06-07 جوامع الکلم المجلد السادس ـ رسالة في مباحث الالفاظ ـ مقابله

رسالة فی مباحث الالفاظ

 

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 192 *»

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الفصل الثالث

في اللغة و هي اقسام القسم الاول في فائدة ايجادها و عللها و وضعها و مايتعلق بذلك و فيه مسائل:

المسألة الاولي في علة ايجاد اللغة و الحاجة اليها اعلم ان اللّه سبحانه بكرمه و جوده الانسان من آثار هياكل سبحات صفاته و جعله قطب دائرات افلاك مخلوقاته و شئون ذاته فكان جامعا لصفات جميع المخلوقات فلزمه ان يكون جامعا كثير الشئون فكان مدني الطبع لايحسن معيشته لو انفرد وحده بل لابد من ان يكون مع ابناء جنسه ليتعاونوا علي مايحتاجون اليه لنظام بقائهم و معاشهم و لايتم التعاون الاّ بالتعارف و التفاهم بان يعرّف المحتاج لمعينه ما في ضميره و يفهم المعين مراده و يعرف مقصوده و لابد لذلك من طريق يدلّ عليه و يوصل اليه و هو التعريف و المعرفة و لايكون التعريف الاّ بشي‏ء محسوس ليدركه المعرف بفتح الراء و ذلك اما ان يكون بنقش بان ينقش مايدلّ علي مطلوبه كالكتابة او حركة باحدي الاشارات الحسية او صوت يقطع علي هيئات تدلّ علي ذلك و هو اللفظ فاما الكتابة فتحتاج الي زيادة تكلف و طول زمان في تعريف هذه الشئون الكثيرة التي لاينفك عنها الانسان ابداً بل قد تدعو الحاجة الي تعريف احوال كثيرة و معان متعددة في اقصر زمان بحيث لو توقف تعريفها علي الكتابة وقع الفساد و (او خ‌ل) الهلاك كالمطرود الذي يستغيث بمن ينجيه من طارده فلو توقف ذلك علي الكتابة ادركه قبل ان يتناول القلم فضلا عن ان‏يكتب و يبعث خطه الي من يستغيث به مع ان الخط يبقي و قدتدعوا الحاجة الي عدم الاطلاع عليه اذ قد يحدث من الاطلاع عليه مفاسد كثيرة بل ربما قتل صاحبه و اما الاشارة فانها و ان كانت نفعت (تبعث خ‌ل) في تعيين الاشياء المشاهدة و لا مشقة فيها لكنها لاتعين

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 193 *»

المعاني و الامور الغايبة المعدومة و ان امكن استعلام بعض منها بها لايمكن استعلام الكل فلايستقيم بها النظام فهي و الكتابة غير صالحين لهذا الامر العظيم الكلي الذي عليه مدار النظام و استعلام الاحكام و اما اللفظ فانه سهل الاستعمال سريع التأليف يمكن به استعلام المعاني و الاعيان الحاضرة و الغايبة الموجودة و المعدومة و الصفات القائمة بموصوفاتها من قيام صدور و قيام عروض و قيام صدق و قيام تحقق بل جميع ماتنجلي به الافئدة و تشرق به القلوب و يتحقق في الصدور و الالفاظ انفسها كل ذلك يسهل تفهيمه و تفهمه بالالفاظ مع مافيها من عدم الكلفة و المشقة لانها حروف و اصوات تقطع من النفس الضروري الذي يضطرّ الانسان اليه لبقاء حياته فتجري الحروف المقطعة و الاصوات المتفرعة في ذلك النفس المتردد علي حكم الطبيعة فيخفّ استعماله و يهون ارتجاله لان النفس تطلبه الحيوة و الحروف و الاصوات انما هي منه خلجان تجري من نهره بضغط او قلع او قرع فتكون هنية سهلة التناول سريعة التداول واسعة التحاول و هي مع ذلك لابقاء لها اكثر من افادتها بل زمان بقاءها زمان صدورها فلايخشي من عاقبتها عند ارادة عدم الاطلاع لانها موجودة عند الحاجة اليها معدومة عند عدمها فكانت اولي من اختيها في التعريف و ادلّ في التوقيف و اسهل في التصريف فجعل اللّه سبحانه اللغات طريفا مهيعا للتعريف فخلقها و علّمها عبده آدم7 علم الانسان ما لم‏يعلم ليتمّ بها علي عباده نعمه فكانت اللغات و الحركات اللذان هما صفتان للمكلف طريقا واسعا للمكلف الي اللّه سبحانه في اداء معرفته و عبوديته و عبادته و سبيلا مهيعا للّه سبحانه الي المكلف في افاضة كرمه و ادامة نعمه و نشر رحمته فكانتا عديلين في هذين السبيلين فسبحان الذي اعطي كل شي‏ء خلقه و ساق الي كل مخلوق رزقه

المسئلة الثانية في تعيين الواضع اختلف العلماء في واضع اللغات فذهب ابوالحسن علي بن اسماعيل بن ابي‏بشير الاشعري و ابن فورك و جمع من الفقهاء الي ان الواضع هو اللّه تعالي و انها توقيفية بمعني انه اوقف عباده عليها بوضعها لمعانيها و طريق ذلك اما بالوحي او بخلق الالفاظ الموضوعة لمعانيها و اسماعها

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 194 *»

واحدا او جماعة كذلك او بخلق علم ضروري بوضعها لمعانيها و ذهب الاسفرايني و اصحابه الي توزيع الواضع و فسرّ الاكثر مراده بذلك بان ما يحتاج اليه في التفهيم و التفهم بان هذا موضوع لذلك المعني يكون بتوقيف اللّه علي نحو ما مر و الباقي من البشر باصطلاحهم منهم و قيل مراده بذلك ان ما عدا الضروري فمحتمل لان يكون من اللّه او من البشر و ذهب ابوهاشم و اصحابه و جماعة من المتكلمين الي ان الواضع هو البشر اما واحد او اكثر و عرف ذلك بالاشاراة و التكرار كما في الاطفال فانهم يتعلّمون بالترديد في الالفاظ و ذهب العلامة و بعض الاصوليين الي الوقف احتج الاولون بوجوه احدها قوله تعالي و علم آدم الاسماء كلها فانه ظاهر في انه هو الواضع و اذا ثبت ذلك في الاسماء ثبت في الافعال و الحروف لعدم القائل بالفصل و لاستلزام الافادة و الاستفادة من الاسماء لمعانيها الافعال و الحروف لتوقفها عليها و لانهما اسماء لمعانيهما في الحقيقة لان المراد من الاسم العلامة لمعناه و هما كذلك و تخصيص لفظ الاسماء بذلك الاصطلاح (اصطلاح خ‌ل) طار بعد الوضع و ثانيهما قوله تعالي و من آياته خلق السموات و الارض و اختلاف السنتكم و الوانكم و ليس المراد بالالسنة الجوارح المخصوصة باتفاق المفسرين و لعدم الاختلاف الكثير فيها و لعدم اعتباره في تعديد بدائع صنعه سبحانه علي تقدير ملاحظة تحققه و ذكر الالوان في تعديد بدائع الصنع لايوجب ارادة الجارحة اذ الظاهر ان المراد منها ليس خصوص الكيفيات من البياض و السواد و الحمرة و الصفرة و غير ذلك بل ما هو اعمّ منها و من الهيئات و المقادير التي يدخل فيها اختلاف الجارحة و غيرها فلو قيل ان ذكر اختلاف الالوان الشاملة للكيفيات و الهيئات و المقادير التي منها اختلاف الجوارح بالعطف علي اختلاف الالسنة المقتضي للمغائرة دليل علي ان المراد من الالسنة اللغات لا الجوارح المخصوصة لمكان متجها و ثالثها قوله تعالي ان هي الاّ ا

سماء سمّيتموها انتم و آباءكم ما انزل الله بها من سلطان فانه قد ذمّ اقواما علي تسميتهم بعض الاشياء من غير توقيف و لو لم

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 195 *»

‏يكن اطلاق الاسماء علي مسمّياتها توقيفيّاً لما صحّ الذم لمن سمّي شيئا باسم بدون توقيف فان قيل انما ذمّهم لاعتقاد الهية الاصنام لا لمجرد اطلاق اسم الالهة عليها قبل التوقيف علي ان الممنوع منه قبل التوقيف لو سلّم الاستعمال الحقيقي قلنا ان اعتقادهم الهيّتها المستلزم للاستعمال الحقيقي مع ان استحقاق الذمّ علي المجازي ادلّ علي المنع قبل التوقيف و رابعها لو لم‏تكن توقيفية لكانت اصطلاحية لكونها مستفادة من الوضع و الواضع هو اللّه تعالي او عباده و يتوقّف تعريف الاصطلاح علي اصطلاح آخر و هكذا فيدور او يتسلسل و خامسها لوكانت اصطلاحية لجاز تغيير ذلك الاصطلاح الاول و تبديله فيجوز ان يراد بالصلوة في هذا الزمان غير مايراد منها في الزمن الذي قبله فيرتفع الوثوق بخصوص اخبارات الشارع و احتجّ ابواسحق الاسفرائني و من تبعه علي التوزيع بماثبت من لزوم الدور او التسلسل بالتزام اثبات اللغات بالاصطلاح و بضرورة مايحدثه الناس في كل زمان من الفاظ وضعوها لمعان لم‏تستعمل قبل ذلك فيها فثبت بالاول ان مايتوقف تعريف المصطلح عليه فاللّه هو الواضع له و الموقف عليه بخلق علم ضروري او بوحي او بالهام او غير ذلك و باالثاني كون الواضع للباقي هو البشر باصطلاح منهم و احتجّ ابوهاشم الجبائي و اصحابه البهشمية بقوله تعالي و ماارسلنا من رسول الاّ بلسان قومه ليبين لهم فانه يدلّ علي سبق اللغات علي الارسال و لو كانت توقيفية لكان الارسال سابقا عليها لان التوقيف اما بالوحي فيلزم تقدّمه علي اللغة و اما بخلق علم ضروري في عاقل و يلزم ان يكون عارفا بالواضع الذي هو اللّه لتوقف معرفة الوضع علي معرفة الواضع فلايكون مكلفا بمعرفة اللّه تعالي و الاّ لزم تحصيل الحاصل فلايكون مكلفا مطلقا لعدم القول بالفصل و هو باطل لماثبت ان كل عاقل مكلف و ان كان في غير عاقل فهو ممايمتنع منه عادة معرفة اللغات الكثيرة العجيبة و التركيبات النادرة الغريبة و احتجّ العلامة و اتباعه و قوم ممن قبله علي الوقف باستضعاف ادلة الجميع (الجمع خ‌ل) و قصورها علي تشييد مثل هذا الامر العظيم لقيام الاحتمال المساوي في

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 196 *»

جميعها مع عدم توقف شي‏ء ممايحتاج اليه الفقيه علي ذلك بعد اتفاق الكل علي ثبوت الرد اليها و الاعتماد اليها و الاقوي عندي المذهب الاول و هو ما ذهب اليه ابوالحسن الاشعري و هو المسمي بمذهب التوقيف لنا ما ذكر سابقا من الادلة الخمسة و قوله تعالي قل اللّه خالق كل شي‏ء و امثال ذلك من الايات المتناولة بعمومها ما نحن فيه خرج من ذلك العموم ما علم بالدليل ان العباد فاعلون له من افعالهم و صنائعهم و اعمالهم بحمل الخلق فيها علي خلق الاسباب و الالات الظاهرة و القوي الباطنة و الالهامات و الارشادات و امثال ذلك مما قام الدليل الشرعي و العقلي و الوجداني علي اخراجه من ظاهر ذلك العموم و بقي الباقي مقهورا تحت سلطنة الواحد القهار و هو قوله تعالي قل اللّه خالق كل شي‏ء و ماقيل في الاعتراض علي الدليل السمي الاول من تجويز ان المراد بالتعليم الالهام و بعث العزم و الاقدار علي الوضع بخلق العلوم المحتاج اليها و نسب التعليم اليه لانه الهادي اليه كقوله تعالي و علمناه صنعة لبوس لكم اي الهمناه و ليس التعليم ايجاد العلم بل مايصلح ان يترتّب عليه العلم بدليل علّمته فلم يتعلّم و من ان المراد بالاسماء الصفات و العلامات مثل كون الفرس صالحا للركوب و الثور للحرث و الجمل للحمل اذ كل ما يميّز الشي‏ء فهو اسم و اما تخصيص الاسم بهذا اللفظ فاصطلاح طاو (طار خ‌ل) يحصل تعريفها بخلق علم ضروري من غير توسط الالفاظ و من جواز ان تكون تلك الاسماء قد اصطلح عليها قوم قبل آدم خلقهم اللّه فعلّم آدم لغتهم و ليس لقائل ان يقول ان ماقبل آدم ان فرض انهم اناس فباطل اذ ليس قبل آدم اناس و الاّ فباطل ايضاً لان الحيوان الناطق لايكون غير الانسان لانه يقال له قد دالّ الشرع علي خلق طوائف ناطقين ففي الحديث ان اللّه خلق الف الف عالم و الف الف ادم و انتم في آخر تلك العوالم و آخر اولئك الادميين الحديث سلّمنا نفي آدميين قبل آدم لانسلم ان غير الانسان لايكون ناطقا لنطق كثير من الحيوانات بالفاظ يعبّر بها عن معان دقيقة لايكاد يحيط بها كثير من العلماء قبل التنبيه بل بعض الانبياء كقصة النملة و احتجاجها علي نبي اللّه سليمان بن داود7 و غير ذلك و يجوز ان يكون علم اللّه آدم

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 197 *»

معني كل اسم من لغة واحدة و وضع ادم او غيره من الخلق ساير الاسماء من ساير اللغات علي المعاني المتعددة و لاينافي ذلك كونه علي خلاف الظاهر لابتناء المسئلة علي القطع فالجواب ان اريد من الالهام المحتمل من التعليم و بعث العزم و الاقدار علي الوضع الاقدار علي مطلق التصرف بخلق الالات الصالحة لسائر الاعمال من الظاهرة و الباطنة و الهداية لساير التصرفات فلايحسن اطلاق مثل ذلك علي التعليم في فصيح الكلام لما فيه من شناعة القول فان ممايصدق علي هذا النمط اعمالهم القبيحة لانها ممايصلح ذلك الاقدار لها و ان اريد الاقدار علي الوضع الخاص من تقطيع حروف مواد الاسماء و تعريف تأليفها و هيئاتها و تقديرها علي حسب معانيها فهو كاف في الاستدلال علي التوقيف علي ان هذا انما يتمّ بحصول صور ذلك كلها في الخيال قبل الشروع في الوضع و الاّ لامتنع الفعل المقصود قبل تصوره و تلك الصور هي العلم بذلك و لايمكن حصوله من انفسهم علي هذا الوجه و انما يكون من اللّه فيحسن حينئذ ان يكون التعليم ايجاد العلم و لايراد منه مايصلح ان يترتب عليه العلم الاّ اذا اريد منه علي الوجه الاول و هو مطلق التصرف و ارادته لاتحسن كما قلنا و لايحس ايضاً ان يراد من الاسماء الصفات لان المراد منها تمييز بعضها عن بعض و لايتميز بهذه الصفات بان يقال اعرف الثور من الجمل بان الثور للحرث و للحمل و انما تتميز بصورها انفسها و ليست مرادة او باسمائها كما هو المعروف و اما امكان تعليمها بخلق علم ضروري من غير توسط الفاظ ففيه ان العلم صورة المعلوم و المعلوم اما ذواتها او صفاتها او اسمائها لا جايزان يراد ذواتها و لا صفاتها لانه لايزيد علي تعريفها مشافهة و قد سمعت جوابه و اما اسماؤها فان اريد بالعلم القدرة علي ادراكها بحال ما فهو كما قلنا في الوجه الاول من تفسير الاقدار و ان اريد به تعيينها بارتسام صور الالفاظ المخصوصة او اقتدار تعيينها كما عيّنت له حين اراد تعليم غيره فهو التوقيف و طريان تخصيص الاسم باللفظ لاينافي الاحتياج الي اللفظ في الخطاب و التفهيم و التفهم بل لعله انما طرء التخصيص لمسيس الحاجة الي اللفظ في التفهيم و التفهم و

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 198 *»

لو جاز ان يكون اللّه علّم آدم لغة قوم خلقهم اللّه قبله لجاز ان تعرفها الملائكة لانهم قبل آدم و انما قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء لماعاينوه و عانوه من امر ابليس و الجان و النسناس الذين كانوا قبل آدم و ان قيل يجوز ان يكون قبله آدميون علّم اللّه آدم لغتهم قلنا فان كانوا في عالم الذر فليس خطابات عالم الذر بهذه العبارات و ان قيل انها في كل شي‏ء بحسبه قلنا نفي كلام اللّه سبحانه و خطابه للقلم الاول الذي جري عن امر اللّه و توقيفه بكل‏شي‏ء من الالفاظ و المعاني و غيرهما اولي و يلزم منه التوقيف و الاّ فيمنع من وجود خلق قبل آدم بهذه الحروف المقطعة و الالفاظ المعروفة و ان قيل بعدم وجود آدميين قبل آدم و بجواز وجود حيوانات ناطقة قلنا لم‏يجز كونها واضعة و ان فرض جوازه فلا يكون الاّ بالاقدار علي الوضع الخاص كما تقدم و اذا جاز ان يعلّم آدم معني كل اسم من لغة واحدة فما المانع من تعليمه ساير اللغات و مع ذلك كله فلايخفي ان كل هذه الاحتمالات خلاف الظاهر و لايبطل الاحتجاج مجرّد الاحتمال اذا لم‏يكن مساوياً و لاينافي ذلک دعوي ان هذه المسئلة مبنية علي القطع علي تقدير تسليمها لحصول القطع بالنظر الي رجحان الادلة و ضعف مخالفها اذ يمتنع المصير الي المرجوح فاذا تعين المصير الي الراجح حصل القطع بتحقق النسبة الحكمية التي هي نفس الحكم بالنسبة الي الادلة المتعين الرجوع اليها لراجحيتها لمطابقتها حينئذ للواقعي التكليفي فتنتقش في الذهن صورته و هو العلم كما مرّ في التعريف العلم بالاحكام الشرعية فراجع هذا علي تقدير تسليم كونها مما (يعتبر خ‌ل) يتعيّن فيه العلم و الاّ فالظاهر انها ممايكفي فيه الظن كغيرها من كثير مسائل من الاصول و الفروع مما هو اهمّ منها و ما قيل علي الدليل السمعي الثاني من انه لايلزم من كون اختلاف الالسنة من آياته كون اللغات توقيفية فان التوقيف علي وضع خلق سابق آية ايضاً و اذا قلنا الاصل في الاستعمال الحقيقة جوّزنا ارادة الجارحة و اختلافها يصدق عليه انه اية فان في كل شي‏ء له آية سلّمنا ان المراد منها غيرها لكن ارادة اللغات من الالسنة مجاز فكما يجوز صرف اللفظ عن حقيقته الي المجاز يجوز صرفه الي مجاز آخر و هو الاقدار علي الوضع و هو اية ايضاً و ليس الاول باولي من الثاني بل

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 199 *»

ربما قيل باولوية الثاني لانه ادلّ علي كمال القدرة فجوابه ان ايجاد اللغات المختلفة و التوقيف عليها اولي في مقام التمدح و الثناء علي ذاته بما هو اهله من التوقيف علي وضع سابق و لاسيما عند ملاحظة المناسبة لاول الاية في قوله تعالي و من آياته خلق السموات و الارض فان المناسب عطف عظيم علي الامر العظيم لا عطف حقير عليه و مثل هذا نقول في احتمالهم ارادة الاقدار و دعوي اولويتها علي ارادة اللغات ممنوعة فان اهل العرف يطلقون اللسان علي اللغة يقولون زيد يعرف لسان العرب اي لغتهم و لايطلقونه علي الاقدار عليها بل اطلاق اللسان علي اللغة حقيقة عرفية و لا كذلك اختلاف الاقدار فيكون اولي من الاقدار مع ان حمل الالسن علي الاقدار في الاية يوجب كون التقدير و من آياته اختلاف اقداركم علي وضع اللغات و يلزم منه اختلاف اقدار اللّه و هو باطل لقوله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و انما المختلف اوضاع اللغات لا الاقدار و قولهم ان ارادة اللغات مجاز و ارادة اللغات مجاز و ارادة الاقدار مجاز و لاترجيح لاحدهما مردودٌ بان المجاز الاول من باب اطلاق اسم السبب علي المسبب و هو احسن وجوه المجاز فيكون ارجح من الثاني مع احتياجه الي زيادة الاضمار المخالفة للاصل بخلاف الاول و ما قيل في الاعتراض علي الدليل الثالث السمعي فقد تقدم فيه جوابه و ماقيل في الاعتراض علي الدليل الرابع العقلي من انا نمنع افتقار الاصطلاح في تعريفه الي اصطلاح آخر بل يجوز ان يعلّم المصطلحون غيرهم اصطلاحهم و بعضهم بعضا بالقرائن و الترديد كما يعلّم الابوان الطفل لغتهما من غير تسلسل فجوابه انما امكن تعليم الاطفال لغة آبائهم بالقرائن و الترديد لان آبائهم يتخاطبون بلغة مستقرة معروفة بينهم فاذا خاطب احدهم الاخر بمايعرف اجابه بمايعرف الاول فعرف الطفل تلك اللغة بالترديد في التخاطب بين العارفين لتلك اللغة بخلاف صاحب الاصطلاح فانه لايعرف الاخر خطابه و لا جوابه و لا مراده و ليس معه الاّ الاشارة و هي لاتنهض باسرار العبارة فلابد للتفهيم من العبارة اللهم الاّ ان ذلك من القادر علي خلق علم ضروري فيمن يخاطبه يعرف به معني خطابه من عبارته غير محتاج اليه و ذلك ما كنا نبغي و ما قيل علي الدليل الخامس العقلي من ان مايرتفع

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 200 *»

فيه الامان عن الشرع فلايبقي وثوق بخصوص اخباراته انما يلزم من وقوع التغيير لا من جوازه العقلي لكن التغيير لم‏يقع و الاّ لكان مشهورا لانه مماتتوفر الدواعي علي نقله فجوابه الاّ نري بالجواز العقلي لانه لايمتنع علي التوقيف و علي الاصطلاح و انما نريد به الجواز العادي كما هو لازم علي الاصطلاح لا علي التوقيف فانه لو كان ذلك عن اصطلاح جاز وقوع اصطلاح آخر عادة ثم لايخلوا اما ان يراعي الشرع الاول خاصة و هو ترجيح من غير مرجح لان الاول و ان كان اقرب الي الاولين لكن الاخر اقرب الي الاخرين فيكون قد ضيّعهم او يراعي الثاني و يلزم منه تضييع الاولين الذين كانوا في زمنه و لم‏يؤسس لهم دينا فلم يصدق عليه انه ارسل بلسان قومه و لم‏يبين لهم او يراعي الجميع و يلزم ان يبين لكلا الفريقين بلغتين لفرض مغايرة الاصطلاحين او زيادة الثاني و لم‏يقع منه ذلك فيرتفع الامان علي تقدير الجواز و هو باطل و مااستدل به من خالفنا فمن ذلك اهل مذهب التوزيع و هو مذهب ابي‏اسحق الاسفرائني فاما استدلاله علي توقيف مايقع به التنبية علي الاصطلاح فهو لنا و اما قوله في الجزء الاخر من دعوي ضرورة مايحدثه الناس في كل زمان من الفاظ وضعوها لمعان لم‏تستعمل قبل ذلك فيها فغير مقبول لانا لم‏نجد من ذلك الاّ احد امور و هي اما ان يكون منقولا او اسم علم علي شي‏ء كما لو سمّيت شخصا او حيوانا مخصوصاً او سيفا بلفظ تخترعه او يكون مجازا و ربما غلب عليه او كان مشهورا او يكون قد نطق بلغة سابقين نسيت و كان الناطق سمعها او حفظها فظنّ من لم‏يعلم بذلك و انه قد وضع قبل فيتوهّم ابتداء وضعه كما نقل انه لما ننزل قوله تعالي و مكروا و مكرا كبارا انكروا علي النبي9 و قالوا ليس في لغة العرب كبّار و انما هو من تعليم العجمي فدعا9 برجل كبير منهم طاعن في السن و امره بالعقود في مكان ثم بالقيام منه ثم بالقعود ثم بالقيام فقال اتفعل بي‏هكذا و انا رجل كبّار فقال9 لهم اسمعتم قول الشيخ الخ و قد نقلته بالمعني و لو جاز عندهم ان يوضع في لغتهم غير ماكان

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 201 *»

لماانكروا عليه حين سمعوا كلمة واحدة لم‌يسمعوها قبل و امثال ذلك فدعوي ضرورة الاحداث دعوي احداث الضرورة و الدعوي بغير دليل و معني كبّار كبير قال ابن زيد يقولون عجيب و عجاب و عجاب بالتخفيف و التشديد و مثله جميل و جمال و جمّال و حسن و حسان و حسّان و من ذلك اهل مذهب ذلك الاصطلاح و هم ابوهاشم الجبائي و اصحابه و يقال لهم البهشمية و استدلالهم بماتقدم من الاية فانها تدلّ علي سبق اللغات علي الارسال السابق علي التوقيف ان كان بالوحي و ان كان بخلق علم ضروري‏ في عاقل يلزم كونه عارفا بالواضع فلايكلف بالمعرفة مع انه مكلف و ان كان في غير عاقل امتنع منه معرفة هذه اللغات العجيبة الخ فجوابه عن الاول انه لايلزم من سبق اللغات علي الارسال كونها اصطلاحية بجواز ان يوقف اللّه آدم علي اللغات و لم‏يرسله الي قوم و بعد ان وجدوا و تعلّموا اللغات اما بتوقيف او بالوحي الي نبي لم‏يرسل اليهم فبعد التعليم ارسل اليهم رسولا لتبليغ ما يريد منهم بلسان قومه و لا مانع من ذلك فلايلزم الدور المتوهم و عن الثاني انه لايلزم من خلق علم ضروري بالوضع في عاقل معرفة الواضع بالتعيين بل معرفة واضع مّا و لاينافي وجوب المعرفة باللّه عليه و علي فرضه كما قالوا انما يعرف ان اللّه تعالي هو الواضع و لايلزم من ذلك معرفة صفاته الثبوتية و السلبية علي التفصيل و ان عرف منها شيئا ما و علي فرضه لايلزم من كونه عارفا انه لايكلف مطلقا و علي تقدير ان نسلم ان الاجماع انعقد علي عدم الفصل بين التكليف بالمعرفة و التكليف بساير التكاليف غيرها فلا يبعد ان يكون توقيف اللّه علي اللغات التي يلزم منها المعرفة كافيا في التكليف بها و لو قلنا بانها بديهية لم‏يرد به الاّ الاجمالية و لو قلنا ببداهة التفصيلية فالمراد منه انها نور يقذفه اللّه في قلب من يحب عند تهية الاسباب من الطلب و التعلم و العمل الصالح و لا شي‏ء كالعمل و علي اي حال فلايلزم تحصيل الحاصل و لا سقوط ماسويها و الاجماع انما هو علي تقدير عدم حصول المعرفة و لانقول انه اودع غير عاقل اذ لا حاجة الي ذلك علي انا لا نقول ان العاقل يتصرّف بقوة عقله في وضع الالفاظ بازاء معانيها ليحتاج الي العقل و انما هو كالالة اذ ليس المراد الاّ خلق صورة مادة اللفظ و هيئته في خيال

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 202 *»

ذلك الشخص و تلك الصورة هي العلم بذلك و خلق دلالة تلك الصورة علي معناها فصورة اللفظ و صورة مادته و هيئته و صورة دلالته بتلك المادة المخصوصة و الهيئة المعينة علي المعني المدلول عليه هو العلم بذلك و اعطاء العبارة المخصوصة بالتمكين من معرفة الالفاظ و تقطيع حروفها و مايتوقّف عليه التأدية امضاؤه و اظهاره و لو كان الوضع بتصرّف عقله بان مكّنه اللّه باعطائه القوة التي يتصرّف بها كما شاء لم‏يكن ذلك توقيفا بل اصطلاحا بل اقلّ التوقيف في هذه الحال علي تقدير فرضها انه لايمكنه ان يغيّر مماينتقش في خياله حرفا واحدا كما اشرنا اليه مراراً و من ذلك اصحاب مذهب الوقف و هم العلامة و جماعة من الاصوليين و دليلهم كما تقدّم استضعاف ادلة الجميع مع قيام الاحتمال المساوي و عدم توقف (وقوف خ‌ل) مايحتاج اليه شي‏ء من ذلك و جوابه ما مرّ من قوة ادلة مذهب التوقيف و ان الاحتمالات كلها مرجوحة مع مايرد عليها من النواقض المقاومة لها و قد يحتاج في كثير من المسائل الي معرفة الواضع مثل ماقالوا في مسئلة الامر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضده هل يجوز كون الضد مفعولا عنه و في دليل الاشارة ان اللازم غير مقصود اصلاً ام غير مقصود بتنصيص الخطاب دون لازمه و امثال ذلك و يتفرّع علي ذلك مسائل كثيرة فالظاهر الاحتياج الي معرفة الواضع فظهر ان الاقوي هو مذهب التوقيف و هو ما ذهب اليه ابوالحسن الاشعري و ابن فورك و غيرهما 

المسئلة الثالثة في الوضع و اقسامه و الوضع تخصيص شي‏ء بشي‏ء و هو اقسام الاول الوضع عامّ و الموضوع له عامّ و الثاني الوضع عام و الموضوع له خاصّ و الثالث الوضع خاصّ و الموضوع له خاصّ و القسمة العقلية تقتضي قسما رابعا و هو ان يكون الوضع خاصّاً و الموضوع له عاما و يأتي الكلام فيه فالاول و هو مايكون الوضع عامّاً و الموضوع له عامّاً ان يلحظ الواضع معناً طبيعياً معروضاً لكلّي فيؤلّف له كلمة تناسبه و تدلّ عليه بمادتها و هيئتها و هو قسمان احدهما ان يلحظ من ذلك المعني المعروض للكلي الابهام و عدم التشخص

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 203 *»

كملاحظة معني الشمس عند ارادة وضع اللفظ عليه ثم استعملها في فرد من افراد ذلك الطبيعي المعروض للكلي لا بعينه لاحظا لنسبة الدلالة من الكلمة علي ذلك المعروض حال الاستعمال في الفرد لا بعينه و هو الفرد المنتشر فالوضع عامّ لملاحظة تلك المناسبة لمعروض الكلي حال الوضع و الموضوع له عام لعدم تشخيصه حال الاستعمال و عدم تعيينه بتلك الكلمة بل جعله شائعا في جنسه و ذلك مثل اسماء النكرات كرجل و شمس و غول و ثانيهما ان يلحظ حال الوضع تعيين الجنس الذي هو ذلك المعني الطبيعي المعروض للكلي و ابانته من ساير الاجناس كملاحظة معني زيد و ابانته من ابناء نوعه عند ارادة وضع اللفظ عليه الاّ ان معني زيد المتعين متشخّص و معني هذا الجنس المتعين متعدد الافراد ثم استعمل تلك الكلمة في فرد من افراد ذلك الطبيعي المعروض للكلي لا بعينه فالوضع ايضاً عامّ لملاحظة تلك المناسبة لمعروض الكلي حال الوضع و الموضوع له عام لعدم تشخيصه حال الاستعمال كذلك بل جعله شائعا في جنسه و هذا كاعلام الجنس كاسامة و الثاني الوضع عام و الموضوع له خاصّ و هو ان يلحظ حال الوضع ذلك الطبيعي المعروض للكلي من حيث تعيّنه ببعض الفصول الذاتية الكلية و تقوّمه بها فيؤلّف كلمة تدلّ بمادتها و هيئتها علي ذلك من تلك الحيثية ثم استعمل تلك الكلمة المناسبة له في تعينه و تقوّمه في فرد من افراده بعينه من حيث تحققّه بذلك القيد الذاتي في ذلك الفرد المستعمل فيه تلك الكلمة فالوضع عامّ لما قلنا آنفاً و الموضوع له خاصّ لتعيينه حال الاستعمال و اعلم ان الفارق بين هذا و بين قسمي الاول ان الواضع في الاول من قسمه الاول انما استعمل الكلمة المؤلفة للكلي في فرد من افراده لدلالتها علي كلية من حيث ذاته و فصوله الذاتية خاصة من ابهام و عموم و في الثاني من قسمي الاول انما استعمل الكلمة المؤلفة للكلي في فرد من افراده لدلالتها علي الكلي من حيث ذاته و فصوله الذاتية خاصة من تعين في نفسه و عموم و في هذا انما استعمل الكلمة المؤلفة للكلي في فرد من افراده لدلالتها علي الكلي من حيث ذاته و

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 204 *»

فصوله الذاتية من التعين بقيد لا من حيث مايعرض له من الكلي فانه من هذه الحيثية لايعطي ماتحته اسمه و ذلك كالضمائر كانا و انت و هو و من جعل هذا القسم من قسم ما الموضوع له عام قال ان التعين بقيد لايشخّصه (لايخصه خ‌ل) في الوضع بل هو عام و الاّ لم‏يكن كلياً بل يكون مما الوضع فيه خاص و الاصح انه مما الموضوع له خاص و القيد المذكور لايشخّصه في الوضع و انما يشخّصه مع ضميمة الاستعمال فانه من تمام الهيئة و هيئة ما لا هيئة له من الالفاظ علي مايأتي في تفصيل الدلالة ان شاء اللّه و الثالث الوضع خاصّ و الموضوع له خاصّ و هو ان يلحظ حال الوضع معني مفرداً جزئياً حقيقياً متشخّصاً او يؤلّف له كلمة تدلّ عليه كذلك و يستعملها في معناه الخارجي المتحد فالوضع خاصّ و الموضوع له خاصّ و معني هذا الكلام ان يلحظ الصورة الخيالي (الخيالية خ‌ل) المتحدة و معناها الخارجي كزيد مثلاً فان الذهن ينتزع صورة هي مجاز ذلك اللفظ و آلة الوضع و زيد هو معني ذلك اللفظ و حقيقته و موصوف تلك الصورة لانها صفته فهو معني اللفظ حال الاستعمال و حال التصور ايضاً الذي هو آلة الوضع و هذا القسم هو الاعلام الشخصية كزيد و اما القسم الرابع الذي يقتضي العقل ثبوته في التقسيم هل يقتضي ثبوته ام لا فقد انكروا وجوده و لايبعد ان يكون المفقود عندهم وجدانه لا وجوده و يمكن ان يتمحل(يمحل خ‌ل) في اثباته و ربما مثّل له بالعقل فانه مستعمل في كل عقل من ساير العقول لا بعينه و اصل الاسم موضوع علي العقل الاول و هو يدلّ عليه بمادته و هيئته و هو ذات متشخّصة في الخارج فالواضع حال استعماله في كل عقل من ساير العقول لاحظ ما دلّ عليه الاسم بمادته و هيئته و هو العقل الاول المتشخص الموجود في الخارج فتكون ملاحظة ذلك المتشخّص خارجا من حيث خصوصه و تعينه آلة لاستعمال تلك الكلمة في فرد لا بعينه من سائر العقول فالمتصور الذي جعل آلة الوضع علي الافراد هو ذلك المتشخّص الخارجي لا المفهوم الكلي الذي لم‏يوجد من افراده الاّ واحد كمايتوهّم ليكون الوضع عاما لان المفهوم انما يكون معروضا للكلي مع امكان تعدده و تكثّره و هو هنا غير ممكن لنقص قابليته علي ما

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 205 *»

هو عليه عن امكان التعدد فلاتتعلّق القدرة بتعدّده لالنقص فيها و انما ذلك لنقص قابليته للوجود مع التعدد و لا لما ذكره الحكماء من ان الواحد لايصدر عنه الاّ الواحد لان هذا قول غير محقق و انما منعناه علي نحو مامنعناه من قولهم ان مفهوم الواجب كلي الاّ انه يمتنع ان يوجد من افراده الاّ واحد و امثال ذلك من اغلاطهم الفاحشة فاذا امتنع تعدد العقل الاول امتنع ملاحظة مفهومه الكلي كما في زيد المتشخّص و بيان ماذكرنا و برهانه يطول به الكلام فالوضع لاجل ذلك خاص و الموضوع له عامّ بعكس القسم الثاني في كل احواله فكما ان في الثاني وضع الاسم المناسب لذلك المعروض الذي لايتحقق و لا يوجد خارجا الاّ في افراده علي فرد من تلك الافراد ملاحظا لذلك الكلي المتكثر في الخارج كذلك هنا بالعكس وضع الاسم المناسب للمتشخص المتعين الموجود خارجا و استعمله في فرد من ظهوراته لا بعينه و هي لاتتحقق خارجا الاّ بذلك المتشخص اقول هذا الكلام لايتمّ الاّ اذا قلنا بان الافراد لا وجود لها في الخارج و ان وجودها قائم بالعقل الاول قيام صدور لا قيام عروض و ان وضع الاسم علي فرد منها لا بعينه بوضع اول و لو بالنقل لا مجازا اما لو قيل ان لها وجودا خارجيا مغايرا للعقل الاول او انها حقيقة تحته ثانية كان مشتركاً بينهما و لو قيل علي تقدير ان قيامها به صدورا او عروضاً ان استعمال الاسم فيها مجاز من باب تسمية المسبب باسم السبب و الحال باسم المحل كان محتملا و انت اذا عرفت مأخذ هذا القول بان الوضع خاص و الموضوع له عامّ لزمك القول به و لكنه من نصيب اهل الافئدة و دعوي الاجماع علي حصر الموجود في الاقسام الثلثة الاول مدفوعة (مدخولة خ‌ل) لان الاجماع انما قام علي وجود الثلثة لا علي نفي الرابع و الاجماع السكوتي لم‏يثبت هنا و ان قلنا بحجيته.

المسئلة الرابعة في الموضوع له و هو لفظي و معنوي و ما ليس بلفظي و لا معنوي و اللفظي مستقل و غير مستقل و المستقل لفظ وضع له نفسه و غيره (و المستقل لفظ وضع له غيره و لفظ وضع له غيره و نفسه خ‌ل) و المعنوي صورة لفظ او معني و ما ليس بلفظي و لا معنوي كالاصوات فهذه ستة اشياء وضع اللفظ لها

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 206 *»

فالاول اللفظي المستقل الذي وضع له لفظ غيره نحو الافعال التي لها اسماء كاسكت فانه وضع لها صه و كاسم فانه وضع للفظ زيد و كفعل فانه وضع للفظ ضرب و يضرب و كحرف فانه وضع للفظ من و علي و الثاني اللفظي المستقل الذي وضع له نفسه و غيره مثل علي فان اسمها هو نفسها باعتبار ذاتها اذ ليس للفظ ذاتها معني و لا مادة و لا هيئة غير ذاتها و لها اسم غيرها باعتبار ماتدلّ عليه بنفسها في نفسها علي قول و في غيرها علي قول من معني الاستعلاء و اسمها بهذا الاعتبار حرف جرّ و ليس محل تحقيق ذلك و انما الغاية مجرد التقسيم و الثالث لفظ غير مستقل و هو الحرف الواحد كحروف زيد مسرورة مثل زه يه ده فانها لما كانت الفاظاً و اسماؤها الفاظا و الفائدة من الاسم تمييز المسمي عن غيره ناسب مراعاة الاختصاص و الملازمة لانفراده و عدم استقلاله ان يجعل في اسمه ليستقلّ به و يتخصّص به و انما جعل في اول اسمه اشعاراً بتبعية باقية (باقيه خ‌ل) له فيما يدلّ عليه و لانه هو المقصود و اهمّ من باقيه فابتدي‏ء بالاهمّ مراعاة للترتيب الطبيعي فقيل زاء ياء دال فجعل كل حرف في اول اسمه لما ذكرنا و لما كان الالف الملساء لاتقبل الحركة و حقّ المبدوّ به التحريك استعار واله الهمزة قائما مقامه لتعذر الابتداء بالالف لعدم تحرّكه و انما خصّت الهمزة بالنيابة عنه لانها اقرب المتولدات منه و اولها و لان صورتها في النقش تشابه صورته فان كانت في الحقيقة لا صورة لها و انما هي حركة بلاصورة بعكس الالف لاستعارة الصورة لها في النقش للدلالة عليها و لان صورتها في النقش انما اخذت من صورة الالف فلما اخذ صورتها منها لحاجته اليها انجزبت الحركة التي هي نفسها مع صورتها اليه ثم لما اخذت للالف احتاجت في اسمها الي ما يقوم مقامها فاخذ لها اقرب الحروف اليها و هو الهاء فجعل في اول اسمها فقيل همزة و لما كانت صورة الهاء ليست للهمزة و انما هي لنفسها جعلت في اول اسمها فقيل هاء كما تقول جيم و ميم و راء و ان كان الحرف الغير المستقل جاء لمعني كبعض الحروف الجرّ كحروف القسم و غيرها من الحروف المفردة التي جائت لمعني فهذا حكمها

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 207 *»

باعتبار ذاتها و باعتبار ما قصد منها تسمي به كحرف الجر و همزة الاستفهام و الرابع صورة لفظ و هو مايقع في الحس المشترك من صورة اللفظ و في الخيال فاذا انتقش صورة لفظ زيد في الخيال مثلاً و اطلق عليه لفظ زيد كان هذا اللفظ موضوعا بازاء صورته المجردة عن المادة و الزمان التي هي في الخيال مطلقا سواء كان ما في الخيال متولدا من هذا اللفظ اي منتزعا منه ام هذا اللفظ ناشيا عما في الخيال و ليس ما في الخيال معني لفظ زيد و انما هو صورة لفظ زيد لان معني لفظ زيد هو الذات الموجودة في الخارج و ليس ما في الخيال دالاً علي هذه الذات لانه ليس منتزعا منها فلايكون تصورا لها و لا صفة و انما هو منتزع من اللفظ و الخامس ما ليس بلفظ و لا معني كالاصوات كصوت الغراب مثلاً فانه وضع بازائه غاق و ذلك الصوت ليس لفظا في لغة البشر و ان كان لفظا بالنسبة الي الغراب و كذلك ساير الاصوات من الحيوانات و الجمادات و السادس المعنوي و هو عين و معني و امرهما ظاهر و الغرض بيان الوضع له و الموضوع له فالموضوع له كل معني يكون فيه غرض في شأن من شئون الانسان ممايتعلق به قوام نظام معاشه و معاده ممايراد لذاته او يراد لما يراد لذاته و لو في تمام التمكين منه او تمام قابليته للوجود فانه يجب في الحكمة ان يوضع له لفظ بازائه لوجود الموجب و هو الحاجة و انتفاء المانع و هو المفسدة و العجز عن ذلك و قولنا ممايراد لذاته نريد به مايتعلق به طلب سواء كان لذاته كالواجب من امر المعاد و المعاش ام لا كالمندوب منهما فان المندوب في الحقيقة انما تعلق به الطلب لاجل الواجب اذ قد يتحقّق في بعض افراده لا علي التعيين كالامر بالنافلة ليتمّ لهم مانقصوا من الصلوة ممايمنع من القبول و قولنا او يراد لما يراد لذاته مايتعلّق به نهي سواء كان لذاته كالحرام من امر المعاد و المعاش ام لا كالمكروه منهما كذلك فانه في الحقيقة انما نهي عنه لاجل الحرام اذ قد يتحقّق في بعض افراده لا علي التعيين كالنهي عن البول في ثقوب الحيوانات لئلا يخرج منها ما يؤذيه او ينجّسه حيث لايمكنه التحرّز من النجاسة اما لعدم المطهّر او لعدم التمكن من التطهير او لعدم

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 208 *»

علمه بالتنجيس و غير ذلك و كون الحرام مما لايراد لذاته نريد به التمكين من فعله فانه من تمام التمكين من فعل الواجب اذ لو لم‏يتمكّن من الحرام كان فعله الواجب بغير اختياره اذ التمكين من فعل المعصية شرط للطاعة و الاّ لم‌تكن الطاعة طاعة و يحتمل ان يكون المراد ان المطلوب بالنهي عن الحرام هو امكان ايقاع ما مكّن منه من الفعل الحرام فيكون النهي في الحقيقة وارداً علي الامكان الموجود السابق علي النهي كما هو الظاهر او هو الكف عنه او الاستمرار علي تركه و في الحالين لايكون النهي عنه لذاته في الحقيقة و ان كان الوجه الاول اوجه و هذا الكلام انما هو علي امتحان الحقايق و اما في الظاهر فالحرام مما يراد لذاته و قولنا و لو في تمام التمكين او تمام قابليته للوجود نريد به ما ذكرناه لك و معناه انه قد يكون معني من المعاني لايحتاج اليه الانسان في جميع شئون معاده و معاشه و لكنه ضدّ لمايحتاج اليه و لايتمكّن من فعل مايحتاج اليه الاّ بالتمكين من ضدّه اما في التسمية او في الفعل او العزم كما مثّلنا بالطاعة المحتاج اليها فانه لايعرفها و لايتمكّن من فعلها الاّ بمعرفة المعصية و التمكين منها فاذا تركها مع قدرته و فعل الطاعة مختارا و صحّت الطاعة و لو لم‏يتمكّن من المعصية كان فعله الطاعة ليس باختياره فلاتكون طاعة فيكون التمكن من المعصية تمام قابلية الطاعة للوجود فافهم و قيل ان ماسوي ذلك يعني ماسوي مايحتاج اليه من المعاني لايجب وضع لفظ له و الاّ لزم مالايتناهي من الالفاظ و لهذا مراتب القوة و الطعوم و الروايح لم‏يضع الواضع لها الفاظ (الفاظا ظ ناشر) بخصوصياتها و ليس بشي‏ء لوجوه الاول ان قول القائل لايجب لا معني له هنا لانه اذا لم‏يجب جاز فان اراد هذا انتقض كلامه لان الحكيم العام القدرة اذا جاز عنده شي‏ء وجب و ذلك لان كل شي‏ء لايتساوي فعله و تركه عند الحكيم العليم القادر بل اما ان يترجح فعله فيجب او تركه فلايجوز و اما ما ورد من الامور المباحة فان تساويها مبني علي مايعرفه العوام الثاني قوله و الاّ لزم مالايتناهي من الالفاظ مدفوع مدخول من وجهين احدهما انه لايلزم ذلك لجواز وضع المشترك و الاجناس فلايلزم ماذكره ثانيهما اي بأس في

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 209 *»

وضع مالايتناهي من الالفاظ فانه كما جاز خلق معان لاتتناهي بلا حاجة اليها علي زعمه يجوز خلق الفاظ كذلك فان المعاني الغير المتناهية مخلوقة و لايحتاج الي اكثرها عنده فليكن من الالفاظ كذلك فان قلت ان الالفاظ لايمكن ذلك فيها لانها من الحروف المتناهية قلت يجوز ان يخلق القادر غيرها بقدر مايحيط بها فان المعاني الغير المتناهية يعلمها و قاهر علي ان يعلّمها و التعليم انما هو بسمات و هي الاسماء او يكرّر الاسماء او يكرّر الحروف فيها او بالتصريف في الهيئات او الحركات و غير ذلك علي انا قلنا ان باب الاشتراك واسع لايضيق الثالث قوله و لهذا مراتب القوة الخ ليس بشي‏ء ايضاً فان الاسماء انما هي علامات و تحديدات مميّزات للمسميات و مراتب القوة ليست في انفسها متمايزة ليضع عليها علاماتها و انما هي سيّال وجودها ذائب لاتتمايز اجزائه الاّ ان قلنا بثبوت الجزء الذي لايتجزء ليتميّز مايخصّه من القوة و ليس بثابت و لو قلنا به لم‏يتعلّق به غرض لعامة الناس اكثر من قولهم هو جزء لايتجزّء و هو شامل لجميعها علي ان الواضع قد وضع الفاظاً كلية علي معان منها كلية كقوي و ضعيف و وسط و اقوي و اضعف و اوسط و اعلي و ادني و امثال ذلك تكرّر في الاستعمال في كل رتبة بحسبها بحيث يتصرف فيها بكل ما يريد و كذلك حال الروايح و الطعوم و مااشبهها و مع هذا كله فانا نقول ان جميع المعاني الغير المتناهية مخلوقة معلومة فان اللّه سبحانه بلطيف صنعه قد اودعها القلم الاول و الدوات الاولي اذ ليس في الازل الاّ معني واحد سبحانه و تعالي و لا ريب ان تلك المعاني متمايزة عند خزّانها معروف بعضها من بعض بصفاتها و اسمائها و تلك الاسماء مستلزمة لاسماء لفظية بمعني دلالتها عليها و ان كان علي مااشرنا اليه من الاسماء الكلية لانها غير متروكة ابداً و لا خلقت سُدي و ان لم نعلمها و برهان هذا و نظيره يطلب في حكمة الاشراق و لايلزم من عدم علمنا و عدم حاجتنا الي ذلك عدم العلم بها و الحاجة اليها مطلقاً.

المسئلة الخامسة ان اللفظ المشهور بين الخاصة و العامة لايجوز وضعه علي معني خفي لايعثر عليه الاّ الخواص اذ يلزم منه ان يخاطب بمالايفهم و ذلك كما

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 210 *»

قال (قاله خ‌ل) البهشمية من ان الحركة معني يوجب لذات الجوهر كونه متحركاً يعني ان معني الحركة داع نفساني يهيّج العضلات القلبية علي تقليب (تقلب خ‌ل) الاعضاء و تنقّلها من حيّز الي حيّز و المراد بالداعي ميل النفس بشهوتها المركبة الي ملائم لمصدر ذلك الداعي و هو معني لايصل الي معرفته الاّ الاوحديون و المعروف عند الجمهور ان معني الحركة هو كون الجوهر متحركا حتي لو سئلت العامي عن الحركة لم‏يقل لا اعلمها بل يقول هي هذه و ربما يحرك يده للبيان لانها مشهورة عندهم و لهذا قالوا ان اشتهار اللفظ تابع لاشتهار معناه و ربما قيل علي هذا ان كان الواضع هو اللّه تعالي فنسبة المعاني عنده في الظهور سواء فلايجوز ان يكون عنده بعضها اخفي من بعض و كون ذلك خفيا عند الناس لايمنع الوضع منه تعالي و ان كان الواضع هو البشر فيجوز ان يكون بعضهم عثر عليه و ان كان خفيا فوضع اللفظ باذائه ثم خفي ذلك المعني علي غيره و استعمله في لازمه و اشتهر في ذلك اللازم و ان كان الاصل هو ذلك المعني الدقيق اقول قولهم ان اللفظ المشهور لايجوز وضعه علي معني خفي الخ فيه ان اللفظ انما يشتهر بعد وضعه و تداوله في معناه المعروف عندهم فلا يكون وضعه ثانيا الاّ بالنقل و المجاز و علي النقل ان لم‏يهجر المعني الاول في لغة الناقل الاّ انه خصّه ببعض ما كان يتناوله و غلّبه عليه حتي فهم ذلك من مجرد اطلاق اللفظ فذلك منقول فان كان ماخصّه به اجلي افراده او مساوياً لغيره منها كالدابة حيث يراد منه ذوات قوائم الاربع او الفرس فلااشكال في ذلك سواء قلنا ان النقل وضع اول او تخصيص قام مقام الوضع الاول بالتغليب و ان كان ماخصّصه خفياً علي العوام من ساير تلك الافراد كما قيل ان البحر في الاصل اسم لكل شي‏ء كثير مائع متساوي الاجزاء المقدرة سيال سواء كان ذابلة كالبحر المعروف عند العوام الذي هو مجتمع الماء ام لا كالنور و الظلمة و كالزمان علي ماذكره بعضهم في تفسير قوله تعالي و كان عرشه علي الماء قال كان العرش (عرشه خ‌ل) الذي هو الفلك الاطلس علي الزمان و هو بحر يجري لا ساحل له و لا غاية و كما في الروايات من قولهم: بحر النور و بحر الظلمة و غير ذلك و ان الشارع يستعمل البحر في

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 211 *»

هذه علي سبيل الحقيقة لا المجاز و علي هذا لو خصّص اسم البحر بهذه المعاني الخفية علي نحو ما ذكر فان اللفظ قد اشتهر عند الخاصة و العامة انه مجمع الماء فهل يجوز ان يخصّ بماذكر من الامور الخفية ام لا و اما المجاز فلايجري فيه الوضع الاّ بالقرينة فلايكون هنا مرادا و اما ماذكره البهشمية فانه لو قال خصمهم لايجوز وضع اللفظ المشهور عند الخاصة و العامة علي معني خفي لا يعثر عليه الاّ الخواصّ لم‏يرد علي البهشمية لانهم لايقولون ان لفظ الحركة المشتهر معناه كون الجوهر متحرّكاً او انه اشتهر لفظها خاصة من دون فهم معني ليلزمهم انه لايجوز وضعه علي الخفي و انما يقولون انما اشتهر بمعناه المجازي لان لفظ الحركة وضع علي ذلك المعني الخفي و استعمل في المعني الظاهر مجازا من باب تسمية المسبب باسم السبب او انه منقول كما مرّ من باب التخصيص بالاجلي و هو علي كل تقدير فلايتّجه ظاهر الاعتراض عليهم و الذي يظهر لي ان اسم الحركة الموضوع في الاصل علي الانتقال من حيّز الي آخر و ذلك في كل بحسبه فالداعي حركة نفسانية و الميل حركة معنوية و هذه المعروفة حركة حسيه و يكون الوضع من باب التشكيك و دعوي الحقيقة و المجاز جهل باسرار الوضع و كذلك نقول في البحر و لاتنفتح مغالق ابواب احاديث اهل العصمة: و بواكر و بواطن الكتاب المجيد الاّ بهذا المفتاح الحديد و ان ابيت الاّ الجمود علي تقليد الاباء و الوقوف علي ظواهر الكلام فاعلم انه قال7 ذهب من ذهب الي غيرنا الي عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض فافهم فالاولي ان يقولوا في عباراتهم ان اللفظ المشتهر بمعناه الظاهر عند الكل لايجوز ان يخصص بالمعني الخفي و يهجر معناه الظاهر الجلي اذ يلزم منه الخطاب بمالايفهم و انه محال و هو حق حينئذ اما اذا اريد به كلا المعنيين ليعلم كل اناس مشربهم و ينال كل قوم مأربهم فلابأس به بل الباس بغيره اذ هو الواقع و اما قول المعترض القائل ان كان الواضع هو اللّه فجيّد علي ماسمعت ممااخترناه من ان الوضع من باب التشكيك و اما قوله و ان كان الواضع هو البشر الخ فهو قول البهشمية و هو دعوي بلادليل و انما هو تمهيد لما ذهبوا اليه من القول بالاحوال و لا ريب ان احوالهم احوال ضعيفة

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 212 *»

لانها غير معقولة فانهم يأتون (يعنون خ‌ل) بمسائل دقيقة المأخذ يخفي غثّها من سمينها و ان كانت معقولة بتكلف لتلائم غير المعقولة.

المسئلة السادسة قالوا ليس المقصد من وضع الالفاظ المفردة افادة معانيها اذ لو قصد ذلك لزم الدور لتوقف الافادة علي العلم بكون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعني و هذا يتوقف علي العلم باللفظ و المعني فلو توقّف العلم بالمعني علي الافادة لزم الدور بل القصد التمكن من تركيب المعاني بواسطة تركيب الالفاظ بتأليف بعضها مع بعض و حركاتها الدالة علي النسب ليحصل معني من النسب و الاضافات و القيود و الحركات لم‏تعطه المفردات من انفسها و لايتوهّم تمشي الدور هنا بان يقال العلم بتركيب المعاني موقوف علي العلم بكون تركيب الالفاظ علي الوجه المذكور محصلاً لتركيب المعاني و هذا موقوف علي العلم بتركيب المعاني فيلزم الدور لانا نقول متي علمنا كون كل واحد من الالفاظ المفردة موضوعاً لمعناه و علمناه حركاتها الدالة علي النسب المخصوصة لتلك المعاني فاذا ارتسمت في خيال السامع تلك المعاني مع تلك النسب المخصوصة حصل العلم بالمعاني المركبة لامحالة فلم‏يتوقف علي العلم يكون اللفظ المركب موضوعا علي المعني المركب و انما توقف علي العلم بكون اللفظ المفرد موضوعا لمعناه المفرد اقول اي محذور في قصد افادة المعني من وضع اللفظ اذا فهمه المخاطب عند مايلقي اليه اما بالالهام او خلق علم ضروري بان هذا اللفظ معناه ذلك المعني او انه يفهمه بالترديد و الاشارة فان من المعلوم ان الداعي الي وضع الالفاظ المفردة و المركبة افادة معانيها و لو لزم الدور تعذر وضع اللغات توقيفية كانت او اصطلاحية اذ لا فائدة في الالفاظ الاّ افادة معانيها و الدلالة عليها و لاسيما اذا قلنا ان المعاني ثمرات الالفاظ متولدة منها فان زيداً اذا اخبر عمرا انما اظهر له من لفظه معني يشابه ما في قلبه لان ما في قلبه لايخرج عنه و انما يفهم عمرو مايدلّ اللفظ عليه و لهذا قد يختلفان في الذات او الصفة و الذي تعاطباه صفة ما في الوجود الخارجي قد انتزعاها منه فانه علي هذا يهون الخطب و لو كان لايصحّ ذلك الاّ اذا

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 213 *»

كان اللفظ و المعني معلومين عند المخاطب لئلا يلزم الدور لكان الوضع و الاستعمال عبثا لافائدة فيه و يردّ علي قولهم ان الدور لايلزم في المعني التركيبي اعتراض ليس بمردود و هو انا نقول ان العلم بتركيب المعاني موقوف علي العلم بكون تركيب الالفاظ المتحركة بالحركات المقتضية للنسب الموجبة لحمل محمولاتها علي موضوعاتها علي الهيئة المستلزمة لتركيب المعاني مفيداً لتركيب المعاني و لا ريب ان هذا متوقف علي العلم بتركيب المعاني لانه اذا اراد ان يركّب الالفاظ بنسبها و قيودها تركيبا يفيد تركيب المعاني لو لم‏يعلم تركيب المعاني قبل ذلك لم‏يتمكن من تركيب الالفاظ تفيده لان ترتيب تركيبها نفس ترتيب تركيب المعاني بل لايركّب الالفاظ لذلك الاّ لاحظاً لتركيب معانيها فيتوقّف علي العلم بها فيلزم الدور و جوابهم هنا جوابنا هناك و الجواز و المنع في الاثنين واحد

المسئلة السابعة قالوا انما وضعت الالفاظ بازاء المعاني الذهنية فاللفظ المفرد يدور مع المعاني الذهنية وجوداً و عدماً فان من ظنّ ان الجسم البعيد حجر سمّاه حجراً فلو تغيّر ظنه الاول فظنّه بعد ذلك انساناً سمّاه انساناً فمرة سمّاه حجراً و مرة سمّاه انساناً و لم‏يتغير الجسم الخارجي في نفسه و انما تغيّر ما في خياله فكان الاسم تابعاً لما في ذهنه في صورة ذلك الخارجي و اللفظ المركب لو دلّ علي معناه الخارجي لكان كل خبر صدقاً فاذا قلت زيد قائم دلّ علي وقوع القيام عنه في الخارج قطعاً و لم‏يحتمل الكذب و اذا دلّ علي الحكم الذهني تمّ الامر المعروف فان طابق الامر الخارجي كان صدقاً و الاّ كان كذبا اقول اعلم ان الناس قد اختلفوا في الوجود الذهني هل هو وجود حقيقي ام لا و انما هو وجود اعتباري تقديري و علي الاول هل هو قسيم الخارجي ام احدهما ناش عن الاخر ام الوجود معني بسيط لايدخل تحت الاضافة و النسب و علي انه قسيم هل كل واحد منهما جزء ام جزئي فمن قال بالاعتباري قال ان التسمية من باب الاشتراك اللفظي و من قال انه حقيقي داخل تحت النسب و الاضافات فمن قال منهم انه جزء قال ان الوجود انقسم الي هذين القسمين و التسمية من باب الاشتراك المعنوي و من قال انه جزئي قال ان الوجود معني كلي و الوجود الذهني

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 214 *»

و الخارجي جزئياته الحقيقية و التسمية من باب التواطي‏ء و من قال انه بسيط و هو مابه الكون في الاعيان و الاذهان قال ان هذين مظاهره و التسمية علي هذا اما من الحقيقة في المنتزع منه و المجاز في الانتزاعي علي احتمال او من باب التشكيك علي احتمال او من باب الحقيقة بعد الحقيقة المعبر عنه بالنقل علي احتمال او من باب الاشتراك اللفظي علي احتمال او المعنوي علي احتمال و من قال ان احدهما ناش عن الاخر قال بعضهم ان الاصل الخارجي و اما الذهني فمنتزع منه و قال بعضهم ان الاصل هو الذهني و اما الخارجي ففرع عنه و متولد منه و قال آخرون ان كان صاحب الذهن علة للوجود الخارجي كان الذهني اصل الخارجي كما لو تخيلت شيئاً اخترعته لم‏تحذ به مثالا سابقا علي اختراعك فيما تعلم ثم احدثت ماتخيلت فان ذلك الخارجي فرع لذلك الذهني و ان لم‌يكن علة للايجاد كان الذهني فرعا عن الخارجي و انتزاعيّا منه انتزعه الذهن من الخارجي و اجود هذه الاقوال و امتنها الاخير اذا عرفت ذلك فاذا قلنا ان الواضع هو اللّه سبحانه كما هو الاصح فقد دلّ الدليل القطعي علي ان ليس ثمّ ذهني و انما الاشياء كلها غيبها و شهادتها عنده خارجية ذهنيها و خارجيها فيكون اللفظ موضوعا بازاء معني خارج و اما تغيّر الاستعمال عندنا عند تغيّر ظنوننا فليس لان اللفظ موضوع بازاء ما في اذهاننا و الاّ لكان استعمال لفظ زيد في معناه الخارجي ليس من باب الحقيقة و انما هو من باب المجاز من باب تسمية اللازم باسم الملزوم او بالعكس علي الاحتمال الاخير او من باب تسمية السبب باسم المسبب او بالعكس كذلك و انما تغيّر الاستعمال بتغيّر الظن لان الوضع و الاستعمال و الاطلاق مسبوقه بالعلم بالمعني فلما توهم ان ذلك المعني الخارجي حجر اطلق عليه اسمه فلما تبين له فساد ظنه و عرف انه انسان اطلق عليه اسمه و ليس اللفظ اسماً للمتخيل لان الصورة الخيالية ليست في الحقيقة شيئا غير الخارجي علي القول بانها انتزاعية و علي القول باصالتها مطلقا كما هو مذهب الصوفية يكون الاستعمال مجازا من باب تسمية المسبب باسم السبب او حقيقة بعد حقيقة و ذلك لان نظر الواضع او المستعمل مقصور علي المعني الخارجي و ان كان الذهني الة للتوصل الي الخارجي الا تري

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 215 *»

انك اذا نظرت الي وجهك في المرءات كان نظرك مقصورا علي وجهك في تفقّد احواله و صفاته و هذه الصورة التي في المرءات هي صورة وجهك التي في جسدك و تخطيطها تخطيط وجهك و ليست الصورة الذهنية حدثت من الذهن ليكون تغيّرها من نفسها و انما تنتقش في الذهن صورة الخارجي المرئية بالبصر كما رءاها او الموصوفة له كما وصفت له ألا تري انها لاتحصل لذهنك حتي تلتفت الي الخارجي في مكان وجوده و زمان حدوده و شهوده ببصرك او ببصيرتك فيعطي معناه ذهنك صورته نعم لو قلنا ان الواضع هو البشر ممن كان علة لايجاد المعني اتجه وضع اللفظ بازاء المعني الذهني كما ذكروه لكن يلزم من يقول ان الذهني اعتباري ان يقول انه حقيقي و يلزم من قال بوضع اللفظ للمعني الذهني ان يقول ان استعماله في المعني الخارجي مجاز لتحقق المغايرة عندهم بين الوجودين فيكون قداستعمل اللفظ في غير ما وضع له او يقول ان المقصود بالوضع هو الخارجي و حينئذ لا يكون اللفظ موضوعا بازاء الذهني او يقول ان الواضع قصدهما فيكون الوضع اولاً بازائهما معاً فيكون الموضوع له مركبا او علي التعاقب فيلزم الحقيقة و المجاز او الاشتراك او الحقيقة بعد الحقيقة او يقول ان الخارجي لايمكن ادراكه و انما المدرك هو الذهني كما صرّح به الصوفية و بعض اهل الاشراق و هذا مع ما فيه يلزم منه ماتقدم او يقول بمافصّلناه مبنيا علي ما اخترناه من ان الواضع هو اللّه سبحانه المراد بالوضع هنا هو الاستعمال و قد اشرنا فيما تقدم ان الذهني هو صفة الخارجي فان قلنا بان الواضع هو البشر يكون الوضع و الاستعمال في الحقيقة للخارجي و اما الذهني فانما هو آلة الادراك لانه تصور خارجي الذي هو شرط الاستعمال فيكون الوضع و الاستعمال في الخارجي حقيقة هذا علي القول بان الوجود الذهني حقيقي سواء كان جزءاً ام جزئياً متأصلا ام انتزاعيا متواطياً ام مشككاً بالنسبة الي الخارجي متحداً معه ام لا اما علي القول بانه ليس بوجود حقيقة و انما هو اعتباري فاظهر فيما اخترنا فافهم ثبتك اللّه فقولهم و اللفظ المركب لو دلّ علي المعني الخارجي لكان كل خبر صدقاً الي آخره جوابه ان نقول لو كان اللفظ المركب موضوعاً بازاء المعني الذهني لكان كل خبر صدقاً و

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 216 *»

لم‏يحتمل الكذب فالامر مقلوب عليهم و بيانه انه موضوع للمعني الذهني و لايمكن عدم وقوعه حتي من السوفسطائي و الاّ امتنع الوضع فلايحتمل الكذب لوضعه بازاء موجود مطابق له و اذا قلنا ان الذهني آلة لادراك الخارجي و ان الوضع بازاء المعني الخارجي صحّ الكلام و احتمل الصدق و الكذب لانه لم‏يضع اللفظ علي ما في ذهنه اللازم الوقوع فاذا توهم وجود الخارجي او ظنه او علمه وضعه عليه فان كان موجودا كان صدقاً و الاّ فهو كذب لانه لامعني له و لو كان معناه الذهني لم‏يكن كذبا قطعا لانه موجود البته فان قلت كيف تقرر هذا و المفهوم من كلامك سابقا في تقسيم الوضع الي العام و الخاص ان الوضع بازاء المعني الذهني قلت انما عنيت ان المعني الذهني الذي تركّب له الكلمة المناسبة له بمادته و هيئته هو تصوّر المعني الخارجي لانه آلة للوضع علي المعني الخارجي و انما احتيج الي ذلك و جعلت الكلمة مناسبة له لان المتصور ان كان جزئياً لايصدق علي كثيرين فهو موجود في الخارجي بذاته ثم ان كان ذهني من هو علة لايجاد الخارجي كان الخارجي عبارة عنه او كما ذكرنا سابقاً و الاّ فالمتصور عبارة عن الخارجي و ان كان كلياً يصدق علي كثيرين فالاصح ان ذلك الكلي الطبيعي المعروض للكلي المنطقي موجود في الخارج بوجود افراده اي في ضمنها و لايلزم اتصاف الشي‏ء الواحد بالصفات المتضادة و وجوده في الامكنة المتعددة لان ذلك ممتنع في الواحد الشخصي لا الواحد النوعي و الجنسي و هذا الكلي الموجود في ضمن افراده هو الذي بازائه الوضع الاولي الذي هو عبارة عن تركيب الكلمة المناسبة له مادة و هيئة لانه آلة للوضع الثانوي الذي هو الاستعمال في الخارجي بجميع اقسامه فقولنا و لو كان معناه الذهني لم‏يكن كذبا قطعا انه انما كذلك للمغايرة بينهما عندكم الاّ (لا خ‌ل) ان كان عبارة عنه كما قرّرنا فافهم و تأمل فان المسلك وعر.

المسئلة الثامنة لما كان علة الايجاد (ايجاد العباد خ‌ل) المعرفة و الاسعاد بنعيم الابد و ذلك متوقف علي التعريف و التكليف و ملاك ذلك الكتاب و السنة و هما واردان بلغة العرب و احوالها وجب تحصيلها و تعلّمها لان العلم بانحاء التكليف واجب و هو

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 217 *»

متوقف علي ذلك و مايتوقف عليه الواجب المطلق و هو مقدور للمكلف فهو واجب فلابد من بيان طريق معرفة اللغة و مايتبعها من قواعد النحو و الصرف و غيرهما و لماكانت اللغة امرا وضعياً لم‏يستقلّ العقل الجزئي بادراك طريق معرفتها و ثبوت كل لفظ منها لمعناه لغموض اسرارها و دقة خفاياها سواء قلنا ان المخصّص لها ارادة الواضع ام قلنا ان لها دلالة ذاتية علي معانيها لارتفاع اكتناه معرفة دلالة موادّها المخصوصة بهيئاتها الخاصة علي المعاني المختلفة و المؤتلفة عن ادراك العقل الجزئي و ان ادرك بعضا من ذلك دليلا علي صحة ذلك كما انجبلت القلوب عليه و نطقت به الالسن من المقرّين و المنكرين كقولهم الكلام يدلّ علي هذا المعني و يأتي ان شاء اللّه تعالي و لما كان ذلك كذلك لم‏يكن لثبوتها طريق الاّ النقل و قد يثبت بعض منها باستنباط العقل من النقل و الاول يكون بالتواتر و بالاحاد المفيد للظن فماثبت منها بالتواتر كالسماء و الارض و الماء و النار لايقبل التشكيك و انكار بعضهم ثبوتها بالتواتر لايلتفت اليه لانه سفسطة و الاستدلال بالاختلاف في اشتقاق اسم اللّه او انه غير مرتجل يدلّ علي غير المدعي لانا ندعي تواتر انه موضوع بازاء الذات المقدسة المتصفة بالصفات القدسية و الصفات الاضافية و الصفات الخلقية التي هي صفات الافعال لا انا ندّعي تواتر ان اصل الاسم الكريم مشتقّ او مرتجل و قولهم ان رواة الوضع معدودون لم يبلغوا التواتر مردود بان الاصح عدم اشتراط عدد في ثبوت التواتر و يكفي في ذلك ان يكونوا اكثر من اربعة و لا ريب ان الرواة اكثر من اربعة مع ان النقل و الاستعمال حصل في ذلك من الكلي علي سبيل الاتفاق و لايجوز اجتماع الخلق علي غلط و دعوي ثبوت الاحتمالات المرجوحة في بعضها لاينافي ثبوت القطع في بعض اخر من طريق التواتر الذي هو احد الضروريات التي لا ينكرها الاّ السوفسطائية و ما قام فيه الاحتمال المرجوح الذي هو من طريق الاحاد لاندّعي فيه القطع و انما نقول فيه بالظن و قد توجه الامر بقبوله فلايضرّ الاحتمال المرجوح و مايثبت منها باستنباط العقل من النقل فكما مثّلوا به من ان الجمع المحلي بالالف و اللام يدخله الاستثناء لاي فرد يراد و قدثبت هذا بالنقل و ثبت

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 218 *»

بالنقل ايضاً ان الاستثناء لاخراج مالولاه لدخل في المستثني منه فعلم من هاتين المقدمتين المنقولتين ان الجمع المحلي بالالف و اللام يجوز ان يخرج منه ‏اي فرد او اي افراد فظهر عند العقل انه لو لم‏يتناول جميع الافراد لما صحّ اخراج اي فرد او اي افراد تراد فحكم بانه موضوع للعموم و لاينافي هذا ماقالوا من ان اللغات تثبت بالنقل المتواتر او الاحاد لانهم لم يحصروا اثباتها في النقل علي احد الوجهين فقط بل مااستنبطه العقل من النقل كالمثال المتقدم و ان لم‏يخرج في الحقيقة علي النقل لكنه لم‏يكن نقلا صرفا بل للعقل فيه مدخل اذ لولاه لم‏يعرف العموم من الجمع المحلي باللام و كذا مااستنبطه العقل باستقراء النقل كرفع فاعل لم‏يسمع رفعه عنهم و لاتسميته فاعلا فان ذلك في الحقيقة من افراد قد نقل نوعها فثبت العموم بالاستقراء نعم العقل الجزئي البحت لاتثبت به معرفة وضع اللغة لماذكرنا من انحطاط رتبته عن اكتناه خفايا الوضع و ان تثبت به المعارف الالهية لانها معان من جنسه و ما اطلق عليها من الالفاظ اما حقيقة عرفية او شرعية او مجازات لغوية او حقيقة بعد حقيقة و انما احتملنا الاربعة الوجوه لاقتضاء الادلة كلا منها و ان كان اذا امتحنت عنيت واحدا الاّ ان ذلك علي مذاق الممتحن و لافائدة هنا في بيان ذلك.

تتميم

اختلف العلماء في ان اللغة هل تثبت قياسا ام لا الاكثر انها لاتثبت قياسا و المراد ان يسمي شي‏ء باسم لم‏يسمّ به في اللغة الحاقا له بشي‏ء يسمي بذلك الاسم لمعني مشترك بينهما تدور معه التسمية بذلك الاسم في الاصل وجودا و عدما كالنبيذ المسكر فانه يخمّر العقل كالخمر فان التسمية بالخمر تدور مع التخمير وجودا و عدما فهل يسمي النبيذ بالخمر لوجود ذلك التخمير فيه ام لا حتي ترد التسمية عن اهل اللغة فيكون ثبوته من جهة النقل احتجّ الاكثر بانه لو جاز بالقياس لكان اثباتا بالمحتمل و هو يحتمل النفي كما يحتمل الاثبات الا تري انهم منعوا طرد الادهم في غير الفرس مع ان التسمية دائرة مع السواد وجودا و عدما و بان اللغة لو ثبتت بالمحتمل ثبتت في كل مايقوم فيه الاحتمال و ان لم‏يكن بقياس و هو باطل اتفاقا و احتج الاخرون و منهم القاضي ابوبكر و ابن شريح و

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 219 *»

جماعة من الفقهاء و اهل العربية بان التسمية بالاسم دائرة مدار المعني وجوداً و عدماً كالتسمية بالخمر فانها دائرة مع تخمير العقل وجوداً و عدماً و لهذا لم‏يسمّ العصير خمراً و الدوران امارة العلية و يرد علي الاولين انا لانريد مجرد الاحتمال بل مع الاستناد الي امارة و مع الامارة لايصار الي الاحتمال المرجوح العاري عن الامارة كماتوهمتموه و قولكم انهم منعوا طرد الادهم في غير الفرس ممنوع فانهم اطلقوه علي القيد و الاسود و الليل و الجديد من الاثار لظهور اللون المتجدد فانهم قديطلقون علي الكثرة و التعدد السواد في الجملة كما هو معروف عند اهل الحكمة الاشراقية و اطلقوه علي الدارس من الاثار من الاضداد لخفائها المكني عنه بالسواد ضد الظهور و علي البعير الشديد الورقة حتي يذهب البياض قاله في القاموس لانه ذكر ان الاورق من الابل مافيه بياض الي سواد و مرادهم بشديد الورقة اي الغالب عليه السواد و لهذا سمّوه الادهم و منه مدهامتان لان خضرتهما تضرب الي السواد و امثال ذلك فاين منع الطرد و يرد علي الاخرين ان التسمية بخمر دارت مع المعني و المحل و هو كونه ماء العنب لان التسمية انما تتحقق اذا تحقق المحل و ان عدم عدمت فانقلب الدليل و فيه المنع من توقف التسمية علي المحل الخاص و انما المعروف التوقف علي التخمير لا غير و لا دليل علي غيره بل المتعارف اطلاق الخمر علي كل مسكر و اما تخصيصه بخمر العنب فعرف خاص علي ان النصوص متظافرة بتسمية المسكر خمرا كقول الصادق7 في النبيذ شُهْ شُهْ تلك الخمر المنتنة و فيما رواه ابوايوب الخراز كما في الكافي في علة تحريم الخمر الي ان قال فمن ثم يختمر التمر و العنب و في صحيحة ابن الحجاج عنه7 قال قال رسول اللّه9 الخمر من خمسة العصير من الكرم و النقيع من الزنيب و البتع من العسل و المزر من الشعير و النبيذ من التمر و صحيحة علي بن يقطين عن ابي‏الحسن7 ان اللّه تبارك و تعالي لم يحرّم الخمر لاسمها و لكن حرّمها لعاقبتها فما كان عاقبته الخمر فهو خمر لايقال ان الروايات لاسيما الاخيرة صريحة في اشتراط المحل في التسمية اذ يقول لم‏يحرّمها لاسمها فلو كان غيرها يجوز ان يسمي باسمها

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 220 *»

لما حسن قوله فما كان عاقبته الخمر فهو خمر لانه اذا كان عاقبته الخمر يسمي بالخمر من دون المحل فلافائدة لقوله فهو خمر لانا نقول انه قرّر عدم اشتراط المحل في التسمية لانه لماسميت الخمر بذلك بين ان ذلك ليس للمحل و انما هو للمعني الجامع و هو التخمير فما كان عاقبته التخمير فهو خمر فسمي ماكان كذلك خمراً فجعل الحكم الذي هو منوط بالاسم دائر مدار العاقبة وجوداً و عدماً دون المحل و هذا ظاهر علي انه لادليل علي ان اللفظ انما وضعه الواضع بازاء المعني و المحل معا و كون الواضع سماه بهذا لايدل علي نفي غيره و قد سمعت تسمية اهل العصمة: ما عاقبته الخمر خمرا و هم اهل اللسان و لم‏يبق الاّ احتمال الحقيقة الشرعية او المجاز و الاصل عدم النقل و عدم المجاز فظهر ان التسمية بهذا الاسم و ان كانت في الاصل لمعني في محل مخصوص لم‏تكن لخصوص المحل بل انما هي لعلية ذلك المعني فهي دائرة مدار علية المعني وجودا و عدما و المعارضة بقلب الدليل مصادرة من غير دليل و في القاموس الخمر ما اسكر من عصير العنب او عام كالخمرة و العموم اصحّ لانها حرّمت و ما بالمدينة خمر عنب و ما كان شرابهم الاّ البسر و التمر سميت لانها تخمّر العقل او تستره او لانها تركت حتي ادركت و اختمرت او لانها تخامر العقل اي تخالطه انتهي فتأمل كلام اهل اللغة في صراحته بان التسمية دائرة مدار المعني لا غير الاّ ان الظاهر عدم العموم في اصل الوضع و لو كان كذلك لكان كلما وجد فيه المعني فهو خمر باصل الوضع و لو كان كذلك لما وقع الخلاف فيه بين العلماء فهم بين من يسمي ما وجد فيه المعني غير العنب بالخمر مجازا و بين من يسميه قياسا و اما باصل الوضع فلا لايقال انها لو ثبتت بالقياس لجاز اثباتها في كل موضع و هذا متعذر لانا نقول انما اجزنا ما اثبته القياس اذا ظهر في الاصل ان التسمية بالاسم للمعني في محل مخصوص للعلية التي هي مستندة القياس و الاّ فلا فان قلت اذا جاز القياس في اللغة جاز في الاحكام لانها منوطة باللغة قلت لايلزم ذلك لان الشي‏ء اذا جاز تسميته باسم قد اثبت له بالقياس تناوله الحكم بعموم الدليل او باطلاقه لا بالقياس و اليه الاشارة بقوله7 فما كان عاقبته الخمر فو خمر فلو حلف الاّ يشرب

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 221 *»

خمرا و شرب نبيذا مسكرا او فقاعا او مزرا او نقيعا او تبعا حنث و وجبت عليه كفارة خلف اليمين بدلالة الاخبار علي انها خمر لان عاقبتها عاقبة الخمر بخلاف ما لو حلف الاّ يقتل اسداً فقتل زيد الاسد اي الشجاع لصحة التسمية في الاول حقيقة لوجود العلة فيها و مجازية التسمية في الثاني و يأتي ان شاء اللّه في دلالة اللفظ مايؤيد هذا عند ذكر مذهب عباد بن سليمان الصيمري الاّ ان الاولي ان يقال ان لم‏يعلم ان التسمية انما وضعت بازاء المعني الذي هو مبدأ الاشتقاق لعليته بل انما وضعت اما بازاء المعني و المحل المخصوص معا او بازاء المحل خاصة او جهل الحال او شك في التعيين فينبغي القطع بعدم جواز القياس لفقد تخصيص الدلالة الذي هو مدار التسمية و ان علم ان التسمية انما وضعت بازاء المبدء في المحل المخصوص من حيث علية ذلك المبدء جاز تسمية ما وجد فيه ذلك لوجود المناسبة الوضعية التي هي العلة قياسا علي ذلك الاول و ان لم‏يجز استعمال ذلك الاسم في الثاني حقيقة لكان المانع منه اما عدم المناسبة او مشاركة المحل للمعني في التسمية و المفروض خلافهما فيثبت جواز استعمال ذلك الاسم في المعني الذي هو في المحل الاخر فقولنا في المحل المخصوص احتراز عما لو وضع الاسم للمعني الذي هو المبدء بدون خصوص محله كالاسود فانه وضع بازاء من وجد فيه السواد لا لخصوص محله فانه في الحقيقة عامّ فيشمل كل من وجد فيه السواد حقيقة كسائر الفاظ العمومات و هذا لا خلاف فيه كماتقول زيد قائم فاذا قام عمرو قلت عمرو قائم لان القيام وضع للهيئة المعروفة بدون خصوص المحل فمثل ذلك وضع لمعني كلي يشمل جميع افراده من وضع الواضع و عما لو وضع الاسم للمعني الذي هو المبدء بخصوص المحل لا من حيث عليته فانه خاص لا يصدق علي غيره لا من جهة الوضع للتخصيص و لا من جهة القياس للفارق و مما نحن فيه اي الخمر فانه علي ما هو المعروف وضع بازاء المعني الحاصل في المحل المخصوص الذي هو العنب من حيث عليته و هو تخمير العقل فوضع الخمر لذلك المعني الموجود في العنب في بعض احواله ليس له و للمحل علي سبيل التشريك و لا التميم بمعني ان الوضع للمعني لايتم الاّ بمحله المخصوص

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 222 *»

كان يكون المعني مادة للمسمي و المحل صورة له و انما الوضع للمعني من حيث العلية و اعتبار خصوص المحل في اصل الوضع اما لتأصله في حصول ذلك المعني او لقوته او لشدته او لقرب قوته الي الفعل او لسبقه في الوجود و قوله7 ان الله  لم‏يحرّم الخمر لاسمها و لكن حرّمها لعاقبتها مشعر بان التسمية للعاقبة لقوله7 فما كان عاقبته الخمر فهو خمر مع قوله7 في النبيذ شُهْ شُهْ تلك الخمرة المنتنة و مشعر بصحة التسمية لما كان عاقبته الخمر و مشعر بعدم الحصر و ذلك مشعر بصحة القياس فان قيل ان ذلك مجاز و العلاقة هي التخمير كما تسمي زيدا بالاسد و العلاقة هي الشجاعة قلنا ان تسمية زيد بالاسد علم كونه مجازا بنص اهل اللغة عليه و هذا لم‏يثبت النص علي مجازيته و الاّ لما وقع الخلاف فيه كما لم‏يقع في مجازية اسدية زيد علي ان الشجاعة بحسب ظاهر الوضع ذاتية في الاسد و لهذا جميع افراد هذا الجنس لاتفارقها الشجاعة بخلاف الانسان و العنب الذي هو المحل لايسمي خمرا لانه ليس بذاتي له و انما يسمي اذا طرء عليه الاختمار و كذلك التمر و الزبيب و العسل و الشعير نسميه خمرا اذا طرء عليه الاختمار فهما متساويان في سبب التسمية لربطها بالاختمار كماتقدم و هذا مستعمل شرعاً و عرفاً و الاصل في الاستعمال الحقيقة علي ان الاسم انما يعين المسمي بمايدلّ من نفسه بالمادة و الهيئة علي نفس المسمي من مادته و هيئته و ذلك انما هو للمناسبة الذاتية كمايأتي ان شاء اللّه تعالي فان قلت اسرار الوضع لايحيط بها القايس و لايصح القياس علي مالايعرف قلت الاحكام انما تناط بالاسماء للمسميات و الشارع يخاطب المكلف بمايعرف منها لا بما لايعرف.

القسم الثاني

في الدلالة و المدلول و اقسامهما و فيه مسائل:

المسئلة الاولي

في معني الدلالة و هو كون شي‏ء بحيث يلزم من العلم به العلم بشي‏ء اخر و الاول هو الدال و الثاني هو المدلول و الظاهر ان المراد بمعناها هنا ليس حقيقتها لذاتها و انما يراد به مجمل مايصدق عليه اللفظ ظاهرا.

المسئلة الثانية

في تقسيم مطلق الدلالة و هي ثلثة اقسام وضعية و طبيعية و عقلية

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 223 *»

و الاول علي قسمين لفظية كدلالة لفظ زيد علي معناه فانها وضعية لفظية و الثاني من القسم الاول غير لفظية كدلالة الدوال الاربع علي معانيها فانها وضعية غير لفظية كالاشارة و الكناية (الکتابة خ‌ل) و العقد و النصب و الثاني و هو الطبيعية علي قسمين لفظية كدلالة اُحْ اُحْ علي وجع الصدر و غير لفظية كدلالة سرعة النبض علي الحمي و الثالث علي قسمين لفظية و غير لفظية فالاولي كدلالة لفظ ديز علي وجود اللافظ فانها عقلية و الثانية كدلالة الدخان علي وجود النار و ذكر البهائي في الحاشية علي الزبدة ان الاصطلاحات المتداولة في تقسيم الدلالات خمسة الاول المشهور الذي عليه الاكثر و هو ان الدلالة اما لفظية اولاً و الثانية عقلية و وضعية و الاولي وضعية و عقلية و الطبيعية و الوضعية اما مطابقة او تضمن او التزام الاصطلاح الثاني ما عليه اكثر اهل العربية و هو ان دلالة اللفظ اما وضعية او عقلية و الوضعية مطابقة و تضمن و التزام و هذا كالاول في تقسيم اللفظية الوضعية الي الثلثة الثالث اصطلاح اكثر الاصوليين و هو ان دلالة اللفظ اما وضعية او عقلية و الاول المطابقة و الثانية علي الجزء تضمن و علي الخارج التزام الرابع اصطلاح بعض الاصولين كالحاجبي و هو كاصطلاح اكثرهم الاّ انهم يجعلون التضمني لفظية و الالتزامية عقلية الخامس اصطلاح الاشراقيين و هو ان دلالة اللفظ علي معناه دلالة قصد و علي جزئه دلالة حيطة و علي لازمه دلالة تعقل و هو قريب من اصطلاح الاصوليين و الفرق بالتسمية و نحن اخترنا مايوافق مذهب الاوليين انتهي و يأتي ذكر ما فيه الفائدة.

المسئلة الثالثة لما كان غرض اهل الاصول بل و غيرهم من جهة عموم الاانتفاع انما هو في الاولي و هي اللفظية الوضعية اذ مدار الادلة غالبا علي الالفاظ الموضوعة كان الانتفاع بها انما هو من حيث الدلالة و ان كان يحتاج المستنبط في

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 224 *»

بعض الاحيان الي غيرها بل الي تمييز بعض الدلالات في انفسها كدلالة الاقتضاء و دلالة التنبيه[1] و دلالة الاشارة من المنطوق لان ما هو في محل النطق صريح و غير صريح فالصريح كالمطابقة و هو دلالة اللفظ الموضوع علي تمام ما وضع له و غير الصريح منه كالالتزام فان دلالته ليست وضعية لان اللفظ لم‏يوضع له و انما وضع لملزومه و ليس ذلك اللزوم وضعياً ليشارك ملزومه في احكام الوضع و انما هو عقلي فتكون دلالة الالتزام عقلية لان الذهن انما ينتقل الي اللازم عند سماع اللفظ الموضوع للملزوم و علمه به انتقالا ثانيا عرضيا بعد انتقاله الي الملزوم بان تلتفت النفس بعد توجهها الي مدلول اللفظ بدلالته لها عليه الي ما كان لازما له من جهة العقل و هذا هو المعروف عند علماء الاصول.

و اما دلالة التضمن فالاكثر علي انها من المنطوق غير الصريح و الدلالة عقلية لما قيل في الالتزام و هو ان اللفظ انما وضع للكل فاذا اطلق انتقل ذهن العالم بالوضع اليه ثم ينتقل منه الي جزئه لكونه بعض الموضوع له انتقالا عرضيا و ليس المراد انه ينتقل اليه مطلقا و لا اليه مع غيره من الاجزاء و انما ينتقل اليه وحده من حيث هو جزء الموضوع له اللفظ فتكون بهذا الاعتبار عقلية و قيل انها بالنسبة الي الالتزام من الصريح و ان لم تتساو المطابقة لدخولها في حقيقة الكل بخلاف الالتزام فان اللازم خارج عن حقيقة الملزوم و انما انتقل الذهن الي الجزء و ان كان بعد انتقاله الي الكل بدلالة اللفظ عليه و ضعا في ضمن الكل فدليل العقل في الالتزام هو اللزوم الذهني و هو صفة اللازم و ليس في الحقيقة في اللفظ دلالة عليه لانه خارج عن حقيقة معناه و لكن لما كان لازمه و لاصقه في الخيال انتقل اليه الذهن لحضوره عند الملزوم و اما دليل العقل في التضمن فانما هو تناول اللفظ في اصل الوضع للجزء في ضمن الكل فانتقال الذهن اليه بخصوصه انما هو بتلك الجهة من الدلالة الوضعية بسبب انبساطها علي الكل الذي بعضه ذلك الجزء فالدلالة وضعية و لا يخرجها عن الوضعية انها ثانية للاولي او ان مدركها العقل لان كونها ثانية انما هو من جهة التخصيص لذلك الجزء لان الدلالة عليه من جهة الاشتراك اولي لا ثانية و اما كون مدركها العقل فلاينافي ذلك لان كل دلالة انما

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 225 *»

يدركها العقل حتي المطابقة اذ ليس العقل دليلا و انما هو مدلول و هذا هو الاقوي و به قال الحاجبي و من تبعه ثم الدلالة اللفظية الوضعية ثلثة اقسام مطابقة و تضمن و التزام لان الدلالة اللفظية الوضعية ان كانت من اللفظ علي تمام ما وضع له من حيث انه موضوع له فهي مطابقة كلفظ الانسان فانه موضوع للحيوان الناطق و معني كونها مطابقة و هو مطابقة اللفظ او انطباقه عليه بمعني عدم زيادته عليه او نقصه عنه او تناوله ما ليس منه و ان كانت منه علي جزء معناه من حيث انه موضوع لكله فتضمن لتضمن دلالة الکل دلالة الجزء و ان كانت منه علي الخارج عن حقيقة ما وضع له اللفظ اللازم لذلك المعني الموضوع له اللفظ من حيث انه موضوع لذلك المعني الملزوم فهي التزامية بمعني ان اللفظ دل علي معني ملزوم التفت العقل بتلك الدلالة الي اللازم و تنبه عليه لحضوره عند الملزوم المدلول عليه بالدلالة اللفظية الوضعية ثم اعلم انهم قد اختلفوا في انه هل يشترط في اللازم اللزوم الذهني للملزوم لئلا يفارقه الحضور في حال فلايتحقق دلالة الالتزام ام يكفي اللزوم العرفي الخاص او العام و الاصح الثاني اذا اعتقد اللزوم باعتياد اجرائه (باعتبار اجزائه خ‌ل) علي البال عند ذكر الملزوم بحيث كان اللازم بالاعتبار (بالاعتياد خ‌ل) لازم الحضور عند ذكر الملزوم و عليه الجمهور قالوا لئلا يخرج اكثر المجازات المستعملة في عرف اللغة عن الدلالة الالتزامية و علي كل تقدير فلايشترط اللزوم الخارجي لتحقق الدلالة الالتزامية في كثير من الامور المتعاندة في الخارج لتحقق اللزوم في الذهن لكثير من الكلمات و الاكوان و غيرهما فاذا عرفت هذا ظهر لك ان التضمن و الالتزام تلازمهما المطابقة لان الدلالة علي الجزء مستلزمة للدلالة علي الكل و كذلك الدلالة علي اللازم تستلزم الدلالة علي الملزوم فلو اشتهر استعمال اللفظ في جزء معناه او لازمه اعتبر تقدير الكل و الملزوم و اما المطابقة فقد توجد و لاتضمن و لا التزام كما لو كان مسمي اللفظ بسيطا لا جزء له و لا لازم كذات الواجب تعالي فان المطابقة تحقق وحدها و اعلم ان التقييد بالحيثية في الدلالات الثلث احتراز عن اللفظ المشترك بين الشي‏ء و جزئه و بين الشي‏ء و لازمه

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 226 *»

فالاول مثل لفظ الامكان المشترك بين الكل كالامكان الخاص الذي هو سلب الضرورة من الطرفين و بين جزئيه كالامكان العام الذي هو سلب الضرورة من طرف واحد فانك اذا اطلقت لفظ الامكان دلّ علي العام من حيث انه موضوع له بالمطابقة و من حيث انه جزء ما وضع له اللفظ اعني الخاص بالتضمن و الثاني مثل لفظ الشمس المشترك بين الكوكب النهاري و بين لازمه و هو الضوء فاذا اطلقت لفظ الشمس دلّ علي الضوء من حيث انه موضوع له بالمطابقة و من حيث انه لازم لما وضع له اللفظ اعني الكوكب النهاري بالالتزام فبالتقييد بالحيثية تميز بالدلالات بعضها من بعض فهو ظاهر.

المسئلة الرابعة في بيان حقيقة الدلالة و قد اختلفوا في تعريفها فقيل الدلالة عبارة عن كون الشي‏ء بحيث اذا علم او احسّ فهم منه شي‏ء آخر و قيل عبارة عن كون الشي‏ء بحيث يلزم من العلم به العلم بشي‏ء آخر و هذان التعريفان انما هما تعريف لمطلق الدلالة فمن فسّر بهما الدلالة اللفظية الوضعية فقد اخطأ الحقيقة لان ذلك و ان كان قديكون غالبا و يحصل منه مايصدق عليه باعتبار الفائدة لكنه لم‏يكن كاشفا عن الحقيقة و الكلام انما هو فيها و قال الشيخ في الشفا ان معني دلالة اللفظ هو ان يكون اذا ارتسم في الخيال مسموع اسم ارتسم في النفس معناه فتعرف النفس ان هذا المسموع لهذا المفهوم فكلما اورده الحس الي النفس التفت النفس الي معناه انتهي و فيه ان الدلالة علي هذا هو فهم النفس لقوله فتعرف النفس و معرفة النفس ليست حقيقة الدلالة لان الدلالة صفة اللفظ و المعرفة صفة النفس و ان اراد ان بين الارتسامين مناسبة فتعرف النفس ان ذلك المرتسم الخيالي لذلك المرتسم النفسي فحسن و لكن ذلك اشارة مبهمة الي الدلالة و مطلوبنا تفسيرها علي ان قوله ارتسم في النفس معناه فيه ان اللفظ ليس في الحقيقة موضوعا لما في النفس و الاّ لكان استعماله في المعني الخارجي ليس حقيقة و قداشرنا سابقا الي بيان ذلك من ان الوجود الذهني ليس نفس الوجود الخارجي و انما اراد بما ارتسم في النفس معناه صورة معناه الخارجي التي انتزعها الذهن منه فهي طريق الذهن في وضع اللفظ بازائه و صرف الدلالة اليه فحسن الاّ

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 227 *»

ان ظاهر كلامه عدم ارادة ذلك و قال الخونجي بانها عبارة عن فهم المعني من اللفظ عند اطلاقه بالنسبة الي من هو عالم بالوضع و فيه ماتقدم من جعله الدلالة هي فهم المعني و قد بينا ان الفهم من المخاطب و هو المدلول و اللفظ هو الدال و الدلالة صفة اللفظ و هي نسبة بين المعني و بينه فكيف يكون الفهم هو الدلالة اذ لو كان هو الدلالة و هو صفة المخاطب لكان الدال مدلولا هف ثم قال و الاولي ان يقال انها عبارة عن كون اللفظ بحيث اذا سمع فهم منه المعني للعلم بالوضع اقول ان قوله فهم منه المعني صحيح و لكنه مبهم و ليبين لنا كيفية الفهم عن اللفظ و منهم من جعل الدلالة الارتسام النفسي لا الحيثية فقال دلالة اللفظ علي المعني هو فهم المعني عند ذكر اللفظ و فيه ماتقدم و اكثر المتأخرين يجعلونها نسبة بين اللفظ عند اطلاقه و بين الارتسام النفسي فيقولون دلالة اللفظ كونه بحيث اذا اطلق حصل الشعور بمعناه اقول و هذا معلوم ايضاً و انما المجهول كيفية افادة اللفظ ذلك الشعور و الحق ان الدلالة صفة اللفظ لا صفة السامع و لا صفة اللافظ كما قديتوهم و ذلك لان الواضع حكيم وضع الاسماء علامات علي المسميات و كمال العلامة ان تكون علي هيئة تدلّ تلك الهيئة علي ما وضعت له و حيث كان كل شي‏ء زوجا تركيبا وجب ان يكون لذلك الاسم هذا الحكم و المراد ان كل شي‏ء له مادة و صورة و هذا رسم جميع المخلوقات و كل اسم فله مادة مخصوصة بينهما و بين ماتراد له مناسبة نوعية و له صورة مخصوصة بينها و بين ماتراد له مناسبة شخصية فاذا ارد وضع لفظ بازاء معني اخذ له من الحروف مايناسبه علي مايأتي بيانه ان شاء اللّه تعالي و جعلها مادة لاسم ذلك المعني و ركّب تلك الحروف علي هيئة من التركيب في الحركات و السكنات و التقديم و التأخير تناسب ذلك المعني كذلك و تلك الهيئة هي صورة ذلك الاسم فوضعه بازاء ذلك المعني فكان الاسم بتلك المادة المخصوصة و الهيئة المخصوصة دالاّ للسامع العالم بالوضع علي مسماه كما انك اذا اومأت الي زيد بان يأتي اليك او مأت اليه بهيئة الاقبال بان تقبض اصابعك في الجملة مشيرا له بها اليك فيفهم بالمادة و هي حركة اليد و الصورة و هي

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 228 *»

الاشارة له بيدك اليك كالجاذب له ارادة الاقبال و لو اردت انصرافه اومأت بيدك اليه بهيئة الدفع فيفهم بالحركة و الهيئة ارادة الانصراف لان هذه الهيئة في المادة المخصوصة تدلّ المشار اليه علي مايراد منه فكذلك الاسم بالمادة و الهيئة المخصوصتين يدلّ السامع علي معناه فحقيقة الدلالة ارشاد اللفظ بمناسبة مادته و صورته لفهم المخاطب الي المعني الموضوع له كما مثّلنا في الاشارة فان قلت لو كان ذلك كذلك لم‏يجهل احد شيئا من المعاني و الواقع خلافه قلت انما احتيج للعلم بالوضع هنا لشدة خفاء المناسبة لانها مناسبات حرفية من عالم الغيب علي ما حقّق في محله فان قلت اذا كانت مناسبات حرفية من عالم الغيب فما الفائدة في ملاحظتها و اعتبارها اذا لم‏يطّلع عليها جميع المخاطبين قلت الفائدة شيئان احدهما اقتضاء حكمة الحكيم ان لا يخصّص شيئا بشي‏ء بغير مناسبة تقتضي التخصيص مع قدرته علي ذلك و ثانيهما ان ذلك اسكن لقلب المخاطب لو تنبّه في بعض الاحوال لبعض المناسبات كما ذكر في المادة في الفرق بين الفصم و القصم ان الاول الكسر بسهولة بدلالة الفاء فانها حرف مهموس ليّن و الثاني الكسر بشدة بدلالة القاف فانها حرف قلقلة و شدة و جهر و كما ذكر في الصورة ان الفعلان محرّكا لمايقتضي التقلّب و الحركة كالطيران و الجولان و الغليان و في دلالة الوضع للاصوات بمايناسبها كما قيل في صوت الغراب غاق و في صوت شفتي الناقة عند شربها شيب اذ لو وضع غاق لصوت شفتي الناقة عند الشرب و شيب لصوب الغراب ثم تنبه المخاطب للمناسبة لنفرت نفسه من ذلك لمابين اللفظ و بين معناه من المنافرة و مااشبه ذلك و هذا هو الجاري علي كل لسان فانك لاتجد احدا يسند الدلالة الا الي اللفظ فيقول هذا اللفظ او هذا الكلام يدلّ علي كذا و قد اتّفق علماء النحو علي ان لفظ ضرب الذي هو الفعل الماضي يدلّ بمادته علي الحدث و بهيئة علي الزمان و هو ظاهر و علماء الاصول يذكرون هذا في باب تقسيم الكلمة الي الاسم و الفعل و الحرف لايختلفون فيه و لايذكرون ماتكلّفوه هنا فراجع كتبهم و يكون المعني علي ماسمعته من التحقيق بان حقيقة الدلالة هي ارشاد اللفظ بمناسبة مادته و صورته لفهم المخاطب الي الموضوع له فان قلت هذا لايجري

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 229 *»

علي ماقررت من ان كل شي‏ء فله مادة و صورة اذ يلزم من ذلك ان يكون الدال علي الحدث له مادة و صورة و الدال علي الزمان له مادة و صورة و كلام اهل النحو الذي استدللت به يدلّ علي ان المادة وحدها تدلّ علي الحدث و الهيئة وحدها تدلّ علي الزمان قلت ان المادة و الصورة تدلان علي الفعل الماضي و هو حدث متقوّم بزمان لامطلق حدث و لامطلق زمان ليتجّه الاعتراض بل هو شي‏ء واحد مركب من شيئين لانه حركة الفاعل المقترنة بالزمان الماضي و المراد الاّ وجود لها زائدا علي زمان صدورها فالمعني المدلول عليه بالفعل الماضي المركب منهما هو شي‏ء واحد دلّ عليه بمادة و صورة بخلاف الضرب بسكون الراء فانه اسم معني مستقلّ لم‏يلحظ فيه الاقتران بزمان فيحتاج الي مادة و صورة هذا ظاهر الكلام و اما في الحقيقة فلست تعني بالفعل الماضي حدثاً وقع في زمان ماض اذ لو اردت ذلك كان ذلك اسما لا فعلا نعم هو اسم للحركة الواقعة في الزمان الماضي و هذا هو المعبر عنه عندهم بالمصدر كماتقول الضرب الماضي و الضرب المستقبل و انما تعني به الحركة حال الصدور عن الفاعل بنفسها في الماضي و حال صدورها في المستقبل مثلاً و ذلك متقوم في الوجود بالزمان فهو شي‏ء واحد علي انا نثبت لكل منهما ماتقول و لكن ليس هذا موضع بيانه لان الغرض من هذا بيان الدلالة فان قلت اذا كان لابد من المناسبة في اصل الوضع فينبغي ان لايكون لفظ واحد يدلّ علي معنيين الاّ بتغيير المادة و الصورة في احدهما مع انا لانجد اكثر اللغة كذلك كما نقول الضرب هو الدق مثلاً و الضرب هو النوع و ما اشبه ذلك قلت ان الضرب بسكون الراء في اصل الوضع مناسب بمادته و صورته للمعنيين و لكن لما كانت الاثنينية لاتتحقق به المغائرة المقتضية للتعدد و قد كان الواضع وضع اللفظ لواحد و لم‏يكن في نظرة الاخر فوضع له مايناسبه و لماتوجه للاخر و لم‏يحضره الاول وضع له مايناسبه فاذا اجتمعا في نظره و اراد دلالة المخاطب علي احدهما بالتعيين نصب قرينة مع الاسم تعين المقصود بالاسم منهما كما هو شأن المشتركات و يأتي تحقيق هذا الحرف ان شاء اللّه في بيان ان بين اللفظ و المعني مناسبة ذاتية فاذا نصب مع الاسم المشترك قرينة كان ذلك الاسم

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 230 *»

دالاّ علي المعني المعين بالمادة و الصورة المركبة بمناسبتهما للمعين و معني تركب الصورة هنا انها مركبة من صورة الاسم الاولي و من القرينة فيكون منهما صورة مركبة تدلّ بمناسبتها علي المعني المخصوص مع بقاء الصورة الاولي علي حالها حفظا لاصل بنية الاسم ليكون اذا اراد تعيين المعني الاخر اخذها و ركّب منها و من القرينة المعينة صورة مركبة مناسبة فان قلت هذا يتجه في المشتقات اما في الاسماء الجامدة فكيف تحصل الهيئة المناسبة فان زيدا يستعمل في مائة رجل قلت ان الاسم الجامد يدلّ بمادته و صورة استعماله الخاص بشخص علي مسماه فمن عرف صورة ذلك الاستعمال الخاص به عرف مسماه و من لم‏يعرف الخصوصية لم يدلّه اللفظ علي مسماه بل يحتاج الي اضافات و نسب تتركب منها الهيئة الدالة فاذا قلت جاء زيد كان متشخصاً متعينا عند المخاطب باستعمال هذا اللفظ في تعيينه عرف الشخص و الاّ طلب منك تعيينا (تعينا خ‌ل) فتقول ابن عمر فان حصل بها صورة الدلالة و التعيين فحسن و الاّ قال لك من زيد بن عمرو فتقول البصري و هكذا فكان بالمادة و بالاستعمال دالاّ علي معناه و الصورة من الهيئة الاستعمالية و هي كون اللفظ مستعملا في معروف او يضاف اليه تعريف لان منشاء الدلالة التي هي الارشاد الي المعني له ركنان احدهما المادة و مناسبتها نوعية و ثانيهما الهيئة و مناسبتها شخصية كما مرّ فخذ ما اجري اللّه لك علي يدينا من معرفة الدلالة و احمده و كن له من الشاكرين و لايذهب وهمك الي ماتقدم من الاقوال فتظن انهم اصابوا و انا اشير لك الي الواقع مماذكروا و هو ان المتكلم اذا اطلق الاسم لافهام شخص و كان عالما بوضعه لمعناه و وصل الصوت الي طبل اذنه و قرع ذلك اللفظ بحروف ذلك الطبل اللطيف ميّزها العقل بصفاتها من الجهر و الهمس و الشدة و الرخاوة و القلقلة و الاطباق و الانفتاح و الاستعلاء و غير ذلك فتتمايز عنده بواسطة لطافة ذلك الطبل فارتسمت صورة ذلك المسموع في الحس المشترك من ذلك الشخص بحفظ العقل لها و ذلك اللفظ الخارجي الذي اطلق للافهام هو الذي اعطي ذلك الحس المشترك صورة مادته و صورة هيئته الدالتين بالمناسبة و اخذ له العقل و تلك الصورة المعطاة هي استدلال الحس المشترك و هو اعطي النفس

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 231 *»

صورة تلك الصورة فارتسمت في النفس مجردة عن المادة و المدة فتلتفت النفس بواسطة مافيها من المناسبة للمعني الي ذلك المعني الخارجي الذي قد وضع اللفظ في الحقيقة بازائة فترتسم صورته فيها بمعني ان النفس تنتزع من المعني الخارجي بمناسبة تلك الصورة التي حصلت لها من الحس المشترك صورته لان مناسبة تلك الصورة هي التي صرفت نظر النفس الي المعني الخارجي فكانت سببا لارتسام صورته فيها فكما ان صورة المعني الخارجي هي طريق النفس الي ادراكه كذلك مناسبة الصورة الحاصلة فيها من الحس و التي في الحس من اللفظ هي طريق النفس الي فهم الدلالة و ادراكها من اللفظ بواسطة مناسبة مادته و صورته لذلك المعني الخارجي و بذلك استدلّت علي ذلك المعني الخارجي و كما ان الاسم في الحقيقة انما هو موضوع للمعني الخارجي و اما المعني الذهني فانما هو عبارة عن الخارجي و صورة له و طريق الي ادراكه كذلك ما في الحس و ما في النفس من الصورة و من مناسبتها للمعني الخارجي فانها صورة مادة اللفظ و صورة هيئته و مناسبتها التي هي منشأ الدلالة و هي طريق النفس الي ادراك الدلالة لا نفسها فالدال هو اللفظ بمناسبته مادته و صورته و المناسبة هي آلة دلالته و الدلالة هي ارشاد اللفظ بمناسبة مادته و صورته الي المعني الخارجي و المستدلّ هو النفس بمافيها و ما في آلتها التي هي الحس من مناسبة تلك الصورة المرتسمة فيها و المستدلّ عليه هو المعني الخارجي بما في النفس من صورته اذ هي الالة لادراكه فافهم فقد كشفت لك الحال و رددت في المقال و اللّه سبحانه ولي التوفيق.

المسئلة الخامسة ذهب عباد بن سليمان الصيمري و علماء التكسير من اهل الجفر و اهل الهيمياء و بعض المعتزلة و غيرهم الي ان بين اللفظ و المعني مناسبة ذاتية بسببها نشائت دلالة اللفظ علي المعني و ذهب الاكثر من اهل العربية و الاصول الي ان دلالة اللفظ علي المعني انما هو بوضع الواضع قال المشهور انه لو كانت دلالة اللفظ بسبب المناسبة الذاتية لما صحّ وضع اللفظ الدالّ علي معني بالمناسبة الذاتية لنقيضه او ضدّه و قد وضع كالقرء للحيض و الطهر و الجون للابيض و الاسود قالوا و بيان الملازمة انه لو وضع اللفظ لنقيض معناه الاول او

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 232 *»

ضده فاما ان يدلّ علي الثاني في ذلك الاصطلاح دون الاول او لا و كلا الامرين باطل لان ما بالذات كما هو المفروض في كل واحد من المعنيين لايتخلّف عنها فلايجوز ان لايدلّ علي كل واحد منهما لوجود المناسبة لكل منهما و لايجوز ان يدلّ علي واحد دون الاخر لان مايناسب الشي‏ء لايتخلّف عنه و لايجوز ان يدلّ عليهما معا لان مايناسب الشي‏ء بالذات و لايناسب نقيضه بالذات و الاّ لما كان ما بالذات بالذات و استدلّ اصحاب المناسبة بانه لولا المناسبة لتساوت نسبة الالفاظ الي المعاني فلم يختصّ بعض الالفاظ ببعض المعاني و التالي باطل بيان الملازمة انه اختصّ بعضها ببعض فاما ان يكون لمخصصّ او مرجّح ام لا فان كان التخصيص لزم التخصيص بلامخصص اذ المفروض عدم المناسبة و ان لم‏يكن التخصيص يلزم الاختصاص و كلاهما محال قال الاكثرون لايلزم من عدم المناسبة عدم المخصص لجواز ان يكون المخصص ارادة الواضع فان كان هو اللّه كانت الارادة لتخصيص الوضع منه سبحانه كارادة تخصيص حدوث الحادث بوقت مع تساوي نسبة الاوقات الي الحادث و ان كان هو البشر كان تخصيصهم بالارادة كارادة تخصيص الاعلام بالاشخاص مع تساويهما قال اهل المناسبة ارادة الواضع لاحد مقدوريه بدون داع يستلزم الترجيح بلامرجح و هو ممنوع قال الاكثر الممنوع الترجيح بلامرجح لا الترجح بلامرجح فان ذلك جايز و قال بعضهم ان مذهب اهل المناسبة باطل لمخالفة الضرورة فيمكن تأويل كلام اهله بان الواضع حال الوضع يلحظ المناسبة اذا امكنت بين اللفظ و المعني و لهذا وضع الفصم بالفاء علي الكسر بسهولة لما بين الفاء التي هي حرف مهموس و رخوة و بينه من المناسبة و وضع القصم بالقاف علي الكسر بشدة لمابينه و بين القاف من المناسبة لان القاف حرف شديد و مجهور و قلقلة و ان لم تكن هي المخصصة بل يخصّص بارادته اقول و انت اذا نظرت الي هذا الحمل من السكاكي رايته صلحاً بغير رضي الخصمين لان الاكثر يقول ان اهل المناسبة مصرّحون بذلك و هم ايضاً قائلون به و نافون لماسواه فاقول ان الاصح ما ذهب اليه اهل المناسبة لما ذكرنا في المسئلة الرابعة

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 233 *»

من الاشارة الي اسماء الاصوات و اشتقاقات بعض الكلمات فان كثيرا من المعاني تظهر فيها المناسبة كالخضخضة و الطنيطنة و كالغليان و النزوان و غير ذلك فتجد صورة فيها (فيها صورة خ‌ل) تشابه حركة مسماها و حروفاً تناسب اصواتها اصوات مسماها بحيث لو سمعها من لم‏يكن عالما بالوضع و قيل له في مسمي الخضخضة ما اسم هذه أ خضخضة ام مرجلة (مرحلة خ‌ل) مثلاً لقال الاولي ان يسمي خضخضة و لايناسب ان تسمي مرجلة (مرحلة خ‌ل) و هذا شي‏ء يعرف بالطبع و العقل و ليس لذلك دليل الاّ ماتدركه الفطنة من المناسبة قال الاكثر لو دلّت الالفاظ بالذات لامتنع اختلافها باختلاف الامم في الاصقاع و الازمان و لاهتدي كل احد الي وضع و هو معلوم البطلان و لانا نعلم بالضرورة انا لو وضعنا لفظ الكتاب لمعني النار و بالعكس امكن و دلّت اللفظتان كما دلّتا في اللغة و الجواب انا نقول ان المناسبة لانريد منها خصوص المناسبة الشخصية بل قد تكون مناسبة نوعيه كمناسبة الانسان لزيد و عمرو او جنسية كمناسبة الحيوان لزيد و الفرس بل لانريد منها ظاهراً الاّ مطلق الصلوح الذاتي للمسمي في المادة و الهيئة فاذا اخذت حروفا او لفظا و لذلك المأخوذ صلوح نوعي او غيره من جهة مادته لمادة معني او معان متكثرة كان وضعه مع الهيئة الشخصية الوضعية او الاستعمالية المناسبة لهيئة المسمي دالا بالذات علي المسمي لانا لا نريد بالمناسبة الذاتية بينهما الاّ صلوح اللفظ بمادته و هيئة لمشاكلة المعني بمادته و هيئته سواء كان ما من المادة شخصيا ام نوعيا ام جنسيا و اما صلوح هيئة اللفظ لهيئة المعني فنعتبر شخصية الارتباط بينهما و ان كان لللفظ هيئة نوعية او شخصية بحيث يصلح بعض افرادها لمشاكلة بعض هيئات بعض المعاني كالحيوان الصالح للانسان و الفرس فانه مشتمل علي حصص كل حصة صالحة لكل نوع من انواع الحيوان في الجملة كحصص الخشب الصالح (الصالحة خ‌ل) للسرير و الباب و السفينة و الصندوق و انما تتمايز الانواع بالصور فاذا اخذت حصة من الحيوان و لفظها حيوان و ضممت اليه لفظ ناطق الذي مدلوله في الانسان هو الهيئة الانسانية بمنزلة هيئة السرير فيه دلّ علي الانسان و ان ضممت اليه لفظ صاهل الذي مدلوله في الفرس هو الهيئة الفرسية كذلك دلّ علي الفرس فالحيوان

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 234 *»

مادة الكل الصالحة لكل من الانواع بالهيئة الوضعية المناسبة لهيئة الموضوع له فحيوان مع ناطق يصلح للانسان و لايصلح للفرس و مع صاهل يصلح للفرس و لايصلح للانسان و ذلك لخصوص الهيئة النوعية بالنوع و يصلح احدهما للاخر في الهيئة الجنسية لانها لاتنافيها النوعية كما ان الشخصية لاتنافي النوعية ثم لما كانت المواد تصلح للذوات المختلفات بالهيئات المناسبة لها فانها هي الماهيات الاولي (الاول خ‌ل) و مع اجتماع حصة منها بهيئتها تحصل الماهية الثانية التي هي الحقيقة كانت الالفاظ كذلك مع هيئاتها لتساوي مراتب الوجود في الاكوان و الاعيان و التكونات فمن عرف واحدا عرف الاخر و بيان ذلك ان المناسبة من جهة المادة فلصلوحها للمختلفات من المعاني في ساير اللغات و اما المناسبة بالهيئة الخاصة بالمعني الشخصي فلان الهيئات كثيرة حتي للمعني الواحد فاهل هذه اللغة مثلاً يأخذون مادة من اللفظ لها صلوح مع هيئة من هيئات اللفظ لمناسبة ذلك المعني المخصوص فيدلّ عليه لمناسبة مادته لمادة المعني و هيئته لهيئته و لمناسبة حقيقة اللفظ لحقيقة المعني و اهل اللغة الاخري مثلاً يأخذون تلك المادة بعينها و يصوّرونها بتلك الصورة لذلك المعني فيكون من توافق اللغتين او يصورونها بصورة اخري تناسب هيئة اخري لذلك المعني لان له هيئات متعددة و الواضع يأخذ الهيئة التي تحضر امام نظره حال التصور للوضع و ترجيحها دون غيرها من الهيئات بموافقتها لطبع اهل تلك اللغة مثلاً كالدلو فان له هيئات متعددة مثلاً له استدارة و له عمق و له هيئة كالكرة الناقصة او كالاسطوانة و كالمخروط الناقص او كقطعة الكرة و غير ذلك و له هيئات مستفادة من الجلود و هي لونه او لينه او عدم انكساره كالخزف او غير ذلك فنظر واضع لغة العرب الي هيئة من هيئاته تناسب تقديم اللام علي الواو فقال دلو لان ذلك مناسب للطبع العربي و نظر واضع لغة العجم الي هيئة اخري من هيئاته تناسب تقديم الواو علي اللام فقال دول لان ذلك مناسب للطبع العجمي او يصوّرون تلك المادة بالهيئة الاولي لمعني غير معني الاول بل قد يكون نقيضه اذا لحظ الواضع حال الوضع هيئة من هيئات المعني الثاني توافق هيئة اللفظ الاولي كالمعني الاول لان الوضع بازاء المعني لتعيين

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 235 *»

الغرض منه و هو قد يختلف باختلاف طباع اهل اللغات كمايختلف الغرض من المربع المستطيل فقد يلحظ جهة العرض منه و لايلتفت الي الطول فينظر مقدار الضلعين القصيرين المتقابلين و قد يلحظ الطول فينظر (فيقدر خ‌ل) مقدار الضلعين الطويلين و التعيين انما هو للشي‏ء من جهة مايراد منه لا من كل جهاته و هو من المناسبة الذاتية و اذا نظرت الي صنع اللّه سبحانه رأيت ان الشي‏ء الواحد قد يناسب شيئين متضادين مناسبة ذاتية كالهواء مثلاً فانه يناسب النار مناسبة ذاتية بحرارته و يناسب الماء مناسبة ذاتية برطوبته و كذلك اللفظ الواحد للمتناقضين و المتضادين بجهتيه او بجهة واحدة اذا كان الغرض المقتضي للتعيين الذي لاجل الوضع فيهما واحدا كالقرء للحيض و الطهر و العسعس الليل و كالجو للابيض و الاسود فان الوضع للاول لما يستبرء به الرحم و هو حاصل في الحيض و الطهر و الثاني لحركة الميل التدريجية السيالة فانها واحدة في الاقبال و الادبار و اما الثالث فانه للخالص عن الشوب من البياض و السواد و انما اختصّ بهما دون خالص الحمرة و الخضرة و غيرهما لحضور احدهما في ذهن الواضع و المخاطب عند ذكر الاخر فهو اخصّ من لفظ خالص فكان للواضع نظر ان اليهما نظر باعتبار تضادهما و تغايرهما فوضع ابيض و اسود و نظر باعتبار اجتماعهما في الذهن ابداً و تساويهما في الخلوص الخاص فوضع جونا للابيض بلحاظ الاسود و للاسود بلحاظ الابيض او ان واضع اللغة الثانية يأخذ مادة غير مااخذ الواضع الاول لان هذه المادة ايضاً لها صلوح لهذا المسمي ايضاً او عند آخرين و مثال ذلك كالخشب فانه له صلوحا للسرير مع الهيئة المخصوصة و لايختص بالخشب بل يمكن من الحديد و الذهب و الفضة و سائر المعادن المنطرقة و المتماسكة كالياقوت و ساير الاحجار و النجار الذي هو نظير الواضع فيما نحن فيه متعددا كان ام متحدا يعمل السرير من المادة التي اعتاد بها اهل السرير او ارادوا و كلها تصلح في نفس الامر للسرير بالهيئة التي تناسب لهم من العلوّ و القصر و السعة و الضيق و التحجي و عدمه و كلها هيئات السرير و المادة التي لاتصلح للسرير كالماء فانه لايصلح لذلك و الهيئة التي لاتصلح للسرير كهيئة الكرة او المخروط و كلما اشرنا اليه علي

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 236 *»

اختلاف المواد و الهيئات تحصل منه المناسبة الذاتية لكل معني بكل لغة كما نبّهناك عليه و ليس المخصص تخصص الواضع بغير اللفظ بل التخصيص من الواضع انما هو بالمواد و الهيئات المناسبات للمعني كما لو كان عندك صندوق فيه بيت مربع و بيت مستدير و اذا اردت ان تضع في كل واحد منهما شيئا من معمولاتك بحيث يستقرّ في البيت كالمعني في اللفظ (و لايضطرب في اللفظ خ‌ل) و لايضطرب كاللفظ اذا استعمل في معني لايناسبه فانك تضع شيئا مربعا و شيئا مستديرا فاذا اراد الغير ان يضع كل واحد في بيت من الصندوق دلّته هيئة المربع علي ان المناسب له ان يوضع في البيت المربع فان وضعه في البيت المستدير اضطرب و لم‏يستقر و كذا المستدير و لم‏يحصل الاستقرار و المناسبة حتي يضع المربع في المربع و المستدير في المستدير و ليس ذلك الاّ للمناسبة و عدمها فافهم فظهر دليل (الدليل خ‌ل) الحق علي خلاف رأي الاكثر و بطل ماكانوا يعملون و اما في اسماء الاعلام و بيان المناسبة فيها فكذلك الاّ ان الهيئة الوضعية و الشخصية تكون نوعية بالنسبة الي كل الاعلام فتكون مادة اللفظ و هيئته معا مادة نوعية صالحة لكل واحد بالهيئة الاستعمالية الشخصية فاذا اضفتها الي مادة دلّ كما قلنا و الاستعمالية وضعية النوع كعلاقة المجاز و يأتي التمثيل لها فيما بعد و اما قول الاكثر انه لو كانت دلالة اللفظ بسبب المناسبة الذاتية لما صح وضع اللفظ الدال علي معني بالمناسبة الذاتية لنقيضه او ضده الخ فجوابه انا نقول بالمناسبة و لاينافيه وضع اللفظ الواحد لنقيضين اذ يجوز ان يجمع النقيضين مناسبة فيوضع لفظ لهما يطابقهما و المناسبة قد تكون نوعية و قد تكون شخصية في المادة او في الصورة كالعين اسم للناظر و الجارية و الذهب مثلاً فان الباصرة هي منبع الابصار و ادراك المرئيات الذي فيه تدبير الحيوة في المرئيات علي ما حقّق في علم الحقيقة فهي عين ذلك و حقيقته و فيها نوع استدارة من جهة الصورة و من جهة الادراك و الجارية هي منبع الماء الذي هي حيوة الاشياء و به حفظ تدبيرها لانه اثر العلم و فيها نوع استدارة من جهة الصورة و من جهة فعل الماء في النباتات و غيرها و الذهب هو منبع طبائع المعادن و به حياتها و بقائها و هو سرّ الشمس التي بها بقاء

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 237 *»

الاشياء علي ما حقق في علم الصناعة و فيه نوع استدارة من جهة تساوي اجزائه في الثبات و البقاء و الوزن و الصبغ و من جهة استواء اثره بالنسبة الي المعادن لانه قطبها الذي تدور عليه فكان بين هذه تشابه من جهة المادة و الهيئة الصورية و المعنوية و كل من هذه اسمه عين مثلاً فالعين يشار بها الي العلم الذي هو الماء الذي به حيوة كل شي‏ء فهو مناسب للمسميات الثلث و الياء يشار بها الي اللين الموجود في الثلثة و النون يشار بها الي العين الذي هو الذات و الي ما منه مدد لغيره كهذه المسميات فهذه الحروف الثلثة فيها ايضاً نوع استدارة و فيها مشابهة في معناها و صورتها للمسميات الثلثة في المادة و الصورة نوعية و شخصية و لا تستغرب ما اشرنا اليه من جهة المناسبة لان الواضع انما نصّ علي التخصيص بالتعيين لغرابة المشابهة و المناسبة لان المناسبة قدتكون بين المواد و قدتكون بين الصور و قد تكون بين الجميع (و بالعكس خ‌ل) و كذلك وضع عسعس الليل اذا ادبر او اقبل لان اقبال الليل سيال بالتدريج لا بالتنقل و الادبار كذلك فناسب عسعس لهما لان عين عسعس حرف مجهور يدلّ علي عدم خفاء في الاقبال و الادبار و السين حرف مهموس يدلّ علي خفاء ابتدائهما و تكرير الحرفين يدلّ علي كونهما سيّالين لامنتقلين و صفير السين يدلّ علي هيئة سيره في الاقبال و الادبار و بالجملة قد تجمع الضدين مناسبة واحدة كما في الاقبال و الادبار في الليل من السير السيال فيوضع الاسم مناسبا للحالة الجامعة للضدين مثلاً فلو لم‏يكن بينهما مناسبة في حال ما لم‏يوضع اسم واحد لهما و لما كان الضدان او النقيضان او المتخالفان لابد و ان يحصل لهما او لاحدهما مائز يميز احدهما من الاخر فان وضع لكل واحد اسم غير الاسم الاخر فحسن و ان وضع لهما اسم واحد فالمتكلم الحكيم ان اراد بالخطاب به تنبيه المخاطب و استعداده و تهيته للتكليف اكتفي بالاسم نفسه و ان اراد التكليف باحد معنييه علي التعيين في وقت الحاجة قرن اليه قرينة تعين المراد فيكون بتلك المادة و الصورة المركبة دالاّ علي المعني المعين و بيان ذلك كما ذكر في المسئلة السابقة فقولهم بامتناع وضعه لضد معناه او نقيضه فاما ان يدلّ علي الثاني اولا فان كان الاول لزم اجتماع الضدين او النقيضين في الاسم الواحد لان

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 238 *»

مناسبة اسم لمعني ضد مناسبة ضده و كذا في النقيضين و ان لم‏يدلّ لزم تخلف ما بالذات منقوض بما بيناه من ان الضدين قد تجمعهما حال و ان افترقا في حال آخر به يحصل التضاد و كذا في النقيض و مناسبة الاسم للحال الجامعة و يكون بذلك دالا فان قالوا لاتعقل الدلالة بهذا النحو قلنا ان اردتم بعدم المعقولية عدم حصول المناسبة في الاسم لنقيضين لتناقض المناسبة قلنا قد ذكرنا جواز حال للمتناقضين تجمعهما هي مناط المناسبة في الاسم لهما و ان اردتم بعدم المعقولية عدم فهم الدلالة قلنا المانع غرابة المناسبة و دقة المأخذ و ذلك لاينافي وجود المناسبة و ارادة الواضع المتعلقة بجعلها دالة و ان لم‏ندركها كما هو شئان كثير من الامور و الاحكام المعتقدات التي لاتدرك مأخذها و ان اردتم بعدم المعقولية انها لاتعين قلنا كذلك ماتدّعون انتم من ان المخصص هو ارادة الواضع اذ هي لاتعين الاّ بالتنصيص فاذا قلتم ان الدال هو الوضع و المخصص هو الارادة و المعين هو التنصيص قلنا الدال هو المناسبة الموضوعة و المخصّص هو الارادة بالمناسبة لا الارادة وحدها فان الواضع لما اراد التخصيص خصّص بالمناسبة لان ذلك هو شأن الحكمة و الاقتدار البالغ و المعين هو التنصيص فايما اقرب قولكم الدال هو الوضع ام قولنا الدال هو المناسبة الموضوعة علي انه لولا المناسبة الموضوعة لقبح من الحكيم القادر العليم التخصيص بدون مخصص فانه ترجيح من غير مرجح و هو محال و قولكم انا لانقول بالترجيح من غير مرجح و انما نجوز الترجيح من غير مرجح جوابه ان الترجيح من غير مرجح و ان امكن لكنه لايحسن هنا لان الترجيح يجري في نادر الافعال لا في جميع الاحوال و قولكم هذا يلزم منه ان جميع الاسماء مع جميع المسميات هكذا و هذا طريق الاهمال و فيه ابطال الحكمة من اصلها و لا يرضي به عاقل و قولكم ان المخصص هو الارادة كالسابق في الخطاء لان الارادة لا تخصّص بنفسها لتساوي جميع الاشياء بالنسبة اليها فلابد في تخصيصها من حكمة و هي قرن الاشياء بمايناسبها و يوافقها فلاتخصص بالاهمال

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 239 *»

و الاّ فيلزم العبث و اللعب و قولكم ان كان الواضع هو اللّه فارادة تخصيص الوضع منه سبحانه كارادة تخصيص حدوث الحادث بوقت مع تساوي نسبة الاوقات الي الحادث و ان كان هو البشر كان كارادة تخصيص الاعلام بالاشخاص مردود بانا لانسلّم ان الاوقات متساوية من جميع الاحوال بالنسبة الي الحادث بل لو نظرتم بعين البصيرة لعرفتم ان الحادث لايمكن ان يوجد علي ما هو عليه الاّ في وقته المخصوص و لا يمكن في غير ذلك الوقت الاّ اذا غير اللّه سبحانه الاوضاع و الاسباب و يسبّب اسبابا اخر و اوضاعا اخر و انه سبحانه علي كل شي‏ء قدير و كيف يجوز ماقلتم و انتم تقولون ان اللّه علة تامة لوجود الاشياء و كيف يجوز تأخر المعلول عن العلة التامة التي لا تنتظر كمالا و لا تماما فعلي قولكم يبطل النظام و لايجوز تأخر الحادث عن الازل اما بطلان النظام فلانه لايمكن تقدم الاب علي الابن في الوجود و لا الاول علي الاخر و لا امس علي اليوم و هكذا لان جميع الاشياء بالنسبة اليه سبحانه متساوية و الحوادث عندكم صالحة لجميع الاوقات و اما عدم تأخر الحادث عن الازل فلان ثاليس الحكيم القائل بقدم العالم انما احتج بمعني ماذكرتم فان صحّ قولكم ثبت قول ثاليس بقدم العالم و نحن نقول ان وقت وجود زيد من اسباب وجوده الخاصة به فلايمكن ايجاده الاّ في ذلك الوقت المخصوص لا لنقص في قدرة القادر و لا عدم تمام في العلة و انما هو لنقص قابلية الموجود للوجود فاذا تمت قابليته للوجود بوجود جميع مايتوقف عليه من الاسباب التي من جملتها المكان و الزمان الخاصان به وجد و اين هذا فافهم و اما التشبيه بتخصيص البشر الاشخاص بالاعلام مع تساويها فباطل لماقلنا في المسئلة الرابعة من ان المناسبة من جهة الصورة الشخصية المركبة و اما المادة و الصورة الاولي فهما نوعيان في الاعلام و المرتجلان فلاحظ ماذكرنا سابقا ينكشف عنك الغبار و يتبين الليل من النهار و الصورة المركبة هي المركبة من الصورة الاولي و من الاستعمال الخاص فانه يتركب منهما صورة شخصية مناسبة لذلك الرجل علي نحو ما ذكرنا لان ارادة تخصيص زيد بمسماه لاتعينه و لاتكون الارادة مخصّصة و لايلزم من عدم فهم من وضع زيداً علي مسماه معني ما اقول من

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 240 *»

انه ركّب من الهيئة الاولي و من هيئة الاستعمال هيئة مناسبة لمسمي زيد عدم حصول الهيئة المركبة لان اخذه لفظ زيد و وضعه علي ابنه و تخصيصه به من دون اخوته هو الاستعمال الخاص و هيئة الاستعمال هي وضعه عليه و تخصيصه به بحيث لايراد به غيره و قد دلّ الاسم بمناسبة مادته و هيئته التركيبية علي مسماه علي نحو ما ذكرنا و ايضاً قد اتفق علماء التكسير و علماء الجفر ان الحروف لها طبائع جزئية مرتبطة بمعاني مسمياتها و ان لها افعالا في المعاني اذا رتّبت علي وضعها الطبيعي بشروطه لا تتخلف آثارها و انها بمنزلة الظاهر للباطن و اتفاقهم حجة و حجة ما ذكروا مما لا اشكال فيها لان قول المعصوم: داخل في جملة قولهم و قدحقّقنا هذا في مباحثاتنا بما لا مزيد عليه و قد دلّت الاخبار عن الائمة الاطهار بان لها معان يشار بها اليها لماروي عن الصادق 7 في تفسير قوله تعالي و ان كنتم في ريب مما نزلنا علي عبدنا انه قال العين علمه باللّه و الباء بونه من الخلق و الدال دنوّه من الخالق بغير اشارة و لا كيف و ما ورد في تفسير اوائل السور و البسملة من ان الباء بهاء اللّه و السين سناء اللّه و الميم ملك اللّه او مجد اللّه علي رواية و ما روي عن عيسي7 في تفسير ابجد للمعلم و غير ذلك مما لايكاد يخفي علي احد و قد روي عن علي7 انه قال الروح في الجسد كالمعني في اللفظ و لا اشكال في ان الجسد بينه و بين الروح مناسبة ذاتية بحيث لاتصلح روح زيد لجسد عمرو و كذلك اللفظ المشبّه بالجسد و لهذا كثيرا ما يجري علي السنة العلماء الالفاظ قوالب المعاني بحيث لايتناكرون في معناه و لا معني له الاّ ما اشرنا اليه فان المقلوب هيئته هيئة القالب و هذا عند من يعرف مما لااشكال فيه و لا ريب يعتريه و لايقال ان الحرف اذا كان فيه مناسبة ذاتية لمعني لا يصلح استعماله في غيره لانا نقول ان ذلك انما يتمّ لو كانت تلك المناسبة شخصية اما اذا كانت نوعية فانها تصلح لغيره و لاسيما مع ضميمتها الي مناسبة الحرف الاخر و قول الرضا7 ان اللّه خلق الحروف و ليس لها معان الاّ انفسها يريد به انه ليس لها معان مستقلة كمعاني الكلمات و هو كما ذكر7 و انما نقول ان لها طبايع اذا اجتمعت حيي بها المعني يعني

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 241 *»

يظهر بها المعني الحادث بها كما قالوا ان اللّه خلق الارواح الحيوانية من الحركات الفلكية فحصل بتضامّ بعضها الي بعض الحركات الحيوانية و الشعور و غير ذلك مع انها حال تفرقها موات كذا اشاروا اليه و جهة التمثيل ان المعني اذا اردت اخراجه الي زيد الّفت له حروفا توافقه لانها له كالبذر فاذا الّفتها علي هيئة تناسب جهة من هيئاته و تكلّمت به لزيد فهم زيد بطبائع تلك الحروف و هيئة تركيبها معني ماتدلّ عليه بتلك المناسبة و ليس المعني الذي نشأ من لفظك هو نفس المعني الذي في قلبك اذ لو اخرجت ما في قلبك حقيقة الي زيد لما كنت تعلمه بعد ذلك لخلوّ قلبك منه و انما المعني الذي فهم زيد متولد من لفظك و هو يشابه ما عندك و مظهر له و نظيره اذا قدحت بالزناد من الحجر نارا فان هذه النار متولدة من الحجر بواسطة القدح و النار الكامنة لذاتها لايخرج منها شي‏ء و لاينقص كمّها و هي ابداً كامنة و هذه النار الخارجة تشابهها لانها مظهر لها بل انما تولدت من الهواء الذي استحال بحك الحديد علي الحجر لمابينهما من اليبوسة و الصلابة و كذلك انت اوجدت من الهواء حروفا قد قطعتها منه باللسان و الشفة و اللهاة و الاضراس و الحلق و الّفتها حتي جعلتها بتأليفك قالبا لما تريد ان تخرج من المعاني و لم‏تكن وضعت فيها معني و انما وضعت مايدلّ بمادته و هيئته علي ماتريد من ايصاله الي زيد من المعاني فائمرت بما تحتمله المادة و الصورة و لاتحتمله الاّ بمايناسب ذلك و هو معني قولنا ان اللفظ يدلّ زيدا علي معناه بمناسبة مادته و هيئته لذلك المعني لا غير كما تقدم في تعريف الدلالة و حقيقة الامر ان اللفظ تخرج منه الدلالة من مادته و هيئته فتقع علي ارض نفسك فيتولّد المعني من ماء هو دلالة اللفظ بمادته و هيئته و من تراب هو قوة نفسك و الدلالة كالاشارة فان المشار اليه يتعين بالاشارة و لم يحصل لمن نبّهته التعيين بدونها فان قلت يلزم ان التسمية بالقياس ليس من كلام العرب لانهم لم يضعوا ذلك قلت انها من كلامهم بل و من وضعهم النوعي لانهم لما وضعوا بلحاظ اللغة كان مايقاس بذلك اللحاظ من وضعهم و لهذا قال المازني ما قيس علي كلام العرب فهو من كلامهم و انا انصحك الاّ تنكر ما لاتعلم فيشملك قوله تعالي بل كذّبوا بما لم‏يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله و الشاعر يقول

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 242 *»

فهب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياء و انما خرجنا عن طور ما يناسب المقام استقصاء للدليل و لقلة ناصر هذا لقول فاتينا بهذا التحقيق لصاحب العقل الدقيق و السلام علي من التبع الهدي

القسم الثالث

في تقسيم الفاظها و فيه مسائل

المسئلة الاولي اللفظ الدال بالمطابقة التامة ينقسم الي مفرد و مركب فما ليس له جزء يقصد به الدلالة علي جزء معناه عند الاستعمال فهو مفرد فيدخل فيه ما لا جزء له كق اذا سمي به انسان و ما له جزء لا يقصد به مطلقا كقل علما علي انسان او قصد به في اصل الوضع ما ليس بجزء لمعناه في الاستعمال كعبد اللّه علما او قصد به في اصل الوضع و لم‏يقصد به في الاستعمال كالحيوان الناطق علما فان الحيوان يدلّ علي جزء مسماه في اصل الوضع و كذا الناطق لكنه لايدلّ علي جزء مسماه في الاستعمال فدخل بالاول قِ و بالثاني قل و بالثالث عبداللّه و بالرابع الحيوان الناطق فهذه اقسام المفرد و ما له جزء قصد به الدلالة علي جزء معناه عند الاستعمال فهو مركب فيدخل فيه ما له جزء مقدر كقِ و قل امرين و محقق كعبد اللّه و الحيوان الناطق نعتين و المراد بالجزء المقدر المفروض وجوده المستقل في غيب اللفظ و اما مثل قائم فهل ما فيه من ذكر الموصوف ضمير مستقل في غيب قائم بالكناية (غير خ‌ل) عن الموصوف فيكون مركبا لدلالة جزئه علي جزء معناه ام (افادة خ‌ل) محض تقوّم الصفة للاتصاف فحصل به ذكر الموصوف فيكون مفردا احتمالان و البيان المحض ان نقول ان تقوّم الصفة للاتصاف انما يحصل بدعامة من الموصوف من كناية عنه او اشارة اليه الاّ انها تحصل بضميره او بذكره باي معني كان فان كان ذلك عبارة عن الموصوف بالاشارة المميزة المستقلة في نفسها بذلك بدون الصفة كالضمير المستتر فانه يشير الي اثبات الموصوف بالهاء و الي عدم ذكر اسمه و غيبته بالواو و كذلك انت فانه يشير الي الموصوف بان والي عدم ذكر اسمه بالتاء للخطاب و كلا الضميرين مستقل في نفسه بالتمييز فيتحقق الجزئية بدون الصفة فينطبق عليه

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 243 *»

حد المركب و ان لم‏يكن عبارة عنه و انما افاد تقوم الصفة للاتصاف فعرف الموصوف باسناد الصفة اليه و هي و ان تقوّمت بذلك الذكر لكنه مفتقر الي الصفة في الوجود فهو عبارة من استنادها الي الموصوف فلم يتحقق الجزئية بدون الصفة بل هما شي‏ء واحد في اعتبار الكلام فلاينطبق عليه حدّ المركب و لهذا تسمعهم يقولون في زيد قائم ان خبر المبتدأ مفرد لا جملة لهذه (العلة خ‌ل) الصلة فافهم و التقييد بالمطابقة ليخرج ما دلالته عقلية كالالتزام لعدم اتفاقه لانه يختلف باختلاف الاشخاص بخلاف ما دلالته وضعية و انما قيّدنا بالتامة ليخرج ما دلالته بالمطابقة الغير التامة كالتضمن فانا اذا قلنا بان دلالته بالوضع لايدخل في هذا التقسيم لعدم انضباط احواله فان اللفظ الواحد قد يكون باعتبار معني مفردا لعدم دلالته جزئه علي جزء معناه و باعتبار معني اخر مركبا لدلالة جزئه علي جزء معناه فيكون اللفظ الواحد مفردا بالنسبة الي معني و مركبا بالنسبة الي معني آخر و العلة فيه ان مطابقته لمعناه غير تامة فلايدخلان في التقسيم لعدم الانضباط نعم اذا اتفق كون جزء احدهما دالاّ علي جزء ما استعمل فيه كان مركبا و الاّ كان مفردا و متعلق التقسيم لفظ لايكون الاّ مفردا و لفظ لايكون الاّ مركبا فان قلت فما الفرق بين التضمني علي ما قررت و بين عبد اللّه فانه لفظ واحد يكون في العلم مفردا و في النعت مركبا قلت ان عبداللّه لو كان في العلم مرة مفردا و مرة مركبا او في النعت كذلك لم‌يكن فرق و لو كان كذلك لاخرجناه عن التقسيم و لكنه انما اختلف باختلاف ما استعمل فيه فهو في نفسه باعتبار متعلقه منضبط بخلاف التضمني و الالتزام فانهما لاينضبطان مع عدم اختلاف ما استعملا فيه فان قلت انك قرّرت ان بين الالفاظ و المعاني مناسبة ذاتية فعلي قولك يجوز ان يقال ان زيدا مركب فانه مركب من الزاء و الياء و الدال و كل واحد منها فيه دلالة ما علي شي‏ء من معني زيد فيصدق عليه حد التركيب و قرّرت ان دلالة اللفظ علي المعني انما هي بمادته و هيئته فيكون قد دلّت المادة علي ذات المسمي و هيئته علي صفته فقد دلّ جزءا اللفظ علي جزئي المعني فيكون كل لفظ مركبا حتي قِ علما فان الواو منها و الياء انما حذفتا للاعلال فهما موجودان في التقدير كما قدّرت فيه امرا وجود الضمير

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 244 *»

حتي انك استدللت بكلام النحويين و الاصوليين في تعريف الفعل بانهم قالوا يدلّ بمادته علي الحدث و بهيئته علي الزمان و كل هذا صريح في لزوم ان كل لفظ مركب قلت ان مرادنا بمناسبة الالفاظ للمعاني ان لكل حرف مناسبة ما فاذا تألفت تلك المناسبات حدثت عنها مناسبة ذلك اللفظ لذلك المعني فالمناسبة المتولدة من تلك المناسبات هي المعتبرة المناسبة المعني مثاله اذا اردنا دواءً معتدلا في الطبايع الاربع اخذنا جزءا من النار و جزءا من الهواء و جزئين من الماء و جزءا من التراب ثم اخذنا جزءا من النار و جزئين من الهواء و جزءا من الماء و جزءا من المركب الاول فتجتمع الاجزاء فيكون معتدلا فهذا الدواء المعتدل يصلح طبيعة زيد لمابينهما من المناسبة في الاعتدال لان الانسان خلق في اصل خلقته في احسن تقويم يعني الاعتدال فتغيرت تلك الطبيعة المعتدلة بالاغذية المختلفة منه و من نطفة ابيه و من امه و من اختلاف الاهوية و قرانات الكواكب و من الامكنة فاذا اتاه ذلك الدواء المعتدل ناسب له و وافقه لذلك فاذا قلنا ان بينه و بين النار مناسبة او بين الهواء او الماء و التراب ليس المراد ان الجزء الناري يدلّ بتلك المناسبة الجزئية علي صلاح جزء من زيد بل الدلالة القريبة المصلحة هي الاعتدال الحاصل من تركيب العناصر الاربعة علي النحو المذكور و نحن نريد بالجزء المستقل بالجزئية كما اشرنا اليه في ذكر قائم انه جزء عن زيد مفرد لا جملة و ما اعترضت به من استدلالنا بتعريف الفعل فقد قدّمنا هناك مايدلّ علي الجواب و انه لم‏تدلّ المادة علي الحدث خاصة و الهيئة علي الزمان خاصة و الاّ لكان اسماً و تناوله حينئذ و الحال هذه تعريف المركب فراجع.

المسئلة الثانية اللفظ المفرد ان منع تصور معناه من جواز وقوع الكثرة فيه مطلقا فهو جزئي كزيد و عمرو فان تصور معناه من حيث هو اي من حيث حقيقته المتميزة بمشخصاته مانع من وقوع الكثرة (فيه خ‌ل) مطلقا و ان لم‌يمنع من جواز وقوع الكثرة فيه مطلقا اي سواء وجدت ام لا فهو كلي قالوا سواء امتنع وقوع الكثرة فيه من حيث الوجود او امكن من حيث المفهوم كواجب الوجود سبحانه و تعالي علما يقولون علوا كبيرا ام لم‏يمتنع كالانسان المشترك فيه زيد و

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 245 *»

عمرو و سواء تعددت افراده في الخارج كالانسان ام لم تتعدد كالشمس و سواء وجد منها شي‏ء كما ذكر ام لم يوجد في الخارج كالعنقاء اقول يريدون بقولهم من حيث المفهوم كواجب الوجود سبحانه ان مفهوم الواجب سبحانه تجوز فيه الكثرة و ان امتنع التعدد في الخارج للدليل قالوا انه لاتمتنع فرض صدق مفهوم الواجب علي كثيرين و ارادوا بفرض صدقه تجويز العقل لا مجرد التقدير اقول و هذا تجويز الجهل فان العقل لايجوّزه و لايقدّره اذ الفرض و لو تقديرا امكان و لا شك ان هذا قول باطل لايجوز اعتقاده فان كل ماتجوز فيه الكثرة فهو حادث و المفهوم من الواجب القدم الممتنع من الحدوث سبحانك يا رب مما عرفوك به و لو عرفوك لما وصفوك و قولهم سواء تعددت افراده في الخارج مبني علي ان الوجود الذهني امر اعتباري او وجود انتزاعي و الحق انه وجود حقيقة و ان تقسيم الوجود الي خارجي و ذهني امر اصطلاحي و الاّ ففي الحقيقة انه واحد و كله خارجي كما برهنّا عليه في مباحثاتنا و بعض اجوبتنا لبعض المسائل و اعلم ان للجزئي معني اخر يقال عليه و هو كل اخصّ يقع تحت اعمّ و يسمي هذا جزئياً اضافيا يعني ان جزئيته بالاضافة الي عموم ما فوقه و يسمي الاول جزئيا حقيقيا و الاضافي اعمّ من الحقيقي اذ كل حقيقي اضافي و لا عكس و ليس الاضافي جنساً للحقيقي و الاّ لما فارقه في حالٍ.

المسئلة الثالثة الطبيعي الذي يعرض له الكلي المنطقي ممن حيث هو هو كالانسان مثلاً يعطي ماتحته من الافراد اسمه و حده اذا لم يؤخذ فيه الكلي المنطقي و كثير من المتأخرين يطلقون عليه الكلي الطبيعي و هو يوجد في افراده علي الاصح و هذا يعرض له الكلي المنطقي و الكلي المنطقي لا يوجد خارج الذهن لان هذه الكلية انما تعرض للمفهومات فهو من المعقولات الثانوية و الكلي العقلي هو مجموع هذا العارض و المعروض و لا يوجد خارجا و هذا جار علي ما هو المتعارف عندهم و الاّ فوراء ذلك كلام ثم الكلي ان كان نفس ماهية افراد ماتحته بحيث لاتزيد عليه الاّ بعوارض مشخصة خارجة عن نفس الماهية فهو النوع

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 246 *»

الحقيقي كالانسان فانه يصدق علي كل فرد من افراده علي السواء و هو الكلي المقول علي كثيرين متفقي الحقايق و ان كان جزءا من تلك الماهية فان كان تمام المشترك بينها و بين غيرها فهو الجنس كالحيوان فانه تمام المشترك بين الانسان و بين الفرس و هو الكلي المقول علي كثيرين مختلفي الحقايق في جواب ما هو كالنوع فان السؤال ان كان بما هو سؤال عن نفس الماهية من حيث هي هي فيجاب بالنوع و الجنس لان النوع نفس ماهية الكثيرين المتفقي الحقايق و الجنس نفس ماهية الكثيرين المختلفي الحقايق و ان لم‏يك الجزء من تلك الماهية تمام المشترك فهو الفصل كالناطق للانسان و هو الكلي المقول علي شي‏ء في جواب اي شي‏ء هو في ذاته طلبا لتمييزه عما يشاركه فيما نسب اليه و ان لم‏يكن الكلي نفس الماهية و لا جزءها بل كان خارجا منها فان كان مختصا بها لايصدق علي غيرها فهو الخاصة كالضاحك للانسان و هو المقول علي افراد حقيقة واحدة لا غير بالعرض و ان لم‏يكن مختصا بها بل يعمّ ما يشاركها في جزئها الاعلي فهو العرض العام و هو المقول علي افراد حقيقة واحدة و افراد غيرها بالعرض فهذه هي الكليات الخمس ثم الخارج منه ما هو لازم للماهية في الوجود و التصور كالزوجية للاربعة و الفردية للثلاثة او لازم للوجود كالسواد للزنجي و البياض للرومي و ليس بلازم في التصور بل يكون في التصور بالعكس فلازم الوجود اخصّ من لازم الماهية و منه ما هو مفارق و منه سريع الزوال كحمرة الخجل و منه بطي‏ء الزوال كالشباب و تفصيل ما في هذه المسئلة ليس هنا محله و انما ذكرناه لشمول التقسيم له.

المسئلة الرابعة اعلم ان اللفظ ينقسم الي اسم و فعل و حرف فالاسم مادلّ علي المسمي اي لفظ دلّ بمادته و هيئته علي معني مستقل و الفعل ما دلّ علي حركة المسمي اي لفظ دلّ بمادته و هيئته علي حركة الذات و المراد بها الحركة المقترنة بزمان و هو المعبر عنه في اصطلاحهم بالحدث المقترن بزمان و قد تقدّم التنبيه علي الاشكال الوارد علي عبارتهم بانه ان اريد به ذلك كان اسماً الاّ ان يراد بالحدث حال صدوره لان الحدث حال الصدور هو حركة المسمي لان الحدث اذا

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 247 *»

اعتبر منفكاً عن الصدور كان اسما و اذا اعتبر حال الصدور كان فعلا و هو الذي اردنا بقولنا حركة المسمي لان الفعل نفس الحركة حال الصدور و الاّ فالحركة اسم و المراد بالصدور احداث الفاعل المقترن بزمان فتدبر فان المسئلة دقيقة جداً فان قلت ان الصبوح و العبوق و اليوم تدلّ علي الزمان بمادتها و هيئتها و ليست بافعال بل هي اسماء قلت ان الصبوح انما دلّ علي الزمان لانه اشتقّ من مادة اسم الزمان فلايدلّ عليه بهيئته لانهم يريدون بالهيئة هيئة الزمان المقترن بالحركة و هنا ليس كذلك و اليوم يدلّ علي نفس الزمان بمادته و هيئته و هم يريدون ان هيئة الفعل هيئة الزمان كهيئة لفظ الطيران الدال علي معني الطيران و الحرف ما دلّ علي شي‏ء ليس بذات و لا حركة ذات اي لفظ دلّ علي شي‏ء لا يصدق عليه الاسم و لا الفعل لانه في الحقيقة يدلّ علي ما به التكون من الالات الجزئية و الاجزاء الالية و هو معني اسمي فعلي معا ناقص فاذا تم كان الكون اسما و التكوين فعلا و اعلم انه قد اختلف فيه هل يدلّ علي شي‏ءام لا فقيل يدلّ علي معني في نفسه ناقص يتمّ بمايضاف اليه من اسم او فعل و قيل يدلّ علي معني في غيره مما يضاف اليه و قيل لايدلّ علي شي‏ء فظاهر الروايات عن اهل العصمة: مختلف و كلام العلماء فيه مبني علي ادلة اهل العربية و هي ادلة ضعيفة مستنبطة ممايعرفون من الكلام العربي و في المثل ثبّت الارش ثم انقص و الذي اشرت اليه هو المؤيد بالاخبار و صحيح الاعتبار فاذا عرفته ظهر لك انه ليس عليه غبار فالاصح من هذه الثلثة هو الاول و نظير هذا المعني الناقص كواحد من العناصر الاربعة في الدواء الذي مثّلنا به فانه النار مثلاً ليس جزءاً من الاعتدال الذي تكوّن عن هذه العناصر بذلك التركيب لان الاعتدال طبيعة منفردة غير الحرارة و الرطوبة و البرودة و اليبوسة فقولنا ما به التكون ان التكون ضمّ اجزاء وجودية بعضها الي بعض فالاجزاء هي المعني الاسمي الذي اشرنا اليه و الضم هو المعني الفعلي فافهم.

المسئلة الخامسة اللفظ و المعني اما ان يتحدّا او يتكثّرا او يتحد احدهما و يتعدد الاخر فهذه اقسام اربعة

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 248 *»

الاول ان يتحد اللفظ و المعني فان تشخص المعني وضعا فهو علم و هو المانع تصور معناه من وقوع الشركة فيه لذاته كزيد و عمرو و ان تشخّص في الاستعمال بقيد خارج عن ذاته فهو المضمر و هو الغير المانع تصوره من وقوع الشركة فيه لغاته لان الذهن يتوجه الي افراد المدلول عليه بذلك اللفظ من حيث الذات لا باعتبار المشخصات بالخارجة التي بها تكثرت و تعددت الحقيقة الواحدة فينتزع منها وجهاً جامعاً لها لاتحادها من حيث الطبيعة فيؤلف الواضع اسماً علي وفق ذلك الوجه من حيث هو لا من حيث كونه معروضاً للكلي لان اعتبار المعارض انما هو من اخذ المشخصات الخارجية في التصور للوجه الطبيعي من جهة صلوحه لها و الواضع لم‏يضع الاسم من هذا الاعتبار و الاّ لما صحّ بشي‏ء من الافراد و الوضع بازاء ذلك الوجه المنتزع لانه عبارة عن تلك الافراد بدون المشخصات الخارجية و الاستعمال بازاء ذلك للفرد المتميز بالمشخص الخارجي الذي هو اشارة التعين مثلاً وضع انا بازاء المعني الطبيعي المميز باشارة عدم التعين يعني الابهام و هو المخبر عن نفسه مطلقا و استعمل في المخبر عن نفسه هذا اي المتكلم فتشخّصه في الاستعمال بقيد التكلم و ذلك كانا و انت و هو و هذا مبني علي ان الضماير من الوضع عام و الموضوع له خاص و منقال انها من الوضع عام و الموضوع له عام فهي من المتواطي‏ء و الاصح الاول فان الواضع لما صاغ الاسم علي وفق المعني الطبيعي من حيث هو وضعه علي فرد خاص من افراده فمعني وضعه بازاء الطبيعي الّفه علي وفقه و معني استعمله في ذلك الفرد وضعه بازائه و ملاحظة ذلك الطبيعي آلة للوضع علي الفرد لوجود ذلك الطبيعي فيه الاّ انه موضوع بازاء ذلك الطبيعي و قد تقدم بيان هذا و انما كان الفرد خاصاً لتعينه عند الاستعمال بقيد التكلم او الخطاب او الغيبة و الاستعمال هو الوضع علي الحقيقة و علي الظاهر هو الوضع الثاني أ لاتسمعهم يقولون استعمل اللفظ فيما وضع له فان قلت اذا جعلت الضمائر من المتحد المعني بطل قولكم ان المعني الموضوع بازائه فيها كلي و هو متكثر و ان اردت بالمعني الافراد فهي متعددة فلا معني لقولكم انه من متحد المعني قلت المراد باتحادها نوعاً فانه حقيقة واحدة في الطبيعي و في

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 249 *»

الافراد و لهذا يطلق عليها اللفظ لا بالاشتراك و لا بالحقيقة و المجاز بل بالتواطي و ان اتحد المعني و لم‏يتشخص لا في الوضع و لا في الاستعمال فان كانت افراده التي تحته متساوية غير متفاوتة فهو المتواطي‏ء اي المتوافق لتوافق افراده فيه كالانسان الذي تتساوي فيه افراده كزيد و عمرو و بكر و خالد فان اللفظ الموضوع لتلك الماهية يطلق علي كل فرد من افرادها علي السواء من غير تفاوت علي سبيل البدلية لا علي جهة الانبساط و الشمول و الاّ لما صلح لفرد منها و ان كانت الافراد التي تحت ذلك المعني متفاوتة بان يكون بعضها قبل بعض في الوجود كالعلة و المعلول مثل الشمس و ضوئها او يكون بعضها اولي من بعض كالوجود بالنسبة الي الجوهر و العرض او يكون بعضها اشدّ من بعض كالبياض في الثلج و العاج فانه في الثلج اشد او يكون بعضها اكثر من بعض في الكميات و الاوزان الصنجية و الاشدية في الكيفيات فلاجل اختلاف افراده كان مشككاً و اللفظ الدال عليه ايضاً مشككا لان السامع له العالم باختلاف مراتب مسماه يكون مشككا بين كونه متواطيا لاتحاد اصل معناه و بين كونه مشتركا لاختلاف افراده في انفسها الثاني ان يتكثّرا و يسمي تلك الالفاظ المتعددة متباينة لتباين معانيها كالانسان و الفرس و يتحقق التباين عند نسبة لفظ الي آخر و نسبة معني ذلك اللفظ الي معني ذلك اللفظ الاخر و لا فرق في تبائن معانيها بين المضادة كالسواد و البياض او بالملكة و عدمها كالبصر و العمي او بالايجاب و السلب كالوجود و العدم او بالتضايف كالابوّة و البنوّة او بالجزء و الكل كالحيوان و الانسان او بالموصوف و الصفة كالانسان و الضاحك و الماشي لتحقق المباينة بالمغائرة و هي يتحقق بمغائرة مادة اللفظ و المعني و مغائرة هيئة اللفظ كافية اذا تباينت المعاني مثل فلك بالتحريك و فلك بسكون اللام و منه ضرب فعل ماض و ضرب مصدر علي مابينا سابقا و كذا تغيير الهيئة تقديرا كالفلك للمفرد و الفلك للجمع، الثالث ان يتحد اللفظ و يتكثر المعني فان كان اللفظ موضوعا لكل واحد منها وضعا اوليا بان يضع اللفظ علي معني ثم يضعه هو او غيره علي معني آخر من

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 250 *»

غير نقل بل مع قطع النظر عن الاول فهو المشترك كالجون وضع للابيض و الاسود و العين وضعت للباصرة و للذهب و للنابغة و للجاجوس و اللركبة و للذات و كالقرء للطهر و للحيض و عسعس الليل اقبل و ادبر و مااشبه ذلك و هل هو مشترك بالنسبة الي جميع معانيه مجمل بالنسبة الي كل واحد منها ام بالعكس الاكثر علي الاول لان الاشتراك يقابله الانفراد و هو صادق علي نسبة اللفظ الي كل واحد منها فلايكون اشتراكا لان الاشتراك يقابل مايصدق عليه لكن النسبة الي كل منها علي سبيل الانفراد لاتنافي الاجمال و هو الاقوي و قيل بالعكس لصدق الاشتراك علي النسبة الي كل شي‏ء منها لانه اشتراك حقيقة و النسبة الي جميعها ادخل في الاجمال و الابهام المحتاج الي البيان و فيه ان هذا الصدق انما هو باعتبار عدم اشتراك لانه انفراد فلاتصحّ المقابلة بالانفراد الاّ بالاعتبار و ذلك كاف في التضعيف و الادخلية في الاجمال لايخصّصه به و الاّ لانتفي الاشتراك مع توفر اسبابه و شروطه و ان لم‏يكن اللفظ موضوعا لكل واحد من تلك المعاني وضعا اولياً بل كان موضوعا لاحدها ثم نقل منه الي غيره فان لم‏يكن لمناسبة لفظية وضعية لا حال النقل و لا حال الاستعمال فهو المرتجل الاصمّ اي الذي ليس له شايبة اشتقاق و ربما خصّ المرتجل الاصم بالذي جعل علما و لم‏يكن منقولا من شي‏ء اصلاً اي ليس له شايبة نقل فان النقل اشتقاق معنوي كما ان الاشتقاق نقل لفظي و مثال المنقول الذي ليس فيه شايبة اشتقاق كما لو سميت شخصاً بمعدوم او لا شي‏ء و اكثر مايكون هذا الصنف في الاعلام و في الوضع الاول و انما قيّدتا باللفظية الوضعية للاحتراز عن الذاتية و الاستعمالية اذ لايمكن انفكاك الاسماء منهما جامدها و مشتقها حقيقيها و مجازيها من علم و غيره علي ماقرّر في محله و ان كان لمناسبة فان لوحظت حال النقل دون الاستعمال كنقله من مادة اللفظ دون هيئته فهو المرتجل الغير الاصم و لعدم ملاحظتها في الاستعمال مطلقا لا يحسن دخول الالف و اللام عليه و انما لم يكن اصمّ لان في ملاحظة المادة حال النقل نوع اشتقاق و ذلك كزيد و عمرو بفتح العين و عمر بضمها فان الاول صيغ من مادة الزيادة و الثاني من مادة العمران و ان لوحظت في الاستعمال ايضاً و ان لم‏يتوقف

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 251 *»

الاستعمال عليها و انما ذلك للتنبيه علي الاصل كلمح الصفة لتحققها في المنقول اليه كالحسن و الفضل و لو بالفرض او نخيل وجودها فيه عند الاستعمال فلذا تدخل عليهما الالف و اللام لملاحظة تلك المناسبة في الاستعمال فكان كالمرتبط بالمنقول منه كالصفة بخلاف التفأل المحض فانه لايتخيل وجودها عند الاستعمال و انما هو للمح الصفة بمجرد التفأل بالحصول كراشد و صالح و سعيد و لايحسن دخول الالف و اللام عليه لعدم تحقق المناسبة و لو تخيلا فهو المنقول العلمي و ان توقف عليها الاستعمال فان غلبت في الثاني و لم يهجر الاول فهو المنقول العام اللغوي في العرف العام كالدابة وضعت لغة لما يدبّ علي وجه الارض ثم نقل في العرف العام الي ذات القوائم الاربع ثم نقله اهل العرف الخاص للفرس و ان لم‏يغلب في الثاني بل كان الغالب الاول و المناسبة شرط في النقل فهو المجاز و ان هجر الاول فهو المنقول الخاص العرفي كالصلوة و الزكوة عند الشارع و المتشرعة و كالمبتداء عند النحاة مثلاً و انما اعتبر الشارع المناسبة في نقل الالفاظ التي وضعها في اصطلاحه علي معاني مراداته ليكون ادلّ علي فهم مراده و اقرب تناولا و انس لهم باستعمال لغتهم في عرفه و استمالة لهم و لئلا يكون متكلما بغير لغتهم و حيث كان في الحقيقة واضعا وضعا اوليا هجر المناسبة في استعماله عرفه و لم‏يلحظها فوضعه في الحقيقة علي نحو وضع الواضع للفظ المشترك في معناه الثاني و في الثالث بعد الثاني فلهذا قلنا بثبوت الحقيقة الشرعية و ليست مجازا لغويا مطلقا بهجره المناسبة في الاستعمال و لايلزم عدم عربية القران لعدم انكار اهل اللغة عليه في ذلك مع ان اكثرهم معاندون يتشبثون في معاندتهم و انكارهم بالطحلب و انما اعتبر الشارع المناسبة في اصل النقل ليمحو هذا التوهم و لما قلنا سابقا و انما هجرها في الاستعمال ليعلم ان استعماله علي سبيل الحقيقة كما قلنا في زيد و عمرو و صالح و سعيد و لهذا اذا اطلق لفظ الصلوة تبادر فهم الافعال المخصوصة بدون قرينة و ذلك امارة الحقيقة و انما تثبت عند المتشرعة كما ثبتت اللغة عند العرب لان كل واضع لاتعرف مراداته من عباراته الاّ بالتفهيم و الالهام و التدريج و التسامع حتي يستأنس مستعملو لغته بذلك و يستقر عندهم ثم يحدث

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 252 *»

لهم تبادر الفهم بدون شي‏ء بل بمجرد سماع المادة بالهيئة المخصوصة او الاستعمال و لهذا كانوا اذا سمعوا من الشارع عبارة ممايختصّ بها في اصطلاحه يسئلونه عن معناها و لايعتمدون علي فهمهم مدلولها اللغوي فاذا بين لهم ذلك لم‏ينكروا عليه و يقولون هذا معني اعجمي او ليس من لغتها لان الالفاظ الفاظهم و هم يستعملون مثل ذلك في اسماء اولادهم و دوابّهم و اسلحتهم هذا مايقتضيه ظاهر اللغة العربية و اما كلامنا علي الحقيقة الشرعية في الحقيقة قلنا فيها بيان عجيب و كشف سرّ غريب لايدركه الاّ من لطف حسه و كشف له عن عين بصيرته و الاشارة اليه هي ان الواضع واحد و هو اللّه تعالي علي الاصح فوضع لفظ الصلوة علي الدعاء و علي الافعال المعروفة من باب التشكيك و لنقبض العنان فللحيطان اذان و تعيها اذن واعية و انما اشرت الي هذا في الحقيقة الشرعية استطرادا و لانك تنتفع فيما بعد ان شاء اللّه الرابع ان يتحد المعني و يتكثّر اللفظ و تسمي تلك الالفاظ المتعددة المجتمعة علي معني واحد مترادفة من قولهم لمن ركب مع غيره علي مركوب واحد رديف لان اللفظ قد اجتمع مع لفظ آخر علي معني واحد فكانه رادفه علي مركوب واحد و هو المعني و ان كان في الحقيقة المعني هو الذي ركب اللفظ من باب تسمية المحل باسم الحال او الصفة باسم الموصوف و لا فرق في المعني المتحد ان يتشخص او تتعدد افراده متواطية لان المراد تساوي نسبة الالفاظ المتعددة اليه من حيث انها موضوعة له و اعتبار تكثر الالفاظ انما هو في النوع لا في الشخص فلايكون من المترادف زيد زيد و لا زيد اخوك لعدم التكثر المعتبر في الاول و تعدد المعني في الثاني باعتبار المفهوم و لا شيطان ليطان لان ليطان لايدلّ علي المعني الاّ حال التبعية لا حال الانفراد و يكون منه المعرف اللفظي و ان كان بلفظ اجلي لان الاجلي لايدلّ علي غير مادلّ عليه اللفظ الاول كلفظ الخمر فانه اجلي من العقار و الاثم و السبا و السأببة و هي اسماء لمعني الخمر و ليس في الاجلي زيادة كثير ليختلف المعني و انما لكثرة دورانه في الكلام و المخاطبات كان معروفا و هو اي المترادف كثير في اللغة لايكاد ينكر و هو المعروف عند

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 253 *»

اهل اللغة و قيل بعدم وقوعه و ما ورد من ذلك فهو من متكثر المعاني يعني من المتباين مثل القعود و الجلوس فان القعود يكون عن القيام و الجلوس عن الاضطجاع و قد يكون للمعني مثلاً صفتان فيسمي باعتبار صفة باسم و باعتبار صفة اخري باسم آخر فهو من المتباين فلما خفي مناط التسمية ظن الترادف علي انه لافائدة فيه فان التفاهم يحصل بالواحد و ما زاد يكون خاليا عن الفائدة فيكون عبثا و هو لايجوز من الحكيم علي ان ذلك لايتمشي علي رأي من يقول بالمناسبة الذاتية بين الالفاظ و المعاني و الاظهر الاول لان الجلوس هو هذه الحالة المعروفة التي هي حالة القعود و الوارد عن اهل اللغة و اهل العلم و آثار اهل العصمة: استعمال كل واحد مكان الاخر من غير ملاحظة للحالة التي قبله و الاصل في الاستعمال الحقيقة حتي انك اذا اتيت الرجل و هو علي هذه الحال و اردت ان تشير اليه بان تقول هذا القاعد او هذا الجالس لايتفاوت الحال بل لو اتيته بين رجال و لم‏تعلم الحالة السابقة و اردت ان تشير اليه بذلك اللفظ و سألتهم هل كان مضطجعا لاشير اليه بهذا الجالس ام كان قائما لاقول هذا القاعد ضحكوا منك و نسبوك الي سخافة العقل و لو قلت احدهما و كانت حالته علي الخلاف مما قيل لم‏ينكروا عليك و ليس ذلك الاّ للتساوي و لهذا لو قلت للجالس هذا القائم انكروا عليك لخطائك و قد قبلوا منك الاول لصوابك و دعوي ان مثل ذلك انما هو لاختلاف صفات المعني و تعدّدها تحكم من غير دليل لانه لايخلو اما ان تعلم الصفة التي وضع اللفظ بمادته بازائها ام لا فان علمت تعدد المعني فلا اشكال و الاّ فمن اين تحكم بذلك علي ان اسماء السيف تزيد علي الف اسم بحيث يقطع بان صفاته لاتبلغ ذلك و قد صنّف صاحب القاموس رسالة مفردة في اسماء السيف ذكر فيها ازيد من الف فانظر ماذا تري و الحاجة الي فوائد المقامات و المقاصد اعمّ من مطلق التفاهم لجواز ان يقتضي المقام التكرير فلايحسن الترديد اللفظ الواحد مرارا او السجع او الايهام او شدة البيان بلفظ اجلي كما لو خفي علي السامع المعني و المقام اقتضي الخفي كالسجع و الشعر فقال الخندريس و احتاج السامع الي البيان فلو قال المتكلم الخندريس هي الخندريس لما افاده شيئا بل

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 254 *»

يجب ان يقول هي الخمر و لو قال اول مرة الخمر لاختلف شعره او سجعه و الاعتراض بقول اهل المناسبة لايفيد لانا قد قدّمنا ان اللفظ الواحد بل الحرف الواحد تكون له مناسبات نوعية متعددة تتخصّص للمسمي بالهيئة و بزيادة الحرف و تغيير المادة الي غير ذلك مماتقدم فراجعه.

المسئلة السادسة اللفظ المفيد ان لم‏يفهم منه بحسب لغة التخاطب غير الموضوع له فهو النص و هو الراجح الدلالة علي معناه الموضوع له المانع من النقيض و هو في اللغة الظهور لان احتمال النقيض يؤثر خفاءً في نقيضه و قيّدنا بحسب اللغة التخاطب للاحتراز عما يجوّزه العقل الغير المستند الي دليل و عن احتمال مايفهم منه بحسب لغة اخري غير لغة التخاطب بوضع او اصطلاح و الاّ لم‏يوجد نصّ الاّ نادراً و ان فهم منه غير ما يراد منه بحسب لغة التخاطب فان كان مايفهم منه مرجوحا فالمراد من التخاطب ظاهر لظهوره فيه عند التأمل و معني التأمل مراجعة ما في الخيال من مثال اللفظ في رجحان انطباقه علي ما في النفس من المعني و اولويته به من المرجوح و انما قلت عند التأمل لان الامر في بادي التوجه و السماع قد ينعكس او يتساوي الاحتمالان فيما فيه الرجحان و ذلك كلفظ الاسد فانه ظاهر في الحيوان المفترس و ذلك المفهوم المرجوح مأول من آل يؤل بمعني رجع اي مرجوع به الي مايستقرّ عليه من التأويل و ذلك كلفظ الاسد فانه مأول بالنسبة الي الرجل الشجاع و ان كان مايفهم منه مساويا فهو المجمل اي المبهم حاله بمعني انه ليس بمبين و ذلك بالنسبة الي كل واحد من المعنيين المحتملين لتساويهما بالنسبة اليه في المدلولية بلازيادة فيها لا بنفي و لاترجيح و المشترك بني النص و الظاهر هو المحكم و هو اللفظ الذي يفهم منه الرجحان المطلق بنظرين بالنسبة الي متعلق واحد اذ لو كان بنظر واحد لما كان يخلو من ان يمنع النقيض فتعين النص او لايمنع فيتعين الظاهر فاذا اشترك بينهما بالتفاتين كان ذلك هو المحكم اي الراجح الدلالة المتّضح المعني و المحكم هو المتفن اي المضبوط الدلالة علي مسماه فان ما فيه من مرجوحية مقابلة الظاهر تقوي بملايمة النص حتي يكاد الاحتمال المرجوح نفي و المحكم جنس للنص و الظاهر من

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 255 *»

حيث اشتراكهما في رجحان الدلالة و المشترك بين المجمل و المؤل هو المتشابه اي الذي يشبه الحق و ليس بالحق او يشبه الراجح في ظهور دلالته و ليس بالراجح او الذي يشبه بعضه بعضا في عدم الراجحية او عدم ظهور الدلالة او عدم الصواب من قوله تعالي تشابهت قلوبهم و قوله تعالي و لكن شبه لهم و هو اللفظ الذي يفهم منه عدم الراجحية بنظرين بالنسبة الي متعلق واحد اذ لو كان بنظر واحد لما كان يخلو من فهم التساوي فيتعين المجمل او فهم المرجوحية فيتعين المؤل فاذا اشترك بينهما بالتفاتين كان هو المتشابه لاشتراكهما في عدم الراجحية و لما كان ما فيه من جهة التساوي في المجمل ملائما لمرجوحية المؤل ضعفت جهة التساوي فاتفقا فيما ليس براجح الدلالة و هو المتشابه.

المسئلة السابعة اللفظ المركب اما ان يكون تاما او لا و الاول و هو مايحسن السكوت عليه اربعة اقسام الاول مايدلّ علي طلب ايقاع الفعل اي ايقاع مايمكن المطلوب منه من فعله مما يحسن لذاته او لعارض كطلب الكذب لذاته لنجاة المؤمن فان قارن الاستعلاء يعني طلب الامر قارن استعلائه علي المأمور كطلب السيد الفعل من عبده فهو الامر كقوله اسقني ماء و ان قارن التساوي و عدم الترفع و التخضّع فالتماس كقول الشخص لمساويه في الرتبة و لو بالفرض افعل كذا و ان قارن التذلل للمطلوب منه فهو السئوال و الدعاء مثل (اللهم خ ل) اغفر لي و ارحمني و ان دلّ علي طلب الكف عما يمكنه من الفعل الذي لايحسن لذاته او لعارض كالنهي عن الصدق الذي فيه هلاك المؤمن فهو النهي و هو علي ترتيب ماقبله فمن المستعلي نهي و من المساوي التماس و من الادني سؤال و دعاء الثاني مايدلّ علي طلب معرفة الشي‏ء و استخبار حاله و هو الاستفهام نحو ما زيد و كيف حاله فيدخل فيه مميز الذوات نحو هذا الشي‏ء ما هو و مميز التعيين نحو هذا اي شي‏ء هو و مميز الهيئات و الكيفيات بنحو ما و اي و كيف و بنحو من و مااشبه ذلك الثالث مايدلّ علي التنبيه علي الشي‏ء و هو مايدلّ علي معني بين الطلب و

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 256 *»

الخبر كالتمني نحو يا ليتني كنت معهم فافوز فوزاً عظيما و الترجي نحو لعل اللّه يحدث بعد ذلك امرا او العرض مثل الا تزورنا فتصيب خيرا و النداء مثل يا ابراهيم اعرض عن هذا و القسم مثل باللّه و باللّه و التعجب مثل قتل الانسان ما اكفره و التحضيض مثل هلا قمت للتندم و هلا تقوم للحث علي الفعل الرابع مايحتمل الصدق و الكذب علي سبيل البدل و التعاقب لذاته كالجملة الاسمية مثل زيد قائم و الجملة الفعلية مثل قام زيد و ذات الوجهين مثل زيد قام و هو القضية و الخبر و القول الجازم و قولنا لذاته اي لذات اللفظ التام فيدخل في تعريفه ما لايحتمل الكذب اما لقرينة متكلم مخصوص كخبر اللّه سبحانه و خبر رسول اللّه9 و الائمة المعصومين: او لخصوص مادة او تركيب كقولك الاربعة زوج و الثلثة فرد و يدخل فيه مالايحتمل الصدق لذلك ايضاً كقولك الاربعة فرد و الثلثة زوج لان هذه انما امتنع فيها الكذب و الصدق لما ذكرناه لا لمادة الكلام المطلق فانه لذاته محتمل للصدق و الكذب فلخصوص المخبر و خصوص التركيب حصل امتناع الاحتمال و الثاني هو ما لايكون تاما و هو اما تقييدي و هو مايكون اخير الجزئين قيدا للاول و مخصصا لعمومه كالحيوان الناطق فان الصفة مخصّصة لموصوفها اذ لولاها لشمل الفرس و غيرها او اضافي كرامي الحجارة و غلام زيد و اما غير ذلك من احوال السرد و العطف و التأكيد و البدل كواحد اثنان كزيد و عمرو و كزيد نفسه و كزيد اخيك (و ظ) في من و قعد قام و قعد جلس و من علي و اشباه ذلك.

المسئلة الثامنة اعلم ان مايدل عليه اللفظ قد يكون لفظا دالاّ علي لفظ دال علي لفظ دال علي لفظ دال علي معني كالكلمة تدلّ علي اسم فعل و هو تدلّ علي صه و هو يدلّ علي اسكت و هو يدلّ علي طلب الكف عن الكلام و قد يكون لفظا كالكلمة و هو يدلّ علي لفظ كالاسم و هو يدلّ علي لفظ كلفظ زيد و هو يدلّ علي معناه و قد يكون لفظا كالكلمة و هو يدلّ علي لفظ كالاسم و هو يدلّ علي لفظ كالمهمل و هو يدلّ علي لفظ كديز و هو لايدلّ علي شي‏ء و قديكون لفظا كالكلمة و هو لفظ يدلّ علي لفظ و هو الحرف و هو يدلّ علي لفظ و هو ذهن من

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 257 *»

زيد و هو ظاهرا لايدلّ علي شي‏ء و قيل ان الحرف يدلّ علي معني و هو رقمه و ليس بشي‏ء لان الدال علامة علي المدلول و النقش علامة اللفظ و هو يدلّ علي اللفظ و قد يكون دالاّ علي لفظ مركب كالقضية يدلّ علي زيد قائم و هو يدلّ علي معناه و مااشبه ذلك و قد تقدم في المسئلة الرابعة في الموضوع له و هذا تتمة له

القسم الرابع

في الاشارة الي بعض تصاريفها و بعض معاني ذلك و فيه مسائل

المسالة الاولي في ذكر اشتقاق الاسماء و هو لغة الاقتطاع اي اقتطاع فرع تتقلب في انواع تصاريفها حروف اصله الاصول بما نعتبر عليه من الهيئات التي هي مشخصات المشتقات و امثلته في خمسة عشر نوعاً فينقسم الي خمسة اقسام لان الاشتقاق يكون اما بزيادة حرف او حركة او نقصان احدهما او بزيادتهما معا او نقصانهما كذلك او بزيادة احدهما و نقصانه او بزيادة احدهما و نقصان الاخر او بنقصانهما معا و زيادة احدهما فقط او بزيادتهما معا و نقصان احدهما فقط او بزيادتهما و نقصانهما جميعا فاربعة مفردة اثنان في زيادة و اثنان في نقصان و هي زيادة حركة و زيادة حرف و نقصان حركة و نقصان حرف فزيادة الحركة نحو طلب من الطلب و هذا بنا و علي مذهب البصريين من ان الفعل مشتق من المصدر و ان كان العكس اصح و لكن الاول اشهر فمثّلنا عليه و ايضاً يكون بناء علي عدم الاعتداد بحركة الاعراب لانها ليست من احوال الاشتقاق و انما يجلبها العامل اما لانها هي اثره كما هو مذهب ابن الحاجب و اتباعه او علامة لاثره و زيادة حرف مثل كاذب اسم فاعل من الكذب و نقصان حركة نحو الحذر بكسر الذال اسم فاعل من حذر فعل ماض و نقصان حرف مثل خف فعل امر من الخوف و اثنان مزدوجة اي مثناة متفقة اي زيادة حرف و حركة و نقصان حرف و حركة فزيادة حرف و حركة مثل طالب فعل ماض من الطلب و نقصان حرف و حركة مثل عد فعل امر من العدة و اربعة مزدوجة اي مثنياة مختلفة نقصان حرف و زيادة حرف مثل ديان من الديانة و نقصان حركة و زيادة حركة مثل اعلم فعل امر من العلم و نقصان حرف و زيادة حركة مثل نبت من النبات و نقصان حركة و زيادة حرف

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 258 *»

مثل سميع من سمع فعل ماض و اربعة مثلثة نقصان حرف و حركة و زيادة حرف مثل الكال من الكلال و نقصان حرف و حركة و زيادة حركة مثل عد فعل امر من الوعد و نقصان حرف و زيادة حرف و حركة مثل خاف فعل ماض من الخوف و نقصان حركة و زيادة حرف و حركة مثل اضرب فعل امر من الضرب و واحد مربع نقصان حرف و حركة و زيادة حرف و حركة مثل ارم من الرمي فهذه الخمسة عشر المثال في الخمسة الاقسام و حيث كان الفرع مشتقا من اصله من الحروف الاصول التي تدلّ علي نفس مادة المعني كان اصل المعني موجودا في الفرع كالاصل و حيث كان الفرع انما يدلّ علي مايخصّه من الهيئات و المشخصات من هيئة مادة الاصول مع مايزاد من الحروف علي الاصل لم‏يشتق للفرع هيئة من هيئة اصله و لم‏تلزم زوايد الاصل فيه و الاّ لماتغير الاصل فلايكون اشتقاق فلايكون فرع فاخذ الواضع لاصل المعني في الفرع حروف الاصل الاصول و وضع لكل فرع هيئة و زوايد ان اقتضي التصريف الزوايد علي حسب مراده من ذلك القرع مع حفظ اصل المعني فيه لان الاشتقاق انما هو لما يقتضيه ذلك الاصل لذاته من الهيئات علي حسب ماتقتضيه حال الخطابات و التفاهم فقال في القتل قتل يقتل اقتل قتلا و قاتل يقاتل قاتل قتالا و مقاتلة فهو قاتل و مقتول و قتل و قتال و مقاتل و مقاتل و قاتل يقاتل مقاتلة و تقاتل و يتقاتل و هكذا مما يشبه تصريفه فاختلفت هيئات المعاني باختلاف الهيئات الاشتقاقية و قولنا انه يشتق من مادة الاصل الاصول لا الزوايد لا نريد به انه لا تواخذ الزوايد علي حال و لايترك ظاهراً شي‏ء من الاصول علي حال و انما المراد منه ان استعمال الاصول شرط في نقل المعني الي الفرع اما بوجودها لفظا او تقديرا و لايضرّ المعني عدم وجود بعضها لفظا مع ملاحظة التقدير لان الحذف اذا وجد انما هو للاعلال مثلاً مثل كن من كان و هي موجودة تقديرا و انما حذفت و لم‏تترك بنقوشها و لفظها لانها لو تركت بلفظها ما كان للاعلال اثر و و سقط مايترتب من الفوائد علي ما ذكر في علم التصريف من التخفيف و الاختصار و غير ذلك و لو حذف لفظها لما قرّروه و بقي النقش علي حاله حفظا للاصل لماكان يعرف ذلك الاّ بالسماع و الكتابة فمن قرء

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 259 *»

الكتابة و لم‏يسمع المخاطب بها اتي باللفظ فيعود اللفظ المحذوف فينتفي الاعلال اذ لايدلّ علي اللفظ الاّ السماع او صورة النقش و نريد ان الزوايد التي قدتلحق الاصل ليست شرطا لنقل المعني لانها من نوع الهيئات فان اقتضي الاشتقاق و التصريف شيئا منها اخذ و الاّ فلا و قولنا سابقا و ايضاً يكون بناء علي عدم الاعتداد بحركة الاعراب الخ قيل عليه ان قولكم لا اعتبار بحركة الاعراب لانها زائلة عند زوال العامل فهي مفارقة للكلمة ليس بشي‏ء لان المراد بها ليس الحركة الشخصية و لا الحركة الصنفية كالرفع حركته الضم بل المراد الحركة النوعية التي هي ضد السكون و لايخلو اخر المعرب عنها لانه اما مضموم او مفتوح او مكسور فكونها تحذف حال الوقف لاينافي اللزوم لان حركة البناء كك و الجواب ان المراد بزوالها مفارقتها لاصل الكلمة لانها انما يجلبها العامل سواء كانت شخصية ام نوعية و حركة البناء اصلية لا عارضية و لما كان الاشتقاق تصرّفاً في المادة بالهيئات المختلفة التي هي جزء اللفظ الدالّ علي المعني الفرعي كان كل لفظ مركبا من لفظ و هيئة و الهيئات انما تتركب بالحركات التي هي من اصل البينة و بالتقديم و التأخر و الزيادة و النقصان و حركات الاعراب من اصل البنية و انما هي طارية بالعامل فلاتعلّق لها بالاشتقاق لانها علامات احكام الكلم و حركات البناء من هيئات الفروع المشتقة فاعتبرناها لذلك.

المسئلة الثانية هل يشترط قيام معني المشتق بالذات في صدقه عليها ام لا قالت الاشاعرة نعم لانا تتبعنا الكلمات المشتقة و لم نقف علي كلمة صادقة علي ذات و المعني الاشتقاقي قائم بغيرها لان ذلك المعني هو الحدث الصادر عن الفاعل و هو قائم بذاته و لان اللّه سبحانه سمّي متكلماً لقيام الكلام النفساني الذي تدلّ عليه الحروف و الاصوات بذاته و لانه في الحقيقة صفة للذات و الصفة لاتقوم بغير موصوفها و لابنفسها و الاّ لم‏تكن صفة و قالت الامامية لايشترط ذلك لان الاستقراء لم‏يثبت لوجود قيام الاصوات بالهواء مع صحة الاتصاف و قيام الضرب بالمضروب و مع صحة الاتصاف و لو اشترط في صحة الاتصاف قيام الصفة بالموصوف لماصدق علي فاعل الضرب انه ضارب و قيل علي هذا ان معني

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 260 *»

المشتق هو التأثير و هو قائم بفاعل الضرب و اما القائم بالمضروب فانما هو الاثر فصحة الاتصاف لحصول الشرط قلنا في الجواب اذا نظرتم الي حقيقة الحال فمعلوم ان الواقع علي المضروب و هو الاثر و لكنّ التأثير الذي زعمتم انه قائم بالفاعل لايتقوم الاّ بالاثر اذ بدونه لايحسّ ثم هذا الذي تقوم به ان كان قائما بالمفعول تم المطلوب و الاّ لم‏يتقوم بذاته فلم‏يقع علي المفعول و قال بعض العلماء في جواب هذا القيل ان التأثير ليس امرا مغايرا للاثر و الاّ لزم التسلسل ان كان حادثا لانه اذا كان مغايرا كان له اي للتأثير تأثير و هكذا و يتسلسل و ان كان قديما لزم قدم الاثر لاستلزام قدم النسبة قدم المنتسبين اقول و هذا الكلام ليس بصحيح و ان كان دعويهم صحيحة لان التأثير مغاير للاثر الا انه لايلزم التسلسل لان التأثير حدث بنفسه لابتأثير آخر فلاتسلسل و لا القدم لان النسبة انما هي بين الفعل و المفعول لا بين الفعل و الفاعل فلايستلزم القدم فانك اذا قلت زيد ضرب عمرا كان حصول النسبة بين ضرب و بين عمرو المضروب و اما نسبة الضرب الي زيد فلا اما ظاهراً فلان ضرب انما استند الي الضمير الذي هو ضمير زيد و ليس هو نفسه و انما هو ذكره و الاشارة الي جهة وجوده من حيث الفعل اي جهته و تلك الجهة هي جهة الفعل فالنسبة بين الفعل و بين تلك الجهة التي هي جهة الوجود من حيث الفعل و هي جهة الفعل من حيث نفسه لان الفعل احدثه زيد بنفسه لا بفعل آخر فلايلزم الدور او التسلسل و اما باطناً فلان ضرب انما استند الي حركة زيد و تلك الحركة احدثها زيد بنفسها و تقومت بجهة الانتساب و هي نفسها كما مرّ فاذا قلنا ان الضرب الذي هو التأثير قام بزيد انما نريد به قيام صدور و قيام تحقق لا قيام عروض فاذا اجرينا هذا في شأن القديم لم‏يلزم منه ماقالوا و لا قيام معني الصفة بالموصوف قيام عروض و انما هو قيام صدور كالكلام فانه قائم بالمتكلم قيام صدور و بالهواء قيام عروض فبطل بهذا قول الاشاعرة المشترطين قيام المعني بالموصوف في صحة الاتصاف بان المعني هو التأثير لا الاثر و انه قائم بالذات و لنا ان نقول من باب الالزام ان اللّه سبحانه يوصف بالخالق فان قلتم ان الخلق يقوم بذاته لزم قيام الحادث بالقديم و اذا قلنا

 

«* جوامع الکلم جلد 6 صفحه 261 *»

قائم به قيام صدور و بالمخلوق قيام عروض صحّ المعني و بطل الاشتراط و قولهم بالكلام النفسي باطل لان الكلام النفسي ان كان هو الذات بدون اعتبار مغائرة او كثرة او تعدّد فلا معني لقولهم انه في نفسه تعالي و ان كان مغايرا لزم الاختلاف و الاقتران و التعدد الموجبة للحدوث فلما امتنع نسبة شي‏ء من ذلك عليه و ثبت وصفه بالكلام ثبت ان صدقه عليه باعتبار خلقه الاصوات و الحروف القائمة بالاجسام كصدق الكلام علينا و هو قائم بالهواء فقولنا سابقا ان التأثير لايتقوم الاّ بالاثر مبني علي ما قرّرنا في كثير من مسائلنا و مباحثاتنا من ان الاثر انفعال و الانفعال لايتقوّم الاّ بالفعل كالعكس فيلزم قيام التأثير بالمفعول قيام عروض بواسطة الاثر و ان كان قائما بالفاعل قيام صدور اذ لولا ذلك لم‏يتحقّق الاثر في المفعول فوقع الحق و بطل ماكانوا يعملون.

المسئلة الثالثة هل يشترط بقاء المعني في صدق المشتق حقيقة ام لا اقول قال اصحابنا الامامية و اكثر المعتزلة و ابوعلي سيناء لايشترط مطلقا و قال اكثر الاشاعرة و البيضاوي و الفخري يشترط مطلقا و قال الامدي و ابن الحاجب بالوقف و قيل ان كان ممايمكن بقائه يشترط و ان كان ممالايمكن بقائه كالغير القارة الذات نحو التكلم فهو حقيقة و ان لم‏يبق المعني لعدم اشتراط البقاء في مثله و قيل ان كان ممايمكن (لايمكن خ‌ل) بقائه كفي في الصدق حقيقة حصول جزئه كالتكلم فيكفي حصول حرف منه و الاّ فيشترط الكل و قيل ان النزاع فيما هو بمعني الحدوث كالضرب و التكلم لا ما كان بمعني الثبوت كالمؤمن و الكافر و قيل ان النزاع فيما لم‏يثبت عليه الحكم الشرعي و اما ماثبت عليه الحكم الشرعي كالسارق و السارقة و الزاني و الزانية فلانزاع فيه و الاّ لامتنع الاستدلال عليه و قيل ان النزاع فيما لم‏يطرء عليه وصف وجودي و اما ماطرء عليه وصف وجودي كطروء (كطرق خ‌ل) الاسلام علي من اسلم فلانزاع فيه…. الي هنا وجد في النسخة الشريفة

[1] (قوله و دلالة التنبيه الخ و اعلم ان اهل الاصول عرفوا المنطوق بمادلّ عليه اللفظ في محل النطق و المفهوم بمادلّ عليه اللفظ لا في محل النطق و قسموا الثاني بمفهوم موافقة كدلالة قوله تعالي و لاتقل لهما افّ علي حرمة الضرب و الشتم و القتل و غيرها من انواع الايذاء و مفهوم مخالفة كمفهوم الغاية و الشرط و امثالهما من المفاهيم العشر و قسموا الاول اعني المنطوق الي المنطوق الصريح و الغير الصريح و قسموا الثاني منه اعني غير الصريح الي ثلثة اقسام و هي دلالة الاقتضاء و دلالة الايماء و دلالة الاشارة و دلالة التنبيه و جعلوا لاقسام الثلثة الاخيرة التي هي المنطوق الغير الصريح من باب دلالة الالتزام و المنطوق الصريح من باب دلالة المطابقة و جعل بعضهم دلالة التضمن من المنطوق الصريح بالنسبة الي دلالة الالتزام و بعضهم جعلها من المنطوق الغير الصريح و دلالة الاقتضاء هي مايتعلق فيه القصد بالمدلول الالتراجي و يتوقف عليه صدق الكلام او صحته عقلا او شرعا مثل قول النبي9 رفع عن امتي الخطاء و النسيان فان المراد رفع ذلك المؤاخذة عنهما من الامة رفع يتوقف علي اضمارها صدق الكلام عليه عقلا بحيث لو لم‏يضمر لكان كذبا و مثل قوله تعالي فاسئل القرية فان المراد سؤال اهل القرية و يتوقف علي اضماره صحة الكلام عقلا بحيث لو لم‏يضمر الاهل لم‏يصحّ الكلام عقلا فان سؤال القرية بمعناها المعروف غير معقول و مثل قول القائل عتق عبدك عني علي الف فان المدلول عليه المقصود الالتزامي مملكا لي علي الف بحيث لو لم‏يضمر في الكلام لما صحّ الكلام شرعا اذ لا يصحّ العنق شرعا الاّ في ملك و هذه الاقسام الثلثة كلها من دلالة الاقتضاء و اما دلالة الايماء و التنبيه فمثل دلالة الاقتضاء في كون المدلول عليه الالتزامي بها مقصودا للمتكلم مثل كون الوقاع مع الاهل في نهار رمضان علة لوجود الكفارة علي الواقع المدلول عليه بقول النبي9 كفّر بعد قول الاعرابي هلكت و اهلكت واقعت اهلي في نهار رمضان فان كونه علة له مقصود للشارع7 في حكمه لكنه لايتوقف عليه صدق الكلام او صحته عقلا او شرعا بل اقترن كلام الاعرابي بوجوب الكفارة التي هي حكم الشارع7 بحيث لو لم‏يكن الوقاع فيه علة له لكان الاقتران به بعيدا و كذا قوله9 بنقص الرطب اذا جف قيل نعم فقال اذن اذن فلا و اما دلالة الاشارة فهي ان يكون المدلول عليه بدلالة الالتزامي ممالايتعلق به قصد للمتكلم اصلاً لكنه يلزم من الكلام بدون قصد المتكلم علي الظاهر من المتعارف في فالمنطوق الغير الصريح انما يسمي بدلالة الاشارة اذا لم‏يكن مقصوداً للمتكلم اصلاً مثل دلالة قوله حمله و فصاله ثلثون شهراً مع قوله تعالي و فصاله في عامين او مع قوله تعالي قالوا يرضعن اولادهن حولين كاملين علي ان اقلّ الحمل ستة اشهر فانه لازم منها و ان لم‏يكن مقصوداً من الايتين بل المقصود شي‏ء اخرفيهما و هو في الاولي اظهار تعين الام في مدة الحمل و الفصال و في الثانية بيان مدة الفصال و في الثالثة بيان اكثر مدة الانفصال فافهم)