05-04 مکارم الابرار المجلد الخامس ـ رسالة في الکون و الشرع ـ مقابله

 

رسالة في الکون و الشرع

 

من مصنفات

العالم الرباني و الحکيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد کريم الکرماني

اعلي‌الله مقامه

 

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 267 *»

الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي محمد و آله الطيبين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين ابد الابدين.

و بعد فقد سألني بعض الاخوان صانه الله عن طوارق الحدثان ما كر الجديدان عن مسئلة و لم‌اتمكن من جوابه منذ زمان الي ان حصل لي بعض الفراغ فاحببت ان اجيبه بقدر الميسور تكلانا علي فهمه الدقيق و الله ولي التوفيق فاجعل فقرات سؤاله كالمتن و جوابي عنها كالشرح ليتبين جواب كل فقرة منها.

قال ايده الله: قد ذكرتم ان الكون هو الوجود و هو المادة النوعية للوجود الشرعي و صورته صورته النوعية لكن ما فصلتموه فان للكون مادتين و صورتين فهل مادته النوعية مادة نوعية للوجود الشرعي و صورته النوعية صورة نوعية له ام مادته الشخصية بالنسبة اليه مادة نوعية و صورته الشخصية صورة نوعية و الذي فهمت هو ان المادة الشخصية الكونية تكون بالنسبة الي الوجود الشرعي مادة نوعية و صورتها صورة نوعية.

اقول: الواجب اولا معرفة الكون و الشرع فانها غامضة جدا مع انها باب يفتح منه الف باب، اعلم ان الله سبحانه كان في قدس ذاته الاحدية و يكون و لا‌شيء معه علي معني الامتناع البحت لا النفي ثم تجلي لا بحركة بعد سكون و لا بنطق بعد سكوت و لا من مادة ازلية و لا علي صورة قديمة و لا لعلة ابدية ‌بل بنفس ذلك التجلي و من نفس ذلك التجلي و علي هيئة نفس ذلك التجلي و لاجل ذلك التجلي فاذا هو لا بشيء و لا من شيء و لا علي شيء و لا لشيء غير نفسه فاذا هو لا اول له و لا آخر و هو ما وصف الله تعالي به نفسه بالقديم و الازلي و الابدي و لولا ذلك لم‌يدر احد ما صفته جل و علا و هذا التجلي هو الكينونة القديمة الازلية الابدية الوصفية فقولنا تجلي علي معني الفعل لضيق المجال عن المقال لا بمعني

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 268 *»

انه فعل و حركة و ان قلت انه فعل ففعل هو عين الذات اي ذات الكينونة كما يقال ان الله يعلم نفسه و لايراد بيعلم الا نفسه و انما يعبر به عن انه لا يغيب عن نفسه فذلك التجلي هو تجل ذاتي بنفس تلك الذات و هي الذات الظاهرة في الذوات و هذه الذات هي مبدأ البدايات و غاية الغايات و المقصود من التعبيرات و المراد من الاشارات لقوله7 رجع من الوصف الي الوصف و هي لفعليتها الاحدية الذاتية الكاملة تجلت بتجل مطلق عام شامل بنفس ذلك التجلي لا بحركة اخري او نطق آخر و لا من مادة و لا علي صورة غير نفس ذلك التجلي نعم له علة و هي تلك الذات السابقة عليه و ليس ذلك التجلي من تلك الذات و لا عليها و لا بنفسها و ان كان بتجليها و هو تجليها و فعلها و اما تلك الذات فهي علة العلل و غاية الغايات و نهاية النهايات و لها جميع التجليات و الحمدلله رب البريات و هذه الذات تسأل عما فعلت بخلاف الاحد فانه لايسأل عما يفعل و هم يسألون  فاذا سألتها بم تجليت او مم تجليت او علي م تجليت قالت بنفس ذلك التجلي و ان سألتها لم تجليت تقول كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف فهيهنا حصل الاغراض و ظهر الحكمة و نفي العبث بخلاف التجلي الاول فانه لا حكمة فيه و لا عبث و لا سؤال و لا جواب و لا فعل و لا مفعول حتي يحتاج الي حكمة لاجله و انما يقال الحكمة‌ في الصنع و فوق ذلك لا صنع و لا حكمة و لا لغو ان قلت لا حكمة فانه فوقهما ففي مقام التجلي الثاني قيل خلق الله الخلق لكي يعرف. فالمعرفة هي العلة الغائية للايجاد و هي معرفة تلك الذات بتلك الذات و هذا هو معني العلة الغائية المقدمة في الوجود و اما تأخرها في الشهود فمعناه تلاشي ذلك التجلي في جنب سطوع سطوتها و اضمحلاله في نفسه و استقلاله بها و عدم اعتبار له من نفسه الا بها فاذا كان كذلك كان مريئا@ لها بالفعل و انما خلق لها ليريها و اعلم ان لكل غاية غاية الي ان ينتهي الي الذات فهنالك ينتهي الغايات و هذا معني غاية الغايات و نهاية النهايات مثلا اذا قلت لزيد لم‌تثير الارض يقول

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 269 *»

لاحرث و لم‌تحرث؟ يقول لاحصد و لم تحصد؟ يقول لاطحن و لم‌تطحن؟ يقول لاخبز و لم‌تخبز؟ يقول لآكل و لم‌تأكل؟ يقول لأعيش و لم‌تعيش؟ يقول لاعبد ربي و لم‌تعبد ربك؟يقول لأتقرب اليه لم‌تتقرب اليه؟ يقول لاعرفه بما وصف نفسه به لم‌تعرفه به؟ يقول لاتصل بما عرف نفسه به لم‌تتصل به؟ لابقي بقاء الابد فلاافني و لا ازول او حتي افني و ازول فلايبقي الا من لايزول و لا علة فوق ذلك لذي حكمة و كذلك علل صنع الله لكل علة علة و لكل غاية غاية و لابد و ان ينتهي الي تلك الذات الظاهرة و هي علة العلل و الثابتة التي لم‌تزل و جميع ما سواها لها فلولا ماسواها لم‌تظهر علي نهج الكمال بل لم‌تكن كاملة فان ماسويها كينونة كمالها و وجود كمالها فلولاه لم‌تكن كاملة و غير الكامل وصف محدود لا ذات بريئة عن الحدود و ٭ذلك بحر ضل فيه السوابح٭ بالجملة تلك الذات الكريمة هي غاية الغايات و نهاية النهايات في القدسي خلقت الخلق لاجلك و خلقتك لاجلي و انت تفر مني و ليس معني قولي هذا انه يربح علي خلقه و خلق الخلق لينتفع به او ليدوم و يبقي به نعوذ بالله كيف تنتفع الذات بما خلقته لا من شيء و هي الغنية الكاملة و في القدسي ما خلقت الخلق لاربح عليهم بل ليربحوا عليّ بل معني قولي ان العلل تطلب للمفاعيل حتي تنتهي الي نفس الفعل و علة نفس الفعل كمال الذات و ذلك الفعل هو كمال الذات و صارت كاملة لشدة تذوتها و برائتها و قدسها عن الحدود فعلة الكمال الذات فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و لا تكن من الذين قال الله فيهم: بل كذبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله. بالجملة في هذا المقام اي مقام تجلي الذات تحقق وجود كوني و وجود شرعي و لكن هما هنا في غاية الاتحاد فالوجود الكوني هو كون ذلك التجلي و الوجود الشرعي هو مثال الذات الملقي في هوية ذلك التجلي المشار اليه بقوله 7: تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فألقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و لكن الفرق بين الوجودين هيهنا في غاية الدقة و لايميزه كل ناظر و لكن اذا نزل الامر الي الرتب الدانية عساك تميز ثم ارق في سلمه و اعرف ما فوقه اذ قد

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 270 *»

علم اولوالالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فاقول ان ذلك التجلي المشار اليه هو المسمي بالمشية التي خلقت بنفسها اولا ثم خلقت الاشياء بها و نفسها هي تلك الكينونة اذ المراد بهذه النفس التي بها يعرف الله و وصف بها نفسه و هي علم الله الكينوني الازلي المراد في قوله بالعلم خلقت المشية و هي الكائنة غير المكونة الموجودة الازلية و ظهر لهذا التجلي حيز و وقت لما بدا فيه التكثر، اما حيزه فهو الامكان و اما وقته فهو السرمد و معني قولنا ان حيزه الامكان فانه هنا بدا صلوحه لاظهار الكينونة اياها بها و في الكينونة لايلحظ حيث و حيث و هنا يلحظ و مع ذلك ما اقرب قوته من الفعلية و امكانه من العين بحيث لايميزه كل ناظر و لكن يرون ذلك في آثاره و المراد بهذا الامكان امكان انفعال هذا التجلي و هذا معني حيزه الامكان و الكينونة ليست من الامكان و انما هي ازلية و وصفية علي ما عرفت نعم امكانها يظهر في عرصة التجلي كما ان ازلية التجلي تظهر في الكينونة لا غير و ما اصعب هذه المطالب علي النفوس و انما حملنا علي رسمها الفراغ و خوف مضاء العمر بالبطالة فاغتنمها و اما وقتها السرمد فالمراد بالوقت نسبة ترتب فعليات الكائن و تسمي تلك النسبة بالامتداد و تكال بالحركات و فعليات ذلك التجلي متشاكلة قريبة الاتحاد مع انه مخلوق بنفسه و لايفقد نفسه بدءا و عودا فلا اول له و لا آخر و كأنه فعلية واحدة لا غاية له و لا نهاية فهذا معني وقتها السرمد و هو وقت برزخي بين القدم و الحدوث و اما الكينونة فهي فعلية واحدة بلا غاية و لا نهاية و هي الفعلية الذاتية و تفسخ دون بلوغها الصفات التي هي محل الغايات فهي ازلية و اما التجلي الاول فهو التعين الاول و له فعليات متحدة فهو سرمدي بالجملة ثم بهذا التجلي خلق الله سبحانه نفسا كلية دهرية و لوقوعها في الرتبة الثالثة و في مقام التقييد و الوجود بالغير تكثر فيها المراتب و حدث لها اولا امكان نعبر عنه بالطبيعة الاولي توضيحا و هي الوجود المقيد الكلي و كون نعبر عنه بالبهاء الاول و هو العقل الكلي و عين نعبر عنها بالمثال الاول و هو الروح الكلية الملكوتية فلما تركب الكون مع العين اي تعين الكون حصل النفس الكلية الالهية

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 271 *»

في الخلق الاول ثم خلقها الله خلقا ثانيا اي خلق لها مركبا تركبه و هو قوله سبحانه خلقك فسويك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك فخلقها في العقل و سويها في الروح و عدلها في النفس ثم ركبه فوق مركب صوري انشأه علي صفة الراكب اذ العبودية جوهرة كنهها الربوبية الخبر. فخلق في المركوب طبيعة ثانية و مادة ثانية و مثالا ثانيا ثم ركبهما فاحدث الجسم فجعله مركب النفس فهو حقيقة نفس و جسم و رب و عبد و راكب و مركوب و غيب و شهادة و فعل و مفعول و سماء و ارض و روح و جسد و ما يشاكل ذلك و البواقي اجزاء وجودهما و مقدماتهما و ليس كل جزء مستقلا غنيا عما دونه فصار عالم المركوب عالم الزمان و عالم الراكب عالم الدهر و اجزاء عالم الدهر بالالحاق الي السرمد اولي فالوجود و العقل مضافان الي السرمد و المادة و الطبيعة مضافتان الي الدهر و الروح برزخ اعلي بين السرمد و الدهر و المثال برزخ ادني بين الدهر و الزمان و المراد بالبرزخ انه بذاته من الاعلي و بفعله و تعلقه من الادني فالروح بذاته من السرمد قل الروح من امر ربي كما ان المثال بذاته من الدهر و لكن الروح بفعله من الدهر لان فعله و تصرفه في الدهر كما ان المثال بفعله و تصرفه في الزمان فيدرك الماديات اي المثل المقارنة بالمواد الزمانية ففي الحقيقة اجزاء النفس من عالم السرمد و ارضه و الدهر زمان النفس و ان قيل ان الاجزاء دهرية فانما هو لاجل انها اجزاء الدهر و لاجل تصرفها و فعلها في الدهر و الا فهي بذاتها سرمدية بلاشك كما ان اجزاء الجسم دهرية بلاشك و هذه مسائل لايدركها الا غامض النظر في كلمات المشايخ رضوان الله عليهم قد ابدتها يد التقدير في هذه الرسالة فاذا ما ضم الي السرمد ارض عالمه و حيث مفعوليته و سماوات عالمه حيث فعليته فما من السموات ارواح الشخص السرمدي اي المشية و ما من الارض جسده و ما من السماء حيث ربه و ما من الارض حيث نفسه فالوجود هناك كالجسم الطبيعي هنا اي العناصر البسيطة و العقل هناك كالحصة المأخوذة من العناصر هنا و الروح هناك كالصورة العارضة علي الحصة هنا و المركب منهما هو النفس الكلية فهي

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 272 *»

باعتبار جميع فعلياتها الي ما لا نهاية سرمدية و هي شخص السرمد كجسد زيد هنا و اما المشية فيها فكالقبضات الفلكية في زيد فافهم، فاني قد اسقيتك ماء غدقا و اما الكينونة هناك فهي كجسم الكل هنا و كذلك حال الطبيعة و المادة و المثال فانها ارض عالم الدهر و سماؤها النفس فالطبيعة عناصره و المادة حصة مأخوذة منها و المثال صورتها فاذا تركبتا صار جسما زمانيا فالجسم بجميع فعلياته غير المتناهية دهري و هو شخص الدهر كجسد زيد هنا و النفس كالقبضات الفلكية في زيد فافهم بالجملة فلما خلق الله النفس الكلية براكبها و مركوبها كانت كاملة في الجهتين و لها اشعة و انوار هي ظواهر جهات كمالاتها النفسانية و هي النفوس الناطقة الجزئية الانسانية و كل نفس ناطقة في محلها آية تلك النفس الكلية في جميع ما ذكرنا لها ثم خلق الله من اشعتها نفوس الجن ثم من اشعتها نفوس الحيوانات ثم من اشعتها نفوس النباتات ثم من اشعتها نفوس الجمادات و نسبة كل دان الي كل عال نسبة النفوس الناطقة الي الكلية حرفا بحرف و لسنا الان بصدد بيانها مع انه تبين مما ذكرنا حالها.

بالجملة نسبة الاثار الي المؤثر الحقي المتعالي كوني اذ نسبته الي الكل علي السواء الرحمن علي العرش استوي اي ليس شئ اقرب اليه من شئ آخر و الكل نوره و شعاعه علي السواء فالارض جسم كما ان السماء جسم بلاتفاوت فنسبتهما الي المطلق نسبة كونية و ليس لواحد منها شرف علي الاخر في حكاية الجسم و لا اولوية بالنسبة اليه اذ الكل جسم علي حد سواء و نسبة بعضها الي بعض نسبة شرعية اي نسبة كل جسم الي ما فوقه و الي ما تحته نسبة شرعية علي ما سنشرحه ان‌شاءالله.

و اعلم ان الجسم المطلق علي مابينا مركب النفس الكلية بجميع مراتبها و فيه اجزاء وجوده كما قدمنا و هو احكي الاشياء للمراتب السبعة بل الثمانية بل التسعة بل العشرة بل الاحدي العشرة و ليس هو محض جسم جامد بل جميع المراتب السابقة ظاهرة فيه بالفعل و منشأ آثار بالفعل و هذه الاجسام الزمانية كلها ظواهر جهات كمالات ذلك الجسم و حيوثه و مراتبه بل هي فعلية مراتب وجوده

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 273 *»

و تمثلاتها في عالم الزمان فكل جسم من هذه الاجسام حاك لشأن من شئون الجسم المطلق فالارض تحكي نفس كونه جسما مع قطع النظر عن حكايته للمبادي و الافلاك الستة تحكي الجسم حاكيا للمثال و الشمس تحكي الجسم حاكيا للمادة و الطبيعة و الكرسي يحكي الجسم حاكيا للنفس و العرش يحكي الجسم حاكيا للعقل الا ان الكل مشترك في حكاية الجسم لانه ادني مراتبه فلاجل ذلك صار فعليات كل جسم و كمالاته و آثاره غير الاخر علي ماتري و لما كان الارض حاكية لنفس الجسم من غير حكاية لاحظ لها من نور ساير المراتب و لا اطلاع لها علي ساير المبادي و منهم اميون لايعلمون الكتاب الا اماني فلاتعلم الارض شيئا من عالم المثال الا ان يشرق عليها الافلاك الحاكية للمثال من فضلها فتعرف الارض من تقرير الافلاك المعني المثالي و هذه المعرفة بالنسبة الي الارض تصير عرضية لا ذاتية و برانية لا جوانية فانها قد اتته من خارج ذاتها بخلاف الافلاك فان معرفتها بالمثل ذاتية جوانية و هكذا الارض و الافلاك لايعلمن ما في الشمس من حكاية المادة اللهم الا ان يترجم لها الشمس فيعرفن بالعرض فانه قد اتاهن من خارج ذاتهن و كذلك كل دان لايعلم سر العالي بالذات و الجوانية ان حكي له العالي من خارج ذاته الا ان يحكي له العالي من داخل ذاته فيعرفه ثانيا و بالتبع و لو كان يعرفه اولا و بالذات لكان في حيز العالي و لكان عاليا لا دانيا متعلما فافهم ذلك و اتقنه فلاجل ذلك اختلف مراتب الاجسام و كل ذو فعلية فيما هو به هو و لكل تأثير فان الفعلية منشأ اثر لكونها آية الذات في محلها و بحسبها علي ان الذات فعلية غير متناهية و الفعليات طرا ظهوراتها في حدوداتها و مقاماتها علي مايأتي فكل جسم ذوفعلية يكون منشأ اثر علي حسب فعليته و الجسم الاخر الفاقد لتلك الفعلية ليس له ذلك الاثر و الكل اثر الجسم المطلق فالعرش يرفع و لايخفض و الفرش يخفض و لايرفع و الجسم هو الرافع الخافض فافهم. و لما نظرنا الي الاجسام رأينا العرش هو اول الاجسام و الطفها و اشرفها و ارقها حتي حكي العقل و المعاني الكلية و حكي السرمد و دعي اليه و المشية فصار وكرا لها متحركا علي حسبها و صار في مقام جبروت عالم الشهادة بل

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 274 *»

سرمده و صار مستوي الرحمن و داعيا اليه و حاكيا لاسمائه الاضافية و الفعلية و صار مخزن مشيته و ارادته و قدره و قضائه و امضائه و اذنه و اجله و كتابه فلا‌متحرك في الاجسام الا به و اذا نظرنا الي الارض رأيناها حاجبة لجميع ما ورائها مما ذكرنا و ما ‌لم‌نذكره كثيفة غليظة هابطة جامدة ساكنة و هكذا فهذه الصفات فعلياتها فتدعو اليها و تزين و تكمل ما هي عليه لشدة فعليتها في ما هي عليه و الاجسام التي بين هذا المبدأ و المنتهي موارد دعوة العرش و الفرش  كل يدعو الي نفسه و كذلك حال كل مولود عرشي اي ما الغالب عليه العرش و مولود فرشي اي ما الغالب عليه الفرش فكل يدعو الي ما غلب علي كينونته قل كل يعمل علي شاكلته و ساير المواليد التي بينهما هي موارد دعوتهما فايهما اطاعت سارت اليه من اتبعني فانه مني فللعرش اشراق منبث و نور ساطع و نور كل منير علي حسب منيره فنوره اثر موجود متحقق له مادة صدرت من العرش و صورة من نفس تلك المادة و العرش له بمنزلة المشية و نوره المشاء فله اركان وجود كما عرفت في النفس الكلية الالهية اي له طبيعة و مادة و مثال و مركب منهما و علي الاجمال له مادة و صورة و ذلك النور الساطع المركب غير متخصص باحد دون احد علي حسب مؤثره فهو نوعي و لعلك عرفت ان هذه العرصة غير عرصة الكون و ليس الكون بمادة نوعية ذاتية للوجود الشرعي بل هو محل خارج عرضي كما يأتي ان‌شاءالله. بالجملة لنور العرش مادة و صورة و هو قائم بالعرش قيام صدور و بجزئيه قيام ركن و مادته صادرة من العرش ظاهرة بالصورة و صورته متحققة بالمادة صادرة عن العرش بالمادة و هذا النور دعوة عامة غير مخصصة باحد فمن قبل من المواليد الكونية هذه الدعوة و استنار تخصص حصة من ذلك النور بذلك المولود فكانت مادة شخصية لها صورة شخصية من هيئة قابلية ذلك المولود و هذا هو الخلق الثاني لذلك النور و مركوبه علي ما عرفت في صفة النفس الكلية الالهية فما دام هو علي ذلك المركوب يكون متعلقا به مصبوغا بصبغه فاذا نزل عنه زال عنه وصمته و عاد الي ما كان كما تري من نور الشمس في المرآة

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 275 *»

و اعلم ان الخلق الاول اما ان يخرج من غيب المركوب علي العمل الجواني و اما ان يتعلق بالمركوب بالركوب من الخارج علي نحو البراني فالقسم الثاني عرضي زماني كظهور النور في المرآة و ركوبه عليها و القسم الاول كركوب النفس علي الجسم فانها تركب من داخل الجسم فتطلع من حبيبه فتخفي اول في الطبيعة ثم تلوح في المادة ثم تظهر في المثال ثم تستقر في الجسم و هذا القسم ذاتي علي ما هو مذكور في محله الا انه ثان و بالتبع كما مر بالجملة للنور الصادر من الشمس النوعي وجود شخصي و هو ظهور حصة منه في مرآة المحل علي حسب قابليته و صبغه و شكله و طبعه فهذا الموجود الشرعي الشخصي له مادتان و صورتان نوعية و شخصية و الاربعة كلها شرعية و هذه الاربعة قد ظهرت علي المرآة الكونية علي نحو الوصفية ألاتري ان نور الصلوة مثلا صادر من الشارع له مادة و صورة نوعية يعم المكلفين فاذا امتثل زيد و صلي تخصص حصة منه بزيد علي حسب قابليته فحدث المصلي و هو وصف زيد في الظاهر و اما زيد فهو الوجود الكوني المحلي للمصلي و كان قبل انطباع الصلوة فيه صالحا للصلوة و غيرها و فعلها و تركها فبهذا اللحاظ له نوعية و امكانية و اطلاق فاذا صلي تشخص و تعين بالصلوة و ميز عن غير المصلي و لكن وجود زيد الكوني ليس بمادة نوعية للمصلي من حيث الشارع و انما اطلاقه كاطلاق المكان صالح لان تجلس عليه انت او غيرك فاذا جلست انت تعين بك من باب هن لباس لكم و انتم لباس لهن فمادة المصلي الشرعي نور الصلوة الصادر عن الشارع و مادته الشخصية حصة منه، بقي شيء و هو ان الوجود الشرعي قد اتي المكلفين من طريقين من البر و الجو فمن جاءه من البر كان عليه عرضيا يزول بزوال الاسباب الدنياوية و من جاءه من الجو كان عليه ذاتيا يثبت عليه و ان زال الاسباب فمن تجلي له الشارع في غيبه و اتاه امره و نهيه من غيبه فانحلا في طبعه ثم تلوحا في مادته ثم ظهرا في حواسه و مشاعره ثم استقرا في قلبه فقام آمرا زاجرا له يعمل ما يعمل بداع قلبي فهو المؤمن حقا قالت الاعراب آمنا قل لم‌تؤمنوا و لكن قولوا اسلمنا و لما‌يدخل

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 276 *»

الايمان في قلوبكم و في الحديث عن الصادق7 من لم‌يكن له واعظ من قلبه و زاجر من نفسه و لم‌يكن له قرين مرشد استمكن عدوه من عنقه و قال7: لايستغني المؤمن عن خصلة و به الحاجة الي ثلث خصال توفيق من الله عزوجل و واعظ من نفسه و قبول من ينصحه فالذين اسلموا في الظاهر و لم‌يأتهم ايمانهم من سجيتهم و لم‌يكونوا من طينة الداعي الي الحق كان ايمانهم برانيا و من اتاه ايمانه من سجيته و كان من طينة الداعي كان ايمانه جوانيا و ثبت له و معه الي آخرته و علامة ذلك حب الداعي و معرفة الطريق و تسليم القلب فلاوربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما و كذلك و الحمد لله الامر في الطرف المقابل يعني يأتي العصيان و الكفر لقوم من طريقين من البر و الجو فمن أتاه من الجو فهو العاصي و الكافر بالذات و من أتاه من البر فهو عرضي لايؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم و لكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم الا من اكره و قلبه مطمئن بالايمان و لكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب و علامة الجواني حب الداعي اليه و سلوك طريقه. و بقي شيء آخر دقيق لطيف و هو انه لاشك ان روح الايمان مادته النوعية من نور الداعي و صورته النوعية من نفس تلك المادة اي الرحمة و هو قبل التعلق بالشخص نوعي و يتشخص في بطن ذلك الشخص و صفة صدوره عن الداعي اي المشية الشرعية ظاهرة و اما صفة ظهوره فخفية تحتاج الي الشرح و هو ان الله جل و عز خلق الاكوان من بسائط هذا العالم تسع قبضات من سمواته و واحدة من ارضه و كل واحد من المواليد يكون الغالب عليه قبضة من تلك القبضات و يختلفون في الجامعية و صفائها و كدورتها و اعتدالها و نضجها و لاشك ان الداعي بشر مركب من قبضات بسايط هذا العالم و باعتدالها و صفائها و لطافتها صار حاكيا لغيوب الجسم علي ما شرحنا و بذلك صار داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فمن قرب في

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 277 *»

طينته و سجيته منه و كانت قبضاته شبيهة بقبضاته علي ما شرحوا ان الله خلق قلوبنا من اعلي عليين و ابداننا من دون ذلك و قلوب شيعتنا مما خلق منه ابداننا و ابدانهم من دون ذلك فمن خلق من جنسهم و قصر من ان يتذكر بغير مذكر و يتنبه من غير منبه و يشتعل من غير نار لما وصله دعوة داعي الحق تذكر و تنبه و اشتعل انما انت منذر من يخشيها لتنذر من كان حيا ما انت بمسمع من في القبور ان انت الا نذير و اما من لم‌يكن من جنسه فلايكاد يتنبه و يتذكر و يشتعل لعدم الاستعداد فالسعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه و ليس فيما ذكرنا جبر لان الله سبحانه علم كل احد من مؤمن و كافر في سابق علمه بحقيقة ما هو عليه و هو اهله و من لم‌يصدق به فليس بمسلم ثم لو خلق من علمه مؤمنا بحيث لايتمكن من الايمان و خلقه غيره لكان جبرا و لكان المخلوق غير معلوم و المعلوم غير مخلوق و في ذلك فساد التدبير و الحكمة و لو خلقه علي ما علمه فيجب ان‌يخلقه من بدء امره علي ان يكون هو هو فينبغي ان يؤخذ حصصه و قبضاته بحيث يتولد منها هو بالجملة هو محقق في محله و علمه السابق اولي بحقيقة التصديق البتة فمن كان من جنس الداعي تذكر بتذكير الداعي و اشتعل فظهر عليه تلك الغيوب الشايعة في البسايط علي نهج سواء غير انه حجبها بعضها لغلظتها و اظهرها بعضها للطافتها فلما كان الدهن حاجبا للنار الكامنة لبرودة و رطوبة غلبتاها و جاء نار لم‌تغلبا عليها فكملت الدهن و كلسته و دخنته و رققته حتي لم‌يحجب ماورائه حكي النار الغيبية و تذكر و اشتعل و كذلك المؤمن لتركبه من الحصص و غلبة بعض الاعراض عليه حجب اول مرة الغيوب فلما جاء الولي الكامل الداعي و اطرد اعراضه و قوي ما فيه من روح الايمان الشايع في الكل اشتعل كيانه بغيبه اي اشتعل بروح الايمان من الجو و هذا هو العمل الجواني الحق فصار شعلة كالشعلة المكملة له ان كان صفاء دهنها بصفاء دهنها و ان كان اكدر و ليس بقابل ان يصير عديلها وقف دوينها و كل من يشتعل في هذا  الحيز و ان كان في غاية الكدورة من اتبعني فانه مني و لاشك في اختلاف درجات المشتعلين و ان كل ذي درجة ادني لايتصفي صفاء

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 278 *»

يحكي ما يحكي الاعلي فلاجرم يحكي شعاع ما في الاعلي و نوره كما ان النبات لم‌يحك ما يحكيه الحيوان و انما حكي شعاعه و الحيوان لم‌يحك ما يحكيه الانسان و انما حكي شعاعه و الانسان لم‌يحك ما يحكيه النبي و انما حكي شعاعه فافهم و ليعلم ان روح المؤمن اثر اي الداعي هل هو اثر الداعي البشري ام اثر غيب الداعي البشري و انما بشريته كالقلم في يد الكاتب بل هي بالنسبة اليه كالقلم في يد الكاتب و بشريته من جنس البشر الثاني و دخان الشعلة الاولي ليس مؤثرا في الشعلة الثانية و لكن يؤثر نارها الظاهرة في الدخان بالدخان فيترجم الدخان مراد النار للدهن بالمناسبة فيفهم الدهن و يتوجه الي الداعي و الداعي نفس الشعلة الاولي لا جسدها فالشعلة الثانية اثر النار الكامنة‌ كما ان الخط اثر نفسك لا يدك و انما يوجد الخط نفسك في يدك و بيدك فكذلك الداعي بشر مثلكم بظاهره و البشر لايؤثر في مثله و انما المؤثر نفس الداعي التي يحكيها بشريته و تشتعل بها فتؤثر تلك النفس في بشرية المدعو و في جسمه و تطرد اعراضه و تقوي ما فيه من النفسانية و تخرج تلك النفسانية الي عرصة الظهور فيشتعل جسديته بها و تلك النفسانية شعاع النفس الكلية و ظهورها و نورها المنبث في جو الاشياء.

بقي شيء و به يتم الكلام و هو انه كيف يكون تشخص النوع الصادر عن المؤثر في بطن القوابل بحيث يبقي تشخصه ام كيف هو متشخص من اصل صدوره؟ و هي مسئلة صعبة،

اعلم ان هذا الاشكال ينشأ من فرض المؤثر في حيز كالشمس و القوابل في حيز كالارض و بينهما بون و فصل و يفصل نور من شمس المؤثر و ينتشر في فضاء الي ان يصل الي مرآة القوابل فيتشخص في بطنها و يري انه ان انكسرت المرآة عاد النور الي نوعيته فيتحير بعد ذلك الفرض و لايفهم سر التشخص الثابت الباقي و مثل هذه الفروض هو سر الاختلافات الواقعة في الدنيا و المجادلات الموجودة بين الخلق و لو انهم فرضوا الامر كما هو الواقع لرأوا انه لايجوز الا الواقع، فاعلم ان حقيقة الشارع هي العلة الغائية و الشرع ظهوراتها و كمالاتها كما ان حقيقة المكون هي العلة الفاعلية و الكون ظهوراتها و العلة الغائية هي المؤثرة للعلة الفاعلية فلولا الغاية لم‌يتحرك الفاعل نحو الفعل فالغاية هي هي

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 279 *»

الباعثة المهيجة له علي الفعل و لاجل ذلك صار الشرع روح الكون ألاتدري ان العلة الغائية المقدمة وجودا هي الكينونة العليا التي اشرنا اليها و هي المؤخرة ظهورا اذ الخلق بعد استكماله و صعوده يصل الي مقام يظهر له الكينونة خلقت الخلق لكي اعرف ، اعرفوا الله بالله و هي المؤثرة للفعل الذي به الكون و تلك الكينونة هي نفس الفعل التي خلق بها و الفعل و ان كان في غاية البساطة الامكانية الا ان له درجات تظهر في تمثلاته و تجلياته من العقل و الروح و النفس و غيرها من المراتب فما كان من هذه المراتب حاكيا لتلك الكينونة كان شارعا في رتبة هذه المراتب فاذا العقل المرتفع هو الشارع في ساير المراتب الخلقية و جري ذلك السر في كل مرتبة حتي صار عرشي كل مرتبة رتبة الشارع في تلك المرتبة الي ان من غلب عليه القبضة العرشية و خلق منها هو الشارع في رتبة المواليد الي ان عقل كل شخص هو الشارع في ذلك الشخص و هو الحجة الباطنة فالشارع في كل مقام هو اعلي درجات ذلك المقام الحاكي تلك الكينونة التي هي حقيقة الشارع و هي قد القت في هويته مثالها و اظهرت منه افعالها فالمخلوق من العرش هو الشارع و هو الفعال بقوة تلك الكينونة اي مظهر افعال تلك الكينونة كما يظهر نور الشمس من المرايا و الزجاجات و الفعل فعل الشمس كما ان الحركة لك تظهر في يدك و بيدك و يتبع ظهورها استقامة يدك و اعوجاجها فالعرش و ما خلق منه هو الشارع في كل مقام و منه يسطع نور هو الشرع و ينبث علي القوابل و في كل قابلية بحسب مقامه عرش اذا وقع عليه النور و كمله اخرج عرشه من القوة الي الفعلية فصار في رتبته عاقلا و ذلك النور هو الاستقامة علي الطريقة لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا و ذلك النور هو امر كوني وجودي يعبر عنه عند التعبير بصل و صم و هو غير هذه الالفاظ بل حقيقتها و مصداقها و انما احتيج الي هذه الالفاظ عند عدم تنبه المكلفين لكثرة الغواشي علي عقولهم و اذا زالت الغواشي لايحتاجون الي التنبيهات الظاهرية و يغن الله كلا من سعته فيضع يده علي رأس كل مؤمن و يصير عالما بماله و ما عليه حتي ان العجوز تقضي في بيتها و لاتحتاج

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 280 *»

الي المسئلة  و هو الذي في الانجيل ان في آخر الزمان يصير كل احد من الرجال و النساء نبيا فيكتفون بالنور الكوني المنبث من الشارع و يتكملون به و يهتدون بهداه و ذلك النور منبث من الشارع في الدنيا و الاخرة و يدبرهم تدبيرا جوانيا اذ يخالط اكوانهم و يقوي ما فيهم من الحصة العرشية بحسب مقامهم و هم اضعف من ان يتنبهوا بالكينونة الاولي العليا بلاواسطة و بعد تنبيه الواسطة لايستخرج منهم حصة عرشية من جنس الشارع الاول بل بحسب رتبتهم و مقامهم فكون تلك الحصة في عرصة الفعلية قائم باشراق الشارع فانه يدالله الكلية العظمي في اخراج تلك الشرعيات من القوة الي الفعلية و ان غاب نور الشارع كما يغيب قبيل القيامة فيقع الخلق في هرج و مرج لايدرون ان العمامة تلف علي الرأس او الرجل كما ان بعد اعراض الروح الحيواني لايدري البدن ما يصنع و ما يصنع به و عند التوجه هو حي و حيوته بخروج ما فيه من القوة الي الفعلية بحسب رتبته فافهم. و كما ان اشراق الروح الحيواني بلا‌قول يصير سبب ابصار العين و سمع الاذن و شم الانف و ذوق اللسان و لمس اليد و رونق جميع البدن بالحيوة و يأمر و ينهي بلا لفظ كذلك نور الشارع يربي الكون و يحييه بلاقول استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و ذلك ان الحيوة حصة قمرية و الشارع حصة شرعية و ما‌تري في خلق الرحمن من تفاوت و الكلي اثره كلي و الجزئي اثره جزئي فتكميل الشارع المكلفين باخراج ما في كمونهم من الحصة العرشية بحسب رتبتهم لا بما يساوي الشارع فما دام نور الشارع مشرقا عليهم يكون حصتهم العرشية الحاكية للعلية الغائية بالفعل فان رفع نوره عنهم عادت الحصص الي القوة فان كل ما هو من الامكان و ليس بواجب يحتاج في وجوده بدءا و بقاء الي مؤثر قائم دائم فوقه و الا لكان مستقلا بنفسه غنيا عن ذلك المؤثر و ما يري من بقاء الشعلة بعد الشعلة الاولي التي اشعلتها فانما هو لاجل ان الشعلة قائمة باسباب هذه الشعلة المرئية احدها و بعد ذهابها تقوم الشعلة الثانية بباقي تلك الاسباب و ليس هيهنا موضع بيان اكثر من ذلك

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 281 *»

بالجملة نور الشارع هو امر وجودي كوني متأصل و ليس المراد منه امر عرضي كنور الشمس فنور الشارع امر كوني نوعي سار في جميع المكلفين جواني لا براني و ذلك الامر هو عرشية جميع المتشرعين من حيث الصدور من الشارع و له من هذا الحيث مادة و صورة نوعيتان و هو من حيث الظهور من المكلفين يتخصص و يتشخص فيهم كما ان الجسم الظاهر من حيث كونه ظهور الجسم المطلق له نوعية و من حيث ظهوره في صورة كل جسم خاص يتخصص و يتشخص فالوجود الشرعي في عرصة الظهو هو وجود وصفي صوري فالصور هي الوجود الشرعي و هي من حيث الصدور عن مؤثرها الذي هو الشارع نوعي و من حيث الظهور في الشخص الخاص شخصي و الوجود الكوني في عرصة الوجود هو وجود كوني فالمادة الكونية هي الوجود الكوني و هي من حيث الصدور نوعية و من حيث الصورة شخصية فالحاصل ان الوجود الكوني له مادتان و صورتان كونيات فاذا تحقق الكون تحقق مرآت الشرع فاشرق عليها نور الشرع و له مادتان و صورتان شرعيات علي ما شرحنا و بينا.

قال سلمه الله: لكن ترددت فيه لان المادة النوعية مع صورتها تصدق علي المادة و الصورة‌ الشخصيتين كما يقال زيد انسان هذا و النسبة بين المادة النوعية مع الصورة و المادة الشخصية‌ مع الصورة الاثرية و المؤثرية مع قطع النظر عن تخصص المادة النوعية بتلك الشخصية و لا كذلك الامر بين زيد و المؤمن الوصفي المختص به.

اقول: نعم ان النوع يعطي افراده اسمه و حده فزيد انسان و عمرو انسان و بكر انسان و ذلك ان الافراد لا من حيث هي هي تمثلات النوع و وجوداته في الخارج و هو بها متمثل و ظاهر كالاحد في الاعداد فلاجل ذلك يصدق النوع علي كل فرد فرد لا من حيث هي هي و كذلك زيد يصدق علي القاعد و القائم و الاكل و الشارب و زيد نوع بالنسبة اليها و هي افراد شرعية له يعطيها اسمه و حده فالقاعد زيد و القائم زيد و الاكل زيد كما ان زيدا انسان و عمرا انسان و بكرا انسان

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 282 *»

و اما قوله ان النسبة بين النوع و افراده الاثرية‌ و المؤثرية و لا كذلك الامر بين زيد و المؤمن بلي كذلك الامر في الجواني فان صلي فعل زيد و الصلوة اثر زيد و المصلي مشتق من الصلوة و هو اسم فاعل الصلوة و هو زيد و كذا آمن ايمانا و المؤمن فالمؤمن اثر زيد و هو الفرد الصوري الشرعي و لاينافي ذلك ما ذكرنا ان الايمان نور ساطع من الشارع فيشرق علي هيكل زيد الكوني فاذا استشرق به يكون مؤمنا فانا ذكرنا ان هذا الاشراق براني و جواني فالاشراق البراني عرضي كاشراق الشمس علي المرايا و ذلك ليس بشيء و يعود النور بعد كسر المرآة عود ممازجة لعدم بقاء تعين و تشخص له و اما الاشراق الجواني فهو نور ينجم و يطلع من جيب الكون كما ان الكتابة نور ينجم من جيب يدك مع انها فعل نفسك و ليست بنور يشرق علي اليد من خارج ذات اليد بل يظهر من غيب اليد علي ظاهرها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فالنور المشرق من الشارع علي ظواهر المكلفين هو الدعوة الظاهرة اشرقت علي المؤمن و المنافق و اضاءهما فسمي المنافق بذلك مؤمنا يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله و رسوله و لكن ذلك عرضي علي المؤمن و المنافق و النور المشرق منه علي بواطن المكلفين هو نور جوهري كوني سطع من الشارع فاستجن في امكان اكوانهم ثم لاح من اكوانهم و اضاء من اعيانهم عيانا مصليا و صائما و قائما و قاعدا و امثال ذلك فحين استجن في امكانهم اتحد بهم من شدة الامتزاج و هو المثال الملقي في هويتهم فما دام خموله في الامكان لم‌يكن منشأ اثر و اذ لاح بالاكوان صار مبدأ اثر و اذ اضاء بالاعيان صار منشأ آثار فصدر عنه الفعل حين التعين فصلي صلوة‌ و صار بها مصليا فصلي فعل الشارع صادر منه لكن ظاهر علي يد زيد بنعمتي قويت علي معصيتي و بقوتي اديت الي فرائضي و ذلك اني اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك مني، ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك، اشهد انك قد اقمت الصلوة و آتيت الزكوة و امرت بالمعروف و نهيت عن المنكر فالصلوة التي علي ظاهر زيد و

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 283 *»

وجهه هي نور الشارع قد اشرق عليه و لكن من الجو لا البر و حين اذ كان من الجو فزيد هو الفاعل اذ هو وكر فعل الشارع و مشيته فزيد موقع اسم الفاعل للشارع و الشارع مصل بزيد بالجملة زيد هو المصلي و هو المؤثر و النوع و المصلي اثره و الفرد فالمصلي زيد كما ان العرش جسم حرفا بحرف و ليس المراد من الشرع الا الصور الشخصية  في كل مقام و حصول الصور الشخصية هكذا في كل مقام و انما نشأ الاشكال من الغفلة عن العمل الجواني و البراني فتفطن.

قال سلمه الله: هذا مع ان كل شيء لابد له من مادتين و صورتين كما ذكرتم مكررا و الوجود الشرعي شيء و الكوني شيء آخر فلكل مادتان و صورتان غير ما للاخر فكيف تكون المادة‌ الشخصية الكونية مادة نوعية للوجود الشرعي بل الانسان الشرعي مع صورته هو المادة و الصورة‌ النوعيتان للمؤمن و قد ذكرتم مكررا ان المؤمن لباس لزيد و هو في لباسه و اللباس غير المتلبس.

اقول: نعم كل شيء بلحاظ تمامه له مادتان و صورتان مادة نوعية مع صورتها و مادة شخصية مع صورتها كما ان السرير له مادة نوعية و هي اهبية الخشب و صورة نوعية هي الصورة الخشبية ثم يؤخذ من المركب منهما او من ظهوره حصة هي المادة الشخصية و تصور بصورة السرير و هي الصورة الشخصية‌ و هما الحلان و العقدان المشار اليهما في الفلسفة  الذان لابد منهما في تمامية الشيء و بعبارة اخري لابد في الصنعة من احداث المادة اولا ثم تصويرها كما قال من نطفة خلقه فقدره و المادة لاتحدث الا في مادة و صورة نوعيتين ثم يؤخذ منها حصة و هي المادة الشخصية و تصور بصورة شخصية فالوجود الشرعي بلحاظ تماميته له مادة و صورة نوعيتان و هما ركنا النور الصادر من الشارع و شخصيتان و هما حصة من ذلك النور مع صبغ قابلية المكلف و الكوني ايضا له مادة و صورة نوعيتان و هما ركنا الماء النازل من سحاب المشية الكونية و مادة و صورة شخصية و هما حصة من ذلك الماء و صورة حاصلة من تراب قابلية الكائن و اما بلحاظ ان الكون بعض الشيء و الشرع بعضه فالكون له مقام المادة النوعية و الصورة النوعية و الشرع

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 284 *»

مقام المادة الشخصية و الصورة الشخصية ألاتري ان زيدا يمكن ان يكون قائما و قاعدا و آكلا و شاربا فهو نوع بالنسبة الي هذه الافراد ثم حصة من ظهور زيد تتصور بالاكل و حصة‌ بالشرب و حصة‌ بالقيام و حصة بالقعود فالقائم حينئذ شيء له مادتان و صورتان و هذا الشيء هو المحشور المثاب المعاقب اذ الكون يثاب بصورة الشرع و يعاقب و الاعمال صور الثواب و العقاب لا ان الانسان الشرعي وحده يحشر و الكوني لايحشر فزيد الكوني الذاتي يعود و يثاب بصلوته و يعاقب بسرقته فافهم و لاتغلط و اما قولي ان المؤمن لباس لزيد فحق اي صفة المؤمن لباس تلبس به زيد لقوله تعالي: هن لباس لكم و لباس التقوي ذلك خير و اللباس غير المتلبس علي ما شرحنا و بينا.

قال سلمه الله: و ان قلتم ان الوجود الكوني يستحيل بالوجود الشرعي في بطنه فلايختلفان في المخبر بل يختلفان في المنظر قلت ففي المنظر لكونهما اثنين لكل مادتان و صورتان غير ما للاخر و اما في المخبر فليس الا المادة النوعية و صورتها الشرعيتين و هو الانسان الشرعي و المادة الشخصية‌ و صورتها الشرعيتين و هو المؤمن و صورته فليس المادة الشخصية الكونية و صورتها بمادة نوعية و صورة نوعية للوجود الشرعي ايضا.

اقول: نحن نقول باستحالة الكون في الشرع لا لاجل هذا و في هذا المعني بل بمعني ان الخشب لا سعادة فيها و لا نحوسة و اما اذا صورته بصورة الضريح سعد الخشب و اذا صورته بصورة الصنم خبث الخشب كما ان مادة الكلب ما دامت بصورة الكلب كانت نجسة و اذا استحال ملحا طهرت و كذلك زيد اذا كان كافرا كان نجسا و اذا آمن طهر و صار طاهرا مع ان زيدا كوني و له مادتان و صورتان و المؤمن له مادتان و صورتان و الكافر له مادتان و صورتان و ذلك ان الله خلق اولا زيدا تام الخلقة و كان صالحا لان يعرض عليه الايمان فيقبل او الكفر فيقبل فاذا عرض عليه الايمان و قبل كان الايمان المعروض مادته و صورته النوعيتان من الشارع و تعلق به فقبل و تخصص به و تشخص فزيد تام الخلقة

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 285 *»

امكان للمؤمن و الكافر يخرجهما المكمل من كمونهما كما يخرج الفاخور صورة الفخار من كمون الطين مع ان صورة الفخار لها مادة نوعية و صورة نوعية هما اثرا فعل الفاخور و اخذ حصة منهما و تشخص بهذا الطين و حصة بطين آخر و حصة بطين آخر و هكذا و الطين خلق تام قبله و معه و بعده و ليس الطين بمادة نوعية و صورة نوعية للفخار الشرعي البتة الا اذا اخذت الصورة الشرعية صورة فتحتاج الصورة الي مادة و مادتها الطين يعني ان الفخار الظاهر مركب من مادة و هي الطين و صورة هي صورة الفخار و ان كان للطين حلاه و عقداه قائما بمؤثره و للصورة الفخارية حلاها و عقداها قائمة بمؤثرها ففي الموجودات الظاهرية الدنياوية اي الجمادية و النباتية و الحيوانية هذه المادة عرضية اي مادة الفخار و هي الطين و مادة النبات و مادة الحيوان فكلها عرضية تعود الي جواهرها عود ممازجة و يبطل تشخص الجماد و النبات و الحيوان فلايستمر بعد تفرق المادة في الزمان اذ كان وقتها الزمان و كانت زمانية و اما الانسان الكوني فاصل وجوده الكوني دهري ثابت لايزول لانه من جواهر علمية و عناصر علمية و ليس بزماني اذ ليس بجماد و لا نبات و لا حيوان و ليست هذه من اجزاء وجوده و لا من مراتبه و انما هو الجوهر الحي الدراك العليم و عرصته الدهر فلما خلقه الله في الدهر في حده و مقامه اشرق عليه نور الشارع الحق و وقع عليه ظل الشيطان و هو ممكن يمكن ان يطاوع الرحمان و يمكن ان يطاوع الشيطان و كلاهما اشرق عليه اشراقا جوانيا فاشرق عليه الرحمان من جهة وجوده و اشرق عليه الشيطان من جهة ماهيته و كل اشراق مركب من مادة و صورة نوعيتين من حيث الصدور و تشخص حصة منهما في وجود هذا الانسان او ماهيته فظهر بصورة ذلك الاشراق فتلك الصورة هي شخصية زيد الكوني بعينه فان صورته الشخصية اما علي طبق اشراق الرحمن او الشيطان و ليس هنا صورة كونية غير الصورة الشرعية الا بنظر الاطلاق و التقييد مثلا تأخذ الحب مطلقا كونيا و حب الاولياء صورة ايمان و حب الاعداء صورة كفر و هذان تمثلا الحب الاطلاقي و لاتحقق لحب مطلق بدون متعلق يخصصه و يقيده فلا صورة كونية للانسان الا مقيدة بالشرع فصورة الانسان هي الصورة

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 286 *»

الشرعية و مادته اذا هي المادة الشرعية لان العمل جواني لا براني و ان الشارع الحق اشرق عليه بوجوده و الشيطان اضل عليه بماهيته و انما الفرق بالاطلاق و التقييد ألاتري ذلك في المؤثرين ايضا و ذلك ان الجسم المطلق هو المؤثر الكوني و العرشي هو الشارع و العرش هو تمثل الجسم و لا تحقق للجسم في الخارج الا في صورة‌ العرش فاذا نظرت الي العرش من حيث الاطلاق هو جسم و مؤثر كوني و اذا نظرت الي العرش من حيث التقييد هو عرش و مؤثر شرعي فالعرش هو وكر الجسم و محله و لا تمثل للجسم و لا وجود الا بالعرش فكذلك اثر العرش اذا نظرت اليه بنظر الاطلاق فهو اثر حيث اطلاقه و اذا نظرت اليه من حيث التقييد فهو اثر حيث تقييده فاثر العرش له هذان المقامان و لكن المتمثل في الخارج واحد فاذا نظرت اليه بنظر الاطلاق فهو اثر اطلاق العرش و له حلاه و عقداه كونية و ان نظرت اليه بنظر التقييد فهو تقييد العرش و له حلاه و عقداه شرعية و امثل لك حتي تبصره ان نور السراج اثر السراج الشخصي الموضوع علي الطاق المعين و لكن لهذا السراج حيث اطلاق تبصر فيه السراج المطلق و حيث تقييد و تشخص و هو ما تراه موضوعا علي الطاق و كذلك لنوره فان نظرت اليه من حيث الاطلاق تري نورا اطلاقيا و هو محقق في حلين و عقدين و لم‌يصل اليه هذا الفيض الا بهذا السراج الشخصي و ان نظرت اليه من حيث التقييد رأيت نورا مقيدا بهيئة هذا السراج المقيد علي شكله و له حلاه و عقداه و هذان الحلان و العقدان شرعيان فان اخذتهما تمام خلق الصورة فهي صورة و له مادة و هي ذلك النور بالنظر الكوني فذلك الكون مصور بهذه الصورة فهذا هو العمل الجواني و كذلك خلقه الانسان بخلاف ما يشرق علي المرآة من الشمس فانه براني و كذلك ما يشرق من ظل الحيوان علي النبات الخارجي فانه براني و مايشرق من ظل الانسان علي الحيوان الخارجي فانه براني و من لم‌يفرق بين البراني و الجواني يتحير اذ يقيس الجواني بالبراني فالانسان المحشور هو الانسان الكوني المصور بالصورة الشرعية و يثاب بها او يعاقب فان الاعمال صور الثواب و العقاب و الكون مادة ظاهرية للشرع فتدبر بالدقة تجده واضحا.

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 287 *»

قال ايده الله: فبينوا لي حقيقة الامر حتي اكون من الفايزين بالمطلب الي ان قال ايده الله و سدده و ذكرتم ايضا ان المخرج للصورة الشرعية من الكون هو رب تلك الصورة و هو الشارع صلوات الله و سلامه عليه و تلك الصورة من حيث انتسابها الي ذلك رب و من حيث نفسه جهة نفس و ليس لجهة الرب في الكون معني و نحن نري الامر كذلك في الكون لان المخرج للصورة الكونية من المادة هو رب كوني فالصورة الكونية من حيث انتسابها الي ذلك الرب جهة رب و من حيث نفسها جهة نفس غاية الامر ان هذه الجهة الي الرب كونية و تلك شرعية هذا و لا شك ان الانسان ممتثل للشارع بمقتضي جهة ربه و جهة الرب علي ما ذكرتم تلك الصورة الامتثالية و هي ما كانت قبل امتثاله الاول فما كان له جهة رب فكيف امتثل اللهم الا ان يكون الممتثل نفس تلك الصورة من حيث هي هي و تكون من حيث انتسابها الي الشارع جهة الرب فهي ممتثلة بلحاظ و جهة رب بلحاظ فتفضلوا علي ببيان ذلك كله علي نحو التفصيل و الله يمدنا بمددكم و يطيل لنا في مددكم و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

اقول: هذا آخر كلامه وفقه الله، اعلم ان معني جهة الرب و معرفتها عسيرة جدا و اكثر المزاولين يلوكونه بين لهواتهم و فكوكهم و لايعرفونه مطلقا و نحن ايضا نقتصر فيه كثيرا علي ظاهر اللفظ و في الحقيقة ما حان بعد وقت الافصاح به كل الافصاح و ان‌شاءالله نذكر هنا من عرصة‌ التأويل شيئا لعدم تحمل الزمان ازيد منه.

اعلم ان الله سبحانه احد و لا‌شيء سواه حيث هو فهناك رب اذ لا مربوب علي معني الامتناع الوجودي و الوجداني و تجلي جل‌شأنه كما ذكرنا بالكينونة الاحدية الوصفية فهي اذ هي لا شيء سواها علي معني النفي الكوني و الامتناع الوجداني ثم تجلي بتلك الكينونة بالوجود المطلق الذي مكانه الامكان المطلق و وقته السرمد و هو الرب اذ لا مربوب علي معني النفي الوجودي و الوجداني و هو مقام الواحدية‌ و في هذه المقامات لا يعقل جهة‌ رب و جهة نفس ثم خلق الله جل‌جلاله بمشيته العقل الكلي و هو اول شجرة‌ نبتت في الجنان الصاقورة‌ و اول مثني بالفعل خلقه الله من المقيدات ثم امره بالادبار فادبر و تحقق من ادباره

 

 

* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 288 *»

الروح ثم النفس ثم الطبع ثم المادة ثم المثال ثم الجسم ثم العرش ثم الكرسي ثم الافلاك ثم العناصر علي ترتيبها و التراب غاية ادبار العقل و غاية‌ نقصان حيوته و شعوره و قدرته و كماله و وحدته ثم امره بالاقبال فصعد جمادا ثم معدنا ثم نباتا ثم حيوانا ثم انسانا ثم نبيا ثم جامعا و المراتب النزولية هي حروف الكلمة و المراتب الصعودية هي الكلمات الحاصلة‌ بعد حصول الحروف و لا كلمة‌ تامة‌ غير الجامع و هي المشار اليه بقوله: اعوذ بكلمات الله التامات التي لايجاوزهن بر و لا فاجر اي لايقدر بر و لا فاجر ان يمتنع عن الانزجار لها و عن طاعتها و ما سويها كلها كلمات ناقصة لم‌تستوف جميع الحروف الكونية و انقص من تلك الكلمات نفس الحروف فانها لايحكي كل واحد منها الا جهة واحدة من جهات الكلمة‌ التامة و الوجود المقيد بجميع حروفه تمثل الوجود المطلق و الوجود المطلق تمثل الكينونة اي ظهورها فجميع الذرات الوجودية‌ شيئا علي شيء تمام ظهور الكينونة و كل ذرة ظهور شأن من شئونها و جهة من جهاتها و كل ذرة ظهور بالفعل فيما هو عليه و تجلي العالي به و ليس يحكي منه غير ما هو عليه بالفعل فكل ذرة فاقد شيئا يجده غيره و واجد شيئا يفقده غيره و الكلمة الجامعة‌ هي المستكملة جميع الحروف الكونية‌ فهي مجمع جميع ظهورات الرب و تمثلاته و وجوداته لم‌يتجل في غيرها كذلك ابدا و اما الكلمات الناقصة فهي واجدة بعض الحروف و فاقدة بعض فليس يحكي واحدة‌‌ منها جميع شئون الرب و وجوداته و مرادي بالوجودات الظهورات علي اصطلاح سادتي سلام الله عليهم فاذا جميع الكلمات الناقصة حروف بالنسبة الي الكلمة التامة و ان كانت كلمات من حيث حروفها و الحروف كائنة ما كانت نواقص بالنسبة الي الكلمات و لاتسمي بالحروف الا من حيث الطرفية‌ للكلمة‌ و الجزئية و النقصان و لاتسمي الكلمة كلمة ‌الا من حيث الجامعية‌ للحروف فيطلق الحرف علي الشيء عند ملاحظة الجزئية و التبعية للكلمة و النقصان عن درجة الكلمة و يطلق الكلمة علي الشيء عند ملاحظة الجامعية و حيازة الحروف الا تري ان السورة يري فيها الجزئية بالنسبة‌ الي الكتاب و الجامعية بالنسبة‌ الي الاي و كذلك الاي اجزاء السورة ولكن لكل آية جامعية

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 289 *»

بالنسبة الي الكلمات و الكلمة جزء للاية و لكن جامعة للحروف و كذلك كل حرف جزء بالنسبة الي الكلمة و له جامعية‌ بالنسبة‌ الي مادته و صورته و كمه و كيفه و جهته و رتبته و هكذا فكل شيء لوحظ بالنسبة الي ما دونه كلمة و بالنسبة الي الاعلي حرف و جزء و اذا لوحظ في شيء الكلية و الجامعية ليس انه يساوي كل كلمة في الدنيا و يحصل فيه ما يحصل في كل كلمة بل لكل منها مقام معلوم و حد معين.

و هنا شيء يحسن الاشارة اليه و هو ان عند قاصري الانظار ان الخل و العسل مقدمان علي السكنجبين و هو يحصل بعدهما و عند اهل التدقيق السكنجبين مقدم وجودا علي الخل و العسل مؤخر عنهما ظهورا اذ الوحدة مقدمة علي الكثرة فالسكنجبين هو اقرب الي الامر الواحد الاعلي من الخل و العسل البتة و احكي له و هما حاكيان جهتي ما فيه و تفصيلا وحدته و تنزلاه حقيقة فالخل ظهور ما في السكنجبين من الحموضة و العسل ظهور ما فيه من الحلاوة فهما تابعان في الوجود له و ليس هو بتابع لهما الا في الظهور فاذا الحروف تابعة للكلمة و حاكية جهاتها و هي ناقصة و ابعد من المبدء و الكلمة تامة اقرب الي المبدء و اكمل و اعلي و ان كانت ظهورا تحصل بتألف الحروف و بعدها و ما قيل ان المركب متأخر عن اجزائه ليس علي اطلاقه بل هو مقدم وجودا و مؤخر ظهورا يعني ان الاجزاء اذا تألفت في الزمان و اتصلت و حصل جسم واحد مؤلف منها صار هذا الجسم الحاصل مرآة وحدانية متوجهة الي جهة واحدة بالنسبة ‌فيشرق عليها من المبدء نور واحد هو الوجود المقدم الذي هو اقرب الي المبدء و المرآة هي الظهور المؤخر عن الاجزاء فالسكنجبين له روح و جسد روحه النور الوحداني المشرق علي جسده من تحت حجاب الواحدية و جسده هو الحاصل في الزمان من الاجزاء و بعدها زمانا و ان كان هو ايضا اعلي فان الزمان صاعد و الاثنان كائنا ما كان ابعد عن المبدء من الواحد كائنا ما كان فالخل و العسل مرآتان يتوجه كل واحدة منها الي جهة غير جهة الاخري و يقع في كل واحدة‌ نور مبدء مغاير للمبدء الاخر و المركب الوحداني بالنسبة متوجه الي جهة واحدة و مبدء واحد و يشرق

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 290 *»

عليه نور ذلك المبدء الواحد الذي هو مهيمن علي ذينك المبدئين فافهم فالكلمة التامة اقرب الي المبدء من جميع ما في الوجود ثم الاجمع فالاجمع.

بقي شيء و هو ان في عرصة الظهور الحروف مادة للكلمة لانها مؤلفة منها و الكلمة صورة فعلية استخرجت من تلك الحروف و البست عليها و كلمية الكلمة‌ بتلك الصورة‌ و لولاها لكانت حروفا و اهبية لا كلمة و الحروف هي الوجود الكوني خلقها الله في حلين و في عقدين و كانت اهبية لا معني لها غير نفسها كما قال الرضا7 ثم اخذ الله منها حروفا صالحة لخروج صور كلمات من كمونها كصورة ابجد و باجد و جابد و دابج و دجبا و بجدا و جبدا و هكذا من حروف ا ب ج د فاخرج منها مثلا صورة ابجد فهذه الصورة هو صورة شرعية اما سعيدة نحو علي و اما منحوسة‌ نحو عمر و ما من كلمة الا و هي اما من كلمات علييين و حق او من كلمات سجين و باطل فصورة الكلمات عرصة‌ السعادة و النحوسة و عرصة الشريعة و اما عرصة‌ الحروف فلا سعادة فيها و لا نحوسة و جميع الحروف مبراة عن هذه السعادة و النحوسة من حيث انها حروف للكلمات فانهما من خواص الصورة‌ الكلمية العارضة عليها و جهة الرب في كل مقام جهة السعادة و الخير و النور و جهة النفس هي جهة الشقاوة و الشر و الظلمة فكلمة علي سعيدة و جهة الرب عليها غالبة و كلمة عمر شقية و جهة النفس عليها غالبة‌ و جهة السعادة هي الوجود لا بمعني المادة و جهة الشقاوة هي الماهية لا بمعني الصورة و ان كان الوجود يطلق في الخلق النوعي علي المادة ايضا و الماهية علي الصورة و لكن في الخلق الشخصي الكلمي فالوجود هو جهة السعادة و الماهية هي جهة الرب و ليس جهة السعادة مادة الكلمة و لا جهة الشقاوة صورة الكلمة بل اذا توجه الحروف الي عليين و انقادت للشارع الحق العلييني انطبع علي مرآتها نوره الحق و ظهر عليها صورة حق وحدانية سعيدة و لها الحلان و العقدان و ان توجهت الي سجين و انقادت للشارع الباطل السجيني انطبع علي مرآتها ظل الباطل و ظهر علي مرآتها صورة باطلة شقية لها الحلان و العقدان كما عرفت و لكن لايلحظ الحل و العقد في النظر الشرعي فعلي اي حال جهة الرب اعتبار شرعي غير المادة و اما

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 291 *»

الموجود الكوني الذي هو اثر المشية الكونية فمادته من مادة المشية و صورته من صورة المشية و خلقه الله لا من شيء و لا علي شيء و ليس مادته اولي بالله من صورته اذ الاولوية‌ في الشرع لانها فرع المناسبة و المناسبة بين شيئين متصاقعين فليس المادة اولي بمن خلقها لا من شيء من الصورة بمن خلقها لا علي احتذاء شيء فيدل عليه الصورة كما يدل عليه المادة بلاتفاوت.

و ان قلت ان المادة جهة الوحدة و الصورة جهة الكثرة قلت ان الرب جل و علا بريء من هذه الوحدة و الكثرة‌ لايجري عليه ما هو اجراه و لا يعود فيه ما هو ابداه و الكثرة تدل عليه كما يدل الوحدة عليه و لايحجبه الكثرة كما لايحجبه الوحدة فان نسبتهم الي الرب فنسبتهما واحدة و هي عدم النسبة و ان نسبت الكثرة الي الوحدة فهي نسبة شرعية و امثل لك مثالا واضحا ان الارض جسم كما ان السماء جسم و ليس اسم الجسم باشد صدقا علي السماء من الارض و ليس السماء اولي به من الارض و ليس الارض احجب له من السماء ابدا سجد له سواد الليل و بياض النهار و لله يسجد ما في السموات و ما في الارض و ان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم و ان نسبت الارض الي السماء فهي نسبة شرعية فالارض كثيفة متكثرة و السماء لطيفة متوحدة و السماء عليون و الارض سجين و صور تقتضيه السماء صور عليين و صور تقتضيها الارض صور سجين و كذلك الامر في الشرع الوجودي و الوجود الشرعي ففي الشرع الوجودي لا كافر و كلها مؤمن فكلها جهة رب و في الوجود الشرعي مؤمن و كافر فالمؤمن جهة الرب و الكافر جهة النفس فليس في الاكوان المادة جهة الرب و الصورة جهة النفس فلو كان كذلك لكان المادة من خلق الله و الصورة لم‌تكن بخلق الله و بمشية الله و لا تؤل الي الله بل كانت قائمة‌ بنفسها ألاتري ان المؤمن من نور الشارع و الكافر ليس منه و لا اليه من اتبعني فانه مني و من يتولهم منكم فانه منهم و الحال ان في الكون المادة و الصورة كلتيهما بمشية الله و ارادته و قدره و قضائه و اذنه و اجله و كتابه

 

 

«* مکارم الابرار عربی جلد 5 صفحه 292 *»

فتبين ان لكل شيء خلقين خلق كوني و هو الخلق النوعي و فيه خلق زيد زيد صالح للسعادة و الشقاوة و الوجود في هذا الخلق بمعني المادة و الماهية في هذا الخلق بمعني الصورة و هو المعني الاولي لهما و خلق شخصي و فيه يكون زيد مؤمنا او كافرا سعيدا او شقيا و الوجود في هذا الخلق بمعني جهة الرب و الايمان و السعادة و الماهية في هذا الخلق بمعني جهة النفس و الكفر و الشقاوة و ان كان صورة الايمان و الكفر جوانيتين كما ذكرنا و الشارع الحق يظهر الايمان من جهة المادة فانها جهة الوحدة و الشارع الباطل يظهر الكفر من جهة الصورة فانها جهة الكثرة علي ما شرحنا و ذكرنا آنفا ان الارض بالنسبة الي السماء سجين و السماء بالنسبة‌ الي الارض عليين و لو راجعت رسالتي هذه بتفكر علمت اني اودعت فيه لك مطالب جليلة‌ و الله خليفتي عليك و لا حول و لاقوة الا بالله العلي العظيم.

قد فرغ من تصنيفه مصنفه و من تسويده كاتبه كريم بن

ابراهيم في يوم التاسع عشر من محرم الحرام من

سنة ثمان و سبعين بعد المأتين و الالف من

الهجرة المقدسة‌ حامدا مصليا مستغفرا