ليس لمخلوق فيها صنع و اذا وقع علي مشعره المدرك للكليات اي قلبه صار عقلاً و فاز باليقين و شاهد الفضل و عبد الرحمن و اكتسب الجنان و اذا وقع علي روحه صار روحاً ملكوتياً و براقاً يعرج به الي مدارج القرب و اذا وقع علي نفسه صارت ناطقة قدسية عالمة بالحق و اذا وقع علي جسده صار عاملاً بما يحب الله متهيئاً علي هيأة رضاء الله.

بالجملة ذلك النور المنبث علي صفحات مراتب كونه هو النفس القدسية و روح الايمان و روح الانسان الباقي بعد خراب جدار البدن القائم بمنيره المخلد في الجنان الراجع الي الرحمن صدوراً و بالنفس الكونية التي هي دهرية ذلك الجدار ظهوراً له مادة من تاييد العقل و صورة من علمه و عمله فاذا خرب جدار بدنها و عاد الي اصوله عود ممازجة بقي تلك النفس و عادت عود مجاورة ممتازة بصورة علمها و عملها لها مادة نوعية هي نور الله و صورة نوعية هي رحمة الله و هما الماء النازل عن سماء المشية الشرعية المعبر عنها بصل و صم و امثالهما و مادة شخصية و هي حصة من ذلك الماء و صورة شخصية هي من صنع مرآة الشخص الكوني و هيأتها فالمصلي مثلاً هو نفس زيد المخصوصة له فواد و عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و جسد كلها انوار الشارع الواقعة علي صفحات مراتب الاكوان و قدعلمت ان الفرق بين الناطقة و الحيوانية و النباتية ان النباتية و الحيوانية بدئتا من ظاهر الزمان و غيبه و هما من ظل شارع زماني فاذا انقضي الزمان انقضي الشارع و المتشرع و مثال ذلك سراج اشعلته فاستنار الجدار ثم اطفأته فاظطلم الجدار و لما كان تركيب النفس النباتية و النفس الحيوانية من الاجزاء الزمانية كان تفككهما في الزمان و اما الناطقة القدسية فهي من تاييد العقل الدهري و هي مركبة من اجزاء دهرية لاتفكك لها فهي تبقي بعد خراب القابلية و هي البدن المركب من الجمادية و النباتية و الحيوانية فلاتموت بموت مركوبها و خراب مرعيها و بوار ارضها و اما بقاء شخصيتها مع فناء مبدأ الشخصية فوجهه ان القابلية لها وجهان وجه زماني يفني بفناء الزمان و وجه دهري و هو ما

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 498 *»

فيها من نفس ناطقة كونية منجمدة ببرد القابلية و هي التي اذا لم‏تكن روح ايمانية تبقي في القبر كالمدر و يلهي عنها و هي بالشرع تتلطف و تصفو و تتنبه و تصير حية بحيوة الايمان و هي في القابلية بمنزلة النار الكامنة في الدهن حيث تحيي و تظهر بنار بالفعل تمسها فكذلك في الجماد و النبات و الحيوان نفس ناطقة كونية هي من تنزل العقل حين ادبر الي التراب و هي المخاطبة المكلفة الممتثلة اصلها من الدهر و رجوعها الي الدهر و عليها وقع الامر و النهي قال اياك امر و اياك انهي و اياك اثيب و اياك اعاقب و الفاني من القابلية وجهها الزماني و الباقي منها وجهها الدهري و تشخص النفس الناطقة القدسية بتلك النفس الكونية و هي باقية دهرية مكلفة مثابة معاقبة.

بالجملة من توجه منهم الي مبدأ النور استنار و صار انساناً و تصور بصورة صفات الله بمقتضي خلق الله ادم علي صورته قال تعالي خلقنا الانسان في احسن تقويم و ذلك النور هو عليون و ما ادريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون و من توجه منهم الي مبدأ الظلمة اظطلم و وقع علي صفحات مراتبه ظلمة الجهل و ظله و ذلك الظل هو النفس الامارة بالسوء و يصعد ذلك الظل من بطن الجماد فينصبغ بصبغه ثم من بطن النبات فينصبغ بصبغه ثم من بطن الحيوان فينصبغ بصبغه ثم يقع علي النفس الكونية الدهرية التي هي غيب هذه القابلية فيتصور بصورة ذلك الظل الاتي من الاسفل فتتصور اما بصورة جماد او نبات او حيوان او شيطان نعوذ بالله بخلاف النور الاتي من مبدأ النور فانه ياتي النفس الكونية من اعليها و اَمامها فينزل علي صرافتها و علي صفة محبة الله ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و لما كان الظل ياتيها منصبغاً باصباغ القوابل يكون علي تلك الهيئات فان غلب عليه الجمادية يكون جماداً و حجراً ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة و ان غلب عليه النباتية يكون نباتاً و شجراً و اذا رايتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كانهم خشب مسندة و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 499 *»

اذا غلب عليه الحيوانية يكون حيواناً ان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون و اذا غلب عليه الجنية كان منهم يامعشر الجن قداستكثرتم من الانس و قال شياطين الانس و الجن يوحي بعضهم الي بعض  و شاركهم في الاموال و الاولاد فهولاء كتابهم في سجين و ما ادريك ما سجين كتاب مرقوم  فلا انسان في جهنم و سجين و لا غير انسان في الجنة و في عليين و قدثبت بالبراهين النيرة ان محمداً و ¨ال محمد: هم اصحاب العقل الكلي و روح‏القدس و هم اصل كل خير و من فروعهم كل بر و اعداؤهم اصحاب الجهل الكلي و الشيطان الاعظم و هم اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة و ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي‏القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون فاتباع ال‏محمد: هم اصحاب النور و الميمنة و اصحاب اعدائهم هم اصحاب الظلمة و المشأمة.

فصـل: ان كل شي‏ء موجود و الوجود نقيض العدم و العدم نفي الوجود فان كان الوجود ذاتياً كان عدمه الامتناع فلا نقيض حقيقة و ان كان وصفياً كان عدمه نفيه و الوجود الذاتي هو وجود الحق جل‏شأنه فعدمه ممتنع فهو واجب لايتغير و لايتبدل اذ التغير عن الوجود الذاتي الوقوع في الامتناع و يجري هذا الحكم في الذات الظاهرة اي الكائن الاول اذ لايعقل فيه وصفية فهي الذات و الذات في الذوات للذات فعدمها امتناع و وجودها واجب و لايلزم من ذلك تعدد القدماء اذ الذات الظاهرة ظاهر الذات الغيبية و موصوفيتها و ذاتيتها و مسمائيتها و هي لها لالنفسها فافهم ان كنت تفهم والا فاَسلِم تَسْلَم.

بالجملة الوجود في اي رتبة هو  هو يحب نفسه بمحبة ذاتية و ينافي عدمه بمنافاة ذاتية فيكره عدمه بكراهة ذاتية و ارجع الي معني ما اقول لا الي الفاظه فتضل فكل موجود يحب نفسه و دوامها و بقاءها و قوتها و نشاطها و كل ما يؤدي الي ثباتها و يكره عدمها و زوالها و فناءها و ضعفها و كسالتها و كل ما يؤدي الي

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 500 *»

تزلزلها و ذلك سجية لكل شي‏ء دخل عرصة الوجود و لا شك ان الوجود بقاؤها و دوامها و ثباتها بموجدها و امداده و هو اقرب اليه منه و اولي به منه بل له تحقق اذ لوحظ الموجد فيه كما ان النور نور اذا راي المنير منه والا فهو ظلمة فلو عرف الوجود موجده لكان اشد حباً له من حبه لنفسه و الذين امنوا اشد حباً لله بل يحب وجوده له فانه اولي به منه فما زعمه بعضهم ان الانسان يحب كل شي‏ء لنفسه خطاء و يمكن ان‏يحب الانسان غيره و نفسه له فافهم.

فالانسان العارف بموجده يكون اشد حباً لموجده من حبه لنفسه البتة و كذلك يحب جميع ما هو من موجده و الي موجده و لموجده فان جميع ذلك اسباب تقويته و تنميته و بقائه و اشتداده و يكره معدمه ان عرف و جميع ما هو من معدمه و الي معدمه و لمعدمه فان جميع ذلك اسباب فنائه و تضعيفه و تاديته الي الفناء و لابد للانسان من معرفة الموجد و المعدم و تجب عقلاً  حتي يحصل اسباب البقاء و يفارق اسباب الفناء و ان الله سبحانه لما خلق الخلق لغاية هي التقرب اليه و حصول البقاء و القوة و القدرة لهم و علم ان اكوان الخلق لاتبقي و لاتقدرعلي تحصيل الغاية الا بالتعليم و اراءة سبيل الحق و الباطل و الخير و الشر و النور و الظلمة هداهم الي سبيلي الخير و الشر و نصب عليهما اعلاماً بينة لاتخفي علي من كان علي الفطرة و لم‏يفسد سجيته بالشكوك و الشبهات بحيث يحصل اليقين لمن طلب الحق ان هذا سبيل النور و هذا سبيل الظلمة و عرفهم مبدأ النور و مبدأ الظلمة و ما فيه قوة وجودهم و بقاؤهم و دوامهم و نشاطهم و قوتهم و قدرتهم و ما فيه اضداد ذلك بالبينات و الزبر و له الحجة البالغة فوجب بحكم العقل السليم محبة الله و محبة رسله و اوليائه الدعاة الي قوة الوجود و بقائه و محبة اوليائهم و ما لهم و بهم و منهم و اليهم و من احب اولئك فهو من الله و الي الله و حبه دليل ذلك اذ لم‏يحب الا ما يناسبه و كفي فخراً بمناسبة محمد و ال‏محمد و اوليائهم و كون الرجل ممن يتقوي به وجوده و وجب عداوة الشيطان و اوليائه الم اعهد اليكم يابني‏ادم الاتعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين و ان اعبدوني هذا صراط

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 501 *»

مستقيم ومن احب اولئك فهو منهم و اليهم و من يتولهم منكم فانه منهم و من يتولهم فاولئك هم الظالمون و كفي بحب اعداء الله دليلاً علي انقطاع الرجل من الله و من مبدأ النور فيضعف وجود روح ايمانه شيئاً بعد شي‏ء حتي يموت و يصير خالصاً و في الحقيقة لا محبة بين اعداء الله لانه كلما دخلت امة لعنت اختها و ان كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض الا الذين امنوا  و اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و قال انما اتخذتم من دون الله اوثاناً مودة بينكم في الحيوة الدنيا ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض و يلعن بعضكم بعضاً  الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين لانهم حطب نار ياكل بعضها بعضاً و يصول بعضها علي بعض و فيهم شركاء متشاكسون و ينافي بعضهم بعضاً و يريد كل واحد عدم الاخر و الاستقلال فلا محبة بينهم بوجه و لذا قال الله تعالي ان المومنين و المومنات بعضهم اولياء بعض و قال ان المنافقين و المنافقات بعضهم من بعض.

بالجملة لا توادد بين اهل سجين الا بالعرض هذا و كل واحد ان كان يتقوي من صاحبه في جهة يتضعف منه من جهة هذا و قوته مهلكته فلا قوة في الحقيقة فلاتوادد في اهل سجين حقيقة الا موادة ظاهرة في الدنيا ما لم‏يكشف اغطية ابصارهم و عليهم بعض اللطخ مما يصلح للتودد فاذا زال اللطخ و بليت السراير و راي كل واحد ان الاخر مسرع في هلاكه شنأه لامحالة و من لم‏يعمِ الله عين بصيرته و تدبر و انصف راي راي‏العين ان الانبياء و الاولياء دعوا الي الله وحده و الي اسباب القوة و البقاء و الدوام و الي الاخوة و الالفة و الاجتماع و الاتحاد و نهوا عن صفات الجمادية و النباتية و الحيوانية و الشيطانية و دعوا الي الصفات الانسانية و ما يشهد بحسنه كل عقل سليم فوجب محبتهم و محبة اوليائهم و اخلاقهم و صفاتهم و متابعتهم و متابعيهم ولو تدبر و انصف عرف علانية ان اعداءهم يدعون الي الجهل و الحمق و الركون الي الدنيا الفانية و الظلم و الغشم و الفساد و انكار الحق و غمصه و غمص اهله و اللهو و اللغو و ما يشهد كل عقل سليم بقبحه فوجب بغضهم و بغض اخلاقهم و صفاتهم و متابعتهم و متابعيهم و في هذا الحب و البغض

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 502 *»

نجاة العبد و هذا الحب و البغض اصل الدين و حقيقته و ساير الاعمال فروعهما و اثارهما كما روي انه سئل الحجة7 هل الحب من الايمان فقال هل الايمان الا الحب فكما يجب علي المومنين محبة اولياء الله يجب عليهم البراءة من اعداء الله فان الادبار عن الظلم تمام الاقبال الي النور و لايكاد يجتمع الاقبال اليهما بل و لا الادبار عنهما.

و تبين مما بينا ان الصوفية الذين يقولون بمصالحة الكل و يوالون الكل هم بريئون من دين الله و مخالفون كتاب الله و سنة رسول‏الله9 و كفروا بما انزل الله علي محمد رسول‏الله9 و هم ارجاس و انجاس كالذين يوالون اعداء الله او يبغضون اولياء الله و تبين ان الذين يعادون اولياء الله كفار نصاب ارجاس انجاس و ان الطريق الحق و الصراط المستقيم ان‏يوالي المومن اولياء الله و يعادي اعداء الله و ان‏يكون ذلك ركناً من اركان دينه و ليس ذلك علي حد ساير الفروع بل هو اصل جميع ما سواه من فروع الدين من فروعه و تفاصيله كما عرفت.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 503 *»

الخاتمــة

في ذكر شطر من امر الاخوان المنقرض في هذا الاوان

ولما كان ذلك من متعلقات الركن الرابع بل تمام اركان الايمان بل ما يمتحن به جميع اصناف اصحاب الاذعان احببت ان‏اذكر هنا شيئاً منه لئلايخلو كتابنا منه و لان‏يكون ختامه مسكاً و لاحول و لا قوة الا بالله و فيها فصول.

فصـل: اعلم انا قدمنا مكرراً في هذا الكتاب ان الاحد جل‏شأنه نسبته الي الكل علي حد سواء ليس شي‏ء اقرب اليه من شي‏ء اخر و هو النافذ باحديته في جميع امكنة وجودية خلقه و اولي بكل شي‏ء من كل شي‏ء و اوجد من كل شي‏ء في كل شي‏ء و اقرب الي كل شي‏ء من كل شي‏ء فلما خلق مبدأ النور بقوته استضاء و اشرق علي القوابل الامكانية و بقوته استشرق من تلك القوابل ما استعد لقبول تلك الانوار و لما خلق مبدأ الظلمة بحكم المقابلة و تمام النور بنعمته اظلم و انتشر ظلمته في عرصات الامكان حتي اظطلم بظلمتها بنعمته ما كان مستعداً للاظطلام و قدعرفت ان المبدأين في عرصة التشريع فجميع اهل الانوار مرجعهم الي مبدأ النور و لهم مادة نورية يشتركون فيها و صورة من اعتقادهم و علمهم و عملهم بها يمتازون و لكل درجات مما عملوا و الاعتقادات الحقة و الاعمال الصالحة هي رحمة الله الرحيمية المخصوصة بالابرار و ذلك قول الصادق7 ان الله خلق المؤمن من نوره و صبغه في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة و ذلك ان مبدأ النور مركب من مادة و صورة مادته نور الله و صورته رحمة الله المكتوبة قال كتب علي نفسه الرحمة و ذلك المبدأ هو نفس الله التي يكتب عليها الرحمة و قال و رحمتي وسعت كل شي‏ء فسأكتبها للذين يتقون و يوتون الزكوة و الذين هم باياتنا يومنون و صارت مادته النور لظهوره  في نفسه و اظهاره رحمة الله و خفاياها الكامنة في خزائنها و صورته الرحمة لان بها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 504 *»

تنعمها و ترقيه و دوامه و بقاؤه و قوته و قدرته و قبوله صفات الربوبية و اسماءها و لما كان مركباً من الجهتين ظهر في عالم التفصيل بشخصين و كثرة الاشخاص بعدد جهات حقيقة النوع فشخص يكون الغالب عليه جهة المادة التي هي الاب و شخص يكون الغالب عليه جهة الصورة التي هي الام فسمي احدهما بنور السموات و الارض و فضل الله لان النور فضل المنير و الاخر برحمة الله المكتوبة فقال تعالي قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون و قال و لولا فضل الله عليكم و رحمته مازكي منكم من احد ابداً.

فلما كان ذلك المبدأ مركباً من نور الفضل و صبغ الرحمة صار جميع انواره ايضاً مركباً من نور فضل و صبغ رحمة نوره اية النور الاول و علي حسبه و صبغه اية الصبغ الاول و علي حسبه فصار ابوه النور و امه الرحمة فلما فصلا  في عالم التفصيل قال الفضل انا و علي ابوا هذه الامة اي المرحومة و هما الوالدان الذاتيان الحقيقيان المقرونان بالتوحيد في قوله و قضي ربك ان لاتعبدوا الا اياه و بالوالدين احسانا الاية و الارحام المذكورة في قوله فاتقوا الله الذي تساءلون به و الارحام و المذكورين في قوله و وصينا الانسان بوالديه حسناً فالمؤمن هو ابن رسول‏الله9 و ابن اميرالمومنين7حقيقة و هم ايضاً علي نوعين منهم من يغلب عليه سر ابيه و ظهور الفضل عليه اكثر و منهم من يغلب عليه سر امه و ظهور الرحمة عليه اكثر و منهما النقباء الذين قدغلب عليهم سر الاب و صاروا اصحاب امر و حكم و النجباء الذين قدغلب عليهم سر الام و صاروا بذلك اصحاب علم و عمل و صاروا تبعة للنقباء و للرجال عليهن درجة و الرجال قوامون علي النساء بما فضل الله بعضهم علي بعض و بما انفقوا من اموالهم و كذلك العلماء فاصحاب الحقايق منهم يغلب عليهم جهة الاب و اصحاب الظواهر منهم يغلب عليهم جهة الام و كذلك ساير رعيتهم فمنهم الغالب عليهم جهة الاب و لهم رياسة و متبوعية و منهم الغالب عليهم جهة الام و فيهم تبعية و الجميع اولاد ذلك المبدء و اله.

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 505 *»

فصـل: اعلم ان هذه الاولاد علي ثلث درجات بالنسبة الي المكلف فبعضهم اكبر منك و المراد اقوي منك نوراً و اكثر اغتماساً في بحر الرحمة فهم اقرب الي المبدء منك و بعضهم مساوون لك و اترابك في النور و الرحمة و بعضهم اصغر منك فهم اضعف منك نوراً و اقل علماً و عملاً و لكل منهم حق علي قدر حكايته للمبدء فان الحق كله له و مجمل القول ان جميع ما لَك و بك و منك للمبدء و هو اولي بك منك فضلاً عما لك فاذا كان المبدء اولي بك و بما لك فانت و ما لك لابيك كما قال رسول‏الله9 فاينما كان ابوك اشد ظهوراً كان هو اكثر استحقاقاً بك و بما لك و اينما كان ظهوره مساوياً لما ظهر لك كان استحقاقه بك و بما لك مساوياً لك و اينما كان ظهوره ادني من ظهوره لك كان استحقاقه ادني فالذي اكبر منك اولي بعقلك و روحك و نفسك و مشاعرك و حواسك و اعضائك و مالك و بيتك و حشمك و دوابك و ملكك ان‏تستعملها في مصارفه و طاعته و خدمته و في سبيله فما فضل من ذلك فهو لك كما ان ما يفضل منك لمن هو اصغر منك و انت اولي بما لك منه و ينبغي ان‏تواسي في جميع ذلك تربك فانكما في الحكاية سواء و نحن قدكتبنا في ذلك كتاباً مخصوصاً سميناه بـ ابواب الجنان و استوفينا فيه امر الاخوان و اقسامهم و حقوقهم و لم‏يصنف فيما اعلم كتاب مثله يغني غناه فان اردت التفصيل فاطلب ذلك الكتاب هاه هاه ذلك تكليف يحصحص عنده جميع الناس الا الاقلون و هلك فيه الاكثرون الا ان‏يتعافون فيعفو الله عنهم و ذلك اشد ماكلف الله به خلقه كما روي اشد الاعمال ثلثة ذكر الله في كل حال و مواساة الاخوان بالمال و انصاف الناس من نفسك و من انصاف الناس ما ذكرته لك و لو جعلت الاقسام الثلثة التي ذكرت في الخبر تلك الاقسام التي ذكرناه فذلك باطنه الاخفي و كفي بعظمة هذا التكليف اعتراف جابر بن يزيد الجعفي بالعجز عن ادائه مع ما هو عليه من العظمة * و ذلك بحر ضل فيه السوابح* لاسيما في هذه الاوقات التي قداندرس فيها اثار الاخوة و شاع و فشا في الناس الشحناء و العداوة بحيث لاتكاد تجد قلبين متفقين ابدانهم مجتمعة و قلوبهم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 506 *»

متفرقة ظواهرهم شاء ملتئمة و بواطنهم ذئاب ضارية ولو وجدوا قلبين متمايلين سعوا جهدهم في تفريقهما و القاء الشحناء بينهما حتي يصيرا مثلهم و لنعم ما قال  ابوطالب7:

يعيب الناس كلهم الزمانا و ما لزماننا عيب سوانا
و ان الذئب يترك لحم ذئب و ياكل بعضنا بعضا عيانا

و لذلك خفي المخلصون و استتر المقربون و اعتزل عن الناس الكاملون و تركوهم يموج بعضهم في بعض و يكلم بعضهم بعضاً  و ياكل بعضهم بعضاً  يتعادون و يتعاوون و يتباغون و يتخاذلون و يتعاركون و يتقاتلون علي ما تري قال7 الناس كلهم بهائم الا المومن و المومن عزيز قاله ثلثاً و لعمري ان في التفكر في احوال اهل الدنيا لمنزَجَر للعاقل الفطن و مُعْرَضةٌ عن الدنيا و ما  فيها و مستوحَش يشمئز منه النفس ولكني اقول في بعض الشعر لما كنت منهم:

اري كل من القاه يشكو قرينه و يلهف من فقد الصديق الموافق
و اني اري مني التقاصر ان بدت مخالفة حاشا الخليل المرافق
ولو كنت ذا رفق و موثر خله علي نفسه لم‏تلف غير المصادق

فاري جميع القصور و التقصير من نفسي لا من المومنين فان الميزان موافقة المبدأ فمن وافقه في اختياره فهو علي الحق و كل من خالفه فيه فهو علي الباطل و اني اري من نفسي اني لم‏اوافق المبدء في صغير و لا كبير فكيف لايكون التقاصر مني و اني استغفر الله الذي لا اله الا هو و اتوب اليه مما قصرت في حقوق الاخوان و لاحول و لا قوة الا بالله العلي العظيم.

فصـل: اعلم ان الله سبحانه لما خلق الخلق في العالم الاول عالم الذر خلقهم اكواناً صالحة للتلبس بصورة الايمان و التلبس بصورة الكفر و هو قوله كان الناس امة واحدة ثم ارسل اليهم الرسل و عرض عليهم التكليف فمنهم من اقبل و منهم من اعرض فمن اقبل خلق الله له طينة معجونة من ماء التكليف و طين قبوله و البسه

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 507 *»

اياها و كانت تلك الطينة من ماء الجنة و ترابها فطينة المومن روضة من رياض الجنة و من اعرض خلق له طينة معجونة من ماء دعوة رؤساء الضلال و هو الماء الاجاج و طين اعراضه عن الحق و قبوله اياها و البسه اياها و كانت تلك الطينة من ماء حميم جهنم و تراب خبالها فطينة الكافر المعرض واد من اودية جهنم ولاتركنوا الي الذين ظلموا فتمسكم النار و ان جهنم لمحيطة بالكافرين قال7 هم النار هم النار هم النار ثم اماتهم فاقبرهم في ارض الطبايع و امتزجت الطين فاختلطت او التطخت حتي اذا اخرجهم منها في هذه الدنيا خرج المومن و فيه لطخ من الكافر او خلط و بالعكس ولو كانوا علي صرافتهم لمااشتبه اهل الباطل بالحق فانه لم‏يكن من مومن الا و يري في وجهه نضرة النعيم و هو علي صورة انسان و عليه جمال و نور و بهاء و لم‏يكن من كافر الا و يري في وجهه غبرة ترهقها قترة و هو علي صورة السباع و البهائم ولكن لما جاء اللطخ و الخلط اتصف بعض هولاء بصفة هولاء و بعض هولاء بصفة هولاء فهنالك جاء الافتتان ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة ثم جعل الله جل‏وعز من فضله علائم للفريقين فجعل علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نوراً و علي كل باطل اضداد ذلك قال تعالي بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه و قال ان الباطل كان زهوقا و قال مثل الذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتي اذا جاءه لم‏يجده شيئا و قال ليحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل الي غير ذلك من الايات.

بالجملة المومنون الذين حدث فيهم اللطخ و الخلط هم الذين رضعوا بثدي الكفر فصاروا اخوان الكافرين بسبب خلطهم بهم و الكافرون الذين حدث فيهم لطخ الايمان فقد رضعوا بثدي الايمان فنبت علي هولاء لحم الايمان و حصل لهم بعض الاخلاق و الاعمال الحسنة و نفس تلك الاعمال من لبن ام‏المومنين و للرضاع لحمة كلحمة النسب فصاروا اخوة للمومنين من الرضاع و تلك اللحمة باقية مادام اللطخ باقياً فاذا زالت يرجعون الي اصولهم و كذلك للمومن الرضيع

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 508 *»

بثدي الكفر لحمة كلحمة النسب فهم من اولاد فحل الكفر و يجب البراءة عنهم ان لم‏يعلم حسن ذاتهم بسبب اخر الي ان‏يفيئوا الي امر الله و يزول عنهم اللطخ فيري علي وجنات المومن عكوس رؤساء الضلالة مادام اللطخ فيجب مقته و شنــٔانه و هجره و الاعراض عنه ان لم‏يعلم حسن ذاته والا فيجب البراءة من عمله كما  قال تعالي فان عصوك فقل اني بري‏ء مما تعملون و هم طيبوا الذات خبيثوا العمل و يري علي وجنات الكافر و ربما لم‏يعلم كفره الذاتي نور الولي الحق فلاجل ذلك يحبه المومنون و يحبه الناس لما ظهر منه اثار مبدأ الخير.

بالجملة لاجل ذلك يحصل لك اخوان اخ نسبي و هو الذي لابيك و امك و لم‏يرضع بثدي مرضعة غير امك و في الحقيقة هولاء الاقلون عدداً الاعظمون قدراً و هم السابقون المقربون و اخ نسبي و قدرضع بثدي غير امك و هولاء اكثر اهل الميمنة خلطوا عملاً صالحاً و اخر سيئاً و عسي الله ان‏يعفو عن هولاء ببركة ما جعل فيهم من الذاتية و كون ما سواه فيهم عرضياً و اخ رضاعي قدرضع بثدي امك و ليس لابيك و امك فهولاء لهم حق الرضاع و انك تراعي فيهم حرمة لبن امك مادام عليهم اثاره و لم‏يظهر كفرهم الذاتي كما كان رسول‏الله9 يعاشر المنافقين و يراعي فيهم حرمة ظاهر الاقرار فاعرف اخوانك و اد الي كل حقه فالاولون هم اخوان المصادقة الذين تامنهم علي دينك و نفسك و مالك و عيالك و هو كالنفس بل اكرم من النفس فان النفس تخون و هولاء لايخونون و اما الاوسطون فهم اخوان المكاشرة و بواسطة ذلك اللطخ ربما لايصادقون و لايامنهم الانسان علي دينه او نفسه او ماله او عياله فتكاشره حين تراهم و تعطيهم من نفسك ما يعطونك من انفسهم و تعاملهم بالصدق بقدر مايعاملونك به و انت علي حذر و اما الاخرون فاخوان اسلام فتواخيهم علي الاسلام ما يظهرون الاسلام فان بدا منهم بواطنهم تركتهم فقدزال عنهم الرابط بينك و بينهم.

فصـل: اعلم ان للمومن اخوات اخوة اخص و اخوة خاصة و اخوة عامة فالاخوة العامة مع جميع اهل الدعوة صغيرهم و كبيرهم و لهم حق الاسلام كأن

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 509 *»

لاتبيح مالهم و حريمهم و دماءهم و تسلم عليهم اذا لقيتهم و تصلي علي جنازتهم اذا حضرتهم و تدعو لهم و تبتغي لهم الخير و امثال ذلك من الحقوق العامة التي للمسلمين بعضهم علي بعض و ان كانوا اخوان رضاعة واقعاً و الاخوة الخاصة هي مع اهل مذهبك و ولايتك فلهم حقوق زايدة و ولاية زايدة و نصيحة و اخلاص ازيد مما للمسلمين و الاخوة الاخص هي في الذي تواخيه و تصادقه كما واخي رسول‏الله9 بين علي و بين نفسه صلي الله عليهما و الهما و بين ابي‏ذر و سلمان فالحقوق كل الحقوق لهولاء و هذه الحقوق هي التي يبرك كل احد دونها و يقصر كل احد عنها الا من عصمه الله و قدفصلنا تلك الحقوق في كتاب ابواب الجنان و لاتحضرني الان حتي اذكر منها هنا شيئاً و من البين ان تلك الحقوق يمتنع اداؤها الي كل اهل الدعوة او كل اهل المذهب الاتري ان من حقوقهم ان‏لاتهجره فوق ثلث كيف يمكن طوافك علي جميع المومنين و من حقوقهم المواساة كيف يمكن مواساة جميع المومنين فلم‏يبق في كفك الا هباء و من حقوقهم الايثار و عدم امكانه واضح فالحقوق الاخص للاخ الاخص و هو من واخيته في سبيل الولي علي ان‏تسلكا سبيله ذلولين مطيعين منقادين له معاوناً بعضكما بعضاً علي الخير مانعاً اياه عن الشر و طوبي لمن له اخ في الله يسكن اليه و يطمئن لديه و ويل لمن حرم اخاً في الله و ابتلي بمعاشرة الاعداء.

و اعلم انك اذا تشرفت باخوة من هو اكبر منك يجب عليك ان‏يكون مراعاتك له اية مراعاتك ابويك فانه خليفتهما عليك و ان واخيك من يساويك يجب عليك ان‏يكون مراعاتك له كمراعاتك نفسك و ان واخيت من هو اصغر منك يجب عليك ان‏يكون مراعاتك له كمراعاتك ولدك و ترحمه كما ترحم ولدك و تفاصيل جميع ذلك مذكورة في ابواب الجنان فلانطيل الكلام بذكرها لاسيما و انا في بعض القري و لايمكنني التفصيل لعدم وجود كتب احتاج اليها معي.

فصـل: اريد ان‏اذكر هنا بعض ما يمكنني من الاخبار لاشرف كتابي بذكرها و اقر عيون الاخوان برؤيتها ففي الكافي عن جابر بن يزيد الجعفي قال

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 510 *»

تقبضت بين يدي ابي‏جعفر7 فقلت جعلت فداك ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني او امر ينزل بي حتي تعرف ذلك اهلي في وجهي و صديقي فقال نعم ياجابر ان الله عزوجل خلق المومنين من طينة الجنان و اجري فيهم من ريح روحه فلذلك المومن اخو المومن لابيه و امه فاذا اصاب روحاً من تلك الارواح في بلد من البلدان حزن حزنت هذه لانها منها و عن مسعدة بن صدقة قال سمعت اباعبدالله7 و سئل عن ايمان من يلزمنا حقه و اخوته كيف هو و بما يثبت و بما يبطل فقال ان الايمان قديتخذ علي وجهين اما احدهما فهو الذي يظهر لك من صاحبك فاذا ظهر لك منه مثل الذي تقول به انت حقت ولايته و اخوته الا ان‏يجيئ منه نقض للذي وصف من نفسه و اظهره لك فان جاء منه ماتستدل به علي نقض الذي اظهر لك خرج عندك مما وصف لك و اظهره و كان لما اظهر لك ناقضاً الا ان‏يدعي انه عمل ذلك تقية و مع‏ذلك ينظر فيه فان كان ليس مما يمكن ان‏يكون التقية في مثله لم‏يقبل منه ذلك لان للتقية مواضع من ازالها عن مواضعها لم‏يستقم له و تفسير ما يتقي مثل قوم سوء ظاهر حكمهم و فعلهم علي غير حكم الحق و فعله فكل شي‏ء يعمل المومن بينهم لمكان التقية مما لايؤدي الي الفساد في الدين فانه جايز و عن معلي بن خنيس عن ابي‏عبدالله7 قال قلت له ما حق المسلم علي المسلم قال له سبع حقوق واجبات ما منهن حق الا و هو عليه واجب ان ضيع منها شيئاً خرج من ولاية الله و طاعته و لم‏يكن لله فيه من نصيب قلت له جعلت فداك و ما هي قال يامعلي اني عليك شفيق اخاف ان‏تضيع و لاتحفظ و تعلم و لاتعمل قال قلت له لا حول و لاقوة الا بالله قال ايسر حق منها ان‏تحب له ما تحب لنفسك و تكره له ما تكره لنفسك و الحق الثاني ان‏تجتنب سخطه و تتبع مرضاته و تطيع امره و الحق الثالث ان‏تعينه بنفسك و مالك و لسانك و يدك و رجلك و الحق

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 511 *»

الرابع ان‏تكون عينه و دليله و مرءاته و الحق الخامس لاتشبع و يجوع و لاتروي و يظما و لاتلبس و يعري و الحق السادس ان‏يكون لك خادم و ليس لاخيك خادم فواجب ان‏تبعث خادمك فيغسل ثيابه و يصنع طعامه و يمهد فراشه و الحق السابع ان‏تبر قسمه و تجيب دعوته و تعود مريضه و تشهد جنازته و اذا علمت ان له حاجة تبادره الي قضائها و لاتلجئه ان‏يسألكها ولكن تبادره مبادرة فاذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته و ولايته بولايتك و عن مرازم عن ابي‏عبدالله7 قال ما عبد الله بشي‏ء افضل من اداء حق المومن و عن عبدالاعلي بن اعين قال كتب اصحابنا يسألون اباعبدالله7 عن اشياء و امروني ان‏اسأله عن حق المؤمن علي اخيه فسألته فلم‏يجبني فلما جئت لاودعه فقلت سالتك فلم‏تجبني فقال اني اخاف ان‏تكفروا ان اشد ما افترض الله علي خلقه ثلثاً  انصاف المرء من نفسه حتي لايرضي لاخيه من نفسه الا بما يرضي لنفسه منه و مواساة الاخ في المال و ذكر الله علي كل حال ليس سبحان‏الله و الحمدلله ولكن عند ما حرم الله عليه فيدعه و في حديث عن ابرهيم بن عمرو اليماني عن ابي‏عبدالله7 اذا قال الرجل لاخيه اف انقطع مابينهما من الولاية و اذا قال انت عدوي كفر احدهما و اذا اتهمه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء.

بالجملة للمومن حقوق لاتحصي و انما ذكروا سلام‏الله عليهم ما ذكروا علي سبيل التمثيل و ذلك ان لهم من الحق ظل ما لامامهم و لامامهم مثل ما لنبيهم صلي الله عليهم اجمعين و لنبيهم ظل ما لله رب العالمين فلا غاية له و لانهاية الا ان فيما ذكروا لمعتبراً لمن وفقه الله و اعلم ان الاخوان الذين يجب علي الانسان ان‏يعاملهم بمثل هذه الحقوق لايمكن ان‏يكونوا كثيرين و الحد الوسط الذي يمكن للاقوياء اداؤها لهم اربعة و كلما كان اقل فهو اسهل و كلما كان اكثر فهو اصعب

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 512 *»

و طريق النجاة لمثلنا واحد اللهم الا ان‏يواخي الانسان اخوة و يشترط عليهم العفو عما قصر في حقهم و ذلك اللازم في حق كل واحد فان كل واحد منهم يعجز عن اداء حق الاخر فالتعافي بينهم طريق النجاة  ولاقوة الا بالله العلي العظيم.

فصـل: اعلم ان المؤاخاة بالمصادقة هي حقيقة دليل صدق توحيد المرء و اقراره بنبيه9 و ولايته لائمته: و انما الناس يفتنون بذلك فمن عمل بمقتضاها فهو الموحد المسلم الشيعي حقاً والا فلا و ذلك لان ذات الله جل‏وعز لاتنال و لاتدرك بالحواس و لاتلمس بالاخماس و لا مناسبة بين احد و بينها حتي يتحقق حب احد له و انما يعتبر حبه بحب رسوله9 و الرسول9 هو المخلوق من البحبوحة العلياء حيث لا ارض و لا سماء و هو اية غيب الله جل‏جلاله و هو اجل من ان‏يوصف و اعظم من ان‏يعرف و لايقاس بالناس فلا مناسبة بينه و بين احد من الرعية فلايحس حبه حقيقة في قلب احد و لايتحقق الا بحب آله صلوات‏الله عليهم فمن احبهم فقداحب النبي9 و احب الله و من ابغضهم فقدابغض النبي9 و ابغض الله و ان ادعي حبهما و ان احس في قلبه احياناً شيئاً من حبهما فهو خيال عرضي و عدم حبه للال علامة عرضية حبهما فمحال ان لايناسب الرجل النبي9 و يحبه و محال ان‏يناسبه و لايناسب اله فمن لم‏يحب اله لم‏يناسبهم و من لم‏يناسبهم لم‏يناسبه و من لم‏يناسبه لم‏يناسب الله فلايحبهما بالذات ابداً و لما كان ال‏محمد: من نور محمد و من طينته صلوات‏الله عليهم اجمعين و هم لايوصفون و لايدركون و هم حيث لايدركهم الحواس و لايقاسون بالناس فيعتبر حبهم بحب شيعتهم الذين هم من شعاعهم الذي هو ظهورهم في رتبة الرعية و هيهنا يتحقق المناسبة و يحس المحبة و يدرك الاتصال فمن احب اخاه في الله فهو الذي وصل ولايته بولاية الال و من وصل ولايته بولايتهم فقدوصل ولايته بولاية رسول‏الله9 و من وصل ولايته بولايته فقدوصل ولايته بولاية الله فهو ولي الله و حبيبه حقا و كذلك من ابغض اخاه فقدابغض ال‏محمد و محمداً:

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 513 *»

و ابغض الله و ذلك ان محمداً جهة نسبة الله و اله جهة نسبته و المومن جهة نسبة الامام و المومن من الامام كشعاع الشمس من الشمس كما ان الامام من الله كشعاع الشمس من الشمس و هو ظاهره كما هو ظاهر الله و هو بيانه و معانيه و بابه و خليفته كما هو بيان الله و معانيه و بابه و خليفته و جميع ما قلنا في باب النبوة و الامامة بالنسبة الي الله يجري هنا بالنسبة اليهم و يقصر عن اكثر من ذلك البيان اذ للحيطان اذان و قدشحن الكتاب و السنة بادلة ما ذكرنا و قدذكرناها في ساير كتبنا و هنا سابقاً مفصلاً فلانعيدها بالجملة امر الاخوان اعظم فتنة فتن الله عباده به و اشد ما استخرج الله به كوامن القلوب.

فاعلم ان اعتقاد الناس اليوم بالله و برسوله و بحججه: و حبهم لهم و اخلاصهم فيهم بقدر ادائهم حقوق اخوانهم و هذا هو الذي يفتنون به كما يقول الله عزوجل احسب الناس ان‏يتركوا ان‏يقولوا امنا و هم لايفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين و ذلك ان الرئيس الذي استقر امره و استحكم سلطانه و ذل له رقاب الصعاب و وضع السلاطين نير مذلة طاعته في اعناقهم له خاضعين يسهل علي كل احد طاعته و الانفاق في سبيله و تحمل الاذي لاجله و ايثاره علي نفسه و قطع المسالك البعيدة في طريقه و ليس في عملهم بذلك دليل علي قوة ايمانهم و انما يمتحن الله الخلق بما يصعب علي نفوسهم و هو استعمال ما يسهل عليهم للسلطان الكبير لاحد من الاكفاء بامر السلطان و طاعته فهيهنا يفتضح الكافرون و يخزي المنافقون و يتعلل المتعللون و يعتذر بغير حق المعتذرون و يعرف المومنون و يفلح المسلمون و يظهر المطيعون اعاننا الله علي اداء حق الاخوان بحق سادات الانس و الجان و رزقنا عفوهم عما قصرنا في حقهم فاشهد اللهم انه ان كان لي علي المومنين من حق فاني قدعفوت عنهم و انت اولي بالعفو و كن لي شفيعاً اليهم حتي يعفوا عني و اعف عني بحق محمد و ال‏محمد: فاني مقر علي نفسي بالظلم و الاساءة و التقصير في اداء حقهم و حاكم عليها باستحقاق سخطك و اليم عذابك و ما لي بعد اقراري و حكمي علي نفسي الا عفوك و صفحك و غفرانك فاغفر اللهم

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 7 صفحه 514 *»

لي و لجميع اخواني من المومنين و اخواتي من المومنات و اصفح عن زلاتي في طاعتك و في كتابي هذا و ساير كتبي و ما بثثت من علم بين عبادك فاني ابتغيت علي كل حال اتباع كتابك و سنة نبيك و ال نبيك:.

و قد وقع الفراغ من تسويد هذه الاوراق لمسودها كريم بن ابرهيم

لثمان بقين من شهر ذي‏الحجة الحرام من شهور سنة

سبع و سبعين من المائة الثالثة‏عشر

حامداً مصلياً مستغفراً

 

([1]) المراد بالمعني الاخص من الاخص ان‏يكون الخلق ما خلق بالمشية. منـه­

([2]) المراد بالمعني الاعم من الاخص ان‏يكون الخلق ما خلق سواء كان بنفسه او بغيره فيشمل المشية ايضاً. منـه­

([3])  مولاي ظ.  منه­

([4]) صفة واحداً.