04-03-01 جوامع الکلم المجلد الرابع – شرح العرشية الجزء الثالث ـ مقابله – القسم الاول

شرح العرشية الجزء الثالث – القسم الاول

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 588 *»

بِسمِ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
الحمد للّه رب العالمين و الصلوة و السلام علي محمد و اله الطّاهرين .
و بعد قال العبد المسكين احمد ابن زين‌الدّين الأحسائي هذا الجزؤ الثالث من شرح العرشية لصدرالدّين الشيرازي الشهير بملا صدرا .

قال } قاعدة في النّفختين قال اللّه تعالي و نفخ في الصور فصعق من في السّموات الأية ، و اعلم ان النفخة نفختان نفخة تطفئ النار و نفخة تشعلها و الصور بسكون الواو و قرء بفتحها ايضاً جمع الصّورة و لما سئل النبي صلي الله عليه و اله عن الصور ما هو فقال هو قرن من نور التقمه اسرافيل فوصف بالسّعة و الضّيق و اختلف في ان اعلاه اوسع و اسفله اضيق او بالعكس و لكلّ منهما وجه فاذا تهيأت الصور كانت فتيلة استعدادها كالفحم للاشتعال بالنار الّتي كمنت فيها فتبرز بالنّفخ و الصور البرزخيّة مشتعلة بالارواح الّتي فيها فينفخ اسرافيل نفخة واحدة فتمرّ بها فتطفئها و تمرّ النفخة الّتي يليها و هي الثانية علي تلك الصور المستعدة لأرواحها كالسّراج للاشتعال بل الاستينار فاذا هم قيام ينظرون و اشرقت الأرض بنور ربّها فتقوم تلك الصور احياءً ناطقة فمن ناطق الحمد لله الذي احيانا بعد ما اماتنا و اليه النشور و من ناطق يقول من بعثنا من مرقدنا هذا و كل ينطق بحسب عمله و حاله { .
اقول قوله و اعلم انّ النفخة نفختان نفخة تطفي النار و نفخة تشعلها في الجملة و علي الظاهر صحيح و اما علي التحقيق فهو كلام من لايتصور ذلك فان النفختين مختلفان في الانبعاث و ذلك لان نفخة الصعق نفخة جذب بان يجذب النفس بفتح الفاء الي الجوف و اسرافيل عليه السلام ينفخ في نفخة الصّعق و هي النفخة الاولي نفخة جذب فتنجذب الأرواح الي الصور و تدخل كل روح في ثقبتها و تتفكّك اركانها و تبطل تركيبها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 589 *»

حديث الأعرابي في وصف النفس الحيوانية و نفخة الفزع و البعث نفخة دفع بان يدفع النفس من الجوف الي الفضاۤء فاذا نفخ اسرافيل عليه السلام نفخة الدفع و هي النفخة الثانية فتمر الحقيقة الاولي التي هي حقيقة العبد من ربه و هي النور و الفؤاد و الوجود الذي هو المادة علي العقل في خزانته و هو نايم تحت ظل الشجرة البيضاء فيتعلق بها ثم علي النفس و هي نائمة تحت ظل الشجرة الخضراۤءِ فتتعلق بها ثم علي الطبيعة و هي نائمة تحت قبة الياقوت فتتعلق بها ثمّ علي الهباۤء الجَوهري و هو نائم في هواۤء الجعل فيتعلق بها ثمّ علي الصّورة في الاظلة الشبحيّة فتتعلق بها فتنزل بما تعلّق بها الي طينة الشخص المستديرة في قبره و هي مادة جسده الذي كان في الدنيا المصوّرة بمقتضي صور اعماله فتلبسها ثمّ ينشق التّراب من قبره فاذا هم قيام ينْظرون و اقول و يحتمل ان يكون مراد من قالَ في تمثيله ان النفخة نفختانِ نفخة تُطفِئ النّار و نفخة تشعلها هو ما ذكرنا و ان كان بعيداً لان قوْله تطفِئ النار و قوله فينفخ اسرافيل نفخة واحدة فتمرّ عليها فَتُطفِئُها يشعر بفناۤءِ الارواح و ليس كذلك و انما الاجساد و الارواح باقية نعم هي متفكِّكة الاعضاۤء و الاجزاۤء بين النفختين مدة اربعمائة سنة و فيها تبطل حركتها و تركيبها فاذا نفخ الثانية تركبت و حييت و قوله و الصور بسكون الواو و قُرئ بفتحها ايضاً جمع الصورة فالمراد بالصور بسكون الواو قلب الانسان الكبير و هو المنفوخ به لان النفخة تقع اوّلاً فيه و لذا قيل نفخ في الصور و تخرج منه علي الارواح و بفتح الواو جمع الصّورة و هو المنفوخ فيه اَوْ لَهُ و لمّا سُئِل النبي صلي الله عليه و اله عن الصور ما هو فقال هو قرن من نور التقمه اسرافيل (ع‌) و لمّا قام الدليل كما مرّ عن الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هُناك لايكون الّا بما هيهنا ه‍ ، و كذا عن اباۤئه عليهم السلام و ثبتَ ان الصور بسكون الواو قلب الانسان الكبير

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 590 *»

دلّ علي اَنَّ هيئته كهيئة قلب الانسان الصغير لانّه في كلّ شي‌ءٍ مثله فيكون هيئة الصور كالجسم الصنوبري الذي في صدر الانسان هكذا قال فوصف بالسعة و الضيق نعم كما مثّلنا و قوله و اختلف في ان اعلاه اوسع و اسفله اضيق او بالعكس و لكل منهما وجه و اقول اما ذكر مجرّد الاعلي و الاسفل فله وجه بالاعتبار و بعد ارادة الاعلي مثلا بالمختوم كما تري فهو اوسع باطنا و اضيق ظاهراً لانّه اخر القلب و خزانته و امّا الشعبتان فهما الاُذُنَانِ اي اُذُنا القلب اليمني الي جهة اهل السموات و اهل الحجب و اليسري الي جهة اهل الارض و يبتدئ خروج الصوت في نفخة الجذب من الايسر الذي يلي الارضَ لانّه في النّفخة الاولي قبل الدنيا في نفخة البدءِ كان من العليا قبل السفلي لان نفخة الجذب في العَود فتكون بعكس الترتيب في ذلك فافهم و كذلك في النفخة الثانية نفخة البعث الابتداۤء بالعليا قبل السّفلي لانها و ان كانت من العَود الّا انّها بالنسبة الي نفخة الصعق كالبَدْءِ و قوله فاذا تهيّأت الصُّوَرُ كانت فتيلة استعدادِها كالفحم للاشتعال بالنار الّتي كمنت فيها يريد به انّ الصور التي هي المعادة مستعدّة للحيوة كاستعداد السنبلة للحبّة الكامنة فيها و كاستعداد الفحم للاشتعال بما كمن فيه من النّار عند النفخ عليها فان النار المشتعلة في الفحم اذا مرّ بها النفخ طفأها و اذا كان في الفحم نار غير مشتعلة فمرّ بها النفخ اشتعل و من التمثيل يستفاد انّه يري ان الرّوح كامنة في الصورة و يدلّ عليه قوله و الصور البرزخيّة مشتعلة بالارواح الّتي فيها فيلزمه ان جعل الصورة في قبره ان تكون امّا انها قاۤئمة بماۤدّة اوْ لا فان

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 591 *»

كانت قاۤئمة بماۤدة فامّا ان تكون هي ماۤدتها في الدنيا كما نقوله و يلزمه خلاف قوله او غيرها و يلزمه خلاف ما دلّ عليه الكتاب و السنّة و ان كانت قاۤئمة بغير ماۤدّة خلاف المعقول لانّ الصورة عرض لايقوم بدون معروضٍ و ان كانت ليست في قبره فامّا ان تكون قاۤئمة بروحها كما هو ظاهر قوله التي كمنت فيها و قوله و الصور البرزخية مشتَعِلة بالارواح التي فيها و يلزمه خلوّ الارض منهم اصلاً و هو خلاف الكتاب و السنة او بغير روحها و هو خلاف المعقول فلايصح شي‌ء من قوله اذ لايخرج عن هذه الاحتمالات فان قلتَ فاذا ابطلتَ جميع الشقوق فما قولك الذي تصحّحه

في كيفيّة الاحياۤء قلت ما رواه علي بن ابرٰهيم في تفسيره عن علي بن الحسين عليهما السلام قال سئل ساۤئل عن النفختين كم بينهما قال ما شاۤء اللّه فقيل له فاخبرني يا ابن رسول الله (ص‌) كيف ينفخ فيه فقال امّا النفخة الاولي فان الله يأمر اسرافيل فيهبط الي الارض و معه الصور و للصور رأس واحد و طرفان بين طرف كل رأسٍ منهما ما بين السماۤء و الارض قال فاذا رأت الملاۤئكة اسرافيل و قد هبط الي الارض و معه الصور قالوا قد اذن الله في موت اهل الارض و في موت اهل السماۤء قال فيهبط اسرافيل بحظيرة بيت‌المقدس و هو مستقبل الكعبة فاذا رأوه اهل الارض قالوا قد اذن اللّه في موت اهل الارض قال فينفخ فيه نفخة فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الارض فلايبقي في الارض ذو رُوحٍ الّا صعق و مات و يخرج الصوت من الطرف الذي يلي السماۤء فلايبقي ذو رُوحٍ في السموات الّا صعق و مات الّا اسرافيل فيمكث في ذلك ما شاۤء اللّه قال فيقول الله لاسرافيْل يا اسرافيْل مُت فيموت اسرافيل فيمكثون في ذلك ما شاۤء الله ثم يأمر السموات فتمور و يأمر الجبال فتسير و هو قوله يوم تمور السماۤء موراً و تسير الجبال سيراً يعني تبسط و تبدّل الارض غير الارض يعني بارض لم‌تكتسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال و لا نبات كما دحاها اوّل مرّة و يعيد عرشه علي الماۤء كما كان اول مرّة مستقلّا بعظمته و قدرته قال فعند ذلك ينادي الجبّار بصوتٍ من قبله جَهْوري يسمع اقطار السموات و الارضين لمن الملك اليوم فلايجيبه مجيبٌ فعند ذلك

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 592 *»

يقول الجبّار عز و جل مجيباً لنفسه لله الواحد القهّار و انا قهرتُ الخلاۤئق كلهم و اَمتّهم اني انا الله لا اله الا انا وحدي لا شريك لي و لا وزير و انا خلقتُ الخلق بيدي و انا امتّهم بمشيّتي و انا احييهم بقدرتي قال فينفخ الجبار نفخة اخري في الصور فيخرج الصوت من احد الطرفين الذي يلي السموات فلايبقي في السموات احد الّا حيِيَ و قام كما كان و تعود حملة العرش و يحضر الجنّة و النار و يحشر الخلاۤئق للحساب قال الراوي فرأيت علي بن الحسين عليهما السلام يبكي عند ذلك بكاۤء شديداً و عن الصادق عليه السلام اذا اراد اللّه ان يبعث الخلق امطر السماۤء علي الارض اربعين صباحاً فاجتمعت الاوصال و نبتت اللحوم و قال (ع‌) اتي جبرئل عليه السلام رسول الله صلي اللهُ عليه و اله فاخذ بيده فاخرجه الي البقيع فانتهي به الي قبر فصوّت بصاحبه فقال قم باذن اللّه فخرج منه رجل ابيض الرأس و اللحية يمسح التراب عن رأسه و هو يقول الحمد للّه و الله اكبر فقال جبرئل عُد باذنِ اللهِ ثم انتهي به الي قبر آخر فقال قم باذن اللّه فخرج منه رجل مسودّ الوجه و هو يقول يا حسرتاه يا ثبوراه ثم قال له جبرءيل عد الي ما كنتَ فيه باذن الله عز و جل فقال يا محمد هكذا يحشرون يوم القيمة فالمؤمنون يقولون هذا القول و هؤلاۤء يقولون ما تري ه‍ ، اقول هكذا كيفيّة الاحياۤء و كيفية الاماتة قبل ذلك و بيان ما اقول انه اذا اراد الله اِماتة الخلق امر اسرافيل فنفخ في الصور نفخة الصعق نفخة جذبٍ و انما قال علي بن الحسين عليهما السلام فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الارض لان النفس المجذوب لايحسّ بصوته الّا ما كان خارج القرن فيموت اهل الارض اوّلاً لانهم اخر مَن اُحيي في البدءِ و ذلك في مدة مثل ما اُحْيُوا و مثله باعتبار حياتهم في الدنيا و البرزخ ثم يخرج الصوت بالنفخ كالاوّل من الشعبة اليمني فيموت اهل السماۤء الدنيا في مثل ما مضي و ضعفه و هكذا جميع اهل السموات علي الترتيب ثم ملاۤئكة الحجب و بتلك النفخة نفخة الجذب يرجع كل شي‌ء الي اصله فتبطل المركّبات فتمور السماۤء موراً اي تضطرب يعني يذهب منها ما اخذ لها من غيرها من اعراض الدنيا و البرزخ و يرجع اليها ما

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 593 *»

اخذ منها لساۤئر الحيوانات من النفوس و الاجزاۤء فحينئذ تشتدّ بساطتها فتكون وردة كالدِّهان و تسير الجبال سيراً و تبسط الارض و تبدّل الارض غير الارض كما قلنا في قوله تعالي بدّلناهم جلوداً غيرها و ذلك لانّ الارض خلقت صافية شفّافة فتكثّفت بذنوب بني آدم فاذا صفّيت و لحقت الذنوب و اعراضها باهلها عادت علي صفاۤئها كما خلقت اول مرّة و ليس كما توهمه المصنّف انّ الارض المعادة غير هذه الارض و انما تعاد صورتها و هو غلط و خطأ و لهذا قال علي بن الحسين عليهما السلام يعني بارض لم‌يكتسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال و لا نبات كما دحاها اول مرّة فان قوله عليه السلام كما دحاها اوّل مرّة صريح في ان المعاد هو هذه الارض لانها هي المدحوّة اوّل مرّة و اما قوله عليه السلام لم‌يكتسب عليها الذنوب فيريد بها هذه الكثافة كما قلنا في بدّلناهم جلوداً غيرها و قوله عليه السلام و يعيد عرشه علي الماۤء كما كان اوّل مرّة يريد انه تعالي اذَا ابطل الاشياۤء و فكّكها لم‌يبطل دينه و ذكره و يكون القاۤئم به حينئذٍ الماۤء الذي جعل منه كل شي‌ء حيّ اعني وجهه الذي لايفني كل من عليها فانٍ و يبقي وجه ربّك ذو الجلال و الاكرام و هو محمد و اهل بيته الطاهرون صلي الله عليه و اله فانهم هم الذين عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون هكذا قال جعفر بن محمد عليهما السلام و روي عنهم عليهم السلام انهم هم القاۤئلون بامر اللّه لمن الملك اليوم و انّهم هم المجيبون بقوله للّهِ الواحد القهار

و اعلم انّه اذا نفخ في الصور نفخة الصعق انجذبت كل روحٍ الي ثقبتها كما اشرنا اليه و في الثقبة ست مخازن و منها اخذت اركان الروح فاوّل مخزن تلقي فيه صورتها المثالية و شبحها و في الثاني حصتها الهبائيّة و هي كالحصة المأخوذة من الخشب لعمل السرير قبل تقديره و في الثالث طبيعتها و في الرابع صورتها الجوهرية

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 594 *»

و في الخامس رقيقتها الروحية و في السادس معناها العقلي فاذا نفخ نفخة الاحياۤء و النشور تركبت كما تفكّكت فاذا اراد الله سبحانه النشور امطر ماۤء من صاد و هو بحر من ماۤء تحت العرش راۤئحته كراۤئحة المني و هو ابرد من الثلج و احلي من الشهد و هو الذي توضأ منه رسول الله صلي الله عليه و اله ليلة المعراج فقال له جبرئل ادنُ من صاد فتوضّأ للصلوة امطر علي الارض اربعين صباحاً فيكون وجه الارض بحرا واحداً فتضربه الريح فيتموّج فتجتمع اجزاۤء كل شخصٍ في قبره علي هيئة صورته التي يحشر عليها فتنبت اللحوم كلّ في قبره كما تنبت الكُماة في الارض فاذا نفخ اسْرافيل بامر الله نفخة الاحياۤء تطايرت الارواح و قصدت كل روحٍ جسدَها في قبره فتدخل في الجسد الذي تألّف بعد تصفيته من الاعراض الغريبة فتتّحِدُ به اتّحادَ اشتياقٍ و وفاقٍ فلاتنفكّ عنه ابداً للاتحاد المذكور بعد ازالة الموانع الغريبة و برهانه مذكور في العلم الطبيعي المكتوم و قوله فتقوم تلك الصور مبني علي مذهبه من انّ المعاد انّما هو الصور و امّا المواۤدّ فانها تفني و نحن نقول فتقوم تلك الاجساد التي كانت في الدنيا لابسةً صور اعمالها احياۤءً لِعَوْد ارواحِها اليها التي خرجت منها في دار الدنيا لان هذه الاجساد عاملة مع ارواحها فهي المعادة للثواب و العقاب .
قال } قاعدة في القيامتين الصغري و الكبري اما الاولي فمعلومة لقوله صلي الله عليه و اله من مات فقد قامت قيامته و امّا الكبري فلها ميعاد عند الله لايطّلع عليها الّا هو و الراسخون في العلم و كل ما في القيمة الكبري له نظير في السفلي و مفتاح العلم بيوم القيمة و معاد الخلاۤئق هو معرفة النفس و قواها و منازلها و معارجها و الموت كالولادة و القيامتان الصغري و الكبري كالولادتين الصغري و هي الخروج من بطن الام و مضيق الرحم الي فضاۤء الدنْيا و الكبري هي الخروج من بطن الدنيا و مضيق البدن الي فضاۤء الاخرة ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة { .

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 595 *»

اقول القيامة قيامتان صغري و كبري اما الكبري فهي المعلومة التي تعاد فيها الاَشْياۤء الموجودة في الدّنيا بعد تفرّق اجزاۤئها و اما الصغري فالمسمّاة بالقيمة باعتبار التَّأْويل او المجاز مَنْ امات نفسه كما امره الله فقد قامت قيامته و مارت سماوات حواۤسه الباطنة و سيّرت جبال انّيّاته و شهواته و قامَ قاۤئم عقله حتَّي ملأ ارضَ جسده قسطاً و عدلاً كما مُلِئت جورا و ظلماً و من مات في هذه الدّنيا و خرجت روحه من جسده فقد قامت قيامته كما قال صلي اللّه عليه و اله و عرف ما هو عليه من خير او شرّ و هو قوله تعالي و جاۤءَتْ سكرة الموت بالحقّ اي بما ختم له به من اعماله و هذا المعني يتّجه حمله في طاۤئفتين من الناسِ الاُولي مَن محَض الايمان محضاً فانّ ملك الموت يقول له امّا ما كنتَ تحذرُهُ فقد آمَنكَ اللهُ منه و امّا ما كنتَ ترجوه فقد ادركته ابشر بالسلف الصالح مرافقة رسول الله و علي و فاطمة صلوات الله عليهم و الثانية من محض الكفر و النفاق محضاً فيقول له ملك الموت يا عبد اللّه اخذتَ فكاك رهانك اخذتَ اَمان براۤءتك تمسّكتَ بالعصمة الكبري في الحيوة الدنيا فيقول لا فيقول ابشر يا عدوّ اللّه بسخط الله تعالي و عذابه و النار اما ما كنتَ تحذر فقد نزل بك و امّا الطاۤئفة الثالثة فهم الذين لم‌يمحضوا الايمان من المؤمنين و لا الكفر و النفاق من الكافرين و المنافقين و هؤلاۤء لم‌يأتهم الموت بما هم عليه لانّهم لم‌يتبيّن الهدي من الضلالة فهؤلاۤء يُلهَي عنهم فهم موقوفون لامر اللّهِ فيكون قوله صلّي اللّه عليه و اله محمولا علي اهل البرزخ و هم الطاۤئفتان الاوليان

و للقيمة الصغري اطلاق من حيث المعني و يراد بها قيام القاۤئم (ع‌) من ال‌محمد صلي الله عليه و اله او رجعتهم عليهم السلام الّتي اوّلُها خروج الحسين عليه السلام او مطلق ظهور دولتهم التي اوّلها ظهور قاۤئمهم عليه و عليهم السلام و آخِرُها خروج رسول اللّهِ صلّي اللّه عليه و اله و مما يدلّ علي ذلك حشر كثير من الاموات و من الايات كثير مثل قوله فارتقب يوم تأتي السماۤء بدخان مبين يغشي الناس هذا عذاب اليم انه عند قيام القاۤئم عليه السلام عجّل الله فرجه و سهل مخرجه و اية القيمة الكبري بعد هذه الايات قوله يوم نبطش البطشة الكبري انا منتقمون و القرءان

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 596 *»

فيه كثير و ممّا يدلّ ما روي عن الصادق عليه السلام قال ما معناه ان الّذي يحاسب الناس في الرجعة هو الحسين بن علي عليهما السلام فقيل له و يوم القيمة قال انما في يوم القيمة بَعْثٌ الي الجنّة و بعث الي النار و الحاصل ان اطلاق القيمة علي الرجعة هو المعروف من مذهب اهل البيت عليهم السلام و هو اولي من اطلاقها علي من امات نفسه اوْ مات بخروج روحه من جسده

و قوله و اما القِيٰمةُ الكبري فلها ميعاد عند الله لايطّلع عليها الّا هو و الرّاسخون في العلم فاما انه تعالي مطّلع علي وقت قيامها فمما لا شكّ فيه و امّا الراسخون في العلم فالامور المحتومة يعلمونها و التوقيت بالتّعيين لتلك المعلومة المحتومة موقوف علي التّعيين و تعيين القيامة الكبري فيها خلاف فقيل بعدمه لقوله تعالي و ما يدريك لعلّ الساعة تكون قريبا و قد نصّ كثير من المفسّرين بانّ ما في القرءان من و ما ادريٰك فقد اخبر به و ما فيه و ما يدريك فانّه لم‌يُخْبر به و لقوله تعالي يسئلونك عن الساعة ايّان مرسيها فيم انت مِن ذكريٰها انما انت منذرُ من يخشيها و قوله تعالي قل انما علمها عند ربّي لايجلّيها لوقتها الّا هو ثقلت في السموات و الارض لاتأتيكم الّا بغتة و امثال ذلك و قيل باطِّلاعهم عليهم السلام لعموم الاخبار الدّاۤلّة علي ان اللّه تعالي اعلمهم بما كان و ما يكون و الّذي يترجّح عندي الاوّل بمعني انّ الادلّة علي الاِخبار بها ليست صريحة في التوقيت علي جهة التعيين و لو وجد فيها ما يدلّ علي ذلك لم‌يكن علي جهة الحتم و كون الاعلام بالتوقيت علي جهة الحتم فيما لم‌يقع بعيدٌ نادر الوقوع بل كان حالُ المُعَلَّمين به يقتضي عدمَ الحتمِ فيْما لم‌يقع كما دلّت عليه الاخبار مثل قول علي عليه السلام لميثم التمّار لولا اية في كتاب اللّه و هو قوله يمحو اللّه ما يشاۤء و يثبت لاخبرتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة و هو السّرّ في اخبار العلماۤء الراسخين الذين اخبرهم سبحانه انهم ملاقوه غداً اخبر عنهم انهم يظنون انهم ملاقوا ربّهِم مع انهم يتيقّنون و لكنهم تأدّبوا لعلمهم بربّهم انه تعالي لو شاۤء لحجبهم عنه فقال الذين يظنون فاتي بلفظ الظنّ جمعاً بين صدق وعده و مقتضي تسلّطه فانه يمحو ما يشاۤء و يثبت و عنده امّ الكتاب

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 597 *»

و قوله و كلّ ما في الكبري له نظِير في السفلي ( الصغري ن ) ظاهر لان ما في الصّغري كالبذر لما في الكبري اذ ليس في الصغري الّا ما نزل من الخزاۤئن و كلّ شي‌ء يعود الي اصله و ممّا يدل علي ذلك قول الباقر عليه السلام لمّا سأله عالم النصاري فقال من اين ادّعيتم ان اهل الجنّة يطعمون و يشربون و لايحدثون و لايبولون و ما الدليل فيما تدعونه من شاهدٍ لايجهل قال جعفر عليه السلام فقال ابي عليه السلام دليلُ ما ندّعي من شاهدٍ لايجهل الجنين في بطن امّه يطعم و لايحدث ه‍ ، فقد اشار بكلامه الي انّ ما هنالك فنظيره و مثاله و دليله هنا حتّي انهم قالوا انّ دليل ان نهر الخير في الجنّة ينبت علي حافتَيْهِ اَشجار يحملن بنِساۤء متعلقاتٍ بشعور رؤسهنَّ اَنّ نظير ذلك موجود في جزيرة الوَقواق كما هو متحقّق عند اهل التواريخ و من شاهد ذلك من التّجار و قال عليه السلام الدنيا مزرعة الاخرة و قول الرضا عليه السلام المتقدّم و قوله و مفتاح العلم بيوم القيمة و معاد الخلاۤئق هو معرفة النفس و قواها و منازلها يريد به ان معرفة يوم القيمة و كيفيّة المعاد هو معرفة النفس الخ ، صحيح علي غير مراده لان معرفة النفس لاتكون عِلْما صحيحا الّا اذا كانت مأخوذة عن الهادين عليهم السلام و لو كانَتْ عَلَي نحوِ معرفته للنفس للزم منها انكار المعاد الجسماني كما هو المتيقّن من كلامه لانه يقول بعدم اعادة مواۤد اجسام الخلاۤئق و انما تعاد صورها و نفوسها و هذا عنده من معرفة النفس فايّ دلالة تدلّ بها معرفة النفس علي هذا و هو يشير الي ما قرّر من الاصول السبعة و القواعد التي ذكرها و قد تقدّم الكلام علي بطلان كلّها و قوله و الموت كالولادة الخ ، هذا من معرفة النفس عنده التي يستدلّ بها علي معرفة يوم القيمة و المعاد و اعلم ان الموت في الدنيا و ان كان دليلا علي نمط ما يستدلّ به الهداة عليهم السلام الّا انه لايهتدي اليه كل ناظر بعين غيرهم عليهم السلام لان الموت في الدنيا في قوس الصعود و هو قوس القيامة و المعاد و القاعدة عندهم ان يستدل بما في قوس النزول علي مقابله مما في قوس الصعود نعم علي نمط استدلال موالينا عليهم السلام الولادة ( كما روي عن

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 598 *»

اميرالمؤمنين عليه السلام ) ولادتان ولادة الجسمانية و ولادة الدنيوية فالاولي تظهر فيها النفس الحيوانية من غيب النباتيّة و الثانية تظهر فيها الناطقة من غيب الحيوانيّة فالولادة الاولي فيها تخرج النفس من الجسم و هي اية الموت من هذه الدنيا التي تخرج فيها النفس من الجسم و الولادة الثانية فيها تخرج النفس الناطقة من النفس الحيوانية و هي اية خروج النفس الناطقة من النفس البرزخية و سكرة النفس الحيوانية حال الولادة الجسمانية كسكرة الموت حال خروج النفس من البدن بالموت في الدنيا و سكرة النفس الناطقة حال الولادة الدنيوية و خروجها من النفس الحيوانية كسكرة النفس الناطقة من النفس البرزخيّة بين النفختين و صحو النفس الحيوانية و انتباهتها بعد الولادة الجسمانية كصحو النفس الناطقة و انتباهتها بعد الموت في هذه الدنيا و خروجها من البدن و من الدنيا و صحو النفس الناطقة و انتباهتها بعد الولادة الدنيوية كصحوها و انتباهتها بعد الخروج من البرزخيّة بعد النفختين فهنا وِلادتان للدنيا و ولادتانِ للٰاخرة فما في الدنيا مثال ما في الاخرة و دليله فالخروج من الولادة الجسمانية بتخلّص النفس الحيوانية من مضيق الاجسام و ممازجتها آية الخروج من الدنيا بتخلص النفس الناطقة من مضيق الدنيا و سجنها و مضيق الابدان الكثيفة و تعلّقها و الخروج من الولادة الدنيوية بتخلّص الناطقة من مضيق الحيوانيّة و تعلّقها بكثافات شهواتها و دواعيها آية الخروج من البرزخيّة بتخلّصها من جميع الاعراض الغريبة و قوله ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفس واحدة ، يشير الي الاستدلال بالاية الشريفة علي قاعدة مقرّرة لايختلف فيها العارفون و هي ان الصانع عز و جل واحد و الصنع واحد و المصنوع واحد بنمطٍ واحد و انما تتعددت المصنوعات و اختلفت و تعاقبت بحيث تقدّم بعضها علي بَعْضٍ و تفاضلت باختلافِ قوابلها و متمّماتها كالكم و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و كالوضع و الاذن و الاجل و الكتاب و كالنسب و التّضايف و غير ذلك من اشتراط كلّ واحدٍ منها

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 599 *»

بكل واحدٍ منها و هذا ظاهر مشاهد عند اهل العلم ليس فيه بينهم اختلاف .
قال } فمن اراد ان يعرف معني القيمة الكبري و رجوع الكل اليه تعالي و عروج الملاۤئكة و الروح اليه في يوم كان مقداره خمسين‌الف سنةٍ و ظهور الحقّ بالوحدة التّامّة و فناۤء الجميع حتي الافلاك و الاملاك كما قال فصعق من في السموات و من في الارض الّا من شاۤء الله و هم الّذين سبقَتْ لهم القيمة الكبري فليتأمّل الاصول التي بسطناها في الكتب و الرساۤئل سيّما ما في رسالة الحدوث و مَن امكن له ان يعرف كيفيّة حدوث العالم بجميع اجزاۤئه بعد ما لم‌يكن بعديّةً زمانيّةً من غير ان ينقدح به شي‌ء من الاصول العقليّة و لا ان ينثلم به تنزيه الله و صفاته الحقيقيّة عن وصمة التغيّر و التّكثر فقد امكن له اَن يعرف خراب العالم و ما فيه و زواله و اضمحلاله بالكليّة و رجوعها اليه من انكر هذا فلانّه لم‌يصل الي هذا المقام و لم‌يذق هذا المشرب بذوق العيان او بوسيلة البرهان او لانه مغرور بعقله الناقص او لضعف ايمانه بما جاۤء به الانبياۤء عليهم السلام { .
اقول يريد ان الله سبحانه كان وحده ثم انه افاض من ذاته الاشياۤء فيكون قبل القيمة وحده بمعني انّه قد تقرّر انّ كلّ شي‌ء يرجع الي اصله و هو تعالي اصل الاشياۤءِ فترجع اليه فكما كانت وحدته في الازل قد طوت كل كثرةٍ كذلك بعد نفخ الصور النفخة الاولي بل بعد الموت في كثير من الاشياۤء تفني كثرتها في وحدته تعالي و ذلك عند عروج الملاۤئكة و الروح اليه في يومٍ كان مقداره خمسين‌الف سنة و مرادهُ ان الملائكة تعرج اليه و الروح فتفني تشخّصاتها في وحدته و كأنه يريد بقوله في يوم كانَ مقداره خمسين‌الف سنة فلعلّه يعني بذلك بين النفختين و ما قبلها لان ما بيْن النفختين عندهم اربعون سنة و عندنا اربعمائة سنة بقرينة قوله و ظهور الحق بالوحدة التاۤمّة و فناۤء الخلق حتي الافلاك و الاملاك ثم استشهد بالاية فقال كما قال فصعق من في السموات و من في الارض الّا من شاۤء اللّه فذكر يوم الفناۤء و الاتحاد بربّ العباد سبحانه بانّه اليوم الّذي كان مقدارهُ خمسين‌الف سنة فخالف ظاهرَ القرءان و باطنه و تأويلهُ لانّ الله سبحانه يخاطب الارض بعد فناۤء الخلق بما معناه يَا اَرْضُ اَيْنَ ساكنُوكِ اين

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 600 *»

المتكبِّرون اَيْنَ من اكل رزقي و عبد غيري لمن الملك اليوم فلايجيبه احد فيردّ علي نفسه فيقول للّه الواحد القهار فَاَيْن الوحدة التّاۤمّة و السّماۤء الذي يمور غير الجبال التي تسير و غير الارض التي خاطَبها بعد فناۤء كل ذي روح اذ ليس المراد بالفناۤء و الهلاك العدم الحقيقي او اتّحاد المفعولات بفاعلها كما يريده المصنّف من قوله و رجوعها اليه و انّما المراد بالفناۤء و الهلاك تفكّك تراكيبها و بطلان افعالها و حركاتها و المراد برجوعها اليه رجوع احكامها و ما يناط بها وَ تناط به الي حكم قَدَرِه۪ و قضاۤئِه۪ بامرِه و قوله و هم الذين سبقت لهم القيمة الكبري يعني به انّ الذين استثناهم اللّه من الذين صعقوا ممّن في الارض و الارض الارواح القادسة و هو يريد بالغير الصاعق من كان متّحداً بالحق تعالي فانه باق ببقاۤءِ اللّه لا بابقاۤئه لانه تعالي ح لايفيض شيئا و يلزمه ما ذكرناه مراراً مكرّرا من وجود شي‌ء قاۤئم بغير مددٍ من اللّه فهو غنيّ عن مدده تعالي و انه تعالي مختلف الحالات لانه في هذه الحالة ما كان فيّاضاً و قبلها كانَ فيّاضاً و نريد نحن بالمُسْتَثْنَيْنَ ظاهراً جبريل و ميكاۤئيل و اسرافيل و عزراۤئيل فانهم لايصعقون بالنفخة و انما يأمر اللّه عزراۤئيل فيقبض روح ميكاۤئيل و اسرافيل و في جبرءيل روايتانِ احديهما ان عزراۤئيل يقبض روحه و ثانيتهما انّ الله تعالي يقبض روحه و يقول تعالي لعزراۤئيل مُت فيموت فكان استثناۤؤهم انما هو في الظاهر و امّا المستثنون الَّذ۪ينَ لَمْ‌يَصْعَقُوا ابداً و انّما نفخة الصعق في الحقيقةِ من آيٰاتهم و هم محمد و اله الطيبون صلّي الله عليه و اله الطيبين لانهم وجه اللّه الباقي فعن السجاد عليه السلام في قوله كل من عليها فانٍ و يبقي وجه ربّك نحن وجه اللّه الذي يؤتي و في المناقب عن الصادق عليه السلام و يبقي وجه ربّك قال نحن وجه اللّه و قد ذكرنا في شرح الزيارة الجامع ما يدلّ علي انّهم وجه اللّه الذي لايفني و منه قول علي عليه السلام انّ ميتنا اذا مات لم‌يمُتْ و انّ مقتولَنا اذا قُتِل لم‌يُقْتَلْ ه‍ ، و اضربُ لك مثلاً تعرف منه دليلاً قطعيّاً و هو اني اقول لك نفخة الصور حادثة مخلوقة للّهِ بل الصور و النافخ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 601 *»

فيه كذلك فايّما اقرب الي اللّه تعالي و اقوي و اشدّ تحقّقاً و وجوداً محمد و اله صلي الله عليه و اله او نفخة الصّور فان عرفتَ هذا ظهر لك علي جهة القطع ان النفخة لاتجري علي ذواتهم لانهم عليهم السلام اشدّ و اقوي وجوداً من النفخة و من النّافخ و من كلّ شي‌ءٍ لانهم الوساۤئط بين اللّه تعالي و بين ساۤئر خلقه الذي من جملته النفخة و النافخ و الموت و ملك الموت و اسمع الي قولِ علي عليه السلام في خطبته في يوم اتّفق فيه الجمعة و الغدير علي ما رواه الشيخ في مصباح‌المتهجّد في خطبة يوم الغدير الي ان قال علي عليه السلام و اشهد انّ محمّدا عبده و رسوله استخلصه في القدم علي ساۤئر الامم علي علمٍ منه انفرد عن التشاكل و التَّماثل من ابناۤء الجنس و انتجبه آمِراً و ناهياً عنه اقامَهُ في ساۤئِر عالمِه۪ في الاداۤءِ مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثِّلُه غوامض الظنون في الاسرار لا اله الّا هو الملك الجبّار قرن الاعتراف بنبوّته بالاعترافِ بلاهوتيّته و اختصّه من تكرمته بما لم‌يلحقه احدٌ من بريّتِه۪ فهو اهل ذلك بخاۤصّته و خلّتِه۪ اذ لايختصّ من يَشوبُه التغيير و لايُخالِلُ مَن يلحقه التظنينُ و امَر بالصلوة عليه مزيداً في تكرمته و تطريقاً ( و طريقاً خ‌ل ) للداعي الي اجابته فصلّي اللّه عليه و كرّم و شرّفَ و عظّم مزيداً لايلحقه التنفيد و لاينقطع علي التأبيد و ان الله تعالي اختصّ لنفسه۪ من بعد نبيه صلي الله عليه و اله من بريّته خاۤصّة عَلّاهم بتعليته و سما بهم الي رتبته و جعلهم الدعاۤء بالحقِّ اليه و الادلّاۤء بالارشاد عليه لقرنٍ قرنٍ و زمَنٍ زمَنٍ انشأهم في القِدَم قبل كلِّ شي‌ءٍ مذروۤءٍ و مبروۤءٍ انواراً انطقها بتحميده و الهمها شكره و تمجيده و جعلها الحجج علي كل معترفٍ له بمَلكَةِ الربوبيّة و سلطان العبوديّة و استنطق بها الخرسات بانواع اللغات بخوعاً له بانه فاطر الارضين و السموات و اشهدهم خلق خلقهِ و ولّاهم ما شاۤء من امره و جعلهم تراجمة مشيّته و اَلْسُنَ ارادته عبيداً لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون الخطبة ،

و المراد بالقدم في حقّه و في حقّ آله صلّي اللّه عليه و اله القدم الراجح الامكاني اي القدم

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 602 *»

الفعلي السرمدي لا القدم الواجب الحق عز و جلّ فتدبّر هذه الخطبة الشريفة و تفهّم كلامه عليه السلام ليَظْهر لك انّه و اله صلّي الله عليه و اله لايدركهم ما انحطّ عن مقامهم كالموت و القتل و الصعق و ان جرَتْ علي ظواهرهم التي بها ظهروا في الخلق فافهم ما لوّحْتُ لك و صرّحتُ و قوله فليتأمل الاصول التي بسطناها في الكتبِ و الرساۤئل يعني بها مثل ما قدّم من الاصول السبعة و غيرها و قد سمعتَ ما يرد عليها و ما لم‌تسمع و انّما ايٰاتُ ذلك ما ضربه اللّه من الامثال في الافاق و في الانفس و ذلك مثل قوله تعالي و انزلنا من السّماۤء ماۤء مباركا فانبتنا به جناتٍ و حبّ الحصيد و النخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد و احْيَيْنا به بلدةً ميْتاً كذلك الخروج و قوله تعالي فاحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور و معلوم انّ الّذي ينبت بالمطر انما هو بذر النبات الذي كان في العام الماضي بعد اَنْ يَبِسَ وقع بذره في التراب فلمّا وقع عليه المطر خرج ذلك النبات من ذلك البذر الّذي هو الماۤدة و الصورة ذهبت و صوّره القادر تعالي علي تلك الصّورة و ليس المُعَاد هو الصورة بل المُعاد هو فان قلتَ انه لم‌يرد بالصورة الّا الصورة النوعية كما صرح به في الاصول في العرشية و في كتابه المبدء و المعاد و ظاهر كلامك انّك تريد الصورة الظاهرة الشخصيّة فلم‌يكن رَدُّك عليه في محلّه قلتُ انّ المعني لايختلف فان قوله ان المعاد هو الصورة النوعية مثل ما لو قال ان المعاد من الانسان هو اللحم سواۤء كان متولدا من الفاكهة ام من غيرها بمعني ان لحم زيد لو تولد من الرمان المخصوص يعاد له لحم و ان كان متولّدا من العلف لان المراد انه يحصل له لحم يتقوم به و نحن نقول يعاد ذلك اللحم المخصوص في الدنيا المتولد من ذلك الرمّان لا كلّ لحمٍ و لا كل رمّان فانه يصدق عليه اذا لم‌يكن من ذلك الرمان المخصوص انه لم‌يعد هو و انما اعيد غيره و هذا ظاهر ، منه ( اعلي الله مقامه ) .
و قد صرّح تعالي بذلك حيث قال منكروا البعث ائذا كنّا تراباً ذلك رجع بعيد يعنون ان الارض قد اكلت جميع لحومنا و عظامنا فكيف نرجع فبيّن عز و جل انّ ما اكلت الارض محفوظ عندنا فقال قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتابٌ حفيظ و هو صريح في ان المُعَاد هو الماۤدة و القرءان مشحون من ذلك افلايتدبرون القرءان ام علي قلوب اقفالها الم‌يعلموا انّ منكر وقوع الاعادة للمادة الموجودة في الدنيا منكر للبعث تارك لنصّ المعيد سبحانه

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 603 *»

و اِخباره في كتابه و لسنّة نبيه صلي الله عليه و اله و تابع لاصحاب الاراۤء السخيفة التجاۤءً الي انّها قد فَنِيَتْ و كانت تراباً و حجّة اللّه جعفر بن محمد عليهما السلام قد نصّ علي انّ طينته تبقي في قبره مستديرة حتي يعادَ منها كما بدأهُ و انّها كبُرادَةِ الذهب في التراب اذا غسلت و صُفِّيت عاد الذهب الاوّل بعينه و الله عز و جل يقول في كتابه المهجور و انّ الله يبعث من في القبور فليت شعري هل يريدون بمن في القبور الصُّوَر و ايّ صورةٍ بقيت في القبور و لكنهم بنوا علومهم و اعتقاداتهم علي عدم الالتفات الي الكتاب و السنة و انما علومهم مبنية علي ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فيهم و في امثالهم ذهب مَن ذهب الي غيرنا الي عيونٍ كدرة يفرغ بعضها في بعضٍ ه‍ ، و الله سبحانه ماترك شيئا الّا دل عليه في كتابه و كيفيّة حدوث العالم هي بعينها كيفيّة حدوث الناس ،
اتحسب انّك جرم صغير       ** * **      و فيك انطوي العالم الاكبر
و هو تعالي قال يا ايها الناس ان كنتم في ريبٍ من البعث فانا خلقناكم من ترابٍ ثم من نطفة ثم من علقةٍ ثم من مضغةٍ مخلّقةٍ و غير مخلّقةٍ لِنبيّن لكم و قال تعالي كما بدأكم تعودون و ذلك لان الطينة الاصليّة الّتي هي الماۤدة كانت ترابا فامتزجتْ بالماۤء النازل من بحر صاد كما ذكرنا و انّ راۤئحته راۤئحة المني فتتكوّن منهما النطفة ثم العلقة الي اخر اطواره حتّي تضع الارض حملها ممّا فيها من الاموات و لهذا فسّر كثير من المفسرين انّ قوله تعالي و تضع كلّ ذاتِ حملٍ حملها يراد من ذات حملٍ الارض او بقاع الارض فانّ الاَرْضَ عند النفخة تلقي ما فيها من الاموات المقبورة فيها و هو قوله تعالي و اذا الارض مدّت و اَلْقَتْ ما فيها و تخلّت ، و قوله بعد ما لم‌يكن بعديّة زمانيّة و هذا غير صحيح لان اجزاۤء العالم لم‌تكن كلها زمانيّة اذِ العقول و النفوس ليست زمانية لانها لو كانت زمانية لمااستحضرَتْ ما مضي من الزمان كما انّ الاجسام لاتستحْضر شيئا من الزمان

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 604 *»

الماضي و المصنف صرّح في الكتاب الكبير انّ الزمان ماسبقه الّا اللّه تعالي و صرّح في المشاعر و غيره ان روح القدس لم‌تدخل تحت كن لانها هي كن فنقول له اذا لم‌تدخل تحت كن فهي قديمة و مع هذا لاينكر ان اوّل ما خلق اللّه العقل و العقل ان ارادَ به روح القدس فهو مخلوق و ان اراد به الروح الكلّيّة فهي مخلوقة هذا و قد ذكر في شرح اصول الكافي انّ العقل بل ساۤئر المجردات خلقها من نور ذاته بغير توسط شي‌ء بل يفهم من كلامه ايضا بغير اختيار لانه قال و لكن ايجاده تعالي للثابتات بنفس ذاته بلا وسط و للمتغيّرات بواسطة العرش الذي هو واسطة فيض الرحمن و البرزخ بين عالمي الامر و الخلق ثم قال بعد كلام طويل فنقول جميع ما يصدر منه في الاشياۤء الخارجة لا بد ان يكون منشأها و مبدؤها حاصلاً اوّلاً في العرش قبل صدورها و وجودها لان الله تعالي فاعل لها بالارادة و الاختيار و كل فاعلٍ لشي‌ء بالاختيار لا بدّ و ان يتصوّره اوّلاً و لاجل تصوّره اياه يشاۤؤه و يريده انتهي ، و هو طويل هذا بعضه ففهم من قوله في الاشياۤء الخارجة التي احدثها بواسطة انه تعالي فاعل لها بالارادة و الاختيار ان الاشياۤء الغير الخارجة التي احدثها بذاته من غير توسّط شي‌ء انه فاعل لها بغير ارادة و لا اختيار لانها مخلوقة من نور ذاته قال في الشرح المذكور بعد ما ذكرنا عنه من نوره اي خلق العقل خلقاً من نور ذاته الذي هو عين ذاته الي ان قال فان الروحانيين كلهم مخلوقة من نور ذاته و قال في المشاعر ان الارواح القادسة ليست من العالم و لا ممّا سوي الله تعالي و هذا كله يدلّ علي ان المجردات عنده كلها ليست من العالم و لا ممّا سوي اللّه تعالي فاذا قال ان العالم كله في الزمان و انّ الزمان لم‌يسبقه شي‌ء الّا اللّه تعالي لم‌يضرّه كون هذه الاشياۤء خارجة عن الزمان لانها ليست غير اللّه عنده تعالي اللّه عن قوله علوا كبيرا فيكون اعتراضنا علي كلامه ليس عنده في محلّه لانها ليست من العالم و قوله من غير ان ينقدح به شي‌ء من الاصول العقلية يعني بها ما تقدّم و نحن قد بيّنّا بطلانها كلها و اثبتنا القدح فيها لكنه عنده لايقدح فيها قدحنا عيباً

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 605 *»

لبناۤء مذهبه علي وحدة الوجود و علي انّ الجوهر يترقّي بنفسه و علي ان الكثرة نقوش و الذات واحدة و امثال ذلك منْ قواعده فاذا قلتَ هو تعالي كلّ الاشياۤء في وحدته لاينثلم به تنزيه الله و توحيده لانك لو لم‌تقل في وحدته منع المصنف منه و لكن اذا قلتَ في وحدته لم‌ينثلم تنزيه الله و تنزيه صفاته و ان كانت مغايرة له و لبعضها بعضاً في المفهوم عن وصمة التغير و التكثر لانك اذا عرفتَ ان الله تعالي مبدأ الاشياۤء منه ظهرت فاذا افناها عاد كل شي‌ء الي اصله فتعود اليه تعالي اذا افني العالم فتنطوي كثرتها في وحدته فيظهر الحق بالوحدة التاۤمّة يقول المصنف اذا عرف العالم بهذا في البدء في القوس النزولي امكن له ان يعرف خراب العالم بعكس نظامه و عوده بعكس بدئه و عرف زوال العالم في العود و اضمحلاله بالكلية و رجوع الاشياۤء كلها اليه تعالي لانها قبل بروزها كانت كامنة في ذاته كما قال الملّا محسن في الكلمات المكنونة بان العالم كان كامناً فيه لكنه مستعد لقبول الكون اذا ورد عليه الامر بكن قال و لمّا امر تعلّقت ارادة الموجد بذلك و اتصل في رأي العين امره ظهر الكون الكامن فيه بالقوة الي الفعل انتهي هذا في البدء فاذا افني العالم في العود رجع الي ما منه تولّد و لذا قال المصنف و رجوعها اليه لا حول و لا قوة الّا بالله و قوله و من انكر هذا فلانه لم‌يصل الي هذا المقام يعني به مقام اتّحاد الاشياۤء به اذا افناها و لم‌يذق هذا المشرب يعني به مشرب الصوفيّة بذوق العيان يعني انه تولّد من نور الحق تعالي الذي هو ذاته لانه يقول ان حقيقة زيد المحسوس صورة علمية عقلية متّحدة بذات عاقلها تعالي و زيد المحسوس شبح لتلك الصورة المتحدة بالعاقل عز و جل ربّي لان الانسان عند المصنف مخلوق علي مثال الخالق اخذ هذا الكلام من الحديث المحرّف و هو ان الله خلق ادم علي صورته و اصل الحديث ان النبي صلي الله عليه و اله سمع رجلا يقول لٰاخر قبّحك اللّه و قبّح من يشبه صورتك فقال صلي الله عليه و اله لاتقل هكذا فان الله خلق ادم علي صورته فحذف المجسّمون اوّل الحديث ابتغاۤء الفتنة و ابتغاۤء تأويله و المصنف حكم بانه تعالي خلق الانسان علي صورته تعالي

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 606 *»

قال في شرح الكافي في شرح حديث العقل و الانسان لكونه مخلوقا علي مثال الله تعالي ذاتاً و صفة و فعلا فروحه الذي هو من امر ربه مثال ذاته و دماغه الذي هو معدن ادراكاته و هو ملكوته الاعلي الذي فوق قلبه هو مثال الروحانيات التي عن ( علي خ‌ل ) يمين العرش و قلبه الذي هو مستقر نفسه مثال عرش الرحمن و صدره مثال الكرسي الخ ، انتهي ، فتدبّر هذا التشبيه الذي هو بيان التوحيد عنده و لاينافي التّنزيه ان نسبة دماغ زيد الي روح زيد كنسبة الروحَانيين الي ذات الحقّ تعالي فشبّه ذات الله تعالي بروح زيد و العقول و الارواح المجردة من ذات الله تعالي بمنزلة الدّماغ من زيد و هذا عنده لاينافي الاصول الّتي قرّرها و هو كذلك و عنده ان هذا لاينافي تنزيه الله و صفاته الذّاتية عن وصمة التغيّر و التكثر و لاينثلم به التوحيد و انّ ذلك ثبت عنده بذوق العيان اي شاهدَها متحقّقة في الكون و انّ من انكر ذلك فلانه امّا لعدم ذوقه لتلك المشاهدة او لم‌يثبت له ذلك بالمقدّماتِ القطعية او انه قد اغترّ بما فهم بعقله الناقص الذي لم‌يتكمل بحكمة ابن‌سيناۤء وَ الفارابي و لا بعلم مميت‌الدين و البسطامي و عبدالكريم الجيلاني و ابن‌عطا العَازمي و لا برابعة العدويّة و امثالهم اوْ انّه شاۤكّ فيما جاۤءَتْ به الانبياۤء عليهم السلام لانه انّما اعتمد عَلَي ما اتَي به محمّد بن عبداللّهِ و اهل بيته صلّي اللّه عليه و اله فانّه مخالف لعلم اولۤئك و حكمتهم فاعتبروا يا اولي الاَبْصٰار .

قال } و من تنوّر بيت قلبه بنور اليقين شاهد تبدّل اجزاۤء العالم و اعيانها و طبايعها و صورها و نفوسها في كل حين الي ان تزول تعيّناتها و تضمحلّ تشخّصاتها و من شاهد حشر جميع القوي الانسانية مع تباينها في الوجود و اختلاف مواضعها في البدن الي ذات واحدة بس۪يطة رُوحٰانيّة حتّي تزول و تضمحل بالكلّيّة و تفني فيها راجعة اليها ثم تنبعث من تلك الذات تارة اخري في القيمة بصُوَرٍ تحتمل الدوام و البقاۤء هان عليه التّصديق برجوع الكلّ الي الواحدِ القهّار ثم صدورها و انشاۤؤها منه تارة اخري من النّشأة الباقية و اعلم انّ النفخة و ان كانت واحدة ضرباً من الوحدة من جانب الحق لاحاطته بجميع ما سواه لٰكنّها

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 607 *»

بالاضافة الي الخلاۤئق متكثّرة حسب كثرتها العدديّة و النوعيّة و غيرهما كما ان الازمنة و الاوقات بالقياس اليه ساعة واحدة ضرباً آخر من الوحدة و الساعة ايضا مأخوذة من السعي لان جميع الاشياۤء الكونية الطبيعيّة ساعية اليها من جهة نحوها من باب الحيوانية ثمّ الانسانيّة و تحقيق هذا المرام يطلب من اهل هذا الكشف بكثرة المراجعة اليهم و طول الصحبة معهم { .
اقول يريد انّ من تنوّر بيت قلبه بنور اليقين المستفاد من طريقة مَن اشرنا اليهم بذكر بعضهم و هم الصوفيّة لانه عيّنهم بقوله و تحقيق هذا المرام يطلب من اهل هذا الكشف بكثرة المراجعة اليهم و طول الصحبة معهم و نحن نعتقد انّ من كثّر المراجعة اليهم و طوّل الصحبة معهم ماۤئلاً اليهم انّه يشرب من زقّومهم و غسلينهم و امّا من تنوّر بيت قلبه بنور اليقين المستفاد من طريقة اهل الحق صلي الله عليهم فانه يشاهد تبدّل اجزاۤء العالم و اعيانها و طبايعها و صورها و نفوسها في كل حين الي ان تزول تعيّناتها الوضعية و تلبس اوضاعاً غيرها اِنْ تغيّرت في الاعمال و الّا فتدور علي اوضاعها الاولي حتي تستقرّ علي فطرتها الاولي التي خلقه الله عليها و هي كناية عن اجابته داعي اللّه في قوله بلي بقلبه و لسانه و اركانه و من شاهد حشر جميع القوي الانسانيّة مع تباينها في الوجود يعني مع تقدّم بعضها علي بعض منها ملكوتية و منها طبيعية و منها عنصرية و اختلاف مواضعها التي تتعلّق بها كالحواۤس الباطنة الخمس فانها تتعلّق بالدماغ في بطونه الثلاثة كما تقدم و كالحواۤس الظاهرة الخمس اعني حاۤسة اللّمس و الذوق و الشم و السمع وَ البصر كما ذكرناه سابقاً من قوله و قولنا لانّه يريد انّها كلها برزت من النفس و انبعثت عنْها كما تقدّم فاذا رجعَتْ اليها اضمحلّت كلّيتها و انمحت صورتها و عادت النفس علي حال بساطتها و وحدتها فاذا نفخ في الصور نفخةَ الفزع انبعثت من النفس تارة اخري كما انبعثت منها اوّل مرة بصور محكمة كاملة لرجوعها الي النفس الكاملة فشابهتها في البقاۤء يقول المصنف مَن شاهد تلك القوي النفسانيّة في رجوعها الي النفس و اتّحادها بها هان عليه التصديق بما قلنا من ان المراد بفناۤء الاشياۤء رجوعها الي الخالق

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 608 *»

المُشَيِّ‌ءِ و اتّحادها به كما كانت قبل النشأة الاولي ثم يحشرها يوم القيمة للجزاۤء فتخرج بصورٍ كاملة محكمة تَقتضي من ذاتها البقاۤء لرجوعها الي الباقي تعالي و اتّحادِها به لان مسئلة النفس و قواها دليل علي هذا المدّعي و نحن قد بيّنا فيما سبق بطلان هذه الدَّعاوَي في النفس و قواها و في الخالق تعالي و خلقه بانّ هذا انما يصحّ في المقامين اذا كانت الاشياۤء المنبعثة عن الشي‌ء اجزاۤءً مقتطعة من ذات كالقطرات المأخوذة من النهر الماۤء فاذا عادت الي الماۤء اضمحل تركيبها و صورها و اتّحدت بالماۤء حتي لاتبقي لها انّيّة اصلا فاذا اخذت منه مرّة ثانية كان حكمها حكمه و القول بهذا كفرٌ و جحود و امّا اذا لم‌يقل بانّها اجزاۤءٌ من الشّي‌ء من ذاته فلا بدّ باَنْ يُقَال انّها احدثت بفعله لا من شي‌ء فهي انّما هي آثار فعلِه۪ و اثار الفعل لاتكون من الفعْل و لاتعود اليه و لاتتّحد به و انّما تجاور الفعل بمعني انها تقوم به قيام صدورٍ او يقال انّها اشراق منه

و الاشراق ليس من ذات المشرق و لايعود اليه بل يعود الي رتبته التي ابتدأه المشرق منها او فيها فان نور الشمس و ان كان يصير حيث صارت الّا انه اذا غربت لايتّحد بها و انما هو في رتبته و مقامِه۪ و ما منّا الّا له مقام معلوم لايتجاوز موضعه الذي وضعتْهُ فيه و اقامته فيه و اَحدثتهُ فيه و هذه ايات الله نتلوها عليك بالحق و امّا مثل قوله و الي الله المصير و الي اللّه ترجع الامور و اليه يرجع الامر كله و نظاۤئرها فالمراد منها ان كل شي‌ء راجع الي حكمه و قدره و قضاۤئه و تدبيره لايخالف شي‌ء منها محبّته و هي الأن في الدنيا كذلك بلا فرق باعتبار الحقيقة كما قال سيد الساجدين عليه السلام في دعاۤء الصباح من الصحيفة اصبحنا و اصبحت الاشياۤء كلها بجملتها لك سماۤؤها و ارضها و ما بَثَثْتَ في كل واحد منهما ساكنه و متحرّكه و مقيمه و شاخصه و ما علا في الهواۤء و ما كَنَّ تحت الثري اصبحنا في قبضتك يحوينا ملكك و سلطانك و تضمّنا مشيتك و نتصرف عن امرك و نتقلّب في تدبيرك ليس لنا من الامر الّا ما قضيتَ و لا من الخير الّا ما اعطيتَ الدعاۤء ، فتدبّر كلماته عليه السلام و فيها بيان تلك الايات و ما شابَهها علي اكمل بيان و لكنّ المصنّف لمّا كان يعتقد ان الاشياۤء المجردة احدثها

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 609 *»

بذاته من نور ذاته الذي هو ذاته بغير واسطة و ثبت انّ كلّ شي‌ءٍ يرجع الي اصله قال ما سمعتَ و لو كان يعتقد ان الاشياۤء احدثها لا من شي‌ءٍ و انما هي اثر فعله و ان فعله ليس له اوّليّة حادثة فاذا رجع كل شي‌ءٍ الي اصله رجعت الاشياۤء الَي فعْلِه۪ و اَمْرِه و لكنها لاتصل الي فعله و اَمْره ابداً فَلٰاتَفْنَي فيه لِانّها لَمْ‌تبرز من ذاته لتعود الي ذاته و انما بَرزت من رتبتها منه اي من رُتَبِ اثرِه۪ فيعود كل واحدٍ منها الي رتبة كونه و لكنه لمّا كان في بقاۤئه محتاجاً الي المدد و لايمدّ بما وصل اليه ممّا هو مددٌ له بل ان كان ممّا تحلل منه فانه اذا جدّد للامداد جُدِّد من فوق رتبتِه الاولي فاذا اتّصل بالممدود كسر الممدود و ص۪يغ من رتبة المجدّد فانها اعلي من رتبته الاولي و ان كان من مددٍ جديد بمعني انه و ان كان ممّا للممدود لكنه لم‌يصل اليه لان رتبته اعلي من مبدء الممدود لانه حين البدء لم‌يصل الي رتبة هذا المدد فاذا اتصل به المدد الجديد كسِر و صيغ من رتبة هذا المدد الجديد و بمثل هذا و ذاك يترقي الممدود في مراتب البدء السابق الي ما لايتناهي من الدرجات فلاينقطع عن سيره في رتب البدء و لا في ما تقتضيه من رتب العود هذا باعتبار عدم النهاية في الاولية و الاخريّة و امّا باعتبار ما بينهما فلان الانسان من طَوْرِ النطفة هو يترقي قاصداً الي جهة مبدئه الذي لو اتّصل به فني فيه او اتّحد به فكان علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسي لحما ثم انشئ خلقا اخر فكان في الدنيا يسير سيراً حثيْثا الي جهة مبدئه لكنه لايصل ثم مات في تَرقّيه ليخلّص من الاعراض المانعة له من السير فاذا تخلّص منه ص۪يغ ص۪يغة محكمةً لاتقبل الفناۤء باذن اللهِ تعالي و حشر يوم القيمة للجزاۤء و ليُوَفّي ما كسبَ و يدخل الجنّة او النار و هو ساۤئر الي جهة مبدئه فاين الفناۤء او الاتحاد المدّعي و انما كسر في قبره و تفرقت اجزاۤؤه لاجل التصفية لا انّ قبره مبدؤه لينتهيَ اليه و لا انّ الدنيا اصله ليفني فيها و انما اتي من مكانٍ عالٍ و ان من شي‌ء الا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدر معلوم فقوله في انها تفني في مبدئها برجوعها الي الواحد القهار جهل بما كانت الاشياۤء عليه في الدنيا فان تنظيره يدلّ علي انها بعد الموت في هذه الدنيا ترجع الي خالقها و تتّحد به ثم يبدؤها يوم القيمة منه و يحشرها فيصير محصّل كلامه انه

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 610 *»

بدأها منه و اظهرها في الدنيا ثم يعيدها الي نفسه او تعود بطبايعها اليه و تتّحد به ثم يبدؤها منه مرّة ثانية ثم يحشرها و ينبغي علي كلامه انها تعود اليه بعد الحشر فتتّحد به لانها عنده تكون جميع الاشياۤء صُوراً نورانيّة و الصور النورانية الغير الماديّة تتحد عنده بعاقلها فترجع الاشياۤء كما هي قبل الخلق الاوّل و نحن لانقول بانه تعالي فقد الاشياۤء من اَماكنها بحال من الاحوال بل هي حاضرة عنده تعالي كل شي‌ء في مكانه و وقته قبل ان يكون شي‌ء منها عند نفسه و عند جميع الخلاۤئق و بعد ذلك فيكون قول المصنف عندنا قولاً بفناۤء الجنة و النار و ما فيهما و انقطاعهما من غير شك و ان لم‌يرد ذلك و لكنه لازم علي كلامه

و قوله و اعلم ان النفخة و ان كانت واحدة ضرباً من الوحدة الخ ، صحيح علي ظاهره و انما قلنا علي ظاهره لانه ربّما اراد انها من جهته متّحدة به و من جهة الخلاۤئق غير متّحدة به و هذا باطل بل التصحيح لظاهره انا نريد انه عز و جل بسط النفخة كما بسط فعله فقبلت منه الاشياۤء بحسب قوابلها فتقدم بعضٌ وَ بعض تأخر فكذا الصيحة و النفخة و كما ان عنده وحدتها بالنسبة الي فعلِه۪ من حيث ذات الفعل فهي عنده بكثرتها من حيث تعلقها بالمفعولات كما قلنا في فعله لان وحدة النفخة و كثرتها كليهما في ملكه و خلقه و كذا الازمان و الاوقات في حالتيهما عنده في ملكه و خلقه و قوله و الساعة ايضا مأخوذة من السعي لان جميع الاشياۤء الكونية الطبيعيّة ساعية اليها من جهة نحوها من باب الحيوانية ثم الانسانية فيه ان قوله الكونية الطبيعية يريد به اخراج المجردات من هذا السعي و ليس كذلك بل النّفوس و العقول و الارواح كلها ساعية اليها قال تعالي مافرّطنا في الكتاب من شي‌ء ثم الي ربهم يحشرون و قال تعالي و اذا النفوس زوّجت اي حشرت مع من شاكلها في اعمالها تسير الي يوم القيمة بارجل اعمالها و ايدي بطشها و السن اقوالها و بجميع ادَوات جميع مشاعرها من باب الحيوانية و من باب الانسانية و ما فوق ذلك و امّا النباتات و الجمادات و المعادن فكذلك و لكنها في ايّام اكتساباتها و ذكرها و غفلتها و اكثرها يحاسب في هذه الدار و يحضر يوم القيمة

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 611 *»

البقاع التي وقعت فيها الطاعات لتشهد لعاملها و التي عملت فيها و المعاصي ليشهد علي عاملها و كذلك الشهور و السنون و الايام و الليالي و الساعات كما نطقت به الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام و الاشياۤء تسير الي الاخرة بارجل اعمالها و اقوالها و احوالها و ما كان منها

و لقد شاهدت كيفيّة ذلك في المنام و هو اني كنتُ في ايام اقبالي رأيت في المنام كأن جميع الخلاۤئق يسيرون في ارض واسعة لاتري اطرافها من جهة الشرق الي الغرب و كلهم صامتون مايسمع منهم الّا صوت ارجلهم في المشي و لايلتفت منهم احد الي جهة و لا توجّه لاحدٍ لشي‌ء الّا لمحض سيره ذلك و رأيت كأني معهم واقف و عندي كتاب كبير مارأيتُ في الدنيا كتابا مثله و عن يساري رجل لااعرفه واقف معي و انا فاتح لذلك الكتاب و هو يعرّفني في معانيه في الصفحة اليمني منه و انا اجد في نفسي اعتمادي علي ذلك الرجل و ثقتي ببيانه و احسّ اني انا و الرجل و نحن واقفان و جميع الخلائق يسيرون سيراً حثيثا اني انا و الرجل و كل الخلاۤئق يسيرون بما ينقلني ذلك الرجل اليه من معاني ذلك الكتاب فانتبهتُ و كان نومي وقت القيلولة فرأيت ان الشمس مازالت فسبغت الوضوء و نمتُ و اوّل دخولي في النوم كنت علي تلك الحال مع الرجل و هو يعرّفني في ذلك الكتاب و نحن واقفان و الخلاۤئق تسير و نحن نسير بما ننتقل اليه من معاني ذلك الكتاب لا بارجُلِنا و اري الخلاۤئق تسعي بارجلهم و انا اعلم ان المحرّك لارجلهم في السعي هو تنقّلُنا في معاني ذلك الكتاب فكانت عندي معاني ذلك الكتاب و تنقّلنا فيها لنا و لساۤئر الخلاۤئق كالسفينة تسير براكبيها و هم فيها قاعدون فلمّا انتبهتُ و رجعتُ الي وجداني و الي ما قسم لي ربّي عز و جل من فهم كتابه و سنّة نبيه و اخبار اولياۤئه صلي الله علي محمد و اله وجدتُ ان الخلق كلهم يسيرون الي الاخرة باعمالهم و اقوالهم و احوالهم و اعتقاداتهم ثم اقول روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام انه قال ما كل ما يعلم يقال و لا كل

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 612 *»

ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله ه‍ ، اعلم ان تأويل هذه المكاشفة العظيمة العجيبة ان الكتاب تأويله كتاب النفس و الرجل الذي عن اليسار هو النفس و هو العارض علي العقل صاحب اليمين المعاني النفسية و مقام صاحب اليمين مقام العقل و تنقله في تلك المعاني هو ترقياته و سيره الي الله سبحانه باقدام نفسانية و مقام من يسير الخلايق بارجلهم بسبب تنقله في المعاني مقام العلية لان العلة هو الذي تصوراته العلمية علة الموجودات الخارجية فكما انه يسير الانوار بسبب سير الشمس في فلكها كذلك يسير المعلولات بسير العلة في مقامها و الانوار محمولة للمنير و المنير هو بمنزلة السفينة لانواره يسير به حيث يشاء و اما الناس فلم‌يكن لهم مقام النفس بالنسبة اليهما فكانوا يسيرون بارجل امتثالاتهم و هما ينتقلان في المعاني بذاتهما و كون المعاني له كالسفينة لظهور العقل في النفس و هو كالسكاني و ربان السفينة بالجملة هذا مقام العلية و مقام النقبا و ان لم‌يكن مقام العلية الا انه اية العلة و ظهور علية العلة فان كل اثر مخلوق بنفسه عند المؤثر القريب و اعلي الاثر مقام الفعلية للمؤثر و مقام وصف المؤثرية فيمكن ان يصل رجل من عرض الاثار الي مقام اسم المؤثر و العلة فتدبر فان هذا التأويل هو الذي يعلم و لايقال و لم‌يكن حان وقته في زمانه و لا حضر اهله و الله يحفظني فيك و يحفظك في و السلام ، كريم .
و اتفق لي آية ذلك و ذلك اني رأيت في بعض الليالي كأني ببرية واسعة و فيها خلق كثير و في وسط هذه البرية منجنيق عظيم علي ما هو المصطلح عليه في هذه الاوان التي يصعدون عليها لتعمير السقوف المرتفعة و لها درجات كثيرة من اربع جوانبها كدرجات السلم و علي كل درجة من جوانبها خلق جلوس و لها حملة يحملون اركانها و يمشون بها و الهمت ان جميع الخلق طالبون لان يصعدوا عليها حتي يصلوا الي اعلاها و يقعدوا عليها و انا و صاحب لي كان يقرأ معي طلبنا الصعود علي هذه المنجنيق فركضنا و صعدنا الدرجات فجلس صاحبي في بعض الدرجات و لم‌يرتق معي و ارتقيت الي ان وصلت ذروة المنجنيق فرأيت انه ليس في ذلك المقام احد معي و رأيت هناك خشبة هي لهذا المنجنيق كالسكان للسفينة و الهمت هناك ان من بلغ هذا المقام ينبغي ان يأخذ هذا السكان و يلاحظ الطريق و يوجه السكان الي الطريق فكنت الاحظ الطريق و اوجه السكان الي الطريق فيدور المنجنيق علي حسب ادارتي و يمشي حملة المنجنيق الي ذلك الجانب بها و باهلها القاعدين علي درجاتها الي ان ادير السكان الي جهة اخري فيمشي الحملة بها و باهلها الي ذلك الجانب و الحمد لله و اسأل الله ان يجعلها رؤيا صادقة كما اراني بعض اياتها ، كريم .

قال } قاعدة في ارض المحشر هذه الارض التي في الدنيا الّا انّها تبدّل غير الارض كما تمدّ مَدّ الاديم و تبسط فلاتري فيها عوجا و لا امتاً تجمع فيها الخلاۤئق من اول الدنيا الي اخرها لانها في ذلك اليوم مبسوطة علي قدر يسع الخلاۤئق و معني بسطها لاينكشف الا لذوي البصاۤئر النورانية الذي اطلقت ذواتهم من اسر الطبيعة و قيد الزمان و المكان فيعرف ان مجموع الازمنة و ما يوازيها كلمحةٍ واحدةٍ و ما فيها و مجموع الامكنة و ما يطابقها كنقطة واحدة فكانت الاراضي كلها ارْضا واحدة و للارض صورة ارضيّة اخري بيضاۤء نقيّة فيها الخلاۤئق كلها و النبيون و الشهداۤء و الكتب و الموازين و فيها الفصل و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 613 *»

القضاۤء بالحقّ كما في قوله تعالي و اشرقت الارض بنور ربها و وضع الكتاب و جيۤئ بالنبيين و الشهدٰاۤء و قضي بينهم بالحق و هم لايظلمون { .
اقول قد بيّنّا لك مراراً ان الله سبحانه قد ضرب الامثال و جعل بحكمته الصورة الانسانيّة اعلي الامثال و اعمّها و اشملها في الاستدلال علي كلّ شي‌ء و كلّ من طلب دليلاً صحيحا علي ما يُريد معرفته فليس يجد مثل نفسه شيئا الّا مجموع العالم و لهذا كان فيما نسب الي علي عليه السلام :
و انت الكتاب المبين الذي       ** * **      باحرُفه۪ يظهر المضمرُ
اتحسب انّك جرم صغير       ** * **      و فيك انطوَي العالَمُ الاكبرُ
و اذا ثبت انّ جسدك الذي معك في الدنيا هو المعاد بماۤدته و صورة اعماله ثبت انّ هذه الارض المعادة هي هذه الارض الموجودة في الدنيا بماۤدتها و الصورة المناسبة للحشر و جمع الخلاۤئق و المصنف و ان كان كلامه يوهم الموافقة لما قلنا لكنه صرّح في غير هذا الموضع فيما ان المواۤدَّ كلها تفني و تعدم و انّما تعاد بصورته لا بماۤدته لانّ حقيقة العَوْد عنده انّما هو للنَّفْس و اللازم للمعاد حقيقة هو الصورة و ممّا يدل علي هذا من كلامه قوله ان المعاد في يوم المعاد هذا الشخص الانساني المحسوس الملموس المركّب من الاضداد الممتزج من الاعضاۤء و الاجزاۤء الكاۤئنة من المواۤدّ مع انه تتبدّل عليه في كلّ وقتٍ اعضاۤؤه و اجزاۤؤه و جواهره و جواهره و اعضاۤؤه حتي قلبه و دماغه سيما روحه البخاري الذي هو اقرب جسمٍ طبيعي الي ذاته و اوّل منزلٍ من منازل نفسه في هذا العالم و هو كرسي ذاته و عرش استواۤئه و معسكر قواه و جنوده و هو مع ذلك داۤئم الاستحالة و التبدّل و الحدوث و الانقطاع فان العبرة في بقاۤء البدن بما هو بدن شخصي انما هي بوحدة النفس فما دامت نفس زيد هذه النفس كان بدنه هذا البدن لانّ نفس الشخص تمام حقيقته و هويّته و هذا كما يقال ان هذا الطفل

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 614 *»

ممّن يشيب اَوْ هٰذا الرّجل الشاۤئب كانَ طفلاً و عند الشيب قد زال عنه جميع ما كان له عند الطّفوليّة من الاجزاۤء و الاعضاۤء الي ان قال و لايقدح في ذلك ان هذا البدن الدنيوي مضمحلّ فاسد مركب من الاضداد و الاخلاط الكثيفة العفنيّة و ان البدن الاخروي لاهل الجنّة نوراني باق شريف حيّ لذاته غير قابل للفناۤء و الموت و المرض و الهرم انتهي ، و قال ايضا في جواب الاعتراض السادس للمنكرين للحشر الجسماني و ان هذه الارض ليست محشورة علي هذه الصفة و انّما المحشورة صورة هذه الارض اذا مدّت و القت ما فيها و تخلّت انتهي ، فقوله ليست محشورة علي هذه الصفة لو اريد من الصفة المنفية الكثافة خاۤصة لماقال و انما المحشورة صورة هذه الارض فافهم الاشارة و قال ايضا في الاصل الاول ان يقوم كل شخص بصورته لا بماۤدّته و هي عين ماهيته و تمام حقيقته و مبدأ فصله الاخير فهو هو بصورته لا بمادته حتّي لو تجرد صورته عن ماۤدّته لكان هو بعينه باقيا عند ذلك التجرد و انما الحاجة الي الماۤدة لقصور بعض افراد الصور عن التفرد بذاته دون التّعلق الوجودي بما يحمل لوازم شخصه الي اخر الاصل الاول فيلزم من كلامه ان زيدا اذا اعيدت نفسه و صورته بماۤدةٍ غير ماۤدّته كان المعاد هو زيدا بحقيقته التي يترتب عليها الثواب او العقاب و هو مراده هنا في حشر الارض فلاتتوهّم انه يريد مرادنا من انّ المعاد هي المواۤدّ اعلم ان مراد الشيخ من مادة الجسم المعاد امر خفي لايعرف رطنه الا ولد بطنه اي ولد باطن علمه فاقول المادة مادتان مادة اصلية للشي‌ء هو بها و بصورتها هو و مادة عرضية لها صورة عرضية و المادة العرضية ما لايتغير الشي‌ء بذهابها و مجيئها و كذا الصورة العرضية ما لايتغير الشي‌ء بتغيرها و معرفة المادة و الصورة الاصليتين عسيرة جداً اعلم ان من الاشياء ما هو بدؤ كونه في عالم الزمان و عوده ايضا الي بدئه في عالم الزمان فذلك مادته زمانية اي من موجودات مستقلة قبل التركيب فتركبت فعرض عليها صورة وحدانية شخصية تأليفية كما اذا ركبت تراباً و ماء فجعلتهما طينا علي هيئة لبنة فاللبنة موجودة لها مادة من الماء و التراب و صورة لبنية و جميع اللبنة هذا حسب و اذا فنيت تفتتت و عادت الي الماء و التراب عود ممازجة و لاتقل و ان من شي‌ء الا عندنا خزائنه فاين خزائن اللبنة الي المشية فاني اقول ان اللبنة اسم للاجزاء المؤلفة كالجماعة لاشخاص و ليست بشي‌ء وحداني نعم للتراب و الماء خزائن مطلقة الي المشية و هذا الاقتران انما نشأ في الدنيا و هذا الاسم لهذين المقترنين المتجاورين هذا و العند يختلف باختلاف الاشخاص و الملك كله عند الله و خزانة اللبنة هذه الدنيا و ليس له ذكر فوق الدنيا بل و فوق الماء و التراب و لا طفرة فان الاجزاء متصلة مرتبطة الي المبدء و اقترانها امر عرضي من اعراض هذه الدنيا كجلوس زيد في جنب عمرو هذا و كل عرض ايضا مرتبط بالمبدء الا ان من الاشياء الممتازة في الدنيا ما هي في الخزائن العليا متمازجة معَ غيرها و لا عين له فتعين اللبنة في هذه الدنيا و فوقها مذكور بالصلوح فخزائنها العليا امكانية لا كونية فتفهم فبدء اللبنة الكوني و عوده الكوني هنا و وجودها عرضي و كذلك النبات فانه من صوافي الاغذية و الحيوان فانه من طبايع الافلاك الجوهرية و عود كل الي مبدئه و لا اخروية لها فعود هذه الاشياء عود ممازجة الي بدئها في الدنيا في الارض و السماء و ما في الانسان من جماد او نبات او حيوان فهو عرضي له ليست بمادته و ليس صورتها بصورته و الانسان الجمادي لايتجاوز الجماد و النباتي النبات و الحيواني الحيوان و ان كان هذه الاشياء ايضا تطرح امثلة في محالها و لها دهرية اطلاقية الا ان مراتب الدهر تختلف و من البين ان كل شي‌ء في كتاب حفيظ محفوظ في محل كتابته و ليس المراد من العود عود الشي‌ء الي اطلاقه فانه فناء بل المراد عود الشخص بشخصيته فهذه الاشياء في اطلاقها فناؤها و في محالها تمازج اصولها بعد تفتتها فالانسان الذي قواه الذكر و الفكر و العلم و الحلم و النباهة و خواصه النزاهة و الحكمة هو موجود له مادة انسانية و صورة انسانية هما ذاتيتان له و هما قد نزلتا من عالم الذر الي البرزخ فاختلطتا باعراضها ثم الي الدنيا فاختلطتا باعراضها فتلك المادة لمصاحبة الاعراض الجمادية و النباتية و الحيوانية تصورت هكذا و اجابت دعوة الداعي هكذا فاذا زالت الاعراض عن المادة تصورت بصورتها الاولية التي فطرها الله عليها و اجابت عليها في عالم الذر و ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل و نذكر انشاء الله صفة لحوق الاعراض في حاشية اخري ، كريم .
و لكن في صورة اعماله فقد تتغيّر صورته و لاتتغيّر ماۤدّته

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 615 *»

في حالٍ من الاحوال بل المعاد الذي يريده ما هو به زيد من الهيئة الانسانية الخاۤصة و لهذا قال بل اصبعه هذا صدق انه الاصبع الذي كان له في الطفوليّة مع انه قد عدم في ذاته ماۤدة و صورة و لم‌يبق بما هو جسم معيّن في ذاته من نوع معيّن و انما بقي بما هو اصبع لهذا الانسان لبقاۤء نفسه فهذا ذاك بعينه من وجه و هذا ليس بذاك بعينه من وجهٍ انتهي ، و نقول انما هو جسم معين بماۤدّته و صورته فاذا لم‌يبق بما هو جسم معيّن في ذاته لم‌يبق للاعادة الّا الهيئة الوجوديّة الانسانيّة و هي لاتكون زيداً الّا بما هو هو من ماۤدّته و صورته و المصنف بني امره في اعتقاده علي دَعْويَيْنِ الاولي ان المجردات ثابتة لايمكن اَنْ يَطرأ عليها التغير و التبدّل و الفناۤء و هو خطأ فانه ان جعلها ممكنةً فحكمها حكم الماديّات في احتياجها الي المدد و ان جعلها قديمة او من لوازم القديم فهو ايضا باطل اذ القديم لايتغير عن حاله و هذه علي قوله كانت عاريةً عن الصور ثم تلبّست بها في هذا العالم فاختلفت احوالها و مختلف الحالات حالات حادث و ايضا القديم لايكون له ظهور غير بطونه و بطونٌ غير ظهوره و ان فرضها من لوازم القديم

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 616 *»

كما صرح به في كتابه الاسفار و انها لايمكن تصور انفكاكها فهو غلط من وجوه منها ان القديم لايكون له لوازم و الّا كان حادثا للزوم الاقتران الموجب للحدوث و منها ان اللوازم ليست هي المتنزلة في الاجسام بل المتنزلة في الاجسام اشباح تلك اللوازم و اظلّتها كما صرّح به في هذه الرسالة و غيرها و صرّح ايضا علي ان الثابت لايلزم ان تكون آثاره و اظلّته ثابتة و منها ان اللوازم صرّح بانها لايمكن تصوّر انفكاكها فكيف جعلها هي النازلة في صورة زيد الثانية انه بني امره هنا علي اعتقاد ان المواد الجسمانية تفني و تضمحلّ و تعدم و انما المُعاد صورتها و هذا غلط لانّها دخلَتْ في ملك الله فلاتخرج عنه و قد صرّح بذلك تعالي في كتابه فقال قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و قال تعالي و ان الله يبعث من في القبور لان من في القبور لايكون الّا المواۤدّ الجسمية لا النفس و لا الهيئات الوجوديّة و قد ذكرنا ما توهّموا منه فيما تقدّم من انّه لو اغتذي زيد بعمروٍ حتّي كان عمروٌ جزءاً لِزيدٍ فَانّه لو كان الواقع اعادة الاجسام الدّنيويّة لَتعَذّرَ اِعٰادَتُهمَا مَعاً لاسْتِلزام اعادة ماۤدّة احَدِهما نقصان الاخر و قد بيَّنَّا علّة ذٰلِكَ فيما سَبَقَ مِنْ اَنّ ماۤدة عمرو لاتكون غذاۤءً لزيد و زيد انّما يغتذي بغير ماۤدةِ عمروٍ الاصليّة و امّا ماۤدّته و طينته التي خلق منْها فانها لو حرقت بنيران الدّنيا لماسَطَتْ عليها و لااثّرت فيها لانّها ليست من هذه العناصر و انما نزلت من عالم الغيب و حيث جهلوا هذا المعني قالوا بانّها تَفْنَي و انّها تكون جزءاً من اخر فالارض المحشورَة هذه الارض بعد ازالة الاعراض الدنيويّة لانّ اصلها نزل من عالم الغيب و لكن اكثر الناس لايعلمون

و قوله تمد مَدّ الاديم و تبسط يشير به الي الجواب عن الاشكال السادس لمنكري حشر الاجسام في قولهم ان جرم الارض مقدار ممسوح بالفراسخ و الاميال و عدد النفوس غير متناهٍ فلايفي جرمها بحصول الابدان الغير المتناهية فاجاب هناك و نبّه هنا بهٰذا الكلام ملاحظاً فيه تتمّة الجواب من ان الارض تمدّ مدّ الاديم اي تبسط علي قدر يسع الخلاۤئق من اوّل الدنيا الي اخرها و من فهم المراد عرف ان الارض ليس بسطها و مدّها مدّ الاديم اي الجلد لتسع

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 617 *»

الخلاۤئق اذ لو لم‌تمدّ لماوسعت الخلاۤئق المحشورين بل تسع الخلاۤئق و انّما بسطت ليحضر الكل للكل فلايستتر احد عن احدٍ بوهدة و لا تلعة بل بسطت لتبدو الضّماۤئر و تبلي السراۤئر هذا ظاهر المدّ و البسط و اما حقيقته فانها اذا ازيل عنْها الموانع و الاعراض من كثافة المعاصي اتّصفت بصفات المجردات كما هو مقرر في علم الطبيعي من انّ الارض المقدسة ما دام فيها القوم الجبّارون فهي ضيّقة لما فيها من الجبال و الصخور فاذا خرجوا منها و زالت منها الجبال و الصّخور وسعت كلّ ما يقع فيها و ان كان غير متناهٍ لانّ الداخل الاوّل يشغل منها مكاناً و يكون هو و مكانه مكاناً للداخل الثاني و هكذا فتتّسِعُ بنسبة من يكون فيها و يصدق علي ما قلنا قوله لانها في ذلك اليوم مبسوطة علي قدرٍ يسعها و ان كان لايتصوّر ما اشرنا اليه و كذا قوله و معني بسطها لاينكشف الّا لذوي البصاۤئر النورانية الذي اطلقت ذواتهم من اسر الطبيعة يعني تمحّضت في تجرُّدِها وَ خَلعَتْ اَحْوَال الزمان و ما يتعلّق به و جهات المكان و ما يحلّ فيه فيعرف بصفاۤء حِسِّه۪ اَنَّ مجموع الازمنة و ما يوازيها كلمحةٍ واحدة بالبصر و ما فيها و مجموع الامكنةِ و ما يطابقها من المتحيّزات كنقطة واحدة قد طاشت في داۤئرة فكانت الاراضي السّبع ارض الحيوة و ارض العادة و ارض الطبع و ارض الشّهوة و ارْض الطغيان و اَرْض الالحاد و ارض الشَّقاوة كلّها اَرْضاً واحدةً اي في الظهور و البروز ليحشر في كل ارضٍ اهلها فاذا عرفت اَنّ كلَّ ارضٍ يحشر فيها اهلها و ان كلّ سابق هو و مكانه مكان للاحِقِه۪ و ان اجسام الاخرة لم‌تبق علي حالتها في الدنيا بل اُز۪يلَتْ عنها اعراض الدنيا فكانت بانفسها حيّةً باذن اللّه تعالي فكانت بجعله تعالي رُوحانيّة و قوله و للارض صورة اخري بيضاۤء نقيّة توصف بالفضّة لبياضها و صفاۤئها و طبيعتها لانها من طبيعة الارض الاولي ارض الحيوة لان الدار الاخرة هي الحيوان و توصف بالخُبْزةِ النّقِيّة لان اهل الجمع يأكلون منها الي ان يفرغوا من الحساب فيها الخلاۤئق كلها من كل ذي روح حيوانية طبيعية اي من نوع الافلاك او نباتيّة من نوع لطاۤئف العناصر او روحٍ ظرفيّة كارواح الامكنة و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 618 *»

الازْمنةِ اَوْ عَرضيّة كارواح الاعراض من الالوان و الحركات و السكونات و المقادير و الهيئات و الاحوال و الاقوال و ما اشبه ذلك و فيها النبيون كلهم من ذوي الارواح الكَرُوبيّة و فيها الشهداۤء كلهم من ذوي الارواح النورانية و فيها الصالحون كلهم من ذوي الارواح الجوهريّة و انما قلتُ كارواح الاعراض لانّ كل نوع من انواع الاشياۤء كالاعراض و الطبايع كالحرارة و الرطوبة و البرودة و اليبوسة و كالحروف و الكلمات و الكلام و ما اشبه ذلك مما ذكرناه او ادخلناه في هذه المشابهة امم امثالكم في كل امّة ذكر و انثي و سعيد و شقي و مؤمن و كافر و تناكح و توالدٌ و كل ما يوجد في الامم الحيوانية الّا انّها بنسبة حالها مثلاً لو ظهر لك كلام زيد او طوله او بياضه او حرارته و ما اشبه ذلك و قعَد بجنبِ زيد لم‌تكد تفرّق بينهما الّا ان زيداً اذا تكلم حكي عن نفسه و كلامه او طُوله اذا تكلّم حكي عَنْ زيدٍ و كلامي هذا تنبيهٌ لك علي سرّ عظيم بالتلويح لان التفصيل يطول به الكلام و فيها ايضا الكتب اي تطاۤئرها و هي كتب الاعمال و المراد بكتابك جمع اعمالك بعد تفرّقها و ذلك لان الانسان اوّل ما يدخل في قبره و يشرج عليه اللبن يأتيه رُومان فتّان القبور و يضع روحه في جسده الي حقويه فيقول له اكتب اعمالك فيقول للملك مااحفظها فيقول انا اُمليْها عليك فيقول ليس عندي دواة فيقول من ريقك فيقول ليس عندي قلم فيقول اصبعك فيقول ليس عندي قرطاس فيقول قطعة من كفنِك فيكتب و رُومان يملي عليه فعلتَ كذا يوم كذا و في المكان الفلاني و يذكر له كل شي‌ء عمله او قاله في مكانه و وقته حتي يذكره ثم يطوي تلك القطعة المكتوب فيها و يطوّقه بها في عنقه فيكون اثقل عليه من جبل اُحدٍ و هو قوله تعالي و كلّ انسان الزمناه طاۤئره في عنقه و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيباً فاذا كان يوم القيمة و كان مؤمنا اتاه كتابه الذي كتبه علي نفسه من اعماله باملاۤء الملك رُومان فتّان القبور من اَمامِه۪ فيأخذه بيمينه و ان كان كافراً اتاه من خلفه و ضرب ظهره و خرج من صدره فيأخذه بشماله ثم يقوم كتاب اللّه الناطق عليه السلام فينطق علي الخلاۤئق بعبارة واحدة تطابق كلّ كتاب املأه

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 619 *»

رومان بما فيه من خير او شرّ لايخالف منها حرفا واحداً و هو قوله تعالي و تري كل امّةٍ جاثية كل امّةٍ تدعي الي كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و هو تأويل قوله تعالي و قل اعملوا فسيري اللّه عملكم و رسوله و المؤمنون فيشاهدون عليهم السلام اعمال الخلائق فهم الاشهاد يقول تعالي يوم يقوم الاشهاد قال تعالي و كذلك جعلناكم امّة وسطا لتكونوا شهداۤء علي الناس و يكون الرسول شهيداً عليكم ، هذا بيانه بكلام اللّه و سنة نبيه صلي الله عليه و اله و اما ترجمته بلغتكم

فكيفيّة الكتابة انّك اذا رأيتَ زيداً يصلّي صلوة الظهر يوم الخميس في المسجد الفلاني في اليوم الخامس‌عشر من شهر رجب مثلا سنة الرابعة و الثلاثين بعد المائتين و الالف من الهجرة كل ما ذكرتَ ذلك ذكرته في ذلك الوقت في ذلك المكان بتلك الحالة فما دمتَ حيّا لاتذكره و لو بعد خمسين سنة الّا هكذا لانه لمّا صلّي كتبتِ الحفظة مثاله في غيب ذلك المكان و في غيب ذلك الوقت متلبّسا بذلك العمل ابداً الي يوم القيمة و اذا رأيتَ عمراً يسرق شيئا من السوق من الدكان الفلاني يوم كذا كل ما ذكرته ذكرته كذلك لان الحفظة كتبتْ مثاله في غيب ذلك المكان و في غيب ذلك الوقت متلبّسا بتلك السرقة فما دمت حيا لاتذكره الّا هكذا فاذا اتاك زيد رأيته متّصفاً بذلك العمل لابساً ذلك المثال العامل المتلبّس بذلك العمل و اذا اتاك عمروٌ رأيته متّصفا بذلك العمل لابساً لذلك المثال العامل المتلبّس بذلك العمل فان اتاك عمرو بعد ان تاب و انت عالم بتوبته لم‌تره متّصفا بذلك و لا لابساً لذلك المثال العامل المتلبس بذلك العمل و رأيت المثال غير قاۤئم بعمرو و انما هو قاۤئم بمبدئِه من لوح الباطل اعني سجّين كتاب الفجار و هو وجه الثري الذي لايعلم ما تحته الا اللّٰه عز و جل فاذا كان عمرو مؤمنا و اخلص توبته بقي ذلك المثال السارق الي نفخة الصور ثم يمحا ذلك المثال السارق من الالواح الصغار الواح المحو و الاثبات كنفوس الملاۤئكة الحفظة و الناس و من ذلك المكان و الزمان و من غيبَيْهِما و الّا بقي متّصِفاً به في الدنيا فاذا كان يوم القيمة لبسه و ظهر به مكشوفاً بين كل الخلاۤئق

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 620 *»

يا من اظهر الجميل و ستر القبيح جَلِّلني بسترك و اعف عن توبيخي بكرم وجهك يا كريم هذه كيفية كتابة الحفظة و ما رأيته انما تذكره لانك تقابل بمرءاة خيالك مثاله في مكانه و وقته فتراه متلبّساً بذلك العمل فتنتقش صورة ذلك بما تلبّس به من العمل او القول مع الهيئة في مرءاة خيالك و فيها الموازين و هي جمع بالنسبة الي كل شخص كما قال فمن ثقلت موازينه و قال و من خفّت موازينه و ذلك لان العمل الواحد له موازين متعددة منها ميزان القدر بانه مثلا عشرة مثاقيل او خمسة او مائة يوزن في ذي الكفتين و منها ميزان اللون كما يميّز به بين الحمرة الياقوتية و العقيقية و منها ميزان القيمة كأن تكون قيمته وَاحداً او عشرة او الفاً و منها ميزان البقاۤء بان يبقي يوما او سنة و منها ميزان التأثير مثل ان يكون تأثيره قويا او ضعيفا سريعا او بطيئا يثبت او يزول و منها ميزان الحصول مثل ان يكون وقت الجزاۤء عليه الدنيا او البرزخ او الاخرة و منها ميزان الرتبة في الدرجات بان يبلّغ ادني الجنان او اعلاها اوْ اوسطها و منها ميزان العدد بان يكون اجره الفاً او عشرة‌الاف او اكثر اوْ اقل و ما اشبه ذلك و كل واحدٍ من الموازين يوكّل الولي عليه السلام باذن اللّه علي تمييزه نوعاً من الملاۤئكة لايصلح لغيره يميّز ما وُكِّل به بهداية الولي و تعليمه عليه السلام و فيْها اي في الارض او فيْها علي الصراط الفصل بين الخلق و القضاۤء عليهم بالحقّ فينطبق الحقّ المستقيم علي المستقيم في طريقته علي طبق استقامَتِه۪ و علي المعوجّ في طريقته بطبق اعْوِجاجه و لايظلم ربّك احداً قال تعالي فمن يرد اللّه ان يهديه يشرح صدره للاسلام اي باهتداۤئه الي الاسلام باختياره و من يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيِّقا حرِجاً كأنّما يصّعّد في السماء اي يجعله كذلك باعْراضه عن الاسلام باختياره قال تعالي كذلك يجعل اللّه الرجس علي الذين لايؤمنون اي بتركهم الايمان باختيارهم و ميلهم الي الضلالة باختيارهم فوهب لاهل طاعته القوّة علي طاعته بحقيقة ما هم اهله و وهب لاهل المعصية القوّة علي معصيته لسبق علمه فيهم و منعِهِم اِطٰاقةَ القبولِ منْه و معني سبق علمه فيهم انه تعالي اشرف علي ما فعلوا حين فعلوا في مكان فعلهم و وقته قبل ان يكونوا في انفسهم و قبل ان يقع منهم

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 621 *»

فعْل عند انفسهم و عند جميع الخلق لانه تعالي ليس معه استقبال و لا انتظار لشي‌ء اذ لم‌يفقد شيئا لذاته و ازله شيئا ممّا سواه من ملكه كلّ شي‌ء من الاشياۤء في مكان حدوده و وقت وجوده حاضر عنده قبل ان يكون ذلك الشي‌ء عند نفسه و عند جميع الخلق و هذا صراط ربّك مستقيماً و ذلك الفَصْل و القضاۤء المشار اليه بقوله تعالي ان ربّي علي صراطٍ مستقيم هو المعبّر عنه بقوله تعالي و اشرقت الارض بنور ربّها اي بما اظهر فيها مربّيها و القاۤئم بالقسطِ فيها باذنِ اللّٰهِ عزّ و جلّ من العَدْل القويم و الصراط المستقيم و وضع الكتاب النّاطق بالحقّ علي الخلق و جيۤئ بالنبيّين و الشهداۤء عطف عام علي خاۤص فالشهداۤء هم النبيون و الملاۤئكة و اتباع النبيين و السّنون و الشهور و الايام و الليالي و بقاۤء الارض و قضي بين الخلق بالقَضاۤء الحقّ الذي هو اثارُ ولايةِ ولي اللّه عليه السلام و هم لايظلمون اذ لم‌يحكم الّا باعمالهم التي عملوها باختيارهم و هم يعلمون.

قال } قاعدة في ان الصراط حقّ ورد في الحديث و قد رواه المفضل ابن عمر عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه قال الصراط هو الطريق الي معرفة اللّه عز و جل و هما صراطان صراط في الدنيا و صراط في الاخرة اما الصراط الذي في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا و اقتدي بهداه مرّ علي الصراط الذي هو جسر علي جهنم في الاخرة و من لم‌يعرفه في الدّنيا زلّت قدمه عن الصّراط في الاخرة فتردّي في نار جهنّم و روي الحلبي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال الصراط المستقيم اميرالمؤمنين عليه السلام و ايضا عنه عليه السلام في قول اللّه عز و جل اهدنا الصراط المستقيم قال هو اميرالمؤمنين عليه السلام و معرفته و في رواية اخري عن واحدٍ منهم عليهم السلام الصراط المستقيم صراطان صراط في الدنيا و صراط في الاخرة فاما الطريق المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو و ارتفع عن التقصير و استقامَ فلم‌يعدل الي شي‌ء من الباطل و الطريق الاخر طريق المؤمنين الي الجنّة و هو مستقيم لايعدلون عن الجنة الي النار و لا الي غير النار سوي الجنّة و عنهم عليهم السلام نحن ابواب الله و نحن الصراط المستقيم { .

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 622 *»

اقول الصراط لغةً الطريق و قول الصادق عليه السلام الصراط هو الطريق الي معرفة اللّه عز و جل لبيان الطريق الكامل المؤدّي الي اللّهِ و لهذا فسّرَهُ بمعرفة اللّٰهِ الّتي تكمل بتوحيدِ اللّٰهِ و توحيده تعالي في اربع مراتب الاولي توحيد ذاتِه عن التَّعدُّدِ و التركيب و اخْتلاف الاحوال قال تعالي و قال اللّه لاتتخذوا الهين اثنين انما هو الٰه واحد ، الثانية توحيد صفاته قال تعالي ليس كمثله شي‌ء ، الثّالثة توحيد افعاله لان الفاعل الحقيقي هو الذي يحدث ماۤدةَ مفعوله لا من شي‌ءٍ و ليس للّه سبحانه شريك في ذلك اذ لايحدث شيئاً من المواۤدّ غيره قال تعالي هذا خلق الله فاروني مٰاذا خلق الذين من دونه ، الرابعة توحيد عبادته قال تعالي فمن كان يرجو لقاۤءَ ربّه فليعمل عملاً صالحاً و لايشرك بعبادة ربّه احداً ،

و هما صراطانِ صراط في الدنيا و صراط في الاخرة امّا الصراط في الدنيا فيطلق علي معاني احدها القيام باوامر الله تعالي و اجتناب نواهيه علي حدّ ما امر به علي السنة اولياۤئه عليهم السلام و ذلك فروعهم و اتّباعهم و التسليم لهم و الرد اليهم و التفويض اليهم في كل شي‌ء مما علمتَ و ممّا لم‌تعلم و هذه ظاهرُ وَلايتهم عليهم السلام و ثانيها محبّتهم و التولّي بهم و الموالاة لوليهم و التبرئ من اعداۤئهم و مخالفتهم و المجانبة لهم و لاتباعهم و هذه اركان ولايتهم عليهم السلام و ثالثها الاعتقاد لما اعتقدوا له و الايمان بما امنوا به و الكفر بما كفروا به و هذه ابواب ولايتهم و رابعها الامام المفترض الطاعة صلوات الله عليه من عرفه في الدنيا باسمه و صفته و اقتدي بهداه مرّ علي الصراط الذي هو جسر جهنم يمرّون عليه الخلاۤئق صعودهم اليه الف سنة و حُذَال الف سنة و نزولهم الف سنة و يأتي بعض اوصافه و من لم‌يعرف الامام عليه السلام في نحو ما ذكر زلّت قدمه عن

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 623 *»

الصراط في الاخرة فتردّي في نار جهنّم لانه جسر للجنّة علي جهنّم تمر الخلاۤئق علي قدر اعمالهم لانه صورة اعمالهم لما كلّفوا به من القيام بامر الله و الانتهاۤء من معاصي اللّه و الاعتقاد لما اُر۪يد منهم فمنهم من يمرّ عليه كالبرق الخاطف و منهم من يمرّ عليه كالجواد السابق و منهم من هو كالماشي و منهم من يحبو حَبْواً و منهم مَن تأخذ النار بعضه و منهم من يمرّ عليه حتي يصل الي مكانه من جهنّم فيسقط فيه و ذلك كما قال تعالي و لكل درجات مما عملوا ، و قوله و روي الحلبي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال الصراط المستقيم اميرالمؤمنين عليه السلام يريد به ذكر معني من الصراط في الباطن و المراد من كونه عليه السلام الصراط المستقيم انه عليه السلام هو و رسول الله صلي الله عليه و اله علّة الاشياۤء الماديّة و الصورة بل و الفاعلية و الغاۤئيّة امّا انهما صلي الله عليهما و الهما العلة الفاعلية فلان الله سبحانه خلقهما و القي في هويّتهما مثاله فاظهر عنهما افعاله فهو تعالي فاعل بهما كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في ذكر العالم العلوي من المدبرات امرا فان تلك الملاۤئكة قال عليه السلام في بيان معرفتهم و القي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله ه‍ ، و ذلك كما القت النار في هويّة الحديدة المحميّة بها مثالها اي اثر فعلهٰا فظهر بها اثر الاحراق كما يظهر بالنار و ذلك المثال هو امره الفعْلي المسمي بالمشية و الارادة و الابداع فهم لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و ان شئتَ قلتَ فهو تعالي بهم يفعل ما يشاۤء لانّ فعله متقوّم بهما تقوّم ظهور و هما تقوّما بفعله تقوّم تحقّق فٰاية فعله تعالي بهما اي تقوّم فعله بهما و تقومهما بفعله كالقاۤئم و الضارب بالنسبة الي زيد و لله المثل الاعلي فان القاۤئم و الضارب اسما فاعل القيام و فاعل الضرب و ليسا اسماً لذات زيدٍ و لايحملانِ علي ذات زيدٍ الّا مجازاً و المجاز هو الصراط فهما باللهِ العلة الفاعلية لانهما محلّا فعله الحاملانِ له

و امّا انهما العلّة المادّية و العلّة الصوريّة فلان الله سبحانه خلق من شعاع نور محمد صلّي اللّه عليه و اله انوار جميع الانبياۤء عليهم السلام و حقاۤئقهم و ذلك جميع مواۤدّهم عليهم السلام و خلق من اشعّة انوار الانبياۤء عليهم السلام جميع المؤمنين اي مواۤدّهم و خلق من

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 624 *»

اشعة انوار المؤمنين مواۤد الملاۤئكة و هكذا الي رتبة الجماد فشعاع نوره صلي الله عليه و اله هو العلة المادّية لجميع الخلق و هو النور الذي عناه الصادق عليه السلام في قوله ان الله خلق المؤمنين من نوره و امّا العلة الصوريّة فلان الله سبحانه خلق من هيئة اعمال عليّ عليه السلام و قابليته صور جميع الانبياۤء عليهم السلام و خلق من هيئة صور الانبياۤء عليهم السلام صور المؤمنين و هكذا الي الجمادات الطيبة العذبة كما خلق من هيئة صورة المقابل و هيئة حركته الصورة في المرءاة و حركتها و كما خلق من هيئة حركة يد الكاتب هيئة الكتابة بحركة يده و امّا صور الكفار و المنافقين و اتباعهم من الحيوانات و النباتات و الجمادات فقد خلق اللّه عز و جل من عكوسات هيئات اعمال علي عليه السلام و عكوسات قابلياته صور الكافرين و المنافقين و خلق من هيئات صورهم صور اتباعهم الي الجمادات المرّة و السَّبخة و المالحة و قد قال صلي اللّه عليه و اله انا و علي اَبَوا هذه الامّة و اذا فسّرنا هذه الاُبوّة علي تفسير التأويل قلنا الاب هو الماۤدة كما ذكرناه في ساۤئر كتبنا مبرهناً عليه عقلا و نقلا خصوصا في الفواۤئد و شرحها و الامّ هي الصورة لا كما ذكره الحكماۤء بل كما ذكره ائمة الهدي عليهم السلام كما في قول الصادق عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امّه الرحمة ه‍ ، و قوله من نوره هو الماۤدة لان الماۤدة هي تدخل عليها لفظة من كما تقول عملت السرير من خشب و صُغْتُ الخاتم من فضة فما دخلت عليه من فهو الماۤدة فدلّ علي ان الماۤدة هي الاب فشبّه الشعاع المشتق من اشراق نوره صلي الله عليه و اله بالاب و الهيئة المشتقة من هيئة اعمال علي عليه السلام و قابلياته التي هي الرحمة المكتوبة الخاۤصة بالمؤمنين بالامّ لان مواۤدّ جميع الخلق من شعاع نور محمد صلي الله عليه و اله و صور جميع الخلق من شعاع هيئة اعمال عليّ عليه السلام اوْ عَكْسِها

و امّا العلّة الغائيّة فهم عليهم السلام العلّة الغاۤئيّة لانّ اللّٰهَ خلَق الخلق لاجلهم كما قال علي عليه السلام نحن صناۤئعُ اللّهِ و الخلق بعد صنائع لنا ه‍ ، ايْ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 625 *»

صنعهم اللّٰهُ لَنا و في الانجيل خلقتك لاجلي و خلقتُ الاَشْياۤء لاجلك ه‍ ، فاِذَا عرفتَ انّ اميرالمؤمنين عليه السلام علة لجميع الخلق في ايجاد اكوانهم و اَعْيانِهمْ فهو طريقُ اللّه تعالي الَي خلقه و ترجُمَان امداداته و مؤدّيها اليهم و معطي كل ذي حقٍّ حقّه باذْنِ اللّهِ تعالي و هو عليه السلام الحامل لاعباۤء ولايَة اللّه التي جعلها لنبيّه محمد صلي اللّه عليه و اله علي جميع خلقه و ذلك في جميع ذرّاتِ ما يُنَاط بالخلاۤئق كلهم من احوال اركان التكوينات الاربع التي دار عليْها الوجود الامكاني الخلق و الرزق و الممات و الحيوة و هو طريق اللّه الي خلقه في حدوده التكليفيّة و التكونيّة و عن الصادق عليه السلام في قول الله عز و جل اهدنا الصراط المستقيم قال هو اميرالمؤمنين عليه السلام و معرفته و المراد بمعرفته التي تكون هي الصراط المستقيم الذي يكون احدّ من السيف و ادقّ من الشعرة هي معرفته بالنورانية كما رواه سلمن و ابوذرّ عنه عليه السلام في تعليمه لهما المشتمل علي الاسرار يجمعها قول الصادق عليه السلام اجعلوا لنا ربّاً نؤُبُ اليه و قولوا فينا ما شئتم و لن‌تبلغوا فقال له الساۤئل نقول ما شئنا قال عليه السلام و ما عسي اَنْ تقولوا واللّهِ ماخرج اليكم من علمنا الّا الف غير معطوفة ه‍ ، و انما قيّد بالمستقيم تنبيهاً علي انّ غيره ايضاً سُبُلٌ و لكنها غير مستقيمةٍ بل تهجُم بسالكها علي كلّ ما يكرهه اللّه و امّا هذا عليه السلام فانّ الله تبارك و تعالي خلقه في احسن تقويمٍ و صوره علي صورة مشيّته و محبّته بحيث لَوْ تُرِكَ وَ ميل نفسه بفطرته و شهوة بنيتِه۪ لم‌يفعل الّا ما يريد اللّه تعالي لانه هو و اهل بيته الطاهرين عليهم السلام علّاهم اللّٰهُ تعالي بتَعْلِيَةِ محمدٍ حبيبه و رسوله صلي الله عليه و اله و سَما بِهم الي رتبته و هو صلّي الله عليه و اله قد خلقه اللّه علي فطرةٍ لايحتمل الامكان فطرة لبَشرٍ اعدل من الفطرة التي فطره عليها فلذا قال و انّك لعلي خلقٍ عظيمٍ و لاجل انّ اللّه عز و جل سما به الي رتبة المستقيم الذي ليس في الامكان استقامة تزيد علي استقامته او تساويها سمّاه بعليٍ و وصفه بالصراط المستقيم و قوله و في رواية اخري عن واحد منهم عليهم السلام في تفسير الاميرزا القمي (ره‌) قال حدثنا محمد بن القاسم الاسترابادي المفسّر قال حدثني يوسف

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 626 *»

بن محمد بن زياد و علي بن محمد بن سيّار عن ابويهما عن الحسن ابن علي بن محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابيطالب عليهم السلام في قوله اهدنا الصراط المستقيم قال اَدِمْ لنا توفيقَك الذي به اطعناك فيما مضي من ايامنا حتي نطيعَك كذلك في مستقبَلِ اعمارنا و الصراط المستقيم هو صراطانِ صراط في الدنيا و صراط في الاخرة فامّا الطريق المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلوّ و ارتفع عن التقصير و استقام فلم‌يعدل الي شي‌ء من الباطل و الطريق الاخر طريق المؤمنين الي الجنّة الذي هو مستقيم لايعدلون عن الجنة الي النار و لا الي غير النار سوي الجنّة ه‍ ، و المروي عنه هو الحسن العسكري عليه و علي ابائه و ابنه السلام في تفسيره و فسّر اهدنا بالمعني لا باللغة فقال اَدِمْ لنا توفيقك و فيه تنبيه علي ان العمل الباقي هو ما دام عليه المكلف او انّ الهداية انما تكون ملكة و طبيعة بالدّوام اوْ انّ الاعتبار في الاعمال بما يكون خاتمة لها كما يشير اليه قوله تعالي و جاۤءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنتَ منه تحيد و الصراط صراطان صراط في الدنيا و صراط في الاخرة فامّا الطريق المستقيم اعني الصراط فانه لغة و شرعا و عرفا هو الطريق و هو في الدنيا ما قصر عن الغلوّ و الافراط و ارتفع عن التقصير و التفريط و استقام لتوسطه بين الطرفين فلم‌يعدل بالسالك فيه الي شي‌ء من الباطل لان الباطل لايكون شي‌ء منه مستقيما بل اما افراط و ارتفاع و اما تفريطٌ و انْحِطاط و معني استقامته انطباقه علي ما يحب الله بامتثال اوامره كما امر و اجتناب نواهيه كما نهي و الطريق الاخر يعني الصراط الذي في الاخرة طريق المؤمنين الي الجنّة الذي هو مستقيم يعني بغير ارتفاعٍ و لا تقصير لايعدلون يعني السالكين له عن الجنّة الي النار و لا الي غير النار سوي الجنة و قوله عليه السلام و لا الي غير النار سوي الجنة لايريد به ان هناك شيئا ليس بنارٍ و لا جنّة ليحترز بهذا عنه بل المراد بيان ما هو الواقع اذ ليس شي‌ء في الاخرة لاحد من المكلفين الا الجنّة او النار كما قال صلي اللّه عليه و اله ليس وراۤء دنياكم هذه بمستعتبٍ و لا دار الّا جنّة اَوْ نار ه‍ ،

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 627 *»

و عنهم عليهم السلام نحن ابواب اللّه و نحن الصراط المستقيم امّا انّهم عليهم السلام ابواب اللّه فانه تعالي حيث كان لايدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار اختار محمداً و اله صلي الله عليه و اله من جميع خلقه و انهي اليهم علم ما خلق بعد اَنْ اشهدهم خلق جميع ما خلق و اقدرهم علي ما اراد منهم ثم جعلهم اولياۤء علي ساۤئر خلقه اقامهم بيوتاً و خزاۤئن لاسرار العبودية و اقامهم ابواباً له تعالي في تلك الخزاۤئن في اداۤء ما جعَل لخلقه كما جعلت النار في السراج الشعلة المرئيّة التي هي دخان من الزيت الذي كلّسَتْه و نعّمته فاستضاۤءَ بفعلِها فيه باباً لجميع اشعة السراج في احداثها و امدادِها بما به هي و بما به بقاۤؤها و للاَبْواب باعتبارٍ اربعُ مراتبَ بل خمس مراتب الاولي مرتبة الامثال العليا و هي المقامات باعتبارِ نسبة الافعال اليه تعالي بمعني انّ اللّٰه تعالي فاعل لافعاله بهم و باعتبارِ اَنّهم فاعلون باذن اللّه و امره لايكونون ظاهراً ابواباً الثانية مرتبة المشيّة الحاۤلّةِ فيهم فهم ابواب ظهور آثارِها بهذا الاعتبار الثالثة مرتبة الامر المفعولي اعني النور المحمدي صلي الله عليه و اله و هذه مرتبة المعاني فهم باعتبار انّ الوجودات الحادثة تشرق من شعاعهم ابواب لاشراقها و في المراتب الثلاثة الغالب فيها اطلاق غير الابواب ففي الاولي الاطلاق الغالب عليها الامثال العليا و المقامات و العلامات و في الثانية الاطلاق الغالب عليها المشية و الارادة و الاختراع و الابداع و الامر الفعلي و في الثالثة الاطْلاق الغالب عليها المعاني اي معاني الافعال و الامر المفعولي الرابعة مرتبة الابواب و هي مرتبة عقل الكل و القلم قال له الله سبحانه و تعالي ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل الخامسة ايْضاً مرتبة الباب و هي مرتبة نفس الكل و اللوح المحفوظ قال عليه السلام ظهرت الموجودات من باۤء بسم اللّهِ الرحمن الرّحيم و باعتبارٍ اخر الابواب اربعة

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 628 *»

الاوّل ركن العرش الايمن الاعلي و هو باب الرزق الثاني ركن العرش الايمن الاسفل و هو باب الحيوة الثالث ركن العرش الايسر الاعلي و هو باب الموت الرابع ركن العرش الايسر الاسفل و هو باب الخلق و امّا انهم الصراط المستقيم فكما مرّ عليك بعض معانيه .

قال } و هذه الاحاديث المروية عن ساداتِنا عليهم السلام متوافقة المعاني و البواطن يحتاج شرحها الي بسطٍ في الكلام مَن اراد الاطّلاع عليه فليرجع الي تفسيرِنا لفاتحةِ الكتاب و الاشارة اليه انّ للنّفس الانسانية من مبدء حدوثها الي منتهي عمرها الدنيوي انتقالات نفسانيّة و حركات جوهريّة لاجلها في نشأة ذاتيّة فكل نفسٍ صراطٌ الي الاخرة بوجهٍ كما انها سالكة ايضا بوجهٍ فالمتحرك و المسافة شي‌ء واحد بالذّات متغاير بالاعتبار فالنفوس صِرَاطاتٌ الي العاقبة بعضها مستقيمة و بعضها منحرفةٌ و بعضها منكوسة و المستقيمة بعضها واصلة و بعضها واقفة او معطّلة و الواصلة بعضها سريعة و بعضها بَطيۤئة و اتمّ الصِّراطات المستقيمة نفس اميرالمؤمنين عليه السلام ثم نفوس اولاده المقدّسين عليهم السلام { .
اقول انّ هذه الاحاديث و غيرها من اَحَاديثهم عليهم السّلام كلّها متوافقة في المعاني و البواطن و لكن بيانها يحتاج في تعريفه و في فهمِه الي اِمْدَادٍ منهم عليهم السلام و قوله يحتاج شرحها الي بسطٍ في الكلام صحيح و قوله من ارٰادَ الاطِّلاعَ عليه فليرجع الي تفسيرنا لفاتحة الكتاب يريد به تفسير معني الصراط علي تفسير التأويل كما ذكره في قوله و الاشارة اليه و انا اقول مَن اراد الاطلاع علي معني الصراط بتفسير الباطن الذي هو معني كونهم (ع‌) الصراط المستقيم و كون ولايتهم عليهم السلام الصراط المستقيم فليرجع الي شرحنا علي الزيارة الجامعة الكبيرة فانه قد حوي ما لايحويه كتاب و لايجري عليه خطاب فاني قد ذكرت فيه من اسرار معرفتهم ما هو من المكتوم المستور عن اولي الالباب و شاهدي العيان لمن كان له عينانِ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 629 *»

و قوله و الاشارة اليه انّ للنفسِ الانسانيّة يعني بها الناطقة القدسيّة فينا و فيهم عليهم السلام الملكيّة الالهيّة المعبر عنها باللوح المحفوظ و ليست هي النباتية و لا الحيوانيّة الحسّيّة الفلكية و لا البَرْزخيّة و ليست هي التي من عرفها عرف ربّه لا فينا وَ لا فيهم عليهم السلام لان التي من عرفها عرف ربّه هي وجوده من الله تعالي المعبّر عنها بالنور التي خلق منها و بالفؤاد و بحجاب الجلال من مبدئ حدوثها الي منتهي عمرها الدنيوي انتقالات نفسانيّة يعني انّها بكونها و نفس وجودها تتنقّل الي جهة مَبْدئِها بحركاتٍ جوهريّة و هي تَنقّل نفس الشي‌ء بكنهه من غير موجب من خارج و نحن قد ابطلنا فيما سبق هذه الحركة بان يكون جوهر الشي‌ء منتقلا عن رتبةٍ الي اخري بنفس ذلك الجوهر من غير داع موجب للانتقال غير نفس الجوهر و اثبتناها بالموجب الخارجي المتجدّد مثل ما لو كان في موضع من الارض جزء من الزيبق الصافي اتصل به جزءان من الكبريت الصافي و امتزجا فانهما لايزالانِ في موضعهما كما هما من غير تغيير و لا انتقالٍ فاذا اتّصلت حرارة الشمس بهما مع الرطوبة الطبيعيّة و استمر ذلك من غير عروض يبس لقلّة التبريد و الترطيب و بالعكس فانهما ينعقدان ذهبا فينتقلان بالمعين الخارجي من مدد الشمس و القمر علي نِسْبة الجزئَيْن فالنَّفْسُ تنتقل صاعدة بمدد اعمالها الصالحة و نازِلةً بمددِ اعمالها الطّالحة فَاثبات الحركة الجوهريّة صحيح بهذا المعني و هو انّ الجوهر يترقّي بالمدَدِ وَ يتحرّك بالمحرِّكِ في نشأة ذاتية لان انتقالها بالحركة الجوهريّة من نشأةٍ ذاتيّة الي نشأةٍ ذاتيّة و لكن المصنّف يذهب الي انّ النفس تترقّي بحركتها الي اَن تكون عقلاً و نحن نمنعُ ذلك لانّ النّفس ماۤدّتها التأييدات العقلية و هي اشراقات من العقل مَحلّها من العَقْل محلّ الاشراق من الشمس فكما لايكونُ الاشراق بترقّيه مشرقا وَ لَا النّور منيراً كذلك لاتكونُ النَّفْسُ بِترَقّ۪يها عقلاً و المصنف يثبت التعقل و ادراك المعقولات و ينفي وجود العقل فلا بُدَّ له من ان يحكم علي النفس بالوصول الي هذه فمراده انّها تكون عقلا انّها تعقل الاشياۤء لا انّها تنقلِبُ عقلاً عنده لانه لايثبت العقل و نحن نقول النّفس تدرك الصُّور و امّا

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 630 *»

المعاني فلا اذ لايدركها الا العقل و الحاصل ان النفس اذا ثَبتَ لها الحركة الجوهريّة ترقَّتْ بحركتها سواۤء قيل بنفسها كما يقول ام بموجبٍ خارجيّ مُحرِّكٍ كما نقول و لاتزال صاعدة في سيرها الي جهة مبدئِها بلا نهاية لكنها لاتتّصل بمبدئها ابداً و انّما تسير في المراتب النفسانيّة فسيرُها في نفسها صراطها فكل نفس صراط الي الٰاخرة بوجهٍ اي من حيث هي ساۤئرة فيْه فالمتحرّك و المسافة شي‌ء واحد بالذات متغاير بالاعتبار لان السالك ساۤئر بتنقّلِ نفسه في اطوارها و ان كان السالك من حيث هو سالك غير مسافة سلوكه في الاعتبار فالنفوس صراطات الي عواقبها و لكنها بحسب تحريك محرّكها فان كانت الاعمال المحركة صالحةً كانَتْ باعمالها صراطات مستقيمة لان اعمالها كانت مستقيمة لكونها مطابقةً لامر اللّهِ و نهيه اللّذينِ هما مستقيمانِ لمطابقتهما لفعل الله و سير النفوس انما هو بتلك الاعمال و ان كان سيرها في انفسها و بعضها منحرفة لان اعمالها منحرفة لكونها غير مطابقةٍ لامر اللّه و نهيه و بعضها منكوسة ناكسوا رؤسهم عند ربّهم لان اعمالها منكوسة لكونها علي عَكسِ ما امر الله و نَهي فكانت اعمالها التي هي المحركة لها اظلّة معاكسة لاوامر الله و نواهيه و الظل منتكس من الشاخص القاۤئم و تلك المنكوسة تحرّك العاملين علي مقتضي اوضاعها فتحركت النفوس العاملة بحركة اعمالها فكانَتْ صراطاتها منكوسة لان جاعلها تعالي كذلك انّما جعلها بقَوابلها و قوله و المستقيمة بعضها واصلة و بعضها واقفة او معطّلة ليس بصَحيح لان المستقيمة لاتَقِفُ الّا اذا طرء عليها الاعوجاج كما لو صعدت بعمل صالح درجة و انحطّت بعمل طالحٍ درجةً و صعدت بصالحٍ درجة و انحطّت بطالحٍ درجة و هكذا فانها بتردُّدِها بين الصعود و النزول ينسب اليها الوقف لعدم تجاوزها رتبتها الاولي في الجملة كما كانت بنوااسراۤئيل في التيه لبثوا اربعين سنةً في ستّة فراسخ يسيرون من الصباح الي المساۤء فاذا هم بحيث ارتحلوا عنه فلايتحقّق الوقف و لا التعطيل في شي‌ء من الممكنات الّا بمثل تيه بني‌اسراۤئيل و نحوه و امّا الوصول فيكون للساۤئِر۪ينَ الي اللّه تعالي في الطريق الذي امرهم بسلوكه و حال هؤلاۤء في سيرهم في كل

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 631 *»

رتبة واصلون و غير واصلين بمعني ما في حديث الاسرار حيث يقول تعالي في شأنهم في دار قربه الجنّة كلّما وضعتُ لهم علما رَفعْتُ لهم حلماً و ليس لمحبّتي غاية و لا نهاية ه‍ ، و عدم الوصول للمحجوبين عن ربهم فانهم لايزدادون بسيرهم الّا بُعداً عن اللّه تعالي بمعني انهم صاۤئرون الي الله تعالي حيث يكره كما ان الواصلين صاۤئرون الي الله تعالي حيث يحبّ و النفوس الواصلة الي اللّه عز و جل اعني الصاۤئرات اليه حيث يحبّ منها سَرِيعات السير الي الله تعالي لانهم تخفّفوا و اجتمعت قلوبهم و تجمّعت شؤنهم علي رضي الله تعالي فقربوا الي الله عز و جل من غير ان تقصر المسافة بينهم و بينه تعالي و السابقون السابقون اولۤئك المقرّبون الذين بسط لهم بساط القرب في سفح رضوانه ان المتقين في جناتٍ و نهر في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدرٍ و منها بطيۤئات السّير لثِقَلِهم بشَواۤئب من احوال الخلق فرّقت قلوبهم و بها تفرّقت شؤنهم فقعدَتْ بهم تصادم الدواعي فابطأوا في سيرهم و قوله و اتمّ الصراطات نفس اميرالمؤمنين عليه السلام ثم نفوس اولاده المقدّسين عليهم السلام يحتمل وجوهاً حيث لم‌يذكر نفسَ النبي صلي اللّه عليه و اله مع انّها اتم من نفوس آلِه۪ عليهم السلام الاول انّه ورد ان الصراط المستقيم اميرالمؤمنين عليه السلام و اهل بيته عليهم السلام فاستطرد عند ذكره و وصفه بالصراط المستقيم تفسير الصراط المطلق المشتمل علي المستقيم و غيره و بيّن ان نفسه و نفوس اولاده المعصومين عليهم السلام اتمّ الصراطات المذكورة لان المذكور هُنَا هو و اولاده عليهم السلام و النبي صلّي اللّه عليه و اله لم‌يذكر في الموصوفين بالصراط المستقيم و ان كان فسّر مطلق الصراط لان الموجب لذكر المطلق هو ذكره بالصّراط المستقيم و لعلّ المصنف لم‌يرد غير هذا الوجه الثاني انّه عليه السلام هو المشتهر بالولاية و النّبي صلي الله عليه و اله اشتهر بالنبوة و الولاية فسّرت بالصراط المستقيم دون النبوة الثالث انّ نفس النّبي صلّي اللّٰه عليه و اله هي الغاية التي الصراطات كلّها

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 632 *»

تؤدّي اليها لما دلّت عليه الادلّة النقلية و العقليّة علي ان كلّ شي‌ء فمردّه و مصيره الي اللّه تعالي و قد دلّت الادلّة عقلا و نقلاً علي انّ الردّ الي الله و الرجوع و المصير اليه هو الرد و الرجوع و المصير الي رسوله صلّي اللّه عليه و اله في الدنيا و الاخرة لان الحوادث لاتنتهي الّا الي مثلها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطّلب الي شَكْله و قوله عليه السلام في شَأْن النّبي صلَّي اللّٰهُ عليه و اله في خطبته يوم الجمعة و الغدير قال اقامَهُ في سَاۤئر عالَمِه۪ مقامَهُ في الاداۤء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحْويه خواطر الافكار ه‍ ، و اذا قطعنا النظر عن كلام المصنف و عن مراده فلك ان تعتبر الوجه الثالث لانه هو الجاري علي تفسير باطن الباطن و بيان السّر المقنّع بالسّر و لك ان تفسّر الصراطات المطلقة مطلقا يعني الشاملة لكلّ احَدٍ فان قلتَ اكملها تعيّنَتْ نفس النبي صلي اللّه عليه و اله و ان قلتَ اتمّها فكما قال المصنف و لك ان تستعمل اتمّ بصيغة التفضيل المطلق فتقول اتمّها نفس النبي صلي اللّه عليه و اله و تلك الاتميّة الحقيقيّة و ان اردت الاتميّة الاضافية فكما قال المصنّف و قد اشرنا ان تفسير المصنف للصّراط من تفسير التأويل و اذا فسّرناه بتفسير الباطن فصورته الاعمال الشرعيّة و مادته بل حقيقته الوجودات التكليفيّة اذ بها تترقّي الذوات لانها هي لُبُّها و بيانه في المثال ان الشخص اذا قام بحدود اللّه و فعل ما امره اللّه فذلك صورة صراطه الي الجنّة فاذا فعل ذلك و استقام عليه كتب الله في قلبه الايمان و ايّده بروح منه يسدّده و يرشده الي طريق النجاة و يعينه علي ما يرضي و يحبّب له ما عند اللّه فيكون بذلك راضيا بما يرد عليه من اللّه فيكون مرضيا عند اللّه فتشابه نفسه اواۤئل جواهر عللها فهذا مادة صراطه و حقيقته فهذه هي سفينته التي توصله الي القرب من اللّه و تحرّك نفسه و ذاته الحركة الجوهريّة الذاتية لانها هي ارواح نفسه و تساقيه الكونية كما هو مذكور في مرءاة الحكماۤء يشاهد عيانا هناك بان هذه الارواح الشرعيّة هي تساقيه التي لاتبلغ الكمال بدونها و هي تبلّغ الحجر الرخيص درجة الياقوت الاحمر البَهْرمَاني العديم النظير و الي ما اشرنا اليه اشار الامام الناطق جعفر بن محمد الصادق عليهما

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 633 *»

السلام بقوله بالعقل يُستخرج غَور الحكمة و بالحِكمةِ يُستخرَجُ غَور العقل ه‍ ، فان النفس تعمل الاعمال و الاعمال ترفعها الي غاية الكمال و تقرّبها من ذي الجلال .

قال } و ذلك بحسب القوتين العمليّة و النظريّة و اليهما الاشارة في الحديث بصراط الدنيا و صراط الاخرة فالاول عن تحصيل العدالة و ملكة التوسط في استعمال العملي القوي الثلاثة الشهويّة و الغضبيّة و الوهميّة بين الافراط و التفريط لئلّايكون فاجرا و لا خاملا بل عفيفا و لايكون متهوِّراً و لا جَباناً بل شجاعا و لايكون جَرْبَزاً و لا ابله بل حكيما لتحصل من تركيب هذه الاوساط هيئة اذعانيّة انكساريّة للقوي و هيئة استعلاۤئيّة للروح عليها و التوسّط بين الاطراف الشديدة بمنزلة الخلو عن جنسها فتصير النفس كأنها لا مرتبة لها من الصفات النفسانية التعلقيّة و لا مقام لها في الدنيا يا اهل يثرب لا مقام لكم فصارت كمرءاةٍ مجلوّة تستعدّ لان تتجلَّي فيْها صورة الحقّ و ذلك لايحصل الّا بانقياد الشريعة و طاعة الامام المفترض الطاعة و هذا معني كون صراطٍ في الدنيا هو الامام (ع‌) { .
اقول قوله و ذلك بحسب القوتين العملية و النظرية يعني انّ كون النفس هي الصراط المستقيم لسيرها في ذاتها بحركتها الجوهرية انما هو بحسب قوّتَيْها العمليّة و النظريّة فعلي قدر عَملها و عِلمها تنتقل ذاتها بذاتها و نحن نقول كما انّ الدخان الذي في السراج انما استنار بمس النّار و استضاۤء بفعلها فيه لا بنفسه و كما استضاۤء الجدار باشراق الشمسِ لٰا بنفسه كذلك النفس انما انتقلت في درجاتها و معارجها بالاسباب الخارجيّة و هي العمل فانّه علّة النّور التشريعي المسمي بالقوّة العملية و العلم فانّه علة النور الكوني المسمي بالقوة العلميّة و النظريّة و بالعمل يُسْتخرج غَوْرُ العلم و بالعلم يُسْتَخْرَجُ غور العمل و الي الاول الاشارة بقوله تعالي مازال العبد يتقرّبُ اليَّ بالنّوافِلِ حتي احبّه فاذا احببته كنتُ سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به الحديث ،

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 634 *»

و الي الثاني الاشارة بقوله صلّي اللّه عليه و اله ليس العلم بكثرة التعلم و انما هو نور يقذفهُ اللّه في قلب مَن يشاۤء فينفسح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاۤء قيل و هل لذلك من علامةٍ فقال (ص‌) التجافي عن دارِ الغرورِ و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموتِ قبل نزوله ه‍ ، فتنقّل النفوس في درجات كمالاتها انما هو بالقوّتين اللّتين هما كسبيّتا المقدّمات موهبيّتا الذّوات فافهم لا بذوات النفوس و قوله الاشارة في الحديث صراط الدنيا وَ صِراط الٰاخرة يريد به ان استعمال القوّة العملية هو سير النفس بذاتها في تعديل قواها و ملكاتها و هو الصراط في الدنيا و ان استعمال القوّة العلمية النظريّة هو سير النفس في مراتب اطوارها و اَطْوار الموجودات الحسّية و النفسيّة و العقلية و هو الصّراط في الاخرة

و قوله فالاوّل عبارة عن تحصيل العدالة و ملكة التَّوسُّط بين الافراط و التفريط و المراد بملكة التوسط ما قرّ من مجموع الطَّرفين كما ذكره المصنف اَوِ القوّة المتوسِّطة في الذات و الصفة و الفعل المقتضي للٰاثار الحَسَنةِ بين الطرفَيْنِ كذلك فانّ القوة المعتدلة نور و الطرفانِ ظلمة فَلَاتتركب منهما اذ المتركب من الظلمتين ظلمة اشد منهما و ذكر الملكة احتراز عن الحال فان الملكة ما قرّ من الاعمال و الاحوال حتّي كان كالطبيعة و الحال ما لم‌يقرّ بل يتبدّل و تحصيل العدالة برياضة العقل و حضر النفس علي ملازمة اداب الشرع من الاوامر و المندوبات و اجتناب المناهي و المكروهات فالقوي التي تحصل بينها العدالة العملية ثلاث القوة الشهويّة فاعتدالها و حسنها ان يكون فعلها بالعقل الذي هو شرع باطن و بالشرع الذي هو عقل ظاهر بان تكون جارية علي مطابقتِهما و يكون عفيفا متّقِيا للهِ سبحانه و للنفس الامارة و ميولاتها و للخلق و هي ملكة تحصل بالتدريج و مداومة الاحوال الطيّبة حتّي تثبت و تكون ملكةً و هي فطرة مطابقة لفطرة الصنع التي فطر اللّه عباده عليها و هي بين الافراط بان يكون صاحبها

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 635 *»

فاجراً و بين التفريط بان يكون خاملاً و الخٰامِل الساقط الذي لا نَباهةَ له و القوة الغضبيّة اعتدالُها و حسنُها ان يقصر انبساطها و انقباضها علي موجب العقل و الشرع بان تكون مطابقة لمقتضاهما باَنْ يكونَ صاحبها شجاعاً و هي ملكة مطابقة للفطرة الايجاديّة و هي بين الافراط الذي يكون صاحبه متهوِّراً و هو مَن لايبالي و لاينظر العواقب و بين التفريط الذي يكون صاحبُه جَباناً و القوّة الوهميّة حسنها و اعتدالها ان يكون بحيث يدرك الفرق بين الصدق و الكذب في الاقوال و بين النافع و الضاۤرّ في الٰاراۤء و بين الحسن و القبيح في الافعال و هذه الملكة هي الحكمة العمليّة و هي علة ثبات الحكمة العلمية النظريّة و بقاۤئها و هي بين الافراط الذي هو الجربزة من جربز اي ذهب او انقبض او سقط معرب كربز و هذا الافراط تحصل منه اثار قبيحة كالدُّها و المكر و الخِدٰاع و الحيلة و الغواية و الشيطنة لان قوة الادراك اذا لم‌يعتدل بتأديبات العقل و الشرع تحصل منه هذه الصفات القبيحة و امثالها و اذا اعتدل بتأديبات العقل و الشرع حصل منه التفرقة بين الحق فيأخذ به و بين الباطل فيتركه فيحصل منه جودة الذهن و التفطّن لدقاۤئق الاعمال و لافات النفس الامارة و الظن الصحيح و الرأي المصيب و لطافة الحسّ و ذكاۤء الفهم و بين التفريط الذي يكون صاحبه ابْله اي الغافل و الاحمق الذي لا تمييز له و القليل الفطنة لدقاۤئق الامور و المتحيّر و المنخدع و قوله ليحصل من تركيب هذه الاوساط اي وسط ما بين الفاجر و الخامل في الشهوية و ما بين المتهوّر و الجبان في الغضب و ما بين المجربز و الابله في الوهمية هيئة اذْعٰانية اي سريعة في طاعة العقل و الشرع منقادة لهما و هي العفّة و الشجاعة و الحكمة انكساريّة اي خاضعة ذليلة مقيّدة بقيود تأدّباتها العقلية و الشرعيّة للقوَي الطامحة الافراطية و القاعدة التفريطية من الشهويّة و الغضبية و الوهميّة و هي ايضا هيئة استعلاۤئيّة اي انّ هذه الهيئة تستَعْلي الروح بها علي القوّة الشهويّة و القوّة الغضبية و القوة الوَهْميّة بكسر اِفْرَاطاتها و تفريطاتها و انما ذكر

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 636 *»

الروح لانّها قريبة من العقل او انّ المراد منها العقل لاطلاقها عليه في كثير من المقامات و قوله و التوسط بين الاطراف الشديدة اي القويّة المتقابلة بمنزلة الخلوّ عن جنسها يشعر ان القوّة المتوسطة بين الطرفين انها مركبة منهما و كذا قوله قبل هذا من تركيب الاوساط و قد نبّه بعضهم علي هذا ايضا اخذا من ان الشي‌ء المتولّد من شيئين انه مركب منهما كتأليف العَقّار المعتدل في المزاج انه من العقاقير المتضاۤدة كالكافور و المسك يعمل منهما كحل معتدل في الحرارة و البرودة و قد ذكرنا بطلان هذا لان الطرفين الافراط و التفريط في القوي الثلاث ظلمة و الوسط الاعتدالي فيها نور و لايكون مركبا من الطرفين لانّ المركّب من الظّلمتين اشدّ ظلمةً منهما و كذا قوله و التوسّط بين الاطراف الشديدة بمنزلة الخلُوِّ عن جنسها فانه يشعر بان الوسط مركب من الطرفين الّا انه بمنزلة المغاير لهما و مراده ان النفس المتصفة بالتوسط بين تلك الاطراف لما كانت بمنزلة الخلوّ عن جنسِها الذي هو التعليقي بالاجسام الظلمانية صارت كأنها لا مرتبة لها من تلك الصفات التعليقية فقد فارقت احوال الدنيا فلا مقام لها فيها و اسْتشهد بتأويل هذه الاية علي مفارقتها فصارت النفس بعد مفارقتها للافاق الضيّقة كأنها مرءاة قد استعدّت بصفاتها و نوريّتها لان تتجلّي فيها صورة الحق تعالي و ذلك لايحصل لها الّا بانقياد الشريعة و طاعة الامام عليه السلام المفترض الطاعة و اقول اذا ثبت ان الامام عليه السلام مفترض الطاعة وجب اَنْ يطاع في منعه لكون شي‌ء تتجلّي فيه صورة الحق تعالي الّا اذا اريد بالصورة مثاله الاعلي اعني صورة ظهوره بايجاد تلك النفس فان صورة ايجاده۪ لها تتجلّي فيها فاذا تزكّتْ بما اشرنا اليه سابقا القي المثال الّذ۪ي هو صورة ايجادهَا فيها لانّه تعالي تَجلَّي لها بها و بها امتنع منها كما قال اميرالمؤمنين عليه السَّلام لاتح۪يطُ به الاَوْهَام بل تجلّي لَها بها و بها امتنعَ منْها و لاتتجلّي فيها اِلّا الصورة ذات المقدار وَ لَاتنسب الي الحقّ تعالي الّا مَجٰازاً و قوله و هذا معني كون صراط الدنيا هو الامام (ع‌) يُر۪يد اَنَّ معني كونِ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 637 *»

صراطِ الدنيا هو الامام عليه السلام هو اَنَّ كمال النفس و حصول التوسط لها بين الطرفين انّما هو بطاعة الامام عليه السلام مع انّه ذكر قبل هذا انّ صراط الدنيا هو عبارة عن تحصيل العدالة و ملكة التوسّط في استعمال العملي القوي الثلاثة و قوله ان ذلك لايحصل الّا بانقياد الشريعة و طاعة الامام عليه السلام يشعر بانّ صراط الدنيا مشروط بطاعة الامام عليه السلام لا انّ الامام هو صراط الدنيا بهذا المعني و انّما الامام عليه السلام هو صراط الله في الدنيا و الاخرة و هو الصراط للخلاۤئق ايضا في الدنيا و الاخرة اذ لايصل شي‌ء من الله سبحانه الي احد من الخلق بعد محمد صلي اللّه عليه و اله الّا بواسطة الامام عليه السلام اذ هو باب الله تعالي في الخلق و الرزق و الحيوة و الممات بمعني ان اللّه تعالي اعطي الخلاۤئق ما يستحقونه بقوابلهم بواسطة الامام عليه السلام و لايصعد عمل و لايقرب عامل الي اللّه تعالي الّا بواسطته و امّا ما في رواية المفضل بن عمر المتقدمة التي ذكر فيها ان الصراط الذي في الدنيا هو الامام عليه السلام فالمرادُ منه انه عليه السلام هو الصراط لجميع المكلّفين في الدنيا في مقابلة ان الصراط في الاخرة جسر علي جهنم فما الصراط في الدنيا فانها مثل الاخرة و كل ما في هذه في هذه فاخبر عليه السلام بانّه الامام عليه السلام لا ان الامام عليه السلام ليس صراطاً في الاخرة بل هو صراط في الدارين للحقّ تعالي و للخلقِ اجمعين .

قال } و الثاني عبارة عن مرور النفس بقوّته النظريّة و عقله العلمي علي مراتب الموجودات و الاطوار الحسّية و النفسية و العقلية و خروجها من مَكامِن الحجب و الغواشي الي اضوية افضية الانوار الالهية فللصراط المستقيم وجهان احدهما احدُّ من السيف مَن وقف عليه شَقّه و الاخر ادقّ من الشعر و الوقوف علي الاول يوجب القطع و الفصل كقوله اثّاقلتم الي الارض ارضيتم بالحيوة الدنيا من الاخرة و جاۤء في الخبر يمرّ المؤمن علي الصراط كالبرق الخاطف و الانحراف عن الثاني يوجب الهلاك و العقاب انّ الذين لايؤمنون بالاخرة عن الصراط لناكبون { .
اقول يريد بالثاني القوة النظرية اي عقله العلمي يعني ان النفسَ اذا

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 638 *»

ادركتِ العلوم بصَدْرِها و عقلت بعقلها المعاني و بحواۤسها الباطنة صور المحسوسات الغيبيّة و بالظّاهرة صورها الظاهرة الشهاديّة و شاهدت بحسّها الاطوار المحسوسة و بحسّها الباطن اطوار الحواس الباطنة و بصدرها اطوار جوهر هباۤئها و اطوار طبيعتها النورانية وَ اطوار رقاۤئقها بروحها و اطوار عقلها بتعقّل عقلها و عرفَتْ ايات ربها الّتي في ذاتها بذاتها التي هي فؤادها و جهتُها من ربّها فقد مرّت علي جميع مراتب الموجودات و وقفَتْ عند تكوين كل شي‌ءٍ منها حين بدئه من عالم الامكان الراجح الي عالم الامكان المساوي اعني عالم الاكوان و تحقّق حينئذٍ خروجها عن مكامن الحجب وَ الغواشي الي اضوية افضية الانوار الالهيّة و هذا هو الصراط الّذي قال انّه في الاخرة و نحن قد بيّنّا فيما مضي ان الحكمة النظريّة لَيْسَت هي الصراط الاخروي الموصل الي السعادة الابديّة بنفسه كما يظهر من كلام المصنف في ساۤئر كتبه تبعاً للحكماۤء الذين لم‌يبنوا ثمرات حكمتهم علي مقتضي الشراۤئع و الكتب السماويّة و قد اشرنا الي ذلك فيما تقدم و ذكرنا ان الصّراط الموصل الي السَّعادة الابديّة انّما هو الحكمة العمليّة التي هي شرط في تحقق النظريّة و في بقاۤئها كما قال عليه السلام العلم يهتِف بالعمل فان اجابه و الّا ارتحل عنه ه‍ ، و في صحّتها قال تعالي انّما يخشي اللّٰهَ من عباده العلماۤء ، و قال الصَّادِقُ عليه السلام في الدعاۤء كما رواه الشيخ في المصباح لا علمَ الّا خشيتُك وَ لَا حُكْمَ الَّا الايمانُ بك لَيْس لمَنْ لم‌يخشك علم و لا لِمَنْ لم‌يؤمِنْ بك حكم ه‍ ، نعم النّظريّة شرط في كمال العَملية اَوْ في صحّتها اذ قَدْ يُقْبَل العمل بدون علمٍ و لايُقْبَلُ العِلم بدُونِ عَملٍ و قوله الي اضوية افضية الانوار ليس عبارةً مطابقة علي ما ينبغي اذِ القول المطابق لِلْمَعْنَي اَنْ يقال الي اَفْضية انوار الاضويّة الالهية لانّ الاضويّة جمع ضِيٰاۤءٍ و هو المنير و الافضية جمع فضاۤء و النور شعاع الضِياۤء كما قال تعالي و الشمس ضياۤء و القمر نوراً ، و قوله فللصراطِ المستقيم وجهانِ احدهما احدّ من السيف مَن وقف عليه شَقّه و المراد من تشبيهه بحدّ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 639 *»

السّيف في كونه يشقّ قدم من مشي اوْ وقف عليه الكناية عن دقّته و صعوبة الثّبات و اجتماع المشاعر عليه بل اكثر مَن يمر عليه تتفرّق مشاعره و حواۤسّه الظاهرة و الباطنة و لاتكاد تجتمع المكني عن ذلك بالشقّ فانه يفرّق قدم الساۤئر عليه فرقتين المكنيّ بهما عن الحق و الباطل و الوجه الاخر ادقّ من الشعر كناية عن كونه يمور و يضطرب بالساۤئر عليه و لايثبت عليه الّا من ثبّته اللّه بالقول الثابت من المؤمنين و الوقوف علي الاول اي الوجه الاوّل يوجب القطع و الفصل اي تفريق الادراك و العمل حيث لايقدر الساۤئر علي تخليص الحقّ عن شاۤئبة الباطل و لا علي اخلاص العمل عن شاۤئبة الشرك و الاغراض الباطلة و الغفلات المبعّدة عن الزلفي لديه تعالي فيكون النظر و العمل شِقَّيْنِ لانه احد من السيف فيشق القدم المعبّر به عن بصيرة النظر و نية العمل و استشهاد المصنف بقوله تعالي اثّاقلتم الي الارض ارضيتم بالحيوة الدنيا من الاخرة الذي يراد منه الكناية عن القعود و طلب الراحة و عن العجز يدلّ علي انّه لم‌يفهم المراد من شقّ القدم حيث اشار الي معناه بالتثاقل الي الارض و ان كان من لوازمه و كذا بيانه لكونه ادقّ من الشعر بالانحراف عنه لضيقه عن السلوك و انما هو كناية عن اضطرابه و ان كان الانحراف من لوازمه و استشهاده بقوله تعالي و ان الذين لايؤمنون بالاخرة عن الصراط لناكبون انما هو للانحراف .

قال } بصيرة كشفية اعلم ان الصراط المستقيم الذي اذا سلكته اوصلك الي الجنة هو بعينه صورة هدي النفس الممدودة من مبدءِ الطبيعة الحسّيّة الي باب الرضوان فهو في هذه الدار كساۤئر الحقاۤئق الغاۤئبة عن الابصار لاتشاهد له صورة معيّنة فاذا انكشف غطاۤء الطبيعة بالموت يكشف لك يوم القيٰمة جسراً ممدوداً محسوساً علي متن جهنّم اوّله في الموقف و اخره علي باب الجنّة كلّ مَن يشاهده يعرف انّه صنعك و بناۤؤك و يعلم انه قد كان جسراً ممدوداً علي متن جهنم التي قيل لها هل امتَلئْتِ فتقول هل من مزيد ليزيد في طول طبيعتك و عرضها و عمقها و هي حقيقتك ذي ثلاث شعب و هو ظل غير ظليل لايغني جوهر ذاتك من اللهب لهبِ جهنّم بل هو الذي يقودُها الي لهب الشهوات

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 640 *»

الكامنة نارها الأن البارزة يوم القيمة لقوله و برّزتِ الجح۪يم لمن يري الّا ان يُطفِئَها ماۤء التوبة المطهرة للنفس عن المعاصي و ماۤء العلم المطهّر للقلوب عن رجس الجاهلية الاولي و الثانية { .

اقول يريد ان الصراط الموصل للجنّة هو صورة هدَي النّفس لاصابة الحقّ فيما يسلكه من العلوم النظريّة التي من جملتها ما يحدس من معرفة النيازك و الشهب و تصوّر هالةِ القمر و ترتيب الْوَانِ قوس السَّحَاب و مثل معرفة طباۤئع الاجسٰاد و امثال ذلك من الامور الّتي لا تعلّق لها بشي‌ء من اصول الدين و لا فروعه كما يذهب اليه بعض الحكماۤء كما ذكرنا و الحق انّ الصراط الذي يوصلك الي الجنّة هو سيرك باقدام اعمالك و نظر علمك و معرفتك علي حدود الله و تعريفه للهدي و تعرّفه لك باياته التي في نفسك فانّ صورة هذه الحدود و التعريفات و التعرّفات باياته هي الصراط الممدود يوم القيمة علي جسر جهنم و هو الكلي الجامع لجميع الصراطات الجزئيّة و سَيْرُك علي تلك الحدود و المعالم الّتي هي الصّراط الاعظم الممدود علي متن جهنّم باَقدام اعمالك و بعيني علمك و معرفتك هو صراطك الخاۤصّ بك المُوصِل لك الي ما خُلِقتَ له و قوله الممدودة يعني بها انّ النفس هي صراطها و هي الممدودة جسراً لانها ممتدّة في اطوارِ تكوّناتها من الطبيعة العنصرية التي كنّي بارض الموقف عنها الي باب الرضوان من الجنّة يعني اعلاها الذي كنّي به عن مُرورِ النفس بعلمها النظري عَلي خفايا الموجودات و اطوار التكونات و قد قدّمنا سابقا انّ النفس المجردة ليست من عالم الاجسام و الطباۤئع و انما هي من عالم الملكوت مواۤدّها من تأييدات العقل و اشراقه و انّما تعلّقت بالاجسام بافعالها لان عالم الاجسام مملكتها بمعني ان الاجسام انما خلقت لها فلمّا خلقت لها و مُلِّكَتْها تنزّلت الي مملكتها تتصرف فيها بافعالها لا غير و هي بريۤئة منها في ذاتها اذِ الملكوت مغاير للملك و انّما اَنْزله الحكيم عز و جل الي عالم الملك في الوساۤئط علي جهة التدريج ليتعَلّم لُغَةَ عالَمِ الملكِ و افعاله و كيفيّة اطواره فيعلم علمه فيترقّي في ثمرات افعاله فيه و هي ثمراتُ ما زرع فيه صاعداً الي اَنْ يصل

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 641 *»

الي رتبته في الملكوت و الدّهر فيقعد علي كرسيّه و يستوي علي عرشه فاذا اخذ يترقّي مِنْ رُتبته ترقّي في رُتَبِ آثار الجبروت التي هي من نوع مَواۤدِّه۪ فلايتجاوز نوعه و انّما ترقّيه اشتداده في نوعه و قوله فهو في هذه الدار يعني الصّراط كساۤئر الحقاۤئق الغاۤئبة عن الابصار من حيث الصورة الصراطيّة اعني انه جسر مَمْدود علي جهنّم لاتشاهَد له صورة معيّنة و انما يشاهَدُ منه الاعمال و العلوم لانّ المشاهِد هو النفس و لكنها لمّا نزلت من عالمها الاعلي و غطَّتْ بصيرتَها الاجسام و احوالها قبل ان تمرّ علي الصّراط فلمّا اُمِرَتْ بالمرور علي الصراط في الدنيا لم‌تُشَاهَدْ جسراً مَمْدُوداً علي جهنّم لان بصيرتها غطّتْها غشاوة الاجسام و طباۤئعها فاذا امات نفسه وَ راضَها برياضة اهل الشرع عليهم السلام اجتمع متفرّقها فعاينت عملها و علمها جسراً ممدوداً علي متنِ طبيعتها المكني عنها بجهنّم لانّ سلوكَ مقتضاها مؤدي الي جهنّم لانها خلقت منها اَوْ مُجانسةٌ لها و كذا اذا كشف الغطاۤء بالموت و هو قوله فاذا انكشف غطاۤء الطبيعة بالموت يكشف لك يوم القيمة جسراً ممدوداً محسوسا علي متن جهنّم اوّله في الموقف و اخره علي باب الجنّة ان كان مستقيما و الّا فاخره علي باب النار و انما لم‌يُشَاهَدْ هو و ما دونه بدرجةٍ كاحوال البرزخ و ما فيه من الذوات و الصفات و الاقوال و الاَفْعال و كاَحْوَال القيمة و ما فيها كالصراط و الحوض و تطاير الكتب و الحساب و الختم علي الافواه و انطاق الجَوارح و السلاسل و الاغلال و جميع ما اعدّ للكافرين من انواع العذابِ و جميع ما اُعِدَّ للمؤمنين من انواع الثواب و ما فوق ذلك من عالم الملكوت و الجبروت و ما هنالك من الصفات و الاحوال و الافعال و الاقوال لانّ الناظر الي شي‌ء من ذلك بعين جسمانية ليس معه في صقعٍ بل هذه العين الجسمانيّة و الناظر بها في هذه الاجسام و المنظور اليه في عالم آخر خارجٍ عن عالم الاجسام لان ادني ما ذكر الي عالم الاجسام عالم البرزخ و هو في الاقليم الثامن اسفله فوق محدّب محدد الجهاتِ في الرتبة و عالم الملكوت خارج عن عالم البرزخ و وراۤءه بين مسير الف سنة و عالم الجبروت وراۤء عالم الملكوت بينه و بين

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 642 *»

الملكوت مسير الف سنة و امّا اذا مات او امات نفسه خرج من عالم الاجسام وَ شاهَدَ كلّ عالمٍ وَصل اليه و قوله اوّله في الموقف يريد اوّل الصراط الصوري المشاهد يوم القيمة لا مطلق المشاهدة فان من شاهده في الدنيا شاهد انه في الدنيا ساۤئر عليه فلايكون عنده اوّله الموقف الّا اذا اريد بالموقف الموقف الباطني اعني علي مَعْني التأويل و قوله كل من يشاهده يعرف انه صنعك و بناۤؤك و ذلك لانكشاف الحقاۤئق يوم القيمة يوم تُبْدَي الضّماۤئر و الصراط الممدود جسراً علي جهنّم واحد لانه صورة ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام و الخلاۤئق كلهم مكلّفون بالمرور علي ذلك الجسر الواحد و امّا صراطُك الخاۤص بك فهو صورة سيرك في ذلك اعني سيرك في القيام باوامر اللّه تعالي و اجتناب نواهيه علي النحو الذي امرك به و علمك و اعتقاداتك التي هي سيرك فيما يراد منك معرفته و اعتقادُك له و هو الذي مَن رءاه عرف انّه صنعُك و بناۤؤُك لانه صورة عملك و علمك و اعتقادِك و يعلم ايضا انّ هذا كان جسراً ممدوداً علي متن جهنّم يعني يعلم ان ما كان عليه من القوة العملية و القوة النظريّة هو هذا الجسر الممدود علي متن جهنم الّتي قيل لها هل امتلئتِ فتقول هل من مزيد لانّ عمله و علمه المكلّف بهما ممدودان علي انيّته و طبيعته ليصرفانِها عن مقتضي ميلها الي مَحبّة اللّه تعالي و تضعفَ و تصغُرَ و تتلاشَي كثافتُهٰا و تخفّ فتلحق بالملكوت فتقول هل من مزيد اي هل مَن يقوّي ضعفي و يزيدَ في كمي و كيفي فماازدادت بالتّأديب و التخويف الّا نفوراً استكباراً في الارْض و مكر السيّ‌ء و لايحيق المكر السّي‌ء الّا باهله و هي ظلّ حقيقتِك يعني ماهيّتك ذي ثلاث شعب شعبة النفس و شعبة الطّبيعة و شعبة الجسم و هو ظلٌّ غير ظليل قيل انّما قيل ذي ثلاث شعب لا ظَل۪يل لانّ المثلّث اذا وضع في الاَرْض قاۤئماً علي زاويةٍ مِنْ زَواياه في الشمس لايكون له ظلّ و هذا انما يتحقّق اذا كان ضِلْعٰاهُ القاۤئمانِ لايزيد انفراجُهُمَا عن سَعةِ الشمس اذا فُرِضَ قرصُ الشمس قَاعِدةً لِذَيْنِكَ الضِّلْعَيْنِ بل امّا ان يساوي قاعدة المثلّث الموضوع علي رَأسه في الاَرْضِ او يزيد عليها و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 643 *»

تكون قاعدته الي جهةِ الشّمْس بحيث يكون المثلّث قطعةً من رأس مثلّثٍ قاعدتُهُ قرص الشمس و كون الظلّ غير ظليلٍ لانّه من سنخ النّار و لايُغْني من لهب جهنّم لانّه هو الجالب لها اي للهب الشَّهْوة و الغَضَب لانّ ذلك هو بذْر جهَنّم و لهبها لانّ جهنم و لهبها كامن في الطبيعة و في القوّة الشهوية و الغضبيّة اذا لم‌يُعَدَّلَا و هي الأن كامنة في اهلها فاذا كان يوم القيمة برزت ليكونوا فيها قال تعالي يستعجلونك بالعذاب و ان جهنّم لمحيطة بالكافرين و قال تعالي يصلونها يوم الدين و ما هم عنها بغاۤئبين و قال تعالي لَوْ تعلَمُنَّ علْمَ اليَق۪ينِ لَتَروُنَّ الجحيم ، و قوله الّا اَنْ يُطْفِئَها ماۤءُ التّوبة المطهّرة للنّفس عن المعاصي التي تنشأ عن طرفي الحكمة العمليّة و ماۤءُ العلمِ المطهّر لدنس القلوب الناشي عن رجس الجاهليّة الاولي و الجاهلية الثانية المنبعث عن طرفي الحكمة النّظريّة و المراد بالجاهلية الاولي ما قبلَ بعثة نبيّنا محمد صلي اللّه عليه و اله و ما قبل التوسط بين اطراف الحكمة النظرية و الجاهليّة الثانية ما قبلَ ولايةِ اميرالمؤمنين عليه السلام و ما قبل التوسط بين اطراف الحكمة العمليّة .

قال } قاعدة في نشر الكتب و الصحاۤئف قال تعالي و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشوراً اقرأ كتابَك كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا و قال و اذا الصحف نُشِرَتْ اعلم ان كلّ ما يفعله الانسان بنفسه و يدركه بحسِّه يرتفع منهُ اثر الي ذاته و يجتمع في صحيفة نفسِه۪ و خزانة مدركاته اثارُ الحركاتِ و الافعال و هو كتابٌ مُنْطَوٍ اليومَ غاۤئبٌ عن مشاهدة الابصار فيكشف له بالموت ما يغيب عن البصر في حال الحيوة مما كان مسطوراً في كتاب لايجلّيها لوقتها الّا هو و قد مرّت الاشارة الي انّ رسوخ الهيئات الباطنة و تأكّد الصفات النفسانية و هو المسمّي عند الحكماۤءِ بالملكة و عند اهل الشريعة بالملك و الشيطان مما يوجب خلود الثواب و العقاب فكلُّ مَن فعل مثقالَ ذرّةٍ من خيرٍ او شرٍّ يري اثرَهُ مكتوبا في صحيفة ذاته او صحيفةٍ اعلي منها و هو عبارة عن نشر الصّحاۤئف و بَسْط الكتبِ { .

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 644 *»

اقول نشر الصحاۤئف و الكتب عبارة عن تطاۤئرها و ذلك لانها في قبره موضوعة في اعناق المكلفين كما تقدّم في ذكر كتابتها في قطعة من كفنه باصبعه و ريقه باملاۤء رُومان فتان القبور و كانت في الدنيا كذلك كتبها رقيب و عتيدٌ في ورقةٍ من اللّوح المحفوظ بمعني انه اذا عمل عملاً صالحاً مثلا كما اذا صلّي يوم الجمعة في المسجد ركعتين كتبها رقيب و عتيد كما يكتب المقابل للمرءاة صورته فيها يكتبان صلاته للركعتين بهيئة المصلّي في غيب ذلك المسجد و غيب ذلك الوقت و يبقي ذلك مكتوبا في غيب ذلك المكان و ذلك الزمان الي يوم القيمة فاذا كنتَ حضرته حين الصلوة في المسجد يوم الجمعة لاتزال كلّما التفتَّ بخيٰالك اليه رأيتَ مثاله يصلّي في الصلوة التي حضرته فيها و ان كان العامل قاعداً عندك فان مثاله لايزال في تلك فاذا حضر عندك وجدته لَابِساً لذلك المثال و كذلك لَوْ رأيته سارقاً لشي‌ءٍ و جميع الاعمال مكتوبة بهذا النحو و لكن رُومان فتّان القبور هو الذي يلبسه تلك الامثال المتعددة المتفرّقة المتباينة بان يلبسه الٰاثار القاۤئمة بها فاذا كان يوم القيمة تطايرت ذوات الامثال من امكنتِها و اوقاتها و ذلك حين مُدَّتِ الاَرْض و اَلْقَتْ ما فيها و تخلّت و نشرها ان يجيۤ‌ءَ كُلُّ عَمَلٍ في مكانِه و وقته۪ و مثاله متلبِّسٌ بذلك فكلُّ مثالٍ عاملٌ بعمله فلزيدٍ مثلا الف مثالٍ في الفِ عملٍ بل مائةُ‌الفِ مثالٍ في مائة‌الف عملٍ كل مثال متلبّس بعمله فذلك نشر الكتب و الدواوين و كشف السراۤئر يا مَن اظهر الجميل و ستر القبيح يا من لم‌يؤاخذ بالجريرة و لم‌يهتك السِّتْر يا اللّٰهُ قال تعالي و كلّ انسانٍ الزمناه طاۤئرَهُ في عنقه و ذلك في قَبْرِه۪ عَلَي يدِ رُومانَ و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشورا و هذا كتاب الاعمال الّتي تعمل فيها الامثال و آثارها ما وضعَها رومان في عنقه فيقال له اقرأ كتابك اي الذي طوّقك به رُومان فانه لايخالف الكتاب المنشور الجامع للامثال العاملة بتلك الاعْمال في اماكنها و اوقاتها كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا لانّه اذا رأي نفسه في امثاله عاملةً لاعماله كما تري نفسك في صورتك التي في المرءاة محرِّكةً للصورة لايقدر علي انكارِ ما اَقرَّ به حالة اقراره فكفي بنفسه ذلك اليوم عليه حسيباً و قال تعالي و اذا الصحف

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 645 *»

نشرت و هي كتب الامثال فانها هي الكتب المنشورة و الصحف المنشورة و قوله اعلم ان كلّ ما يفعل الانسان بنفسه و يدركه بحسِّه۪ يرتفع منه اثر الي ذاته و هو اتّصافه بذلك العمل فالعمل متلبس به مثاله في مكان الفعل و وقته الي يوم القيمة و هو الكتاب المنشور يوم القيمة و الاثر المرتفع الي ذاته هو اتّصافه بذلك العمل و هو طاۤئره اللّازم لذاته في عنقه مثاله اذا رأيتَ عمراً يسرق من دكّان زيدٍ في السوق يوم الخميس شيئا ثم اتاك بعد ذلك عمروٌ فانّك تراه متّصفاً بتلك السرقة فتشاهد الوصف الذي هو طاۤئره لازماً لعنقه اي غير منفكٍّ عنه و تري فعله و مثاله الذي سَرق و السرقة عند الدكان المعروف و هو في غيب الدكّان المحسوس و في غيب يوم الخميس فتشاهد الكتاب المنشور في غيب مكانه و غيب وقته و مثاله يسرق ابداً لتلك السرقة هذا و عمروٌ ما لم‌يتب تراه متّصفا باثار فعله لازمة لعنقه كلزوم الظلّ للشاخص فاذا تاب و علمتَ بتوبته و اتاك لم‌تره متّصفاً بتلك الاثار و لكن ترٰي مثاله في السوق يسرق من دكّان زيد يوم الخميس و لاتري آثار ذلك المثال بعمرو لانها متعلّقة بمباديها من سجّين كتاب الفجار فاذا كان يوم القيمة و قد تاب في الدنيا محا الله سبحانه صورة ذلك المثال السابق من الامكنة و الاوقات و من نفوس الملاۤئكة و مدّ الله سبحانه علي عمرو سرادق ستره و ان لم‌يتب بقي اثر ذلك منطوِياً مدّة حياته غاۤئبا عن مشاهدة الابصار فاذا مات كشف عنه الغطاۤء فعاين الاشياۤء كما هي قال تعالي لقد كنتَ في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنكَ غطاۤءَك فَبَصرُكَ اليوم حد۪يد مما كان مسطوراً في كتابٍ لايجلّيها لوقتها الّا هو اي لايكشفها في الوقت الذي تكون فيه الّا هو سبحانه و قوله و قد مرّت الاشارة الي ان رسوخ الهيئات الباطنة و تأكّد الصفات النفسانية و هو المسمّي عند الحكماۤء بالملكة و عند اهل الشريعة بالملك و الشيطان نعم و لكن اشرنا اِلَي بطلانه امّا ان رسوخها يكون ملكةً ثابتة فلا كلام فيه لان الاَعْمال و الواردات من الافكار و الاعتقادات ان لم‌تستقرّ تسمّي احوالاً و ان استقرت سُمِّيَتْ مَلَكاتٍ عند الحكماۤء و الصوفيّة و امّا انّها اي رسوخ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 646 *»

الهيئات الباطنة و تأكّد الصفات النفسانيّة تسمّي عند اهل الشريعة عليهم السلام بالملك و الشيطان فلا لان الملك عندهم عليهم السلام و كذلك الشيطان نفوس علي حدَةٍ ذوات شعور و تكليف و اختيار الّا انّ الله سبحانه بلطيف صنعه وكّل الملاۤئكة بما يريد ايجاده مثلا اذا اراد ايجادَ زيد امر كلمته فقبض له عشر قبضَاتٍ مِنْ كل فلكٍ من الافلاك التسعة قبضةً و من مجموع العناصر الاربعة قبضة و جعل لكلّ قبضةٍ من القبضات العشر ملاۤئكة فملاۤئكة القبضة منهم ملاۤئكة الدور الاول يديرون عناصرها و ملاۤئكة الدور الثاني يديرون معادنها و ملاۤئكة الدَّور الثالث يديرون نباتيتها و ملاۤئكة الدور الرابع يديرون حيوانيّتها و ملاۤئكة تألّف القبضات العشر و ملاۤئكة تربّي المركب منها من نطفة الي علقةٍ الي مضغة الي عظام الي ان تكسي لحما الي ان تنشأ خلقا و ملاۤئكة تصوّره علي ما يشاء تعالي و ملاۤئكة في اكوار تلك القبضات في تربية نفوسها و ملاۤئكة الاحكام تربّي سعادته او شقاوته و هذه الملاۤئكة المذكورون محاۤلّ امر الله تعالي و حملته بواسطة اولياۤئه صلّي اللّه علي محمّد و اله فهم المدبرات امراً و هم حملة فعله فهم بامره يعملون قال اميرالمؤمنين عليه السلام في شأن الملأ الاعلي تجلّي لها فاشرقت و طالَعها فتلألأَتْ و القي في هُويّتها مِثالَه فاظهر عنها افعاله ه‍ ، فالملاۤئكة في جميع ما اعطاهم من القوة و القدرة و الاستطاعة و الاختيار و المعرفة بجهات ما امروا به كالٰالةِ لفعله لانّهم اعضاد للمسببات يحملون الاسباب و هي افعاله و بها يعملون و ليسوا قُوَي المخلوقات كما توهّموا لانّ القوي اجزاۤء المخلوق و آلاته الصالحة لجميع اراداته يفعل بها خيره و شرّه و الملاۤئكة جند الله المطهّرون عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لكن الحكيم اذا رأي السبب ضعيفاً وضع له مقوِّياً يعضده ليقدر علي مسبّبه و اذا رأي المسبّب ضعيفاً عن مباشرة السبب وضع له حجابا يحجب قوّة السبب لئلّايحترق المسبّب قال صلي اللّه عليه و اله انّ للّه سبعين‌الف حجابٍ من نورٍ و ظلمة لو كشف حجاب منها لاحرقَتْ سُبُحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ه‍ ، و الملاۤئكة من القسم

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 647 *»

الثاني فهم الحجب و السّبحات افعاله فان قلتَ قوله و ظلمة ينافي ما قلتَ من انها الملاۤئكة لانهم كلهم نورانيون قلتُ ان ملاۤئكة النور نورانيون و ملاۤئكة الظلمة ظلمانيون و ملاۤئكة النعيم في غاية الحسن و الجمال كرضوان و ملاۤئكة العذاب في غاية القبح كمالِكٍ و منكر و نكير و ايضاً يراد بالنور الملاۤئكة العقلانيون المجردون و بالظلمة الملائكة الجسمانيون الماۤدّيّون و ايضا وجود النور نور و وجود الظلمة نور كوجود النُّور فالملك و الشيطان نفسانِ متحركان بالارادة مباينانِ للانسان و لساۤئر الحيوان و ليسا ملكة و قوله مما يوجب خلود الثواب و العقاب صحيح علي ما بيّنّاهُ سَابِقاً من انّ الرجل اذا عَملَ عملاً كتبَتِ الحَفَظةُ مِثالَهُ في غيب مكان عمله و غيب وقته فلايزال ذلك المثال يعمل ذلك العمل في ذلك المكان و الوقتِ و ثمرات تلك الاَعْمَال تصل اليه وَ يتّصِف بها فان دام علي ذلك العمل حتي حصلت له منه ملكة و طبيعة دامت له تلك الثمرات من ثَمرات الاعمال الصّالحة من الثواب و من ثمرات الاعمال الطَّالحة من العقَاب و هذا وجه لايجاب الخلود و وجه اخر انّ اهل الجنة انطوَتْ سراۤئرهم و تحقّقت نيّاتهم و عزمهم علي انّهم لو بقوا ابد الابدين اَنْ يُطيعوا اللّه سبحانه في كلِّ ما يأمره و انّما يمنعه عن بعضها بعض الموانع و يكون حينئذٍ ماقِتاً لنفسِه۪ مُعْترفا بتقصيره في كلِّ حالٍ و ذلك من اعظم الاعمال و افضلها ففي الحقيقة لايفتّر المؤمن عن طاعة اللّه طرفة عينٍ لانّه امّا عامل و اِمّا معترف بالتقصير و الذنوب فهو بذلك عامل و اَهْل النّار علي العكس من اهل الجنّة في كلّ ما ذكر و لذا ورد انّما خُلِّد اهل الجنة في الجنّة و اهل النار في النار بنيّاتهم و قوله من فعل مثقال ذرّة من خير او شرّ يري اثره مكتوبا في صحيفة ذاته او صحيفة اعلي منها نعم كل مَن فعل وجد اثر فعله مكتوباً في صحيفة ذاته اي تكون ذاته متصفةً باثر ذلك العمل و يجد ذلك العمل مكتوبا في صحيفةٍ اعلي من صحيفة ذاته لا اثره اذ اثر عمله لايكون علي غيره و لاتزر وازرةٌ وزر اخري و يجد ذلك مكتوبا في صحائف دون صحيفة ذاته فامّا ما في ذاته فهو لون عمله و هيئته فتتقدّر ماۤدَّته بصورة عمله و يبيضّ وجهه او يَسْوَدُّ و امّا ما في

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 648 *»

صحيفةٍ او صحاۤئفَ اعلي من ذٰاته فهو ما في الواح نفوس الملاۤئكة و الاشهاد من الانبياۤء و المرسلين و الشهداۤء و الصالحين و امّا ما في صحاۤئفَ ادني من ذاته فهو ما في الواح بقاع الارض التي عمل فيها و الاوْقات من الساعات و الايام و الشهور و السنين كذلك و ما علي الارض من الحيوانات و النباتات و الجمادات و هذا معلوم الّا انّ ما في صحيفة ذاته امثال اعماله و آثارها التي هي نتاۤئج تلك الاعمال و ثمراتها و ما في ما هو اعلي من ذلك امثال اعماله و ما في ما هو ادني من ذاته صُور امثال اعماله و عكوسات آثارِها و لذا تقع من وجود المؤمن الصالح العامل بركات و خصب و رخاۤء في الزروع و الثمار وَ الاسعار و تقع من وجود المنافق قلّة البركة و قلّة الرَّيع و الغلاۤء و قوله و هو عبارة عن نشر الصحاۤئف و بسط الكتب قد بيّنّا في معناه ان الاثار الّتي تلزم ذات العامل عبارة عمّا املأه عليه رومان عند اوّل دخول قبره و ان نشر الصحاۤئف عند تطاير الكتب و لبس العامل امثاله التي عملت به اعماله و ظهوره بها مكشوفة بين الخلاۤئق بحيث لايُستر منها شي‌ء الّا ما ستره الله بستره و عفوه او ما ستره الله تعالي بتوبة عبده و ذلك عند حضور الاشهاد من الملاۤئكة المقربين و الانبياۤء و المرسلين و الشهداۤء و الصالحين و الامكنة و البقاع و الشهور و السنين .
قال } فاذا حان وقتُ اَن يقع بصره علي وجه ذاته عند كشف الغطاۤء و رفع الغشاوة فيلتفت الي صفحة باطنه و كتاب نفسه فمن كان في غفلة عن ذاته و حساب حسناته و سيئاته يقول عند ذلك ما ل‌هذا الكتاب لايغادر صغيرة و لا كبيرة الّا احصاها و وجدوا ما عملوا حاضراً و لايظلم ربّك احداً و ذلك ان نشأة الاخرة نشأة ادراكية حيوانية كل من فيها حديد البصر لقوله فكشفنا عنك غطاۤءك فبصرك اليوم حديد فمن كان من اهل السعادة و اصحاب اليمين اوتي كتابه بيمينه من جهة عليّين لان معلوماته امور كلّيّة رفيعة عالية كما قال ان كتاب الابرار لفي عليّين و ما ادريٰك ما علّيّون كتاب مرقوم يشهده المقرّبون و من كان من الاشقياۤء المردودين الي اسفل سافلين و اصحاب الشمال فقد اوتي كتابه بشماله او من وراۤء ظهره من جهة سجّين لان مدركاته مقصورة علي

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 649 *»

اغراض جزئيّةٍ سفليّة و لاشتمال كتابه علي الكذب و البهتان و الهذَيان فَحَرِيٌّ بان يلقي في النار و خليق بان يحترق في الجحيم كما قال ان كتاب الفجار لفي سجّ۪ين و ما ادريك ما سجّين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذّبين { .
اقول يريد انّ المكلّف الذي كتبت آثارُ اعمالِه في صحيفة ذاته اذا قرب وقت اطّلاعِه۪ علي ما كتب في صحيفةِ ذاته وقع بصرُهُ اي بصيرته علي وجه ذاته و المراد بالوجه مقدّمها الذي هو متعلّق الاتّصاف بتلك الٰاثار و تلك المشاهدة عند كشف الغطاۤء غطاۤء الطبيعة الماۤدّية اعني الجسم بان تُلْقِيَهُ و تخرج اي الروح عنه و رفع الغشاوة اي رفع كدورات الطبيعة الشاغلة للروح عَنِ الالتفاتِ الي ما كتب في نفسها فتلتَفِت الي صفحة باطنه و كتابِ نفسه فمن كان منتبهاً حاسب نفسه في الدنيا قبل انْ يُحاسَب و من حاسب نفسه في الدنيا و قام بما يراد منه المعبّر عنه بمحاسبة النفس في الدنيا لم‌يحاسبه الله تعالي يوم القيمة لانه تعالي اكرم و ارحم من ان يجمع علي عبده حسابَيْنِ وَ من كان في غفلةٍ عن ذاته و عن حساب حسناته و سيّئاته يقول عند ذلك ما ل‌هذا الكتاب لايغادر صغيرة و لا كبيرة الّا احصيها و وجدوا ما عملوا حاضراً و لايظلم ربُّك احداً قال المصنف و ذلك اي كونه قد عايَن ما هو مكتوب في ذاته لان نشأة الاخرة نشأة ادراكيّة اي عقليّة تعقليّة حيوانية ليس فيهٰا موت من جهلٍ او غفلةٍ بل كلها حيوة و يقظة و تعقّل و تذكر فيكون كل مَن فيها حديد البصر لقوله تعالي فكشفنا عنك غطاۤءك فبصرك اليوم حديد ، و اقول و ان كان كلامه غير منافٍ في الجملة لكنه ليس مبنيّاً علي كون العود عين البدء اذا ازيلت الامور العارضة عنه و ذلك لان العاۤئد قبل وصوله دار التكليف علي حاله في العود بعد التخلص من الامور العارضة له من مراتب النزول و من شراۤئط التكليف الجاري في استيجاب الثواب او العقاب علي مقتضي الحكمة المحفوفة بالعدل و الفضل المشفوعة بالابتلاۤء و الاختبار ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيي من حيّ عن بينَةٍ فالعود كالبدء كما بدأكم تعودون فحالته في الادْراك و التذكر و التعقل و مشاهدة الغيب في العود نفس حالته في

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 650 *»

البدءِ و لكن تيقّظه في الدنيا مستور بالغواشي الطبيعيّة و الظلمات الماۤدّيّة فلما كشفت ظهر منها ما كانَ مَسْتُوراً فيها فمن ساعده التوفيق و انتبه من غفلته في هذه الدنيا وجد ما يجده في الاخرة و عرف ما يعرفه و شاهَد هنا ما يشاهده هناك فان كانت مشاهدته هناك مشاهدة تاۤمّة عَلَي مقتضي صحّة الحكمتَيْنِ العَمليّة و النظريّة قامت قيامته و عرف مفصولَهُ و موصولَهُ و الّا فاذا ماتَ و كشف عنه غطاۤءه الّذي هو جسده كان بصره حديداً يشاهد الغيب كما قال لقد كنتَ في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاۤءَك فبصرُك اليوم حديد ، فمن كان من اهل السعادة و اصحابِ اليمين يعني اصحاب علي عليه السلام فانه هو يمين الله حتّي انّه قد اتّفق ان حساب يمين موافق لحساب اسم علي عليه السلام بحساب الجُملِ الكبير اوتي كتابه بيمينه ليطابق الظاهر الباطن من جهة علّيّين و علّيّون اعالي الجنان لانه محلّ جنّة عدنٍ التي هي مسكن الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام و هو محلّ كتاب الابرار و المراد منه نفس فلك الثوابت المسمّي بالكرسي و باللوح المحفوظ و فيه صور الاعمال الصالحة اعني صور الاجابة حين سألهم داعي الله صلي الله عليه و اله عن امر اللّه يقول الله لكم الستُ بربّكم قالوا بلي و المجيب يؤتي كتابه بيمينه من تلك الجهة اي الجهة العليا لان معلوماته امور كلّيّة بل و جزئيّة كما عندنا رفيعة عالية لانّ اليمين تطلق علي الحق و علي العالي و علي اللبِّ و الباطن و الغيب فيؤتي كتابه بيمينه لذلك كما قال تعالي كلا ان كتاب الابرار لفي علّيّين و ما ادريك ما علّيّون كتاب مرقوم يشهده المقرّبون و هم الرجال الكروبيّون اعني ملاۤئكة الحجب الّذين جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحدٍ منهم علي اهل الارض لكفاهم و لمّا سئل موسي ربّه ما سأل امر رَجُلاً من الكروبيّين فتجلّي للجبَلِ فجعله دكّا كذا رواه ابن‌ادريس في مستطرفات السراۤئر نقلا من بصاۤئر الصفّار و الكروبيون في القاموس انه مخفّف الراۤء و بعضهم قرأ بالتّشْديد و معني ذلك انه ص۪يغ من كرَبَ بمعني قرب و مَن كان من الاشقياۤء المردودين الي اسفل سافلين و اصحاب الشمال فقد اوتي كتابه بشماله او مِنْ وراۤء ظهره و ظاهر عبارة المصنف هنا و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 651 *»

فيما تقدّم انّهم فريقان فريق يؤتي كتابه بشماله و فريق يؤتي كتابه من وراۤء ظهره و الذي صرّح به كثير من العلماۤء انهم فريق واحد

و انّما ذكر في القرءان مرّة و امّا من اوتي كتابه بشماله و مرّة و امّا من اوتي كتابه وراۤء ظهره لانه تعالي يكرّر الذكر و القصّة لتستقرّ في قلوب المكلّفين و ليدلّ علي تعظيم الامر في نفوسهم فيكون اردعَ لهم عن المعاصي و لئلّاينسي ما هو نبأ عظيم و يُعرَض عنه و لو ذكر القصّة كلّها في موضع واحدٍ من كتابه و ذكرها في موضع اخر بغير زيادة في المعني و بغير تغيير العبارة لَمجَّتْها النفوس و ملّت من استماعها فجرت عادته سبحانه ان يكرّرها ليتذكّر اولوا الالباب بزيادة معانٍ في الثانية ليرغب المكلّف الي استماعها طلباً لفهم المعني الجديد و بتغيير العبارة لئلّايملّ من استماعها و ليكون الذكر الثاني مغايراً للاوّل معني و لفظا و لما فيه من الاسرار الّتي لايحيط بها الّا هو و من اطلعهم عليه من اولياۤئه عليهم السلام التي من جملتها انه لم‌ينزل لقوم دون قوم بل هو جار لجميع المكلفين الي انقضاۤء التكليف موافق لطِباعِ كلِّ طبقةٍ بما يلايم لهم فلذا كان مرّة قال تعالي فامّا من اوتي كتابه بشماله و مرّة قال تعالي فامّا من اوتي كتابه وراۤء ظهره و معناه كما قال بعضهم ان كتاب المنافق و الكافر يأتيه من وراۤء ظهره فيضربه فيخرق ظهره و يظهر من صدره و يأخذه بشماله و قوله المردودين الي اسفل سافلين من قوله لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم ثم رددناه اسفل سافلين و لكن المخلوق في احسن تقويم ليس هو المردود الي اسفل سافلين لان المخلوق في احسن تقويم هو محمد او محمد و علي صلّي اللّه عليهما و الهما و المردود الي اسفل سافلين حبتر او حبتر و زُرَيق و هما اعرابيان من المنافقين صُوِّرَا بصورة الانسان فدخلا في الانسان بالاسم الصوري فيكون ضمير المفعول في رددنٰاه عاۤئداً الي الانسان الصوري لا الي المعنوي لانّهما ليسا من اصحابه صلّي اللّه عليه و اله الّذين بايعوه بيعة الرضوان رضوان الله عليهم و انّما كانا من الجنّ و لم‌يحضرا بيعة الشجرة الّا بتلك الصورة الاولي فاذا عاد كلّ شي‌ء الي اصله عادَا الي رتبتهما من الكون و هو الردّ المذكور

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 652 *»

و قوله من جهة سجّين و هو الصخرة التي تحت الارض السّابعة و هي كتاب الفجّار قال المصنف لان مدركاته يعني من اوتي كتابه بشماله مقصورة علي اغراضٍ جزئية سفليّة منتزعة من امثاله العاملين لاعماله و تلك المدركات صور قاۤئمة بالصخرة و مباديها في الثري الذي لايعلم ما تحته الّا الله سبحانه و انما اشتمل كتابه علي الكذب و البهتان و الهذَيان لان الصور التي كتِبت فيه من الثري الذي هو مظهر الجهل الكلي الذي قال له الله سبحانه ادبر فادبر ثم قال له اقبل فادبر فلعنه و طرده من رحمته و كلّ ما منه لاحق به فمن كان كتابه الذي اخذه بشماله مشحونا بذلك فهو حَرِيّ بان يلقي في النار و خليق اي حقيق بان يحترق في الجحيم كما قال كلّا ان كتاب الفجار لفي سجين و ما ادريٰك ما سجّين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذّبين و ويل اسم وادٍ في جهنم يرده من اوتي كتابه بشماله و من وراۤء ظهره .

قال } قاعدة في ظهور كيفية ظهور احوالٍ تعرض يوم القيٰمة علي الاجمال و تفاصيلها مستفادة من القرءان و الحديث علي اتم تفصيلٍ و اوضحِه۪ الّا انّه نبأ عظيم و الناس عنه معرضون كما قال عز من قاۤئل و كأين من اية في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و اعلم ان القيمة كما اشرنا اليه من داخل حجب السموات و الارض و منزلتها من هذا العالم منزلة الانسان من الرحم و الطّير من البيضة فما لم‌ينهدم بناۤء الظاهر لم‌ينكشف احوال الباطن لان الغيب و الشهادة لايجتمعان في موضعٍ واحدٍ فلاتقوم الساعة الّا اذا زلزلتِ الارض زلزالها و انشقّت السماۤء و انتثرت الكواكب و تساقطت النجوم و كوّرت الشمس و خسف القمر و سيّرت الجبال و عُطِّلت العشار و بعثر ما في القبور و حصِّل ما في الصُّدور و حملت الارض و الجبال فدكّتا دكّةً واحدة { .
اقول يريد انّ العارف في هذه الدنيا تظهر له كيفيّة ظهور احوال الاخرة و يتعقّلها و يتصوّرها كلّا او بعضاً و ذلك يحصل في هذه الدنيا لمن اَمات نفسه حتي قامت قيامته و ظهر سلطان عقله علي جميع جوارحه فانه لمّا قطع العلاۤئق وصل الي الخالق سبحانه يعني انمحَي في نور امره و اشتغل بطاعته و ذكره

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 653 *»

و قوله علي الاجمال يريد ان اسم العارف و الواصل يصدق علي من لم‌يقدر علي تفاصيل احوال الاخرة و ان كانت في جميع جهاتها مفصّلة في الكتاب و السّنة علي اتمّ تفصيل و اوضحه الّا انه ليس علي نمطٍ واحدٍ بل منها مبيّن في التفسير الظاهر و منها في غيره كالباطن و باطن الباطن الي سبعة و كالظاهر و ظاهر الظاهر و ظاهر ظاهر الظاهر و هكذا الي سبعةٍ و كالتّأويل و باطن التأويل و باطن باطنه و هكذا الي سبعة بل الي سبعين و لكن لايطّلع عليها الّا من خوطب به كما قال تعالي لايسعني ارضي و لا سماۤئي و لكن يسعني قلب عبدي المؤمن لانه يتقلّب مَعي و فِيَّ وَ بي ه‍ ، و ذلك هو الّذي يحيط بتَفاصيلها و تفاصيلها بعضاً او كلّاً مستفادة من الكتاب و السنة و كذلك من الٰافاق و الانفس لانّ اللّه تعالي سنريهم اياتِنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحقّ ، و قال الصّادق عليه السلام العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة فما فقد في العبودية وُجد في الرّبوبيّة و ما خفي في الربوبيّة اصيب في العبودية الحديث ، و قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب انّ الاستدلال علي ما هناك لايعلم الّا بما هيهنا ه‍ ، و ايات الكتاب مشتمِلةٌ عَلَي الاشارة اِلَي اَنَّ تَفاصيلَ الاشياۤءِ موجودة في الافاق و في الانفس مثل قوله تعالي و كأَيّن من آية في السَّموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و قال تعالي و في الارض ايات للموقنين و في اَنْفُسِكم اَفلَاتبصِرُونَ و قال تعالي و تلك الامثال نضربُهَا للنَّاسِ وَ مايَعْقِلُها الّا العَالِمُونَ و امثال ذلك كثير يشير الي كلها قوله تعالي قل سيروا في الارض اي اقرءوا القرءان بالتدبر او انظروا في الافاق و في انفسكم حَتَّي يَتبين لكم اَنّه الحق تعالي و حَتَّي يتبيّن لكم حَقاۤئق الاشياۤء و حتي يتبيّن لكم ما يراد منكم و اعلم انّ الكتاب التَّدْو۪ين۪ي طبق الكتاب التكويني و كُلَّ ما في الكتاب التّكويني فهو في نَفْسِك لانك قد انطوي فيك العالم الاكبر فاذا اردتَ ان تعتبر في الايات اما في الافاق و اما في نفسك فاذا ظهر لك في العالم فانظر هل هو مطابقٌ لما في نفسك ام لا و بالعكس فاذا تطابقا فهو الحقّ وَ اِنْ تَخالَفَا فهو البٰاطل و اِنْ لم‌تَقف الّا علي واحدٍ فتأمّل و تَدبّر فانّهما لايختلفانِ و المصنف انّما ذكر هذه الاية للاشارة الي انّ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 654 *»

ما ذكره مأخوذ من التدبّر في الايات و هو ممّن يتدبّر الّا ان شرط الصحة و هو المطابقة بين العالم الكبير و العالم الصغير قد لايتوجّه له لان المهتدي الي هذا الشرط قليل لكثرة وقوع الخطأ في الاقتصار علي احدهما و مع التطابق ربّما لايقع خطأ و قوله و اعلم انّ القيمة كما اشرنا اليه من داخل حجب السّموات و الارض و منزلتها من هذا العالم الخ ، يريد به انّ عالم الاخرة امّا جنّة و هي في غيب هذه السموات و امّا نار و هي في غيب هذه الارضين و هذا صحيح لانّ الدنيا ما نزل اليها من عالم الغيب في القوس النزولي كالاجسام الباقية يعني المبعوثة يوم القيمة فانها باقية في القبور قال تعالي و ان الله يبعث من في القبور و كالصور البرزخيّة و كالجواهر الهبائية و الطبيعيّة و النفسانية فانها نزلت من المكان الرفيع فلمّا نزلت لحِقَتْها عوارضُ المراتب فلمّا عادت القَتْ ما فيها و تخلّت فاذا مات الانْسان رجع الي البرزخ في الصورة البرزخيّة فاذا نفخ في الصّور رجع الي الهباۤئية و الطبيعية في اربع‌مائة سنة و يتخلص فيها من العوارض و يرجع الي النفسيّة يوم القيمة لانّه مقابل النفس و مسامت لها في القوس الصعودي فالجنّة في سموات الاخرة و النار في ارض الاخرة و سموات الاخرة و ارضوها في سموات الدنيا و ارضيها كالزجاج الشّفاف في الحجر الكثيف و كالطير في البيضة و كالشجرة في النواة و ليس منزلتها كمنزلة الانسان في الرحم بل و لا كمنزلة الطّير في البيضة و الشجرة في النواة لانّ الانسان متميّز في الرحم و الطّير و الشجرة غير موجودَيْن بالفعل و الجنّة و النّار و الٰاخرة ليست متميّزة كتميّز الانسان في الرحم بالظّرفية و ليست في وجودِها بالقوة كوجود الطير و الشجرة و انّما وجودها بالفعل كوجود الزجاج في الحجر و كوجود الزبد في اللّبَن و كبُرَادة الذهب في التراب كما مثّل بها الامام عليه السلام فاجسادنا هذه التي في الدّنيا بعينها هي اجساد الاخرة و انّما غطّاها عن الابصار العوارض كما غطّي سحالة الذهبِ التّرابُ عن الابصار فاذا غسل التراب بالماۤء او نفخ بالهواۤء ظهرت برادة الذهب و اذا اُذ۪يبَ الحجر بالنار

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 655 *»

تخلّص الزّجاج و كذلك الجنّة و النار و سموات الاخرة و ارَضُوهَا موجودة الٰان بالفعل كوجود الزجاج في الحجر بالفعل و برادة الذهب في التراب بالفعلِ و امّا وجود الانسان في الرحم فانه متميّز الّا انه مظروف و الطير وجوده بالقوة و لا كذلك الاخرة و الجنة و سمواتها و ارضوها و النار و ارضوها و سمواتها فان للنار سموات كما للجنة لانها ظلها و عكسها و هو قوله تعالي لهم من فوقهم ظلل من النار و هي سمواتها كما ان السموات تظلّ من تحتها و انما لم‌يصرّح بذلك لخفاۤئه علي عامّة المكلّفين و لئلّايتوهّموا انّ فيها فسحة و سعة و لكن علي نحو السموات في الدنيا فان بين كل سماۤء فاصلة و هي المتمّمات الحاوية و المحويّة و الارضون ظلّها و عكسها و ليس بينها فواصل ظاهرة و لايتفوّه بها و المصنّف في قوله انّ القيمة من داخل حجب السموات و الارض علي ما هو الظاهر انه عرف رتبتها و لكنّه ماعرف آيتها و مثالها و يحتمل انّه اخذ ذلك من كلام القوم و لو اخذه بالمعاينة لمااخذه الّا من ايٰاته في الٰافاق و في الانفس و لو اخذه من اياته لمثّل بها لانّها هي مثاله و هي دليله فافهم و قوله فما لم‌ينهدم بناۤء الظاهر لم‌تنكشف احوال الباطن الخ ، صحيح لان المراد بذلك هو تخليص الغيب الموجود الأن بالفعل و لذا قال فلاتقوم الساعة الا اذا زلزلت الارض زلزالَها و انشقت السماۤء و انتثرت الكواكب و تساقطت النجوم و كوّرت الشمس و خسف القمر و سيّرت الجبال و عُطّلت العشار و بُعثرَ ما في القبور و حُصِّلَ ما في الصدور و حملت الارض و الجبال فدكّتا دكّة واحدة و بيان هذه علي الظاهر مذكور في التفاسير و المراد انّ هذا كلّه من كيفيات التخليص و التصفيةِ لما تلوّثَ من العالم ليلتحق بالصّافي منه فهذه الاجسام الدنيوية الماۤدّية هي بنفسها تعود بعد التصفية فان قلتَ انّك رددتَ علي المصنف فيما تقدم حتّي قلتَ انه عند اهل البيت عليهم السلام غير قاۤئل بالمعاد الجسماني لانّه لايقول باعادة الماۤدة و انما المعاد هو الصّورة مع انه قاۤئل باعادة الانسان بعد تصفيته لانه لايعاد بهذه العوارض و الكثافات و انما المُعاد الجسم النوراني يعني بعد تصفيته و يريد بالصورةِ الصورةُ الوُجوديّة لانّ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 656 *»

الانسان انما هو انسان بهذه الصورة فقوله غير منافٍ لما تذهب اليه و انّما النّزاع لفظيّ قلتُ النزاع معنوي لانّي اقول انّ الذي يعاد هو هذا الجسد الموجود بالفعل بعد تصفية مادته الموجودة بالفعل الأن يعاد بماۤدّته هذه بعد تصفيتها كتصفية الزجاج من الحجر الكثيف في صورة عمله فان عمِل عمل الانسان من الطاعات اعيد بمادته في صورة الانسان لانها هي صورة الطاعة و انْ عمِلَ عَملَ الحيوان اعيد بماۤدته في صورة الحيوان من حمار او ثور او كلب او خنزير او غير ذلك مما اقتضاه عمله من الصور و علي كل تقدير فصورته في الدنيا لاتعود و انْ اُعِيدَ عليها اُعِيدَ علي صورة مثلها لانّ الصور التخطيطيّة ليست جزءاً من الجسد بخصوصها كما لو كسرتَ خاتمك و صغته علي صورته الاولي فانّه هو هو بغير تبديل و الصورة الوجوديّة ليست الّا المادة و المصنّفُ يقول انّ الانسان المُعاد بصورته لا بمادته حتي قال فيما تقدم في الاصول السّبعة في الاصل الاوّل فهو هو بصورته لا بماۤدّته حتي لو فُرِض تجرّد صورته عن ماۤدّته لكان هو بعينه باقيا عند ذلك التجرّد و انما الحاجة الي الماۤدة لقصور بعض افراد الصور عن التفرّد بذاته دون التعلّق الوجودي بما يحمل لوازم شخصه و يحمل امكان وقوعه و يقرّبهُ باستعداده الي جاعله و يرجّح وقت حدوثه علي سائر الاوقات و نسبة الماۤدّة الي الصورة نسبة النقص الي التمام و الشي‌ء مع تمامه واجب الحصول بالفعل و مع نقصه ممكن بالقوة انتهي ، فقوله حتّي لوْ فُرِضَ تجرّد صورته الي آخِره۪ صريحٌ في عدَمِ اعتبار الماۤدّة في الاِعَادةِ و انّما المعتبر في الاعادة عنده الصورة الوجوديّة مثل ما مثّلنا بالنهر فانه يقال لهذا الماۤء الجاري الذي في النّهرِ هذا الماۤء الذي شَرِبْنا منه في العام الماضي مع انه يتبدّل و يتغير كل لحظة و لكنّه باعتبار الصّورة الوجوديّة هو ذلك الاوّل و قد قال في قاعدةٍ بعد الاصول السبعة الماضية انّ المُعٰاد في يوم المعاد هذا الشخص الانساني المحسوس الملموس المركّب من الاضداد الممتزج من الاعضاۤء و الاجزاۤء الكاۤئنة من المواۤدّ مع انه يتبدل عليه في كل وقتٍ اعضاۤؤه و اجزاۤؤه و جواهره و اعراضه حتي قلبه و دماغه سيّما روحه البخاري الذي هو اقرب جسمٍ طبيعي الي ذاته و اوّل منزلٍ من

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 657 *»

منازل نفسه في هذا العالم و هو كرسي ذاته و عرش استواۤئه و معسكر قواه و جنوده و هو مع ذلك داۤئم الاستحالة و التبدّل و الحدوث و الانقطاع فانّ العبرة في بقاۤء البدن بما هو بدن شخصي انّما هي بوحدة النفس فما دامت نفس زيد هذه النفس كان بدنه هذا البدن لان نفس الشخص تمام حقيقته و هُويّته و هذا كما يقال ان هذا الطفل ممّن يشيب او هذا الشاۤبّ كان طفلاً و عنْد الشيب قد زال جميع ما كان له عند الطفولية من الاجزاۤء و الاعضاۤء الي اخر كلامه فتأمّل في كلامه و ما قبله هل يدلّ علي اعادة المواۤدّ و هل يكون كما ذكرنا و هل يكون النزاع بيننا لفظيا و قد تقدّم هذا الكلام و ذكرنا هناك ما يرد عليه و لكن اعدته لتتأمل فيه في مثل قوله و عند الشيب قد زال عنه جميع ما كان له عند الطفولية من الاجزاۤء و الاعضاۤء فاعتبروا يا اولي الالباب و انما مراده بقوله ان هذا البدن الملموس المحسوس في هذه الدنيا هو المعاد ليس انه بماۤدته الّا انّها تصفي و ان الجسم الاخروي الباقي هو هذا بعد التصفية علي نحو ما بيّنّا بل كَما مثَّلْنا بالنّهر لانّ المعاد عنده هو الصّورة الوجوديّة فيا ليت شعري اذا كان الطفل عند الشيب يكون قد زال عنه جميع ما كان له عند الطّفوليّة من الاجزاۤء و الاعضاۤء هل تكون الاعضاۤء التي له قبل الشيب المباشرة للمعاصي تزول و تجدّد له اعضاۤء غيرها تُعَذّب و لم‌تعمل شيئا من المعاصي بل لاجل انها جعلت عضواً للنفس العاصية و التي عملت المعاصي و باشرَتْ ما حرّم اللّه و تلذّذت بالمعاصي تذهب طِلْقاً سالمةً من العذاب و يحمل عذابها علي ما لم‌يعصِ فهنيۤئاً للاعضاۤء الفانية اذا كانت عاصية و تعساً لها ان كانت مطيعةً لانّها حُمِّلَتْ مَشَقّة الطاعات بلا عوض فالله قال تعالي و لاتزر وازرةٌ وزر اخري و المصنّف قال تزرُ وازرة وزر اخري اذا كانت بصورتِها .

قال } و العارف قد يشاهد هذه الاحوال و الاهوال عند ظهور سلطان الاخرة علي ذاته فيسمع نداۤء لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار فيري السمواتِ مطوياتٍ بيمينه و يري هذه الارض عند القيمة في الزلزال و الجبال في الاندكاكِ حيث لا استقرار و لا جمود لها فاذا انكشف الغطاۤء بالقيامتين الكبري

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 658 *»

و الصغري يري كلّ علي اصله من غير غلطٍ في الحسّ و شبهةٍ في الوهم فيري ذوات الاوضاع الشخصيّة المركبة مواۤدّ و صوراً متجدّدة مستحيلةً مع اعراضها المختلفة التي كان يتم بها وجودها الشخصي المحسوس الّذي مظهرها آلات الحواۤسّ و انفعالاتها عند الحواسّ و انفعالاتها عند القيمة { .
اقول العارف في هذه الدنيا اذا ظهر سلطان الاخرة علي ذاته من جهة عقله علي ساۤئر بدنه حتي امتثل اوامر اللّه و اجتنب نواهيه كما يحبّ اللّه و استقام علي ذلك كان امتداد عقله من النور كما قال الصادق عليه السلام دِعامةُ الانسان العقل و العقل منه الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم و بالعقل يكمل و هو دليله و مبصرهُ و مفتاح امره فاذا كان تأييد عقله من النور كان عالما حافظا ذاكراً فطِناً فَهِماً فعلم بذلِك كيف و لِمَ و حيثُ و عرف مَن نصحه و من غشّه فاذا عرف ذلك عرف مجراه و موصوله و مفْصوله و اخلصَ الوحدانية لله و الاقرار بالطاعة فاذا فعل ذلك كان مستدركاً لما فاتَ و وارداً علي ما هو آتٍ و يعرف ما هو فيه و لاي شي‌ء هو هيهنا و من اين يأتيه و الي ما هو صاۤئر و ذلك كلّه من تأييد العقل ه‍ ، فاذا كان في الدّنيا كذلك فقد امات نفسه و قامت قيامته كما قال صلّي الله عليه و اله فيشاهِدُ احوال الاخرة و اهوالها لانها كلها الأن موجودة بالفعل و انّما غطّاها عن اهل الدنيا الغواشي الدنيويّة و الحجب الطبيعية الماديّة و من امات نفسه فقد كشف الغواشي و خرق الحجب لانّه قد جمع قلبه علي ما يحبّ الله فقذف اللّه سبحانه في قلبه العلم و اليقين و قد قال تعالي لو تعلمُنَّ علم اليقين لترونّ الجحيم فيسمع نداءَ لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار فيجيب لانه سمع لمن الملك اليوم فقال لِلهِ الواحد القهّار لان اللّه احدث الجواب في سرّه كما احدث الكلام لموسي في الشجرة بل سمع نداء الله سبحانه للارض بين النفختين يا ارض اين ساكنوكِ اين الجبّارون المتكبرون اين من اكل رزقي و عبد غيري لمن الملك اليوم فلايجيبه احد فيردّ علي نفسه تعالي للّه الواحد القهار فيسمع العارف ذلك الرّدّ و يري السموات مطويات بيمينه يعني حين كشِطت اي ازيل عنها القِشر و غسلت من العوارض و يشاهد الارض حين زلزلت و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 659 *»

الجبال حين دكّت فكانت هباۤء لان الارض كانت منذ كانت في الزلزال و الجِبال في الاندكاك و النّاس ساۤئرون الي ارض المحشر منذ كانوا في النطف و تتم هذه الحالة الوصفيّة يوم القيمة العاۤمّة و يظهر ذلك لكل احدٍ و امّا الغاية الذاتية اي الحالة الذاتية لهذا الاندكاك فلا غاية لها الّا ان القيمة لمّا كان فيها زيادة تصفيةٍ و ما بعدها ففي ابتداۤء دخول اهل الجنة قيل تحصل لهم بنسبة حالهم اذا دخلوا مقام الرفرف الاخضر فينتقلون الي مقام ارض الزعفران فيُصَفّون ثم ينتقلون الي مقام الاعراف فيصفّون ثم ينتقلون الي مقام الرضوان ثم لا انتقال و لا تصفية اذ لا غاية لذلك المقام و لا نهاية هذا و الاندكاك و التبدّل لاينتهي لان الحادث لاينفك عن ذلك و لكنه في الجنّة من اعظم انواع النعيم لان المؤمن داۤئما في الجنّة بلا نهاية يخلع من الامدادات و يلبس كما يخلع الانسان ثوباً من ثيابه ثم يلبس غيره ثم يخلع الملبوس و يلبس الذي كان لبسه اعني الاول او غيره فهم لايزالون في لبس من خلق جديد كما في الدنيا و البرزخ الّا انه في الدنيا و البرزخ تخليص من الغراۤئب و العَوارض و في الاخرة تبديل و تجديد لا تخليص و قوله لا قرار لها و لا جمود يعني انها كما وصفها تعالي فكانت هباۤء منبثا و كثيباً مهيلا و كالعهن المنفوش و كذلك هي في الدنيا بل كل شي‌ء ممّا سوي اللّه هكذا و ان اختلفت الاشياۤء في السرعة و البطؤ و قوله فاذا انكشف الغطاۤء بالقيامتين الكبري العامة لجميع الخلق و الصغري الخاۤصة بالشخص العارف الذي امات نفسه بالارادة في هذه الدنيا يري كلّ شي‌ء من الاشياۤء علي اصله و حقيقته من غير غلطٍ في الحس لان الحقاۤئق تنكشف لكل احدٍ فلايجهل احد شيئا من احوال اهل الجمع العاۤمّة فلايكون غلط في الحسّ و لا شبهة في الوهم لان في ذلك تكشف السراۤئر و تبدئ الضماۤئر و قوله فيري ذوات الاوضاع الشخصية المركّبة مواۤدَّ و صوراً متجدّدَة مستحيلةً الخ ، هذه الرؤية يراها المصنّف و اتباعه و امّا الذين عرفوا و نظروا بنور اللّه فانّهم يرون ذوات الاوضاع الشخصية و المجردة مواۤدَّ و صوراً متجددة

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 660 *»

متغيّرة في كل جزءٍ من مواۤدها العنصريّة و البرزخيّة و الملكوتية و الجبروتيّة و في كل حالٍ من صورها و هيئاتها الّا ان تبدّل مواۤدّها الذاتية بكونها ذاهبة عنه عاۤئدة عليه بعين ماۤدتها كما يعود كله بعين ماۤدته يوم القيمة في صورة اعماله كذلك في الدنيا و ما قبلها و في القيمة و ما بعدها فهو بما فيه من الاجزاۤء كالنهر المستدير عودهُ الي بدئه و اخرهُ يصبّ في اوّله فاذا ذهب عنه شي‌ء منه عاد اليه امّا مجدَّداً كما لو وصل الذاهب منه الي بعض خزاۤئنه الكونيّة و امّا جديداً كما لو انتهي الي خزانته الامكانية فالشخص ابداً يمدّ بما ذهب منه و بما لَهُ و امّا تبدّل صورها فانّها تبدّل الصورة الذاهِبة بصورة قد قدّرَتْ في قالبِ الاولي و هذا حكم جميع الممكنات المادّيات و المجردات الّا ان المجردات لمّا كانت في التبدل و التغيّر اشدّ و اسْرع بمعني ان الماديّ اذا دار في تبدّله و تغيّره دورة واحدة دار المجرّد في تبدّله و تغيره الفي دورة او ثلاثة‌الاف دورة او اربعةٰ‌الاف دورة و كلما كان اشرف و اعلي كان اسرع و اوّل المكوّنات و اشرفها و اعلاها نور محمد صلّي الله عليه و اله فهو اذا دار الماۤدي دورة واحدة دار نوره صلي اللّه عليه و اله في التبدل و التغير الف‌الف دورة و ربما يستفاد من بعض الروايات سبعين‌الفَ‌الفِ دورةٍ و ذلك لشدّة فقره الي الله سبحانه و شدّة اعتناۤء الله عز و جل به في امداده و لكن لشدّة دورانه قصّرت العقول و الافهام عن ذلك حتي توهّمته ساكنا قاۤئما بذاته و ذلك لان الشي‌ء اذا كان شديد الاستدارة يراه الانسان بحسّه المشترك ساكناً و ليس بساكن و اعتقاد ذلك غلوّ و شرك باللّه العظيم و المصنف بني تحقيقاته هذه علي منوال اقوام يقيسون الامور باوهامهم و هو قد اغترّ بهم و لو فتح عين بصيرته لم‌ير منهم الّا انهم اشباه الرجال و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسنّدة حيث جعلوا المجردات غنيةً عن الاستمداد و انها مجردة عن مطلق الماۤدة اصلاً و كل ما لها بالفعل و ليس فيها ما بالقوة فلاتنتظر شيئا و تعالي الله عما يشركون و لاجل ذلك خصّص التجدّد و الاستحالة بذوات الاوضاع الشخصيّة مع اعراضها اللازمة للمواد المختلفة باختلاف المراتب و الاطوار التي كانت في نزولها الي

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 661 *»

الدنيا و فيها يتم بتلك الاعراض وجود المركبات الشخصيّ المحسوس المتعيّن لانه يتشخّص بها لا بغيرها و مظهر تلك الاعراض آلٰات الحواۤسّ اي فعلها و انفعالاتها و قد قدّمنا انّ الاعراض المشخّصة من لوازم الانفعال اي القبول عند اجتماع متمّماته لانّ المواۤد الوجوديّة ليس مشخِّصٰاتها من ذاتها كما توهّمه المصنف و انما هي متممات صورها و ماهياتها من الكم و الكيف و المكان و الوقت و الرتبة و الجهة و الوضع و الكتاب و الاجل و الاذن التي تلزمها تلك الاعراض و الهندسة المميّزة .
قال } و لها نحو آخر من الرؤية فليس لها في مشهد الاخرة هذا النحو من الوجود فيشاهد الاشياۤء في عرصة القيٰمة علي حقاۤئقها الاصلية بمشعر اخروي يتنوّر بنور الملكوت فيشاهد الجبال كالعهن المنفوش و يتحقق بمعني قوله تعالي و يسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لاتري فيها عوجا و لا امتا و يشاهد يومئذ نار جهنم محيطة بالكافرين و يراها كيف تحرق الابدان و تنضج الجلود و تذيب اللحوم وقودها الناس و الحجارة و يري الحجارة مسجورة { .
اقول انّ العارف الواصل المتحقّق بالسير في افعال الصنع بان قرأ القرءان و كشف الله عن بصيرته الاغشية و الحجب بحقيقة ما هو اهله و صدقه مع اللّه تعالي مع توفيق الله سبحانه و سبق العناية له من اللّه تعالي فشاهد من مضي و مَن غبَر و كأنما كان في الاوّلين و اهتدي للتي هي اقوم و نظر الي من نجا بما نجا و الي من هلك بما هلك فاذا استقام علي الاقبال الي الله و الاخلاص للّه شاهد الاشياۤء علي حقاۤئقها الاصلية بمشعرٍ ذاتي بنسبة واحدةٍ في الدّنيا و الاخرة الّا انه لمّا كان التخلّص في الدنيا انّما هو بالوجدان كان اذا نظر من حيث التخلص نظر الاشياۤء علي ما هي عليه فيشاهذا الجبال كالعهن المنفوش و يراها منسوفةً و يري الارض قاعا صفصفاً لايري فيها عوجاً و لٰا امتاً و هو ما يظهر من مرّ الريح علي الرمل و كذا من جري الماۤء علي الرمل وَ اذا نظر من حيث الوجود وجد الاشياۤء علي ما هي عليه عند اهل الدنيا و رأي الجبال ثابتةً و لم‌ير من تلك الحالة التي شاهدها من حيث الوجدان لانه الأن لم‌يتخلّص الّا من الوجدان و الاعتبار لا

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 662 *»

من حيث الوجود لانّه من حيث الوجود مختلط بالاعراض الماديّة الكثيفة و الاغراض الدنيوية السخيفة و امّا في الاخرة فانه يشاهد الاشياۤء علي ما هي عليه كما شاهدها في الدنيا من حيث الوجدان بذلك المشعر الذاتي لانّ المشعر الذاتي في الدنيا و الاخِرة وَاحدٌ و ليس له في الاخرةِ حالة اخري يشاهِدُ بِها الاشياۤء علي حالةٍ اخري لانّ مشاهدته في الاخرة بعد التخلّص الوجودي و الوجداني و مشاهدته في الدنيا بعد التخلص الوجداني قبل التخلص الوجودي و كذلك ايضا في الدنيا بعد التخلّص الوجداني يشاهد نار جهنم محيطةً بالكافرين كما قال تعالي لو تعلمُنّ علم اليقين لتروُنّ الجحيم و يراها كيف تحرق الابدان و تنضج الجلود و تذيب اللحوم وقودها الناس و الحجارة اي حجارة الكبريت او القلوب القاسية كما قال تعالي ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشدّ قسوة و يري الحجارة مسجورة علي المعنيين و المعني الثاني كما لوّح تعالي به لاهل الاشارة في قوله انكم و ما تعبدون من دون الله حصَب جهنم لان الحصب لغة حبشيّة في الحطب و انما عُدِل عن الحطب الي الحصب مع ان المعني واحد للاشارة باخذ الحاۤء و الباۤء من الحطب الذي يشتعل بالنارِ و اخذ الصاد من الحصَي فالصاد من الحصي الذي يبقي و لايفني و الباۤء من الحطب الذي يشتعل و الحاۤء منهما ليكون المعني انهم يشتعلون بالنار كالحطب و يبقون فيها كالحصَي فكذا الحجارة اذا كُنِّي بها عن القلوب .
قال } و هذه النّار التي تحرق الجلود و الابدان غير نار اللّه الموقدة التي تطّلع علي الافئدة فان تلك النار قد تخبو بالنوم و شبهه فيخفّف ضربٌ من العذاب عنهم و ان كان نومهم مما لا راحة فيه قال تعالي كلّما خبتْ زِدْناهم سعيراً اي كلّ ما خبت فيهم النار الباطنة لغفلتهم عن الحسد و الحقد و العداوة و البغضاۤء و ساۤئر النيران الكامنة التي تحرق القلوب و اشتغلوا باعمالٍ بدنيّة من قضاۤء شهوةِ البطن و الفرج وَ غيرهما لا علي وجه المصلحة بل علي منهج البهيميّة و المعصية فزيد فيهم قوة بدنيّة موجبة لزيادة نار السعير فيهم و من هيهنا يعلم ان هذه النار محسوسة قابلة للزيادة و النقصان و قال بعض اهل الكشف في معني الاية وجهاً اخر و هو قوله

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 663 *»

كلّما خبت النار المسلّطة علي ابدانهم زدناهم سعيراً بانقلاب العذاب من ظواهرهم الي بواطنهم و هو عذاب التفكر في الفضيحة و الهول يوم القيمة لان عذاب حرقة القلوب بنيران الامور القطعية و الحجاب عن الملكوت اشدّ من عذاب حرقة الابدان و الجلود فتكون عذاب تفكرهم و توهمهم في نفوسهم اشدّ من حلول العذاب المقرون بتسلّط النار المحسوسة علي اجسامهم و لاجل ذلك قيل شعراً :
النارُ نارانِ نارٌ كلُّها لَهَبُ       ** * **      و نارُ معنيً علي الارواح تطّلِعُ {
اقول يريد انّ النار تكون من نوع ما يتعذّب بها فنار الابدان و الجلود الظاهرة المحسوسة نار ظاهرة محسوسة و نار القلوب و النفوس و الافئدة نار معنويّة و لهذا قال انّ النار التي تحرق الجلود و الابدان غير نار اللّهِ الموقدة الّتي تطّلع علي الافئدة فانها معنويّة من نوع الافئدة فان تلك النار اي نار الافئدة قد تخبو بالنوم يعني يسكن لَهبُها بالنوم و شبهه كشغلٍ بشي‌ء يلهيه عن ذكر المعصية الاولي فيخفّف ضربٌ من العذابِ المعنوي عنهم و ان كان نومهم مما لا راحة فيه لان الملازم للمعاصي اغلب احواله اذا نام رأي في منامه ما هو من نوع يقظته قال الله سبحانه و تعالي كلّما خبت زدناهم سعيراً اي كلما سكن لهب النار الباطنة لغفلتهم عن معاصيهم كالحسَد و الحِقْد و العداوة و البغضاۤء و ساۤئر النيرانِ الكامنة الّتي تحرق القلوب لان ذكري معاصيه تُأَجّجُ نيرانها في قلبه و فؤاده و روحه و نفسه زدناهم من ثمرات اَعْمالهم البَاطلة البدّية التي تحرق الابدانَ و الجلود سعيراً في بَواطنهم و المستعِرة من اعمالهم هي الخابية اي الساكن لهبُها لانّ الاعمال البدنيّة من قضي شهوة البطن و الظهر و الفرج و غيرها ممّا ليس مباحاً و انما هو في طاعة النّفس الامّارة تزيد في العاملين قوّة بدنيّة موجبةً لزيادة نار السّعير لانها لتلك النيران كالحَطب فان النار انما تزيد بالحطب و تنقص بقلّته و ليس ذلك خاصاً بالنار المحسوسة كما توهّمه المصنف من ان المحسوسة هي القابلة للزيادة و النقصان بل كلّما دخل في

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 664 *»

الامكان فهو داخل في الزيادةِ و النقصان لا فرق في ذلك بين النار المحسوسة و المعنوية و الباطنة و غيرها الّا اَنّ كُلَّ شي‌ء فزيادته من نَوْعِه۪ و نقصانه من زيادته هذا في الدنيا بان يتألّم الباطن بنار الحسرة و الفضيحة و فقدان الخير او المطلوب و امثال ذلك و يتألّم الظاهر باقامة الحدود فيه كقطع يد السّارق و القصاص و بنقص العمر و ذهاب ماۤء الوجه و الفقر من الزاني و امثال ذلك و امّا في الاخرة فعذاب الابدان و النفوس و العقول و الافئدة و غير ذلك بنيران مختلفة كلّها موجودة في امثالها في الدنيا و هي النار المعروفة العنصر الحار اليابس و الزمهرير العنصر البارد اليابس و الرطب و الهم و الغم و الحزن و الفقر و الخوف و انواع الامراض و الندم و الحسرة و الخزي و التأسف و فوت المطلوب و فراق المحبوب و وجود المنافي و فقدان الملاۤئم و الضيق في المعيشة و في المكان و في النفس بفتح الفاۤء و سكونها و آلام الجروح و القروح و آلٰام القتل و آلام الموت و آلام خروج الروح ما سوي نفس خروج الروح و الدّقّ و الاكل و الشرب المكروهانِ لكونهما حاۤرّين او باردين بحيث لايطاقانِ او للمرارة او الملوحة او مُقَيِّئَيْن و الحاصل كل ما في الدنيا مما تكرهه النفوس و تمجّه الطباع من طعام او شراب او منام او سهر او ثياب او كلام او غير ذلك فهو في الاخرة معدّ لاهل النار علي كمال غايته فكل شي‌ء مكروه في الدنيا يبلغ شديدُه الهلاك و خروج الروح فهو في الاخرة لاهل النار مضاعفٌ اربعةٰ‌الٰاف ضعفٍ و تسعمائة ضعفٍ و يتزايد تضاعفه علي مرّ الدهور و الاوقات بلا غاية لذلك التألّم و لذلك التّضاعف سواۤء كان عذاباً للابدان ام للنفوس ام للعقول ام للافئدة ام لما بينها من البرازخ و لكلٍّ منها كل نوع من كل عذابٍ فللمحسوس عذاب محسوس و عذاب معنوي و للمعنوي عذاب معنوي و محسوس و للمجرد عذاب مجرّد و عذاب ماۤديّ و للمادي عذاب ماۤدّيّ و مجرّدٌ و كلّ ذلك ثمراتُ اعمالِهم فانّك اذا رأيتَ شخصاً قد سرق من السوق رُمّانة كلّما التفت خيالك اليه وجد مثاله هناك سارقاً لتلك الرمانة لانّ الملاۤئكة الحفظةَ كتبَتْ مِثالَهُ و مثالَ عملِه في غيب ذلك المكان و في غيب ذلك الوقت فهو ابداً يسرق فاذا

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 665 *»

كان يوم القيمة ظهر ذلك المثال بعمله في مكانه و وقته و لبسه علي رؤس الاشهاد و المثال يسرق لانه في الدنيا القي في مثاله روحاً من روحه و هو نيّته و نيّة الكافر شرّ من عمله فان كنت ممن يحلّ الرّمز و يستخرج الكنز فقد دللتُكَ علي مكانه و اعطيتك مفتاح فتحه و الّا فان جري لهذا ذكر في كلام المصنف زدناهُ بياناً و امّا ما ذكره المصنف من كون النار التي تطّلع علي الافئدة قد تخبو فليس لسكونِ لهَبِها و لكنهم عند اشتغالهم بشي‌ءٍ اخر اموات لاتجري فيهم الحيوة النّاطقة القدسية فلايحسّون بلهَبها و اذا التفتوا جرت فيهم النّفس النّاطقة باِحْسٰاسِهَا فَتألّموا و امّا النار المحسوسة فَانّها قد تخبو كما تخبو النّار المعنويّة بل قد تخبو هذه النار و لاتكاد تخبو المعنويّة لانهم اذا اشتغلوا بالاعمال الخبيثة المحسوسة ازدادت المعنويّة تأجُّجاً و تلهُّباً و من هنا تبيّن و عُلِم ان النار المعنويّة تقبل الزيادة و النقصان كالنار المحسوسة لابتنائها عليها وجوداً و عدماً لا كما توهمه المصنّف من اختصاص قبول الزيادة و النقصان بالمحسوسة و قوله و قال بعض اهل الكشف في معني الاية وجهاً آخر يشعر بارتضاۤئه و صحّته و عندي انّه مدخول في بعضه فانّ قوله كلّما خبت النار المسلّطة علي ابدانهم زدناهم سعيراً بانقلاب العذاب من ظواهرهم الي بواطنهم و هو عذاب التفكّر في الفضيحة و الهول يوم القيمة خلاف معني الاية لان معني الاية كلّما خبت النار المعنويّة سعّرناها و هذا القاۤئل قلَب المعني فقال معناها اذا خبت النار المحسوسة زدْنا النار المعنوية سعيراً و هو خلاف المراد من الاية و انما المراد منها كلّما خبت النار المعنوية زدناهم سعيراً منها اي نسعّرها و الّا لماحسن كلّما خبت لانّها اذا خَبَت لايقال كلّما خبت بل خبت مرّة واحدة و سكنت و انّما يقال كلّما خبت النار الّتي اذا خبت سُعِّرَتْ و هي جارية في المحسوسة كلّما خبت المحسوسة باشتغالهم عن التألم بها بعمل خبيثٍ موجبٍ لزيادة سعيرها سعَّرناها علي انّ هذا القاۤئل لو عكس لم‌يتّجه عليه اعتراض فقال كلّما خبت المحسوسة انبسطت عليها المعنوية فزادتها سعيراً و ذلك بانبعاث نيّته و ميل نفسه الامّارة بباعث ماهيّته الي المعاصي الّتي تأجّج

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 666 *»

النارَيْنِ معاً و قول القاۤئل و هو عذاب التفكّر في الفضيحة و الهول يوم القيمة لان عذاب حرقة القلوب بنيران الامور القطعية و الحجاب عن الملكوت اشدّ من عذاب حرقة الابدان و الجلود الي اخره يريد به انّ عذاب المعنويّة الباطنة كالعقول و النفوس انّما هو بالنّار المعنوية و انّما قالوا ذلك لِاَنّ النَّار المحسوسة من نوع الماۤدّيات و لاتتسلّط عَلَي البَسٰاۤئطِ كما يفهمونه في الدّنيا بالفَهْمِ الظاهري و ليس الامر كما توهّموا و لا كما فَهِمُوا بل النار بجميع ابْوابها السبعة التي اُعِدّت للكافرين و المشركين و المنافقين آيتُها و مثالُها و دليلها هذه النار الّتي في الدنيا كما قال تعالي افرأيتم النّار الّتي تورون ءَاَنْتم انْشأتم شجرتها ام نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرةً و متاعاً للمقوين يعني جعلها سبحانه تذكرة لنار الاخرة و لا شكّ في كونها مثالاً و تذكرة لنار الاخرة الَّتي اُعِدَّتْ للكفرة الفجرة و نار الحطمة هي الّتي تطّلع علي الافئِدة ففي تفسير علي بْن ابراهيم و الرابعة الحطمة و منها يثور شرر كالقصر كأنها جمالاتٌ صفر تدقّ مَنْ صَار اليها مثل الكحل فلاتموت الروح كلّما صاروا مثل الكحل عادُوا ه‍ ، فهي كما تحطم المعنويّةُ منها القلوب و الافئدة تحطم الاجساد و الاكباد و النار الحسّيّة هي النار المعنوية و بالعكس فكما انّها تحرق الجلود و الاجساد كذلك تحرق القلوب و الافئدة و كما انّ المعنويّة تؤلّم الافئدة و القلوب كذلك تؤلّم الاجساد و الجلود و تحرقهما و عذاب التفكّر في الفضيحة كما يعذِّب القلوب يعذّب الابدان بِسرِّ ما اشرنا اليه سابقا من انّ اهل الاخرة تدرك اعلم انه قد اثبت في الفلسفي ان الاركان ما لم‌تتشاكل لم‌تتركب تركيب خلود و ان جميع الاركان مكون من بخار و دخان حاصلين في معدن الحجر فالروح و النفس و الجسد كلها من بخار و دخان الا ان الروح من لطايفهما و النفس من اوساطهما و الجسد من كثايفهما و لاجل اختلاف مراتبهما لم‌تتركب تركيب خلود فاذا كسر و صيغ صيغة اخري كل واحد منها و شكلت فصارت النار حائلة و الارض سائلة و الهواء راكداً و الماء جامداً صار الروح يعمل عمل النفس و الجسد و النفس عمل الروح و الجسد و الجسد عمل الروح و النفس فعذاب الروح عذاب النفس و الجسد و عذاب النفس عذاب الروح و الجسد و عذاب الجسد عذاب الروح و النفس و كذا لذاتها فافهم ، كريم .
اجسادُهم المعقولاتِ و المحسوساتِ و تدرِكُ قلوبُهم المحسوساتِ و المعقولاتِ و قد اشرنا سابقاً الي دليله مجملاً من جهة العقل و النقل و من جهة الاية و المثل ما بُرهِن عليه في علم

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 667 *»

الطبيعي المكتوم بما يوصل من فهمه الي البديهي فافهم و قول الشاعر :
النار نارانِ نارٌ كلُّهَا لهبُ       ** * **      و نارُ معنيً علي الارواح تطّلِعُ
جارٍ علي مفهوم اهل الدنيا كما قلنا و قوله علي الارواح تطّلِعُ مقْتَبَسٌ من قوله تعالي التي تطّلع علي الافئدة و هي كما قال تعالي كلّا ليُنبذَنَّ في الحطمة و هي نار محسوسة و ان كانت في صفة المعنويّة و فعلها و هي نارٌ معنويّة في صفة المحسوسة و فعلها كما تقدّم فافهم .
قال } اقول و كلتاهما غير هذه النّار الّتي في الدنيا و لاجلِ ذلك وَصَفهَا بانها كلّها لهب لان هذه النار الدنيويّة ليست ناراً محضة بل جوهراً مركّبا فيه نار و غير نارٍ و لهذا قد تنقلب الي هواۤءٍ او ماۤءٍ او غير ذلك و امّا النار المحسوسة الاخرويّة فهي صورة ناريّة بَحْتَةٌ لايُطفِئها شي‌ءٌ الّا رحمة اللّٰه { .
اقول في الظاهر ان النّارين الاخرويتَيْن المعنويّة و المحسوسة غير هذه النار التي تستعملها الناس لانهما لهب بحتٌ كما اشار اليه الشاعر و يدلّ علي هذا الظاهر ما روي ما معناه انّ نار الدنيا توضع يوم القيمة في جهنم بعد سَلْبِ نورها و رجوعه الي اصله من نور الكرسي لانها عُبِدت من دون الله سبحانه و قد حكم تعالي في قوله الحق انكم و ما تعبدون من دون اللّه حصب جهنّم فتصرخ حين توضع في النار صرخة لو جاز علي اهل المحشر ان يموتوا لماتوا من شدّة صرختها و لانّ هذه النار الدنيويّة ليست نارا مَحضةً بل هي جوهر مركّب من اربعة اجزاۤء حرارة و ثلاثة اجزاۤء برودة و اربعة اجزاۤء يبوسة و ثلاثة اجزاۤء رطوبة و لهذا قد تنقلب اذا طُفِئَتْ هواۤء كما ذكره ابن‌سيناۤء في الاشارات و قد تنقلب ماۤء كما لَوْ طُفِئت في قرع ثم ركّب عليه الانبيق بحيث لايتخلّله شي‌ء من الهواۤء الّا الهواۤء المنقلب عن النار و اُوقِد تحته بنار الحضانة فانه يعني ذلك الهواۤء المنقلب من النار يقطر ماۤءً عذباً بخلاف النار الاخرويّة

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 668 *»

و قولي في الظاهر احتراز عن النظر الباطن فان مقتضاه ان نار الدنيا هي نار الاخرة و جنّة الدنيا هي الاخرة كما اشرنا اليه سابقاً من انه علي نحو انّ ابدان الدنيا هي ابدان الاخرة و كما دلّ عليه القرءان و امّا نار الدنيا التي يستعملها اهل الدنيا فقد روي ما معناه ان ادم عليه السلام لمّا هبط من الجنّة الي الارض هو و حواۤء احتاجا الي نارٍ لينتفعا بها في عملِ طعامهم و غيره نزل جبرءيل عليه السلام و اخذ من جهنم جذوةً فغسلها في نهر الكوثر سبعين مرة و في رواية وضعها في الكوثر سبعين سنة و لولا ذلك لاحرقت الارض و من عليها فحقيقة نار الدنيا المعروفة من نار جهنّم و انّما لحقها الخلط بالماۤء من الكوثر و بالهواۤء من هذا الهواۤء الذي بين الارض و السّماۤءِ لاستنشاقها و استمدادها منه و لنزولها الي محلِّهما كما هو شأن كل نازلٍ في تلوّثه بلطخ مراتب النزول و امّا صرختها من النار و احتراقها بها فليس لانها ليست من النار و الّا لمااحترقت بل لتخليصها من الاعراض الدنيوية و ذلك الصوت صوت القلع لتلك الاعراض و امّا احتراقها فلانها من النوع الذي يأكل بعضه بعضاً و سبب اكل بعضها بعضا ان اللهب يشتعل في الدخان و الدخان من رطوبة مكلسة فاللهب الاضعف اقل حرارة و يبوسة من الاقوي فضعفه فيها بسبب برودة و رطوبة فيشتعل فيه الاقوي و يكلسه و يأكله فافهم ، كريم .
و سر ذلك ان اللهب الاضعف ثمرة العمل الاضعف و اللهب الاقوي ثمرة العمل الاقوي الاشر فكما ان العمل الاقوي يقهر الاضعف و يغلب علي الاضعف و يتقوي به و يجعله تحته و من اتباعه و صفاته لان العمل الاضعف ابعد عن مبدء الشر من الاقوي و هو تنزله و صفته فالشي‌ء يتقوي بصفته و يترقي و كذلك ثمراتهما ، كريم .
و يصول بعضه علي بعض فان هذا النوع من النار يشتعل بعضه ببعض و يحرق بعضه بعضا فان هذا النوع اذا ثار منه لهب و كان قويّا اشتعل باللهب الذي قبله و احرقه و تقوّي به كما تتقوّي نار الدنيا بالحطب و ان كان ضعيفا اشتعَلَ به الاوّل و تقوّي به و اذا جاۤء لهب آخر كان حاله كاللهب الاول في القوّة و الضعف و هذه التي اشار اليها علي بن الحسين عليهما السلام في دعاۤء صلوة الليل بعد الفراغ منها من ادعية الصحيفة قال عليه السلام و من نارٍ يأكل بعضها بعض و يصول بعضُها علي بعضٍ و قوله و اما النار المحسوسة الاخرويّة فلايطفئها شي‌ء الّا رحمة اللّه صحيح

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 669 *»

لكنه ليس خاصّاً بالمحسوسة الاخروية بل المعنويّة ايضا لايطفئها شي‌ء الا رحمة اللّه و كذلك نار الدنيا لايطفئها شي‌ء الّا رحمة اللّه فان قلتَ نار الدنيا يُطفئها الماۤء قلتُ لانه اثر الرحمة و هي اثر نار الاخرة قال تعالي فانظر الي اثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها اللهم اجرنا من النار برحمتك يا ارحم‌الراحمين.

قال } و من جملة الاحوال يومئذٍ ان المرء يفرّ من اخيه و امّه و ابيه و صاحبته و بنيه لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه و ذلك لان النفس قد فارقت هذا البدن و خرجت عن الدنيا و كل ما فيها كما قال و كلّهم آتيه يوم القيمة فرداً فلايصادف الانسان احداً من هذا العالم الّا نتاۤئج اعماله و افعاله و صور نياته و لوازم صفاته و ملكاتِه { .
اقول ان النفس قد فارقت هذا البدن و يوم القيمة تعود اليه و تجتمع به و يكونون كما قال تعالي يتعارفون بينهم و كل ما كان لله من صداقة و صحبة و خلّة و محبّة فهي لازمة للانسان لاتفارقه كما قال تعالي الاخلاۤء يومئذٍ بعضهم لبعض عدوّ الّا المتّقين فان خلّتهم صداقة و محبّة في اللّه و هي باقية لاتفني و لاتغيرها الدهور فقوله و من جملة الاحوال يومَئذ انّ المرء يفرّ من اخيه الخ ، يريد به ما اشار اليه من المفارقة لكلّ شي‌ء غيره و غير نتائج اعماله و افعاله و صور نيّاته و لوازم صفاته و ملكاته لانه اخذ من الاية وجه تأويلها و الّا ففي عيون‌الاخبار قال قام رجل يسئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن هذه الاية مَن هم قال قابيل يفرّ من هابيل و الذي يفرّ من امّه موسي و الذي يفرّ من ابيه ابراهيم يعني الاب المربّي لا الوالد و الّذي يفرّ من صاحبته لوط و الذي يفرّ من ابنه نوح و ابنه كنعان ه‍ ، و المراد انّ منهم من يفرّ خوفاً كقابيل يفرّ خوفاً من هابيل لانه يطالبه بدمه و كموسي عليه السلام يفرّ من امّه خشية ان يكون قصّر فيما وجب عليه من حقّها و منهم من يَفِرّ فِرَارَ تَبَرِّءٍ كفِرارِ ابراهيم (ع‌) من ابيه المربّي له اعني آزَرَ الّذي هو زوج امّه فانه هو الذي قال تعالي في حقّه فلمّا تبيّن لَهُ انّه عدوٌّ لِلّهِ تبرّأَ منه و ليس المراد به ابوه الحقيقي الّذي اسمه تَارَحُ و كلُوطٍ فانه يفرّ من زوجته واهلة اَوْ والهة فِرارَ براۤءةٍ و كنوح فانّه يفرّ من ابنه كنعان

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 670 *»

فِرار براۤءةٍ و ايٰات الكتاب و السنّة و المعروف من مذهب المسلمين و ما عند العقول تنافي ما ذهب اليهِ من كون النفس حين خرجت من البدن خرجَتْ من الدنيا و من كلّ ما فيها و من تأويله للاية الاولي من ان المراد من انه لكل امرءٍ من الخلاۤئق شأن يغنيه انّه لايجد الّا نفسه و نتاۤئج اعماله و صور نيّاته و لوازم صفاته و ملكاته و للاية الثانية في قوله تعالي و كلّهم آتيه يوم القيمة فرداً علي ذلك فانه يلزم من مراده انّ كل واحدٍ يحشر وحده فلاتكشف السراۤئر من احدٍ لاحدٍ فاذا كان لايصادف احداً من هذا العالم و لا شيئا الّا نتايج اعماله فهو يحشر وحده و يبقي وحده لان جنّته عند المصنف قصورها و حورها و ولدانها و حريرها و طعامها و شرابها و جميع ما ذكر مما هو معدّ للمؤمنين عبارة عن صور نيّاته و ملكاته و هذا حال عجيب لانه يكون قوله اخوانا علي سرر متقابلين يراد من اُولٰۤئِك الاخوان صور نيّاته و لوازم ملكاته و لايصحّ ان يحمل قوله علي ان زيداً انما يصادِف من عمروٍ شأنه و ما يناط به من مطالبه لانّه لَوْ ارَادَ هذا لَقال فلايلتفت الي شي‌ء و لٰايعتني به الّا اذا كان له معه رابطة مثل طلب حقٍّ اوْ اداۤءِ حقّ او شهادة او طلب شفاعةٍ او شفاعةٍ للغير و نحو ذلك لكنه قال فلايصادف الانسان احداً من هذا العالم و لا شيئاً الّا نتايج اعماله و افعاله و صور نيّاته و لوازم صفاته و مَلكاته و لكن الواقع انّ الانسان يحشر مع ما يشابهه في الاعمال كما قال سبحانه و تعالي احْشُرُوا الّذين ظلموا وَ اَزْوَاجَهُمْ اي مع ما يشابههم فالعشّار مع العشّارين وَ الحَاكم مع الحكّام وَ العالم مع العلماۤء و هكذا كلّ شخص يحشر مع اَبْناۤء نوعه المشابه۪ينَ له في صفاته و اعماله و تحشر الخلاۤئق كلّهم في صعيدٍ واحدٍ فهم علي انواعٍ مختلفةٍ يشاهد بعضهم بعضاً فمنهم ظالم و منهم مظلوم و منهم شاهد و منهم مشهود و منهم شافع و منهم مستشفع و منهم مفتضح يشاهد مَساويه من له به تعلّق و من ليس له به تعلّق و منهم المتحاۤبّون و منهم المتباغضون و منهم المذكّرون و منهم المتذكّرون و منهم المتعارفون و منهم المتناكرون الي غير ذلك و كل احدٍ مما ذكر يكون يصادفُه غيره غالباً لانهم مجموعون ليوم عظيم فكيف لايصادف الانسان احداً من العالم و لا شيئا الّا

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 671 *»

نتايج اعماله و لكن هذا الّذي يطابق اعتقاده كما تقدّم في ذكر الجنّة .

قال } و منها ان الملك يومئذ لِلّهِ و ذلك لانّ الروابط الماۤدّيّة و الاسباب الوضعيّة و العلل المعدّة مرتفعة هناك لان هذه الروابط مختصة بعالم الاتفاقات التي منشاؤها انفعالات المواۤدّ و استحالاتها بواسطة الجهات و الاوضاع السماويّة كما بيّن في مقامه و امّا النشأة الثانية فالاسباب هناك ليست الّا ذاتيّة غير خارجة عن ذات الشي‌ء و مقوّم وجوده و هذا العالم ايضا الملك للّه اذِ الكل بارادته و ايجاده و تدبيره و حكمته الّا ان الوساۤئط العرضيّة و العلل المعدّة موجودة هيهنا و الاتفاقات واقعة بقضاۤئه و قدره { .
اقول يريد انّما قيل انّ الملك للّه وحده يوم القيمة بمعني ان في الدنيا مَن يملك و في الاخرة ليس مالكٌ الّا اللّه لانه و ان كان في الدّنيا ايضا ليس مالك الّا اللّه كما في الاخرة علي الحقيقة الّا ان الاشياۤء المملوكة خلقت لمنافع الانسان في هذه الدنيا لما فيها من موافقة دار الدنيا كما تنفع الاشياۤء الحارة في فصل الشتاۤء و الباردة في فصْل الصيف و كما لاينفع البارد في الشتاۤء و الحار في الصّيف كذلك لاينفع ما في الدنيا في الاخرة و ما في الاخرة في الدنيا و العلّة في ذلك انه خلق لخصوص الدار فلاينفع لضدِّها لان الروابط الماۤدّية المقرونة بالاضمحلال و عدم الاعادة و بالانهدام و عدم البناۤء و بالذهاب و عدم العود و كذلك الاسباب الوضعية و العلل المعدة المقرونة بما ذكرنا خلقت الامور المملوكة عليها و الاخرة و احوالها مقرونة بالدوام و الثبات فروابطها الماۤدّية يلزم اضمحلالها العود و التجدد علي وجهٍ اكمل من المضمحل و انهدامَها البناۤءُ الاكمل و ذهابها العود الاتم بحيث لايفقد المضمحل و المنهدم و الذاهب بل انّما يجدون الجدّة و القوة و الاشتداد فيضمحل ضعيفها الي القوي و متهافتها الي الشدّة و عتيقها الي الجدّة لا انها لاتتغير ابداً فان ذلك وصف القديم الغني عز و جل و لكنّها تتغيّر من الضعف الي القوّة و الكمال ابداً فلمّا كان ما خلقت من المملوكات في الدنيا مقرونة بالاضمحلال و الانهدام و الذهاب لان الدار ليست دار القرار لم‌يبق لاحدٍ شي‌ء مما ملكه في الدنيا من جميع الاشياۤء من

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 672 *»

اعيان اوْ اعراض لم‌يوجد لاحدٍ من الخلاۤئق شي‌ء من التملّك و التسلّط علي شي‌ء مما تملّكه و تسلَّط عليه في الدنيا و لا علي ما هو من نوعه و مثله و لم‌يدخل في يوم القيمة و هو حينئذ لم‌يدخل الجنّة ليعطي الملك الكبير كما قال تعالي و اذا رأيتَ ثَمّ رأيتَ نعيماً و ملكا كبيراً فخلَص الملك يوم القيمة للّه سبحانه هذا باعتبار الامر الصوري الظاهري و الّا ففي الحقيقة في الواقع و في نفس الامر ليس مالك الا اللّه عز و جل في الدنيا و الٰاخرة عَلَي حَدٍّ سَواۤءٍ و لكنه تعالي اَعْطَي عباده في الدُّنْيَا ما يتمّ به نظامهم و بلاغ معاشهم وَ مَعادِهِمْ و هو في ملكه و في قبضته لم‌يُخَلِّه من يده مع انّ الخلق ملكه و ما ملّكهم ملكه فليس لاحدٍ سواه ملك لا في الدنيا و لا في الاخرة فالعارف باللّه لايفرق بين الدنيا و الاخرة فانّ الخلق فيهما مايملكون من قطمير و امّا العوام فانهم يفرقون لانهم يرون انهم مالكون في الدنيا و يوم القيمة تنكشف الحقاۤئق و يشاهدون الملك خالصاً للّه و قوله لان هذه الروابط مختصّة بعالم الاتفاقات و الحركات الّتي منشاؤها انفعالات المواۤدّ و استحالاتها بواسطة الجهات و الاوضاع السماوية فيه انَّ هذه الروابط و الاضافات و ان كانت ناشئة من انفعالات المواۤد لكنها ليست مختصة بعالم الدنيا و ليس هذا بعالمِ اتفاقاتٍ بل افعاله و انفعالات مفاعيله علي نمط افعال الاخرة و انفعالات مفاعيلها نعم قد تخلّل هذه المواۤدّ الدنيويّة اعراض رتبتها فتغيرت الاوضاع و تغيّرت التأليفات و ذلك لفائدة الانتقال و عدم البقاۤء فيها لانّها دارُ اختبارٍ لا دار قرار و الّا فانها هي دار التجارة و التحصيل و دار الاكتساب جعلها تعالي هكذا بحكمته سُوقاً تشتري منه متاعَك لسفرك الي دار القرار فاقتضت الحكمة هذا التغيير و التبديل و الفناۤء و الذهاب و الاضمحلال فسَبّب الاسباب رب الارباب سبحانه لتكون هذه الدار هكذا فكان حَتما ما اراد و في الاخرة سبب اسباب البقاۤء بان رفع اسباب التغيير الموجب للفناۤء و وضع اسباب التغيير الموجب للبقاۤء و هو دوام الاعادة و التجديد و مضاعفة القوة و الشدّة و ليست اسباب البقاۤء في الاخرة و لا اسباب الفناۤء في الدنيا ذاتيّة بل كلّ منها باعطاۤء الجواد مقتضيات الاستعداد لانّ الحادث مطلقا

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 673 *»

يعني مادّيّا او مجردا في الدنيا او في الاخرة لايقدر اَنْ يوجِد نفسَهُ و كما لايقدر ان يوجِدَ نفسه و يحدثها لايقدر ان يبقيها و لا ان يُفْنِيَها فليس لاحدٍ من الخلق من الامر شي‌ء الّا ما اعطاه اللّه و اقدره عليه و ليس من اسباب الايجاد و لا اسبابِ الفناۤء و لا اسباب البقاۤء شي‌ء ذاتي لشي‌ء من الخلق و الّا لَماتَغَيّر عنه و لااحتاج الي غيْره فيه و من استغني عن غيره في شي‌ءٍ استغني عَنْه في كلِّ شي‌ءٍ فلو كانت الاسباب غير خارجة عن ذات الشي‌ء لم‌يحتج الي غيره في جميع مطالبه و قوله و هذا العالم ايضاً الملك لله تعالي اذِ الكل بارادته و ايجاده و تدبيره و حكمته الّا انّ الوساۤئط العرضيّة و العلل المعدّة موجودة هيهنا و الاتفاقات واقعة بقضاۤئه و قدره اَمّا ان الكلّ بارادته و ايجاده و تدبيره و حكمته فصحيح في الدنيا و الاخرة و اما ان الوساۤئط العرضيّة و العلل المعدة موجودة هيهنا اي في الدنيا فكذلك و موجودة في الاخرة كل شي‌ء بنسبة رتبته فليس العرضية و المعدّة مخصوصة بالدنيا و الّا لزم اِمّا اتّحاد ما في الاخرة و عدم تعدّده اذ التعدّد و الكثرة انما تكون بالقوابل و متمماتها من الكم و الكيف و المكان و الوقت و الجهة و الرتبة و الوضْع و الاذن و الاجل و الكتاب لا فرق بين المجرّد و الماۤدّيّ و ان كان كلّ شي‌ء بحسبه و امّا الاتفاقات فلاتوجد في حالٍ و انّما الاشياۤء كلها مرهونة باوقاتها فاذا اقتضت الدّواعي و الاسباب امراً جري به القدر و القضاۤء و هذا في الدنيا و في الاخرة و ان اختلفت الدواعي و الاسباب شدّةً و ضعْفاً و سرعة و بطؤاً لانّه انّما يفعل بالاسباب و اِمّا اَنَّ الفاعل في الاخرة هو الانسان و هذه المملّكات في الاخرة شؤنه و صناۤئعه اَوْ اَنَّها مصنوعة من وجودِه۪ و كلَا اللَّازِمَيْنِ باطل و مراده ان الدنيا و ان كان فيها كون الملك للّه سبحانه الّا انّ الدنيا يقع فيها اتّفاقاتٌ لاهلها ليسَتْ بسبق العناية ليخلُصَ الملكُ للهِ و انما تقع بدواعي الاسباب الوضعية و الوساۤئط العرضيّة فيجري بها القضاۤء و القدر فلم‌يخلص الملك للّهِ و امّا الاخرة فكلّ ما فيها بسبق العناية اقول و هذا نظر ضعيف لم‌يصدر عن النور و امّا النظر الصادر عن النور فهو اَنَّ كلّ الاشياۤء مجرّدها و ماۤدّيّها جوهرها و عرضها لازمها و ملزومها دنيوِيَّها و اُخرويّها علي

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 674 *»

نمط و صنعٍ واحدٍ اَجْريٰها سبحانه علي اسبابها و من الاسباب انّ الدّار المخلوقة للفناۤء كالدنيا تقتضي تغيّر ما فيها و اخْتِلافَه و فناۤءه و اضمحلاله و استتار وجوهِ الاشياۤء فيها و حقاۤئقها كما قال تعالي انَّ السَّاعة آتية اكاد اخفيها لتجزَي كلُّ نفسٍ بما تسعي ، وَ انَّ الدّار المخلوقة للبقاۤء كالٰاخرة تقتضي بقاۤء ما فيها و عدم اختلافه من قوّةٍ الي ضعفٍ و من وجودٍ الي عدمٍ و اضمحلالٍ و لمّا كانت الاشياۤء كلها لاتثبت و لاتبقي الّا بدوام المدَدِ وجب اَن يكون كل ما فيها يختلف و يتجدّد من ضعفٍ الي قوّةٍ و من عدمٍ الي وجودٍ و منْ بِليً الي جدَّةٍ و ذلِك باعادةِ ما فني منها بالتَّدْريج السَّيّال بحيثُ لايفقد شي‌ء و لا قوّة و لا جدّةٌ و انّما كان ما في الاخرة من الضعف الي القوة لكونها داۤئمةُ الترقي و القرب الي المبدءِ و انما كان المعاد اقوي منه قبل فناۤئِه۪ لِمٰا بُرهِن عليه في العلم الطبيعي المكتوم الذي هو مخ العلوم انّ الشي‌ء كلّما كثر حلُّه و عقدُه و حلُّه و عقدُه ازداد قوّة و تأثيرا و ذلك كاللِبنة اذا كسرتَها ناعماً ثم صُغتها كان اقوي من الاولي فاذا دَققْتَها ناعماً و صُغتها كانت اقوي من الثانية فالثالثة اقوَي من الثانية و الرابعة اقوي من الثالثة و هكذا و لِان ما تحلّلَ خلص من التأليف فيرجع الي رتبةٍ اعلي من رتبته في التأليف فاذا اُع۪يد مع ما دونه اُلْحِقَ ما هو ادون الي رتبةِ مٰا اعيد و هكذا .

قال } و منها انّ الملك يومئذٍ الحق و اَن لا ظلم اليوم لما عرفت من ارتفاع المصادمات و المعارضات الاتفاقيّة في ذلك العالم { .
اقول في يوم القيمة يخلص الحقّ في الوجود كلّه فينقسم ما فيه علي شِقَّي الرحمة الواسعة فاهل محبّة اللّه مغمورون بالشقّ الايمن الاعلي و هو الرحمة المكتوبة فساكتبها للّذين يتّقون و يؤتون الزكوة الايات ، و اهل سخطِ اللّه جري عليهم العدل و هو الشِّق الايسر الاسفل فلايكون يوم القيمة و ما بعده الّا فضل او عدل فاهل الفضل الذاتي في الجنان الاصليّة علي حسب مراتبهم و اهل الفضل العرضي في جنات الحَظاۤئِر السبع يسكنها ثلاث طواۤئف و هم المؤمنون من الجن و اولادُ الزنا اذا كانوا مؤمنين و ما تناسل منهم الي سبعة ابطن و الثامن يلحق بالمؤمنين الطاهرين في الجنان الثمان الاصليّة و المجانين الذين

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 675 *»

لم‌يرشدوا في الدنيا و ليس في اقاربهم و ذرّياتهم من هو من اهل الشفاعة و اهل العدل الذاتي في النيران السبع الاصليّة و اهل العدل العرضي في نيران الحظاۤئر و الضَّحْضَاح علي حسب مراتبهم و جنان الحظاۤئر السبع اسماۤؤها باسماۤء اصولها و نيران الحظاۤئر السبع تسمي ايْضا باسماۤء اصولها فلا ظلم اليوم اي يوم القيمة لاستيلاۤء العدل علي جميع ذرّات الكون و لارتفاع الاعراض و الاغراض المدافِعة لسرّ الخليقة الّتي ماكوِّنَتْ هيئتها الّا علي هيئة فعل اللّه و هي فطرة الله التي فطر الناس عليها و ما بال المصنف مع ما عنده من العلم وَ مَا يدّعيه يُثْبِت في خلقِ اللّهِ و في ملكه اُموراً اتّفاقيّة لاَنّه اِنْ ارادَ ان العباد تفعل اشْيَاۤء تترتّب عليها اَسْبَاب و موانع فصَح۪يحٌ و لكن لٰايُعّبر عن تلك الافعال بالاتِّفاقات لانها لو كانت الافعال بالاتّفاق لَقَلّ ترتّب الاَسْبَاب عليها لعدم ايقاعها عن قَصْدٍ و اختيارٍ ذاتِيَّين غالباً و ان اراد انّها واقعة من غير افعالهم الاختيارية فاسوءُ حالاً سواۤء فرضت من فعله او من فعله بهم و الحاصل التعبير بالاتفاقيات ليس بمستقيم لان ما يكون بقضاۤء الله و قدره لايكون اتّفاقاً علي اي نحو فرض و ان كان ما يقع اتفاقاً لايكون الّا بقضاء الله سبحانه و قدره .

قال } و منها ان القيمة يوم الجمع لان الازمنة و الحركات علّة التغاير و التعاقب في الحدوث و القدم و الامكنة و الجهات علة الحضور و الغيبة في الوجود و العدم فاذا ارتفعتا في القيمة ارتفعت الحجب بين الموجودات فتجتمع الخلاۤئق كلّهم الاوّلون و الٰاخرون فهي يوم الجمع لقوله يوم يجمعكم ليومِ القيمة { .
اقول يريد ان يوم القيمة هو يوم الجمع و انما اقتضي الحال اجتماع الخلق لكون الخلق باجمعهم خلعوا المواۤدّ و كانوا مجرّدين نورانيّين لان التغاير المقتضي للافتراق و التعاقب المقتضي لعدم الاجتماع في رتبةِ الحدوث و القِدم انّما هما لعلّة الازمنة و الحركات و لو لم‌تكن في الدنيا ازمنة و لا حركات لم‌يقع بين الخلق تغاير و لا افتراق و ايضاً الامكنة و الجهات علة الحضور و الغيبة في وجود الاشياۤء و عدمها فلو لم‌تكن امكنة لم‌يحضر موجود و لو لم‌تكن جهات

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 676 *»

لم‌يغب معدوم فاذا ارتفعت الازمنة و المدد و حركات الافلاك و الامكنة و الجهات في القيمة ارتفعت الحجب بين الخلاۤئق الموجبة للغيبة و الموانع المقتضية للافتراق فتجتمع الخلاۤئق كلّهم الاوّلون و الاخرون فالقيمة يوم الجمع و يريد ان المقتضي للاجتماع هو تجرّدهم و انما سمّيت القيمة بيوم الجمع لانطلاق الخلاۤئق من قيود الازمنة و الامكنة و اقول في كلامه هذا بالنسبة الي كلامه غير هذا تدافع و تناقض و مع هذا معارض بالكتاب و السنة و المذهب الحق و عقول الملّيّين و ذلك لان مذهبه ان الزمان ظرف جميع الكاۤئنات لم‌يتقدّم عليه الّا الباري عز و جل و انّه نهر يجري من تحت جَبَلِ الازل كما نقله عن بعض العارفين في شرحه لاصول الكافي مرتضياً له و قد صرّح في كتبه انّ الزمان عبارة عن حركة الفلك فتعارض قوله بان الزمان ظرف جميع الكاۤئنات و انه لايسبقه الّا اللّٰه تعالي و قوله بانه عبارة عن حركة الفلك اذ يلزم منه كون الفلك سابقاً علي الزمان مع انه من المكوّناتِ و قوله هنا بارتفاع الازمنة و الحركات و الامكنة و الجهات يوم القيمة مع ان في المحشورين الحيوانات كلها كما قال تعالي و ما من داۤبّة في الارض و لا طاۤئر يطير بجناحيه الّا امم امثالكم مافرّطنا في الكتاب من شي‌ء ثم الي ربهم يحشرون و يقتصّ يوم القيمة للجمّاۤءِ من القرناۤء و كذلك تحشر الازمنة و الامكنة و الحركات و الجهات كما دلّت عليه الروايات بصريحها و البقر و الغنم و الجماد و امثالها لاتكون مجرّدات و لاتكون خارجة عن الزمان و المكان و الّا لكانت غير داخلةٍ فيه قبل ان يخلق فانّ كونَها بعده في العود دليل علي كونها قبله في البَدْءِ فتكونُ سَابقةً عليهِ فلايصدق قوله انَّ الزمان لم‌يتقدّم عليه الّا البارئ عزّ و جلّ و ايضا كون الازمنة و الحركات من علّة التغاير و التعاقب مما لا اشكال فيه و ان كان غيرهما علّة للتغاير و التعاقب اذ لاتنحصر في الازمنة و الحركات بل منها الازمنة و الحركات و منها غيرها بمعني انّ علّة التّغاير مركّبة من الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و الوضع و الاذن و الاجل و الكتاب و اذا ارتفع شي‌ء منها ارتفعت كلها فلا منافاة في ذكره للزمان خاۤصة و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 677 *»

قد قال انّها علّة للحدوث و القدم و نحن نقول كذلك و في الدّنيا و الْاخرة فحيثما وجد الزّمان وجد التغاير و حيثما ارتفع ارتفع كما قال المصنّف و يلزم حينئذٍ ان اهل الجنّة و الجنّة و ما فيها من النعيم لايتغيّر و لايتبدّل و ان كان من ضعفٍ الي قوّة و من بِليً الي جدّةٍ و من تماميّةٍ الي كماليّة و من كماليّة الي اكمليّةٍ و المعلوم من الكتاب و السنة و المذهب و العقل خلاف ذلك فانّ اهل الجنّة داۤئما يترقّون في الدَّرجات و في مراتب الكمال الي غيْر النّهاية و ليس الّا لوجودِ الاَزْمنة و الاجسام الّتي لاتنْفكّ عن الزّمان و المكان و المواۤدّ و الصور و الجهات وَ الرّتب و الاَوْضاع وَ مَا اَشْبه ذلك اذ لٰاتتقوّم الاجسام بدون ذلك في الدنيا و في الاخرة بل و لا المجردات من جميع ما ليس بمعبودٍ بالحق و ان كانت هذه المشخصات و المتممات للقوابل و المقوِّمات للذّوات مجردة بحسبها و انما قلتُ من جميع ما ليس بمعبودٍ بالحقِّ دفعاً لاحتمال اَتْباع المصنّف القاۤئلين بان الارواح القادسة ليست ممّا سوي اللّه تعالي و انّ روح القدس لم‌تَدْخل تحت حيطةِ كن لانّ الذي يشيرون اليه ان كان هو معبودهم فماادري ما اقول لهم و اما انا فاقول ما يشيرون اليه فعباد مخلوقون مركّبون بنحو ما تركّبَ به۪ ساۤئر المخلوقات الّا انّ كل شي‌ء فمؤلَّفٌ من نوع رتبته من الكون و الحاصل معني تسمية يوم القيمة يوم الجمع لاجتماع جميع الخلاۤئق فيه لانه يوم الجزاۤء و التزييل في قوله تعالي فزيَّلْنَا بينهم ، و ان قيل ان المصنّف يفهم هذا و لكنّه يريد بيان علّة اجتماعهم من باب الاسباب كما هو طريقة الحكماۤء فَلَا اعْترَاضَ عليه قلنا اذا اراد هذا المعني فانْ كانَ ارادَ بيانه بما ينقل عن غيره فَلَا اعْتِراضَ عليه و انما الاعتراض علي غيره وَ اِنْ ارَادَ اَنَّ بيانَ هذا النَّمطِ بالحقِّ هو ما ذكره فالاعتراض متوجّه عليه بل بيان الحق في سبب اجتماعهم انّ الموجب لذلك هو العدل ( اي وضع كل شي‌ء موضعه و رد كل شي‌ء الي جوهره و التزييل فيجمعهم ليأخذ حق بعضهم عن بعض الذي هو العلاقة بينهم فيتفرقون بعد قطعها و رد كل شي‌ء الي جوهره و اصله فالجمع للفصل الذي هو ثمرة العدل ) الّذي قام نظام الاكوان و دارت عليه

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 678 *»

رحاهُ و بلحاظ نَمط ادلّتهم فالموجب هو معني قوله تعالي كما بدأكم تعودون ، و ذلك ما قرّرنا في كتبِنا و رساۤئلنا و مباحثاتِنا انّه تعالي خلق رحمته ( صورة العقل ) و كانت رتبتها في اَعْلي الامكان و خلق من ظلّ انّيّتِها غضبَه ( صورة الجهل ) و كانت رتبته في اسفل الامكان قضاۤء لحكم التضاۤدّ فاَقام كُلّاً منهما بالاخر عَلَي نحو ما ذكرنا في الكسر و الانكسارِ فخلص اعلي الخيرات اي اقربها ( فخلق منه محمد و ال‌محمد عليهم السلام ) من المبدء و اسفل الشرور اي ابعدها ( فخلق منه ائمة الجور ) منه و ظهرت آثار الاختلاط ( فالشيعتان مختلطتان بينهم لطخ و خلط و يجب ان يخلصوا ) ممّا بينهما فخلق من كل واحدٍ ( من النور و الظلمة في عالم النفوس و الذر الاول فقال لقوم الي الجنة و لاابالي و لقوم الي النار و لاابالي ) اهلَهُ فلمّا امر النور امتثل و لمّا امر الظلمة لم‌تمتثِل فاجتمعا ( في عالم الطبيعة ) قبل التكليف كما قالَ تعالي كان الناس امة واحدة فبعث اللّه النبيين مبشّرين و منذرين في الخلق الثاني ( في عالم المثال ) عند ما قال لهم الستُ بربّكم فاخذوا في التزييل ( في المثال ) و التفريق بعد الاجتماع ( في الطبع ) المسبوق بالتفريق ( في النفس ) اعلم ان المراد من الجمع و التفريق المذكورين ان الله سبحانه خلق النور و الظلمة و هما مثلثان متداخلان رأس كل مخروط علي قاعدة الاخر فقاعدة كل مثلث خالص فيما هو فيه الا ان فيها بقدر الاستمساك من الاخر فخلص الطرفان و تركب الاوساط فطرف النور هو اصل عليين و طرف الظلمة هو اصل سجّين و الاوساط مما يلي الوسط من جانب الاعلي هم اهل الجنة و المغفرة و مما يلي الاسفل اهل النار و العذاب و حكم لكل من الفريقين بما هم اهله و كان ذلك في عالم النفوس ثم كسر طينهم في عالم الطبيعة و خلط بين الطينتين و حصل اللطخ ثم فرق بينهم في عالم المثال فكانوا في الطبيعة و المواد امة واحدة فتزيلوا في عالم المثال بدعوة النبيين المبشرين المنذرين ثم نزلوا الي هذه الدنيا فاجتمعوا ثانيا في طبايعها و موادها و تفرقوا بعد الدعوة فاذا ردوا الي بدئهم وصلوا اولاً الي عالم جمع الطبايع ثم فرقوا في النفوس الي الجنة و النار ثم لايجتمعان ابداً ففي يوم القيمة يجتمعون ما دام فيهم اللطخ و الخلط فاذا تزيلوا عذب الذين كفروا بالنار و نعم الذين امنوا بالجنة و انما يؤتي بحالة الاجتماع الطبيعي لان الطبايع ايضا تلطف يوم القيمة و تأتي اخروية كما تأتي الازمان و الامكنة ملطفة فتأتي فادني القيمة التفريق المثالي و اعلاه الاجتماع الطبيعي و اعلي منه التفريق النفساني ثم لايجتمعان لان العود الي الوجودات الشرعية التي هي ثمرات الاكوان فافهم ، كريم .
و يتم التفريق يوم القيمة ( اذا عادوا الي النفوس كما بدؤا ) لاخذ حقوق ( لطخ كل من كل ) كل من كلّ و بكلٍّ يعني حتي حقّ الفضيحة و حتّي يعلم كل احد بانّ الله سبحانه العدل لايجور و الحكيم الذي

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 679 *»

لايلهو و المتسلّط الذي اليه ترجع الامور و اكثر الخلق لايعرفون من معني هذا الكلام الّا العبارة او مفهومها و لايعلم الجاهل و الغافل بذلك كعلم العارف الذاكر العاقل الّا يوم القيمة و لايتم ذلك كله علي كمال ما ينبغي الّا بجمع جميع الخلق في صعيد واحد ليشاهد كلُّ احدٍ كُلَّ احدٍ و هذا الذي اومأتُ اليه من الحقوق التي يتعلّق بها العدل و معني ما اردتُ مجملا انهم خلقوا من حقاۤئق ( في النفوس ) متباينة ثم جمعوا ( في الطبع ) لما يراد منهم ( من الابتلا و الاختبار و ظهور الاختيار ) هذا في البدءِ و جمعهم لما يراد منهم حين قال لهم الستُ بربّكم لان ذلك مما تعمّ به البلوي فيجب الاجتماع و تنتهي ثمرة الاجتماع ( التي هي الاختبار و ظهور الاختيار ) في يوم القيمة ( بعد انقطاع الطبايع ) لانه مسامِت مشهد الستُ بربّكم في العود ( و هو مشهد النفوس التي هي حقايق المثال و الدنيا ) فافهم ثم يتفرقون ( الي الجنة و النار ) و لايجتمعون ابداً ( لانهم لايعودون الي موادهم الاولية بل الي الشرعية ) يعني لايجتمع من كان من النور بمن كان من الظلمة اَبداً و لو كان علّة الاجتماع ما ذكره المصنف لماحصل افتراق ابداً لانهم بعد القيمة ترتفع عنهم تلك الحجب و الموانع اشدّ من ارتفاعها يوم القيمة مع انهم فريق في الجنّة و فريق في السعير فان قيل اهل الجنة لايفترقون و اهل السعير لايفترقون قلنا فرفع الموانع انّما يقتضي جمع احد الفريقين لا الجميع مَع انّه جَعله علّة للجميع .

قال } و منها اَنّها يوم الفَصْل لان الدنيا دار اشتباهٍ و مغالطةٍ تشابك فيها الحق و الباطل و الخير و الشرّ يتعانق فيها الخصمان و يتمازج فيها المتقابلان و الاخرة دار الفصل و التمييز و الافتراق فيتفرّق المختلفانِ و يتميّز المتشابهانِ لقوله تعالي و يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرّقون و قوله ليميز الله الخبيث من الطيب الاية ، و قوله و يحقّ الحق و يبطل الباطل و لا منافاة بين هذا الفصل و ذلك الجمع بل يقرّره و يوجبه كما قال هذا يوم الفصل جمعناكم و الاوّلين { .
اقول من لوازم القيمة انها يوم الفصل و هو مقتضي قيام العدل لما قلنا سابقا قبل هذه انّ الخلاۤئق انّما جمعهم التكليف لِمٰا بينهم من المشابهة ( اي لما ماتوا من عالم النفوس و دفنوا في ارض الطبايع و نبت نبات المواد وقع المشابهة

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 680 *»

و هي علة الجمع في التكليف و الحشر ) و هو قولي و ظهرت آثار الاختلاط ممّا بينهما و لهذا يميل كلّ شي‌ءٍ الي شكله و نوعه فيتوافقان و يحصل بينهما تنافٍ فيختلفانِ فيحصل من ذلك مع التكليف ( اي التكليف الجامع هو المفرق بينهم لانه الفرقان ) الجامع لهما احسان و عدوان و اعطاۤء و حرمان و تصديق و تكذيب و اعتراف و انكار و طاعة و عصيان فيحصل من التوافق و التفارق الطبيعيَيْن مع التكليف الجامع جميع الصفات المتضاۤدّة و لمّا كان علّة ايجادهم و تكليفهم الرحمة الواسعة الجامعة للفضل و العدلِ اقتضي ذلك الفصْل بينهم بعد جمعهم ( اي الرحمة الواسعة تجمعهم و الفضل و العدل تفرق بينهم ) فيما كانوا فيه يختلفون ليجزي قوما بما كانوا يكسبون و ليعلم الذين كفروا انهم كانوا كاذبين و ليعرفوا الخلاۤئق اجمعون انّ الله سبحانه هو الحق المبين العدل الحكيم و انه كما وصف نفسه في كتابه المجيد فانه لايعرف ذلك في الدنيا الّا من هو اعز من الكبريت الاحمر و اقلّ من الغراب الاعصم و اما ساۤئر الخلاۤئق فلايعْرفون ذلك الّا يوم القيمة و ( عطف علي قوله ان الله و انّه ) انما خلق الخلق علي وصف معرفته فانقسموا بما اشرنا اليه من الاتفاق و الافتراق الطبيعيَيْن الي المعرفة و الانكار و الي ما بين ذلك من المراتب و المصنف اشار الي ذلك فقال لانّ الدنيا دار اشتباه و ذلك لما اشرنا اليه سابقا ان النفس الحيوانية الحسّيّة الفلكيّة التي شأنها الغشم و الظلم و الغضب و الشهوة و ما اشبه هذا من الصفات الذميمة يكون وجودها و ولادتها الجسمانية عند تمام الاربعة الاشهر من حين وقوع النطفة في الرحم و عند الولادة الدنيويّة توجد النفس الناطقة و قد تمكّنت الحيوانية من القوي و الٰالات الجسمانية و سرت فيها بشؤنها و صفاتها الذميمة و النفس الناطقة عند ولادتها غريبة لم‌يأتها المربّي لها المؤيد لما تقتضيه و هو العقل الّا بعد ان تصرّفت الحيوانية في ساۤئر القوي و استعبدتها ثم اتي العقل الي بلدٍ قد خربها الظالمون و تعبّد اهلها الفاسقون فوجد النفس الناطقة و ماوجد فيها غير بيت من المسلمين فشرع مع ضعفه و قلّة ناصريه في تأييدها و الانسان الذي هو تلك القرية حصل له داعيانِ متعارضانِ في كلّ فعلٍ و ميلٍ احدهما آمر و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 681 *»

الاخر ناهٍ فارسل الملك الحكيم عز و جل الي اهل هذه القرية رسولا من عنده قويّا لايشتبه عليه الدّاعيان صلّي الله علي محمد و اله الطاهرين ليبيّن لهم ما يريد الله سبحانه و يحب مما يكرهه و لايريده فمن اتّبع رسول الله صلي الله عليه و اله اهتدي و لم‌تشتبه عليه الامور فكانت الدنيا دار اشتباهٍ لتعارض الداعيَيْن من نفس المكلّف اذا مالت الي شي‌ء لايدري ما مراد الله تعالي منه فعله او تركه و دار مغالطةٍ لان النفس الامّارَة تحسّن له مطلوبها من المعاصي و العقل يحسِّن له مطلوبه من الطاعات و قد اجتمعا في بيتٍ واحدٍ و هو القلب الصَّنَوْبري و له اُذُنانِ اذن عن يمينه عليها مَلكٌ مُؤَيِّد يوحي الي العقل اَن يبادر الي طاعة الله سبحانه و تحت ذلك الملك جنود من الملاۤئكة بعدد ميولات الوجود و عدد بَواعث وزيره العقل يعينون الملك علي وحيه و يدفعون الشياطين عن المنع من حصول مطلوبه و اُذن عن يساره عليها شيطان مُقَيَّض يوحي الي النفس الامّارة اَنْ تبادر الي معصيةِ الله سبحانه قبل ان يستولي العقل علي المتعلَّق بفتح اللام المشدّدة و تحت ذلك الشيطان جنود من الشياطين بعدد جنود الملك المؤيّد و عدد ميولات الماهية و عدد بواعث وزيرها النفس الامّارة يعينون الشيطان علي منعه من فعل الطاعة و يدفعون الملاۤئكة من حصول مطلوبهم فالملاۤئكة يزيّنون للشخص فعل الطَّاعات و يرغّبونه فيه بتذكير ثواب اللّه تعالي و الجنّة وَ يكرّهونه فعْل المعاصي و يخوّفونه بتذكير النّار و سَخطِ اللّٰهِ علي العَاص۪ين و الشياطين يزيّنون للشخص فعل المعاصي و انّها لذّة عاجلةٌ قطعيّة و لا مانع منها و اَنّ ما ذُكِر من العقوبة لا اصلَ له و لو فرض ثبوته فبعضهم يقولون له مَن له طالع ينال به شهْوته و ان كان بعثٌ و رجوعٌ الي الحيوة فالطالع الاول موجود و بعض يقول لبعض لو فرض ذلك فتُبْ عن المعصية و بعض يقول لبعضٍ لذات الدنيا يقين و لذّات الاخرة شك و اليقين خير من الشكّ و بعض يقول لذات الدنيا نقد و لذّات الاخرة نسيۤئة و النقد خير من النسيۤئة و امثال ذلك و الحاصل لمّا اشتبه المَيْلانِ و تشابه الداعيان و تشابَكَ الخير و الشرّ و الحق و الباطل لاجْل اختبار المكلّفين كما قال تعالي احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنّا و هم لايفتنون و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 682 *»

غير ذلك من الايات و قال اميرالمؤمنين عليه السلام لَتُبَلْبَلُنَّ بَلبلةً و لَتُغربَلُنّ غَربلةً و لَتُساطُنّ سوطَ القِدْر حتي يعودَ اعلاكم اسفلكم و اسفلُكم اعلاكم و لَيسبِقُنَّ سبّاقون كانوا قصّروا و ليقصّرُنَّ مقصِّرون كانوا سبقوا ه‍ ، خفي العدل الذي وصف تعالي به نفسه و خلقهم عليه فبيّن عز و جلّ لهم ما وصف به نفسه حتّي لايشك احد من الخلق في شي‌ء مما ذكره في كتابه كما اشار اليه في قوله و اقسموا بالله جهد ايمانهم لايبعث اللّه من يموت بلي وعداً عليه حقّاً و لكن اكثر الناس لايعلمون ليبيّن لهم الذي يختلفون فيه و ليعلم الذين كفروا انهم كانوا كاذبين لانه تعالي انما خلقهم ليعرفوه فعرّفهم نفسه و ما وصف به نفسه بفعله في قوله وَ اكثرهم ما شاهدوا فعله في قوله و انّما سمعوا قوله فاحبّ ان يريَهم فعله في قوله لئلّايقولوا انّا كنا عن هذا غافلين فبلغت حجته و تمّت كلمته و ما ربّك بظلام للعبيد فيجمعهم و يفصل بينهم بالحقّ ليميز الخبيث من الطيب و يحقّ الحقّ و يبطل الباطل و يتفرّقون حينئذ فريق في الجنّة و فريق في السعير و هو قوله و يوم تقوم الساعة يومئذٍ يتفرّقون ، و قوله و لا منافاة بين هذا الفصل و ذلك الجمع بل يقرّره و يوجبه كما قال هذا يوم الفصل جمعناكم و الاوّلين فيه انه ان اراد بهذا الفصل خصوص الحكم لا غير فكما قال و ان اراد به التفريق فينافيه الجمع علي ما علّله كما ذكرنا مما يلزمه فراجع .

قال } و منها ان المتخلّصين عن البرازخ و القبور يتوجّهون عند قيام الساعة

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 683 *»

الي الحضرة الالهيّة بلا تراخٍ و انتظار كما لغيرهم من المقيّدين بالدنيا المأسورين باسر التعلقات كما قال فاذا هم من الاجداثِ الي ربّهم ينسلون { .
اقول من جملة احوال القيمة انّ الّذين تخلّصوا عن قيود البرازخ كالنفوس و الارواح قبل النفخ في الصور نفخة الصّعْق بهذه النفخة كما قال الصادق عليه السلام في قوله تعالي فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة ما معناه تبقي الارواح ساهرة لاتنام ه‍ ، و عن مضيق المخازن و القبور كالارواح و النفوس عِنْد النفخة الثانية نفخة الفزع و كالاجساد يتوجّهون عند قيام الساعة الي الحضرة الالهية بلا تراخٍ و انتظارٍ لا كما يكون منَ التّراخي و الانتظار لغيرهم من المقيّدين بالدنيا المأْسُور۪ينَ المقيّدين بِاَسْرِ التّعلقات و قيدِها بل المتخلِّصون سيرهم حثيثٌ مُسْرِعُون مُهْطِعُونَ الَي دَاعي الحق سُبْحانه كما قال سبحانه فَاِذَا هُمْ مِن الاجداثِ الي ربّهم يَنْسِلُونَ اَيْ يُسْرِعُونَ اقول و اعلم انّ مدّة القيمة كيومٍ من الايام الثلاثة يوم الدُّنْيا و يوم الرجعة و يوم القيمة و النّاس في الايام الثلاثة كلّهم يسيرون الي اللّهِ تعالي سيْراً حث۪يثاً و ليْس سَيْرُهم بَعْدَ النفخة الثانية مُغَايِراً لِسَيْرِهِمْ قبل ذلك و العارفون الّذين علّمهم اللّه اسرار الخليقة اَوْ بَعْضَها يُشاهدون ذلك نعم هم فيما يرون من انفسهم يرون ان اهل الدنيا مقيمون و اَهْل الاخرة يسيرون الي الله سبحانه و امّا انطلاق اهل الاخرة من قيدِ التعلُّقاتِ فلايتم الّا بعد الفصل بينهم و الّا فقبله اشدّ تعلّقا و اعظم اختلاطاً لانّ اغلب التعلّقات في الدنيا معنويّ بخلافِ الاخرة فان التّعلقات حسّيّة و كثير منها لايعتبرونه في الدنيا و امّا في الاخرة فقد قال تعالي و ان تك مثقال حبّة من خردلٍ اَتَيْنَا بها وَ كفي بنا حاسبين و كلّ هذا ممّا يمنع من سرعة السَّيْر و لهذا كان مقداره خمسين‌الف سنةً لكنّ الظاهر مع المصنف .

قال } و منها ان الموت لكونه عبارة عن هلاك الحيوان بواحدٍ من طرفي التضاۤدّ يقام بين الجنّة و النار في صورة كبش املح و يذبح بشفرةِ يحيي عليه السلام و هو صورة الحيوة بامر جبرئل عليه السلام مبدء الارواح و محيي الاشباح باذن اللّه لتظهر حقيقة البقاۤء و السرمد بموتِ الموت و حيٰوة الحيوة { .
اقول انّ الموتَ هو خروج الروح من البدن امّا بقتل او موت فامّا القتل ففيه خلاف هل هو عند انقضاۤء العمر المكتوب بحيث لو ترك و لم‌يُقْتَلْ مات و قيل لايموت وَ اختلف هؤلاۤء في قدر ما يبقي لو لم‌يقتل علي اقوالٍ لعدم عثورهم علي نَصٍّ يدلّ علي شي‌ء و النَّصُّ موجود يذكرونه في الكتب و يقرؤُنَهُ و لايفهمون معناه و هو انّه يَبْقَي سَنَتَيْن و نصفاً و امّا الموت فقسمان مسمّي و مقضي فالمُسَمَّي لايزيد و لاينقص و المَقضي يزيد بالطاعات و يَنْقُص بالمعاصي و ليس هذا مكان بيان ذٰلكَ وَ اعلم اَنّ كثيرا مِنَ العُلَماۤءِ ذهَبُوا الي انّ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 684 *»

المَوْتَ امرٌ اعتباريّ عدمي ليس بموجودٍ لانّه عدم الحيوة ممّا من شأنه الحيوة و الحقّ انّ الموت شي‌ءٌ موجود مخلوق كما قال تعالي الّذي خلق الموت و الحيوة ليبلوكم ايُّكمْ احسن عملاً ، و قوله بواحدٍ من طرفي التّضاۤدّ كأن تزيد حرارة الشخص علي برودته فتحرقها او برودته علي حَرارتِه۪ فتُطْفِئها او رطوبته علي يبوسته فتذيبها او يبوسته علي رطوبته فتجفّفها لانه ما دامت الطباۤئع معتدلة او قريبة الاعتدال فهو صحيح فاذا زادَتْ واحدة علي ضدّها و لم‌تذهب ضدّها تمَرّض الشخص فَاِنْ اَذْهَبَتْه هَلك و ليس مراده انّ الهلاك يكون من واحدة لا غير بل مراده اعمّ و هو كذلك و قوله يقام بين الجنّة و النار الخ ، يعني انّه اذا دخل اهل الجنّة الجنّة و اهل النار النار اُقيم الموتُ بين الجنة و النار في صورة كبش املح بحيث يشاهده اهل الجنّة و اهل النار و يعرفونه انه الموت فيذبح بين الجنة و النار و ينادي منادٍ يا اهل الجنّة خلود و لا موت يا اهل النّار خلود و لا موت فعند ذلك تشتدّ الحسرة علي اهل النار اَمَّا انّه بصورة كبش فكناية عن ذلّته و حقارته في جانب قدرة القادر عز و جل و امّا انه املح فلان هذا اللون مركّب من بياض و سواد ممتزجين فهو في حق المؤمن نور و في حق الكافر ظلمة و لمّا كان ذلك اعني النور و الظلمة كذلك و كان فعله كذلك و لم‌يكن في احدي جهتيه مستمرّاً حتي يفرغ منها بل هنا و هنا اقتضي امتزاج طبعَيْه و فعليه اختلاط لونيه فكان املح و قوله و يذبح بشفرة يحيي عليه السلام لم‌يحضرني كون الذبح بسكّين النبي يحيي علي محمد و اله و عليه السلام من طرقنا و لعلّه من طرق العاۤمّة و علي فرضه فمعناه كما ذكره المصنف من ان كون ذبح الموت بشَفرة يحيي عليه السلام اشارةٌ الي ظهور الحيوة يوم القيمة في كل شي‌ء كما قال عز من قاۤئل و ان الدّار الاخرة لهي الحيوان اي لا موت فيها لانّ الموت انما يكون في مراتب الاعراض المتبدّلة المتغيّرة لفاۤئدة عدم البقاۤء فيها كما في الدنيا و اما الاخرة فهي لما كانت انما خلقت للبقاۤء كانت اعراضها صافية لاتتغيّر الّا في مراتب الترقّي و الشدّة و القوة و الجِدّة و الصّفاۤء و الحسن فانها لاتزال في الترقي

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 685 *»

فتبدّلها و تغيّرها الي جهة العلو و الكمال بلا نهاية و قوله بامر جبريل عليه السلام يعني انه انما قيل بشفرة يحيي عليه السلام لانه كناية عن صورة الحيوة و ذلك بامر جبرئل عليه السلام لانه موكّل بذلك و لذا قال مبدء الارواح و محيي الاشباح و لكن الامر اخصّ ممّا قال لان جبريل عليه السلام هو الموكّل بالخلق و التصوير و اما الارواح و الحيوة فموكل بها اسرافيل عليه السلام لانه صاحب الشاخص الذي ينبّه بالنّفخة صرعي رهائن القبور كما قال سيد الساجدين عليه السلام و لكن بعض العارفين قال ان كل واحد من الملاۤئكة الاربعة يعينه ملكانِ منهم كل واحد بنصف قوته فجبرءيل يعينه اسرافيلُ بنصفِ قوته و عزراۤئيل بنصف قوته و اسرافيْل يعينه جبرئلُ بنصف قوته و ميكاۤئيلُ بنصف قوته و ميكاۤئيل يعينه اسرافيلُ بنصف قوته و عزراۤئيل بنصف قوته و عزراۤئيل يعينه ميكاۤئيلُ بنصف قوته و جبرئلُ بنصف قوته فعلي هذا يتّجه قول المصنف و جبريل مصوّر الاشباح و انما ينفخ فيها الحيوة بما اعانه به اسرافيل لانّ اسرافيل هو المتلَقّي من النفس الكلّيّة اعني اللوح المحفوظ و ذبح الموت بسكّين يحيي عليه السلام ليظهر للناس حكم السرمد و البقاۤء بذبحِ الموت و عدمه و حيوة الحيوة و وجودها .

قال } و منها ان الجحيم تحضر في العرصات علي صورة بَعيرٍ لاجل حِقْده ليتذكّر الانسان صفاته الذميمة الباعثة للعقاب كما في قوله و جيۤئ يومئذٍ بجهنّم يومئذٍ يتذكّر الانسان و انّي له الذكري و هي بارزة في ذلك اليوم لا كامنة كما في هذا اليوم لقوله و بُرّزَتِ الجحيم لمن يَري فيطّلع الخلاۤئق مِن هول مشاهدتها علي فناۤئِهِمْ و عذابهم فيفزعون الي اللّهِ من شرّها لولا اَنْ حبسها اللّه برحمته لشردَتْ شردةً احترقت بها السموات و الارض { .
اقول من احوال القيمة ان جهنّم يؤتي بها يوم القيمة تحضر في العرصات اي عرصات القيمة علي صورة بَع۪يرٍ لاجل انّ طبْعَ البعير الحقد بكسر الحاۤء لاضمارها لشدّة الانتقام نعوذ بها من سخط الله و النارِ و ايضا هذا الحديث بهذا الوضع مما رووه ما معناه ان النبي صلي اللّه عليه و اله كان قاعداً مع اصحابه اذ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 686 *»

عرض له حال شديدة فقيل يا علي ادرك ابن عمّك رسول اللّه صلي الله عليه و اله فاتي علي عليه السلام و سنّد ظهره بصدره و قال بابي انت و امّي يا رسول الله ما الذي حدث فقال صلي اللّه عليه و اله نزل جبرئل عليه السلام عليّ بهذه الاية و جيۤئ يومئذٍ بجهنّم فقال علي عليه السلام يا رسول اللّه و كيف يُجاۤء بها قال صلي اللّه عليه و اله يؤتي بها تُقاد بسبعين‌الْفَ زمامٍ في كلّ زمامٍ سبعون‌الف حَلْقةٍ كلَّ حلقةٍ يمسكُهٰا الف ملك فتشردُ شَرْدَةً فتخِرّ جميع الخلاۤئق علي وجوههم فاعترضها فتقول ما لي و لك يا محمّد و قد حرّم اللّه جسدَك عليَّ فامسكها للملاۤئكة و لولا اني امسكتها لاحرقَتْ اَهْل الجمع ه‍ ، و من طرقنا ما رواه القمّي قال حدثني ابي عن عَمْروِ بن عثمن عن جابر عن ابي‌جعفر عليه السلام قال لمّا نزلت هذه الٰاية و جيۤئ يومئذ بجهنّم سُئِل عن ذلك رسول الله صلّي اللّه عليه و اله فقال ذلك اخبرني الروح الامين ان الله لا اله الّا هو اذا برزَ الخلاۤئق و جمع الاوّلين و الاخرين اُتِيَ بجهنم تُقَاد بالف زمام اخذ بكل زمام مائة‌الف ملك تقودها من الغلاظ الشّداد لَها هَدّة و غضب و زفير و شهيق و انّها لتزفر الزّفرة فلولا انّ اللّه اخّرهم للحساب اهلكت الجميع ثم يخرج منها عُنق فتحيط بالخلاۤئق بالبرّ منهم و الفاجر فماخلق اللّه عبداً من عبادِ اللّهِ ملكاً وَ لَا نبِيّاً الّا ينادي رَبِّ نفسي نفسي و انت يا نبِيّ اللّٰهِ تُنَادِي امّتي امّتي ثم يوضع عليها الصراط الحديث ، و قوله ليتذكّر الانسان صفاته الذميمة يعني اذا رأي النار ندم علي ما فعل في الدنيا من افراطٍ او تفريطٍ يقول يا ليتني قدّمت لحياتي و هي بارزة في ذلك اليوم محسوسة ظاهرة لكلّ احَدٍ و الأن في الدنيا كامنة كما روي عنهم عليهم السلام اَنَّها الأٰن فيهم و غداً هم فيها و هو قوله تعالي يصلونها يوم الدّين و ما هم عنها بغاۤئبين و قوله تعالي لو تعلمُنّ علم اليقين لتروُنَّ الجح۪يم فاذا برزت غداً كما قال تعالي و برّزت الجحيم لمن يري اطّلَعَ الخلاۤئق من هول رؤيتها علي فناۤئهم و هلاكهم و عَذابهم فيفزعون الي اللهِ من شرّها و هي محيطة بهم لايظنّ احَدٌ منهم نجاة و لا ملجأ و لا مفزع الّا الي اللّهِ سبحانه و لوْلا انّ اللّه تعالي بلطفه بعباده۪ حَبَسَها برحمته و قيّدَها بقَيْدِ لطفه لشرَدَتْ شَرْدةً من الملاۤئكة الموكّلين

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 687 *»

بها احترقت بها السّموات و الارض و من فيهنّ اجرنا من النار بعفوك يا مجير .

قال } قاعدة في العرض و الحساب و اخْذ الكتب و وضع الموازين امّا العرض فهو مثل عرض الجيش ليعرف اعمالهم في الموقف و قد علمت صحة اجتماع الخلاۤئق كلّهم علي ساهرة واحدة فيعرف المجرمون بسيميٰهم كما تعرف الاجناد هيهنا و قد ورد ان النبي صلّي الله عليه و اله سُئِل عن قوله تعالي فسوف يحاسب حساباً يسيراً فقال ذلك هو العرض فانّ من نُوقِشَ في الحساب عُذِّب و اما الحساب فهو عبارة عن جمع تفاريق الاعداد و المقادير ليعرف فذلكتها و مبلغها و في قدرة الله تعالي ان يكشف في لحظة واحدة للخلاۤئق حاصل متفرقاتِ اعمالهم و جمع نتاۤيج اعداد حسناتهم و سيّئاتهم و اثر كل دقيق و جليل من افعالهم و نيّاتهم و هو اسرع الحاسبين { .
اقول المراد بعَرْض الخلاۤئق ايقافهم بين يدي وليّ اللّه علي خلقه ليجزي قوماً بما كانوا يعملون كما دلّت عليه احاديثهم و ادعيتهم مثل ما في الزيارة الجامعة الكبيرة و اياب الخلق اليكم و حسابهم عَليكم و فصل الخطاب عندكم و هو معرفة لغات الخلاۤئق و من ذلك ما في الكافي عن الكاظم عليه السلام الينا ايابُ هذا الخلق و علينا حسابهم فما كان لهم من ذنبٍ بينهم و بين اللّه عز و جل حتمنا علي اللّه في تركه لنا فاجابنا الي ذلك و ما كان بينهُم و بين النّاس استوهبناه منهم و اجابوا الي ذلك و عوّضهم اللّه عز و جلّ ه‍ ، و فاۤئدة العرض لتعرف اعمالهم ظاهرة عَلَي رؤس الْاشهاد بعد اجتماع جميع الخلاۤئق بالساهرة و هي الارض البيضاۤء المستوية الّتي لَيْس فيها نبات و لا بناۤءٌ فيعرف المجرمون بسيميٰهم اي بامثالهم في اعمالهم مثلا اذا سرق زيد من دكان عمروٍ رمّانة كتبت الملاۤئكة الحفظة مثاله في صورة عمله فاذا جاۤء يوم القيمة جاۤء لابسا ذلك المثال بعمله فكما انّك الأن ما دمتَ حيّاً كلّما التفتَّ بخيالك الي ذلك رأيتَ صورة مِثَالِه۪ يسرق الرمانة كذلك اذا جاۤء يوم القيمة جاۤء لابساً ذلك المثال بما هو فاعل فتراه الخلاۤئق ماۤدّاً في دكّان عمروٍ آخِذاً لتلك الرمّانَة في ذلك الوقت الَّذي اخذها فيه في دار الدّنيا و هكذا جميع الاعمال و علي هذا قياس شهادة الجوارح

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 688 *»

و المؤمنون يعرفون بسيميٰهم بما البسوا من امثالهم الحسنة بما هم فاعلون من الخيرات علي حَدِّ ما ذكرنا في المجرمين لظهور كلِّ عاملٍ بعمله و الاعتقادات الصحيحة و النيات الصّالحة و الاعتقادات الباطلة و النيات الطالحة تظهر اعمالاً ظاهرة محسوسة لاهل الجمع اِذْ يَوم الْقيٰمة تُبْلي السراۤئر و تُبْدَي الضّماۤئر و اَمّا الحساب فهو في اللغة عبارة عن جمع متفرقاتِ الاعداد و المقادير الممسوحات و المذروعات و الموزونات و المكيلات و المراد به هنا ضبط الاعمال باعدادِها و مقاديرها في كمّها و كيفها و معرفة نهاياتها و يوم المجازاة عنها او بها و بما تساويه في نحو الق۪يمة و مدّة بقاۤئها و صحّتها و فسادِها و اختلافها و معرفة رُتَبِ اَرْواحِها من النيّات و المقاصد و المرادات و بيان مَن اُريدَ بها و امكنتها من الاكوان و اوقاتها و امثال ذلك لتتميز فَذْلكَتُها اي نهايتها في جهة مَا طلِب منها و مبلغها من رتب الوجود علي وجهٍ لايكون فيه خفاۤء او يجوز عليه خفاۤء بحَيْث يتعلّق به متعلِّل اَوْ متعذِّر بل صحوٌ قاۤئم و عدلٌ داۤئم و قوله و في قدرة اللّه تعالي اَن يكشف في لحظة واحدةٍ للخلاۤئق حاصل متفرّقات اعمالهم الي اخره صحيح لانه علي كل شي‌ء قدير الّا انّه لايفعل ذلك لانّه منافٍ للحكمة اذ مقتضي الحكمة اَنْ تجري الاشياۤء عَلَي مقتضي اسبابها و هو تعالي حافظ لها و لاسبابها بقيوميّته و يعطي اَسْبَابها آثارَها الَّت۪ي اقتضتها فلذا خلقَ ما خلق في الدنيا علي مقتضي الاسباب و القوابل ليبيّن لخلقه ليعرفوه فيطيعوه فيستحقّوا الدرجات العاليات من ثوابه و رضوانه و اخبر في كتابه المجيد انّ سُنّته لاتتبدّل و لاتتحوّل و جعل ما فعل في الدنيا دليلاً و مثالاً لمن اَرادَ اَنْ يعرفَهُ و يعرفَ سنّته في عباده فقال و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكّرون فتستدلّون بها علي النشأة الاُخْرَي و قوله و جمع نتاۤئج اعداد حسناتهم و سيّئاتهم الانسب في العبارة اَنْ يقول و جمع نتاۤئج حسناتهم و سيّئاتهم لان خصوص الاعداد ليس فيها نتاۤئج معتدّ بها و انْ امكن توجيهه مع قلّة الفائدة و قوله و اثر كل دقيقٍ و جليل من افعالهم و نيّاتهم ربّما اعترض بعضٌ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 689 *»

علي هذا فقال الٰاثار مترتّبة علي الاعمال لا علي النيات و ان كانت لاتترتّب علي الاعمال الّا بالنّيات لانّ افعال القلوب لا شيئيّة لها الّا باعمال الجوارح فاُجِيبَ بانّ المراد بالنيّات الاعتقادات لانّها هي التي تترتّب عليها المجازاة بالثواب او العقاب و عورض بما صحّ من ان نيّة فعل الحسنة تكتب حسنة و اجيب بانّه لو كان المراد من النّيات نيات الاَعْمال لماصحّ في نيّة فعل المعصية لما صحّ من انّها لاتكتب حتّي يعملها فاذا عملها كتبت سيّئةً واحدةً و الحقّ انّ كلّ نيّة فلها اثرٌ كما اطلقه المُصَنّف اَمَّا نيّة الاعتقادات فظاهر لانها هي اعمال القلوب و امّا نيّة الحسنة فلانّ الٰالٰاتِ و الاَسْبَاب و جميع ما يتوقّف عليه العمل من تخلية السرب و الصحة التي بها يكون العبد متحرّكاً مستط۪يعاً للفعل و الدّواعي و ما اشبه ذلك كلّها انّما خُلِقت للطاعة فتكون متأصِّلةً فيها فاذا انبعثتْ النيّة من القلب بميل الفؤاد مرّت علي مراتبها التسعة القلب و النفس و التعقل و العلم و الوهم و الوجود الثاني و الخيال و الفكر و الحيوة و هي متفرّقةُ التّأثير فلِذا تحسب بحسنةٍ واحدة لان كلّ واحدة ناظرةٌ اِلَي عَملِ الجَوارح علي الانفراد فاذا عملت الجوارح كتبت عشراً لتعلق كلّ واحدة من التّسع بعمل الجسد فاذا عمل كتب كل تعلّقٍ منها حسنة و عمل الجوارح حسنة و امّا نيّة المعصية فلانها لاتنبعث من القلب و انّما تنبعث من النفس الامّارة و تمرّ علي المراتب التي لم‌تخلق لها و انما خلقت للطاعة فلا قرار لها بدون العمل و استقراره فتمرّ من النفس و العلم و الوهم و الخيال و الفكر و الحيوة فهي ناظرة الي عمل الجوارح لكنها مع تفرّقها من كون كل واحدة نظرها الي عمل الجوارح علي حدة غير متأصّلة فيها فقبل عمل الجوارح لم‌يكن لها ثبوت و لا استقرار لانّها مُجتثة فاذا عملت الجوارح تلك المعصية كانت واحدة اذا قرّت لانّ قرار تلك الستّة لايتحقق لها تعلّق قبلَ فعلِ الجوارح لعرضيتها فاذا عملت الجوارح انتظر سبع ساعات فان تاب لم‌تكتب و ان مضت سبع ساعات و لم‌يتب كتبتْ سَيّئة لان الجوارح اذا عملت و مضت ساعة قرّت في الحيوة عرضيّتها و في الساعة الثانية تقرّ في الفكر و في الثالثة في الخيال و في الرابعة في الوهم و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 690 *»

في الخامسة في العلم و في السادسة في النفس و ذلك بعد ساعة الجوارح فهذه سبع ساعات تستقرّ بعدها سيّئة واحدة و ان تاب مرّ ماۤء التوبة الذاتيّة علي تلك العرضيات فغسلها فلايحدث من نيّة المعصية البدنيّة اثر نعم يحدث منها اذا تكرّرت آثارٌ عرضيّة اذا تراكمَتْ و لم‌يرد عليها ما ينافيها حَدثتْ عنها بواعِث و شياطين مقيَّض۪ين يزيّنون المعاصي و يصدون عن سبيل اللّٰهِ الذي امر بسلوكه كما قال عيسي بن مريم علي محمد و اله و عليه السلام للحواريّين ما معناه اياكم و الزنا قالوا يا روح الله انا نُهِمُّ به فقال مااريد انكم لاتهمّون به و لكن اريد انكم لاتجروه علي خواطِرِكم فانّ البيوت التي توقد تحتها النّار تسودّ سُقوفها فكذلك هذا و كما نقل عن بعضِهم انّه ما من خطْرةٍ ترد علي قلب بشرٍ الّا هي ماۤدّة لملَكٍ او شيطان ه‍ ، فميولات النفوس الامّارة و الحيوانية الفلكية و التِفاتاتها اذا تكرّرت حدثتْ عنها بواعثُ و دواعٍ شيطانيةٌ او حيوانيةٌ او سبعيّةٌ و الحاصل ان مدّة حساب الخلاۤئق خمسون‌الف سنة من سني الدنيا و لكنه حساب شخص واحدٍ فيفرغ حساب جميع الخلاۤئق بفراغ حسابِ واحدٍ منهم اِمّا لان كلّ وجهٍ من كتاب اللّه الناطق و وليّه الصادق عليه و اله السلام يختصّ بشخصٍ واحد من الخلق فاذا فرغ من حسابه فرغت الوجوه و اِمَّا لطيّ الزمان بالقدرة العاۤمّة و اِمّا لان طول المدّة كناية عن عظم الشدّة و اِمّا لانّ الوجوه المذكورة عبارة عن التعلقات و الوجه الواحد كما اشار اليه الحق تعالي في قوله الحق ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفس واحدة و ذلك بامره الواسع و ما امرنا الّا واحدة كلمح بالبصر فمدّة الحساب كلمح البصر و هو اسرع الحاسبين .

قال } و اما طول مدّة الحساب و مكثِهم في العذاب فلاجل قصور ذواتهم عن سرعة التفطّن بجمع متفرقاتهم وَ الوصول الي حاصل حسابهم و اما اخذ الكتب فقد علمت ان كتب النفوس و صحاۤئف القلوب بعضها علويّة و بعضها يمينيّة و بعضها شمالية فاما من اوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً و ينقلب الي اهله مسروراً لانه المؤمن السعيد الذي قلبه منور بنور الايمان مطهّر

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 691 *»

عن خبث الباطن وَ ذَحَل السريرة و لا حساب له مع احدٍ من الخلق و لا شاغل لذمته عن التوجّه الي عالم القدس و لذلك قال و اما من اوتي كتابه بيمينه فيقول هاۤؤمُ اقرأوا كتابيه اني ظننت اني ملاقٍ حسابيَه فهو في عيشةٍ راضيَةٍ في جنّة عالية لانه كان عارفا بالاخرة و بالحشر و الجزاۤء عالماً بانه يلاقي حسابه و كتابَهُ اذِ الظنّ هنا بمعني الجزم و اليقين و امّا من اوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم‌اوت كتابيه و لم‌ادر ما حسابيه و ذلك لكثرة اشتغاله بالدنيا و لذّاتها و تَلهّ۪يه عن الاخرة و سرورِها و خيراتها و اما من اوتي كتابه وَراۤء ظهره فسوف يدعو ثبوراً و يَصْلَي سَع۪يراً امّا دعوة الثبور فلتعلّق نفسِه بالامور الهالكة الفانية و اما صلي السعير فلكون كتاب الفجار المنافقين من جنس الاوراق المسوّدة الباطلة القابلة للنسخ و التبديل و التغيير اللاۤئقة للاحراق بنار السعير { .
اقول امّا طول مدّة الحساب و مكثهم في العذاب قدر خمسين‌الف سنة فقد ذكرنا بعض الوجوه كالمتقدمة و المصنّف قال ان ذلك ليس لطول المدّة في نفس الامر و انما كان الطول علي اهل المحشر لاجل قصور ذواتهم عن سرعة التفطّن بجمع متفرقات اَعْمَالِهِمْ و احوالهم وَ ذَوٰاتهم و بالوصول الي حاصل حسابهم لما هم فيه من الشدّةِ و يحتمل ان يكون المراد بالواحدة في قوله و ما امرنا الّا واحدة الواحدة الدهريّة او السرمدية فانه تعالي انما قال كن فكان كل شي‌ءٍ بها مما كان و مما يكون الي يوم القيمة و بعد القيٰمة بلا نهاية فهذه الكلمة الواحدة مع وحدتها ممتدّة بلا اوَّل لها في الامكان و لا اخر كذلك علي انّا قد اشرنا في ما سبق انّ يوم القيمة في القوس الصعودي مقابل ليوم التكليف الاول في عالم الذر في القوس النزولي و هو ايضاً خمسون‌الف سنة و يوم القيمة يوم جزاۤء ذلك التكليف و هو خمسون‌الف سنةٍ فكما ان يوم التكليف بكلمةٍ واحدةٍ و هي الست بربّكم قالوا بلي مع انّه اخذهم من اصلاب آباۤئهم كما في الدنيا بالتناكح و من بطون امّهاتهم بالتّوالد علي التّدريج و كلّ من حضَر كلّف و التكليف ممتدّ بالكلمة الممتدّة مثل نور الشمس لمّا طلعت استنار بها الجدار و الموضع الّذي ليس فيه جدار لم‌يستنِرْ فاذا بُنِي فيه جدار استنار

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 692 *»

فكذلك الستُ بربكم بصوت واحدٍ كل مَن وجد و ارشد خوطب به الي انقضاۤء التكليف بخطاب واحدٍ بكلمة واحدة كذلك النشأة الاخري و اهل المحشر لايخفي عليهم هذا المعني الّا انهم في شغل عن ذلك الّا مَنْ كَان مُكلّفا به في الدنيا لا بد ان يتفطّنَ في ذلك لانه مسئول عنه و لو ترك لم‌يُتْرَك لانه مسئول عن التفطّن اِنْ غفل عنه لانّه مكلّف به اذ بعض الاشخاص مكلّف بالعلم كَما دلّ عليه قوله عليه السلام في قوله تعالي قل فللّه الحجّة البالغةُ ما معناه انّه تعالي يقول للعبد يوم القيمة الم‌ءَاْمُرك الم‌انهَك ان قال لم‌اعلم قال تعالي لِمَ لم‌تعلم و قد جاۤءك المذكِّر و ان قال علمتُ قال لِمَ لاتعمل ه‍ ، فمن غفل عن التفطّن و لم‌يدرِك حقاۤئق الاشياۤء وَجَد كلّ حينٍ تعْرض عليه اعمال من اعماله في وقتها و مكانها فتعرض الاعمال في اوقاتها المتعددة المتعاقبة و امكنتها المتجددة المصاحبة فالغافل يري الطُّول في التجدّد و التعاقب و التعدّد بالنسبة الي تَنَقُّلِ نظرِه۪ اليها كما اذا نظرتَ الي ورقِ الشجرة واحدة بعد واحدة في جهة بدءِ ظهورها من الغصن الي نهايةِ تكوّنِها فان مدةَ استقصاۤئها واحدةً بعد واحدةٍ تطول عليك بخلاف ما لو نظرتَ الي مجموع الورق من حيث تكوّنه من الشجرة فانه بماۤدّة واحدة و سبب واحدٍ و انّما تعددت و تعاقبت من جهة اركان قوابلها كما قرّرنا سابقاً مكرّراً

و قوله و امّا اخذ الكتب الخ ، تفسير منه لاخذ الكتب و هذا لايصحّ الّا اذا اراد بقوله و امّا اخذ الكتب الكتُبَ المأخوذةَ و اما اذا اراد اخْذَها فهو ما ذكرناه سابقا من ان اخذ الكتب في الظاهر عبارة عن ان الكتب الطيبة بالاعمال الصالحة تأتي اصحابها من بين ايديهم فيَأخذونها باَيمانهم و الكتب الخبيثة بالاعمال الخبيثة تأتي اصحابَها من وراۤءِ ظهورهم فتضربهم و تخرق ظهورهم و تخرج من صدورهم و يأخذونها بشماۤئلهِمْ و امّا اخذُها الحقيقي الذي ظاهره ما ذكرنا من الاخذ المعروف فهو ما اشرنا اليه سابقا من كون الكتب عبارة عن نسخ امثال العاملين بما هم عاملون له في غيوب امكنتها و ازمنتِها المعبّر عن تلك الغيوب بالالواح الجزئيّة من اللوح الكلّي الذي هو اللوح المحفوظ و اخذها عبارة عن

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 693 *»

لَبْسِ تلك الامثال و خروجهم بتلك الملابس بين الخلاۤئق متلبّسين باعمالهم اي عاملين بها فمن لبس مثالَهُ المصلِّيَ للنافلةِ خرج بين النّاس يصلّي تلك النافلة في المكان الّذي صلّاها فيه في الدنيا في الوقت الذي صلّاها فيه لانّ اللّه سبحانه يحشر تلك البقعة و ذلك الوقت و كذلك جميع اعمال الخير و اعمال الشّر الّا العمل الخبيث الذي تاب عنه في الدنيا توبة نصوحاً و اصلح بعد ذلك عمله بينه و بين اللّه فان اللّه عز و جل بفضله يمحوه من المكان و الزمان و ينسي الملاۤئكة الحافظين و الّا فكل صغير و كبير مستطر فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يرَهُ و من يعمل مثقال ذرّة شرّاً يرَهُ و قوله فقد علمتَ انّ كتب النفوس و صحاۤئف القلوب بعضها علويّة و بعضها يمينيّة و بعضها شماليّة ظاهره انّ الكتب النفسانية و العقلية قسم ثالث و ذلك بناۤءً منه علي ان الكتب اليمينيّة و الشماليّة امور حسّية لانها نسخ الاعمال الحسّية و تؤخذ باليَد اليمني و اليسري و هما بَدَنيّتانِ بخلاف الكتب التي هي نسخ العلوم و الاعتقادات فانّها من نوع الملكوت و الجبروت فهي قسم ثالث و هذا ليس بصحيح امّا اوّلا فلانّ الكتاب المجيد و السنّة النبويّة مصرّحانِ بحصر الكتب في اليمينيَّةِ و الشّماليّة و ليس ذلك عن عدم علمٍ و لا عن غفلةٍ و امّا ثانياً فلانّ ذلك كما ذكرنا سابقاً من ان الاجسام اذا تخلّصَتْ من الاعراض الدنيوية و البرزخيّة ادركت بذاتها الجبروت و الملكوت لانها من نوعه و ان كانت جامدة لكونها اسفلهما و اسفل الشي‌ء من نوعه و ان كان الشي‌ء الاعلي اكمل في مدركه من الاسفل الّا ان الشي‌ء الواحد لاتختلف مداركه اختلافاً كثيرا و ايضا يكون ملكوتها و جبروتها يدركانِ الاجسامَ و الجسمانيات بذاتهما فتكون كتبُ النفوس و صحاۤئفُ القلوب داخلةً في اليمينيّة و الشماليّة فامّا مَن اوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيراً بان يبدّل اللّه سيّئاتهم حَسَناتٍ لان سيّئاتهم ليسَتْ ذاتيّةً بل هي آثارُ اللطخِ الذي لحقهم من مجاورة طينة المنافقين فاذا رجع كلّ شي‌ء الي اصله رجعت تلك المعاصي الي المنافِقِين و ما عمل المنافقون من حسناتٍ فليسَتْ ذاتيّةً بل هي آثارُ اللطخ الذي لحقهم من مجاورة طينة المؤمنين و مثاله اذا اخذتَ قطعة من الصبِرِ الاسقطري و وضعتها في شي‌ء من الخلّ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 694 *»

الثقيف فان ذقتَ الصَّبِرَ وجدتَ في مرارته حموضةً و ان ذقتَ الخلَّ وجدتَ في حموضتِه۪ مرارة فهل تنسب حموضة الصبِرِ الي الصبر ام الي الخلّ و هل تنسب مرارة الخل الي الخلّ ام الي الصبر بل تقطع بان حموضة الصبر من الخل و مرارة الخلّ من الصبر فاذا عاد كل شي‌ء الي اصله بحكم العدل الحق عادت الحموضة كلها الي الخل و المرارة كلها الي الصَّبِرِ و ما ربّك بظلام للعبيد و علي هذا فوجِّه احاديثَ الطّينة و لاتقابلها بالانكار مع كثرتها و صحة اكثرها من علمٍ و للحساب اليسير وجوه كثيرة كالشفاعة و العَفو و الفضل و براۤءة المحبة و الولاية و العفو عمّا نقصت العقوبة عليه عن حقبٍ و امثال ذلك كثير ممّا يطول الكلام ببيانه بل بذكره و ينقلب الي اهله مسروراً

و المراد من اهله اخوانه في الدين مِنْ اَقارِبهِ البَدنِيّين و الروحانيين الذين اتّبعوه اوِ اتّبعَهم بايمانهِمْ و ذلك لقوله تعالي قال نوح في سؤاله في شأن ابنه كنعان ربّ ان ابني من اهلي و انّ وعدك الحق و انت احكم الحاكمين قال يا نوح انّه ليس من اهلك انّه عمل غير صالح و قال تعالي في تعليم ابراهيم علي محمد و اله و عليه السلام فمن تبعَني فَاِنّه منّي لانّ الانساب و الاسباب كلّها تنقطع الّا ما كان لله سبحانه فينقلب اليهم مسروراً بما هو قادم عليه مما بُشِّرَ به و اُعِدَّ له لانّه المؤمن السعيد الّذي قلبه مُنوَّر بنُورِ الايمان لانّه كتبَ في قلبه الايمان و ايّده بروح منه و هو نور الحيوة في قوله اومن كان ميتاً فاحييناه و جعلنا له نوراً يمشي به في الناسِ فكان قلبه مطهّراً من الاخباثِ الباطنةِ كالشرك الظاهر و الباطن و الاعتقادات السّيّئة و الظنون السوۤء و من كدورات الغفلات و ذحلِ السريرة بالذال المعجمة و الحاۤء المهملة بمعني الحِقد بكسر الحاۤء بان لايكون في قلبه غلّاً للذين امنوا بل هو صافي السريرة حسن السيرة مع الله سبحانه بالاخلاص و ذكره علي كل حال و بالرضي بقضاۤئه و بعطاۤئه و بالصّبر علي بلاۤئه

و مع النَّفْسِ بالّايمكّنَها من شهواتها و لم‌يهملها بل قيّدها بقيود الشريعة و رَاضَهَا بالطّاعات حتّي اطمأنّت بمتابعة العَقْلِ في جميع مطالبه و مع الناس بالّايكون له حساب مع احد من الخلق و لا تعلّق عليه لاحدٍ منهم و لا له فيكون شاغلاً له عن التوجّه الي عالم القدس بالعمل الصادر عن

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 695 *»

العلم العَياني و دوام الذكر و كثرة الفكر في خلق اللّه و في الموت و الجنّة و النار فان تفكّر ساعة خير من عبادة سنة و ادامة النّظر و الاعتبار في ايات اللّه التي يُر۪ي عباده ايّاها في الٰافاق و في انْفسهم و التدبر لكتاب اللّٰهِ و العمل بما امر اللّه و الانتهاۤء عما نهي عنه و ادامة التقرب الي اللّه عز و جل بالنوافل و التخلّق باخلاق الروحانيّين و التأدب باداب الله سبحانه و لاجل كون ما عمله و صنعه في دار الدنيا عن علم ذوقي و معرفة يقينية قال للملاۤئكة او لاولياۤء اللّه عليهم السلام هاۤؤم اقرأوا كتابيه انّي ظننتُ انّي ملاقٍ حسابيَه فهو باعماله التي تفضّل الله عليه بقبولها في عيشةٍ راضية اي مرضيّة ففاعل بمعني مفعول مثل لٰا عاصم اليوم من امر الله الّا من رحم علي احد الوجوه في جنّة عالية و قد تقدّم ذكر الجنان و اسماۤؤها و ترتيبها و قوله اذِ الظنّ هيهنا بمعني الجزم و اليقين معلوم و لا بيان نكتةٍ فيه و بيان النكتة في قوله اني ظننتُ اني ملاقٍ حسابيَهْ مع انه متيقّن فينبغي اَنْ يقول اني علمتُ او تيقّنتُ و انما عدل الي الظن لفاۤئدة هي انّه يريد انّ عملي هذا الصالح الّذي هو سبب نجاتي اَعْلَمُ و اتيقن ان التوفيقَ له نعمة من اللّه عليَّ لااقدر علي اداۤء شكرها و انّ قبوله مني نعمة اخري و انّ وعده تعالي لي بحسن المجازاة نعمة اخري و انّي لااستحقّ شيئا من ذلك و لا غيره الّا برحمة منه و فضلٍ ابتداۤئي و مع هذا كله اذا شاۤء ان يُعذبَن۪ي فهو غير ظالم لي و انا مستحق لاعظم من ذلك و لكن تصديقاً لوعده في كتابه انه لايضيع عمل عامل و حسن ظنٍّ به و عظم رجاۤءٍ في كرمه ظننتُ بعظيم املي و رجاۤئي النجاةَ و ذلك كما قال زين‌العابدين عليه السلام في السجود بعد الثّمان من صلوة اللّيل قال الهي و عزّتِكَ و جلالك لو انّني منذُ بدَعْتَ فِطْرتي من اوّل الدهرِ عبدتُك دوامَ خلودِ ربوبيّتِك بكلّ شَعْرةٍ في كلّ طرفة عينٍ سرْمدَ الابَدِ بحمد الخلاۤئق و شكرهم اجمعين لكنتُ مقصّراً في بلوغ اداۤءِ شكر خفيِّ نعمةٍ من نِعَمِك عليَّ و لو انّني يا الهي كربتُ معادنَ حديدِ الدنيا بانيابي و حَرثْتُ ارضَها باشفارِ عينيّ و بكيتُ من خشيتِك مثل بحور السموات و الارض دَما و صديداً لكان ذلك قليلاً ف۪ي كثيرِ ما يجب مِن حقِّكَ عَلَيَّ و لو انّك يا الهي بعد ذلك عذّبتن۪ي بعذابِ الخلاۤئق

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 696 *»

اجمعين و عظّمْتَ للنارِ خَلْقي و جسمي و ملئتَ جهنّم و طبقاتها منّي حتّي لايكون في النار معذَّبٌ غيري و لا لجهنم حطَبٌ سواي لكان ذلك بعَدْلِك قليلاً في كثيرِ ما اَسْتَوْجب من عقوبتك ه‍ ، فتأمّل في كلامه عليه السلام هذا الّذي لايحتمله غيرهم الّا من شاۤؤا و مثله ما روي عن الصادق عليه السلام ما من معناه ان النبي الياس علي محمد و اله و عليه السلام سجد و بكي فاوحي الله اليه اَن ارفع رأسك فانّي لااُعَذِّبُكَ فقال يا ربّ ان قلتَ لااعذّبُك ثم عذّبتَني الستُ عبدك ه‍ ، رواه في الكافي و الأن لايحضرني لفظهُ فتأمّل رحمك الله في كلام المقربين مثل هذا و امثاله و من فهم ما ذكرنا و اشاروا عليهم السلام اليه عرف ان الانسب ان يقال انّي ظننتُ انّي ملاق حسابيه و كقوله تعالي الذين يظنون انهم ملاقوا ربّهم و انّهم اليه راجعون فكيف يعلمون انهم ملاقوا ربهم و الله سبحانه يقول كلّا انّهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون فالظن في الظاهر بمعني الجزم و في نفس الامر علي ظاهره ليستحقوا من الله عز و جل المدح بقوله و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة انّهم الي ربهم راجعون و كم من سرٍّ في الالفاظ في القرءان المراد منها غير ظاهرها و لكن اذا اقتضي المقام ذكر شي‌ء منها ذكرته بنحو ما تفهمه الخواۤصّ و ربّما لااذكره بما يفهمه الخصيصون الّا قليلاً علي جهةِ الاشارة لان هذا الزمان زمانُ دَوْلةِ الباطلِ عجّل اللّه فرجَ مَنْ يملأها قِسطاً و عدلا كما مُلِئت ظلما و جوراً فحينئذٍ اَكُونُ اِنْشاۤء اللهُ كما قلتُ في قصيدةٍ رَثَيْتُ بها الحسين عليه السلام :
هُناك ابنُ زين‌الدين احمدُ يشتفي       ** * **      و ذٰلِك امرٌ في احاديثكم سِرُّ
و قوله في قوله تعالي و اَمّا مَن اوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتن۪ي لم‌اوتَ كتابيه فقد مَضَي ما يبيّنه و الاية نزلت في الرابع و لم‌ادر ما حسابيه بل كنتُ تراباً او لم‌اُخْلَق و يا ليتَ ما جري عليّ من شدّات الموت و سؤال القبر و عذاب البرزخ كانت قاضية في العقوبة و المجازاة عن هذه الاهوال و شدّات الحساب

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 697 *»

و العذاب في الجحيم و انما كان ذلك منه و جري عليه لَيْسَ لكثرة اشتغاله بالدنيا و لذّاتها و تلهّيه عن الاخرة و سرورها و خيراتها بل لعدم ايمانه بالاخرة حتي انّ من نزلت هذه الاية في حقه لمّا حضرته الوفاة قالت له زوجته انّي لااتزوّج بعدك و هي تريد حتي تكون انت زوجي في الاخرة فانشأ يقول :
اذا مُتُّ يا اُمَّ الحُمَير فاَنكحي       ** * **      فليس لنا بعد الممات تَلاقيا
و اِنْ كنتِ قد خُبِّرْتِ عن مَبْعثٍ لنا       ** * **      اَحاديث لهوٍ تجعل القلبَ واهِيَا
و مثله قال ابوه و قد دخل علي الثالثِ في اول خلافته في المسجد فقال يا ابن اخي علينا عين قال لا قال تداوَلوا فِتيانَ بني‌اميّة الخلافة فو الذي نفس ابي‌سفيان بيده ما مِن جنّةٍ و لا نارٍ ه‍ ، فاذا كان لايؤمن بالاخرة و لايخافها لم‌يعمل لها فكان جميع اعماله للدّنْيا علي مقتضي شهوة نفسه و هويٰها فاقتضي العدل الذي جرت عليه الخليقة اِعطاۤء كلِّ حَقٍّ حقّه علي حسب القوابل فاعمال الاخرة بالعقل الذي هو الجانب الايمن يأخذها العامل لها بيمينه و من اَمامِه۪ و اعمال الدّنيا بالنفس و هويٰها التي هي الجانب الايسر فيأخذها العامل لها بشماله و من وراۤء ظهره كما ذكرنا سَابقاً و الدّنيا ممَرٌّ و الاخرة مقرّ و المقرّ اطول من الممَرّ و ادوم فاذا كانت الاخرة جاۤء من لم‌يعمل لها شيئا لانّها عنده عدم و ليس عنده شي‌ء من الزاد لدارِ مقرّه الذي لا نهاية له و لا غاية و يري ما اعدّ له من لوازم اعماله و مسبّباتها من العذاب الاليم الداۤئم الذي لاينقطع و كان قد هُدِي الي النجاة و النعيم الداۤئم فاستحبّ العمي علي الهدي و الهلاك علي النجاة مع قدرته علي ما ينجيه و تمكّنه منه فلذا قال يا ليتني لم‌اوت كتابيه و لم‌ادرِ ما حسابيَهْ يا لَيْتها كانت القاضية الايات ، و قوله و امّا من اوتي كتابه وراۤء ظهره فسوف يدعو ثبوراً و يصلي سعيراً قد قدّمنا عليه انّ كلامه يحتمل ان الاقسام في اخذ الكتاب ثلاثة مَن اوتي كتابه بيمينه و من اوتي كتابه بشماله و من اوتي كتابه وراۤء ظهره و قد تقدّم رَدُّهُ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 698 *»

و لو اراد انّ مَن اوتي كتابه بشماله قسمان قسمٌ يؤتي كتابه بشماله لا غير بان يؤتي كتابه من اَمامِه او مطلقا فيأخذه بشماله و قسم يأتيه من ظهره فيضربه و يخرق ظهره و صدره فيأخذه بشماله لكان محتملاً الّا انّي لم‌اقف صريحا او احتمالاً راجحاً ما يدلّ عليه و اما ذكره من توجيهه فيما بعد هذا فتخريج صوفي لايدلّ عليه كتاب و لا سنّة ثمّ انّ من اوتي كتابه بشماله لايقدر علي ان يأخذَهُ بيمينه لان يمينه مغلولة الي عنقه حيث لم‌يُطْلِق جِهَتَها في دار الدنيا بالعمل الصالح و قوله و امّا من اوتي كتابه وراۤء ظهره فسوف يدعو ثبورا و يصلي سعيراً اما دعوة الثبور فلتعلّق نفسه بالامور الهالكة الفانية فيعني به ان اعتمادَهُ في دار الدنيا كان علي شهوات نفسه و اتّباع هويٰها و حظّ ذلك و امثاله من التحقق و البقاۤء مدة تمتّعه بها فاذا كان توهم انه احسن الصنع و هو قد طلب الرِّيَّ من السراب جاۤءه يوم القيمة و لم‌يجده شيئا و ذلك وقت انقِطاع التدارك و التلافي و لم‌يبق الّا الندم و الحسرة دعا وا ثبوراه وَا هَلاكاه وَا حسرتاه و قوله و امّا صلي السعير فلكون كتاب الفجّار المنافقين من جنس الاوراق المسوّدة الباطلة القابلة للنسخ و التبديل و التغيير اللّاۤئقة للاحتراق بنارِ السَّعير فماادري ما يفهم من الكتاب و ظاهر كلامه انّه يريد انّ الكتاب شي‌ء من نوع القراطيس و لهذا قال من جنْسِ الاوراق يعني شيئا تكتب فيه الاعمال كتابةً من جنس كتابتِنا لكلامنا فتأمّل في فهم مدّعي الاسرار و الاطلاع علي حقاۤئق الاشياۤء مع انّ الكتاب هو ما يكتب في القرطاس لا القرطاس كما قال تعالي و لو نَزّلْنا عليك كتابا في قرطاس و قال تعالي و كتاب مسطورٍ في رَقٍّ منشور و كلامه هذا في الكتاب كلام عواۤمّ النّاس و فهمهم و مع هذا فهو عنده غير معلوم لانه قال من جنس الاوراق المسوّدة و لاجل انه مايفهم من معني الكتاب الّا ما تفهمه العوام قال القابلة للنسخ و التبديل اخذه من لفظ قوله تعالي انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و القابلة للتبديل و التغيير تليق للاحتراق اي الكتب مع انّ المراد من الاية ان صاحب الكتاب هو المحترق بنار السعير لا الكتاب فانظر هذا الخبط العظيم من

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 699 *»

هذا العالم الحكيم الّذي يدّعي ان جميع نتاۤئج علومه من عند اللّه من باب الاختصاص لا من باب التعلّم.

قال } و اما الكافر المحض فلا كتاب له و المنافق سلب عنه الايمان و لاتقبل منه صورة الاسلام كما يقبل من العواۤم و الضعفاۤء و يقال في حقّه كان لايؤمن باللّهِ العظيم فيدخل فيه المعطّل و المشرك و الجاحد لان المنافق في باطنه واحد من هؤلاۤء الثلاثة اذ لاتنفع له هناك صورة الاسلام الظاهري كما مرّ و اعلم ان هذا الكتاب غير كتاب اعمال الفجار لانه كتاب الذين اوتوا الكتاب فنبذوه وراۤء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلاً و هو الكتاب المنزل عليه لا كتاب الاعمال فانه حين نبذه وراۤء ظهره ظنّ ان لن‌يَحُورَ اي جزم كما في قوله و ذلكم ظنّكم الذي ظننتم بربكم ارديٰكم فاذا كان يوم القيمة قيل له اي للمنافق خذ كتابك من وراۤء ظهرك اي من حيث نبذته في حياتك الدّنيا كما في قوله تعالي قيل ارجعوا وراۤءَكم فالتمسوا نوراً { .
اقول قوله و امّا الكافر المحض فلا كتاب له غلط لان الكتاب ان اراد به كتاب الاعمال فان الكافر انسان و قد قال سبحانه و كل انسانٍ الزمناهُ طاۤئره في عنقه يعني كتابه و ان اراد به الكتاب الذي انْزَله علي رَسُولٍ من رُسله فلم‌يهلِكِ اللّه عز و جل امّة من الامم الّا بعد اَنْ يأتيهم نذير و بَعْدَ اَنْ ينبذوا كتابه وَراۤء ظهُورهم فالكافر بكل اعتبار له كتاب و المنافق من اظهر الاِسْلام و ابطن الكفر فمِنْ حيثُ كونِه مُنْكِراً هو كافرٌ و من حيث كونه مُظْهِراً للاسلام حينئذٍ لاتنفعه هذه الصورة من حَيْث انه معتقد خلاف ما يظهر و لهذا كذّبهم اللّه فيما يظهرون من الاسلام فقال و الله يشهد انّ المنافقين لكاذبون و لو كان ظاهر الاسلام الذي تلفّظ به فيه شي‌ء من النفع الاخروي و اِنْ قلَّ لَمٰاكذّبهم عزّ و جلّ و المنافق ايضا يقال في حقه اي يصدق انه كان لايؤمن باللّهِ العظيم بل انَّما نزلَتْ هذه الاية في منافقٍ رابعٍ فيدخل في هذه الٰاية المعطّل و المشرك و الجاحد و المنافق واحدٌ منهم بل صادق عليه كل واحدٍ من الثّلاثة فانّه معطّل و جاحد لانكاره المرسل و الرّسالة و مشركٌ لجعله الٰهَهُ هويٰهُ و هذا المعني الَّذي اَشارَ اليه المصنّف من انّ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 700 *»

المنافق واحد من هؤلاۤءِ صحيح و امّا انّه ليس له كتاب فليس بصحيح و امّا اَنّ الكتَاب الّذي يؤتي من وراۤء ظهره فهو الكتاب المنزّل لا كتاب الاَعْمال فليس بصحيح و انّما هذا المعني من تَخْر۪يج الصُّوفيّة المنهي عن اتّباعهم و تصحيح كلامهم و تأويله و قوله و اعلم انّ هذا الكتاب يعني به الذي يؤتي من وراۤء ظهره الخ ، يريد به بَيان هذا المعني المخرّج من قوله تعالي نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب اللّه وراۤء ظهورهم كأنّهم لايعلمون ، فالمصنّف يريد ان الكتاب الذي يؤتي الانسان وراۤء ظهره هو كتاب الله الذي اوحاه الي نبيّه صلي اللّه عليه و اله لانّه لمّا اعرض عن قبول مَا انزل اللّه تعالي فيه من اوامره و نواهيه و نبذه وراۤء ظهره اي رماه خلفه بان جعله نسياً مَنْسِيّاً و لم‌يعمل بشي‌ء يؤتي له به من المكان الذي رماه فيه ليكون حجة عليه و هذا المعني و ان كان صحيحا في نفسه الّا انّه ليس هو المراد من قوله و امّا مَن اُوتِي كتابه وراۤء ظهره بل المراد به كتاب الاعمال كما ذكرنا سابقاً في قول كثير من المفسّرين انّ المنافق و المشرك يؤتَي له بكتاب اَعْماله فيأتيه من خَلْفِه فيضرب ظهره فيخرقه و يخرق صدره و يأخذه بشماله و معني كلام المصنف و ان كان غير ما نحنُ بصدده يقال للمنافق خذ كتابك الذي اوحاه الله سبحانه الي رسوله الذي ارسله اليك ليهديَك به و بكتابه الي صراطٍ مستقيم فخذ ذلك الكتاب من المكانِ الَّذي جعلتَهُ خلف ظهرِك فيه و في ذلك الوقت و كان قد حشر الله الامكنة و الاوقات لتشهد بما فيها علي العاملين فيها او لهم كما ذكرنا سابقاً علي حدّ ما حكي سبحانه عن المنافقين حين سلبت عنهم انوار الايمان فكانوا يوم القيمة في ظلمة النفاق فيقولون للمؤمنين الذين كانوا معهم في الدنيا و يعرفونهم انظروا نقتبس من انواركم فيقول لهم المؤمنون او الاولياۤء عليهم السلام او الملاۤئكة ارجعوا وراۤءكم حيث قُسِمت الانوار فالتمسوا نوراً و لم‌يقولوا لهم فالتمسوا انواركم اذ لا نورَ لهم اصلاً بخلاف المؤمنين فلذا قيل نقتبِس من نوركم لان تلك الانوار انوار المؤمنين انوار اعتقاداتهم و معارفهم و ايمانهم و اعمالهم .

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 701 *»

قال } و امّا وضع الموازين فالميزان عبارة عن معيارٍ صحيح يعرف به قدر الشي‌ء و وزنه سواۤء كان آلةً محسوسة مخصوصة او غيرها و ميزان كل موزونٍ من جنسه و ان لم‌يساوِ ميزان الاخرة لميزان الدنيا و لا موازين العلوم و الاعمال لموازين الاجرام و الاثقال كما لايساوي ميزان الحنطة و الشعير و الاقط و الدبس لميزان الشعر كالعروض و ميزان الفكر كالمنطق و ميزان الاعراب و البناۤء كالنحو و ميزان مقادير الساعات كالاسطرلاب او الارتفاعات و الاعمدة كالشاقول و الدواۤئر و الاستدارات كالپركار ( كالفرجال بيان ) و الاضلاع و الاستقامات كالمسطرة و العقل ميزان الكل { .
اقول وضع الموازين انزالُهَا و اظهارها لاقامة العدل بين الخلق و المراد بوضعِ الموازين الموازين الموضوعة ليطابق التّفسير المفسّر كما هو عادته في اغلب عباراته و الميزان آلة يُسْتَعْلَم بها الرّاجح من المرجوح من افراد الاجناس و الانواع و الاصناف و الاشخاص و تلك الٰالة تكون من جنس الموزون بها و الشي‌ء الواحد الموزون اذا اريد بوزنه كمال الاحاطة به وجب تعدّد موازينه فيوزن في كمّ ماۤدته بانها خمسة امنان او عشرة و جوهرها بانّها ذهب او فضة او خشب او تراب و في صفة نفسها بكونها صافية اوْ لا و ببقاۤئها و عدمه و في رتبتها في الاكوان من الملك او الملكوت او الجبروت و في وقت تكوّنها و مدّة بقاۤئها و كذلك موازين الوانها كحجري ياقوت كلّ منهما احمر و كل مثقال و احدهما قيمته عشرة دنانير و الاخر قيمته الف دينار و كذلك موازين صورته و هندستها و حدودها و متمماتها فان موازينها متعددة كموازين الماۤدة و كذلك موازين هذا الشي‌ء المذكور في كونه ذاتا او ذاتَ ذاتٍ او عرضاً او عرضَ عرضٍ و هكذا كلّ عمل تجر۪ي فيه هذه الموازين المتعددة و هو السر في افراد العامل و جمع موازينه في قوله فمن ثقلت موازينه و من خفّت موازينه فافهم و ذلك قول المصنف معيار صحيح يعرف به قدر الشي‌ء و وزنه سواۤء كانَ آلةً محسوسة مخصوصة او غيرها و ميزان كلّ موزُونٍ من جنسه و هو صحيح و قوله و ان لم‌يساوِ ميزان الاخرة لميزان الدنيا هذا في الظاهر لا بأس به و امّا في الحقيقة

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 702 *»

الكونية و في نفس الامر فهما متساويان ليس بينهما فرق في الوجود و العدم نعم بينهما فرق في الشدّة و الضّعف و الظّهور و الخفاۤء و يشير الي هذا قوله تعالي انظر كيف فضّلنا بعضهم علي بعضٍ و للاخرة اكبر درجاتٍ و اكبر تفضيلاً ، و قولهُ و لا موازيْن العلوم و الاعمال لموَازين الاجرام و الاثقال هذا صحيح لتغاير الميزانَيْنِ فينبغي ان يفصل بين تغاير ميزاني الاخرة و الدنيا و بين تغاير ما ذكر لان التغاير بين ميزاني الدنيا و الاخرة صوري و الّا فهما شي‌ء واحد لا تغاير بينهما و الي هذا اشار عليه السلام بقوله حاسِبوا انفسكم قبل ان تُحاسَبوا ه‍ ، اذ لو تغاير الميزانَانِ لَمٰاكان حساب الدنيا كافِياً عن حساب الاخرة و باقي كلامه في اختلَافِ صور الموازين باختلاف الموزونات ظاهر كموازين العلوم بالقواعد و الضوابط و موازين الاعمال الاتيان بها علي طبق حدود اللّه من اوامره و نواهيه و موازيْن الاجرام الفلكيّة بالابعاد المقداريّة و الموازاة و الخطوط المستقيمة و ما اشبه ذلك و موازين الاثقال بالمعايير الصنجيّة لمحض الاثقال كما في وزن الحنطَة و الشعير او لتعديل الطباۤئع كما قلنا ان الحاجة الي الماۤء اكثر من الحاجة الي الطعام فاذا اريد ذلك اخذ من النار جزءٌ و من الهواۤء جزءٌ و من التراب جزءٌ و من الماۤء جزءانِ و ميزان الشعر بضبط الحركات كما هو مذكور في علم العروض في دواۤئر البحور كالطويل و البسيط و الكامل و ما اشبهها و ميزان النحو بمعرفة العامل و ما يقتضيه من الاعْراب و ميزان الفكر و النظر في المعاني و المفاهيم بما قرّر في علم المنطق و ميزان الساعات و الارتفاعات بالٰالةِ المعروفة كالاسطرلاب و الربع المُجَيَّبِ و الكرة و ميزان الاعمدة في تقوّمها و اعوجاجها كالشاقول المستعمل لتعديل الارض و اجراۤء الانهار و ميزان الدواۤئر و الاستدارات كالپركار المعروف بالفرجال و ميزان الاضلاع و الاستقامات في الخطوط و الاعوِجَاجاتِ كالمسطرة و البصر و مسقط الحجر و ما اشبه ذلك و العقل هو ميزان الموازين اذ لايعرف صحيحها من سقيمها و معوجّها من مستقيمها الّا بالعقل لانه في كل شي‌ء نور الهداية و باب الدراية .

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 703 *»

قال } و بالجملة ميزان القيمة نوع آخر من الموازيْن فتوزن به الكتب و الصحاۤئف و تجعل فيه و ممّا ورد في هذا الباب عن ائمتِنا عليهم السلام ما رواه عن محمد بن علي بن بابويه رحمه الله انه سئل هشام بن سالم عن قول اللّه عز و جل و نضع الموازين القسط ليوم القيمة قال هم الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام و اعلم ان كل عمل بدني اوْ قلبي و كل ذكر او نيّةٍ يوضع في الميزان و يدخل فيه و يقابله شي‌ء الّا كلمة التوحيد من قول لا اله الّا اللّه مخلصاً لان كل عملٍ له مقابل في هذا العالم عالم التضاۤدّ و ليس للتوحيد مقابل الّا الشرك و هما لايجتمعان في ميزان احد لانّ اليقين الداۤئم لايجامع مع نقيضه في قلبٍ واحدٍ و لايتعاقبانِ علي موضوع كما اومأنا اليه من ان نَفْس المؤمن الموحّد بحسب الجوهر و الذات تخالف نفس الكافر مخالفة نوعية فضلاً عن الشخصية فليست للكلمة ما يقابلها في الكفّة الاخري من قول او عملٍ او نيّة فضلاً عن ان يرجح عليها كما يدلّ عليه حديث صاحب السِّجِلّات و لهذا روي عن ابي‌عبداللّه عليه السلام انه قال كما لاينفع مع الكفر شي‌ء لايضرّ مع الايمان شي‌ء و روي ابوالصامت عنه عليه السلام ان اللّه يغفر للمؤمن و ان جاۤء بمثل ذا و اومأ بيده قال قلتُ و ان جاۤء بمثل تلك الهيئات فقال اي واللّهِ و ان جاۤء بمثل تلك الهيئات اي واللهِ مرّتين و في رواية عن النبي صلي الله عليه و اله و ان زني و ان سرق ، و اعلم ان اعمال الجوارح خيرها و شرّها كلها مما يدخل في المواز۪ين و امّا الاعمال الباطنة فلايدخل الميزان المحسوس لكن يقام فيه العدل و هو الميزان الحكمي المعنوي فالمحسوس يوزن بالمحسوس و المعني بالمعني فلذا توزن الاعمال من حيث ما هي مكتوبة و اخر ما وضع في هذا الميزان قول الانسان الحمد للّه و به يملأ الميزان و اليه الاشارة فيما قال صلي اللّه عليه و اله الحمد للّه يملأ الميزان و من اللطاۤئف الكشفيّة انّ كفّةَ ميزانِ كل احدٍ بقدر عمله لا زيادة و لا نقصان { .
اقول قوله ميزان الاخرة نوع آخر من الموازين قد ذكرنا قبل هذا انّ موازين الدنيا و موازين الاخرة شي‌ء واحد لا اختلاف فيه الّا في الشّدة و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 704 *»

الضّعف و الظهور و الخفاۤء و الكبر و الصغر لان الميزان المحسوس في الدنيا عين المحسوس في الاخرة و المعنوي عين المعنوي فلا فرق بينها في النشأتين و تعدّدها في الدارين انما هو لاختلاف الموزونات و تعددها كما تري ذلك في الدنيا و انما قال فتوزن به الكتب و الصحاۤئف لان الاعمال عنده اعراض فلاتؤذن بنفسها بل تكتب في صحاۤئف و توزن تلك الصحاۤئِفُ و انت خبير بانّ وزن صحاۤئف الاعمال لايُسْتعلم منه وزن الاعمال علي مراده الّا مجازفة لاتليق بالعدل المستقيم الّا انّه لمّا لم‌يقل بتجسيم الاعمال بانفسها كما قاله بعضهم او توزن هي بلحاظ الامر او النهي مطابقة اوْ مخالفةً كما هو مختارنا و قد ثبت وزن الاعمال و وضعها في كُفّتي الميزان لم‌يجد له بُدّاً من القول بان وزنها في صحاۤئفها و منشأ الاختلاف الايات الداۤلّة علي انّ الثواب و العقاب هي الاعمال مثل و ماتجزون الّا ما كنتم تعملون و ان ليس للانسان الّا ما سَعَي و مثل ان هذا ما كنتم به تمترون و علي انّ الاعمال سبب الثواب و العقاب مثل كلوا و اشربوا هنيۤئا بما كنتم تعملون و بما اسلفتم في الايام الخالية و كذلك اختلاف ظاهر الروايات و ايضا اختلاف ظاهرها في ميزان الاعمال و انه هل هو ذو كفّتين ام لا و انما هو ولاية اميْرالمؤمنين عليه السلام او الانبياۤء و الرسل و الحجج عليهم السلام و ذكر ذلك كله و تفصيله مما يطول به الكلام بل لايقتضيه المقام الّا انه لا بدّ من التلويح الي ذلك بذكر كلماتٍ من باب دليل الحكمة يعرف بها الحق من كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و ذلك انه قد ورد ان الاعمال صور الثواب و العقاب فتتفاوت صورة صلوة ركعتين من زيد و من عمرو تفاوتاً ابعد مما بين الارض و السماۤء و ان كانت الماۤدة واحدة كما تتفاوت صورة السرير من الخشب الواحد من نجّارين بحيث تكون قيمة احدهما خمسة و الاخر خمسين و لو كان ما قيمته خمسة من الخشب و ما قيمته خمسين من النحاس او الحديد لكان تفاوت القيمة منسوباً الي الماۤدّة فلايصدق قوله لنبلوهم ايّهم احْسَنُ عملاً ، اذ معني احسنيّةِ العمل ليس الّا من جهة الصورة الّتي هي عمل المكلّف مع وحدة الماۤدّة فاذا كانت الماۤدة واحدة و عمِل المكلّفون فيها صحّ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 705 *»

ابتلاۤؤهم بالاحسنيّة في اعمالهم و لم‌يوجّه اليهم الّا الاَمْر و النهي الحاملانِ للماۤدّة التي يكون عمل المكلف صورةً لها و هذه الماۤدّة التي وردت بها الاوامر و النواهي هي المعاني الّتي دلّت عليها الفاظ الاَوامر وَ النّواهي او ما يقوم مقامها فالاعمال الموافقة لتلك الاوامر و النواهي في انطباقها علي المعاني المشار اليها هي صور الثواب و الاعمال المخالفة لتلك الاوامر و النّواهي لعدم انطباقها عليها هي صور العقاب و المواۤدّ هي تلك المعاني فالثواب خلقه الله تعالي من ماۤدةٍ هي تلك المعاني و من صورة هي عمل المكلّف بموافقة الامر و العقاب خلقه اللّه تعالي من ماۤدةٍ هي مخالفة تلك المعاني و من صورة هي عمل المكلّف بمخالفة الامر

فللوزن يومئِذٍ احوال ينقسم بسببها وزن العدد و وزن الق۪يمة و وزن الرتبة و وزن الجهة و وزن الوقت و وزن مدّة البقاۤء و الابتداۤء و الانتهاۤء و وزن المكان و وزن الكيف و وزن الكم في المقدار و في ايجاد الثواب و العقاب فوزن العدد معرفة عدد الاعمال الحسنة و السيّئة و وزن الق۪يمة بكسر القاف و سكون الياۤء استعلام مقدار ما يستحقّ العامل بعمَلِه من الحسنات و الدرجاتِ او من السيّئات و الدركات و وزن الرتبة استعلام رتبة العمل من الدرجات او الدركات و وزن الجهة استعلام جهة العمل من العامل مثل ما يستحق بفعل الطاعة جنّة عن يمينه و بترك المعصية جنّة عن يساره و وزن الوقت استعلام وقت جزاۤء العمل هل هو الدنيا ام البرزخ ام الٰاخرة و وزن مدّة بقاۤء العمل يعني بقاۤء جزاۤئه هو استعلامه هل هو يوم مثلاً ام سنة ام الف سنة ام هو داۤئم و مدّة وزن ابتداۤء جزاۤء العمل هَلْ هو اوّل التكليف ام اوّل البرزخ ام اوّل القيٰمة امْ غير ذلك و مدّة انتهاۤئه هل هو في الدنيا ام في البرزخ ام غير متناه و وزن المكان استعلام مكان جزاۤء العمل هل هو في العامل كبياض وجهه او اسوداده ام في قلبه كنور الايمان و نور العلم ام ظلمة الكفر و ظلمة الجهل ام في داره في الارض و الدنيا ام في الاخرة في الجنّة او النار و وزن الكيف استعلام نوريّة العمل و نوريّة جزاۤئه او ظلمتهما في ايّ رتبةٍ من مراتب اجزاۤء النور او الظلمة و وزن الكم في المقدار استعلام مقدار العمل في الكمّ و الحجم الصوري و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 706 *»

الماۤدّي في غيبه و شهادته و وزن الكم في المقدار الركني في الايجاد استعلام مقدار العمل بالنسبة الي المعنَي الذي منه و من العمل يركّب الثواب او العقاب لانّ العمل فصل و صورة للحصّة المعنويّة التي ورد بها امر الشرع و نهيه التي هي ماۤدة الثواب او العقاب كما ذكرنا سابقا فان كل شي‌ء مركب من مادة و صورة و في كل مرتبة من مراتب الترويج الاربع يؤخذ جزء من الصورة اعْني الفصل و الماهية و جزءانِ من الماۤدّة اعني الحصّة النوعية التي اُخِذَتْ من الجنس كالحصّة المأخوذة من الحيوان للانسان و كالحصّة المأخوذة من الانسان لزيد فانها جزءانِ و الفصل المأخوذ للانسان اعني الناطق جزءٌ و حصة الفصل المأخوذة من النّاطق لزيدٍ فانها جزءٌ و ذلك هو ما اشرنا اليه من ان المعني الذي اتي به الامر او النهي الشرعيان للتكليف الذي هو ماۤدة الثواب مع الموافقة و ماۤدة العقاب مع المخالفة يؤخذ منه جزءانِ كحصّة الحيوان في خلق الانسان و ان عمل المكلف في الموافقة او المخالفة يؤخذ منه جزء في خلق الثواب او العقاب لانه هو الصّورة و يؤخذ جزءان من المعني الَّذي دَلّ عليه لفْظُ الامرِ و النَّهي لانّه هو الماۤدة و الموزون الذي يوضع في الميزان في كُفّتيْهِ هي الاَعْمال الّتي يعملها المكلّفون مطابقةً للامر او مخالفة و هي الحسنات و السيّئات لانّ الاعمال حال تعلّقها بمَواۤدِّها المعنويّة التي اتت بها الفاظُ الاوامر و النواهي تكون حسناتٍ و سيّئات و تُوزن الحسنات و السيّئات بتلك الموازين المتعددة التي اشرنا الي انواعها و بها تعرف جهات العمل الواحد فالاعمال انفسها هي الموزونة لا صحائفها و لا في صحاۤئفها لان صحائف الاعمال هي غيب اماكنها و غيب اوقاتها التي تكتب الحفظة الكرام اعمال العاملين فيها و من ذلك الرِّقّ و القرطاس قطعة من كفن العامل يكتب اَعْماله فيها باملاۤءِ رُومان فتّان القبور عند اوّل دخُوله في القبْر قبل مجيۤئ منكر و نكير اليه كما اشرنا اليه سابقا فان قلت يلزم علي هذا ايضاً انّ الوزن مجازفةً لا تحقيقاً لان الاعمال علي ظاهر قولك انما توزن مع المعاني قلتُ لاتلزم المجازفة لانّا نريد انها هي الموزونة لا المعاني فلايحصل اشتباه علي المكلّفين لانها ثلث المجموع و المعاني ثلثانِ هذا علي

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 707 *»

فرض ان الوزن بعد التركيب و امّا اذا كان قبل التركيب فلا اشكال و لايقال انّها اعراض لا قيام لها بدون معروضاتها لانَّ الاعراض تستقلّ في العلم بدون معروضاتها اذا لم‌يلحظ فيها كونها عارضةً فتستقلّ في الميزان و تتقوّم به كما تستقل حمرة الثوب في الخيال اذا تخيَّلْتَها فانّ الاعمال قاۤئمة في كتاب الابرار عليّين و في كتاب الفجّار سجّين اعني صحاۤئفها كما اشرنا اليه قَبْلَ ذلك بمُثُلِ العاملين بضم الميم و الثاۤءِ بمعني انّ قيامها بمُثُل العاملين في تلك الصحاۤئف الّتي هي غيب مكانِ ايقاعها و وقتِه به تتحقّق و فيه توزن و هو غير قيامها بتلك المعاني الّتي هي مواۤدُّ الثّوابِ وَ العقاب فافهم و اعلم ان كل نوع من انواع الموازين له كفّتان بحسبه تسمّيان باسم الكفّتين المعلومتين عند العواۤم و هما كفّتان حقيقة في ذلك الميزان لان المراد من الكفّتين شي‌ء يحيط بالموزون من الجهات الخمس فالكفّتان في ميزان مثل الحنطة معلومتانِ لان الكفّة محيطة بالحنطة في الجهات الخمس و امّا جهة العُلوِّ في الثقيل و السفل في الخفيف فغير مفيدة اذِ المقصود و الفاۤئدة رفع الثقيل بالاثقل و وضع الخفيف بالاخفِّ و مثل الكفّتين المعلومتين مع الكفّتين الغير معلومتين كمثل اليدين المعلومتين في الصنع مع اليدين بمعني القدرة و حقيقة الصنع انما هو بيدي القدرة و امّا الصنع بيدي الجسم فتابع لما هو بيدي القدرة فافهم الاشارة من العبارة و قوله و مما ورد في هذا الباب عن ائمتنا عليهم السلام ما رواه عن محمد بن علي بن بابويه (ره‌) الي قوله قال هم الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام يعني انّ الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام لمّا دعوا الي الله سبحانَهُ اَطاع بعض الناس وَ عَصَي بعض فطاعتهم كفّة يوزن فيها المؤمنُونَ و معصيتهم كفّة يوزن فيها الكافرون و محبّتهم كفّة يوزن فيها المؤمنون و بغضهم كفةٌ يُوْزَنُ فيها المنافقون و ولايتهم كفة يوزن فيها التّابعون و مُجَانَبَتُهُمْ كفّة يوزَنُ فيها المخالفون و هكذا و المراد من الكفتين هنا في هذا المقام و غيرِه واحدٌ و كل شي‌ءٍ بحسبه فما كان من عالم الغيب وزن في كفّةٍ من عالم الغيب و ما كان من عالم الشهادة وُزِنَ في كفّةٍ من عالم الشهادة و قوله و اعلم ان كل عمل بدني او قلبي الخ ، يريد به ان جميع الاعمال

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 708 *»

البدنيّة ممّا جرت به الشريعة الغراۤء و كلّ عمل قلبي من ساۤئر الاعتقادات و النّيّات و ساۤئر المطالب النفسانيّة تجري عليه الموازنة و يصح دخوله في الميزان و يوجد له ما يقابله الّا كلمة التوحيد اذ لا شي‌ء من الاعمال الجزئيّة يصلح لمعادلة كلمة التوحيد ليوزن معها الّا الشّرك فانّه يصلح لمعادلة التوحيد الّا انه لايجتمع معه في قلب لان الشرك اذا وُجِد في قلب المكلف لم‌ينصب له ميزان و لايرفع له ديوان حيث انّ الشرك يمحق كل عملٍ اذ لايتحقّق مع الوحدة الحقّية فقوله لان كل عمل له مقابل في هذا العالم عالم التضاۤدّ يريد به ان العالم الزماني الذي هو عالم التضاۤد كلّما وجد فيه شي‌ء وجد له ضدّ فيكون قول لا اله الّا اللّه مخلصا يعني كلمة التوحيد من عالم التضاد اي عالم الحوادث اذ الحوادث عنده في الزمان و لم‌يتقدّم علي الزمان الّا البارئ سبحانه عنده كما صرّح به في كتابه الكبير الاسفار و قد تقدّم ما يلزمه علي ذلك فاذا كانت كلمة التوحيد من عالم التضاۤد حيث كانت فضدّها الشرك فعلي كلامه لايجتمعانِ في قلبٍ واحدٍ و لايتعاقبان امّا انهما لايجتمعان فلما قال لان اليقين الداۤئم لايجامع مع نقيضه في قلب احدٍ و في هذا ان التوحيد الذي هو من عالم التضاد عالم الزمان يجتمع مع ضده كما اشار اليه تعالي بقوله و مايؤمن اكثرهم باللّه الّا و هم مشركون و بقوله تعالي فيقول اين شركاۤؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم‌تكن فتنتهم الّا ان قالوا واللّهِ ربّنا ماكنّا مشركين لاعتقادهم انهم مُوَحّدون و هم مشركون فلذا كذّبهم فقال انظر كيف كذبوا علي انفسهم و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، و قال الصادق عليه السلام هيهات فات قوم و ماتوا قبل ان يهتدوا و ظنوا انهم آمنوا و اشركوا من حيث لايعلمون فقد اجتمع التوحيد و الشرك لكونهما من عالم التضاۤدّ و انّما يجتمع المتضاۤدانِ في هذا العالم من جهة اختلاف الجهة و الحيثية و الاعتبار او علي التعاقب و لو كان التوحيد اريد به اليقين الداۤئم امتنع ان تكون من عالم التضاۤدّ لان وصف الوحدة الحقيّة لا ضدّ له اذ من شرط كونه وصفاً للوحدة الحقيّة ان لا ضدّ له و لا ندّ و لايلاحظ فيه الدوام و لا عدمه فلايجامعه ضد و لا ند لانه عنوان لمعرفة المعبود سبحانه و آيته و ذلك هو نفس

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 709 *»

العارف و فؤاده فمن عرفها فقد عرف ربّه و انما يعرفها بان يجرّدها من جميع سبحاتها و امّا انهما لايتعاقبان علي موضوع واحدٍ ففيه ايضاً انهما اذا كان من عالم التضاۤدّ لايكون يقينا داۤئماً بل يتعاقبان كما قال تعالي انّ الذين امنوا ثم كفروا ثم امنوا ثمّ كفروا ثم ازدادوا كفراً و هم عضل و الفأرة يعني عضل بن الهون بن خزيمة اخو الرّيش و هما الفارة كفروا مرّين بعد ايمانَيْنِ وَ انْ كانت المسئلة علي خلافٍ بين المتكلّمين الّا ان الاية صريحة في وقوع الكفر بعد الايمان و ما حكي سبحانه عن قوم صالحين علموا بان القلوب قد تزيغ انهم قالوا ربّنا لاتزغ قلوبَنا بعْدَ اذ هديتنا ظاهر في ذلك بل ربّما لا اشكال في وقوع التعاقب و صحّته و انّما يمتنع التعاقب في عالم الوحدة و البساطة و هو عالم الثبات لان شرط تحقّقه نفي الغير عنه و بذلك يحصل اليقين الداۤئم المانع من النقيض اجتماعاً و تعاقُباً ،
و ما اوْمَأ اليه المصنّف من انّ نفس المؤمن الموحِّد بحسب الجوهر و الذات تخالفُ نفسَ الكافر الخ ، مع كونهما معاً في عالم التّضاۤدّ و من ثبت فيه التوحيد و تحقّق فهو المؤمن و من ثبت فيه الشرك فهو الكافر و المؤمن من حيثُ هو مخالف في ذاته للكافر لايحلّ الشرك في قلبه و الكافر من حيث هو كافر لايحلّ في قلبه التوحيد انّما يصحّ اذا كان كلّ واحدٍ منهم في عالم البساطة علي جهة الانفراد بمعني كون كلٍّ منهما متّصِفاً بصفةٍ قد اعتبر فيه نفي ضدّها امّا المؤمن فقد تحقّق في وجدانه شي‌ء ليس كمثله شي‌ء اعني معرفة نفسه لا اثبات شي‌ء غير شي‌ءٍ بحتٍ فانّه منافٍ للتوحيد فلايعرف اللّه به و امّا الكافر فقد تحقق في وجدانه شي‌ء له ضد او ندّ اوْ حَدّ فانه منافٍ للتوحيد و امّا اذا فرضه في عالم التضاۤدّ فانهما يجتمعان فيه و يتعاقبان كما اشرنا اليه لان رتبة الخلط و اللطخ هي محلّ الاجتماع و التعاقب

وَ امّا تخالفُ نَفْسَي المؤمنِ و الكافر مع كونهما في الاَصْلِ منْ شي‌ء واحدٍ كما تشهد به الايات القرءانية مثل قوله تعالي كان الناس امّة واحدة فبعث اللّه النبيّين و الايات الٰافاقية كما نري في المداد فانَّ الاسم الشّريف و الاسم الوضيع من مدادٍ واحدٍ و انما تخالفا و تمايَزا بالقابِليّةِ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 710 *»

فمِن تَخَالُفِ القوابلِ الوُجُوديّة و الشرعية كما قال الشاعر :
اَرَي الاحْسان عند الحُرِّ دَيْناً       ** * **      و عند النّذلِ منقصَةً و ذَمَّا
كقطرِ الماۤءِ في الاَصْدَاف دُرٌّ       ** * **      و في بطن الافاعي صَار سَمّا
لان المراد بوجودات الاشْياۤء مَواۤدّها و طيبُ الماۤدّةِ انّما هو من الصورة و كذا خبثُهٰا كما تري في الباب و الصنم فاِن كلّا منهما عُمِلَ من الخشب و خبث ماۤدة الصّنم و طيب ماۤدة الباب انما هو من الصورة التي هي الماهيّة و مراده من كون نفس المؤمن مخالفة لنفس الكافر حتي في النوع ان نفس المؤمن خلقت ابتداۤء من شي‌ء غير ما خلقت منه نفس الكافر بل اصل ماۤدّة نفس المؤمن من نور و اصل ماۤدة نفس الكافر من ظلمة و لا ريبَ ان التوحيد نور فلايقع في الظلمة و الشرك ظلمة فلايقع في النور و لهذا علّل عدم اجتماع التوحيد و الشرك في قلب واحدٍ لتضاۤدّهما و ان كانا في عالم التّضاۤدّ و لا تعاقبهما لتضاۤدِّ اَصْلَيْ النفسَيْن و القلبَيْن و ليس كما توهّمه بل اصل نفسَيْ المؤمن و الكافر شي‌ء واحد كما اشرنا اليه و بقبول المؤمن خلق ذلك الاصل الذي خلق منه من نورٍ اي غُمِس في نور الاجابة و الرحمة و هو الايمان المكتوب في القلب و بانكار الكافر خلق ذلك الاصل الذي خلق منه من ظلمةٍ اي غمس في ظلمة الانكار و الغضب و هو الطبع علي قلوبهم بكفرهم فاصل المؤمن نور باجابته لا من ذلك الاصل نفسه و اصل الكافر ظلمة بانكاره لا مِن اصله فبعد استقرار الاجابة او الانكار يكون صاحب ذلك الاستقرار من عالم البساطة لا من عالم التّضاۤدّ فلايجتمع فيه التوحيد و الشرك و لايتعاقبان و قبل الاستقرار قد يجتمعان مع اختلاف الحيثيات و الاعتبارات مثل ان يشرك مع ظنه انه موحّد و قد يتعاقبانِ لصلوح المحل للمتنافيين علي التعاقب و للاجتماع مع اختلاف الجهات و قوله فليس للكلمة ما يقابلها او يعادلها في الكفّة الاخري من قول او عملٍ او

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 711 *»

نيّة الي قوله حديث صاحب السّجلات هذا انما يتمّ بعد استقرار الايمان او الكفر كما بيّنّا و ما رواه صاحب السِّجلّات غير منافٍ لما ذكرناه و الحديث من طرقهم و قوله و لهذا روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام انّه قال كما لاينفع مع الكفر شي‌ء لايضر مع الايمان شي‌ء ه‍ ، و المراد انّ الكفر اذا اتي به المرء يوم القيٰمة لاينفعه شي‌ء من الاعمال بان يدخله الجنّة او ينجيه من النار و ان كان ينفعه بان يدفع به عنه بعض انواع العذاب في البرزخ او يخفّف به بعض عذاب النار يوم القيمة بحيث لايحسّ بالتخفيف كما لو كان مستحقّا لمائة نوعٍ من العذاب بكفره و كان له عمل صالح لم‌يجاز به في الدنيا و لا في البرزخ جعل عليه عند اوّلِ دخوله النّار خمسين نوعاً من العذاب مدّة ما يقابل عمله الصالح ثم يجعل عليه مائة نوع من العذاب فلايحسّ بالتخفيف الاوّل و رُبَّما يُجازَي به في الدّنيا و اذا اتي المرء يوم القيمة بالايمان الصحيح لايضرّه شي‌ء مما عمله من المعاصي بان يمنعه من دخول الجنّة و ان كان يعاقَب عليه في الدنيا او عند الموت او في البرزخ او يوم القيمة الّا انه لا بد و ان يدخل الجنّة بعد ذلك و كذا قوله روي ابوالصامت عنه عليه السلام ايضا ان اللّه يغفر للمؤمن و ان جاۤء بمثل ذا و اومي بيده قال قلتُ و ان جاۤء بمثل تلك الهيئات يعني بمثل السموات و الارض او الجبال فقال (ع‌) اي واللّهِ و ان جاۤء بمثل تلك الهيئات اي واللّهِ مرّتين و المراد بالمؤمن هنا هو المتوالي لمحمد و اهْل بيته الطاهرين صلّي اللّه عليه و اله و المتبرئ من اعداۤئهم و الكافر هو من انكر ذلك من بعد ما تبيّن له الهدي و امّا مَن انكر ذلك قبل ان يتبيّن له الهدي و انما انكر ذلك متابعة لغيره من غير بصيرةٍ و لا علم فان مثل ذلك ممّن يجدّد له يوم القيٰمةِ التكليف و ربّما يدخل بايمانه و معرفته الجنّة و لا فرق في السيّئات بين الكبيرة و الصغيرة في كونها غير مٰانعةٍ من دخول الجنّةِ لمن لم‌يبلغ بمعاصيه الشرك و لا بين الحسنات في كونها غير موجبةٍ لدخول الجنّة لمن اتي بالشّرك و مثله قوله و في رواية ما روي عن النبي صلي اللّه عليه و اله و ان زَنَي و اِنْ سَرق يعني ان المؤمن يدخل الجنّة بولايته لهم صلي اللّه عليه و عليهم و ان زنَي و انْ سرق و مثله قول الصادق عليه السلام حين سئل عن محب

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 712 *»

عليّ عليه السلام انه يدخل الجنّة و ان زني و ان سرق و هذا انشاۤء الله ظاهر و قوله و اعلم انّ اعمال الجوارح خيرها و شرّها كلها مما يدخل في الموازين الي اخره يريد انّ اعمال الجوارح توزن بذي الكفّتين لانّها محسوسة فتوزن في الميزان المحسوس و لانّها مقداريّة تدرك بالحواۤسّ الظاهرة و قوله و امّا اعمال البواطن فانها معنويّة لاتوزن بالموازين الصوريّة و انما توزن بميزان العدل و هو الميزان الحكمي باَنْ يحكم علي هذه بالرّاجحيّة و علي هذه بالمرجوحيّة و لاجل هذا قال لاتوزن بنفسها و انّما توزن بصحاۤئفها و كتبها و اقول قد مضي الكلام علي هذا المعني و ان اعمال الجوارح و اعمال البواطن كلّها توزن بميزان ذي كفّتين الّا انّ ذلك من نوع الموزون كلّ ميزان فكفّتاه بحسبه و ان الموزون هو العمل و هو يوزن بنفسه لا في صحاۤئفهِ و كتُبهِ و لكنه بني معرفة الاعمال علي ما تفهم منها العواۤمّ و ان الصلوة مكتوبة في صحيفتها هكذا صلوة صاد لام واو هي الف هاۤء كما لو كتبنا نحن زيد يصلّي نافلةً فانا نكتبها في القرطاس كما تري و الملكان الكاتبان عنده يكتبان الاعمال كلها بهذا النمط و ليس كذلك و انما يكتبان الاعمال بمُثُلها بضم الميم و الثاۤء الاتري انّك اذا رأيت زيدا يصلّي يوم الجمعة في المسجد ركعتين فما دمتَ حيّا متي ذكرتَ ذلك رأيتَ مثال زيد يصلّي تلك الركعتين في غيب يوم الجمعة و في المسجد في غيبه فالذي يشاهده خيالك في غيب يوم الجمعة و في غيب المسجد يصلّي تلك الصلوة هو مثاله و هو الذي كتبه الملكانِ من عمله فهو باق في مكانه و وقته الي يوم القيمة حتي يبعث صاحبه زيد و يلبسه و يحضر يوم الجمع متّصِفاً به كما قال تعالي سيجزيهم وصفهم و قال و لكم الويل مما تصفون ، و قوله و اخر ما وضع في هذا الميزان قول الانسان الحمد لله و به يملأ الميزان الخ ، هذا الكلام و هو انّ اخر ما يوضع من الاعمال الحمد للّه و انها تملأ الميزان ليس الان علي خاطري من هذا شي‌ء بمعني وروده في رواياتنا بهذا

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 713 *»

النمط و ليس في العقل ما ينافيه و لستُ نافياً له و انما الذي ببالي ما في الدعاۤء الحمد لله ملأ الميزان و منتهي العلم و هو معني غير ما ذكره و قوله و من اللطاۤئف الكشفية ان كفّة ميزان كل احد بقدر عمله لا زيادة و لا نقصان يريد به ان المراد من كفة الميزان انهما آلة وزن العمل و وزن كل عمل هو قدر وزنه و هذا علي المعني ظاهر لانه لايتعلّق به من الاختبار ازيد من اختباره و ما زاد عن اختباره و استعلامه فهو استعلام لغيره كما ان استعلام العشرة و عدّها لايصلح لاستعلام الاحدعشر و عَدِّها نعم لو زيد الموزون اُمِدّت الكفّة بنسبة الزيادة فكفّة كلِ عملٍ بهذا المعني لاتزيد عليه و لاتنقص و هذا الاعتبار راجع الي خصوص الاعتبار لا الي نفس ما يعتبر به فافهم .

قال } قاعدة في الجنّة و النار يجب ان تعلم انّ الجنّة التي خرج عنها ابونا ادم (ع‌) و زوجته لاجل خطيۤئتهما غير الجنّة التي وعد المُتّقون لانّ هذه لاتكون الّا بعد خراب الدنيا و بوارِ السموات و الارض و انتهاۤء مدة عالم الحركات و ان كانتا متّفقتَيْن في الحقيقة و الرتبة و الشرف لكونهما جميعاً دار الحيوة الذاتيّة و دارُ البقاۤء غير متجددّةٍ و لا متبدّلةٍ و لا دائرة و لا فانية و لا زاۤئلةٍ و بيان ذلك انّ الغايات كالمبادي متحاذيةً متقابلةً و ان الموت الطبيعي ابتداۤء حركة الرجوع الي اللّه كما ان الحيوة الطبيعيّة ابتداۤء حركة النزول من عنده فكلّ درجةٍ من درجات القوس الصعوديّة بازاۤء مقابلتها من درجات القوس النّزوليّة و قد شبّهت الحكماۤء و العرفاۤء هاتين السلسلتين بالقوسين من الداۤئرتين اشعاراً بانّ الحركة الثانية الرجوعية انعطافيّة لا استقاميّة { .
اقول انّ الناس اختلفوا في الجنّة و النار هل هما موجودتانِ في الدنيا يعني الأن ام ليستا بموجودتين و انما توجدانِ في الاخرة ام هما موجودان بمكانهما خاۤصّةً و حاۤئطهمَا و انّ الملاۤئكة تصنع فيهما المنازل و الدرجات و الدركات بمدد اَعْمَالِ العَامِل۪ينَ فيكون وجودهما في الدنيا اي قبل يوم القيمة بالتَّدْر۪يج و منشأ الاختِلاف من اختلاف ظواهر الايات و الروايات و الحقّ انّهما موجودتانِ الأن بل منهما بُدِئت الخلاۤئق و اليهما تعود اذ كل شي‌ءٍ يعود الي ما

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 714 *»

منه بُدِئ و الكتاب و السُّنّة متطابقان ناۤصّانِ علي وجودهما الأن و المعروف الداۤئر بين النّاسِ تعدّدها فجنّة الدنيا غير جنّة الاخرة و نار الدُّنيا غير نار الاخرة و لذا صرّح المصنّف بانّ الجنّة التي خرج عنها ابونا آدمُ و زوجته لاجل خَط۪يۤئتهما غير الجنّة التي وُعِد المتّقونَ ثم علّل هذا المعني بقوله لان هذه يعني جنّة الاخرة لاتكون الّا بعدَ خَراب الدنيا و بوار السموات و الارض و انتهاۤء مدّة الحركات مع انّه قال في كتاب المبدء و المعاد في فصل ان الجنّة و النار حق قال فاذا ثبت و تحقّق ما ذكرناه اتّضح و استبان فساد بعضٍ من المذاهب السخيفة و الاراۤء الباطلة في هذا الباب و هو رأي مَن زعم ان الجنّة و النار لم‌توجدٰا و لاتوجدانِ الّا بعد بوار العالم و هلاك السموات و الارض و لم‌يعلموا ان هذا الاعتقاد يبعّد صاحبه عن طريق الاخرة و يقلّل رغبته في ثواب اعماله و جزاۤء احسانه و يقلّل رهبته و خوفه عن عقوبة معاصيه و سيئاته انتهي ، فان قوله هنا في الجنة التي وُعِدَ المتقون لان هذه لاتكون الّا بعد خراب الدنيا و بوار السموات و الارض و انتهاۤء مدة عالم الحركات انتهي ، هو بعينه قول من افسد مذهبه و رأيه في كِتاب المبدء و المعاد كما سمعتَ قوله هناك فان قوله هناك صحيح و مراده كما تقدّم اوّلاً انّ الجنّة و ما فيها جواهر عقليّة لاتحتمِل الدثور و لا البوار و لا التغير و لا التّجدد و لا التبدّل بخلاف الدنيا و ما فيها و هذه السموات و الارض فان ذلك كلّه جار عليها فلاتكون جنّة المتقين الّا بعد ذلك كلِّه فلايصلح ان تكون في شي‌ء من ذلك و امّا جنّة الدنيا فظاهر كلامه انها كجنّة المتّقين لاتفاقهما في الحقيقة و الرتبة و الشرف لكونهما دار الحيوة الذاتية و دار البقاۤء و ظاهر كلامه انّهما اثنتان في الاخرة جنّة المقرّبين و هي لاتكون الّا بعد فناۤء عالم التغيير و التبدّل و التجدّد لما بينهما من كمال التباين و جنّة اصحاب اليمين و هي المدهاۤمّتان و هي جنّة الدنيا التي خرج عنها آدم و زوجته عليهما السلام و هي تجامع عالم التغير و التبدّل في حال و لايخفي ما في كلامه من الاضطراب و التنافي فان كونهما متطابقتين في الحقيقة و الرتبة و الشرف يقتضي تساويهما و كونهما دار الحيوة الذاتية كذلك و يلزم من ذلك ان

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 715 *»

يكونا معاً متأخّرتَين عن عالم التجدد و التبدّل و يلزم من ذلك كله عدم وجودهما الأن فيكون كلامه منافياً لكلامه و مقتضي ظاهر الادلّة علي رأي الاكثر انّ لمن خاف مقام ربّه جنّتان و هما ذواتا افنانٍ و هاتان للمقربين و انّ من دون تَيْنِك جنّتان و هما المدهاۤمّتانِ لاصحاب اليمين و انّ للمؤمنين الذين محضوا الايمان محضاً اذا ماتوا جنّةً تأوي اليها ارواحهم و انّ هذه جنّة الدنيا و هي جنّة ادم عليه السلام و فيها البكرة و العشيّ و الكلام في النيران مثل الكلام في الجنان هذا ملخّصُ ما فهموا و الذي ثبت عندي ممّا فهمتُه من الكتاب و السنّة علي سبيل القطع بحيث لاارتاب فيه و لا مرية عندي تعتريه انّ جنّة الاخرة خلقت قبل ساۤئر الخلق و انّ المؤمنين خلقوا منها و اليها يعودون و ان جنّة الدّنيا خلقت بعد خلق الاجسام خلقت من تنزّل جنة الاخرة كما خلقت الاجسام من تنزّل النفوس و الارواح و العقول و انّ جنّة الدّنيا هي بعينها بعد التصفية جنّة الاخرة كما انّ اجسام الناس الأن هي بعينها اجسام الدنيا و هي بعينها بعد تصفيتها اجسام الاخرة و القرءان ناطق بذلك لمن كان له قلب قال في حق الجنّة فاولۤئك يدخلون الجنّة و لايظلمون شيئا جنّاتِ عدنٍ الّتي وعد الرحمن عباده بالغيب انه كان وعده مأتيا لايسمعون فيها لغواً الّا سلاماً و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيّاً تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقيا فقوله و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيّا يعني جنّة الدنيا لانّ الاخرة ليس فيها بكرة و عَشِيّ و قوله تلك الجنّة التي نورث من عبادنا يعني جنّة الاخرة و هذا صريح في ان جنّة الدنيا هي بعينها جنّة الاخرة و قال في شأن النار و حاقَ بال فرعَون سوۤء العذاب النار يعرضون عليها غدوّاً و عشيّاً و يوم تقوم الساعة فقوله النار يعرضون عَليها غدوّا و عشيّاً يعني نار الدنيا لان الاخرة ليس فيها غدوٌّ و عشيٌّ و قوله و يوم تقوم السّاعة يعني بالنار المعروض عليها يوم تقوم الساعة نار الاخرة و قد اتفق القرّاۤء علي الوقف علي تقوم الساعة و يلزم منه اتّحاد النار المعروض عليها و هذا ظاهر فانّ جنّة الدنيا تنزّل جنّة الاخرة و نار الدنيا تنزّل نار الاخِرة كما ان اجسام الدنيا تنزّل اجسام الاخرة فتُصَفّي اجسام الدنيا و تكون بعينها اجسام الاخرة كذلك تصفّي جنّة

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 716 *»

الدنيا و تكون بعينها جنّة الاخرة و تصفّي نار الدنيا التي عند مطلع الشمس و تكون بعينها نار الاخرة لان الله سبحانه قد بيّن لنا آية ذلك بل اية كل شي‌ء في انفسنا فقال سنريهم اياتنا في الافاق و في انفُسِهمْ حتّي يتبيّن لهم انّه الحقّ ، و ايضا قال الله تعالي و لمن خاف مقام ربه جنّتان و قال و من دونهما جنتان و المراد بالدون هنا القَبل و القلّة و الضعف اي و لمن خاف مقام ربّه قبل يوم القيٰمة و اقل من جنة الاخرة جنّتان فيصير المعني و من دون جنّتي الاخرة اي من قبلهما و من دونهما اي مِنْ اَنْزلَ منهما جنّتانِ في الدنيا اذا ماتوا تأوي اليهما ارواحهم و هما الأن في المغرب في الاقليم الثّامن و الفرات و النّيل و سيحان و جيحان تجري من الجنّتَيْن اللّتين في المغرب و هما المدهاۤمّتان و في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام ما يدلّ علي انّهما في الدنيا و هو قوله عليه السلام في الرَّجْعة و عند ذلك تظهر الجنّتان المدهاۤمّتان عند مسجد الكوفة و ما وراۤء ذلك بما شاۤءَ اللّٰهُ ه‍ ، و الرجعة من الدّنيا و ظهورهما في الدُّنيا دليلٌ علي انّهما اي المدهاۤمّتان من جنانِ الدُّنْيا و جنة ادم عليه السلام هي من جنان الدنيا فيها البكرة و العشيّ و هي المدهاۤمّتانِ فقد ظهر لمن نظر انّ جنّة ادم التي خرج منها هو و زوجته حواۤء هي من جنان الدنيا و هي الجنّتانِ المدهاۤمّتان و انها موجودة الأن و انّها هي بعينها جنّة الاخرة الّا انّها تصفي بمعني انّها تطهّر من اعراض البرزخيّة سبعين مرة فتكون هي بعد التطهر جنّة الخلد كما ان اجساد المؤمنين تطهّر في البرزخ للاخرة و في الدنيا للبرزخ فتصفّي سبعين مرة في الدنيا فتكون اجساداً للبرزخ لانها تطهّر من اعراض الدنيا سبعين مرّة فتكون برزخيّة و تطهّر في البرزخ من اعراض البرزخ سبعين مرّة فتكون اخرويّةً فما بين الدنيا و الاخرة في كل ما في الدنيا من الاحوال من النعيم و العذاب اربعةٰ‌الٰاف رتبةٍ و تسعمائة رتبة و ما بين البرزخ و الاخرة سبعون رتبة فما بين جنّة ادم عليه السلام الّتي هي جنّة الدنيا و جنّة الاخرة سبعون رتبة و بهذا يتبيّن لك خطأ المصنف حيث جعل جنّة ادم (ع‌) و جنّة الاخرة متفقين في الحقيقة و الرّتبة و الشرف و علّل ذلك بكونهما جميعاً

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 717 *»

دار الحيوة و دار البقاۤء و نحن قد نبّهناك علي انّ جنّة الدنيا اعني جنّة آدم عليه السلام لاتبقي الي يوم القيمة بَلْ تَفْنَي عند نفْخَة الصور و انّ مَنْ جعل المدهاۤمتين هي جنّة الاخرة لاصحاب اليمين فقدْ اخطأ كما هو اكثر المفسّرين لعدم ذكر ذلك في السنّة الّا اَن يراد منها جنان الحَظاۤئر الّتي يسكنها في الاخرة ثلاث طواۤئف لا غير المؤمنون من الجنّ و اولاد الزّنا من المؤمنين الي سبعة ابْطن ثم يلحق البطن الثامن منهم بجنّة المؤمنين و المجانين الذين ليس لهم مِن آباۤئهم مَن هو من اهل الشفاعة و لم‌يبلغوا الحلم قبل اَن يُجَنُّوا و هي اي جنان الحَظاۤئر سبع جنانٍ كلّ جنّة تسمي باسم اصلها و موصوفها و جنّةُ عدنٍ و هي اعلا الجنان الثمان ليس لها حظيرةٌ فليس في جنان الحظاۤئر ما تسمي بجنّة عَدْنٍ نعم جنان المقربين و منازلهم اعلي من جنان اصحاب اليمين و منازلهم و ان كان الفريقان في جنّة واحدة لانهم يتفاضلون في الدرجات و المراتب كما قال تعالي انظر كيف فضّلنا بعضهم علي بعضٍ و للٰاخرة اكبر درجاتٍ و اكبر تفضيلاً ، و الحاصل ان قوله لكونهما جميعاً دار الحيوة الذّاتيّة و دار البقاۤء غير متجدّدَة و لا متبدّلة الي اخره غلط لان جنّة الدنيا متجدّدة و متبدّلةٌ و داثرة و فانية و زاۤئلة بزوال عالم البرزخ بمعني انّ المؤمنين ينتقلون عنها الي جنان الاخرة و بمعني عدم وجودها يوم القيمة و انّما توجد الجنان التي في باطنها لانّها تصفّي كما تصفّي الاجساد فانّ جَسدك الان في الدنيا لايوجد في البرزخ باعراضه الدنيويّة بل يصفّي منها فيكون في البرزخ برزخيّا لا دنيويّاً و لايوجد جسدك البرزخي في الاخرة بل يصفّي من الاعراض البرزخيّة فيكون في الاخرة جسداً اخرويّا لا برزخيّا فكذلك جنان الدنيا تصفي يوم القيمة فتكون هي جنان الاخرة لا جنان البرزخ و قوله و بيان ذلك انّ الغايات كالمبادي متحاذيةً متقابلة صحيح لمشابهة مراتب البدءِ للعود و النزول للصعود بعضها لبعضٍ و لتشابه الذبول للنمو و التحلّل و التفكّك للتأليف و التركيب و بالجملة كلّ شي‌ءٍ يشابه ضدّه و عكسه و يقابله فيما ضاۤدّه و عاكسه فيه سواۤء كان جوهراً في جوهريته او معروضيّته ام

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 718 *»

عرضاً في عرضيته او عارضيّته و لمّا كان مبدء كلّ شي‌ء من العلوّ نازلاً الي غاية قوس نزوله كان بدؤ سيره في صعوده و رجوعه الي جهة مبدئه من غاية قوس نزوله و كان متشابه الحركة في القوسين متقابل الاحوال و قد اخبر سبحانه عن القوس النزولي بقوله و ان من شي‌ءٍ الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزِّله الّا بقدرٍ معلوم و هذا و ان كان مما لا اشكال فيه و لا منكر له الّا ان الاشتباه وقع في ابتداۤء الحركة النّزوليّة و في ابتداۤء الحركة الصعوديّة و المصنّف طوّل القوس النزولي من طرفيه و قصّر القوس الصعودي من طرفه الاسفل و طوّله من طرفه الاعلي فلزمه عدم صدق قوله ان الغايات كالمبادي متحاذية متقابلة و بيان ما اشرنا اليه علي جهة الاختصار و الاقتصار و الاجمال انّ المصنف يذهب

الي ان الاشياۤء منْحطة عن حقاۤئقها الازليّة التي هي في الذات بنحو اشرف كانحطاط الاظلّة و الاشعة عن حقاۤئِقها كما ذكره في الكتاب فيما تقدّم و في غيره من ساۤئر كتبه و قد بيّنا انّ الاشياۤء لا ذكر لها هناك و لا اسم و لا رسْمَ فلمّا شاۤء امكانها ذكرها بما هي به ممكنة و لَيْست هي حينئذٍ اشياۤء بمعني التكوين اي مكوّنات و ان كانتْ اشياۤء امكانيّة فحقيقة بدءِ نزولها من التكوين بالفعل فهذا اوّل ذكر وجودها بالقوة و منه ابتدأ القوس النزولي و هو طرفه الاعلي و اخره انحلال الغذاۤء في الكيلوس و اخر القوس النزولي هو الكيلوس و هو طرفه الاسفل و اوّل القوس الصعودي هو كون صفوة الكيلوس كيموساً ثم نطفةً و هي بمنزلة المعدن ثم علقة و هي اوّل مراتب النبات ثم مضغة ثم عظاماً ثم تكسي لحماً و هي اخر مراتب النّبات ثم ينشأ خلقاً آخر و هو اوّل مراتب الحيوان و هي الولادة الجسمانية عند تمام الاربعة الاشهر ثم الولادة الدنيوية و هي خروجه الي الدنيا فمن الكيموس الي خروجه من الدّنيا من مراتب الرجوع الي اللّه تعالي بدعوته حين قال للعقل اَقبِل فاقبَلَ او اَدبِر فادْبَر علي اختلاف الاعتبارين و المصنف نقّص القوس الصعودي من طرفه الابتداۤئي من الكيموس الي الموت و الخروج من الدنيا و زاده في الطرف الاسفل من القَوْس النُّزولي و زاد في الطرف الابتداۤئي من القوس النزولي حتي انزله من الازل و في الانتهاۤئي من القوس الصعودي حتي وصله

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 719 *»

بالازل و قد اخطأ اذ يلزم منه في ابتداۤء النزولي الولادة و الازل تعالي لايلد اذ لايخرج منه شي‌ء و لايعود اليه شي‌ء و انما ينتهي المخلوق الي مثله كما انه يبْتدئ من مثله فافهم و ذلك هو قوله و انّ الموت الطبيعي ابتداۤء حركة الرجوع الي اللّه كما ان الحيوة الطبيعيّة انتهاۤء حركة النزول من عنده و قوله فكل درجةٍ من درجات القوس الصعوديّة الي قوله لا استقاميّة يشير به الي تشابه القوسين و تحاذيهما و هو كذلك و قد اشرنا الي ذلك فيما تقدّم بان القوس الصعودي لو كانت حركة سيره استقامية لكان الانسان يرجع من هذه الدنيا الي اللحم ثم الي العظام ثم يكون مضغة ثم علقةً ثم نطفة ثم كيموسا ثم كيلوسا ثم طعاما ثم نباتاً ثم ماۤء و تراباً و ترجع نفسه الي الفلك و ما فيها من النفس الي اللوح و منه الي المدد العقلي و منه الي الاشراق النوراني و الهيئات الاراديّة ثم الي الامكان و يلزم من هذا الرجوع فناۤء الاشياۤء و هو خلاف ما خلقت له لانّها انما خلقت للبقاۤء نعم يكون القوسانِ متقابلَيْن متحاذِيَيْن و تمام الصوغ الاول في القوس النزولي تحت النّفس الكلّيّة عند قوله الستُ بربكم و يحاذيه و يقابله يوم القيمة في القوس الصعودي و بعد مقام الستُ بربّكم في القوس النزولي الكسرُ في عالم الطبيعة النورانية و يحاذيه و يقابله ما بين النفختين نفخة الصعق و نفخة الفزع و ذلك في مدة اربعمائة سنةٍ و بعد ذلك في النزولي عالم الهباۤء و عالم المثال الي وقت الولادة الجسمانية و يحاذيه و يقابله الموت الطبيعي فانّ اسرافيل عليه السلام ينفخ فيه الحيوة اذا تمّت له الاربعة الاشهر و عزراۤئيل يقبضها في مقابلة ذلك و يشير المصنّف بهذه الكلمات من قوله لان هذه لاتكون الّا بعد خراب الدنيا و بوار السموات و الارض و انتهاۤء مدّة عالم الحركات الي قوله لا استقاميّة الي ان الجنّتين جنّة الاخرة و جنّة الدنيا مُتَساويتين و انّهما وَراۤء عالم الملكِ و انهما باقيتان و يلزم من كلامه انّ الدُّنْيا لَا جَنّةَ فيها و انّ عالم الملك يفني في الاخرة فلم‌يبق في الاخرة شي‌ء مع انّهُ يَذْهب الي ان جميع الاشياۤء في الزّمان و ان الزمان لايسبقه شي‌ء و لايتقدّم عليه شي‌ء الّا البارئ تعالي وَ قدْ صرّح هنا بقوله و انتهاۤء مدة عالم

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 720 *»

الحركات و قد ذكر بانَّ الزمان عبارة عن الحركة الحادثة عن الفلك و حينئِذٍ لايصدق قوله محسوسة كما يأتي في تقسيمه اذ الجنّة المحسوسة لاتوجد الّا بالاجسام الزمانية و قوله و قد شبّهت الحكماۤء و العرفاۤء هاتَيْن السلسلتين بالقوسين من الداۤئرتين يراد من السلسلتين مراتب النزول و مراتب الصعود فان كل مرتبة مرتبطة بما فوقها و بما تحتها كحلق السلسلة و كل مرتبة منها مستديرة علي قطب علّتها استدارة صحيحة كما نبّهنا عليه في الفواۤئد فشبّهوها بالسّلسلة لهاتين العِلَّتَيْنِ و لاجْل كونِ العَوْدِ علي غير طريق البدءِ و كون السّير الي جهة المبدأ في النزول و الصعود كانت الحركة انعطافيَّة .

قال } و اذا تقرّرَ هذا فاعلم انّ الجنّة جنّتان محسوسة و معقولة كما قال تعالي و لمن خاف مقام ربّه جنّتان و قوله فيهما من كل فاكهة زوجانِ المحسوسة لاصحاب اليمين و المعقولة للمقرّبين و هم العلّيّون و كذا النار نارانِ محسوسة و معنويّة كما مرّ و كل من الجنّة و النار المحسوستين عالم مقداري احديهما صورة رحمة الله و الاخري صورة غضبه لقوله و من يحلل عليه غضبي فقد هوي و لذلك تصول علي الجبّارين و تقصم المتكبّرين و كما ان الرحمة ذاتيّة و الغضب عارض كما برهن عليه لقوله سبقت رحمتي غضبي و قوله عذابي اصيب به من اشاۤء و رحمتي وسعت كلّ شي‌ءٍ فلذلك خلق الجنّة بالذاتِ و خلق النار بالعرَضِ و تحت هذا سرّ { .
اقول ذكر هنا ان الجنّة جنّتان جَنّة محسوسة و لا بدّ اَنْ تكون جسمانيّة و قد قرّرنا في كتبنا ان الاجسام المحسوسة لاتكون الّا زمانيّة و الاجسام الزمانيّة من عالم الملك فالجنّة المحسوسة من عالم الملك الا انّها صفّيَتْ من العوارض الدنيويّة و العوارض البرزخيّة و لمّا صُفِّيت من اعراض الدارين دار البرزخ و دار الدنيا كانت من نوع الداخرة و هي علي تماسُكِها بل هي اقوي من تماسكها في الدنيا و قد مثّلنا لهذه التصفية و بقاۤء التّماسُك بالحجر فانّه اذا القي عليه القلي و وضع في كورة النّار تخلّص زُجاجاً و هو كتخلص الاجسام من النباتات و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 721 *»

الفواكه و المطاعم مع بقاۤء تماسكه و لكنه لم‌يتصفَّ في ذاته بالنّسبةِ الي الاصلين اللّذين تكوّن منهما و هما الكبريت و الزيبق اللذان هما اصل لكل المعادن فاذا اذبت الزجاج و القيتَ عليه الاكسيرَ الابيض اكسير الفضّة فانّه يكون بَلّوراً يجمع البَصر و يحرق في الشمس لانّه يجمع الاجزاۤء النّارية المنبثّة في نور الشمس و تخلّصه بلّوراً بالاكسير الابيض مثل تصفية الاجسام من الاعراض الدنيوية و كونها من اجسام البرزخ و البلّور متماسك كتماسك الزجاج و ابْقي فاذا اذبتَ البلّور و القيتَ عليه الاكسير الابيض مرّة ثانيةً تَخلّصَ اَلْمٰاساً يثقب الاحجار الصلبة و اذا كسر بالاسرب انكسر مثلّثاً و لاينكسر بغيره بل لو وضع علي السندانِ و ضُرِب بالمطرقة غاصَ فيهما و لم‌ينكسر و لو لم‌يكن اَلْماساً حقيقيّا لماحصلَتْ فيه صفات الاَلماس المعدني بل يكون اعلي من المعدني بكثير و هو من الحجر و صفّي مرات ثلاثاً فبلغ هذا الصفاۤء و الصلابة و التماسك كذلك الاجسام صفّيت مرّاتٍ ثلاثاً احديهنّ من الاغذية للدنيا و ثانيتهنّ من هذه الدّنيا للبرزخ و ثالثَتهُنّ من البرزخِ للٰاخرة و هذه اعلم ان مطالب هذا الجليل جليلة مشكلة جداً و منها معرفة الاجسام الدنياوية و البرزخية و الاخروية فاعلم ان جميع العوالم الالف‌الف كلها بين هذا العرش و الفرش و ليس وراۤء هذا العرش ضيق و لا سعة و جميع ما تسمعه من مراتب هذه الاجسام و الكرات فاعلم ان لهذه الكرات الموجودة المحسوسة مقام ذات لايلحظ معها غيرها كذات العرش و ذات الكرسي و الافلاك و العناصر فذات هذه الكرات فوق مقام ما يلحقها او يصدر عنها البتة فهي في هذا المقام متحركة بالحركة الذاتية علي القطب كحركة النور علي المنير و هي في هذا المقام خالصة عن جميع الشوائب و الاكدار صافية بلا غبار مشاكلة بعضها لبعض و هي اجسام لها طول و عرض و عمق ثم لكونها في مقام الكثرة اشرق بعضها علي بعض و اثر بعض في بعض و حصل اللطخ و الخلط فتلبس العرش باعراض و الكرسي باعراض و الافلاك و العناصر باعراض الا ان الاعراض غلبت علي المنتهي لضعفه و بعده و رقت في الاعالي لقوتها حتي ان العرش اقل ما في الاجسام عرضا فعند حصول الاعراض دارت الافلاك علي المحور و تغير الاوضاع و تقدم الليل علي النهار و غلب الجور و حصلت كرات و بسايط اخر و
تغيرت البلاد و من عليها       ** * **      و وجه الارض مغبر قبيح
فخفي الاصول و احكامها و ظهر الفضول و احكامها فعند ذلك حدثت هذه الدنيا المعروفة ثم تحركت الافلاك علي المحور و ضربت العناصر بعضها ببعض و حدثت المواليد و لها ابدان من هذه الاعراض الارضية و استخرج منها ارواح فلكية عرضية و هي الروح البخاري لكن في جوف هذا البدن العناصر الاصلية و الافلاك الاصلية و العرش اشبه شي‌ء بالرضوان و احكي شي‌ء له و الكرسي بالاخرة و احكي شي‌ء لها و الافلاك اشبه شي‌ء بالبرزخ و احكي شي‌ء له و العناصر هي عرصة الدنيا و جنة ادم في البرزخ في السماء و من هناك نزل الي الدنيا و طفق يخصف عليه من ورق الجنة فاذا مات الانسان خر بدنه و فيه الاجزاء الاصلية و العناصر الذاتية و خرج روحه البخاري الفلكي و هو الجسم الرقيق الذي البس قالبا كثيفا و تفرق عنه بعض ما فيه من العنصرية و بقيت فلكيته مع الاعراض البرزخية فهو في عرصة البرزخ لان الافلاك البرزخ و بقي جسده في ارض الطبايع حتي يتخلص فيلحق بالعناصر الطبيعية التي هي هورقليا و الاقليم الثامن و المراد عرصة عناصره بسيطة غير مركبة و روحه يطير مع الارواح الي انقضاء اجل الافلاك فتطوي و تنحل في الطبايع العرضية و يعود كل عرض الي جوهره فيبقي فلك زحل خالصاً عن غيره و فلك المشتري خالصا عن غيره و هكذا جميع الافلاك و جميع العناصر ايضا تطهر مرة اخري عن الاعراض البرزخية التي فيها فاذا عادت الكرات صرفة خالصة قامت القيمة و لايخفي ان ضيق الافلاك و العناصر اليوم للاعراض فاذا عادت الي جوهريتها اتسعت لا طولا و عرضا و عمقا بل سعة حكاية لما ورائها كما تتسع المولود بتصفيتها كلما صفي فتبين ان هذه العرصة عرصة الاخرة و هذه الابدان ابدان الاخرة و ان قلت بدن زيد في الاخرة ان كان مركبا من العناصر الاصلية الكلية فيكون كبدنه في الدنيا قلت بدنه في الدنيا مركب من عناصر مركبة بتركيبات عديدة و في الاخرة من عناصر بسيطة هذا و الشي‌ء في اي عالم له مادة و صورة و مادته صالحة له و لغيره و انما تتخصص في الصورة فالعناصر هي من حيث هي هيولي الافراد جميعاً فاذا اخذ حصة منه و البست صورة شخصية صارت الحصة مادة لذلك الشخص و حكم عليها بحسب الصورة بالجملة اذا خلص عناصر بدن زيد و عناصر الدنيا ذهبت الحركات المحورية فزالت السنون و الشهور و الايام فكانت دهرية لا طلوع و لا غروب فهنالك يتركب بدن زيد في قبر طبعه ثم يتركب روحه كذلك و يدخل بدنه و يكون صورته صورة اعماله و عقائده و صفاته و بها يمتاز عن غيره فاما الي الجنة و اما الي النار فتبين كون المعاد جسمانيا و ان هذا البدن المحسوس الملموس يعود و صدق يحييها الذي انشأها اول مرة فافهم و اشكر الله ، كريم .
الاجسام الاخرويّة من عالم الملك و هي في الاخرة متقوّمة بما تقوّمت به

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 722 *»

في الدّنيا من المكان و الزّمان امّا المكان ففيه خلاف كثير هل هو الفراغ المتوهّم الذي تشغله الاجسام بالحصول فيه ام هو الفراغ المخلوق الخ ، ام هو البُعد المجرّد ام هو السطح الحاوي للجسم المحوي ام غير ذلك و حَيرتهم في مكان الفلك الاطلس و الحق انّه الفراغ المخلوق الذي يشغله الجسم بالحصول فيه فانّه مساوق للجسم في الوجود و الظّهور و شرط في تحقّق الجسم فلايكون شي‌ء من الجسم ليس في مكانٍ و لا شي‌ء من المكان لا جسم فيه و امّا الزمان فليس هو عبارة عن حركة الفلك كما توهّمه المصنّف تبعاً لغيره و انّما هو المُدَد و امتداد مكث الجسم و انتقاله و الحكماۤء الاوّلون انما ذكروا حركة الفلك لبيان تصوره فانّ الساۤئر السريع الذي يقطع فرسخين في ساعة و الساۤئر البطيۤ‌ء الّذي يقطع فرسخا واحداً في ساعة اذا ابتدَءٰا دفْعةً في مسافةٍ هي فرسخ وصل السريع آخرها في نصف ساعة و بقي لابِثاً نصفَ ساعةٍ ينتظر البطيۤ‌ء فمدّة بقاۤئه زمان قطع البطيۤ‌ء نصف الفرسخ و زمان مكث السريع فيتصوّر الزمان بالحركات لا انّ الحركات هي الزمان و الّا لكانت المتحركات قبل الزمان و هو عنده ليس قبله الّا الباري سبحانه و تعالي و ايضاً يلزم ان توجد المتحركات بدون الحركات كما سيكون بعد فناۤء الخلق بين النفختين فانّ الحركات كلّها تبطل مع وجود السموات و الارض اربعمائة سنة و لهذا يخاطب الله سبحانه الارض بما معناه يا

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 723 *»

ارض اين ساكنوك اينَ المتكبّرون اين من اكل رزقي و عبد غيري لمن الملك اليوم فلايجيبه احد فيردّ علي نفسه و يقول لله الواحد القهار و الحاصل الجنّة المحسوسة جسمانيّة من عالم الملك و فيها النموّ الاستغناۤئي الاِمْدادي و الذّبول اي التحلّل الافتقاري الّا انّ ذلك تَرَقٍّ في مراتب الكمال و القوة و الجدّة كما ذكرنا سَابِقاً و قوله و معقولة يعني نفسانيّة و رُوحانيّة و عقليّة و تنعّماتها و لذّاتُهَا المعارف و الخطابات الرّبانية و المناجاة الاحدية و المشاهدات القدسيّة و استمتاعهم فيها بالانكشافات و التجلّيات و الامدادات الرحيمية و الفيوضات الرضوانية و ما يصل اليهم من اثار الحيوة و العلم و القدرة و الملك و التسلط القدسيّة و ما اشبه ذلك و قوله و المحسوسة لاصحاب اليمين و المعقولة للمقربين و استدل علي هذا التقسيم بقوله تعالي و لمن خاف مقام ربّه جنّتان و هو غلط لان المفسّرين و غيرهم من اكثر العلماۤء يذهبون الي انّ المراد بمن خاف مقام ربه هنا المقرّبون و انّ الجنتين لهم بمعني ان كل واحدٍ من المقربين له جنّتان جنّة عن يمين قصره نالها بفعل الطاعات و جنّة عن يسار قصره نالها بترك المعاصي و لايبعد ان تأوّل اليمني بالمعقولة و اليسري بالمحسوسة و الي ان المراد باهل قوله و من دونهما جَنّتانِ هم اَصْحَاب اليمين بمعنَي اَنّ كُلَّ واحدٍ من اصحاب اليمين له جنّتان جنّة عن يمين قصرِه۪ نالَها بفعل الطَّاعات و جنّة عن يسار قصرِه۪ نالَها بتركِ المعاصي و كذلك ايضاً لايبعد ان تأَوّل اليمني بالمعقولة لاهل اليمين و اليُسرَي بالمحسوسة و هذا التأويل في الموضعين هو الحقّ الذي يشهد له الاعتبار الصحيح و النص الصريح و اما انّ ما في قوله و لمن خاف مقام ربّه جنّتان للمقرّبين يوم القيمة و ما في قوله و من دونهما جنّتانِ لاَصْحابِ اليَمينِ فالّذ۪ي يُف۪يدُه احاديث اهل العِصمة عليهم السلام انّ قوله و لمن خاف مقام ربه جنَّتان يراد منه ان من خاف مقام ربه من المقربين و اصحاب اليمين فله في الاخرة جنّتان جنّة معقولة و جنّة محسوسة الّا ان كلي الجنتين لكل واحدٍ من المقربين و اصحاب اليمين بنسبة رتبته في الشرف كما اشار سبحانه اليه بقوله

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 724 *»

انظر كيف فضّلنا بعضهم علي بعضٍ يعني في الدنيا و للٰاخرة اكبر درجات و اكبر تفضيلاً و لم‌يرد تعالي انّ المقربين لا محسوسة لهم و اصحاب اليمين لا معقولة لهم بل لكل من النوعين معقولة و محسوسة و انّ قوله و من دونهما جنتان يراد منه ان لكل واحدٍ من النوعين جنّتين مدهاۤمّتين اذا مات في البرزخ لان الجنّتين المدهاۤمتين من جنانِ الدنيا و لهذا تخرج في الرجعة قبل القيمة الكبري كما في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام حيث قال و عنْد ذلك تظهر الجنّتان المدهاۤمّتان عند مسجد الكوفة و ما وراۤء ذلك بما شاۤء اللّه ه‍ ، و انهما جنّة ادم عليه السلام فيَكون قوله و من دونهما اي من قبلهما يعني في الدنيا اي في البرزخ و من دونهما اي اقلّ و اضعف من جنّتي الاخرة و الحاصل لاصحاب اليمين جنّة معقولة و جنّة محسوسة كما للمقربين و ان كان كلّ بنسبته و الاية ليس فيها دلالة علي مدّعاه الّا اِنْ اراد تأويلها فان التأويل طريق واسع و قوله و هم العلّيّون يريد بهم انّ المقرّبين في تلك الحال اي حال كونهم اهل الجنة المعقولة فانهم هم العلّيّون اي ملاۤئكَة كروبيّون و هو صحيح علي ما نريد نحن من كونهم ذوي حالاتٍ هذه احدُ حالاتهم لا علي ما يريد هو من كونهم ذوي حالةٍ واحدة قد انخلعوا عن الحالة المحسوسة و كذا الكلام في قوله و كذا النار نارانِ محسوسة و معنويّة بمعني ان المتبوعين اعني الائمة الذين يدعون الي النار لهم نار معقولة و نار محسوسة و للاتباع نار معقولة و نارٌ محسوسة بنسبتهم و ذلك كما قال سبحانه و لكل درجات مما عملوا ، و قوله و كلّ من الجنّة و النار المحسوستين عالم مقداري اِنْ اراد به انّ الجنّة المحسوسة و النار المحسوسة من عالم الاجسام المعروضات و انّما الجواهر الجسمانية صور للنفوس و لم‌يرد انّهما اعراض مقدارية بل ذوات قاۤئمة بنفسها كالطعام و الشراب و الحور و الولدان و القصور فهو كذلك و امّا ان اراد انّها صور و اعراض بمعني انّها تصوراتٌ خياليّة و تخيّلات نفسانيّة كما ذهب اليه بعضهم فهو باطل و قد تقدم ما يشير الي هذا في قوله ما معناه ان جميع ما في الجنّة من النعيم من القصور و الولدان و الحور و المأكل و المشارب و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 725 *»

المناكح و غير ذلك كلّها موجودة بِوجود المؤمن لانها كلّها من نوع النيات و الاعتقادات و قد ذكرنا هناك ما يلزمه فراجع و قوله احديهما صورة رحمة اللّهِ و هي جميع الجنّة المحسوسة و ما فيها من النّعيم بل المؤمن نفسه في الدنيا و الاخرة صورة رحمة اللّهِ لانّ ماۤدّته من نور الله و هو اثر فعله و صورته من رحمة اللّه لانّ حدودها هيئات طاعته و الاخري صورة غضبه اي النار المحسوسة لان ماۤدّتها من الماۤء الاجاج و صورتها من صورة غضب الله لانّ حدودها هيئات معصيته و قوله لقوله و من يحلل عليه غضبي فقد هوي يعني انّ حلول غضب اللّه اعوذ بالله من غضب اللّهِ محسوس لانه يفني من وقع عليه و يقصمه فاستدلّ علي المحسوسيّة بالحلول المحسوس فافهم و قوله و كما ان الرحمة ذاتيّة و الغضب عارض كما برهن عليه لقوله سبقت رحمتي غضبي و قوله عذابي اصيب به من اشاۤء و رحمتي وسعت كل شي‌ءٍ يشير به الي ما ذكروه من كون الرحمة ذاتيّة و الغضب عارض حيث انه سبحانه قال سبقت رحمتي غضبي لان الرحمة خلقت اوّلاً و بالذات لانها مطلوبة له تعالي لذاتها و محبوبة عندَه لانها عالم فاحببتُ ان اعرف بخلاف الغضب و لمّا كانت هذه الرحمة اعني التي وسعت كل شي‌ء مخلوقة و المخلوق لايكون بسيطا اذ لايتحقق الّا باعتبارين اعتبار من ربّه و اعتبار من نفسه وجب ان يخلق له دعامة يتقوّم بها و لاتكون من نوعه و الّا لماتحقّق الاعتباران فوجب ان تكون من خلافه و خلاف الرحمة لايكون رحمة فكان غضباً و الغضب ليس مراداً لله سبحانه لذاته بل لتقوّم المحبوب عند الله و هو الرحمة فخلق الغضب ثانيا و بالعرض فلذا قال سبقت رحمتي غضبي فكان كلامه سبحانه في كتابه جارياً علي طبيعة الايجاد فينسب الرحمة اليه و ان كانت من فعله لاجل محبّتها بالذات و ينسب العذاب الي فعله لبيان العرضيّة قال تعالي ان ربّك سريع العقاب و انه لغفور رحيم فلذلك خلقت الجنّة بالذات لانها خلقت من الرحمة و دار الرحمة و اهلها و خلقت النار بالعرض لانها خلقت من الغضب

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 726 *»

و دار الغضب و اهله و قوله و تحت هذا سرّ يريد به ان تحت كون الرحمة خلقت اوّلا و بالذاتِ و الغضب خلق ثانيا و بالعرض و ان الجنّة خلقت بالذات و النار خلقت بالعرض سرّاً مكتُوماً عن عوام الناس و هو انّ الامر الذي يتعلّق بالتكليف و بالعقاب علي المخالفة اسهل ممّا يظهر فانهم يقولون انا تتبّعنا كتاب الله العزيز و وجدنا كل موضعٍ ذكر فيه الرحمة و الغضب او العذاب يكون جانب الرحمة راجحاً علي جانب العذاب و جهة العَفْو ارجح من جهة العقوبة مع ما ثبت من غناه سبحانه عن عذاب عباده العاصين و حاجتهم الي عفوه و رحمته و ان ملكه لايزيد بالعقوبة و لاينقص بالعفو و انّما اظهر لهم هذه التشديدات تخويفاً للعاصين ليرتدِعوا عن المعاصي كما قال تعالي و مانرسل بالايات الّا تخويفا ، و ايضا اذا كان النار خلقت بالعرض لايدوم عذابها بل يأُول حال اهلها الي التنعّم بما فيها من انواع العذاب و اقول اعلم انّ الصّوفية ذهبوا الي هذا و مثله ليهوّنوا علي انفسهم الخطب و ليتوصّلوا الي الراحة من مشقّة التكليف حتي ان كثيراً منهم اباح كلّما منع اللّه سبحانه منه فتركوا العبادات كلها و فعلوا المحرّمات كلها و اقسموا باللّٰهِ العظيم انّ مئال امرهم مع فعلهم هذا الَي النّعيم المقيم و يكفيهم من جميع ما يريد اللّه منهم قولهم لا اله الّا الله و يأوّلون علي مطلبهم هذا قول النبي صلي الله عليه و اله من قال لا اله الّا اللّه مخلصاً دخل الجنّة ه‍ ، و اقول امّا ما وصفوا من غني الله سبحانه عن عبادة عباده و عن تعذيبهم و ان ذلك لايزيد في ملكه بالعقاب و لاينقص بالعفو و الثواب فهو فوق ما ذكروا و اعلي و اجلّ بما لَايدخل تحت وهمٍ من الاوهام و امّا ما ذكروا من تهوين الخطب في نفس التكليف و ما يترتّب عليه فهو مبطل لاحكام الكتاب و السّنة و اخباراتهما و ذلك تقوّل علي الله سبحانه و علي رسوله صلي الله عليه و اله و الله سبحانه و رسوله صلي الله عليه و اله منهم بريۤئانِ بل كذبوا و لعنوا بما قالوا بل قد يقع باهل المعاصي ما لم‌يذكر ظاهراً لا في الكتاب و لا في السنّة كما اشار سبحانه اليه في قوله و بدا لهم من الله ما لم‌يكونوا يحتسبون لانه و ان كان الله

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 727 *»

عز و جل لايجازيهم الّا باعمالهم السيئة الّا ان الخلق لايكادون يحيطون بشي‌ء لانّ اللّه يعاقبهم ان لم‌يعف بما يترتب علي معاصيهم في علمه و لايحيطون بشي‌ء من علمه الّا بما شاۤء ان يعلموه من ذلك و ما شاۤء منه اظهره لهم في ظاهر كتابه و ظاهر سنة نبيه صلي الله عليه و اله و ما اخفاه في الكتاب و السنة اكثر مما اظهره فيهما و اعظم فلايخرج احد من خلق اللّه عز و جل عن قصور و تقصير في حق اللّه تعالي لانّ كل ما في الامكان قاصر عن كل ما ينسب الي الازل و مقصّر عن اداۤء ما هو اهله تعالي اذ كل ما في الامكان من الاداۤء و الوفاۤء نعمة من اثر ما لِلّهِ علي خلقه و من ذٰلِك الاثر ذوات العاملين المؤدّين و الموفين و الاداۤء و الوفاۤء صفاتهم فكيف يصحّ مقابلة المؤثّر بصفة الاثر فافهم .

قال } و قد علمتَ ان ليس لهما مكان في ظاهر هذا العالم لا في علوه و لا في سفله لان جميع ما في امكنة هذا العالم متجدّدة داثرَة مستحيلة فانية و كل ما هو كذلك فهو من الدنيا و الجنّة و النار من عالم الاخرة و عقبي الدار نعم لكل منهما مكان في داخل حجب السموات و الارض و لكن لهما مظاهر في هذا العالم بحسب نشأتهما الجزئيّة و عليه تحمل الاخبار الواردة في تعيين الامكنة لاحدهما كما في قوله (ص‌) ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة و قوله قبر المؤمن روضة من رياض الجنّة و قبر المنافق حفرة من حفر النار و ما روي انّ في جبل اروند عيناً من عيون الجنّة و روي عن ابي‌جعفر عليه السلام انّ للّهِ جنّةً خلقها في المغرب و ماۤء فراتكم هذه يخرج منها و روي ان برهوت وادٍ من اودية جهنم و الروايات فيها كثيرة متخالفة الظواهر ذكرنا وجه التوفيق بيْنها في كتاب { .
اقول قد ذكر فيما تقدم ان الجنّة و النار ليس لهما في هذا العالم مكان لان السموات متطابقة ليس فيها و لا بينها فضاۤء بناۤء منه علي انّ ظاهر هذا العالم العلوي منه و السفلي متماسك بعضه علي بعض من محدب الفلك الاطلس الي اسفل التخوم و علي انّ الجنان و النيران ليست من نوع هذه الاجسام و انما هي معنوية ان كانت معقولة و صوريّة ان كانت محسوسة فهي من الجبروت و

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 728 *»

الملكوت فيكون لكلٍّ منهما مكان في داخل حجب السموات او الارض فان كانت جنّةً معنويّة فمكانها في باطن حجب السموات و ان كانت جنّة محسوسة فمكانها في ظاهر حجب السموات و ان كانت نارا معنويّة فمكانها في باطن حجب الارضين و ان كانت ناراً فمكانها في ظاهر حجب الارضين ،

و اقول قد تقدّم ذكر هذا و ذكرنا عليه ان الجنّة جنّتان امّا المعنويّة فمكانها الجبروت و وقتها اعلي الدهر و منها ما هو في عالم اللاهوت اعني الوجود الراجح وقته السرمد و امّا المحسوسة فمكانها الملك و وقته الزّمان و منها ما هو في الملكوت الاعلي و وقته اسفل الدهر و اوسطه و امّا النار المعنويّة فمكانها الملكوت الاسفل و ما تحته كك ، و امّا النار المحسوسة فمكانها الملك كذلك يعني ان وقتهما بنسبتهما في الرتبة و اعلم انا ذكرنا مراراً ان عالم الملك باق ابداً لا فناۤء له و لا نفاد و لا دثور و كذا عالم الملكوت و عالم الجبروت امّا عندهم فلا اشكال في الجبروت و الملكوت و انّما يمنعون بقاۤء الملك و وقته اعني الزمان و قد ذكرنا ان هذا القول انكار للبعث و انّ الحقّ ان العوالم الثلاثة باقية ابد الابدين هي و اوقاتها و ان بقاۤءها علي حدٍّ واحدٍ بمعني انها باقية بابقاۤء الله سبحانه بدوام امدادها متصلاً لا ببقاۤئه كما توهمه المصنّف و اتباعه و ان كيفيّة امداده اعلم ان معرفة المدد و الترقي به من المشكلات و في كلام الشيخ اعلي الله مقامه اغلاق و رمز مثل جميع كلماته فانها سهلة ممتنعة جرت علي لسان الحكمة و هي فوق مدارك الخلق فاعلم ان مراده من المتحلل و البدل ان الموجود فقير ممكن ابداً و هو دائما في الكسر تحت فهر الاعمال علي صلاية القابلية و في الحل في محل حرارة الاعمال و رطوبة الامتثال فينحل دائما و ينعقد دائماً بصيغة تمثله و تصوره و يمصه محجمة الدعاء ابداً الي فوق بقوته الجاذبة فكلما ينحل و ينفصل اجزاؤه الذاتية عن اجزائه العرضية و ينجذب الي فوق يصعد و يدع الاعراض الغير المنجذبة الي فوق لعدم المشاكلة فيصعد ابداً و ينعقد بالتمثل فهو دائما في الصعود و الترقي و الانحلال و الانعقاد علي السيلان و لا غاية لذلك او هو ابداً بعكس ذلك ، كريم .
انه تعالي يُمِدّها مما خلقها منه و بيانه ان ما تحلّل منها و فني بالفقر و الامكان اعاده لها بحالٍ اكمل منه قبل الفناۤء و التحلّل و كسره به و صاغه به صيغة اكمل من الصيغة الاولي و اقوي و اصحّ و احدّ و ابقي و اصفي و اعلي و انور و اغلي و هكذا بلا نهايةٍ كلّ

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 729 *»

ثانية اعلي و اجلّ و اكمل من الاولي و التحلّل و التبدّل في الملك و الملكوت و الجبروت علي حدّ سواۤء كلّ بنسبته في الدنيا و الاخرة لان هذا حال الممكن اذ كل ما سوي الازل عز و جل متجدّد متغيّر و الباقي علي حالٍ واحدة لايتغيّر و لايتبدل و لايتحوّل هو الواحد عز و جل فلكل من المقربين و اصحاب اليمين جنان معنويّة ملكوتية و جبروتية و محسوسة جسميّة ذاتية و صوريّة وصفيّة و لكل من الجاحدين الكافرين و المنافقين و اتباعهم نيران معنويّة تطّلع علي الافئدة ملكوتية و ما تحت ذلك و نيران محسوسة ملكيّة كما ان المؤمنين لهم في هذه النشأة الدنيوية اعني النشأة الاولي اجسام ملكية و اوصاف جسمانية و لهم نفوس و ارواح و عقول ملكوتية و جبروتية و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و ان عليه النشأة الاخري و الاخري كالاولي مَن عقل الاولي عرف الاخري و هذه السموات و الارض اللّتان في الدنيا هما اللتان في الاخرة كما ان الاجساد التي في الدنيا هي التي في الاخرة و لكنها تصفّي و تطهّر و يبرز باطنها القوي المتماسك كما تصفي الاجساد و تطهّر و يبرز باطنها القوي المتماسك و الجنان تبرز فوق هذه السموات بعد تصفيتها و تطهيرها و السموات و ان كنّا الأن قاۤئلين بانها دخان كالبُخارِ و يوم القيمة كذلك فان الجنان و اجساد اهلها فوقها و لايذهب عليك انه كيف يحمل ما هو كالبخار الاجسام الثقيلة فان الارض لاتحمل الاجساد الثقيلة بتماسكها و انما الحامل لها هو الحي القيوم تعالي فان الله تعالي يحملها علي ما هو كالبخار و الطف الاتري ان المؤمن اذا طهر ظاهره و باطنه من الذنوب مشي علي الماۤء و علي الهواۤءِ و الله سبحانه يقول اولم‌يروا الي الطير مُسَخَّراتٍ في جوّ السّماۤء مَايمسكهنّ الّا اللّه و قال رَفع السماۤء بغير عمدٍ ترونها ، و لو اراد المصنّف انّ الجنان و النيران ليس لهما مكان في ظاهر هذا العالم بمعني انّ هذا الظّاهر متغيّر بالتّصفية و انّما مكانهما فيه بعد التصفية كما يقال اَنَّ هذا هو مراده لكان صحيحاً و لكنه يلزمه مساواة الاشياۤء قبل التّصفِية و بعدها في الافتقار الي المدد في بقاۤئها و ان كان كلٌّ بنسبته في التّحقق و لمّا جعل المجردات القادسة باقية ببقاۤء اللّه تعالي لا بابقاۤئه و جعل اهل

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 730 *»

الجنّة عليّين و انّ ما وَصل هناك كلّه من الجبروت و الملكوت و اَخْرج الملك من عالم الاخرة قلنا عليه ما سمعتَ و عباراته موهمة لخلاف ما قلنا و لكن اذا تَتَبّعْتَ كتبه رأيتَ انّه قاۤئل بما نسبنا اليه و اعلم ان الجنان المحسوسة كل جنّة فوق سماۤءٍ و في خلال ما فوقه فالجنّة السفلي فوق السماۤء الدنيا السفلي و في خلال الثانية و الجنّة الثانية فوق السماۤء الثانية و في خلال الثالثة و الجنّة الثالثة فوق السماۤء الثالثة و في خلال الرابعة و هكذا الي الجنة السابعة فوق السماۤء السابعة و في خلال الكرسي و الثامنة فوق الكرسي و في خلال العرش و ذلك مثل ما كنا الأن فوق الارض و في خلال الهواۤء فكلّ جنّة فوق سماۤء و اليه الاشارة بقوله لاتفتّح لهم ابواب السماۤء و لايدخلون الجنّة و قد تقدم ان السموات و الارض يبدّل و تكشط و ان معني كشطها و تبديلها تصفيتها و ان اهل الجنّة المحسوسة علي ارضٍ تقلّهم كما قال تعالي حكاية عنهم و قالوا الحمد للّه الذي صدقنا وعده و اورثنَا الارض نتبوّء من الجنةِ حيث نشاۤء و تحت سماۤء تظِلّهم كما في الحديث ان الجنة ارضها الكرسي و سقفها عرش الرحمن و قوله و لكن لهما مظاهر في هذا العالم بحسب نشأتهما الجزئيّة اي للجنان و النيران المحسوستان مظاهر في هذا العالم و هذا صحيح و امّا قوله بحسب نشأتهما الجزئيّة ليس علي اطلاقه بصحيح لانّ المحسوسة جزئيّة ( و العقلانية ليست بجزئية لا في الدنيا و لا في الاخرة ) في النشأة الاخرة كما في الدنيا و ما سمعتَ من ان المؤمن اذا اخذ الحوريّة او الرمانة من غصنها نبت مكانها غيرها بحيث لايخلو مكانها من بدلها فانه احداث بَدَلِها من امكانه منها و مثاله في الدنيا اِذَا اشْعَلْتَ سراجاً من سراجٍ فانه يكون عندك سراجٌ كالاوّلِ و الاوّل علي حاله و ان اراد بذوات المظاهر الجنان المعنويّة او الاعم اتّجه بعض معاني كلامه علي اصطلاحهم في الجزئي و الكلّي بمعني ان هذا المظهر فيه شي‌ء من الجنان المعنويّة يظهر اثره في الدنيا بلذّة الاقبال علي اللّه و لذّة مناجاته و انشراح الصدر بالاسلام و برد القلب بالايمان وَ حُبّ المعرفة في الفؤاد

و قوله صلّي اللّه عليه و اله ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنّة لَهُ مَعْنيً ظاهر

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 731 *»

كما اَشَار اليه المصنف و معنيً باطن بَيَّنَه الصّادق عليه السلام بما معناه المراد من القبرِ علي بن ابي‌طالب عليه السلام و من المنبر القاۤئم عليه السلام عجّل اللّٰهُ فَرَجَهُ وَ ما بَيْنَهُمَا الاَئِمّة عليهم السلام و هم الروضة الّتي اشار اليها صلي اللّه عليه و الِه۪ و اَمّا جَنّة القبر و كونه روضة من رياض الجنة اعلم ان الجنة جنتان جنة الدنيا و جنة الاخرة اما جنة الدنيا فهي بعينه جنة الاخرة لكن بعد الكسر و الصوغ و التصفية و التلطيف فالجنة التي في الدنيا هي المسماة في القران و من دونهما جنتان و لهما مظاهر في الاراضي الطيبة و الاشجار الطيبة كما ان نار البرزخ في الارض و لها مظاهر في الاراضي الخبيثة الدنياوية و في الاشجار و ساير الاعراض فنسبة الاراضي اليها نسبة الاعضاء الي الروح فانها في مقام الروح لهذه الدنيا فافهم ، كريم .
و كونه حفرةً من حُفَر النَّارِ فالمراد بهذه الجنّة الّتي قبر المؤمن روضة منها جَنّة الدُّنْيٰا التي هي المدهاۤمّتان وَ النَّار الّتي قبر المنافق حفرة من حُفَرِها نار الدّنيا الّتي في المشرق و هذه المواضع اعني مواضع الجنّة و مواضع النّار من جنّة الدّنيا و نار الدّنيا بمنزلة الاعضاۤء من الانسان اي من جسده او روحه فافهم و مثل ما روي انّ في جبَل اروند عَيْناً من عيون الجنّة و ما روي عن ابي‌جعفر عليه السلام انَّ لِلَّهِ جنّةً خلقَها في المغرب وَ مَاۤءُ فراتِكُمْ هٰذِهِ يخرجُ منها و روي انّ الفرات و النّيل و سَيْحان و جَيْحان تخرُج منها و الاحاديث في ذلك كثيرة و هذه الجنّة اعني جنّة الدُّنْيَا التي هي جنّة ادم (ع‌) المدهاۤمّتانِ كما مر في الاقْليم الثامن عند مغرب الشمس اسفلها علي محدّبِ الفلك الاطلس رتبةً لا مكاناً اذ لا مكان و لا شي‌ء خارج فلك المحدّد لان جميع الاكوان غيبها و شهادتها فيه

و ما ثبت ان هذه الانهار الاربعة تجتمع من الامطار و السيول من الجبال و من ينابيع تجري من الاَرْضِ لاينافي كونها خارجة من الجنّة فان الملاۤئكة حملت تلك المياه الاربعة اغترفتها من البسملة فماۤء الفرات غرفته ملاۤئكة الماۤءِ ماۤء من ميم بسم من بسم الله الرحمن الرحيم و ماۤء سيحان اغترفته ملاۤئكة اللبن من هاۤء الله ماۤء و ماۤء جيحان اغترفته ملاۤئكة العسل ماۤء من ميم الرّحمن و ماۤء النّ۪يل اغترفته ملاۤئكة الخمر ماۤء من ميم الرحيم و هذه الانواع الاربعة من الملاۤئكة اَلْقَتْ ما اغترفته علي الرياح و الرياح القته علي السحاب و السحاب القاه علي الارض فمنه ما سلكه ينابيع في الارض

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 732 *»

و منه علي الجبال فسالت السيول و نبعت العيون و جرت المياه الاربعة في الانهار الاربعة المذكورة فجري ماۤء الفرات من ماۤء الميم و هو الماۤء في انهار الجنّة يوم القيمة و جري ماۤء سيحان من لبَنِ الهاۤء و هو نهر اللبَن في الجنّة يوم القيمة و جري ماۤء جيحان من عسل ميم الرّحمن و هو نهر العَسل في الجنّة يوم القيمة و جري ماۤء النيل من خمر ميم الرحيم و هو نهر الخمر في الجنّة يوم القيمة و ما سمعت من هذا التّفصيل اخذناه كله من معاني الاخبار الواردة عنهم عليهم السلام علي سبيل الاقتصار و اما برهوت فهو وادٍ من اودية جهنم في حضرموت من اليمن و في برهوت عين يسمي ببلهوت و تلك البئر احرّ ماۤءٍ علي وجه الارض تأوي اليه الهام و ارواح الكفار تعذّب فيه الي قيام الساعة و تصدر تلك الارواح الخبيثة الي النار التي في المشرق عند مطلعِ الشمس و فيها يعذّب قابيل ابن ادم و قد وكِّلَ به عشرة رجالٍ اذا مات احدهم قام غيره مقامه يصبّون علي قابيل في الشّتاۤء الماۤء البارد و في الصيف الماۤء الحاۤرّ و هكذا الي يوم القيمة و قد تقدّم فيما ذكرنا سَابِقاً مَعَ هٰذَا ما فيه توفيق بين ظواهر الاخبار و بين المعروف عند الناس .

قال } و العجب من عاقل يشكّ في النشأة الاخرة و الجنّة و النار المحسوستين و لايشكّ فيما يراه في المنام و ايضا الدنيا و الاخرة داخلتانِ تحْت مقولة المضاف لان احدهما مأخوذة من الدنو و الثانية من التأخر و هما حالتان للانسان ادناها الدنيا و الاخري الاخرة و المتضاۤئفان يعرفانِ معاً فمن لم‌يعرف الاخرة و لم‌يصدّق بوجودها بالحقيقة ماعرف الدنيا ايضا كما قال و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكّرون و كذلك اني لاعجب قول المصنف هنا و كذلك اني لاعجب الي اخر ينافي قوله في القواعد المتقدمة في اول الكتاب فانه قال ان مبدءها جسماني ثم تترقي شيئا بعد شي‌ء الي ان تفارق البدن اذا اشتدت و كذلك الشيخ اعلي الله مقامه لم‌يتعرض لاختلاف القولين فتدبر ، كريم .
من اكثر الفلاسفة و اتباع ارسطاطاليس كابي‌علي و من يحذو حذوه حيْث انكروا غاية الانكار ان للنفس كينونةً اخري قبل البدن مع اعترافهم انّ لها كينونةً و بقاۤءً بعد البدن و من هذا

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 733 *»

القبيل من يشكّ في حشر هذه الاجساد و عودها الي الاخرة و يقول اين تذهب هذه الاجسام بعد خراب الدنيا و لايشكّ في حدوثها و لايقول من اين جاۤءت هذه الاجسام { .
اقول تعجّب المصنّف من عاقل له بصيرة في العلوم و الحكمة يتوقّف في شي‌ء من احوال الاخرة مذكور عند اهل الملَلِ و في الجنّة و النار المحسوستين و لايتوقّف و لايشك فيما يراه في المنام في انه رأي اشياۤء في نشأةٍ غيرِ نشأةِ يقظتِه۪ حتي انه رأي من ماتَ من اسلافه و احوالهم الماضية كما هي قبل ذهابها فانّ العاقل العارف يستدلّ بعودها في المنام بعد ذهابها علي عودها بعد ذهابها يوماً لانّ عودهم في المنام بعد عدمهم و فقدانهم دليل لمن له قلب ممّن يشاهد ما غاب عنه عياناً فيما حضر عنده او القي السمع و هو شهيد اي استمع ممّن له قلب و هو حاضر القلب مُصْغٍ اصغاۤءَ تفهّمٍ قد اجتمع قلبه لذلك و هما اللذان ينظران بالفُؤادِ و يستدلّانِ بدليل الحكمة و لقد روي ما معناه انّ نبيا من انبياۤء الله دعا قومه الي عبادة الله و الاقرار بالتوحيد و العدل و النبوة و الايمان باليوم الاخر فانكروا البعث و قالوا ان كنتَ صادقاً فائتِ بٰاباۤئِنا الذين ماتوا فالقي اللّه عليهم المنام و الرؤيا فرأوا آبٰاۤءهم احياۤء و تلاقوا معهم في المنام و تعارفوا فاستدلّوا بذلك علي البعث فنبّه صلي الله عليه و اله علي عموم جهات الاستدلال بذلك فقال كما تنامون تموتون و كما تستيقظون تبعثون و قوله الدنيا و الاخرة دٰاخلتان تحت مقولة المضاف يريد ان الدنيا انّما سُمِّيت دنيا من الدنو و هو القرب و ذلك يستلزم ضدّه و هو التأخر فالدنيا يعني المدّة الدنيا او الحالة الدنيا او النشأة الدنيا تستلزم المدة الاخيرة او الحالة الاخيرة او النشأة الاخيرة فاذا لوحظ في النشأة الاولية ان بعدها نشئٰاتٍ تُنسَبُ الي الاولية قيل النشأة الاولي بصيغة التفضيل لان بعدها احوالاً كالشيب بعد الشباب تكشف له عن وجوه العِبَرِ فكالبرزخ و كالرجعة و قيام الحجة عليه السلام عجل اللّه فرجه وَ اذا لُوحِظ انه ليس بعد يوم القيمة حالة ترجَي غير ما كان اتي بصيغة التفضيل فقيل النشأة الاخري و لا ريب ان تسميتهما من مقولة

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 734 *»

المضاف كما اشار اليه المصنف فمن عرف ذلك مؤمناً به اعترف بالاخرة علي حدّ ما مُثِّل له و عاينه من النشأة الاولي و من ذلك كمثل حبّة انبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مائة حبةٍ و الله يضاعف لمن يشاۤء و الله واسع عليم ضرب مثلا لمن انفق ماله في سبيل الله و قوله فمن لم‌يعرف الاخرة و لم‌يصدّق بوجودها بالحقيقة ماعرف الدنيا صحيح و يؤيده قوله تعالي و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون فانه تعالي عتب علي من علم النشأة الاولي و لم‌يتذكر فيعرف بها النشأة الاخري قال تعالي قل سيروا في الارض اي اقرأوا القرءان و تدبّروا اياته او انظروا في الافاق و تدبّروا فانظروا كيف بَدأَ الخلقَ ثمَ الله يُنشئ النشأة الاخرة و مااعمي البصاۤئر عن الاخرة الّا حبّ الدنيا كما قال تعالي يعلمون ظاهراً من الحيوة الدنيا و هم عن الاخرة هم غافلون ، و قوله و كذلك و اني لاعجب من اكثر الفلاسفة و اتباع ارسطاطاليس الخ ، يريد اني اعجب من انكارهم وجود النفوس قبل الاجسام علي نحو ما تقدمت الاشارة اليه مع اعترافهم بوجودها بعد الاجسام و ما هذا الّا مثل من انكر النشأة الاخري او شك فيها و هو يري النشأة الاولي فان ثبوت كينونتها بعد البدن دليل علي ثبوت كينونتها قبل البدن و عجبه في محلّه في حقِّ مَنْ يَدّعي العلم و كذا قوله و من هذا القبيل من يشكّ في حشر هذه الاجساد و عودها الي الاخرة الخ ، فان مَن عرف هذه الاجساد في الدنيا و من اين اتت فانها لم‌تكن شيئا ثم جعلها بمشيته شيئا مذكورا و لم‌تكن مذكورة قبل مشيّته بحالٍ فمن جعلها بمشيته شيئا لا من شي‌ء قادر علي ان يعيدها و هو اهون عليه اي هيّن عليه و له المثل الاعلي في السموات و الارض و للمصنّف في هذه الكلمات الاخيرة اغلاط عظيمة ذكرنا بعضها فيما تقدم منها انّ قوله من اين جاۤءت لايريد بها انها جاۤءت اختراعا لا من شي‌ء بل يريد انها انحطّت من وجوهها التي في ذاته الازلية انحطاط الظل من الشاخص لانه يقول معطي الشي‌ء ليس فاقداً له في ذاته و علي قوله يكون انحطاطها عنه ولادة فلايصح ان يقال لم‌يلد بل يلد و لو

 

«* جوامع الکلم جلد 4 صفحه 735 *»

قال انه ليس فاقداً لها في ملكه لكان موحِّداً قاۤئلاً بقول المسلمين و لكن ضاع الكلام فلا كلام و لا سكوتٌ مُعجِبُ .