04-17 مکارم الابرار المجلد الرابع ـ رسالة في جواب الحاج السيدجواد الشيرازي ـ مقابله

رسالة  في جواب الحاج السيد جوادالشيرازي

 

من مصنفات

العالم الرباني و الحکيم الصمداني

مولانا المرحوم حاج محمد کريم الکرماني

اعلي‌الله‌مقامه

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۰۳ *»

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمدلله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين.

و بعــد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد ارسل الي العالم الفاضل و الباذل الكافل السيد السند و العماد المعتمد ذو السودد و السداد الحاج السيدجواد ايده الله و ابقاه و من كل مكروه وقاه بمسائل هو اولي بان‌يرجع فيها اليه و يطلب لحلها ما لديه و لست اظن انه قد سألني عنها لانها اشكلت عليه مداركها او اوعرت عليه مسالكها و كلما اجلت فكري في الحدس عن وجه السؤال لم‌افهم وجهه اللهم الا ان‌يكون علي وجه الاختبار عن حقيقة الحال او لفهم بعض الجهال فعلي اي الاحوال اوجبت علي نفسي الامتثال و حل الاشكال ليحصل غرضه ايده الله كائناً ماكان من السؤال و تلك المسائل اربع نذكر كل واحدة في تلو عنوان و نجعله كالمتن و نجعل الجواب عنه كالشرح و نكشف عن معضله و نحل مشكله فانها من اعظم المشاكل و امهات المسائل و لم‌يكن ذلك الا لانه اعزه الله بنفسه من اولي الشئون و الفضائل و معلوم ان عظم كل سؤال علي حسب عظم السائل فهي و ان كانت الفاظها وجيزة الا انها اذا صدرت عن مثله ايده الله علم انه سأل عن فوق ما يفهمه الخواص منها و اراد حقيقتها و وردت علي في زمان كنت بقرية لنكر صانها الله من كل شر و انا مشغول باجوبة مسائل وردت علي من الاطراف و ضيقت علي المصاف ولكن لاستيجابي اجابته و استلزامي اطاعته اقدمت علي الجواب بقدر الوسع و الميسور و ايجاز العبارة فان العالم تكفيه الاشارة و لاقوة الا بالله العلي العظيم.

قـال سلمه الله و سدده: ما معني قولهم ان الجسم مركب من المادة و الصورة؟

اقـول: اعلم وفقك الله ان اللازم اولاً بيان معرفة مفردات هذه القضية علي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۰۴ *»

سبيل التحليل ثم الرجوع الي بيان المراد من حكمها فنقول ان مرادهم اي الفلاسفة من الجسم المطلق هو الجوهر المركب الذي له طول و عرض و عمق و المادة عندهم اسم لمطلق الهيولي سواء كان صناعياً كالخشب او طبيعياً كالعناصر او كلياً كالجسم المطلق او اولياً كالجوهر البسيط و الصورة تختلف في اصطلاحهم فمرة تطلق علي النوع المطلق علي الكثيرين في جواب ما هو و مرة تطلق علي ما يقوم بشيء آخر لا كالعرض القائم بالجوهر بل كالعلم القائم بالنفس و مرة تطلق علي الجوهر البسيط الذي به تقوم الاجسام اذ الاجسام مركبة من الجوهر البسيط و الصورة المتنزلة من عالم النفس المجردة عن المادة ثم الصورة عندهم صورتان مقومة و متممة اما المقومة فهي ما بها قوام الشيء و بتفكيكها عن هيولاها يبطل المركب و هي الصورة النوعية و اما المتممة فهي الكم و الكيف التابعان للمقومة القائمان بها فعلي اصطلاحهم ان الجسم اي هذا الجوهر المحسوس بالرؤية او بالاثر ذا الطول و العرض و العمق مركب من مادة اي من الهيولي الاول اي من الجوهر البسيط و من صورة مقومة متممة بالمتممة و هي اي المقومة هي من الجوهر البسيط الذي به قوام الكل و هذا واضح ان شاء الله و متممها هي الابعاد الشخصية و الكيفيات المطلقة السارية في عالم النسق و السفلي بحذافيرها كالمزاج و الطعم و الرايحة و اللون و امثال ذلك و قد تحقق عند المحققين ان الطعم و الريح و اللون في عالم النسق ايضاً موجود الا انه علي نحو اشرف و اعلي بحسب لطافته هذا علي اصطلاحهم علي سبيل الاجمال.

و اما علي اصطلاحنا المأخوذ من الكتاب و السنة و دليل العقل المستنير بهما فاعلم ان الجسم و كل مخلوق مما في عرصة الاكوان من الدرة اي العقل الي الذرة اي التراب مركب من مادة و صورة و مرادنا بالمادة هي الحقيقة السارية في ذلك الشيء مطلقاً و كل ما يصاقعه او يجانسه او يماثله او يوافقه فالمادة عندنا قول يقع علي ما به اشتراك شيئين و الصورة قول يقع علي ما به امتياز شيئين و هما قولان اضافيان كالحركة مثلاً فانها مادة للحركة السريعة و البطيئة و السرعة و البطؤ صورتان مميزتان للحصص اي الحصة من الحركة اللابسة للسرعة و الحصة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۰۵ *»

اللابسة للبطؤ ولكنها اي الحركة صورة للجسم قد ميزت الحصة الخاصة منه عن الحصة اللابسة لصورة السكون فكل شيء صورة لمافوقه مادة لمادونه و هكذا يترامي الامر الي مادة المواد و هيولي الهيولات و اسطقس الاسطقسات و هو الماء الاول الذي به حيوة كل شيء و هو ماء الوجود المقيد المفاض من سحاب المشية النازلة الي ارض الجواز فليست هي صورة لما فوقها لان الصورة عندنا عرض و الماء الاول اثر للمشية اوجده الله بها و الاثر لايعرض علي ذات مؤثره لاختلاف الاصقاع و اختلاف المواد و الدليل علي اختلاف المواد انه لو كانت مادة الاثر و المؤثر واحداً لكانا قسيمين من مقسم واحد و كانت تلك المادة هي المقسم الذي اخذت منه حصة لكل واحد منهما و البست صورة الاثرية و المؤثرية فاذا كانا متباينين ببينونة‌ العزلة و امتنعت الاثرية و المؤثرية بينهما الاتري انك لو صنعت خاتماً من فضة و دملجة منها كانت الفضة هي المادة المشتركة بينهما و كل واحد منهما مصنوع من حصة من الفضة و صورة خاصة و لاتحاد المادة لايمكن ان‌يكون واحد منهما موجداً للآخر و علة ذلك واضحة لان الركن الاعظم في الشيء هو الجوهر الذي به قوام الشيء و هو في نفسه قائم بنفسه و اما العرض فهو قائم بالجوهر غير قائم بنفسه و مفتقر في ثبوته الي محل و منشاؤ الآثار انما هو الجوهر لا الصورة لان الجوهر هو جهة القدرة و الهيمنة و الفعالية و الاستيلاء و اما العرض فهو بنفسه ليس بشيء الا بالجوهر فلايصدر منه اثر الا بالجوهر فيرجع الآثار الي الجوهر و ذلك واضح فاذا كان شيئان مادتهما واحدة و انما اختلافهما بالصورة ارتفعت الاثرية و المؤثرية بينهما لان الشيء لايوجد نفسه و المفروض ان المادة واحدة و العرض القائم بالجوهر لايقدر علي ايجاد الجوهر الذي به قوامه لان رتبة العرض تحت رتبة الجوهر و الشيء لايؤثر في محل ليس هو بمذكور فيه و الاثر لابد و ان‌يكون صفة المؤثر و تحته قائماً به فكيف يقوم الشيء بما به قوام ذلك الشيء فلايمكن التأثير بين المتصاقعين فما يقع بينهما من التفاعل فانما هو علي سبيل التكميل لا التأثير علي نحو قوله تعالي ماكان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني و لوموا انفسكم. فماكان من شيئين

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۰۶ *»

مادتهما واحدة يتفاعلان بينهما بالدعوة و الاجابة لا بالتأثير و الايجاد فان المؤثر و الموجد عندنا هو الذي يوجد الشيء لا من شيء بمادته و صورته و المكمل هو الذي يزين لطبع الشيء احد مقتضياته الكامنة و يقويه بفضل ما فيه من تلك القوة المقتضية فيرجح بطبع المستكمل الي تلك الجهة و يضعف ضدها فتظهر آثار تلك القوة المكملة من المستكمل كما ان زيداً كان فيه اقتضاء طاعة و اقتضاء معصية و كان الغالب فيه اقتضاء الطاعة فكان يطيع دائماً و انما يقوي عمرو ما فيه من اقتضاء المعصية الضعيفة بفضل ما فيه من قوة المعصية القوية فيتقوي زيد و يتكمل فيعصي فاذا عصي فانما هو العاصي و اثمه عليه و ان كان علي عمرو ايضاً اثم الدلالة ولكنه غير اثم الفعل و كما انك تحرك الحجر فانك تقوي بفضل ما فيك من قوة الحركة ما فيه من امكان الحركة و لو لم‌يكن فيه امكان الحركة لماتحرك ابداً فقد كان فيه امكان الحركة و اقتضاؤها و كان ضعيفاً فاذا قوي اقتضاء الحركة و ضعف اقتضاء السكون ظهرت الحركة علي السكون و تحرك الحجر بقدر ما قويته للحركة فاذا نفدت تقويتك وقع ساكناً كالعليل الزمن يمشي بقدر ما مشيت به و يخر متي ما تركته و الدليل علي ان في الحجر اقتضاء الحركة ان الحركة من الروح و السكون من الجسم و الحجر له روح ولكنها ضعيفة لقوله تعالي و ان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم. و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب صنع الله الذي اتقن كل شيء. و ذلك لااختصاص له بالحركة و السكون و لا بالحجر بل كل شيء مخلوق من الامكان و الامكان بحر لاتعين فيه و كل قطرة منه صالح لكل مكون فكل ما صنع منه صالح لكل صورة الا انه قد ظهر بصورة خاصة بحسب الاقتضاءات الاتري ان الحروف تصاغ من المداد و المداد بنفسه امكان الحروف و كل قطرة منه صالح لكل حرف فاذا صنعت قطرة منه الفاً و ظهرت بالطول لم‌تخرج عن امكانها و انت اذا ضعفت جانب الطول و محوته و قويت فيها صلوح الاستعراض و عاونته صار باء و هكذا و كل هذا العالم مصنوع من الامكان فكل ما ظهر منه بصورة صالح ان‌يظهر بصورة اخري و قد حققنا ذلك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۰۷ *»

في رسائلنا و مباحثاتنا بما لامزيد عليه و وردت به النصوص ولكن هذا الحكم جار في المتصاقعات.

و اما ما كان من شيئين لهما صقعان لايصلح كل واحد لان‌يكون الآخر بالكسر و الصوغ مع بقاء المادة علي ما كانت عليه فلو كسرت الالف مثلاً لايصير قابلاً لان‌يكون روحاً او عقلاً مثلاً و انما هو صالح لحرف آخر من صقعه كالباء و الجيم مثلاً لكون مادتهما من المداد بخلاف الروح فان مادتها من الملكوت و ليس هيهنا مقام تفصيل هذه المسألة فاذا صارت المادة في المتصاقعين واحدة امتنعت الاثرية و المؤثرية و كان كل ما بينهما من التفاعل من سنخ التكميل و التأييد فاذا عرفت ان مادة الاثر و مادة المؤثر لابد و ان‌تكونا من صقعين و تكون مادة الاثر موجودة بالمؤثر لا من شيء عرفت ان صورة الاثر تمتنع ان‌تعرض علي مادة المؤثر لان الصورة ليست الا نهايات وجود الشيء في الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان و نهايات مادة الاثر تنقطع حيث تنقطع مادته و الاثر ممتنع في رتبة المؤثر فكما قال علي7 لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و قال الصفة علي مثلها تدل و في شكلها تحل. هذا مع ان كل صورة لابد و ان‌تكون مناسبة للمادة من حيثية الكثافة و اللطافة و الرقة و الغلظة فاذا اختلفت الاصقاع او اختلفت المواد في الرقة و الغلظة امتنعت حلول صورة المادة الكثيفة علي المادة اللطيفة الاتري انه لاتجري صورة‌ الجسم الكثيف علي الروح اللطيف فلاتصير الروح مشكلة‌ و لاملونة و لاموزونة و لامحدودة كالاجسام فليست المادة الاولي المخلوقة قبل كل مخلوق صورة لما فوقها اي لموجده و مؤثره لان المؤثر اوجدها لا من شيء فهي بنفسها في حدها لاتتجاوزه و لايجري علي مؤثره مااجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و هو قول علي7 رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الخبر.

و اما ما اصطلحنا عليه من ان المادة هي ما به الاشتراك و الصورة هي ما به

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۰۸ *»

الامتياز فقد اخذناه من اخبار الائمة الاطهار عليهم صلوات الله الملك الجبار و ان كان بعض الحكماء ايضاً يوافقنا في هذا الاصطلاح ولكنا لم‌نأخذ عنهم و انما اخذنا من سادتنا: و لذا قلنا بلزوم تأخر الصورة عن المادة و كون المادة هي الاب و الصورة هي الام و قد تكفل بشرح هذه الجملة قول ابي‌جعفر7 المؤمن اخو المؤمن لابيه و امه لان الله عزوجل خلق المؤمنين من طينة الجنان و اجري في صورهم من ريح الجنة فلذلك هم اخوة لاب و ام انتهي. انظر كيف ادخل «من» الدالة علي المادة علي طينة الجنة و ذلك كما تقول صنعت الخاتم من فضة ثم جعل صورهم غير الطينة و اجري فيها من ريحها و قد فصل الله ذلك ايضاً في كتابه حيث قال الذي خلقك فسويك فعدلك في اي صورة ماشاء ركبك، فجعل الخلق مقدماً و التصوير مؤخراً و اوضحه الصادق7 في قوله ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة انتهي. فالمادة هي التي يخلق منها الشيء و الصورة ‌هي كمه و كيفه الذي فيه صبغه و ظهوره و يأتي لذلك مزيد تحقيق في السؤال الرابع ان شاء الله.

فالجسم مركب من مادة هي النور المفاض من سراج المشية و الماء المفاض من سحابها المتنزل الي عالم العقول اولاً ثم الي عالم الرقايق ثانياً ثم الي عالم النفوس ثالثاً ثم الي عالم الطبايع رابعاً ثم الي عالم الهباء خامساً ثم الي عالم المثال سادساً فبعد تلبس ذلك النور بالمعاني العقلانية اولاً ثم بالرقايق الروحانية عليها ثم بالصور المجردة النفسانية عليها ثم بالحقيقية الثانوية الطبيعة عليها ثم بالمعاني السفلي الهبائية عليها ثم بالرقائق السفلي المثالية عليها صلحت تلك المادة لتلبس الصور الجسمانية لان الصور الجسمانية حدها عالم الزمان و هو اكثف من الدهر بسبعين مرة و الدهر اكثف من السرمد بسبعمأة مرة فالماء النازل من السرمد لم‌يكن يمكن ان‌يلبس صورة الزمان الا ان‌ينزل في تلك العوالم الستة و يلحقه من كل عالم كثافة بحسب ذلك العالم حتي يمكن لحوق الصورة الجسمانية الكثيفة به و انما نزل متدرجاً و لم‌ينزل دفعة لامتناع الطفرة و عدم صلوح عروض الصورة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۰۹ *»

الكثيفة علي المادة اللطيفة دفعة فمن زعم ان مادة‌ الجسم مع مادة العقل و الروح و النفس واحدة فقد اخطأ لما عرفت و مثال ذلك ماتري من عدم صلوح عروض شفافية الياقوت علي مادة‌ الحجر مع كثافتها الا بعد تلطيفها و لايصلح عروض كثافة الحجر و عاسقيته علي مادة الياقوت الا بعد تكثيفها فالماء الاول النازل من سحاب المشية مشابه لصفتها لامحالة في البساطة و اللطافة فانه من شبحها و نورها و اثرها و كل نور يشابه صفة منيره لامحالة فلايصلح ان‌يكون مستديراً او مستطيلاً او ذوابعاد و كميات و كيفيات و الا لدل علي ان المشية ايضاً صالح لعروض هذه الاعراض عليها و هف لانها مخلوقة قبل الاشياء و الاشياء مخلوقة بها و من اثرها و لايجري عليها ما يجري علي آثارها كمامر فمادة‌ الجسم هي النور الغليظ و صورته المثال الكلي و هو الكم المطلق و الكيف المطلق و الجهة المطلقة و الرتبة المطلقة و الزمان و المكان.

و اما خصوصيات هذه الامور فانما هي افراد هذه الكليات علي ان الكلي لاظهور له بدون افراده و لايظهر الا في افراده فلو اردت ان‌تري الحركة الكلية مثلاً التي هي الانتقال من جهة مبهمة الي جهة مبهمة بكليته موجودة في عالم الجهات من غير ان‌تكون من الامام الي الوراء او بالعكس او من اليمين الي الشمال او بالعكس او من الفوق الي التحت او بالعكس او من برازخ هذه الجهات الي غيرها فلاتري ابداً و كذلك الحكم في ساير الكليات ماتري في خلق الرحمن من تفاوت. فليس جسم كلي في صورة كلية علي ما وصفنا من محدب المحدد الي مركز التراب الا ظاهراً بالافراد في الصور الخاصة ولكن العقل يدرك جنساً كلياً من كل واحد من افراد الكم و الكيف و الجهة‌ و الرتبة و الزمان و المكان و يحكم ان‌ الجنس لابد و ان‌يكون موجوداً قبل الاشخاص لانه المادة‌ السارية في جميع الانواع و الاشخاص و النوعية و الشخصية صورتان قائمتان بها فلابد و ان‌يكون الجنس مقدماً علي النوع و الصنف و الشخص وجوداً فالجسم الكلي هو مقدم علي جميع افراده وجوداً و ان كان لايوجد ظهوراً في عالم الافراد الا في الافراد و اما في عالمه فهو موجود حيث لاشيء من هذه الخصوصيات و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۱۰ *»

لايلزم من وجوده في مقامه تشخصه لان التشخص يلزم الشيء اذا ظهر في عالم الاشخاص و اما اذا كان في عالم فوق حد الاشخاص فلايلزم تشخصه مثال ذلك ان كل من نزل في جوف فلك الافلاك فلابد و ان‌يكون في جهة من الجهات او في الوسط الحقيقي و اما الطبيعة الكلية مثلاً وجوداً ليست في جهة من الجهات و انما تظهر في ذوي الجهات ظهوراً و لايمكن لعاقل انكار وجود الطبيعة او جعل وجودها عين ظهورها فان الظهور عرض قائم بالوجود و صفة له فما لم‌يكن موصوف لم‌تكن صفة فلابد من ان‌يكون لهذا الظهور وجود و لابد و ان‌يكون الظهور متأخراً عن الوجود و يكون الوجود متقدماً علي الظهور مقاماً فهو موجود حين لاظهور فلايكون محدوداً بحدود الظهور الا انه لايدرك بما يدرك به الظهور قال علي7 انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها. فما يدرك به الظهور شخصي كالظهور و ما يدرك به الوجود كلي كالوجود فهو يدرك بالعقل المدرك للكليات لاالحواس المدركة للجزئيات فالجسم الكلي موجود في عالم الكليات و حده فوق فلك الافلاك رتبة لا الفوقية البُعدية الشخصية كما ان السماء فوق الارض فان الفوقية البُعدية تنتهي بتناهي محدب محدد الجهات فلا له فوق و لابعد فالجسم الكلي مقامه فوق محدد الجهات و ليس بكرة محيطة بالعرش كالعرش المحيط بالكرسي و ليس بينه و بين العرش مماسة و لااقتران و لاافتراق و لاترتب و انما درك ذلك حظ اولي‌الالباب فمن رام ادراكه بمدرك يدرك به المحسوسات او ينتزع به صور المحسوسات فلايناله ابداً لوجوب وجود المناسبة بين المدرك و المدرك فالمدرك الشخصي المدرك للشخصي لايدرك الامر الكلي و لعلك عرفت من ذلك بطلان قول من زعم ان الكلي موجود بوجود الافراد و نزيد علي ما مر انه ان اراد جميع الافراد بحذافيرها فهي غير موجودة في زمان واحد و انما الافراد الموجودة في كل زمان بعضها فالكلي ابداً ليس بموجود بتمامه و انما الموجود منه دائماً بعضه و ان اراد به البعض الموجود في زمان فلابد و ان‌يفني الكلي اذا فنيت تلك الافراد كما تفني وجوداتها اذا فنت فان وجود كل فرد غير وجود الآخر باي معني اخذ لوجود صحة الاضافة المخصصة و كذا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۱۱ *»

بطلان قول من زعم ان الكلي موجود في ضمن الافراد فانه ان اراد ان جميع الكلي موجود في جميع الافراد علي معني وجود البعض في البعض و الكل في الكل فكل فرد ليس ينبغي ان‌يجاب فيه بتمام الكلي اذا سئل عنه بما هو و كان الواجب ان‌يجاب بالبعض كما اذا سئل زيد ما هو لم‌يكن يجوز ان‌يقال زيد انسان و انما كان الواجب ان‌يقال انه بعض الانسان لان كل الانسان موجود في كل الافراد فما يلحق زيداً منه بعضه و ان زعم ان تمام الكلي موجود في ضمن كل فرد فذلك غير مدرك ان‌يكون شيء واحد بنفسه موجوداً في امكنة متعددة.

فظهر و تبين لمن انصف و اذعن ان الكلي ليس بموجود بوجود الافراد و لا في ضمنها و انما له وجود كلي موجود به في عالمه و انما يظهر في الافراد بتجلياته مثال ذلك لتقريب الافهام و ان كان مبعداً من جهات شتي ان الشمس موجود في فلكه و انما تظهر بانوارها في المرايا فهي بتمامها ظاهرة في المرايا تفردت او تعددت او تبدلت قلت او كثرت و تجيب عن كل واحدة اذا سئلت عنها بما هي انها هي الشمس و لما كان ارخاء عنان القلم في هذا الميدان يؤدي الي الخروج عن موضع السؤال قبضنا العنان و لنرجع الي جواب المسألة فالجسم مركب من مادة‌ هي النور الغليظ الكثيف و صورة هي المثالي الكلي علي ما مر و ليس التركيب مخصوصاً به فمادونه فيكون مافوقه بسيطاً كما زعمته الفلاسفة فانه سفه مخالف للكتاب و السنة قال الرضا7 ان الله لم‌يخلق شيئاً فرداً قائماً بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه قال الله تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون. نقلته بالمعني و كل ماسوي الله سبحانه ممكن مخلوق و قد شاع و ذاع حتي ملأ الاصقاع من الحكماء المحققين كل ممكن زوج تركيبي فمن الدرة‌ الي الذرة كلها مركبة‌ من جهتين جهة‌ الي ربها و جهة الي نفسها جهة بها اشتراك متعدداتها و جهة بها امتيازها ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور. فما زعمته الفلاسفة ان العقل و النفس مجردان بسيطان و ان التركيب من العرش فمادونه فهو باطل و عن حلية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۱۲ *»

الاعتبار عاطل فانا نسئلهم عن العقل هل هو قديم ام حادث فلايمكنهم ان‌يدعوا قدمه و ان كان يلزمهم من ادعائهم ذلك لما حكموا مطلقاً ان بسيط الحقيقة كل الاشياء فلابد و ان‌يقولوا انه حادث و علي هذا ضرورة الاسلام ان اول ماخلق الله العقل فاذا كان العقل مخلوقاً فلابد و ان‌يكون له جهة‌ الي ربه تكون دليله و آيته و صفته و جهة الي نفسه يسمي بها عقلاً و لاشك انه شيء و قد قال الرضا7 ان الله لم‌يخلق شيئاً فرداً قائماً بذاته للذي اراد من الدلالة عليه، اي جعل في كل شيء له آية تدل علي انه واحد و قد قال الله و من كل شيء خلقنا زوجين، فكل ماسوي الله مركب و ما استدلوا لتجردها بحديث علي7 انه سئل عن العالم العلوي فقال صور عارية‌ عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد الخبر. فانه خطاء محض أليس يقول صور عارية فجعلها متعددة و متحدة جعلها متحدة‌ متشاركة في كونها صورة و متعددة في شخصيتها فلها ما به اشتراكها و لها ما به امتيازها فكل صورة منها مركبة مما به اشتراكها و هو المادة‌ و مما به امتيازها و هو الصورة الا ان مادة كل شيء بحسبه فمادة العقل عقلانية و مادة‌ الروح روحانية و مادة النفس نفسانية و هكذا الي ان مادة الجسم جسمانية فقوله7 عارية عن المواد يعني عن المواد الجسمانية فالعالم العلوي عار عن المواد الجسمانية بلاريب و اما عن كل المواد مطلقاً فهو اشتباه محض فان ابنه7 اعرف بمراده و مراد ربه و هو يقول ان الله لم‌يخلق شيئاً فرداً قائماً بذاته، هذا مع ان البسيط لايعقل في حال التعدد لما مر فجميع الملك كائناً ماكان مركب من مادة و صورة الا ان كل شئ بحسبه فافهم.

قـال سلمه الله و عظمه: و ما المراد من المادة؟

اقـول: قد تقدم فيما تقدم ما يكتفي به من له انس بكلماتنا و اصطلاحاتنا الا ان من باب ان لكل مسألة جواب لابد و ان‌نجيب عنه بحسب مايقتضيه الحال اعلم ان لفظ المادة كثيراًما يجري علي الالسن و رؤوس الاقلام ولكن لايعقل المراد منه الا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۱۳ *»

العالمون فرب لفظ يأخذه الانسان في مبادي تحصيله مسلماً و حملاً علي الظاهر المتداول ثم يجري عليه الي نهاياته و لايلتفت اليه فهو يبقي علي ابهامه الي آخر عمره و من تلك الالفاظ لفظ المادة فاعلم ان المادة عند الحكماء مطلق الهيولي مع انهم خصوها باربع صناعياً و طبيعياً و كلياً و اولياً فليس مادة فوق الهيولي الاولي و هو الجوهر البسيط عندهم و لذلك جعلوا عالم المواد عالم الاجسام وحدها و مافوقه عالم المجردات اي النفوس و العقول زعماً منهم انهما من عالم الفعلية المحضة و لاقوة لها و لااستعداد و ان القوة و الاستعداد مخصوصة بالمادة الجسمانية و ان الله سبحانه خلق الناس في عالم القوة و الاستعداد و اجلهم فيه حتي يخرج جميع ما في قوتهم الي الصورة و الفعلية و بها يترقون و لايصيرون اخرويين حتي يخرج الي فضاء‌ الصورة و الفعلية جميع ما فيهم من القوة و الاستعداد و لذلك زعموا ان الدار الدنيا دار العمل لانها دار القوة و لابد و ان‌يخرج كل ما في قوتهم الي الفعل و الدار الآخرة هي دار الجزاء لانها دار فعلية و لاعمل هناك فلاقوة هناك و لذا انكروا وجود المادة في الآخرة و قالوا بالمعاد الصوري نعوذبالله زعماً منهم انه معني المعاد الجسماني و ناهيك في بطلان هذا القول انكار الكتاب و السنة عليهم حيث يقول الله سبحانه في جواب من يقول من يحيي العظام و هي رميم قل يحييها الذي انشأها اول مرة و قال كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها. هل الجلد و العظم جسم ام غير جسم و هل الجسم جوهر مركب ام جوهر بسيط و هل الصورة جوهر بسيط ام مركب و لاشك انهم اجمعوا بتركيب الاجسام و ايضاً الجلود اولاً ان كانت صورة محضة فتبديلها يكون بغيرها لامحالة فماذنب الغير و ما عليهم من عذاب اذا احترق جلد غيرهم بخلاف ما اذا كان لهم قوة فكلما نضجت جلودهم كانت صالحة للاعادة و الاصلاح و التنمية كما ان في هذه الدنيا يحترق الجلد ثم ينمو و يتبدل فمن قال بعدم المادة في الآخرة لان الآخرة من العالم العلوي و قال بوجود صورة مجردة هو منكر للمعاد الجسماني بالبداهة و لو شئنا ان‌نفصل هذا القول و نرد عليه مفصلاً لطال بنا المقال و خرجنا عما يقتضيه الحال و ناهيك في رده انه خلاف ضرورة الاسلام بل العقل المستنير بنور ائمة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۱۴ *»

الانام عليهم صلوات الله الملك العلام.

و اما المادة عندنا فمادتان نوعية و شخصية كما ان الصورة عندنا صورتان نوعية و شخصية فالمادة النوعية هي الامر الشايع بين الانواع فهي الجنس و اما الصورة النوعية فهي الفصل لذلك الجنس.

و اما المادة الشخصية فهي حصة من تلك المادة‌ و الصورة النوعيتين و الصورة الشخصية هي الصورة الزيدية و العمروية مثلاً مثال ذلك علي ما هو المعروف عند العوام ان زيداً له مادتان و صورتان المادة الاولي هي الحيوان الشايع بين الانسان و ساير الانواع و هي المادة‌ النوعية و الصورة الاولي هي الفصل الذاتي للانسان و هو الناطق مثلاً لان هذه الحصة من الحيوان تميزت بالنطق عن ساير الحصص الظاهرة بالصهيل و النعيق و النهيق و الطيران مثلاً فلما تركبت هذه المادة و الصورة و صارتا شيئاً واحداً اخذت حصة منه و صارت مادة لزيد و البست الصورة الشخصية الزيدية فكان زيد و هكذا جميع ماخلق الله سبحانه فليس شيء الا و هو مركب من مادة و صورة نوعيتين و مادة و صورة شخصيتين و هي التي اثبتت في الانسان الفلسفي انه ما من شيء الا و يتم في حلين و عقدين فالحل الاول هو المادة المذابة الغير المصورة و مزاجها حار رطب علي ما به الحل و الحار اليابس لايصير مادة لان اليبس فيه يمنع من قبول الصورة و المادة لابد و ان‌يكون رطباً ليكون سهل القبول للاشكال و يكون حاراً لانه من جهة المبدء و اثر حركة فعل الفاعل له فالمادة بحرارتها و رطوبتها الذاتية انحلت و ذابت و ابهمت و صارت امكاناً و صلوحاً لقبول كل الصور و منزلته منزلة المداد الصالح للتهيؤ بجميع هيئات الحروف و ما نعني بالامكان الجائز الا هذا و ليس هذا امراً اعتبارياً كمازعمه اقوام و قد حققنا ذلك في محله و العقد الاول هو الصورة النوعية و مزاجها بارد يابس لانها من جهة نفس المفعول و يبسها لحدودها فلو كانت ذائبة لماتحددت و سالت و منزلته منزلة الحروف و الحل الثاني هو حل ما عقد نوعاً و اذابته لقبول الصورة الشخصية و هو بمنزلة التركيب و امالة كل حرف الي الآخر و لاشك ان هذا الحل اغلظ و ايبس من الحل الاول لامتزاج العقد الاول به و لبعده عن المبدء و العقد الثاني هو

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۱۵ *»

مقام الكلمة مركبة تامة و هذا العقد ايبس من العقد الاول لشدة بعده عن المبدء و لاجل تعلق الفعل بهذه المراتب الاربع سمي باربعة اسماء مع انه واحد لقوله تعالي و ماامرنا الا واحدة فمن حيث تعلقه بالحل الاول سمي بالمشية. قال الرضا7 ليونس أوتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول و لاشك ان الحل الاول هو اول ما يذكر فيه الشيء جنساً بالامكان و الصلوح و اما قبله فليس بمذكور في شيء من المقامات و من حيث تعلقه بالعقد الاول اي الفصل الذاتي يسمي بالارادة قال أوتدري ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاء و لاشك ان العزم علي الشيء تأكيده و تعيينه في الجملة و من حيث تعلقه بمبادي الحل الثاني يسمي بالقدر قال أوتدري ما القدر قال لا قال هي الهندسة الايجادية و هي معرب «الاندازه» و هو مقام الحروف و تعيين تقدم كل حرف علي كل حرف و حدود الشيء و اجله و وضعه و يسمي من حيث التعلق بالكلمة و العقد الثاني قضاء و هو الحكم علي ماشاء بماشاء فمن زعم ان القدر مؤخر عن القضاء فقد اخطأ فان مقام القدر هو مقام الهندسة و التقادير و تعيين مقدار رزقه و اجله و عزه و ذله و فقره و غناه و هكذا و هو مقدم علي القضاء فان القضاء هو الحكم بكونه هو هو تاماً و لذا اذا وقع القضاء بالامضاء فلابداء و يقع البداء في القدر كما في حديث الكاظم7 و بذلك نطق جميع اخبار اهل البيت الذين هم محالها صلوات الله عليهم.

و بالجملة فالشيء له مادتان و صورتان و اذا اطلقنا المادة من غير قرينة نريد بها المادة الشخصية ولكن هنا اشكال عظيم قد زل فيه الاقدام و تاه فيه الاحلام و هو ان المادة هل هي حصة من مجموع الكلي في النوع او الشخص ام هي ظهور الكلي في مرآة الجزئي و قد قدمنا آنفاً ان الكلي بنفسه لايحصص اذ لو تحصص لكان كل حصة بعض ذلك الكلي لا كله و يلزم من ذلك ان‌يجاب عن السؤال عن كل فرد ببعض الكلي و هف مثلاً نقول ان الماء الكلي جسم سيال بارد رطب و هذا الماء يظهر في صورة البحر و الموج و الحوض و النهر و الاناء و اذا سئلت عن كل واحد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۱۶ *»

من هذه الاشياء بما هو قلت ماء لان تمام الماء موجود بظهوره في كل واحد و كل واحد منها جسم سيال بارد رطب و ليس الماء الكلي بشيء يتقطع و يتحصص الا ان‌يتقطع الجسم عن السيالية و هما عن الباردية و هي عن الرطبية و ذلك لان التفكيك و التغيير في الشيء مع صدق الاسم علي كل حصة دليل علي انه في صورته المتممة لا المقومة و بالتفكيك و التغيير في المقومة يسلب عنه الاسم و لما رأينا ان التغيرات الموجبة لاتسلب عن الماء اسم الماء عرفنا انه في صورته المتممة لا المقومة و اما اذا غيرت المقومة ففككت مابين الجسم و السيلان و الرطوبة مثلاً فكل حصة منها ليس بماء البتة و ليس لتحصيص الماء معني غير ذلك و اما تحصيص البحر فليس بتحصيص الماء فان تحصيص البحر هو تحصيص الاجتماع و تفريقه و الاجتماع من الصور المتممة لا المقومة لان الاجتماع ليس شرطاً في صدق اسم الماء عليه فجميع التحصيصات واردة علي البحر و لو جعلت الماء حصصاً لابطلت تركيبه و سلب عن كل حصة اسم الماء بالبداهة فاذا وضعت حصة منه في صورة لم‌يطلق عليه اسم الماء كالسيلان فانه حصة من الماء او بعض منه و هو موجود في الخل و ليس بماء و الرطوبة موجودة فيه و ليس بماء فلايعقل ان‌تكون حصة من الكلي موجودة في الجزئي بوجه من الوجوه و بتمامه ايضاً لايعقل ان‌يكون في كل فرد فان الشيء لايمكن ان‌يوجد في مكانين مختلفين في آن واحد فاذا لم‌يكن الكلي بكله و لاببعضه موجوداً في الفرد الخاص فانحصر الامر ان‌يكون وجوده عين وجود الافراد او يكون بظهوره ظاهراً في كل فرد و قد بينا بطلان الاول و نزيده هنا بياناً ان وجود الافراد عبارة عماذا؟ فان كان المراد الكون في الخارج ففي كل حين لابد و ان‌يكون بعض الكلي موجوداً لا كله لان الافراد منه ما هو باق و منه ما هو فان و ليس جميع الافراد بموجود في الخارج ابداً و ان كان احياناً جميع افراد بعض الكليات موجوداً في الخارج يمكن فرض عدم بعضها و حصول افراد اخر لها و مع‌ذلك يصدق الاسم علي البعض و ان كان المراد بوجود الافراد حقايقها و موادها كما هو المتعارف بين الحكماء اذا قالوا وجود زيد مثلاً يريدوه فهو عين المدعا و الاشكال فلابد و ان‌يكون الكلي في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۱۷ *»

رتبة اعلي من رتبة الافراد بسيطاً اضافياً بالنسبة الي افرادها مبرأً عن حدودها مبعداً عن اقطارها منزهاً عن جهاتها مستعلياً علي رتبتها سبوحاً عن كمها و كيفها غير متناه الي حدها و محدودها طاوياً لجميع كثراتها فيكون في كل مكان من افراده مع انه لايحويه مكان و يكون قريباً لا بمداناة بعيداً لا بمناءاة متصلاً لا بالمقارنة منفصلاً لا بالمفارقة مالياً لجميع اقطارها مستوعباً حدها و محدودها فيكون في كل فرد متجلياً بكله لاحديته الاضافية معطياً اياه حده و اسمه و رسمه فكل فرد له حصة من كله اي ظهوره الكلي لاحصة منه كالامواج فان لكل حصة من البحر لا الماء و الماء قد احاط بالبحر و الموج و ليس من البحر اقرب منه من الموج و مثال ذلك الاحد و الاعداد فان كل واحد حصة من مجموع الاعداد لا الاحد فان الاحد لايحصص و لايبعض و انما التحصيص و التبعيض في الواحد و ساير الاعداد فانها الذي ينصف و يثلث و يربع و يجزي و لايجري من ذلك شيء علي الاحد و الاحد حقيقة قد ظهرت في كل واحد من الاعداد و قد اعطاها حدها و اسمها و رسمها فكل عدد احد و لذا بنفي الاحد ينفي الكل كقولك ليس في الدار احد و باثباته يحتمل الكل و لا كذلك الواحد و غيره من الاعداد فبنفي كل واحد يحتمل الآخر فمن هنا علمنا ان الاحد مهيمن علي الكل متجل في الكل و ليس وجوده وجود الاعداد بعينها لما قدمنا و ليس بنفسه موجوداً في ضمن الافراد كمابينا فهو موجود فيها بظهورها و تجليها و لا شيء الا اياه و هكذا الامر في المادة سواء كانت النوعية او الشخصية فليس الجنس بنفسه او بكله او ببعضه موجوداً بوجود النوع و لا في ضمن النوع و انما هو في محله و مقامه و بظهوره عم جميع الانواع و طوي باحديته كثرتها فاعطي كل واحد اسمها و رسمها فالناطق حيوان و الصاهل حيوان و الناهق حيوان و هكذا فاعطي كل واحد اسمه و حده و لاتزعمن من قولي ان الكلي موجود بوجود شخصي في الخارج و يظهر في مرايا الجزئيات بل مرادي انه موجود في عالم الكلي و ذلك العالم ليس يدرك بالمدارك الشخصية و انما ذلك حظ العقول لانها مدركة للمعاني الكلية و ليس ذلك العالم في صقع الجزئيات او موجوداً كالجزئيات و لو في صقعه و الدليل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۱۸ *»

علي وجود ذلك العالم صدق الاسم علي الافراد و قوامها به و عدم كون الكلي موجوداً بوجود الافراد و لا في ضمنها و هو ايضاً موجود في الخارج و ليس وجوده منحصراً بما في الاذهان لان الذهن لاينطبع فيه شيء الا من الخارج و لو لم‌يكن شيء في الخارج موجوداً لما انطبع شبحه في الذهن و ليس الخارج ايضاً منحصراً بعالم الاجسام ليستلزم وجوده فيه التشخص بل الله سبحانه الف الف عالم غير الذهن و كلها خارج عن الذهن و منها كلي و منها جزئي.

و هذا مبحث شريف قد حققناه في رسائلنا و مباحثاتنا هب ما ليس له وجود في الخارج علي زعمهم و انما هو موجود في الذهن فلو لم‌يتصوره متصور يعدم في الخارج و لايكون هو هو في الخارج عند الله او يكون لله سبحانه ايضاً ذهن ما هذا الا غفلة منهم و ليس هنا محل تفصيله فالمادة المشتركة بين المتعددات ليست متحصصة بعينها في الافراد و لاموجودة بوجود الافراد و انما هي كلية في عالمها ثابتة مستقرة في الخارج و تظهر انوارها في مرايا الجزئيات و تنطبع في كل مرآت بكلها لانها مهيمنة عليها مستعلية علي جميعها كالشمس الظاهرة في المرايا تقريباً فمادة كل فرد ما انطبع في مرآته و هي التي تختص به و انما سمينا الشمس بالمادة لان الشيء انما يسمي في ظهوراته لا في ذاته فسميناها بالمادة لظهورها بالمادة و اما ذاتها فليست بمادة و ذلك لان المادة و الصورة امران متضايفان فما لم‌تلبس المادة الصورة لم‌تسم بالمادة و ما لم‌تحل الصورة علي مادة لم‌تسم بالصورة فالخشب المرمي علي الارض ليس بمادة للسرير الا ان‌يلبس صورة السرير و يظهر بها و هيئة السرير لم‌تسم بالصورة ما لم‌تحل علي الخشب و ذلك ظاهر ان شاء الله فالشمس في محلها ليست بمقترنة بالصورة و لابلابسة لها فلاتسمي بالمادة من حيث ذاتها و انما تسمي من حيث ظهورها و حيث ظهورها نفس ظهورها فالشمس مادة ظهوراً لا ذاتاً و لذا لاتجري آثار الصور علي نفس الشمس حين انقلاب المواد بانقلاب الصور و انما تجري علي ما انطبع فيها مثال ذلك ان الشيء اذا خبث يخبث بمادته و صورته و يعذب بمادته و صورته و اذا طهر و طاب يطيب بمادته و صورته و ينعم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۱۹ *»

بمادته و صورته الاتري انك تحرق الصنم و تعظم الضريح و اذا احرقت الصنم اهنته و احرقت صورته و مادته و اذا عظمت الضريح عظمته بمادته و صورته فلو كانت نفس شمس الخشب اي الخشب الكلي في الصنم لكنت باهانتك بمادته قد اهنت بالضريح و اذا عظمت الضريح بمادته و صورته فقد عظمت الصنم لان فيه الخشب الذي عظمته كما انك لو كدرت الشمس بحيلة كدرت جميع المرايا و اذا صفيتها اضاءت جميع المرايا مع ان الامر ليس كذلك و ليس بشقاوة فرد يشقي الكل و لا بسعادة فرد يسعد الكل و انما يختص الامر بمادة نفسه و صورة نفسه.

و هذا ايضاً دليل آخر يدلك علي ان الكلي لو كان موجوداً بكله بنفسه في ضمن الافراد او بوجود الافراد لكان يجري علي الكل اثر صورة واحدة و لايمكن احداً ان‌ينكر تأثير الصورة في المادة لان بداهة الشرع الاقدس بل بداهة العقول تنكر ذلك و انك تحرق في الحدود و تقطع و تقتل و جميع التألم و الشعور و الحس من المادة لا من التثليث و التربيع و الحمرة و الصفرة و ساير الصور و لاشك ان السعادة و الشقاوة و الحسن و القبح من الصورة لا من المادة و الا لكان كل الانواع علي معني واحد اما كان الكل شقياً او كان الكل سعيداً و هكذا الاتري ان الجنس اذا كان حيواناً تقول لجميع الانواع حيوان فمن هذا البيان المكرر المردد ظهر ان المادة الخاصة شعاع شمس المادة الكلية و لو لم‌تكن شمس لما اشتركا في جنس واحد و لو لم‌تكن المادة الشعاع لزم ما ذكرنا فالمادة المشتركة بين الكثيرين هي تلك الشمس علي ما مر و فيه كفاية ان شاء الله للمنصفين.

قـال وفقه الله و اعزه: و ما الفرق بين المادة و الماهية؟

اقـول: اما المادة فقد مر شرحها بقدر ما يقتضيه الحال و علي نحو الاشارة و الاجمال تكلاناً علي ذكاء ذلك الجناب المتعال و اما الماهية فهي من اشكل ما يبحث عنه و اعظم ما يتكلم فيه و سؤال مثله ادام الله عزه اعظم شاهد علي اشكال مأخذه و علو منشئه و اشرح من ذلك بحول الله و قوته بقدر الميسور تكلاناً علي ذكاوته.

فاعلم ان الماهية هي نفس الشيء من حيث هي هي و هوية الشيء و انيته

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۲۰ *»

و جهته من نفسه و تقابله الجهة التي فيه من ربه و الماهية ماهيتان الاولي و الثانية فالماهية الاولي هي انية المادة النوعية و الماهية الثانية هي انية الشخص فالالف مثلاً له خلقان خلق المداد و خلق الحرف ففي الخلق الاول اي خلق المداد الذي هو هيولي الالف مادة و صورة مادته اجزاء المداد كالزاج و العفص و الدخان و غيرها و صورته صورة السواد و السيلان العارضة عليه فهذا المداد من حيث هو مداد هو الماهية الاولي و بعد ان اخذت منه حصة و صغتها الفاً يعني البستها هيئة الطول علي مقدار معلوم يكون هذا الالف المركب من الحصة المعلومة و الهيئة المعلومة من حيث هو الف الماهية الثانية و تقابل هذه الماهية بهذا المعني جهة ربه فهي ايضاً له مقامان جهة الي ربه نوعاً و جهة الي ربه شخصاً فجهته الي ربه نوعاً هي تلك المادة النوعية ايضاً لكن من حيث الآئية و العنوانية لله سبحانه و هي تكون كذلك اذا اخذت مكشوف السبحات مقطوع الاشارات مجذوب الصفات ممحو الموهومات صاحية المعلومات مهتوك الاستار غالبة الاسرار و هي لاتعرف الا ان‌يراها بالله و يري الله بها عندها فهي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئاً و وجد الله عنده فوفيه حسابه و الله سريع الحساب.

و اما جهته الي ربه شخصاً فهي ايضاً ذلك الشخص بعينه الا انه من حيث الآئية و الدلالة علي ربه علي معني قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق، فعلي هذا المعني لافرق بين المادة و الماهية فان المادة من حيث هي هي ماهية في كل مقام اما من حيث العنوانية فانما تسمي باسم المعنون لايري فيها غيره وجداناً و لايطلق عليها المادة حينئذ ولكن قد يطلق الماهية و يراد بها هيئة الوجود خاصة و حينئذ لها حدود ستة الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المحل يعني ان الماهية تتفصل بهذه الامور الستة فهذه الامور هي غايات الماهية و نهاياتها فان الوجود من حيث الصورة ينتهي الي هذه الحدود و يمتاز بها عن غيره فلها ايضاً بهذا الاعتبار مقامان الماهية الاولي فهي الصورة النوعية للمادة النوعية و القابلية الاولي و الانفعال الاول و الماهية الثانية فهي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۲۱ *»

الصورة الشخصية للمادة الشخصية و القابلية الثانية و الانفعال الثاني و المادة هي الوجود في المقامين نوعياً و شخصياً فبهذا الاعتبار المادة جوهر و الماهية عرض لان الصورة عرض الهيولي كمايأتي من الحق الحقيق بالتحقيق فالمادة مخلوقة اولاً و بالذات و الصورة مخلوقة ثانياً و بالعرض لماعرفت ان الماهية هي قابلية الشيء و انفعاله و هي لاتتحقق الا بعد وجود المادة و يأتي لذلك مزيد تحقيق في السؤال الرابع.

و هذا الذي ذكرنا كان محض اصطلاح و قالوا لامشاحة فيه و ان كان قد تختلف الاصطلاحات لاجل المناسبة و عدمها و لاجل انها لعلها تكون من باب ان هي الا اسماء سميتموها انتم و آباؤكم ماانزل الله بها من سلطان، و من باب و لعنوا بما قالوا. فلرب اصطلاح ماانزل الله بها من سلطان فماكان من الاصطلاحات مستنبطاً من الكتاب و السنة احق ان‌يتبع أفمن يهدي الي الحق احق ان‌يتبع ام من لايهدي الا ان‌يهدي.

و اما الاشكال الذي ذكرنا في معني الماهية هو خلقها فانه قد ثبت في الحكمة ان كل اثر تابع لصفة مؤثره و كل ظل يكون علي هيئة شاخصه و لاشك ان المشية نور و خير و كمال و وحدة و بساطة و الوجود الصادر منه ايضاً علي نهج الحكمة نور و خير و كمال و وحدة و بساطة و اما الماهية التي هي بكلها و جميع جهاتها ظلمة و شر و نقص و كثرة و اختلاف فكيف خلقت بالمشية و لم‌ لم‌تشابه صفة مؤثرها و ان لم‌تكن خلقت بالمشية و خلقت بالوجود فهو ايضاً نور و خير و كمال و لابد لاثره ان‌يشابهه و ان لم‌تكن مخلوقة فهو محذور اشد ان‌يكون شيء لم‌يخلقه الله سبحانه ثم نقول هل هو قديم ام حادث فان قيل بقدمه تعدد القدماء المتفق علي بطلانه و ان قيل بحدوثه فالحادث الذي ليس له خالق غير معقول و ان كان له خالق فمن هو و لماذا لايشابه صفته و ما قيل من انها انفعلت من غير تعلق جعل بها فيأتي انه باطل و هذه مسألة عويصة لم‌يكشف لثامها و لم‌يفض ختامها لم‌يكتب في كتاب و لم‌يجر ذكرها في خطاب و ان كان يدعي فهمها من لم‌يراع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۲۲ *»

الآداب و اني اشير لك اليها مجتنباً للاطناب و الله الموفق للصواب.

اعلم ان الله سبحانه واحد احدي المعني بسيط لاتعدد له و فيه بوجه من الوجوه لاحيثاً و لااعتباراً و لافرضاً و لاذهناً و لاخارجاً و ليس فيه ذكر غيره لابوجود و لاعدم و لانفي و لااثبات هو هو ذات بحت بسيط ليس فيه شائبة غيره فلذلك تعالي عن ان‌يشابه احداً من خلقه و ان‌يكون له صفة قال الله سبحانه سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين. و قال علي7 كمال التوحيد نفي الصفات عنه الخبر. فهو يتعالي عن ان‌يسمي او يوصف بنور او خير او كمال او غيره من الصفات لان جميع ذلك صفة خلقه و مااجراه و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه فهو اجل من النور و الخير و الكمال كما انه اجل من الظلمة و الشر و النقص علي شرع سواء فان النور ضده الظلمة و الخير ضده الشر و الكمال ضده النقص و هو سبحانه لاضد له و لو كان هو سبحانه له احد هذه الصفات فكان له ضد و كان الممتنع ان‌يصدر منه ضده الاتري ان السراج لايصدر منه الظلمة لانه نور و النار لايصدر منها البرودة لانها حارة فالذي يصدر منه الحرارة و البرودة معاً نسبته اليهما علي السواء و لابد و ان‌يكون منزهاً من الصفتين حتي تصدران منه و ما قيل ان معطي الشيء لايمكن ان‌يكون فاقداً له فان اريد به الفاقد في الملك فحق لامرية فيه و ان قيل الفاقد في الذات فيردهم عدم جواز اثبات الكثرات في الذات و لو علي نحو اشرف لان تلك الكثرات اما ان‌تكون قديمة فيكون باطلاً او حادثة فيكون القديم محلاً للحوادث و يردهم قول علي7 لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و قوله بتجهيره الجواهر علم ان لاجوهر له و بتغريزه الغرايز علم ان لاغريزة له و بمضادته بين الاشياء علم ان لاضد له. و يطابق ذلك الكتاب الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه سبحان الله عمايصفون فتبين و ظهر لمن انصف و تدبر و اتبع الكتاب و الاثر و تولي عن آراء غير الله و رسوله و ادبر ان معطي الشيء و موجده لا من شيء لابد و ان‌يكون فاقده في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۲۳ *»

ذاته بمعني امتناعه في ذاته فهو سبحانه اجل من النور و الخير و الكمال علي قدر اجليته من الظلمة و الشر و النقص قال الله تعالي الرحمن علي العرش استوي قال الامام7 يعني ليس شيء اقرب اليه من شيء آخر. نعم لماكان الخلق في عالم الاضداد و كانوا لابد لهم من التعبير من ربهم و كانوا مضطرين ان‌يعبروا عنه باحد الضدين فعبروا عنه باحكي الضدين للعالي و اعليها بالنسبة اليهم حتي ينسبوا اليه تعالي ما هو كمال عندهم فاذا اضطروا بين ان‌يسموه بالنور او الظلمة و رأوا ان النور احكي للمبادي و انسب و ابسط و اوحد سموه به دون الظلمة و هكذا لمااضطروا بين ان‌يعبروا عنه بالسميع و الاصم رأوا ان الاصم ابعد عن المبدء لما فيه من العجز المنافي مع القدرة فعبروا عنه باحكي اللفظين فقالوا انه السميع و هكذا و الا فتنزهه سبحانه عن السمع الذي ضده الصمم و الصمم و النور الذي ضده الظلمة و الظلمة و العلو الذي ضده السفل و السفل و الكمال الذي ضده النقص و النقص و هكذا جميع الاضداد علي شرع سواء لايجري عليه ما هو اجراه بمضادته بين الاشياء علم ان لاضد له. و كذلك مشيته سبحانه الاولي العليا فليس فيها شيء من هذه الصفات من الاضداد و غيرها بوجه من الوجوه لانها ظهور الله سبحانه الاعظم و وجهه الاكرم و صفته العظمي و آيته الكبري و اول تعريف عرف به نفسه فأني و متي يجري عليه شيء من هذه الاضداد فقد قال علي7 لاكيف لفعله كما لاكيف له، و انت تعلم ان جميع ما هو غير القديم جل‌شأنه حادث و كل حادث مخلوق بمشيته سبحانه قال الصادق7 خلقت المشية بنفسها ثم خلقت الاشياء بالمشية فاذا كان كل ماسوي الذات البحت البسيط مخلوقاً و كل مخلوق مخلوقاً بالمشية اوجده لا من شيء فلايجوز ان‌تكون المشية ايضاً موصوفة باحد صفات الخلق فان صفات الشيء نهايات وجوده فماكان وجوده متأخراً عن ذات المشية كيف لاتكون نهايات وجوده متأخرة فاذا كانت متأخرة عنها لاتجري عليها بداهة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۲۴ *»

و لايمكن لاحد ان‌يدعي ان وجودات الاشياء عين وجود الله سبحانه او عين وجود المشية فان الانسان كل ما يفعله يفعله بوجوده و ماهيته و يعذب و ينعم بوجوده و ماهيته كما اشرنا اليه آنفاً و حققناه في رسائلنا و مباحثاتنا و معلوم ان الله سبحانه لايأكل و لايشرب و لايزني و لايفعل الفواحش و كذا مشيته و قد قال الرضا7 لعمران حيث زعم ان الانشاء هو المنشئات قال هذا الذي عبتموه علي ضرار و اصحابه حيث كان يقول ان المشية تأكل و تشرب و تنكح و تلد و تزني و تفعل الفواحش فتتبرؤ منها و تعاديها الخبر. فاذا لم‌يكن وجودات الاشياء من ذات الحق سبحانه و من مشيته و كان محدثاً لا من شيء في حده و رتبته امتنع ان‌تجري نهاياته و حدوده علي موجده و مؤثره فالمشية ايضاً لايجري عليها شيء من صفات الخلق و نسبتها مساوية الي جميع الصفات و هي منزهة عن خيرها و شرها مبعدة عن كمالها و نقصها و انما كمالها كمال لها دون مشيته سبحانه و انما هي نقص بالنسبة اليها كما ان النقص ايضاً نقص مثال ذلك ان عند العبد الذليل الفقير وجدان الدرهمين كمال و فقدانه نقص و يستكبر من له الدرهمان و يستحقر من ليس له و الدرهمان و ازيد منهما و انقص منهما جميعها نقص بالنسبة الي السلطان القادر المقتدر و لايليق بعز جلاله شيء منها و انما ينسب الي فعله سبحانه النور و الخير و الكمال علي نحو ما ينسب اليه سبحانه كمامر فاذاً نسبة الوجود و الماهية و آثارهما و افعالهما و صفاتهما و لوازمها بالنسبة الي الله سبحانه و فعله علي حد سواء ليس احدهما اقرب الي واحد منهما من الآخر الا ان الوجود بنفسه احكي لهما و اقرب و الماهية بنفسها ابعد و في الدعاء انك لاتحتجب عن خلقك الا ان‌تحجبهم الآمال دونك. مثال ذلك ان الشمس بعدها بالنسبة الي المرآة و الخزف علي حد سواء الا ان المرآة بنفسها اقرب الي الشمس من الخزف لصفائها و كثافة الخزفة و كذلك جميع الاضداد فعند الحكاية المرآة تحكي الشمس و لاتحكيها الخزفة فتوجد الشمس عند المرآة و لاتوجد عند الخزفة و تدل عليها المرآة و لاتدل عليها الخزفة مع ان الشمس نسبتها اليهما علي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۲۵ *»

السواء و كذلك المشية بالنسبة الي الصفات المتضادة و يعبر عنها ببعضها دون بعضها مع تنزهها عن جميعها و عدم كون شيء منها اقرب اليها من شيء آخر لاجل ذلك.

فافهم هذا البيان المكرر المردد لتفوز بالمراد كما فزنا و تفهم كمافهمنا فاذا فهمت ان نسبة الله سبحانه و نسبة مشيته الي النور و الظلمة و الوجود و الماهية و ساير الاضداد علي نهج سواء، فاعلم مقدمة اخري و هي ان الله سبحانه لم‌يخلق شيئاً مما خلق باقتضاءٍ من ذاته لانه واحد احدي المعني ليس معه غيره و اقتضاء الخلق مفهومه غير مفهوم الذات هو امر وصفاني لايقوم بغير موصوف و لاتتعدد القدماء و الحادث لايسع فيه سبحانه و لايمكن ايضاً ان‌يقال هو بكله اقتضاء للايجاد فانه لابد و ان‌يكون احد آخر يقوم به هذا الاقتضاء فان الاقتضاء صفة لاذات هذا مع ان المقتضي لابد له من قاض فالشيء يقتضي اي يطلب القضاء اي ان‌يحكم له بما طلب و يستعد له فلابد حينئذٍ له من قاض حاجته و معط طلبته فاذا كان الله بنفسه مقتضياً فلابد و ان‌يكون له قاض فوقه و لابد و ان‌يكون المقتضي «بالفتح» ايضاً قديماً لعدم تخلف المقتضي عن المقتضي و لزوم كونهما في صقع واحد فلو لم‌يكونا في صقع واحد لدل علي نقص المقتضي مع ان المقتضي لابد و ان‌يكون اسفل من المقتضي «بالفتح» و المقتضي «بالفتح» اعلاه و القاضي له به اعلي منهما جميعاً و ذلك لان المقتضي قابل و داع و سائل و الداعي و السائل يطلب ما يفقده ممن هو فوقه لا ممن هو دونه و ما ينزل من فوقه ينزل عليه فيكون فوقه لانه من جهة العالي و اثره و آيته فلذلك محال ان‌يكون العالي مقتضياً للداني ابداً في كل مقام للفناء المطلق الذي في العالي عن الداني و اما الشيء فليس بمستغن عمن فوقه فيقتضي منه فيقضي له فافهم هذا مع ان كل مقتض مركب لامحالة للزوم كون ذكر المقتضي «بالفتح» فيه و كونه هو هو و لزوم الارتباط و التلازم و كل ذلك يستلزم التركيب المستلزم للحدوث و ايضاً لابد و ان‌يكون المقتضي فاقداً للمقتضي «بالفتح» حتي يطلبه فان واجد الشيء لايطلبه ابداً و انما الطلب دليل الفقدان فالمقتضي للشيء لابد و ان‌يكون فاقداً للشيء و كل فاقد لشئ ناقص طالب للتمام و قابل للزيادة و النقصان فكل مقتض حادث لان القديم لايمكن ان‌

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۲۶ *»

يكون ناقصاً و هذا واضح ان شاء الله و كذا لايمكن ان‌يكون الخلق لازماً لذاته جل‌شأنه بمعني انه يستمحل ان لايكون الخلق او لايمكن ان‌يعدمهم و يفنيهم فانه يلزم من ذلك ان‌تكون الذات مستلزمة و ملزومة للخلق و يلزم ذلك من المفاسد مثل ما لزم من المقتضي و قد مر مع ان ذلك مناف للقدرة الكاملة التي دل عليها الكتاب و السنة و اتت بها الانبياء و الائمة: يقول الله سبحانه ان يشأ يذهبكم و يأت بخلق جديد و ما ذلك علي الله بعزيز. و يقول بل هم في لبس من خلق جديد. و جميع هذه التغيرات الواقعة تدل علي انها ليست باقتضاء من الذات و ليست بلازمة لها فان الذات احدي المعني و علي فرض الاستلزام و الاقتضاء لاتستلزم و لاتقتضي الا امراً واحداً فكيف يأتي منها كل هذه الاختلافات مع ان في القول بالاقتضاء و الاستلزام انكار الحدوث و الامكان و القول بقدم الاشياء جميعاً و هذا باطل و عن حلية الاعتبار عاطل.

فاذا عرفت ان الاقتضاء ليس من ذات الله سبحانه فاعلم ان القضاء منه سبحانه من غير اقتضاء مطلق ايضاً محال فان القضاء حادث ممكن يتساوي وجوده و عدمه و اختيار وجوده علي العدم يحتاج الي داع و مرجح فلما علم امتناع كون الداعي و المرجح من الذات لابد و ان‌يكون الداعي من الخلق فانه حق و خلق لاثالث بينهما و لاثالث غيرهما و قد فسر الله سبحانه هذا المقام فقال قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم. فلولا اقتضاء من نفس الخلق لماكان قضاء من الله سبحانه ابداً ابداً و انت تعلم ان الخلق لمايوجد فهذا رمز مبهم و سر منمنم و انما ادراك ذلك حظ اولي الافئدة و الانوار و ليس نصيب الاغيار ولكن يمكن لنا شرحه علي نحو الاشارة و فيها كفاية لاهل الدراية و ان كانت سبب حيرة لاهل الرواية. اعلم انك اذا عرفت لزوم كون القضاء من العالي و الاقتضاء من الداني علمت انه لابد و ان‌يكون الاقتضاء للخلق من الخلق و القضاء لهم بما سئلوا من الله سبحانه كماقال و الله يقضي بالحق، اي بالامر الثابت المستقر في القوابل فلايظلم ربك احداً و قال قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم. فيتوقف صدور القضاء من الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۲۷ *»

سبحانه علي وجود المقتضي و الا ماكان يصدر منه لغواً او باقتضاء منه اذ كلاهما محال و ماكان يقال ان الخلق منه سبحانه جود محض و كرم صرف لاينافي كونه بالمقتضي فان المقتضي لايوجب القضاء علي القاضي فان قضي فبفضله و جوده و ان لم‌يقض فليس لاحد عليه حق و لان الجود حادث لامحالة فاذا كان ممكناً يستوي وجوده و عدمه لايمكن رجحان احد الطرفين لغواً و لا باقتضاء من الله فلابد و ان‌يكون باقتضاء من الخلق و انت تعلم ان الخلق ايضاً لايكون الا بقضاء من الله و بايجاده فاذا توقف القضاء علي الاقتضاء و توقف الاقتضاء علي القضاء وجب ان‌يكونا متساوقين لايتقدم احدهما علي صاحبه كالكسر و الانكسار فلولا الكسر لم‌يكن انكسار بالبداهة و لولا الانكسار لما ظهر الكسر بالضرورة و هما متساوقان الا ان توقف الكسر علي الانكسار توقف ظهور لان صدوره من الكاسر لاغيره و توقف الانكسار علي الكسر توقف تحقق فان الانكسار من نفس الكسر و ذلك لان المنكسر الحقيقي هو الذي قبل ان‌يكون كسراً فالمنكسر نفس الكسر اي جهته من نفسه و اما الكاس فهو المفعول‌به لا المفعول المطلق و المفعول المطلق منفعل و المفعول‌به منفعل به فالمنكسر هو الكسر و الكاس منكسر به.

فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان القضا و الاقتضاء متساوقان في الوجود و البروز في ملكه سبحانه فاذا عرفت هذه المقدمة ايضاً فاعلم ان الكسر فعل الكاسر و الانكسار فعل المنكسر اي الكسر و كل فعل اثر فاعله و كل اثر وجوده متأخر عن وجود فاعله قائم به يدور معه وجوداً و عدماً تابع له كالضوء للسراج فالكاسر هو زيد مثلاً و فعله كسر و مفعوله الكسر و المنكسر نفس الكسر و فعلها انكسر و مفعوله الانكسار و الانكسار هو الكسر فانه المقبول و المنكسر هو القابل و نفس الكسر و قبل فعله فالقابل المنكسر هو الماهية و الكسر المقبول هو الوجود فالكسر هو اثر الكاسر و المفاض منه علي حسب القابل و سرعة قبوله و بطئه و صلابته و رخاوته و الانكسار هو اثر المنكسر و هو من نفس الكسر كما بينا و شرحنا ولكن الله سبحانه يفعل كل شيء بسببه و آلته لا لاجل عجزه عن اجراء ارادته بل لعجز

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۲۸ *»

المفاعيل فلا كل مفعول ينفعل بكل شيء الاتري ان الحجر مثلاً لاينفعل بالمنشار فلايتقطع و ينفعل بالمعول و يتقطع و الخشب ينفعل بالمنشار و لاينفعل بالمعول علي حسب ماتريد و الكثيف لاينفعل باللطيف من دون توسط البرازخ فلذلك قال الصادق7 ابي الله ان‌يجري الاشياء الا باسبابها. فالكسر يصدر من الله سبحانه بواسطة كَسَرَ و لايحتاج في صدوره الي غير الكاسر و اما الانكسار فلايمكن ان‌يصدر من الله سبحانه فانه ان صدر منه يقال انكسر الله و الله لاينكسر و لاشك ان الانكسار حادث مخلوق لم‌يكن قبل الكسر و هو و ان كان فعل الكسر الا انه شيء و قد قال الله سبحانه قل الله خالق كل شيء، فان كان الله سبحانه خالقه من دون واسطة شيء كما خلق الكسر لزم ان‌يكون الله هو المنكسر و ان‌يكون قد انكسر انكساراً فلابد له من كاسر حينئذ و ان قيل بانه ليس من فعل الله سبحانه فهو انكار الكتاب قل الله خالق كل شئ فنقول ان الله سبحانه خالق كل شيء لكن يخلق كل شيء باسبابه و تلك الاسباب مرايا تنطبع فيها مشيته و يظهر من ورائها نوره علي هيئتها و صبغها فلولا النور المنصبغ لم‌يكن لسبب اثر و لاحركة ابداً لان جميع الافعال منه سبحانه قال تعالي ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان‌يسبقونا ساء ما يحكمون و قال قل كل من عند الله الآية. و لو لم‌يكن سبب لجري جميع الافعال علي معني واحد لانه لااختلاف في امره و فعله قال تعالي و ماامرنا الا واحدة. فلما انطبع نور مشيته سبحانه في بطون مرايا الاسباب و العلل و الوسائط انعكس منها علي حسب قابليتها فالعكس فيها كالروح و نفوس تلك الاسباب كالاجساد و تنصبغ الارواح في الابدان و تجري علي حسبها فروح الاسد تفترس لانصباغها في مرآة صالحة للافتراس مهيأة له و روح‌ الفرس يعدو لانصباغها في مرآة صالحة للعدو و هكذا و لذا قال علي7 القدر في اعمال العباد كالروح في الجسد.

فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الكسر جري منه سبحانه اولاً علي حسب مشيته

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۲۹ *»

سبحانه و الانكسار ايضاً شيء و هو شرط لظهور الكسر كماعرفت و منه صورة الكسر و هيئته فان الكسر بحسب اختلاف الانكسارات تختلف هيئاتها فلابد و ان‌يخلق الانكسار ايضاً حتي يكون به ظهور الكسر و قوامه و لايمكن ان‌يصدر من مشيته سبحانه بلاواسطة لما قلنا ان الله لاينكسر و لابد و ان‌ينكسر الكسر فالقي الله سبحانه مثال مشيته و حركته المطلقة الايجادية في بطن الكسر فانصبغ و تهيأ بالكاف و السين و الراء فنفذ في جميع مقاماته حتي وصل الي عينه و نفسه التي حرفها النون و هي النون التي في كن فان الكاف خلق بها الوجود و النون خلقت بها الماهية و تفصيل ذلك يطول الا انه علي وجه الاختصار ممكن.

فاعلم انه لماكان الوجود مترامياً من تحت المشية الي مقطع الماهية علي هيئة المخروط الا ان قاعدته ممايلي المبدء و رأس مخروطه علي قاعدة الماهية و كانت قاعدة الماهية ممايلي البعد الابعد و رأس مخروطها علي قاعدة الوجود هكذاÅ

و كانت مقامات الماهية و الانية عشرة و الوجود له حيثان الآئية لله سبحانه و حيث الاقتران و المقبولية اقتضي ظهور هذين المقامين في المقامات العشرة ان‌يستنطق الكاف و لماكان كل مقام من المقامات العشرة مركباً من الاركان الاربعة و الطبيعة الخامسة استنطق للماهية النون فبالسبعين يتم الشيء مشروح المبادي مبين المنتهيات فلماظهر نور الحركة المطلقة في الكسر و نفذ فيه حتي وصل الي عينه و نفسه انصبغ من حرف نفسه اي النون و الهمزة هي حرف تلك الحركة بنفسها و هي حركة النفس الرحماني الاولي و آية فعله سبحانه فظهر ذلك النور في بطن الكسر علي هيئة انكسر كماعرفت فالانكسار من نفس الكسر بالله سبحانه فلولا فعل الله سبحانه لم‌يظهر انكسار و لولا الكسر لم‌يوجد و لولا فعل الله سبحانه لم‌يوجد الكسر و لولا الانكسار لم‌يظهر كسر فافهم ان كنت تفهم و الا فأسلم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۳۰ *»

تسلم.

و من كان ذافهم يشاهد ما قلنا   و ان لم‌يكن فهم فيأخذه عنا
و ما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه   و كن في الحال فيه كما كنا
فمنه الينا ما تلونا عليكم   و منا اليكم ما تلوتم به عنا

فتبين و ظهر ان الماهية ايضاً مخلوقة بالله سبحانه الا انه بنفس الكسر.

و ان قلت الاشكال الذي اوردته في صدر المسألة من ان الوجود نور كيف يصدر منه الظلمة باق علي حاله غاية الامر علم انه كيف خلقت و ما سبب خلقتها، قلت بلي قد اشرت الي المقام ان الوجود كلما بعد عن مبدئه صار أضعف و أبرد و أكثف و ان الحركة الايجادية لما ان انطبعت فيه و بلغت اقصي غايته انصبغت بصبغ نفسه و ابعد غاياته فبلغ انصباغها ما اخفي لطيفتها و انساها مبدئها فصارت تسجد للشمس من دون الله و رجع ضمير الانكسار الي نفس الكسر و هو قوله تعالي خلق لكم من أنفسكم أزواجاً، و لم‌يقل من عقولكم.

و اما ظلمة النفس بنفسها فخلقت بنفسها كماخلق النور بنفسه و نسبة المشية اليهما علي السواء و ان كانت الظلمة خلقت لاجل النور فافهم و لولا خوف ان‌نخرج عن موضع السؤال لشرحنا الحال بمايرفع عن اولي‌الالباب الكلال ولكن ينبغي ان‌يكون الجواب علي حسب السؤال و شرحنا خلقة الماهية علي نهج الاجمال لما سنح بالبال هنا من توقف فهم لفظ السؤال عليه و كونه مقدمة لمايأتي من المقال و ختاماً يرفع به عما مر القيل و القال و ذكرنا في صدر الجواب ان في فهمها كمال الاشكال فاردنا ان‌نجري الكلام علي نهج الكمال ولو علي نحو الاجمال فتدبر.

قـال ايده الله و وقاه: و هل الماهية مجعولة بالذات ام لا؟

اقـول: اعلم ان القوم اختلفوا في الوجود و الماهية علي اقوال شتي علي ما قال الله سبحانه: و جعلوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون لا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون حكمة بالغة فماتغن النذر.فمنهم من قال ان الشيء

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۳۱ *»

هو الوجود و الماهية عرض حال بالوجود و هم الصوفية السنية خذلهم الله و هم في ذلك علي قسمين قسم و هو اكثرهم علي ان الوجود هو الله سبحانه و انه يتطور بالاطوار المختلفة و يتهيأ بالهيئات المتباينة كماقال شاعرهم:

انظر فمارأيت سوي البحر اذ رأيت   موج بدا و منه بدا فيه ما بدا

و يقول:

و ما الناس في التمثال الا كثلجة   و انت لها الماء الذي هو نابع
ولكن يذوب الثلج يرفع حكمه   و يوضع حكم الماء و الامر واقع

البحر بحر علي ماكان في القدم. و بعضهم من قال ان الوجود هو المشية و قد اشار الرضا7 الي الرد عليهم في حديثه مع عمران و قد مر. و بطلان هذين القولين اوضح من الشمس في رابعة النهار لما يستلزم القول به تغير الذات و اتصافها بصفة المخلوقات و حدوثها و سبحان ربك رب العزة عمايصفون و سلام علي المرسلين و الحمدلله رب العالمين و كمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع من الازل و هذا القول بمعزل عن الاسلام و لايحتاج في رده الي طول الكلام و قد اشبعنا البحث عنه في رسائلنا و مباحثاتنا بما لايحوم حوله نقض و لاابرام.

و منهم من قال ان الماهية هي الشيء و الوجود عرض حال بها و هو المنقول عن المشائين و المتكلمين القشريين و هو كلام باطل و عن حلية الاعتبار عاطل لان الوجود اذا كان عازماً علي الماهية لابد و ان‌تكون الماهية سابقة علي الوجود و الوجود لاحقاً بها فهي قبل الوجود ليس بموجود و ما ليس بموجود معدوم و المعدوم لايكون سابقاً و لاجوهراً يقوم به العرض هذا مع ان الماهية هي ما به الشيء شيء و الشيء لايكون شيئاً الا بمميزاته عن غيره مثلاً العصا انما هي عصا بصورتها لا بمادتها التي هي الخشب و الا لكان السرير ايضاً عصا فماهية العصا انما هي صورته اذ ليس السرير ماهية العصا مع انه خشب فماهية العصا متأخرة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۳۲ *»

عن مادتها لبداهة تأخر صورة العصا عن الخشب و مادتها وجودها لان الوجود هو الامر الشايع بين الكثيرين و كذا الخشب هو الشايع بينها و بين ما يصنع منه و انما الاسماء ترد علي الصور و الاحكام تتعلق بالصور فالقول بتقدم الصور علي الوجودات بمعزل من التحقيق و من احتمل ان الوجود و الماهية امران زايدان علي المادة و الصورة فاحتمل احتمالاً سخيفاً فانه لايخلو اما ان‌يقولون([1]) بتقدم المادة و الصورة علي الوجود و الماهية فتقدم الشيء من غير وجود فرض يصدر عن غير حكمة و اما يقولون بتأخرهما عنهما فالزايد علي الشيء كيف يتقدم عليه مع انهم يحدون الشيء بمادته و صورته و يسمونه الحد التام في جواب ما هو و يرونه جواباً عن جميع الذاتيات فاذا الوجود و الماهية غير ذاتيات الشيء فاذا صارا غير ذاتيين فهما عرضيان و لابد من تقدم المعروض علي عرضه فيلزم المحذور الاول و اما متساوقان معهما فبينهما بينونة عزلة و هما علي نحو فردين متواطيين فتبقي المادة و الصورة بلاوجود لان الفرد المساوق قائم بنفسه لايعرض علي اخيه و لايعرض عليه اخوه فظهر ان المادة عين الوجود الشايع و الصورة هي الماهية المميزة الخاصة.

و منهم من قال ان الشيء هو الوجود و الماهية انما هي حدثت بتبعية الوجود و ليست من الشيء و لاشمت رايحة الوجود و هو المنقول عن بعض الاشراقيين و هذا ايضاً قول فاسد و متاع كاسد لان الماهية اذا لم‌تكن من ذاتيات الشيء و لا منه ولو بالعرض و ماشمت رايحة الوجود كان جميع الاشياء بسائط و اين قوله تعالي اذاً و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون و اين قول الرضا7 ان الله لم‌يخلق شيئاً فرداً قائماً بذاته للذي اراد من الدلالة عليه و اين قول المحققين المسلمين: «كل ممكن زوج تركيبي».

و ان قالوا ان المراد به ان الجعل تعلق بالوجود خصوصاً و الماهية انجعلت به من دون تعلق جعل آخر به فذلك ايضاً كالقول الاول باطل لانا نقول ان الماهية اذا كانت شيئاً حادثاً فكيف يمكن ان‌ينوجد من غير ان‌يريد الله ايجاده و قد قال ابوعبدالله7 لايكون شيء في الارض و لا في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۳۳ *»

السماء الا بهذه الخصال السبع بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و كتاب و اجل فمن زعم انه يقدر علي نقض واحدة فقد كفر. فاذا كانت الماهية لاشيء محضاً فما الذي انجعل و ما الذي تبع الوجود و ان كان شيئاً فلابد و ان‌يكون بهذه السبع و انما ساقهم الي ذلك ما قرروه ان الجعل لابد و ان‌يكون بسيطاً لان الواحد لايصدر منه الا الواحد فاذا كان الجعل بسيطاً لابد و ان‌يكون المجعول به ايضاً بسيطاً و لاشك ان الشية مركب من الوجود و الماهية فلايمكن صدور المركب من البسيط فلابد و ان‌يكون المجعول بالجعل و متعلقه الوجود وحده و الماهية انما تنجعل بنفسها من دون تعلق جعل بها و هذا قول صدر عن انظار قاصرة و صدور ضيقة فانا نعارضهم اولاً انه يلزم علي قولكم ان‌يكون متعلق الجعل في جميع الملك واحداً و يكون كل ماسواه منجعلاً من غير تعلق جعل فزيد وحده هو متعلق الجعل الالهي و عمرو و بكر و خالد و غيرهم كلهم منجعلون من غير تعلق جعل.

فان قلتم بتعدد الجعل فما يمنعكم من الماهية ان تقولوا فيها و في الوجود ايضاً بتعدد الجعل و ان قلتم بوحدته فلابد ان‌تكذبوا الله فوق عرشه في قوله قل الله خالق كل شيء و في قوله هو الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء، فنقول اذاً كمايجوز تعدد الجعل في زيد و عمرو يجوز ايضاً في زيد و قيامه و قعوده و اكله و شربه و تعدد الجعل غير تركيبه و نحن ايضاً نصدقكم في قولكم ان الجعل واحد و ان لم‌نصدقكم في بساطته ولكنا نقول بانه ابسط ما في الامكان و اقرب الي الاحدية من كل شيء و قد قال الله سبحانه و ماامرنا الا واحدة ولكن وحدته و بساطته علي احد المعنيين لاينافي تعدد رءوس المشية و الجعل فانما ذلك مثل الحركة المطلقة فانها الانتقال من مكان الي مكان مبهماً ولكنها تتعلق بالالف و الباء و التاء و الثا و الجيم و غيرها من الحروف برءوسها فرأس منها يتعلق بالالف و هو الرأس المتحرك من الامام الي الوراء و ليس هذا الرأس بكل الحركة و لابتمامها و الا لكان كل حرف الفاً و انما هي رأس من رءوسها و وجه من وجوهها و رأس منها متعلق بالباء و هو الرأس

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۳۴ *»

المنتقل من اليمين الي الشمال و ليس هذا الرأس ايضاً بكل المراد من الحركة المطلقة و الا لكان كل حرف باء اذا كان اليد لاتتحرك الا هكذا فكما ان الحركة معني واحد و لها رءوس فكذلك الحركة الايجادية التي هي الجعل فهي ايضاً واحدة الا انها تتعلق رأس منها بزيد و رأس بعمرو و رأس ببكر ثم ان الرأس الذي يتعلق بزيد يتعلق وجه منه بعقله و وجه بنفسه و وجه بجسده و هكذا ساير مراتبه و الوجه الذي يتعلق بجسده مثلاً فجهة منه يتعلق برأسه و جهة بيديه و جهة ببطنه و صدره و جهة برجليه و هكذا يتشعب كل شعبة منه حتي ينتهي الي ما يعلم الله ثم ينفصل من كل رأس و شعبة شعاع يتعلق بشعاع متعلقه و صفاته كعلمه و حركته و سمعه و بصره و ذوقه و قيامه و قعوده و صومه و احسانه و اساءته لان النسبة بين الجعلين هي النسبة بين المجعولين لتطابق كل مجعول مع جعله فمطابق المساوي مساوي لمطابق المساوي الآخر لامحالة و لايلزم من ذلك تعدد نفس الجعل و لاتركيبه.

و من هذا الذي ذكرنا لك يتضح المراد لمن كان من اهل السداد و جانب العناد و قد قال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئاً و هو حسير و قد قال الرضا7 قد علم اولواالالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بماهيهنا.

فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الجعل واحد بسيط تعلق رأس منه بالوجود و رأس منه بالماهية و نسبة الجعل المتعلق بالماهية الي الجعل المتعلق بالوجود نسبة الماهية الي الوجود فالجعل المتعلق بالماهية نفس الجعل المتعلق بالوجود و منها تابع لها كالماهية حرفاً بحرف و مثال ذلك كالجعل المتعلق بالشمس و القمر فان نسبة الجعل المتعلق بالقمر الي الجعل المتعلق بالشمس كنسبة القمر الي الشمس حرفاً بحرف فافهم راشداً موفقاً.

و منهم من قال ان الشيء هو الوجود و الماهية مركبين و هو المنقول عن قدماء الحكماء الالهيين و هو الحق المطابق للشرع المبين لانه كان مأخوذاً من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۳۵ *»

الأنبياء و المرسلين و لم‌تلعب به ايدي اصحاب الآراء من المشائين و الاشراقيين و هو الذي يصدقه قوله تعالي و من كل شيء‌ خلقنا زوجين و قول الرضا7 ان الله لم‌يخلق شيئاً فرداً و قول الحكماء: «كل ممكن زوج تركيبي». و دليل هذا القول من العقل ايضاً واضح لان كل اثر له جهتان جهة الي ربه و هو الوجود و جهة الي نفسه و هو الماهية و لاتقوم شيء الا بهاتين الجهتين و هاتان اللتان يعبر عنهما بالمادة‌ و الصورة و ذلك انه معلوم ان جهة الشيء الي ربه جهة بساطته و وحدته و كماله و قوامه لأن ذلك آية الرب في المخلوق و هو الوجود المشاع في كل المتصاقعات و جهته الي نفسه و هي جهة تركيبه و كثرته و نقصه و لايجوز غير ذلك فيكون لكم الذكر و له الانثي فيكون قسمة ضيزي و وجه ذلك ظاهر ان كل اثنين في صقع واحد فانما يشتركان في الوجود اقلاً و يمتازان في الصورة فوجودهما جهة الوحدة و البساطة و عدم التركيب و صورتهما هي جهة‌ التركيب و تكثرهما فاذاً كل واحد مركب من وجود و ماهية و جهته الي ربه لابد و ان‌يكون وجوده لانه جهة وحدته و جهته الي نفسه لابد و ان‌يكون صورته لانه جهة نقصه و كثرته.

بقي الكلام بعد توضيح الاقوال في المقام في قولكم هل الماهية مجعولة بالذات ام لا فلااظن ان‌يكون بعد ما شرحنا آنفاً و هنا اشكال في المقام الا انا نشرحه هنا ايضاً فان لكل مسألة جواب.

اعلم ان بعد ما كررنا و رددنا القول قد ظهر للناظر الخبير و الناقد البصير ان الماهية هي مقام القابلية و الانفعال و لم‌يتعلق بها غرض الله سبحانه من الخلقة اولاً و بالذات و انما تعلق بها الغرض لاجل استمساك الوجود و ظهوره اذ هي انفعال و اثر للوجود و الاثر لايساوق المؤثر فيما له لذاته و لايتقدم عليه و هي صورة الوجود و صفته و الصورة عرض فكيف يكون مجعولاً لذاته كالوجود و بيان ذلك علي سبيل الاجمال و عدم اطالة المقال ان الشيء مركب من مادة و هي الاب و من صورة و هي الام و بذلك ورد الاثر عن الصادق7 ان الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۳۶ *»

خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة. و انت تعلم ان مدخول «من» في مقامات الحكمة لبيان المادة كماتقول: «صغت الخاتم من فضة» و كماقال في تفسير قول النبي9 اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله اي النور الذي خلق منه فالنور مادة المؤمن و ابوه و الرحمة صبغه و صورته و امه فالصورة زوج المادة و قد نكحتها و زوجتها فولد منهما الشيء و قد قرأت قوله تعالي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها فالمرأة مخلوقة من نفس الرجل كمابينا ان الماهية مخلوقة من نفس الوجود و نفس الشيء هي ضلعه الأيسر كما ان عقله ضلعه الأيمن و انت تعلم ان المرأة ليست مخلوقة بالذات و انما خلقت لان‌يسكن اليها زوجها و يستريح اليها و يستأنس بها و المخلوق بالذات انما هو الرجل قال الله تعالي و من آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجاً لتسكنوا اليها و جعل بينكم مودةً و رحمةً. فخلقة الزوج لان‌يسكن اليها الرجل لا غير و وجودها متأخر عن وجود الرجل و قد علم اولواالألباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا. فخلقة الماهية من نفس الوجود و بعده لان يسكن اليها الوجود لا لنفسها فكيف يمكن ان‌يكون مجعولاً بالذات من وجوده لاجل سكون الغير و استمساكه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئاً و هو حسير و فيما ذكرنا هنا و آنفاً من الادلة العقلية المؤيدة بالكتاب و الاخبار المعصومية كفاية لاهل الدراية و الله خليفتي عليك و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لاحول و لاقوة الا بالله العلي العظيم قد كتبه العبد الاثيم كريم بن ابرهيم امتثالاً لامر الجليل الكريم الذي افتتحنا بذكره الكتاب.

و قد فرغ من تسويده مصنفه و كاتبه في عصر يوم الاربعاء لاربعة‌عشر خلون من شهر شعبان المعظم من سنة ستين من المأة الثالثة‌عشر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد ۴ صفحه ۴۳۷ *»

حامداً مصلياً مستغفراً تمت.

([1]) ان‌يقولوا ظ