05-09 جوامع الکلم المجلد الخامس ـ جواب الشيخ عبدالحسين البحراني ـ مقابله

رسالة في جواب الشيخ عبد الحسین بن شیخ یوسف البحرانی

 

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 170 *»

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمدللّه رب العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين.

و بـعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائي انه قد ارسل الي الشيخ عبد الحسين بن المرحوم الشيخ يوسف البحراني مسئلة اراد كشف نقابها و رفع حجابها و انها من اغمض المسائل و جعلت عبارة سؤاله (عبارته خ‌ل) متنا و الجواب شرحا كما هي عادتي سائلا من اللّه التسديد عن الخطاء و الخلل و التوفيق للعلم و العمل انه سميع الدعاء لطيف لما يشاء.

قال اقسام الكفّار تفصيلها انهم مع تشيعهم و تفرقهم يجمعهم اربعة اقسام قسم غير معترف[1] بالقادر المختار و هم الدهرية علي اختلاف فرقها.

اقول الكفر لغة الستر و التغطية و منه تسمية الزارع كافرا قال تعالي كمثل غيث اعجب الكفار نباته اي الزراع و انما سمي الكافر كافرا لانه يستر الحق قال ابن جمهور في المجلي و في الشرع يقابل الايمان فهو انكار شي‏ء مما علم بالضرورة مجيي‏ء الرسول9 به هـ . و بيان ما في هذا الكلام نشير اليه في مطاوي كلامنا و انما قسم الكفار علي اربعة اقسام مع ان فيهم في

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 171 *»

الجملة من اختلف (اختلفت خ‌ل) فيه كالذين اختلفوا في الولاية و الامامة و يأتي تمام الكلام في محله و فيهم من ليس كونه كافرا من الجهة التي جري به التقسيم و سوف تنبه عليه لان مراده بيان الفرق بين مأخذ واحد بمدرك واحد كيف يكون موصلا قوما الي الكفر و آخرين الي الايمان كما هو الذي عليه معني هذه المسئلة و ان استلزم بيان ذلك بيان اصول الكفر و الايمان في الجملة المستلزم لبطلان هذا التقسيم اذ ليس هو بصدد بيان التقسيم فلافائدة لبيانه و تشييد بنيانه و نحن نقتصر علي المراد و نشير الي ما يلزم من ذلك ممايتوقف عليه بيان المطلوب تتميما للبيان و ايصالا الي المشاهدة و العيان فقوله غير معترف بالقادر (القادر المختار خ‌ل) الخ اشارة الي ما ذكره الصادق7 في حديث الاهليجية للدهري لانهم (فانهم خ‌ل) يزعمون ان الصانع هو الطبيعة و يثبتون لها قدرة لكنها ليست اختيارية و لا عن علم و اما ما ذكره في الدهرية فلافائدة فيه و هؤلاء لااشكال في كفرهم لانهم انكروا الصانع سبحانه بعد البيان لانهم اقروا بانهم مصنوعون و اثبتوا الصنع (الصانع خ‌ل) و الايجاد لمصنوع مثلهم قدشاركهم في الاين و المتي و الوضع و الكيف و الكم و الاضافة و الاقتران و الافتراق و غير ذلك من احوال المصنوعين و هي دالة علي ان من وجدت (وجد ظ ) فيه مصنوع لابدّ له من صانع فكفرهم علي الحقيقة ذاتي اصلي لان اصل الكفر اما ذاتي اصلي و اما لازم فرعي و اما من كان منهم قائلا بالتعليل (بالتعطيل خ‌ل) و عدم الصانع بالكلية فظاهر و اما من قال بالطبيعة و امثالها فكك لانهم و ان اثبتوا صانعا في الجملة لكنه غير الصانع الحق تعالي فقد جحدوا الحق و اثبتوا الباطل فكفرهم اصلي و يدخل في هذا القسم من (من الاقسام خ‌ل) الاخرين من اثبت صانعا ثبتت (ثبتت فيه خ‌ل) صفة من صفات الخلق بحسب طاقته في ادراكه بمااوتي (بما اوّل خ‌ل) نعم لو ثبت (اثبت خ‌ل) للصانع صفة من صفات الخلق الاّ انها عنده صفة كمال و لايعلم انها صفة الخلق لقصور وجوده لم‌يكن من هؤلاء و يجري عليه حكم المسلمين و تأتي الاشارة الي بيان ذلك ان شاء اللّه تعالي في ذكر اصول الايمان و اصول الكفر.

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 172 *»

قال الثاني قسم معترف بالقادر المختار غير معترف بالنبوة اصلاً و هم البراهمة.

اقول و هم طائفة في الهند انكروا نبوة الانبياء بعد الاقرار بوجود صانع للعالم و اعتمدوا في ذلك علي ماتوهموه فقالوا كل ما يعرف بالعقل فلايحتاج فيه الي شي‏ء (نبي خ‌ل) و كل مالايكون للعقل اليه طريق فهو غير معقول و لا يكون مرادا و دعوي النبوة غير معقولة اصلاً و هؤلاء كافرون ايضاً كفر جحود لانه يلزم من انكار الواسطة انكار المبدء و الاصل في ذلك ان الواسطة في الحقيقة فعل المبدء في كل مقام من مراتب الوجود من الدرة الي الذرة فمنكر الواسطة منكر للصنع و منكر الصنع منكر للصانع تعالي و هو كافر ايضاً كفر جحود كما مرّ.

قال الثالث قسم معترف بالنبوة في الجملة لكنهم ينفون نبوة محمد9 كاليهود و النصاري و غيرهم كالمجوس (المجوس و غيرهم خ‌ل).

اقول و هؤلاء كالذين قبلهم باعتبار المآل لان انكار البعض يستلزم انكار الكل و ذلك لان الموجب للاقرار بالبعض المقر به كظهور المعجزات الثابتة بالمشاهدة او بالتواتر موجب للاقرار بذلك البعض المذكور لوجود الموجب بنفسه و زيادة نص السابق و بشارته باللاحق و الحثّ علي اتباع اللاحق و لان المقرّ به لايصح الاقرار به الاّ بتصديقه في كل ماجاء به عن ربه و مما جاء به ممالاينكر تصديق النبي اللاحق فانكار البعض انكار الكل و هؤلاء كافرون كفر يهود.

قال الرابع قسم معترف بنبوته و نبوة من تقدمه من الانبياء لكنهم يختلفون في الخليفة بعده.

اقول هذا القسم الرابع الذي جعله من اقسام الكافر فيه تفصيل فلايحكم عليهم بالكفر بجميع اقسامهم بل نقول ان تفصيل الاختلاف في الجملة الذي يتبين فيه من كفر و من لم‏يكفر يحتاج الي بيان كلمات و تقديم

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 173 *»

مقدمات و هي علي سبيل الاشارة و الاختصار هذه اعلم ان الامامة رأس النبوة و نفسها و روحها كما قال9 لعلي7 انت مني بمنزلة الرأس من الجسد كذا رواه الجمهور و قال تعالي و انفسنا و انفسكم و اجمع المفسرون ان المراد بنفس رسول اللّه (ص) هو علي7 و لا يمكن الاتحاد و اقربها الي الحقيقة هو ان المراد به ان الامامة نفس النبوة و قد حققناه في بعض رسائلنا و مباحثاتنا و اليه الاشارة بقوله تعالي اني جاعلك للناس اماما الاية قال9 لعلي انت نفسي التي بين جنبي و قال9 انت مني بمنزلة الروح من الجسد و قال علي بن الحسين7 الجسد بغيره روح صورة لاحراك بها الحديث كما رواه الصدوق في توحيده ثم اقول و هو ماذكرته في مثل هذا المقام في شرحي لتبصرة العلامة الحلي ره و قلت فيه اعلم ان (ان المعني خ‌ل) الغائب اي المعقول له ثلث مراتب اي مواضع اولها العلم و مقره الصدر يعني صور النفس و هو صور المعلومات المجردة عن المواد و المدد و الثاني اليقين و مقره القلب اي العقل هنا و هو معاني المعلومات المجردة عن المادة و المدة الصورة و الثالث المعرفة و مقرها الفؤاد المعبر عنه بلسان الشارع ايضاً بالنور الذي خلق منه اي نور اللّه في قولهم:اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه و بلسان الاشراقيين بالسرّ و هو الفيض الالهي اللائح اثره علي هيكل العبد و شكله و انزلها العلم و ضده الجهل و هو عدم الصورة و فوق العلم اليقين و هو لايكون مع الشك و قد يكون عن عدم الانكار و ضده الريب و الشك و لو عن جهل و فوق اليقين المعرفة و هي الصحو و لاتكون عن شك و لا عن غفلة و ضدها العام الانكار و هو يكون بعدها عن شك و غفلة و لايتحقق قبلها اذ الانكار بعد التعريف و قد يطلق بعض الثلثة علي الاخر لجهة جامعة و لكن لاينافي ماقلناه لان تقسيمنا تزييل بالحقيقة و تحقق ماقلناه يطلب من مواضعه انتهي كلامي اذا تقرر ذلك فاعلم ان المختلفين للامامة اي التاركون (التاركين ظ) لها قسمان تارك عن معرفة و تارك عن عدم معرفة فمن عادي احدا من الائمة او عادي محبيهم لمحبتهم او لاتباعهم

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 174 *»

لهم لامطلقا او قدح في الائمة: بقول او فعل او قدم عليهم من اخره اللّه عنهم و فضل عليهم غيرهم من الناس او سمع النص عليهم مشافحة او تواترا و لم يقبل او انكر فضائلهم الظاهرة او احب هؤلاء لاجل ماذكرناه من فعلهم او مال اليهم لاجل ذلك لا مطلقا او زعم ان لهم في الاسلام نصيبا مع ذلك و مااشبه ماذكرناه و كان ذلك منه عن معرفة بضد معتقده هذا بان ظهر له الحق في نفسه ثم عدل عنه الي شي‏ء مماذكرناه لامطلقا فقد كفر كفر الجاهلية الاولي و علي هذا دلت الاخبار و صح الاعتبار لان مطلق حصول هذه الاشياء مع عدم العلم في نفسه لايكفره و لايخرجه عن الاسلام و من الاخبار الدالة علي ذلك مارواه الكليني في روضة الكافي عن زرارة عن ابي‏جعفر7 ان الناس صنعوا ماصنعوا اذ بايعوا ابابكر لم يمنع اميرالمؤمنين7 من ان يدعوا الي نفسه الاّ نظرا للناس و تخوفا عليهم ان يرتدوا عن الاسلام فيعبدوا الاوثان و لايشهدوا ان لا اله الاّ اللّه و ان محمدا رسول اللّه و كان الاحب اليه ان يقرهم علي ما صنعوا من ان يرتدوا عن جميع الاسلام و انما هلك الذين ركبوا ما ركبوا فاما من يصنع ذلك و دخل فيما دخل فيه الناس علي غير علم و لاعداوة لاميرالمؤمنين7 فان ذلك لايكفره و لايخرجه من (عن خ‌ل) الاسلام فلذلك كتم علي7 امره و بايع مكرها حيث لم يجد اعوانا هـ . فانظر الي صراحة هذه الرواية في ان من لم‌يعلم لايكفر بمافعل و سماهم مسلمين بل قد ورد مايدل علي ان منهم من يحتمل ان يدخل الجنة بل يدخلون بدون احتمال كما رواه القمي في تفسيره في سورة المؤمن لقوله تعالي ذلكم بماكنتم تفرحون في الارض بغير الحق و بماكنتم تمرحون يعني من الفرح قال حدثني عن ابي‏الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن ضريس الكناسي عن ابي‏جعفر7 قال قلت جعلت فداك ماحال الموحدين المقرين بنبوة رسول اللّه9 من المسلمين المذنبين الذين يموتون و ليس لهم امام و لايعرفون ولايتكم فقال اما هؤلاء فانهم في حفرهم فمن كان له عمل صالح و لم تظهر منه عداوة فانه يخد له خدا الي الجنة

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 175 *»

التي خلقها اللّه بالمغرب فيدخل عليه الروح في حفرته الي يوم القيمة حتي يلقي اللّه فيحاسبه بحسناته و سيئاته فاما الي الجنة و اما الي النار فهؤلاء من الموقوفين لامر اللّه قال و كذلك يفعل بالمستضعفين و البله و الاطفال و اولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم الحديث اقول فقوله و لا يعرفون ولايتكم المراد هم الولاية فيه الجهل لان المراد بها هنا العلم كما اشرنا اليه سابقا و اما المعرفة الحقيقة (الحقيقية خ‌ل) التي نفيها الانكار فكما في قوله9 من مات و لم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية هـ . فان المراد بنفي المعرفة هنا الانكار كما في قوله تعالي ام لم‏يعرفوا رسولهم فهم له منكرون يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها فهذه هي المعرفة الخاصة و تلك عامة مجازية و يعرف كل بالقرنية و و اذا فقدت القرينة فارجع الي الحقيقة و رعاة الدين: وضعوا كل شي‏ء موضعه من تصريح و ابهام و ايهام و وضعوا العلامات لاهل الاستيضاح من شيعتهم لانهم يعرفون لغتهم: فلايضرهم اختلاف الاثار لان الرعاة: انما خالفوا بين الاثار سترا للاسرار عن الاغيار و حفظا للاخيار عن الاشرار كما رواه الكشي في كتابه عن عبيد بن زرارة في حديث اعابته لابيه زرارة و ان ذلك لغاية قال قال ابوعبد اللّه7 و لكل ذلك عندنا تصاريف و معان توافق الحق و لو اذن لنا لعلمتم ان الحق في الذي امرناكم (امرناكم به خ‌ل) فردوا الامر الينا و سلموا لنا و اصبروا لاحكامنا و ارضوا بها و الذي فرق بينكم هو راعيكم الذي استرعاه اللّه امر خلقه و هو اعرف بمصلحة غنمه في فساد امرها فان شاء فرق بينها لتسلم ثم يجمع بينها لتسلم من فسادها و خوف عدوها الحديث فاخبر7 ان له تصاريف في ذلك الاختلاف و التفريق و معاني توافق الحق و انه هو الذي فرق بينها لتسلم و لكل شي‏ء حد و علي كل حد دليل فهمه من فهمه و مما هو اعم الادلة العرض علي الكتاب المجمع علي تأويله و سنة النبي9 المجمع عليها و القياس الذي تعرف العقول عدله كما قال الكاظم7 في حديث محمد بن الزبرقان علي ما رواه المفيد في الاختصاص و

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 176 *»

الاخبار متواترة معني علي تصديق هذا الحديث و الاعتبار الصحيح شاهد فاذا اردنا التميز (التمييز خ‌ل) بين المعرفتين المذكورتين لنضع مدلول كل في موضعه اذ ورد كما مر ان من لم‏يعرف الولاية كافر و ورد ان من لم يعرف الولاية ليس بكافر و استيضاح ذلك من كتاب اللّه قال الله تعالي و ما كان اللّه ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يتبين لهم مايتقون و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا و من يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدي و امثال ذلك من الايات المحكمات المجمع علي مدلولها و من السنة ايضاً كثير مثل الناس في سعة مالم‏يعلموا ليس علي العباد ان يعلموا حتي يعلمهم اللّه الي غير ذلك من الاخبار (الروايات خ‌ل) و هذا ظاهر فقد ثبت ان المختلفين في الامامة لايكفرون اجمعون بل من لم‏يقبل (لم‌يقل خ‌ل) بها بعد ان عرف في نفسه وجوب ذلك عليه فان قيل كيف كفر من انكر الصانع و النبوة و المعاد و لو بما يؤدي الي ذلك بمجرد قوله و ان لم يكن عن معرفة منه و يكون مسلما بمجرد اقراره بذلك كذلك و لم يكفر من انكر الولاية الاّ اذا كان بعد ان وصل اليه البيان و هو اصل بمنزلة تلك الاصول بل هو شرط فيها في المقام القبول قلنا لما كان التكليف بها حكما ظاهريا كفي في تحقق حصول امتثالها الامر الظاهر لان هذه مبادي و سبيل (سبل خ‌ل) الي الولاية التي حمل لوائها الولي7 و لهذا (لذا خ‌ل) كان الرد اليه ردّا الي الله حقيقة بل لامغايرة و لا كثرة قال تعالي ان الينا ايابهم ثم ان علينا حسابهم ان علينا جمعه و قرانه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه و قال تعالي ردوا الي اللّه موليهم الحق الا له الحكم و هو اسرع الحاسبين هنالك الولاية للّه الحق هو خير ثوابا و خير عقبا و مثل قوله تعالي و لاتسبوا الذين يدعون من دون اللّه فيسبوا اللّه عدوا بغير علم و كقوله تعالي و اذا ذكر اللّه وحده اشمازّت قلوب الذين لايؤمنون بالاخرة و اذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون الي غير ذلك و الاصل فيه ان الولي ليس له من نفسه عند نفسه اعتبار و انما هي صفات اللّه و شئونه في خلقه يظهرها فيمن يشاء الا تري الي قوله تعالي انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 177 *»

الجبال فأبين ان يحملنها الاية و تلك الامانة هي الولاية و هي جميع التكاليف من الاعمال و الاقوال و الاعتقادات فافهم و ادا اردت ضربت لك مثلاً في نفسك و في العالم الذين اشار اليها سبحانه بانهما اياته في قوله تعالي سنريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم الاية و بيان ذلك في نفسك ان كل مايعمله زيد لجسدك و ماتنسبه اليه فانما هو عمل لنفسك و نسبته اليها حقيقة بل ليس الجسد مقصورا (مقصودا خ‌ل) بذلك العمل و النسبة الاّ من جهة انه وصلة الي نفسك و دالّ عليها و وجه لها فانظر في مثل هذه المرآة الصافية لتري وجه الامر فيها علانية و ايضاً ان الملوك يضعون لبعض(بعض خ‌ل) عبيدهم لانفاذ اوامرهم و نواهيهم (امرهم و نهيهم خ‌ل) و اصلاح شئونهم تكرما منهم عن مباشرة مالايليق بمقام الملوك و تعظيما باحتجاب العزة فيلبس العبيد في جميع ما هو مأمور به و موكل عليه لباس سيده و تاج هيبته فتمتثل الرعية امر العبد لانه امر سيده و لو عثروا في خلال ذلك الامر علي اقل قليل ليس عن سيده اما بتخصيص او بتفويض عارضوه و سقطت هيبته في ذلك الامر القليل و استخفوا به و ضعفت في ذلك عزيمته و سطوته و الاصل في ذلك ان ما كان فيه من الهيبة و التسلط (السلطنة خ‌ل) ليس من نفسه و انما هي هيبة الملك و تسلطه فليس له اذ ذاك اعتبار من نفسه و لهذا (لذا خ‌ل) اذا اعتبر نفسه لم يكن له شي‏ء من ذلك لان ذلك هي صفة الملك و ولايته و بمثل ذلك جار قوله تعالي هنالك الولاية للّه الحق هو خير ثوابا و خير عقبا لان ولاية الولي7 و هي ولاية اللّه القديمة ظهر بتعلقها بالخلق الولي الحق و قد اشار الي ذلك علي7 في خطبته انا صاحب الازلية الاولية و قد ذكر السيد قطب الدين قدس سره و في قصيدته الطويلة التائية المشهورة فقال شعرا:

ففي ازل الازال نور الولاية   الالهية العظمي علي نعت وحدة

 

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 178 *»

الي ابد الاباد ليس لنورها   تعدد اوهام العقول الضعيفة
و لكن لها مجلي و ذلك واحد   لدي اول الابداع عند الافاضة
و لكن اميرالمؤمنين هو نور   الذي كان مجلي ذات الصمدية

فقد ظهر لك انه انما يكفر من انكر مايلزم من انكاره الكفر من الاصول كما يأتي انكاره اذا كان ذلك الاصل مبينا علي حكم الظاهر لسهولة ادراكه علي كل من انصف بادني عقل و لظهور براهينه و شواهده اذ برهان كل شي‏ء بنسبته في الظهور و الخفاء بخلاف امر الولاية و يأتي تتميمات لهذا المعني في مواضعها ان شاء اللّه تعالي فثقدها تجدها.

قال و كل واحد من هذه الاقسام الاربعة في اعتقاداتها الاربعة بلغت ستة عشر قسما.

اقول يعني ان هذه الاقسام الاربعة كل واحد منها اصحابه علي اربعة اقسام ظان و واهم و شاك و عالم كالدهرية مثلاً منهم من هو ظان بان الصانع هو الدهر كما حكي اللّه عنهم في قوله (بقوله خ‌ل) تعالي ان هم الاّ يظنون و المراد انهم قاسوا الصانع بالمصنوع فاثبتوا له صفات المصنوع ثم نظروا فلم يجدوا مصنوعا الاّ متغيرا فانيا فاحالوا امرهم علي الدهر لانه موهوم و لم يفن عندهم فحصلت لهم امارة بذلك و اما اهل الوهم منهم فحيث حصل لهم (لهم ذلك حصل لهم خ‌ل) من الفطرة ما هو ارجح منه فعملوا بحكم الطبيعة المرجوحة او تساوي حكم الفطرة او (و خ‌ل) حكم الطبيعة عند بعض منهم (بعضهم خ‌ل) فحصل لهم الشك فعملوا بحكم الطبيعة من غير ترجيح و اما اهل العلم منهم فان فسّرنا العلم هنا بالاعتقاد و هو المانع من النقيض عند الذاكر لا في الواقع قلنا انهم بعد ان ظنوا او توهموا او شكوا كما مرّ لان الاعتقاد قد يكون منها كلها او اعرضوا بالكلية من النظر و مقتضاه و اكبوا علي مقتضي العصبية و تكبروا

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 179 *»

و استنكفوا عن قبول هدي من الدعاة الي اللّه حسدا و بغيا و رسخت فيهم دواعي تلك الافعال و الاحوال بلوازمها ملكة و جبلة حتي انهم لم يجوزوا غير ما هم عليه و اما ان فسرنا العلم بمانع من النقيض في نفس الامر و في الاعتقاد فلا يجري في غير اهل الحق اذ نفس الامر هو الحق الواقع و هذا ظاهر و منشأ عدول من عدل عن الحق من اهل الفرق كلها ان الانسان اولاً تكون منه جسده ثم النفس الحيوانية بجميع قواها علي الترتيب مثل نفس الشهوة ثم الغضبية ثم التميز (التمييز خ‌ل) و لايكون له عقل يتوجه بسببه اليه التكليف الاّ بعد رسوخ النفوس فيه كنفس الحيوة و الشهوة و القوة و المدرج و الغضبية و كنفس العادات و نفس الاكوان و الاضافات الي غير ذلك مما هو يقتضي خلاف الحق و العقل الذي يقتضي الحق و يأمر به مخالف لها كلها في جميع ميولاته و مقتضياته و هو لايأتي الاّ بالتدريج شيئا فشيئا فان حصل له اعوان من الميل الي الدعاة و الاصغاء اليهم و التخلق باخلاقهم و ربي بالغذاء الصالح له من الاعمال الصالحة قوي علي قتل تلك النفوس و احالتها الي حالاته و ادخالها تحت طاعته فتكون مطمئنة راجعة اليه راضية بحكم مرضية لديه و اهتدي صاحبه الي الحق القويم و الصراط المستقيم و الاّ كان من الانسان مايغلب عليه من النفوس حتي ينزل في الدركات و يستولي عليه الشبهات كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ماكانوا يعملون فتكون الدواعي الاربعة في الفرق الاربعة ستة عشر صورة كماذكره الاّ ان المختلفين في الولاية يلحظون في ذلك ماقلناه آنفاً.

قال ثم ان مادة هذه الاعتقادات الاربع تمكن ان تكون من البرهان المؤلف من اليقينيات او من الجدل المؤلف من المسلمات او من الشعر المؤلف من المخيلات او من الخطابة المؤلف من المقبولات و الظنونات (المظنونات خ‌ل) او من السفسطة المؤلفة من الوهميات و المشبهات فاذا ضربت هذه الخمسة في الستة عشر قسما الحاصلة من الضرب الاول تبلغ ثمانين قسما.

اقول ان البرهان الصحيح يفيد حصول الاعتقاد الجازم العلمي كما قرّر

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 180 *»

(برهن خ‌ل) في محله و الجدل الصحيح يفيد قطع الخصم لتركبه من المقدمات المسلمات عنده اي (او خ‌ل) من المشهورات التي يحصل بها الاستظهار عليه و ان لم تكن مسلمة عنده و لا يستلزم الاول لجواز بطلان لازمه عند الذي اقامه و انما يفيد اسكات الخصم و الشعر الصحيح فائدته بسط النفس او قبضها بمدح او ذم فقد يؤثر اخلاقا حميدة او ذميمة و الخطابة الصحيحة فائدتها جذب القاصرين الي الاعتقادات لتركب هذا المقام من المقبولات عند الخصم فيستلزم قبول الحجة او من المظنونات فلايسعه المصير الي الموهوم و هذا لايكون كالاول و ان كان طريقا اليه لان البرهان لاهل البيان و اما الخطابة فلمن لم‏يقدر علي البرهان ابتدأ و السفسطة تفيد المغالطة لتركيبها من المقدمات الباطلة التي تشبه الحقة اما في الصورة او في المعني اذا رتبت علي وجهها و بالجملة فقوله ان الاقسام تبلغ ثمانين يريد به في صورة الضرب و التقسيم لا انها تحصل في الواقع لتنافي بعضها لبعض كمالايخفي علي من له ادني انس بالعلم و هو لايجهل ذلك و انما اراد ما ذكرنا و لسنا بصدد بيان هذا.

قال فما حقيقة الايمان الكاشفة عن اصوله و ماحقيقة الكفر الكاشفة عن اصوله و ماالواسطة بينهما ان فرضت و ما الاصل من اصول الايمان هل هو مايمتنع دخول الجنة بعدمه ام غير ذلك و ما معني الاصل من اصول الكفر هل هو مايوجب دخول النار بوجوده ام غير ذلك و ما الدليل علي ذلك.

اقول اعلم ان الايمان لغة التصديق و كذلك في الشرع الاّ انه مخصوص بالتصديق باللّه و بالرسول (و برسوله خ‌ل) و بجميع ماجاء به9 مما علم مجيئه به ضرورة و هل الاعمال الصالحة جزء منه ام لا قالت المعتزلة نعم فهو تصديق بالجنان و اقرار باللسان و عمل بالاركان و الاخبار دالة عليه كما رواه في الكافي في حسنة حمران بن اعين عن ابي‏جعفر7 قال سمعته يقول الايمان مااستقر في القلب و اتقي به الي اللّه عزوجل و صدقه العمل بالطاعة للّه و التسليم لامر اللّه الحديث و فيه في صحيح محمد بن مسلم عن احدهما7 قال الايمان اقرار و عمل الحديث و فيه في حكاية

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 181 *»

عبد الرحيم القصير قال كتبت مع عبد الملك بن اعين الي ابي‏عبد اللّه7 سئلته عن الايمان ما هو فكتب الي مع عبد الملك بن اعين سئلت رحمك اللّه عن الايمان و الايمان هو الاقرار باللسان و عقد بالقلب و عمل بالاركان و الايمان بعضه من بعض و هو دار الحديث الي غير ذلك قال ابن ابي‏جمهور في المجلي: و حمله يعني هذا القسم من الايمان الذي جعل العمل جزء منه علي الايمان الكامل احق لعطف الاعمال الصالحة عليه و العطف يقتضي المغايرة انتهي و قيل ان الايمان تصديق الرسول9 في كل ما علم بالضرورة انه اتي به و هذا التعريف يناسب مذهب الاشعري لحصرهم طرق المعارف في السمع فلايعلم العقل شيئا الاّ من الشرع و قيل انه المعرفة مع الاقرار و العلم بماجاء به النبي9 و قيل انه مجموع الطاعات و هو مذهب كافة المعتزلة و جماعة من الامامية و لهم قول علي7 لو كان الايمان كلاما لم ينزل فيه صوم و لا صلوة و لا حلال و لا حرام و قول ابي‏جعفر7 قيل لاميرالمؤمنين7 من شهد ان لا اله الاّ اللّه و ان محمدا رسول اللّه9 كان مؤمنا قال7 فاين فرائض اللّه هـ . و انت اذا تدبرت الاثار وجدت الايمان له اطلاقات فمرة يطلق علي الاسلام العام الذي هو قبول قول الرسول9 في الجملة مع انكار لذلك في باطنه كما قال تعالي يا ايها الذين آمنوا لم تقولون مالاتفعلون كبر مقتا عند اللّه ان تقولوا مالاتفعلون فانها نزلت في منافق كناه بعض الصادقين: بابي الملاهي و سماه اللّه مؤمنا بظاهر اقراره مع انه (انه من خ‌ل) اهل قوله تعالي و حجدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما و علوا و هو عند اللّه كافر كما في رواية محمد بن جعفر بن خارجة عن ابي‏عبد اللّه7 و فيها قال7 و تجري عليه احكام المؤمنين و هو عند اللّه كافر هـ . و مرة يطلق عليه مع عدم انكار ذلك (لذلك خ‌ل) كما اشاره سبحانه الي بعض هذا الايمان بقوله تعالي يا ايها الذين آمنوا آمنوا فوصفهم بهذا الايمان و امرهم بالايمان المقرون بالتصديق و مرة يطلق علي المقرون بالتصديق مطلقا كما في رواية محمد بن مسلم عن ابي‏عبد اللّه

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 182 *»

7قال سئلته عن الايمان فقال شهادة ان لا اله الاّ اللّه و ان محمدا رسول  اللّه9 و الاقرار بماجاء به من عند اللّه و ما استقرّ في القلوب من التصديق بذلك قال قلت الشهادة ليست عملاً قال بلي قلت العمل من الايمان قال نعم الايمان لايكون الاّ بالعمل و العمل منه و لايثبت الايمان الاّ بعمل هـ . فابان7 ظاهراً ان الشهادة عمل و ان ذلك يكفي في ثبات الايمان ثم قرر مرتبة ثانية للايمان ضمنا بقوله الايمان لايكون الاّ بعمل و ان كان الاقرار بالشهادتين عملاً و هو كاف في المرتبة الاولي كما هو في صحيحة جميل ايضاً الاّ ان كل ما شفع بالعمل و الاوامر كان اكمل و اتمّ كما هو صريح مرسلة بن مسكان عن ابي‏عبد اللّه7 قال و من عمل بما امر اللّه (الله به خ‌ل) تعالي فهو مؤمن هـ. و مرة يطلق علي الاقرار بالمعارف و بماجاء به الرسول9 كما في رواية سفيان السمط قال سئل رجل اباعبد اللّه7 عن الاسلام و الايمان ما الفرق بينهما الي ان قال الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة الاّ اللّه الاّ اللّه و ان محمدا رسول اللّه اقام الصلوة و ايتاء الزكوة و حج البيت و صيام شهر رمضان فهذا الاسلام و قال الايمان معرفة هذا الامر مع هذا الحديث و مرة يطلق و يراد به جميع ما ذكر من (مع خ‌ل) الاجتهاد و الورع و موالات ولي ولاة الامر7 و معادات عدوهم (اعدائهم خ‌ل) و التسليم لامرهم و الاحتمال لسرّهم و الاحتجاب بذمتهم و انتظار دولتهم كما دلت عليه الروايات و الادعية و الزيارات خصوصا الجامعة و هذه اعلي درجة مراتب الايمان الست ليس ورائها مرتبة الاّ مرتبة ايمان اهل المرتبة السابعة و اما اهل المرتبة الاولي فانهم عند اللّه كفار بل هم اشدّ عذابا من الكفار قال اللّه تعالي ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار و ان كان في الظاهر يجري عليه (عليهم خ‌ل) احكام المسلمين ما لم يظهر منهم مقتضي ماابطنوه و لو بالقول بل يطلق عليهم اسم الايمان ظاهراً كما مرّ في آية الصفّ و قد اشار الصادق7 الي هذا المعني كما رواه في الكافي عن محمد بن حفص خارجة (حفص بن خ‌ل) قال سمعت اباعبد اللّه7 يقول و (و قد خ‌ل) سئله رجل عن

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 183 *»

قول المرجئة في الكفر و الايمان و قال انهم يحتجّون علينا و يقولون كما ان الكافر عندنا هو الكافر عند اللّه فكذلك (فكذلك نجد خ‌ل) المؤمن اذا اقر بايمانه انه عند اللّه مؤمن فقال سبحان اللّه و كيف يستوي هذان و الكفر اقرار من العبد فلايكلف (فلا تكليف خ‌ل) بعد اقراره بنيته (بنبيه خ‌ل) و الايمان دعوي لاتجوز الاّ بنية و عمله فاذا اتفقا فالعبد عند اللّه مؤمن و الكفر موجود بكل جهة من هذه الجهات الثلث من نية او قول او عمل و الاحكام تجري علي القول و العمل فما اكثر من يشهد له المؤمنون بالايمان و تجري عليه احكام المؤمنين و هو عند اللّه كافر و قد اصاب من اجري عليه احكام المؤمنين بظاهر قوله و عمله هـ . اقول و هؤلاء يسلب عنهم اسم الايمان في غير مرتبة ظاهر القول قال اللّه تعالي و من الناس من يقول آمنا باللّه و اليوم الاخر و ما هم بمؤمنين الايات فهم في الحقيقة كافرون كفر نفاق و بالجملة فالايمان الظاهر يكون ثوابه في الدنيا ينالهم نصيبهم من الكتاب و يحقن به الدم و يستحل به الفرج و تؤدي به الامانة و هذا هو الاسلام الذي هو قسيم الايمان و من دونه فانه مسلم ايضاً كما قال الصادق7في رواية سفيان بن سمط قال7 فان اقرّ بها و لم يعرف هذا الامر كان مسلما و كان ضالا و هو انما سمي مؤمنا لاضافته الي الايمان كما قال الصادق7 في حسنة حمران قال قلت ارأيت من دخل في الاسلام اليس هو داخلا في الايمان فقال لا و لكنه قد اضيف الي الايمان و خرج من الكفر الاّ ان هذين قسمان فان حصل له تصديق قلبي كان ايمانه برزخيا فان عمل بما لايختلف فيه و رد ما اختلف فيه الي اللّه و لم ينكر الولاية و لم‏يعرف اولي الامر7 و لم يعادهم و لم يعرف حقهم و لم يأتم بهم فهذا كما قال حسن بن علي7 كما رواه الطبرسي (ره) في احتجاجه (الاحتجاج خ‌ل)  قال فنحن نرجوا ان يغفر اللّه له و يدخله الجنة فهذا مسلم ضعيف هـ . هذا حاله في الاخرة و اما في القبر فيخد له خد يدخل عليه روح الجنان الي يوم القيمة فيحاسب بعمله كما مرّ في حسنة ضريس و ان لم يكن له عمل صالح كان في قبره ممن يلهي عنه و في آخرته

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 184 *»

يجدد له التكليف كما مر و يتخوف عليه ذنوبه كما قال علي7 في حديث اشعث بن قيس و يدخل في الثانية الثالثة علي تفصيل يطول ذكره الاّ انه يعرف مما ذكرنا (مما ذكرناه خ‌ل) و ما سنذكره و اما الثلث الاخر فهم من نور واحد الاّ انهم متفاوتون في الكم و الكيف و الوضع كاضواء السراج كلما قرب منه كان اضوء و اشدّ ثم نقول اما حقيقة الايمان فهي معرفة اللّه علي ما هو عليه في ذاته مما وجه تعرف به و معرفة صفاته علي ما هي عليه كذلك مما عرف به و معرفة افعاله كذلك مما رغب و خوف به و معرفة عبادته كذلك مما كلف به و ذلك سبيل اللّه الي عباده و سبيل عباده اليه و العبارة عن ذلك في الظاهر شهادة الاّ اللّه الاّ اللّه و ان محمدا رسول اللّه و ان عليا و الائمة من ذريته حجج اللّه و اوصياء رسول اللّه (رسوله خ‌ل) و اقام الصلوة و ايتاء الزكوة و صيام شهر رمضان و حج البيت و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و جميع مرادات اللّه من الخلق و العبارة عن ذلك في الحقيقة ان يقال انه يدخل في شهادة ان محمدا رسول اللّه9 التوحيد و مايدخل فيه لكون ذلك من فروعها لان التوحيد في الخليقة انما هو توحيد الرسم لا الحقيقة و ذلك فرع الواسطة و باب الفيض و النعم و ذلك الجميع عبارة عن الولاية قال علي7 نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه الاّ بسبيل معرفتنا و اشار7 في جوابه لكميل عن الحقيقة فقال نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد اثاره فاعمالنا صفاتنا و نحن تلك الاثار و نفوسنا هياكل التوحيد قال7 من عرف نفسه فقد عرف ربه و لاحت اظلتنا و اشباحنا علي هيئة اشباح التوحيد و اليه الاشارة بقوله تعالي فطرة اللّه التي فطر الناس عليها و النور المشرق انوارهم و صبح الازل اسرارهم و هو سرّ الكاف المستديرة علي نفسها و السر المجلل بالسر و قال الصادق7 ان امرنا سر مستسر و سرّ لا يفيده الاّ سر و سر علي سر مقنع بالسر هـ . و عنه7 ان امرنا هو الحق و حق الحق و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السر و سر السر و سر المستسر و سر مقنع بالسر هـ . فالتوحيد في الحقيقة توحيد الولاية في المقامات الاربعة

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 185 *»

توحيد الذات قال اللّه تعالي انما هو اله واحد و توحيد الصفات قال تعالي ليس كمثله شي‏ء و توحيد الافعال قال تعالي و ما لهم فيهما من شرك و ما له منهم من ظهير و توحيد العبادة قال تعالي و لايشرك بعبادة ربه احدا و الاصل في هذا انه سبحانه خالق كل شي‏ء منه بدؤه و به قوامه و له ملكه و اليه مرجعه (عوده خ‌ل) قال تعالي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم و هذه الاربعة الاركان هي اركان الوجود كله و للّه الولاية علي ذلك كله وحده قال تعالي هنالك الولاية للّه الحق فالتوحيد هو التسليم و التفويض و نفي ماسوي اللّه من كل شي‏ء فمن لم يفوض لم يوحد لانه اثبت غير اللّه و التفويض هو التسليم و التسليم هو التسليم لولي الامر و هو في الحقيقة هو الاسلام هو التسليم كما رواه في الكافي عن اميرالمؤمنين7 قال7 لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبه احد قبلي و لاينسبه احد بعدي الاّ بمثل ذلك ان الاسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين و اليقين هو التصديق و التصديق هو الاقرار و الاقرار هو العمل و العمل هو الاداء الحديث و في رواية حمران عن الصادق7 ان صبغة اللّه هي الاسلام و كذا في غيرها و في رواية عبد اللّه بن سنان عن ابي‏عبد اللّه7 في قول اللّه صبغة اللّه و من احسن من اللّه صبغة قال هي الاسلام و قال في قوله تعالي فقد استمسك بالعروة الوثقي قال هي الايمان باللّه وحده لاشريك له و لاريب ان المراد به الولاية و هي الاسلام حقيقة و هي الايمان حقيقة قال رسول اللّه9 و الذي بعثني بالحق ما آمن بي من كفر بك و لا اقر باللّه من جحدك هـ . و الاخبار الدالة علي هذا الاعتبار بالصريح الذي ليس عليه غبار كثيرة فظهر ان التوحيد هو الايمان و الايمان هو التوحيد و ان الاسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين و اليقين هو التصديق و ثبت ان التصديق هو الاقرار و قد قال رسول اللّه9 كما مرّ ما اقرّ باللّه من جحدك لانه قد دلت النصوص علي الخصوص علي ان الولاية هي الامانة و هي جميع ما يريد اللّه من العباد من الشهادتين و جميع اصول الدين و فروعه و آثارها تظهر في اركان الوجود الاربعة الخلق و الرزق و الحيوة و

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 186 *»

الممات و هي ولاية اللّه الازلية و حامل لوائها و هو لواء الحمد علي7 و اهل بيته المعصومين عليه و عليهم السلام و هذا اصل اصل الايمان و حقيقة حقيقته لان حقيقة الايمان هي التصديق و العمل بما امروا (امر خ‌ل) و الاستقامة كما امر ففي رواية غذافر بن عيسي عن ابي‏جعفر7 قال بينا رسول اللّه9 في بعض اسفاره اذ ركبه (لقيه خ‌ل) ركب فقالوا السلام عليك يا رسول اللّه فقال ما انتم فقالوا نحن قوم مؤمنون قال فما حقيقة ايمانكم قالوا الرضي بقضاء اللّه و التفويض الي اللّه و التسليم لامر اللّه فقال رسول اللّه9 علماء حكماء كادوا ان يكونوا من الحكمة انبياء فان كنتم صادقين فلاتبنوا ما لاتسكنون و لاتجمعوا ما لاتأكلون و اتقوا اللّه الذي اليه ترجعون هـ . و لا ريب ان هذه الحقيقة فرع لمعرفة الولي و اتباع امره و التسليم له كما دلّ عليه حديث المفضل بن عمر الطويل الذي رواه الشيخ حسن بن سليمان الحلي في كتابه مختصر بصائر سعد (سعد بن عبدالله خ‌ل) الاشعري عن الصادق7 و اعلم ان كل شي‏ء له حقيقة في كل مرتبة (رتبة خ‌ل) من مراتب وجوده (وجوداته خ‌ل) و نزول تلك الحقيقة (الحقيقة الي رتبة الحقيقة خ‌ل) التي تحتها مجازها و طريقها اليها و صعودها الي ما فوقها من الحقائق هو سرّ تلك الحقيقة الصاعدة و فناؤها فيها فهذه الحقيقة التي في رواية غذافر حقيقة الايمان في الاداء و هي بالنسبة الي حقيقة التوحيد الظاهر مجاز له لانه اصلها و هي فرعه و ذلك بالنسبة الي حقيقة التوحيد الحقيقي الباطن و هي الولاية الكبري مجازا بالنسبة اليه و لقد كررت العبارات و رددت الاشارات ليفهم من يفهم ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد فثبت ان حقيقة الايمان و اصله هو الاقرار بالشهادتين و العمل بالتصديق بماجاء به رسول اللّه9 من احوال النشأتين و ان اصل هذا و حقيقته معرفة هذا الامر و معرفة ان لاتكليف بغيره و انه لايراد من العباد سواه فمن ثبت له المقام الاول كان مؤمنا و يكفيه في هذه المرتبة من معرفة هذا الامر و صفته (و وصفه خ‌ل) بما ظهر و لهذا المقام مراتب لاتكاد تحصي فمنهم من يشهد الشهادتين و يعمل

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 187 *»

بعض العمل و لاينفي هذا الامر و هو ادني معرفته و منهم من يقول به و لايدري مايقول و منهم من يدري بلادليل و منهم من له دليل غير معقول و منهم من له دليل معقول بلامعرفة و هكذا و اما المقام الثاني فشرطه معرفة هذا الامر كما قلنا ان فهم قوله تعالي و ان من شي‏ء الاّ يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و قال7 في الزيارة الجامعة الصغيرة يسبح اللّه باسماءه جميع خلقه و هم اسمائه الحسني و امثاله (صفاته خ‌ل) العليا و نعمه التي لاتحصي كما دلت عليه الاخبار و شهد له صحيح الاعتبار و لايعرف الشي‏ء الاّ باسمائه و صفاته و امثاله و نعمه الاّ ان يكون مصنوعا فيعرف بحقيقته اذ كل معروف بنفسه مصنوع فاذا ثبت بمااشرنا اليه انهم اسماء اللّه و قد ثبت انه يسبح باسمائه جميع خلقه لانه انما يعرف و يدعي باسمائه بل لايتوصل اليه في حال من الاحوال لا بعبارة و لا باشارة لا في العقل و لا في السر الاّ بهم و سبيل وصلهم فهم في الحقيقة المدلجون بين يدي المدلج من جميع المخلوقات في كل نحو من انحاء الوجود بل هم الحجب و هو سبحانه المحتجب بهم عن خلقه و هم الاسماء و هو (هم خ‌ل) المعني كما قال الصادق7 في حديث المفضل بن عمر و قد ثبت انهم صراط اللّه و طريقه الي خلقه في جميع ما افاض من خزائنه من الخلق و الرزق و الحيوة و الممات و مايترتب علي ذلك من الاوامر و النواهي الي غير ذلك مما به قوام النشأتين و ملاك النظامين فاذا ثبت ذلك كان معرفتهم و الكون معهم و سلوك طريقتهم هو اصل الايمان و حقيقته فمن عرف ما اشرت اليه و آمن عالما بذلك (بذلك عن مشاهدة فذلك الذي اشار اليه بقوله (ص) علماء امتي كأنبياء بني اسرائيل و من آمن بذلك خ‌ل) غير عالم فهو من المخبتين المبشرين و من اتبع غيره علي ذلك من غير علم و لابصيرة و انما هو للكون بين المؤمنين و اتباعا للوالدين فهم قسمان الاول من عرف هذا الامر مجملا بان علم في الجملة حسن اتباع آل محمد9 من غير تفصيل بل لانهم ذرية الرسول9 و قد سمع لهم فضائل عن الموالين لهم و عن خصمائهم بحيث لم يشتهر عند الخصم طعن علي احد منهم كمااشتهر عند

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 188 *»

الموالين الطعن علي غيرهم و رسخ ذلك في نفسه مع ماتخلق عليه و ثبت من اهله و اهل فرقته حتي كانت تلك الامور الملفقة ملكة و طبيعة لا يحول عنها الي غيرها و لم تختلجه الشكوك الاختيارية في ذلك بل لو جرت عليه وسوسته في شي‏ء من ذلك تألم بها لانه ليس بميت و لو كان ميتا لم يتألم بلهب النار و هؤلاء يلحقون بالمخبتين و لكل درجات مماعملوا و القسم الثاني من لم يعرف من الامور المجملة شيئا الاّ ما اعتاده من سماع اهل مذهبه و من اهله و هؤلاء يسئلون يوم القيمة عما خلقوا لاجله و هو الولاية و يلحق كل منهم بمن خلق من فاضل طينته و الفرق بينهم و بين القسم الاول حيث لم يحكم عليهم اعني اصحاب القسم الاول بالاختيار يوم القيمة انهم كانوا مطمئنين في هذه الدنيا لموافقة ماكسبوا من المعتقدات لطينتهم و فطرتهم و لايكون ذلك الاّ بعناية ربانية لا بالاتفاق اذ لو خالفتها لما حصل لهم الاضطراب و لما مالوا مع كل ريح فافهم و اما هؤلاء فانما سكتوا (فما سكنوا خ‌ل) لعدم شعورهم بماحصل لهم من الاعتقاد فلاتحصل (يحصل خ‌ل) منافاة بين ذلك و بين طينتهم عاجلا فاذا مسهم طائف من الشيطان يشك في ذلك لم يتألموا منه لعدم حياتهم بل منهم من يقبله و يستحسنه لموافقته لطينته علي انه ما بهم شي‏ء عن حسن الحسن و قبح القبيح في الجملة و ما من شي‏ء الاّ واللّه دليله و لا دلالة اوضح من دلالته فمن حصل له نوع عذر فاللّه الذي لايخاف الفوت يجمعه يوم لاتنفع الاعذار عند كشف الاستار و ابداء الاسرار فيستنطقه بقسطاس الاختيار فيلحق باحد الاقسام لحقيقة الاعتبار فظهر ان متمسك هذه الفرقة المحقة (الحقة خ‌ل) و هم الشيعة عروة وثقي و وجود و هو خير محض يفضي الي اللّه تعالي حيث يحب و ان التوفيق له سلوك الي الجنة علي اي نوع و باي طريق و انما لم نثبت ذلك بالشك لعدم تحققه بالشك لان الشك كفر كما ورد عنه9 و ان كان الشك ممن لم يعرف بالكلية فلااثر حتي يعرف و علي اللّه الهداية و التوفيق و عليه البيان و المعونة قال تعالي و علي اللّه قصد السبيل فهذه حقيقة الايمان الكاشفة عن اصوله و اما حقيقة الكفر الكاشفة عن اصوله فانظر الي ضد ماسبق في

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 189 *»

حقيقة الايمان و هو حقيقة الكفر الكاشفة عن اصوله حرفا بحرف و اعرف كل مرتبة بضدها فان الاولي معارج لاتتناهي في الدرجات و الثانية مهابط لاتتناهي في الدركات و ما ورد في الاخبار من ان الايمان و حدوده شهادة الاّ اله الاّ اللّه و ان محمدا رسول اللّه9 و الاقرار بجميع ما جاء به من عند اللّه و صلوة الخمس و اداء الزكوة و صوم شهر رمضان و حج البيت و ولاية وليهم و معادات عدوهم و الدخول مع الصادقين هـ . و امثال ذلك مما يشاء به هذا الحديث في معناه فالمراد به ماذكرنا لك و ان كان جري علي الظاهر من ان حدود الايمان اشياء متعددة لان هذه الامور المتعددة هي و امثالها فروع الولاية بل احكامها و مقتضياتها تأمل ماورد في تفسير قوله تعالي انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال الاية فانها قد فسرت بالولاية تارة و بجميع التكاليف (التكاليف مرة خ‌ل) اخري و من المعلوم عند اصحاب الشهود و العيان اتحاد معني التفسيرين و اذا اردت البيان من القرآن بان هذا الامر هو اصل الايمان باي نوع كان كل بحسبه و ان انكاره هو اصل الكفر باي نوع كان (كان في خ‌ل) كل بحسبه و ان ما ظهر ممايوهم مخالفة ماذكرنا (ذكرناه خ‌ل) بعدم انحصار الايمان و الكفر في الاقرار بهذا الامر و الانكار له فالمراد منه ماذكرنا و انه منحصر فيه الاّ ان (ان معرفة خ‌ل) ذلك ليس مشرعة لكل وارد فانظر الي ما ورد في قوله تعالي و لاتسبوا الذين يدعون من دون اللّه فيسبوا اللّه عدوا بغير علم و قوله تعالي و اذا ذكر اللّه وحده اشمأزت قلوب الذين لايؤمنون بالاخرة و اذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون و قوله تعالي هنالك الولاية للّه الحق هو خير ثوابا و خير عقبا و امثال ذلك حيث حذف المضاف و اقيم المضاف اليه مقابه بحيث يطلق عليه الحكم بالاسناد بعد حذف المضاف و المحذوف في الايات و امثالها في الاولي (الاول خ‌ل) من دون ولي اللّه و في الثانية وجهان مرادان احدهما و اذا ذكر ولي اللّه وحده في الولاية و نفي عنه من تقدمه اشمأزت الاية و ثانيهما و اذا ذكر اللّه بحصر الولاية في الولي الحق اشمأزت الاية فان حصل الولاية في الولي الحق هو ذكر اللّه الخالص و مفتخر الخلّص من

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 190 *»

المقربين و الابرار و في الاولي الاية الثانية و كذلك ما رواه القمي في تفسيره في قوله و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم قال من زعم انه امام و ليس بامام و غير ذلك و السر في (في ذلك اعني في خ‌ل) حذف المضاف ارادة حقيقة الامر في المجاز بالاسناد (الاسنادي خ‌ل) و الحكم لان الحق سبحانه لايكون معه حكم و ليس معه غيره و لايساوقه في ازله شي‏ء و مقام جميع الاحكام (مقام الاحكام بجميعها خ‌ل) في الخلق لا في الحق (جل و عز خ‌ل) فمرادنا بحقيقة الامر هنا الحقيقة الحقيقية لا الحقيقة الحقية اذ ليس ثم الاّ ذات سازج و وجود بحت و وحدة صرفة مقدسة عن التقييد و الاطلاق (الاطلاق و التقييد خ‌ل) و اما التعين الاول الذي يصح معه الحكم و الاسناد فهو الولي لكن لما كان الولي صفة الظاهر به سبحانه لم يذكر عند ذكر الظاهر لانمحاق الصفة (الصفات خ‌ل) في الموصوف و الظهور في الظاهر كقولك يا قاعد فان الدعاء للقعود و تعني به الذات و بعبارة اخري فان الدعاء بالقعود للذات و لعل هذه العبارة اظهر و ان كان المعني عند اهل العرفان سواء بل الاولي اولي (الاولي هو الاولي خ‌ل) و علي كل تقدير فقد خفي ما له الحكم العنواني لغنائه (لفنائه خ‌ل) للظاهر (الظاهر خ‌ل) به بحيث لو قام لم يصدق عليه ذلك الاسم و دعي بالمظهر الذي ظهر به و لو كان الاسناد و الحكم لمحض الذات لم تتغير العبارة لعدم تغيرها بتغيير المظاهر و الصفات و الي هذا المعني الاشارة بما رواه الصدوق في توحيده (التوحيد خ‌ل) عن ابي‏عبد اللّه7 في قوله تعالي فلما آسفونا انتقمنا منهم قال ان اللّه تبارك و تعالي لايأسف كاسفنا و لكنه خلق اولياء لنفسه يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مدبرون فجعل رضاهم لنفسه رضي و سخطهم لنفسه سخطا و ذلك لانه جعلهم الدعاة اليه و الادلاء عليه فلذلك صاروا كذلك و ليس ذلك يصل الي اللّه كما يصل الي خلقه و لكن هذا معني ما قال من ذلك و قال ايضاً من اهان لي وليا فقد بارزني بالمجادلة (بالمحاربة خ‌ل) و دعاني اليها و قال ايضاً من يطع الرسول فقد اطاع اللّه و قال ايضاً ان الذين يبايعونك انما يبايعون اللّه و كل هذا و شبهه علي ماذكرت لك و هكذا الرضي و الغضب و

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 191 *»

غيرهما من الاشياء ممايشاكل ذلك و لو كان يصل الي المكون الاسف و الضجر و هو الذي احدثهما و انشأهما لجاز لقائل ان يقول ان المكون يبيد يوما ما لانه اذا دخله الضجر و الغضب دخله التغير (التغير فاذا دخله التغير خ‌ل) لم‌يؤمن عليه الابادة و لو كان ذلك كذلك لم يعرف المكون من المكون و لا القادر من المقدور و لا الخالق من المخلوق تعالي اللّه عن هذا القول علوا كبيرا هو الخالق للاشياء لا لحاجة استحال الحد و الكيف فيه فافهم ذلك ان شاء اللّه انتهي الحديث الشريف و انا اقول فافهم الحديث بماذكرت لك ان شاء اللّه لتشرب شربة لن تظمأ بعدها ابداً و اما الواسطة بين الايمان و الكفر فهي الاسلام بالمعني الاعم و هو ما ظهر من الشهادتين و الصلوة و الزكوة و الصوم و الحج اما هذه مع الولاية فهو ايمان و ان كان يسمي اسلاما بنحو اخر و يسمي واسطة اضافية الا ان الواسطة بالقول هو ماذكرنا (ذكرناه خ‌ل) و هو الذي عليه عامة الناس و الاخبار في ذلك كثيرة ظاهرة الدلالة و اظهرها دلالة علي اثبات الواسطة و بيان حكمها ما رواه في الكافي عن عبدالرحيم القصير قال كتبت مع عبدالملك بن اعين الي ابي‏عبد اللّه7 اسئله عن الايمان ما هو فكتب (ع) الي مع عبد الملك بن اعين سئلت رحمك اللّه عن الايمان و الايمان هو الاقرار باللسان و عقد بالقلب و عمل بالاركان و الايمان بعضه من بعضه و هو دار و كك الاسلام دار و الكفر دار فقد يكون العبد مسلما قبل ان يكون مؤمنا حتي يكون مسلما فالاسلام قبل الايمان و هو يشارك الايمان فاذا اتي العبد كبيرة من كبائر المعاصي او صغيرة من صغائر المعاصي التي نهي اللّه تعالي عنها كان خارجا من الايمان ساقطا عنه اسم الايمان و ثابتا عليه اسم الاسلام فان تاب و استغفر عاد الي دار الايمان و لايخرجه الي الكفر الاّ الجحود و الاستحلال ان يقول للحلال هذا حرام و للحرام هذا حلال و دان بذلك فعندها يكون خارجا من الاسلام و الايمان داخلا في الكفر و كان بمنزلة من دخل الحرم ثم دخل الكعبة و احدث في الكعبة حدثا فاخرج عن الحرم فضربت عنقه و صار الي النار انتهي.

و في رواية سفيان بن السمط عن الصادق

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 192 *»

7 فقال7 الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة الاّ اله الاّ اللّه و ان محمدا رسول اللّه و اقام الصلوة و ايتاء الزكوة و حج البيت و صيام شهر رمضان فهذا الاسلام و قال7 الايمان معرفة هذا الامر مع هذا فان اقرّ بها و لم يعرف هذا الامر كان مسلما و كان ضالا هـ . و من قال بنفي الواسطة و ان ماظهر من الامر اسلام و ما وقر في القلب ايمان و لافرق بينهما الاّ بالثبات فيحضره (فيحصر خ‌ل) الاسلام و الايمان في هذه الدار في الفرقة المحقة عملاً بمثل حسنة فضل بن يسار قال سمعت اباعبد اللّه7 ان الايمان ما وقر في القلوب و السلام ما عليه المناكح و المواريث و حقن الدماء و الايمان يشارك الاسلام و الاسلام لايشارك الايمان هـ . و كذلك (كذلك ما خ‌ل) في موثقة سماعة في قول الصادق7 ان الايمان يشارك الاسلام في الظاهر و الاسلام لايشارك الايمان في الباطن و ان اجتمعا في القول و الصفة هـ . انهم لايقولون بهذا الامر فقوله7 في موثقة سماعة و ان اجتمعا في القول و الصفة المراد بانهما يجتمعان فيهما من الامور المذكورة و في صفاتها لامطلقا بل يختص الايمان بقول و وقر و صفات و هذا ظاهر و من تدبر الاخبار زال عنه الغبار و لامزية في ايرادها و لازيادة تحقيقي في اثبات الواسطة و لا التفات الي قول من نقاها بعد تحقق ثبوتها و ليس في قوله تعالي هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن دليل له لان المراد به (منه خ‌ل) بيان بدئهم و بيان مردهم و لا نزاع في ذلك و انما الكلام في هذه الدار علي ان القرآن صريح في اثبات الواسطة في قوله تعالي قالت الاعراب آمنا قل لم‏تؤمنوا و لكن قولوا اسلمنا و لما يدخل الايمان في قلوبكم و هذا نص محكم و تلك من المجمل المتشابه القابل للتأويل علي ان مدلولها ثبوت الايمان و الكفر و لا دلالة في ذلك علي نفي الاسلام اذ اثبات الشي‏ء لاينفي ماعداه و بالجملة فاصل الايمان هو معرفة هذا الامر مع فروعه من ظاهر القول و من حدود الاسلام و هو مايوجب دخول الجنة علي نحو ماسبق و اصل الكفر هو جحود هذا الامر مع فروع ذلك الجحود من جميع الفواحش ماظهر منها و ما بطن و هو مايوجب دخول النار و القرآن

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 193 *»

مشحون ببيان هذا البيان من تدبره بعين البصيرة الشرعية الذوقية شاهد العيان و اما اهل الواسطة فاغلبهم يلهي عنه في البرزخ كما دلت عليه الاخبار و يوم القيمة يميز اللّه الخبيث من الطيب و الدليل علي جميع ما ذكرنا (ذكرناه خ‌ل) محكمات القرآن و الاخبار و صحيح الاعتبار و الحمدللّه رب العالمين.

قال و ايضاً اذا تساوت هذه الفرق الاربع في نوع الاعتقاد و في مادته فما لوجه في ترجيح بعضها علي بعض في الحكم بكفره باعتقاده او بايمانه باعتقاده دون البعض الاخر حتي يصح ان يقال كل من اعتقد دين الامامية باي نوع من انواع الاعتقاد من اي مادة كانت فهو ناج دون غيره فانه لانسب بين اللّه و بين احد من خلقه فهو اعدل العادلين و ما الدليل علي هذا الوجه ايضاً علمونا مما علمكم اللّه مأجورين.

اقول ان من حكم بنجاة اهل هذا الاعتقاد دون غيرهم و ان كان في الظاهر نوع الاعتقاد و مادته سواء فترجيح قوم دون (دون قوم خ‌ل) آخرين ترجيح بلامرجح هو الذي عرف حقيقة الطريق و عرف المقصود بالاعتقاد و العمل و عرف ان ذلك هو سبيل اللّه الي خلقه لا غير و سبيل خلقه اليه لا غير فاذا نحا المكلف نحوه علي كل حال و بكل نحو فانما ذلك لسبق عناية من اللّه تعالي به بحقيقة ما هو اهله فانه سبحانه قبض قبضة بيمينه و تلك اليمين هو المقصود المذكور و هو السبيل المشار اليه فقال سبحانه الي الجنة و لاابالي يعني بعد ان دعوت اصحاب اليمين و اصحاب الشمال الي الخير الذي خلقتهم لاجله فمال باختياره كل الي ما منه بدي‏ء و رجع الي اصله بعد ابلاء الاعذار و التقدم بالوعيد و التلطف في الترغيب لاابالي فلاجل تلك العناية مال بطبعه و باسباب التوفيق و قبولها اذا سلك طريق النجاة علم او جهل و كذلك موافقة ذلك الفطرة فان كل مكلف انما فطر علي قبول الخير و محبة (محبته خ‌ل) الخير فالحكم بنجاة من سلك هذا الطريق انما هو من العالم بذلك و هو الامام7 او تابعه الذي يأخذ عنه اما بالبصيرة و الذوق او بالتقليد و التسليم و انما حكم بذلك من حكم عن بصيرة لاجل معرفته بان سلوك طريق الحق لايكون من غير توفيق و تسديد و عناية من

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 194 *»

اللّه لانه لايصح في الوجود اهمال و لانه موافق للفطرة اذ الفطرة التي فطر اللّه الخلق عليها (عليها الخلق خ‌ل) انما هي علي الحق الذي احب و رضي كما اشرنا اليه سابقا في قول علي7 لكميل نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره فراجع و تفهم بخلاف سلوك طريق اهل الضلال فانه بالترك و الخذلان لانه عدم فيصح فيه الاهمال الذي هو العناية العرضية لا ان الحاكم في حكمه ناظر الي مجرد انواع معتقداتهم و موادها لانه علي ذلك لافرق بين احد منهم بل لما قلنا (قلنا اما الحاكم العارف فظاهر و اما غيره فان ما يحكم بما يشاهد في المنقول و لايدري ما يقول خ‌ل) و اما انه لا نسب بين اللّه و بين احد من خلقه الخ فنعم كل نسب منقطع الاّ نسبه الذي اشرنا اليه و هو سبيله و وجهه الذي لايفني و هو النسب الذي لاينقطع و اليه الاشارة بقوله تعالي فقد استمسك بالعروة الوثقي فان اصحاب اليمين اخذون بحجزة اللّه عزوجل و الحجزة هي النسب كما في الاخبار فاي نسب بين اللّه و بين عباده المؤمنين اعظم من سلوك سبيله الذي حصر طاعته و رضاه و دخول جنته في سلوكه و قد علم الكل من الفريقين انه ليس بين اللّه و بين احد قرابة و لا نسب الاّ العمل الصالح و لا شك ان العمل الصالح هو الولاية و المحبة و الادلة في ذلك لاتحصي الاّ ان الذي ذكرنا كاف في كل مدرك عند الاستبصار فلاحظ ما مرّ و هو سبحانه اعدل العادلين لان من قابل النور استنار قصد ذلك او لم‏يقصد و من ولج في الظلمة اظلم قصد او (ام خ‌ل) لم‏يقصد و بيان ذلك انه قد تقرر في محله ان الفطرة وجود و ان الوجود خير محض و خير كله و كذلك الاعمال الصالحة و تقرر ان الاعمال الطالحة كلها في الحقيقة اعدام لان اصلها مجتث و هو الماهية التي ما شمّت رائحة الوجود ان هي الاّ اسماء سميتموها انتم و آباؤكم ما انزل اللّه بها من سلطان و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي و الذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء يعني ان الكافر يظن انها شي‏ء و وجود كالظمان الذي يظن ان السراب ماء حتي اذا جاءه لم‏يجده شيئا فانت اذا عرفت ماذكرنا (ذكرناه خ‌ل) عرفت انه اذا قال شخص بالحق عن غير بصيرة من اي مادة كانت

 

«* جوامع الکلم جلد 5 صفحه 195 *»

و دان به فقد اصاب الحق و ان لم‏يكن من وجه الاصابة و لايقال انه ظمآن وقع علي سراب بل ظمآن وقع علي ماء فاذا كان مطمئنا علي ظواهر حدود الحق دلّ ذلك علي موافقته للفطرة و سبق العناية بالسعادة و الاّ فمرجوّ لامر اللّه كما مرّ و اذا قال شخص بالباطل من غير بصيرة من اي مادة كانت و دان به فقد اخطأ فانه يقال انه ظمآن وقع علي سراب و الحكم بكون العدم عدما و الوجود وجودا هو العدل فلو ساوي من لم‏يكن في وجود في الوجود و في العدم لم‏يكن من العدل و الدليل علي ذلك الجزم من العقول بصحة هذا القول و الاخبار و الاعتبار و صلي اللّه علي محمد و آله الاطهار و الحمدللّه رب العالمين فرغ من تسويدها مؤلفها الليلة الخامسة عشر من جمادي الثانية سنة الثانية عشر بعد المأتين و الالف.

[1] sdgdsgdsgdsg