05-09 مکارم الابرار المجلد الخامس ـ رسالة في جواب السيد محمدالقايني في علم النبي و آله بالاشياء ـ مقابله

 

 

رسالة في جواب السيد محمد القايني في علم النبي و‌آله بالاشياء

 

من مصنفات

العالم الرباني و الحکيم الصمداني

مولانا المرحوم حاج محمد کريم الکرماني

اعلي‌الله‌مقامه

 

 

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 409 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله و سلام علي عباده الذين اصطفي،

و بعد ـ يقول العبد الاثيم كريم بن ابراهيم انه قد اتفق لي في أثناء البحث كلام مع السيد الزاهد التقي الممجد السيد السند المعتمد السيد محمد بن السيد افضل القايني وفقه الله لجميع ما يتمناه و جعل آخرته خيراً من دنياه في علم النبي و آله: بالاشياء و ما يختص علمه بالله جل جلاله أحببت أن أكتب حقيقة أمرهما ايضاحاً له و لساير الطالبين علي وجه الايجاز تكلاناً علي جودة فهمه و تقواه الميسر له كل عسير ان‌شاء‌الله اعلم ان الاحد جل شانه يمتنع فيه ذكر لما سواه عيناً  كوناً‌ و امكاناً اثباتاً و نفياً فاذا هو اذ ذاك هو و لا شيء سواه فلايتعلق بشيء و لايضاف الي شيء و لا يقع علي شيء و لا يطابق شيئاً فان سميته علماً فهو عبارة اخري عن ذاته فبهذا العلم يعلم نفسه فهو العلم و المعلوم و العالم بلا تفاوت و لو اعتباراً و بهذا يعلم ما سواه ايضاً‌ علي ما هو مذكور فيه أي بالامتناع فاذا هو عالم و لا معلوم و كان العلم ذاته و لا معلوم و جميع ما سوي الاحد خلقه و ممكن كما قال الرضا7: حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما. و برهانه ظاهر اذ كل ما سوي الاحد ظهوره و ظهور فعله و خلقه الا أن قولنا ما سوي الاحد خلقه و ممكن له تفصيل و هو أن الخلق خلقان خلق بغيره و خلق بنفسه و ما سوي الاحد ممكن تفصيله ان الممكن ممكنان ممكن بالامكان و ممكن بالنفس و ذلك ما قال الصادق7: خلق الله الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها. و ما سوي نفس الامكان ممكن بالامكان السابق عليه و اما الامكان فهو ممكن بنفسه لا بامكان آخر سابق عليه فكل شيء ‌سواه مسبوق بغيره الا المشية و الامكان فانهما لايسبقان اذ لا شيء‌ سواهما و الاحد جل شانه لايطلق عليه سابق و لا لاحق فانهما وصفيان اضافيان و

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 410 *»

ليس الاحد من الموجودات الاضافية التي لا تحقق لها الا بملاحظة المضاف اليه فاذا الامكان عدمه ممتنع محض فهو في كونه ممكناً أزلي و هو الازلية الاولي في قوله: انا صاحب الازلية الاولية و هو الملك القديم في دعاء النبي9 اللهم اني اسألك بملكك القديم و هو المن القديم في دعاء سحر اللهم اني أسألك من منك بأقدمه و كل منك قديم و هو الملك المتأبد بالخلود كما في دعاء الصحيفة بعد صلوة الليل بالجملة هذا الامكان في كونه امكاناً أزلي قديم و لايلزم منه تعدد القدماء الممنوع عنه لانه اي الامكان ليس بمستقل بنفسه لنفسه و انما هو مضمحل ازلاً ابداً عند الاحد جل شأنه فهذا الامكان هو علمه سبحانه الازلي في قول ابي عبدالله7: لم يزل الله عالماً بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كونه. و هو المشار اليه في حديث الكاظم7: بالعلم علم الاشياء قبل كونها. فهذا الامكان هو معلومه سبحانه لابعلم سابق عليه اذ لا سابق عليه و هو ممتنع مع الذات فهو معلوم لله سبحانه بنفسه و يعلم الله الاشياء فيه كما هي فيه و هي فيه بالقوه ثم بعده مراتب الخلق كل في حده و مقامه فيعلمها الله سبحانه بعلمه الامكاني كما هي في الامكان و بعلمه الكوني كما هي مذكورة في محالها و ذلك العلم الكوني نفسها اذ ليس فوقها كون و انما فوقها الامكان و لايطابقها بل يضادها اذ الامكان عدم الاكوان و نفيها و لابد و ان‌يكون العلم مطابقاً مع المعلوم فلايطابق الكون الا نفسه و لا كون قبل الكون فهو ايضاً معلوم بنفسه و ان قلت هل يعلم الله الكون الثاني بالكون الاول قلت لهذا تفصيل فان كان الكون الاول علة الكون الثاني يعلم فيه بالذكر العلي كما يكون الالف مذكورة في حركة يدك و ليس كون الكون الثاني و لا عينه في الكون الاول و ان كان الكون الاول اجمال الكون  الثاني فيعلم الكون الثاني بالذكر الاستجناني ثم ليس تفصيل كونه و عينه فيه بالبداهة بالجملة يعلم الله سبحانه كل شيء به في حدّه و مكانه و وقته كما هو فيها فاذاً جميع عرصات الملك علم الله و معلوماته و هي العلم المشار اليه في قوله: قال

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 411 *»

فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي و لا ينسي و قوله قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ فمجموع هذا الكتاب من أوله الي آخره هو العلم الازلي لله سبحانه الغير المسبوق بالعدم فإن الممتنع لايسبق و ما سوي الامتناع امكان و هو في هذا الكتاب و ان قلت هذا العلم الازلي هل هو اجمالي او تفصيلي قلت ان الاجمال و التفصيل حرفان من حروف هذا الكتاب و لايقال علي المجموع اجمال و لا تفصيل بل هو علم كمالي كما روي عن الصادق7: العلم من كماله و عن ابي جعفر7 في العلم: هو كيدك منك و ليس هذا العلم الكمالي بامكاني و لا كوني و لا عيني اذ الثلثة من حروفه و هذا العلم كحضور الاعداد عند الاحد فعلم الاعداد ليس بعلم واحدي و لا اثنيني و لا ثلاثي بل هذه العلوم من حروفه و ان قلت هل الاعداد بكثرتها حاضرة لدي الاحد ام بالاحدية قلت لدي الاحد و عنده هما نفس الاعداد لا نفس الاحد و هي في الاحد ممتنعة و هي لديه و عنده في حدها و هي علم الاحد و معلومه و عالميته و ما يضاف اليه منه اذ هذا العلم لايضاف الي الاحد بل الي ظهور الاحد لها بها فافهم فانه دقيق و هو قول موسي بن جعفر7 علم الله لا يوصف منه بأين و لا يوصف العلم من الله بكيف و لا يفرد العلم من الله و لا يبان الله منه و ليس بين الله و بين علمه حدّ فان رأيت الاحد فاذاً هو علم و لا معلوم كما قال الصادق7: لم يزل الله عزوجل ربنا و العلم ذاته ولا معلوم و ان رأيت الاعداد فهي المعلومة فوقع العلم منه علي المعلوم كما قال7 و العلم الواقع هو نفسها فافهم فانه دقيق دقيق و بالكتمان عن غير اهله حقيق حقيق فذلك صفة علم الله سبحانه من مبدئه الي منتهاه فهذا العلم الازلي ليس له نهاية ولا غاية و لا زيادة و لا نقيصة و لا ضلالة و لا نسيان و لا محو و لا اثبات و ليس بحادث مستفاد ولا مسبوقاً بالغير بوجه بل هو كمال الاحد الازلي و ظهوره المترامي بلا نهايه و هذا العلم علم بالفعل لا بالقوه و لايسبقه قوة و لا امكان فاذا عرفت ذلك و تنبهت بما هنالك فاعلم ان ماسوي الحق سبحانه خلق

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 412 *»

اياً كان مخلوقاً بغيره او بنفسه ممكن او امكان لا شك في ذلك و اول ما خلق الله نور نبيك اجماعاً اجمالاً‌ و ذلك ايضاً لا شك فيه و المخلوق بنفسه ايضا من الخلق و لا يسبقه خلق فهو هو مخلوق بنفسه انتجبه في القدم الذي سمعت علي ساير الامم علي علم منه ثم خلق ما سواه من نوره و خوله اياه قلماً كان او لوحاً او حروف اللوح ففي حديث جابر قال قلت لرسول الله9 اول شيء خلق الله تعالي ما هو فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير ثم اقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء‌الله ثم جعله اقساماً فخلق القلم من قسم و اللوح من قسم و الجنه من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الخوف ماشاء‌الله ثم جعله أجزاء فخلق الملئكة من جزء‌ و الشمس من جزء و القمر و الكواكب من جزء و اقام القسم الرابع في مقام الرجا‌ء ماشاءالله ثم جعله اجزاء فخلق العقل من جزء  و العلم و الحلم من جزء‌ و العصمة و التوفيق من جزء و اقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاءالله ثم نظر اليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور و قطرت منه مائة الف و اربعة و عشرون الف قطرة فخلق الله من كل قطرة روح نبي ثم نفست أرواح الانبياء فخلق الله من أرواحها أرواح الاولياء و الشهداء و الصالحين الي غير ذلك من الاخبار فهو7 هو الشمس المنيره و جميع ما خلق الله سبحانه من نوره و هو الذي لايسبقه غيره و الا لكان ذلك هو الاول فكان أزلياً قديماً غير مسبوق بالعدم كما روي في الزيارة السلام علي الاصل القديم و في الخطبة خطبة الجمعة و الغدير انتجبه في القدم علي ساير الامم و في الخطبة انا صاحب الازلية الاولية و في خطبة اخري كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين. فهو7 هو الاول الذي لا سابق عليه و في حديث سلام الشمس علي علي7: السلام عليك يا اول السلام عليك يا آخر السلام عليك يا ظاهر السلام عليك يا باطن السلام عليك يا من هو بكل شيء

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 413 *»

عليم بالجملة لكونه اولاً ‌ليس بمسبوق بسابق و الا لكان ثانياً و جميع ما سواه شعاعه و نوره فهو7 عالم بنفسه بالاتحاد فهو اذ ذاك عالم و معلوم و علم الا انه ليس الاتحاد فيه علي حد الاحد بل هو من حيث عالم و من حيث معلوم و من حيث علم عرفنا ذلك علماً نظراً الي آثاره و كونه غير الاحد اياً كان فهو علم بنفسه و معلوم لنفسه و عالم بنفسه بلا شك و بعلمه بصفات نفسه المتصله بها اي بعين تلك الصفات علم مبادي جميع ما خلق الله سبحانه و علله ثم علم ساير المعلومات التي خلقت من شعاعه بها في اماكنها و حدودها علماً احاطياً لا اخبارياً ففي الطتنجية لقد علمت ما فوق الفردوس الاعلي و ما تحت السابعة السفلي و ما في السماوات العلي و ما بينهما و ما تحت الثري كل ذلك علم احاطة لا علم اخبار و في اخري انا عندي مفاتح الغيب لايعلمها بعد رسول الله الا انا و فيها انا سر الله المخزون انا العالم بما كان و ما يكون. و فيها انا محصي الخلايق و ان كثروا انا محاسبهم و ان عظموا و في خطبه الافتخار ما أنزل الله حرفاً في كتاب من كتبه الا و قد صار الي و زاد لي علم ما كان و ما يكون الي يوم القيامة و في دعاء الصحيفة السجادية في ذكر آل محمد7: علمهم علم ما كان و علم ما بقي الدعاء. الي غير ذلك من الاخبار و الدعوات و الاثار و كفي بقوله تعالي و كل شيء احصيناه في امام مبين. فهم يعلمون كل شيء في مقامه و حده بعلم الله به بتعليم الله سبحانه لهم مفصلاً و هي صفاتهم المنفصلة و اثارهم و أنوارهم و يعلمون مباديها بصفاتهم المتصلة التي هي علة تلك المنفصلة كما يكون الشبح المتصل بك علة الشبح المنفصل منك و اصله و يعلمون ما سويهم في ذاتهم بالنفي و العدم لا بالامتناع فانه مخصوص بالاحد جل شأنه و علمهم بهم في ذاتهم هو علمهم بهم في الوجود الراجح الذي هو الامكان الراجح فيعلمون كل شيء هناك بالقوة و الصلوح صلوح الاظهار و الايجاد و هو قدرة القدير لابالفعل مفصلاً و في مراتب أكوانها و أعيانها

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 414 *»

مفصلاً و بالفعل فذلك العلم المفصل هو علمهم بما كان و ما يكون باعتبار و علمهم بما كان باعتبار فحينئذ علمهم بما يكون هو علمهم بالاشياء في الامكان و هو العلم الغيب في قوله سبحانه عالم الغيب و الشهاده فالشهادة علمهم بالاكوان و الاعيان لان الله سبحانه أشهدهم خلق السموات و الارض و خلق أنفسهم و الغيب علمهم الامكاني عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا من ارتضي من رسول فهم يحيطون بالعلم الامكاني علي نحو الامكان و الصلوح و يحطيون بالعلم الكوني علي نحو الوجود و الفعل فعلمهم الامكاني الذي هو علمهم بذواتهم هو علم الله جل جلاله السابق علي الاشياء الذي أشرنا اليه و علمهم الاكواني هو علم الله جل جلاله المكتوب في الكتاب كما أشرنا اليه فعلمهم الامكاني هو العلم الذي منه البداء ‌يقدم الله منه ما يشاء و يؤخر منه ما يشاء و علمهم الاكواني و الاعياني هو العلم الذي اطلعهم الله عليه و أشهدهم اياه و شاء‌ ان‌يعلموه مفصلاً في قوله و لا يحيطون بشيء من علمه اي علمه الامكاني اي احاطة تفصيل و بالفعل الا بما شاء‌ بالمشية الكونية فانهم يحيطون به احاطة تفصيل و بالفعل فهم لايعلمون العلم الامكاني علم بالفعل و علم تفصيل البتة الا فعلية امكانية يعني يعلمونه امكاناً ‌بالفعل لا كوناً بالفعل فهذا العلم الامكاني هو خزانة الله اي هم خزانة الله هذه و هم ابداً يستزيدون الله من هذه الخزانة فيعطيهم الله من هذه الخزانة بها اي بهم الم تستشعر ان الله سبحانه خلق المشية بنفسها و لا شك ان المشية خلق الله و حادثة بالذات و محتاجة الي المدد من الله سبحانه كما ان كل مخلوق محتاج الي المدد الا ان الله سبحانه يمد كل مخلوق مسبوق من خزانة سابقة عليه و المخلوق الغير المسبوق لابد و ان‌يمده منه به فانه لا سابق عليه فكذلك هم: غير الله بلا شك و حادثون بلا شك و محتاجون الي مدده سبحانه بلا شك قائمون بأمره بلا شك كما ان ساير الخلق حادثون محتاجون الي المدد قائمون بأمره الا ان ساير الخلق مسبوقون بأمر و خزانة يمدون منها و مسبوقون بالعدم و هم لم يسبقهم عدم و لا غيرهم فيمدون من أنفسهم بأنفسهم و يقومون بأمر  هو نفسهم فهم يستزيدون

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 415 *»

الله من خزانة نفسهم و امكان نفسهم ابداً و يزيدهم الله منهم بهم أبداً و لا تزعم من قولي انه لا استزادة حينئذ نعوذ بالله و استغنوا عن المدد نعوذ بالله بل هم محتاجون دائماً معدومون من حيث الامكان دائما مستغنون بالله و بعطائه موجودون بأمره فلو قطع عنهم المدد طرفة عين لعدموا و هذا قولهم يبسط لنا فنعلم و يقبض عنا فلانعلم فهم جهال دائماً متعلمون من الله دائماً و يعلمهم الله دائماً حتي انهم لايعلمون ان الشمس طالعة حين هي طالعة الا بتعليم جديد في كل طرفة عين و كذلك ذواتهم في ذواتهم لا تكون أبداً الا بأمر جديد و خلق جديد و مدد جديد بل هم فيها أبداً واقفون في الآن الاول من احداثهم لم‌يمر عليهم آن ثان يحتاجون الي مدد ثان بل هم في اول الصدور الاول ابدا يفقدون انفسهم و يجدونها بايجاد الله ابداً فهم من حيث فقدانهم أنفسهم امكان و من حيث وجدانهم بربهم كائنون فلايجدون انفسهم حيث يفقدون و لايفقدون أنفسهم حيث يجدون فهم دائماً مستزيدون من الله سبحانه ما لايملكون و يعطيهم من فضله ما كانوا فاقدين له و لايملكون فهم في الامكان الراجح معدومون و بالوجود الراجح موجودون فلا علم لهم في حال فقدانهم و انما يعلمون حال وجدانهم فلايحطيون بشيء من العلم الامكاني الا بما شاء من العلم الكوني فالعلم الامكاني مخصوص بالله سبحانه استأثر الله به في علم الغيب عنده لايطلع عليه احد سواه و العلم الكوني هو المبذول و هو ما روي في التوحيد عن ابن‌سنان عن جعفر بن محمد عن ابيه8قال: ان لله علماً خاصاً و علماً عاماً فاما العلم الخاص فالعلم الذي لايطلع عليه ملائكته المقربين و أنبياءه المرسلين و اما علمه العام فإنه علمه الذي اطلع الله عليه ملئكته المقربين و أنبياءه المرسلين و قد وقع الينا عن رسول الله9 و عن جابر عن ابي جعفر7 قال ان لله لعلماً لايعلمه غيره و علماً يعلمه الملئكة المقربون و انبياؤه المرسلون و نحن نعلمه انتهي. فلا ينسب العلم الامكاني الا الي الله سبحانه فإن الملئكة المقربين و الانبياء المرسلين حتي خاتم النبيين هنالك مفقودون و لا علم لهم حيث لايجدون انفسهم فضلاً عن غيرهم و اما

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 416 *»

العلم الكوني فلكل منه حظ و اول ما خلق الله هو المحيط بكله.

بقي شيء من معني علم البداء و المحتوم هل هو شيء انتهي علمه اليهم صلوات الله عليهم او هو مخصوص بالله سبحانه و ذلك علم غامض لايمكن رسم تمام ما يتعلق به في هذه الرسالة الا اني اشير اليه ايضاً. اعلم ان للحادث مراتب من مبدئه الي منتهاه الاول هو مقام ذكره الاول و هو المادة النوعية له و الثاني مقام عينه الاولي و هو مقام صورة النوعية له ثم مقام الهندسة و هي مقام المادة الشخصية له ثم مقام الصورة و التمثل و هو مقام الصورة الشخصية فاذا تم هذه المراتب و كملت يقع الشيء بما هو شيء تاماً في الخارج و يكتب في محله و وقته من لوح الامضاء و قبله لايكون الشيء شيئاً كما ان السرير ليس بسرير في مقام العناصر و لا الصورة الخشبية و لا الالواح و انما السرير سرير بعد التلبس بالصورة الشخصية فاذا عزم النجار علي صنعة السرير و أخذ العناصر يمكنه تركها او قلبها شيئاً آخر و اذا ألبسها الخشبية يمكنه ترك السرير و جعله باباً او حطباً و اذا صنع الالواح يمكنه ترك السرير و جعلها حطباً او صندوقاً و اذا ركبها سريراً و وضعه تاماً لايمكن ان لايكون صنعه فانه قد أمضي و دخل عرصة الوجوب المفعولي. فالذكر الاول مقام المشية و فيه البداء و العين مقام الارادة و فيه البداء و الهندسة مقام القدر و فيه البداء و من ابتداء التركيب الي قبيل التمام مقام القضاء و فيه البداء و لو أبرم إبراماً و اما اذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء و هذا مضمون الرواية و التفصيل موكول الي الفطرة السليمة و كل هذه المراتب مراتب إضافية فالشيء الواحد ممضي في كونه هو هو و لكنه ذكر اول لشيء و عين اولي لشيء و هندسة لشيء و قضاء لشيء فمن حيث كونه امضاء نفسه لايحتمل البداء اذا وقع و من ساير الحيوث يحتمل البداء‌ الاتري ان السرير اذا صنع و تم لايحتمل ان لايكون صنع و تم و لكن يمكن ان‌يكسر بعد تمام فلايدوم و ذلك ان الدوام تدريجي و لما يمض اجزاؤه فيحتمل البداء اذا عرفت ذلك فاعلم ان جميع ما خلقه الله و كتبه القلم و جف قد امضي و رسم في اللوح فهو موجود و هم يعلمونه و لكني أسألك هل المكتوب في اللوح

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 417 *»

خارج عن عرصة الامكان او هو ممكن بل هو ممكن و ان قلنا انه واجب مفعولي و معناه انه وجب بإيجاب الله فإذا كان ممكناً هل محوه من محله تحت القدرة الكاملة له سبحانه و يمكن ان‌يمحيه ام لا؟ لا سبيل الي الانكار فان الشيء بإمضائه لايصير واجب الوجود فإذا امكن محوه بالنسبة الي القدرة فللّه عليه القدرة و له البداء فيه فإذا بدا ان بدا اليس قد خرج ذلك البداء من الامكان اذ هو العلم الذي فيه البداء يقدم منه ما يشاء‌ و يؤخر منه ما يشاء و اليس انهم لايحيطون بعلم الامكان و البداء كما مر فهم و ان علموا ما امضاه الله سبحانه و لكنهم لايعلمون هل يبدو لله فيه ام لا ألاتري انهم يرون لله القدرة علي محو وجودهم و يعتقدون قدرة الله علي ذلك و تعتقد فله سبحانه البداء فيهم و في ما علمهم من الممضيات فلاتدوم و تمحي و اما الذي كتب حين هو كتب لايكون كتب فهو ممتنع لايعقل و اما اخترام دوامه فيعقل فلايدوم فالممضي الزماني يمكن ان لايدوم في باقي الزمان و الممضي الدهري يمكن ان لايدوم في باقي الدهر و اما الممضي السرمدي فلما كان جيع@جميع ظ@ اوقاته بالفعل فلا دوام هناك حتي يحتمل الاخترام كالزمانيات و الدهريات فهم: يجوزون البداء علي الزمانيات و الدهريات جميعاً بذلك المعني دون السرمد ألاتري ان السرمد هو الفعل البسيط و المحو فعل و الاثبات فعل فكيف يمكن ان‌يمحي الفعل و لايجوز ان يمحي الا بالفعل فافهم ففي الممضي السرمدي لا محو و لا بداء بالمعني الذي قلناه في الزمان و الدهر و لكنه ابداً واقف بين المحو و الاثبات و الفقدان و الوجدان ممحو في نفسه بنفسه مثبت في نفسه بنفسه فانه محتاج دائماً الي المدد الجاري اليه في نفسه من نفسه بنفسه فكلما يثبت في نفسه بنفسه لربه يمحي في نفسه بنفسه لنفسه فليس محوه و اثباته بالاحتمال بل هو أبداً ممحو في نفسه مثبت بربه فتحيره و اضطرابه أعظم من اضطراب ساير الخلق مائة الف الف مرة فهو دائم البداء‌ و دائم المحو و دائم الاثبات فافهم فانه دقيق دقيق و مثبته من جنس ممحوه و ممحوه من جنس مثبته و اثباته في عين محوه و محوه في عين اثباته ثم للزمان و الدهر و السرمد ايضاً حالة أزلية لا امتداد فيها و جميع حالاتها حاضرة بلا نهاية في ذلك المحضر و هو

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 418 *»

الحق الواقع ففي ذلك المحضر لا محو و لا تغير و لا اثبات بمعني ان جميع المحو و الاثبات حاضرة فيه و هو اللوح المحفوظ الذي لايتغير و لايتبدل و لايزيد و لاينقص و الامكان و البداء و غيره حروف منه و علمه مخصوص بالله سبحانه بلا كيف و لا نسبة و هم: بانفسهم حروف من ذلك اللوح و كذلك الامداد الواصلة اليهم منهم بهم حروف من ذلك اللوح و هو علم الاعداد المخصوص بالاحد بلا شريك فيه معه من الاعداد فهم: غير مشاركين لله في هذا العلم إذ هم بعض هذا العلم و ان قلت اليس الزمان الغير المتناهي و الدهر الغير المتناهي من أشعتهم و أنوارهم فكيف لايحيطون به قلت ان ذلك مسألة غامضة و شرحها ما أراك الله من آياته ان الانوار المنبثة هي نور الشمس و الشمس محيطة بها عالمة تري كل جزء منها في محلها بلا شك و لكن دوام النور بدوام المنير فالامداد الواصلة بعد الي الانوار الحافظة لها تجري بالشمس عليها بلا شك و لكن لم‌تجر بعد من الشمس فإن للشمس ايضاً دواماً و تدريجاً و تحتاج في دوامها الي مدد نازل اليها من الكرسي فكل مدد نزل اليها تنير بذلك المدد نوراً آخر تجعله مدداً للنور في الآن الثاني و هكذا فالنور الثاني شعاع المدد الثاني الواصل الي الشمس و النور الثالث شعاع المدد الثالث الواصل الي الشمس و هكذا فالشمس تعلم الانوار المنبثة بالفعل و الانوار الاتية التي هي أشعة الامداد الواصلة اليها بعد فليست بمحضرها لانها لم‌توجد بعد فإذا وجدت وجدت بها البتة و عرفتها البتة فإذا عرفت هذا المثال فاعلم ان الزمان الموجود و الدهر الموجود في عرصة الملك الاعظم مشهودان لهم البتة في زمانيتهما و دهريتهما و اما وجودهم صلوات الله عليهم فيحتاج الي مدد و ان كان منهم بهم و لهم بعد وصول كل مدد إنارة في الدهر و الزمان و امداد لهما و ان كان الامتداد لايظهر فيهم و لكنه يظهر في آثارهم و مددهم غير متناه لانهم لاينقطعون فامدادهم غير منقطع فالامداد المتفرعة علي امدادهم هي بالنسبة اليهم في العلم  الامكاني و هم لايحيطون به و ان كانوا يشاهدون ما كان و ما يكون بلا نهاية و ان اردت ان‌يتمثل ذلك بين يديك فاعلم ان الشيء الزماني كالخشب مثلاً له مدد زماني ياتي في وقت بعد

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 419 *»

وقته الاول و هو معروف و له مدد آخر دهري يأتيه من الاعلي حتي يبقي في محله و وقته علي ما كان ففي هذا المدد يترقي درجة بعد درجة ففي المدد الاول يسير علي الارض مثلاً و في المدد الثاني يصعد الي السماء مثلاً فإذا مشيت علي الارض تتحرك من المشرق الي المغرب مثلاً و اذا رفع الله الارض الي السماء يحصل لك حركتان معاً عرضية و طولية و له مدد آخر ليس من جانب الطول و لا من جانب العرض و لكنه مدد في ذاته بذاته لذاته و هو مدد سرمدي يكون به الشيء هو هو و هو ابداً في هذا المقام واقف تحت المدد الاول لم يمر عليه وقت يحتاج الي المدد الثاني و اوعية يحتاج فيها الي المدد الثاني هي اوعية الدهر و الزمان فاذا جاء الشيء المدد الثاني اما يأتيه من فوقه فيطول او من عرصته فيعرض و له حالة أزلية خلقية ليس فيها مسبوقاً بالعدم بل يمتنع عدمه فإذا عرفت هذه الحالات الاربع للشيء فاعلم ان الزمان و الدهر حاضران لديهم مشهودين في امتدادهما الزماني و الدهري و لذلك يقال علم ما كان و ما يكون بلا شك و لكن لهذين امداد سرمدية هي المجهولة لهم قبل ان يمدا بها كما عرفت و حالة ازلية هي المخصوصة بالله سبحانه فلايشرك الله في علمه احد و هو الحرف المكنون المخزون الذي استأثر الله به في علم الغيب عنده فلايخرج منه الي غيره فهم في هذا العلم محتاجون مستمدون مستزيدون كما شرحنا و بينا و أوضحنا و محمد9 اول ما خلق الله و الامداد الواصلة الي الخلق الاول منه به غير مخلوقة فليست معلومة له و ان قلت انك قلت هو ابداً واقف تحت المدد الاول فاين الامداد قلت ان لاحظت ذلك فقد صار اشد اضمحلالاً و فقداناً فإنه لا شيء له من سابق و لاحق فهو بعد في اول الخلق و في اخذ اول المدد فهو دائم الحاجة فاقد نفسه حيث يجدها و واجدها حيث يفقدها فافهم هذه العبارات المكررة. فاذا كانوا عادمين العلم السرمدي فما ظنك بالعلم الازلي فانهم من حروف ذلك العلم و ذلك اللوح و من الاعداد غاية الامر انهم في مقام الواحدية و الاحد فوق الكل محيط به و ان قلت هذا العلم الازلي مخلوق لله سبحانه و غير الله و هو9 اول ما خلق الله فهو هو ذلك العلم و الشيء ليس بجاهل

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 420 *»

بنفسه قلت ان العلم الذي وصفناه بالازلي لو كان اول الخلق لكان عادماً لعين بواقي الخلق فليس هو بأول الخلق بل هو جميع ما سوي الله بأوله و آخره و إمكانه و كونه و عينه و غيبه و شهادته و جبروته و ملكوته و ملكه و ذاتياته و اعراضه و اشباحه و اشباح اشباحه الي ما لا نهاية له فأول ماخلق الله بعض هذا العلم و لايصلح ان نقول ان العلم الازلي هو محمد9 اذ يصير معناه انه هو جميع الخلق بعينه فاذا كان كذلك فهو منير لاي نور و لا نور و مطلق لاي مقيد و لا مقيد و علة لاي معلول و لا معلول و هكذا. و ان قلت اليس لهم المقام الاطلاق قلت بلي و ان المطلق و ان كان يعطي المقيدات اسمه و حده و لكنه غير المقيدات بخصوصياتها والعالم بالمطلق و المقيد يكون المطلق بعض علمه و المقيد بعض علمه فالنبي9 و ان كان علة العلل و سبب الاسباب يعطي مادونه اسمه و حده من حيث الاطلاق الا انه  مع ذلك غير غيره و العلة غير المعلول و السبب غير المسبب و المنير غير النور فهما حرفان من ذلك العلم فلايعقل ان‌يقال هذا العلم هو محمد9 فلايقال ان هذا العلم اول ما خلق الله اذ لا ثاني بعده و ليس بعد هذا العلم و قبله شيء و الاول اضافي له ثان فتفهم فالنبي9 غير عالم بعلم البداء و العلم الامكاني و الازلي و يعلم ما شاء‌الله من الاكوان كما عرفت و هو قول علي7 لولا آيه في كتاب الله لاخبرتكم بما يكون الي يوم القيمه يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب و ان قلت هل النبي9 في مقام الاحديه الوصفية يتحد مع هذا العلم ام لا قلت مقام آئيتهم و أحديتهم وجدانية و هم في الوجود ليسوا بأحد و غير الاحد لايحيط بعلم العدد احد فتفهم عني وفقك الله فمحمد جدك الاطهر9 من مبدئه الوجودي الي منتهاه الشهودي خلق من خلق الله محتاج الي الله غير مستغن عنه و له فقدانات و وجدانات و الغني هو ربه و ربنا جل جلاله  فلايحيطون بشيء من علمه الا بماشاء كما وصفت لك و اشرت.

كتبه العبد الاثيم لجدك الكريم كريم بن ابرهيم في بعض يوم و ليلة في

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 421 *»

الحادي عشر من صفر من شهور سنه اثنين و سبعين بعد المأتين و الالف حامداً مصلياً مستغفراً.