04-02 جواهر الحکم المجلد الرابع ـ شرح اربعين حديثا ـ مقابله

شرح اربعین حدیثا

 

من مصنفات السید الاجل الامجد المرحوم الحاج

سید کاظم بن السید قاسم الحسینی اعلی الله مقامه

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 277 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله الظاهر لخلقه بخلقه المحتجب عنهم بهم في مستسرات حجب الغيوب القريب المتداني في علوّ ارتفاع بعده بلا حيث فعميت عن ادراكه القلوب القاهر سلطان جبروته شوائب الكثرات و الاضافات في كينونة الوجود و الوجوب الدائم الثابت الباقي الازلي الاحدي فكل شيء دون جلال جمال بهاء ذاته اعدام و سلوب و الصلوة علي اول ظاهر باول ظهور في عين كينونة استتار ذاته بغيب الغيوب كيف لا و هو السر المقنع بالسر المستسر به في الحجاب الابيض الاول الاعلي غاية كل مطلوب النور الالهي و الفيض الابداعي الازلي الثانوي الذي استخلصه الله في القدم علي ساير الامم فعنده كل مرضي و مرغوب صلي الله عليه و آله ذوي الجنان الصاقورة الذائق روح القدس من حدائقهم الباكورة النابتة في ارض الجرز البلد الطيب من تلك الحبوب الاصل و الاسطقس لكل مبرو‌ء و مذروء فبهم سكنت السواكن و تحركت المتحركات و اليهم كل شيء يؤوب و لعنة الله علي اعدائهم و مخالفيهم ما تهوي اليهم الافئدة و تسكن عندهم القلوب.

اما بعد فاعلموا يا اخواني الروحانيين و اخلائي الايمانيين انكم ماخلقتم عبثاً و ماتركتم سدي و انكم مطلوبون لامر عظيم و مسؤولون عن خطب جسيم و ما اوتي بكم الي هذه الدنيا لتشتغلوا بزخارفها و تلتفتوا الي زينتها و زبرجها و تعتكفوا باكلها و شربها و لبسها و قد ترون باعينكم ان كنتم تبصرون و تفهمون بقلوبكم ان كنتم تفقهون ان مآل اكلها و شربها اما الي عذرة مذرة اردي ما عندكم من يشتغل بها و يجعلها الي ما يحصل منها لذيذ المآكل او الي جيفة قذرة منتنة مسلوبة النفع لايطمع فيها الا الكلاب الاراذل فبئس ما يؤول اليه امر الاكل و الشرب و حاشا ربي ان‌يجعلهما غاية للايجاد و يصيّرهما علة للانوجاد و انما العناية الالهية فيهما حفظ ما يظهر به النور الخفي و السر الجلي العلم الالهي

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 278 *»

الذي هو العلة الغائية في الخلق و الانخلاق و به يصل الي مايصل اليه الانسان اذ التفت الساق بالساق و جاء يوم التلاق الي ربك يومئذ المساق، فخذوا منهما بقدر الحاجة و هو سد الجوع اعلموا يقيناّ ان الجوع غذاء الروح و قد قال مولانا اميرالمؤمنين عليه‌السلام في تحصيل اشرف ما يتحلي به الانسان من الكمالات الالهية فيما ينسب اليه عليه‌السلام:

اري العلم في ذل و جوع و محنة                       و بعد عن الآباء و الاهل و الوطن

و يكفيك فعلهم مصدقاً لقولهم صلي الله عليهم و ازيد من مقدار الحاجة تجيئ مضاهئة الحيوانات و البهائم و الحشرات فتكون موجوداً بما انت حيوان دون ان‌تكون موجوداً بما انت انسان.

و بالجملة ما جئتم في هذه الدنيا متوطنين بل مسافرين فتزوّدوا لوطنكم و استعدوا للرحل الي مقركم فانكم كنتم في فضاء وسيع و محل فسيح اراد الله تعالي ان‌يكملكم و يتم ما لاجله خلقكم و يريكم آياته و يشهدكم شواهد صنعه و ملكه لتشرفوا بالعلوم و لايحجبنكم الرسوم فتصلوا الي ما تسألون بعد ان كنتم تعلمون اذ لولا العلم لم‌تحصل اللذة المطلوبة و لولا المسافرة لم‌يحصل العلم لكونه لايحصل الا بالمعلوم فمن هذه الجهة نوديتم بالادبار لكن بشرط ان لايحجبنكم الاغيار فان الاغيار يستلزم الاكدار و لذا كان الادبار عين الاقبال و اليه يشير ما قال مولانا الحسين سلام الله عليه في دعاء عرفة الهي امرتني بالرجوع الي الآثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شيء قدير فالمسافر لاينسي الوطن و الا لم‌يكن مسافراً هفـ و علامة ذلك ان لايشتغل بتعمير منزل من منازل سفره و بناء الابنية المحكمة فيها اذ لايفعل ذلك الا سفيه جاهل باطل او من لايحب الوطن و لايريد المسكن بل يجعل المنزل موطناً لكن سيساق الي موطنه و يؤدي الي مسكنه و يوقف موقفه فينادي بلسان التوبيخ ا فلم‌تكونوا اقسمتم من قبل ما لكم من زوال و سكنتم في مساكن الذين ظلموا انفسهم فيقال لهم اذهبتم طيباتكم في حيوتكم

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 279 *»

 الدنيا و اطمأننتم بها فـاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون علي الله غير الحق و كنتم عن آياته تستكبرون و من هذه الجهة قال عليه‌السلام حب الوطن من الايمان فبين ان الذي لايحب الوطن فليس فيه من علامة الايمان شيء و الدنيا آخر منزل من منازل سفركم و عن قريب ترتحلون و تنتقلون الي اول بيت من بيوت الوطن فلاتشتغلوا فيها بما لاينفع لوطنكم فانها من مزرعة الآخرة فلايغرنكم زينتها و زبرجها و لايحجبنكم غرورها و زخرفها فانها علامة الساكنين المتوطنين الاموات المدفونين في قبور طبايعهم و عاداتهم حيث يقول الله سبحانه الهيكم التكاثر حتي زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم آه واغفلتاه من اعمار صرفناها في زخارف الدنيا آه واسوأتاه كم سلكنا مسلك الجهل في متابعة الهوي آه وا اسفاه من اوقات ضيعناها فيها و لم‌نسلك فيها مسلك التقي آه وا خجلتاه كم عصينا ربنا في متابعة النفس و الهوي لكن يا اخواني زمن الربيع لم‌يفقد من العالم و انكم واردون علي رب كريم فلاتاسوا علي مافاتكم و لاتفرحوا بما آتاكم و اجتهدوا ان لاتضيعوا مستقبل اوقاتكم و اسألوا الله من فضله التوفيق و السداد و العصمة و الهداية و الرشاد فانه سبحانه تعبدكم بذلك و دعاكم لما هنالك و قال عز من قائل و اسئلوا الله من فضله، انه كان بكم رحيماً و ليس من صفاته ان‌يامر بالسؤال و يمنع العطية و هو الذي انعم قبل الاستحقاق و اعطي و رزق قبل الاسترزاق و اعلموا ان اوقاتكم و ساعاتكم ثلاثة ساعة ماضية فلاتلحقكم فلاتشتغلوا بها بالاسف و الفرح فان الاول يورث الحزن المنهي عنه و الثاني يورث الغضب و السخط و ساعة مستقبلة فلاتدرون بم تلاقها و ساعة حاضرة و هي التي تنفعكم و تصحبكم و ترافقكم فارفقوا بها لئلا تفارقكم و هي شاهدة عليكم بالسوء فان انفاسكم معدودة و لحظاتكم و خطراتكم محدودة، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرة شراً يره، الا ان ربكم متفضل بالاعطاء و جواد بالعطية و الحباء فاتوه بالذلة و المسكنة و اعترفوا بالفقر و الفاقة‌ و تقربوا اليه بالعجز و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 280 *»

الضعف و الانابة فانه يرحمكم و يمدكم و ينصركم و يذكركم و يثبت اقدامكم انه ذو الفضل العظيم و المن الجسيم و انه ارحم الراحمين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم.

و اعلموا يا اخواني انه لا خير الا بيد الله و لا حق الا من عند الله و لا حول و لا قوة الا بالله يا ايها الناس انتم الفقراء الي الله و الله هو الغني فلا كمال الا من عنده و لا خير الا بيده و لا رغبة الا فيما لديه و لا توكل الا عليه و لا ركون الا اليه و لا ملجأ و لا ملاذ الا هو و لا طاقة الا به و لا حكم الا له كلكم صائرون الي حكمه و اموركم آئلة الي امره فانا لله و انا اليه راجعون، فانقطعوا اليه و التجأوا به و توكلوا عليه و ارغبوا فيما لديه و اعرضوا عن كل ماسواه و اقطعوا كل ما عداه و لاتنظروا الي الاسباب و لاتجمدوا عليها يا اولي الالباب فانه سبب عادم السبب و مسبب الاسباب من غير سبب فانه شيء بيده و هو القادر القاهر علي اهل مملكته فلاتطلبوا الا منه و لاترغبوا الا اليه فان طلب المحتاج الي المحتاج سفه من رايه و ضلة من عقله فكم قد رأيت من اناس طلبوا العز بغيره فذلوا و راموا الثروة من سواه فافتقروا و حاولوا الارتفاع فاتضعوا اليس الله بكاف عبده بلي فان من يتق الله يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لايحتسب و من يتوكل علي الله فهو حسبه ان الله بالغ امره قد جعل الله لكل شيء قدراً، فاسمعوا يا اخواني و عوا فسيذكرون ما اقول لكم و افوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد جعلنا الله و اياكم ممن توكل عليه و انقطع اليه و طلب ما لديه فانه علي كل شيء قدير و ما ذلك عليه بعزيز.

و اعلموا ان الله سبحانه واحد احد صمد لايدخل فيه شيء و لايخرج منه شيء و لايساويه شيء و لايدانيه شيء و لايعادله شيء و لايضاده شيء و لايناده شيء و لا هو كشيء و لا لشيء و لا من شيء و لا علي شيء و لا في شيء و لا عن شيء و لا منه شيء و لا عليه شيء و لا فيه شيء و لا بشيء و ليس كمثله شيء و لايشابهه شيء و لايماثله شيء و لايجاوره شيء و لايساوقه شيء و لايحاويه شيء و لايناسبه شيء و لايعانده شيء بل هو الفرد القديم الازليّ

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 281 *»

الابديّ الذي حارت العقول في بيداء كبرياء جلال عظمته فضلاً عن ادراك جمال بهاء وجهه و انقطعت الافئدة دون السير في مجالي مظاهر اسمائه المستقرة في ظله فضلاً عن اتصال ذاته و اكتناهه و مشاهدة قدسه و علاه فما ظنكم بساير المشاعر و المدارك تعالي ربي و تقدس عن مجانسة المخلوقين المصنوعين و عن مناسبة المقدورين المربوبين فلايعرف و لايدرك و هو هو فلايعلم ما هو الا هو فانقطع السبيل و ضل الدليل و عدم الكثير و القليل فتباين المناسب و خابت المآرب و وقف كل طالب و راغب فانتفي الاتصال فلاجواب في محل المقال فمن اين تطلب الوصال و الي مَ القيل و القال و حتي مَ المراء و الجدال تنبّه لعلك تقول اذن كيف ما امرتنا به سابقاً من الرغبة الي الله و طلب ما لديه و الانقطاع اليه و تحصيل ما عنده اليس هذا طلب المحال و الخلاف في المقال لكني اقول الامر كما ذكرت و الحكم كما وصفت الا انه تبارك و تعالي لطفاً منه و تحنناً و تفضلاً علي عباده و تعميراً لبلاده خلق اناساً اقوياء امناء نجباء فاصطفاهم و اختصهم و اجتباهم و من الرذايل الامكانية وقاهم و كل حق و خير حباهم و كلما سألوه اتاهم بحقيقة ما هم اهله لان الله تعالي اعلم حيث يجعل رسالته فجعلهم خزنة لعلمه و حفظة لسره و قيماً بامره و اركاناً لتوحيده و شهداء في عباده و مناراً في بلاده و اشهدهم خلق السموات و الارض فاتخذهم اعضاداً لخلقه و امناء في بريته و باباً لحكمته و نوراً و انواراً لاهل طاعته و باساً لاهل طغيانه و عرشاً لاستوائه و نوراً لاحتوائه و حافظاً و حفظة لوحييه [لوحيه ظ] التكويني و التشريعي فجعلهم مبدأ لكل خير و اصلاً لكل حق و اساساً لكل صدق ان ذكر الخير هم اصله و فرعه و معدنه و ماويه و منتهاه فجعل عندهم كلما اراد الحق سبحانه او يصل الي الخلق حيث كانوا ابواباً لفيوضاته و امداداته الي انفسهم و الي الخلق من احكام الخلق و الحيوة و الموت و الرزق بوجهيه الكوني و الشرعي و ابواب الخلق الي الله سبحانه في تصعيد اعمالهم و اعطاء كل ذي حق من المراتب الكونية و الشرعية حقه و سوقهم الي كل مخلوق رزقه و هم القوام في البلاد و عين الله في العباد و وجهه الي طريق

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 282 *»

الرشاد و هم عناصر الابرار و دعائم الاخيار و ذات الذوات و الذات في الذوات للذات و هم الخزائن الغيبية التي مفتاحها عند الله سبحانه و هم البيوت التي اذن الله ان‌ترفع و يذكر فيها اسمه و هم العباد المكرمون الذين لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون.

و حيث كان الحق سبحانه و تعالي كما وصفت لك من علو ذاته المقدسة عن ان‌يصل اليها شيء او يخرج منها شيء او يدخل فيها شيء خلق الخلق كرماً و جوداً و جعل كلما يحتاج اليه المخلوقات الممكنات باي نحو منها ذواتها و صفاتها و جواهرها و اعراضها و علوياتها و سفلياتها و ملكوتها و ملكها و افلاكها و عناصرها و اضافاتها و ارتباطاتها و اقتراناتها و جهاتها و حيثياتها و اعتباراتها و كلما لها و بها و منها و اليها و فيها و عنها مما يحتاجون اليه في اصل الخلقة و في اصل الدوام و البقاء و اسباب الترقي و التوقع و التنزل و التسافل و الامداد و الافاضة في المواد و الصور و غير ذلك عند تلك الحقايق المقدسة التي هي في الحقيقة شيء واحد و حقيقة واحدة و خزنها عندها و هي الخزانة الاولية للشيء من الخزاين في قوله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزائنه فيفيض الحق سبحانه من تلك الخزائن المنشعبة من الخزينة العليا علي المستحقين و السائلين الطالبين المحتاجين ما يربها (كذا) فقرهم في ابقائهم لا في اصل ذواتهم فانها فقير لايربها (كذا) شيء بتسخير الملائكة المسخرات و تدبير المدبرات و حفظ المعقبات و كل ذلك بيد الله سبحانه لاستقلالهم في انفسهم و لا في شيء مما هم عليه و لذا قال تعالي عباد مكرمون الي ان‌قال و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين و المراد بادعائهم الالوهية النظر في انفسهم من جهة الاستقلال و التذوت و انا في هذه الافعال مستقلون لادعاء الربوبية الظاهرة كما اتفق لفرعون و احزابه و هذا معني التفويض الصحيح الواردة في الاخبار المتكثرة فاين امرك في هذه المذكورات علي حد ما قال الله تعالي و بينه في القرآن لمن يعقل و يفهم من الآية المتقدمة عباد مكرمون الي آخرها و من قوله تعالي انا لنحن نحيي و نميت و نحن الوارثون و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 283 *»

قوله تعالي قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم و قوله تعالي الذين تتوفيهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم الآية، فاذا عرفت وجه الجمع بين هاتين الآيتين علمت معني التفويض الحق و الباطل فكل شيء خاضع لله و خاشع له منقاد لامره و نهيه و كل شيء بيده و كل خير و حق من عنده و كل مطلوب و مرغوب لديه لا اله الا هو لكنه ليس في ذاته كما زعمه بعض الضالين المضلين تعالي ربي و تقدس بل انما هو في ملكه و خلقه و خزائنه الغيبية و الشهودية فاذا اقلبت (اقبلت ظ) اليه تعالي و طلبت ما لديه بقلب خاشع و جنان خاضع و انقطعت اليه يفتح لك باباً من تلك الابواب فيفيض عليك من رحمته الواسعة و المكتوبة ما يناسب مقامك و يليق مرتبتك و اضعاف ما سألت و طلبت و يزيدك من فضله انه متفضل كريم و جواد حليم.

ثم اعلموا يا اخواني بلّغكم الله اقصي الاماني انه لاسبيل الي ان‌يكون فعل الحق الحكيم القادر العليم الغني الكريم خالياً عن الفائدة و الغرض و لايدعيه الا من في قلبه مرض و لا سبيل الي ان‌يكون الفائدة عائدة و راجعة الي ذاته سبحانه لتعاليه عن الاستكمال و تقدسه عن الاهمال فتعين عودها الي المخلوقين المربوبين المصنوعين الفقراء المحتاجين و لما كان الانتفاع هو الامر الثانوي المترتب علي اصل الخلقة و الحقيقة و ان كان علي حد المساوقة و مقدماً من حيث العلم و المقصودية و تأملنا في الثواني الراجعة الي الاوايل و المترتبة عليها رايناها بين الامرين اما كمال او نقصان او نور او ظلمة او خير او شر او لذة او شدة و الثواني كلها باطلة لا سبيل للحق اليها فتعين الاوايل صارت غاية الايجاد و الانوجاد و فائدة الخلق و الانخلاق هو تحلي المخلوقات بالكمالات و ترقيهم بها الي الدرجات و لما كان المقتضي لايترتب اثره الا بعد رفع الموانع فوجب التخلي و التنزه عن النقايص و عن ارذال الصفات و سوء القابليات و لما كان فعل الحق القادر الحكيم الغني العليم يجب ان‌يكون علي احسن ما يتصوره الانسان بحيث لايقول احد لامتناعه فيه لو كان كذا لكان احسن ارتفعت الموانع و الا يلزم ترجيح المرجوح المنافي لحكمة الحكيم و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 284 *»

كان الايجاد لايتصور الا علي امرين اما بالاجبار و الاضطرار و اما بالعناية و الاختيار و الاول لايليق بالاختيار لمن له اعتبار و في دقايق الامور اختبار فتعين الثاني لكونه اشرف المباني و اعلي المعاني و به ينال اقصي الاماني ما فطرهم علي الكمالات التي خلقهم لاجلها و ان كان فطرهم عليها بالجعل فيهم ما اذا طلبوا وجدوا و اذا سئلوا اجابوا و اذا نظروا ابصروا و اذا التفتوا (ظ) طلبوا و هو من معاني قوله عليه‌السلام كل مولود ولد علي الفطرة لكن ابواه يهودانه و ينصرانه و في بعض الروايات و يمجسانه، فجعل الحق سبحانه و تعالي في الخلق سيما في الانسان المكرم المقدم علي كل مخلوق و مذروء و مبروء مادة كل كمال و اصل كل بهاء و جمال و سبب كل بينونة و اتصال و علة كل ميل و اقبال الذي به يصل ما يصل اليه الانسان من المراتب و الدرجات و به يرقي اقصي المقامات و به يسفل الي ادني الدركات و يتصل بارذل النكبات و ذلك هو العلم اذ هو الحيوة الاصلية لكل الكمالات بل السعادة الابدية لكل من في الارضين و السموات فما وصل احد الي مقام الامن الا من جهة العلم و مابلغ شخص الي رتبة و كمال الا بالعلم و ماحاز حسناً و جمالاً الا بالعلم و مانال مقصداً و مراماً الا بالعلم و ما ادرک قرباً و مقاماً الا بالعلم و ما تنبي نبي الا بالعلم و ما ارسل رسول الا بالعلم و ماتقرب ملك الا بالعلم و ما امتحن مؤمن الا بالعلم و ماطرد فاجر و فاسق الا بالعلم، فمراتب الموجودات ذوي الشعور و الاختيار انما تعالت و تسافلت و تلطفت و تغلظت و جلّت و دقت و اشرفت و اختلفت و ائتلفت و تصاغرت و تكبرت بالعلم و بيان هذه الجملة علي التفصيل حسب وسعي و طاقتي و لا حول و لا قوة الا بالله يجيء فيما بعد ان‌شاء الله تعالي سبحانه من حليم كريم خلق من غير استحقاق و جاد بالانفاق من غير استرزاق و وفق للكمال و دل علي الوصال و من هذه الجهة تكثرت الروايات بل و تواترت في شرافة العلم و فيضلته و نبالة مكانه و محله و هي كما علمت للعلم من حيث هو هو لا من حيث المعلوم الخاص كما توهمه جماعة الا ان الكلام الحق الرافع للاختلاف الباعث للايتلاف و وجهه حرمة بعض العلوم و وجوب الاعراض عنها مع شرافة حقيقة

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 285 *»

العلم يجئ ان‌شاء الله تعالي في احدي مقامات هذا الكتاب فترصد.

ثم اعلموا يا اخواني ان كل شريف صعب المنال و كل عظيم عزيز الوصال و منيع الاتصال و كثير الطلاب و عظيم الآداب و قليل الاصحاب و نادر الاحباب لم‌يكثر طلابه و لكل مقصد و يزيد اصحابه و لكل مطلب و ان كان مخالفاً لما هو لاجله فان من قرب السراج استنار و ان‌كان يبغضه و الشريف الكامل في الشرافة ينتفع منه كل احد باغراضهم المختلفة و من الناس من يكتفي بالاسم و منهم من يكفيه الرسم و من هذه الجهة تري العلم قد كثر طلابه و تزايدت خطّابه و توفرت منتحلوه و تكثرت حاملوه لكن من جهة عظم شانه و نبالة مكانه و مطلوبيته الحقيقية و مرغوبيته الرافعية له شرايط و آداب و لوازم و اسباب و متممات و مكملات و مقومات و مقتضيات و طريقة انيقة و دقيقة لابد من رعايتها و حقيقة خفية شريفة لابد من ملاحظتها اذ كلما يكثر شرفه و مقداره و يعلو مقامه و اعتباره تزيد شرائط الوصول اليه و تبعد مسافة الاتصال به اذ الظهور لايكون الا في مقام الصعود و الفعل بعد النزول و القوة فكل ما هو اعلي مرتبة و اسني درجة لايظهر الا بعد ظهور المراتب التحتية المتحققة فلاتصل اليه الا بعد قطع تلك الدرجات فكلما الاعلي فالاعلي و الامثل فالامثل و لذا تري الدرجة الحيوانية و المرتبة الانسانية و المنزلة الالهية الملكوتية لاتظهر الا بعد تمام مرتبة النطفة و العلقة و المضغة و العظام و اكتساء اللحم ثم الانشاء الخلق الآخر الذي هي المرتبة‌ الاولي ثم حتي يبلغ الشخص ليظهر المرتبة الثانية في اغلب الاحوال ثم الي اربعين سنة ليظهر المرتبة الثالثة في الامام المعصوم عليه‌السلام و هذا تمثيل يمكنك تستخرج منه حقيقة الامر فيما ذكرناه و كذلك العلم فانه اشرف الدرجات و المقامات في المراتب الوصفية و الدرجات الثانوية فتكثرت شرائطه و اسباب وجوده و متممات ظهوره و مكملات شروقه و مقومات بقائه و استمراره و مقتضيات وجوده و طريقة طلبه و تحصيله و الحقيقة المخفية التي هي لبه و اصله و اسه و اسطقسه و حيث كانت الطلبة ذات اغراض مختلفة و ميولات متشتتة و اذهان و عقول غير مؤتلفة و اوهام و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 286 *»

تخيلات غيرمتحدة فما راعوه حق رعايته و ماسلكوه حق مسلكه و ما اتوا البيت من بابه و ما جاؤوا بشرائطه و آدابه فاختلّت عليهم الامور فاخذ ذلك البناء المحكم المتقن في الانهدام و الدثور فتشعبت طرق العلم و اختلفت سبله و ظهر في كل حسب ما اتي به من الشرايط و الآداب الصحيحة او السقيمة، المستقيمة او المعوجة فاخذ نصيباً من ذلك المقابل حسب مرآة ذاته و حقيقته او كسبه و طلبه فمن اتي بالمرآة العوجاء اخذ نصيبه من الصورة المعوجة لانه مقتضي ما اتي به من الشرائط و من اتي بالمرآة المتزلزلة الغير الثابتة اخذ نصيبه من الصورة كذلك و علي هذا القياس و ليس المقابل الا شيء واحد و هذا الاختلاف ليس حقيقياً بل انما هو من اجل اختلاف الناس في تحصيل طلب العلم و اختلاف اوهامهم و افهامهم و عقولهم و ادراكهم حسب ما اجابوا في عالم الذر و حسب ما غيروا فطرة الله التي فطر الناس عليها و قد قال تعالي في هذا المقام ما ابينه و اوضحه و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خساراً فالماء انما هو شيء واحد و قال ايضا انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها و قد قال الشاعر في هذا المقام:

اري الاحسان عند الحر زينا                      و عند النذل منقصة و ذما

كقطر الماء في الاصداف در              و في بطن الافاعي صار سما

و من هذه الجهة كثر الاختلافات المتضادة و المتناقضة و المتباينة و امثالها في شيء واحد بحيث يقطع ان ليس الحق الا واحداً منها و كل ما سواه باطل و هو مخفي فيها كليلة القدر في الليالي و اسم الاعظم في الاسماء الي ان زال الامر الي ان لاتجد اثنين متفقين في شيء واحد و لذا قال مولانا اميرالمؤمنين عليه‌السلام العلم نقطة كثرها الجاهلون، و سنزيدك البيان ان‌شاء الله تعالي بحيث يغنيك عن الكلام و ينجلي الظلام و يكشف عن وجه المقصود اللثام و تري الامر واضحاً لايحاً باعانة الله الملك العلام.

ثم اعلموا يا اخواني بلّغكم الله تعالي اقصي الآمال و الاماني و يعرّفكم الامور كما هي ان الفقير الحقير المعترف بالقصور و التقصير في خدمة مولاه

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 287 *»

العلي الكبير الضايع عمره بالاشتغال بالسوء الصارف اوقاته بما لايعنيه من الهوي اصغر الناس جرماً و عملاً و اكبرهم جرماً و زللاً العبد المذنب الجاني الفاني الغريق في بحار الآثام و المعاصي محمد كاظم بن محمد قاسم الهاشمي النبوي العلوي الفاطمي الحسيني الموسوي حشرهم الله تعالي مع آبائهم الكرام و ساداتهم العظام انه خير مصير و مقام في اوايل بلوغي الي سبع عشرة سنة لما خضت في اغلب العلوم و سبحت في لجة تلك الرسوم المتداولة بين اهل العموم وجدت فيها من كثرة الاختلافات و وقوع المعارضات و المناقضات و المباينات شيئاً متجاوز الحد و الغاية و متعدي المقدار و النهاية حتي ان شخصاً واحداً يناقض نفسه في مقامات و يدور اختلافهم مع الدقايق و الساعات و لهم في كل مقام مقال و في كل وقت تبدل احوال و كل ذلك سريع الزوال و شديد الانتقال مدعياً بان المدار مع القطع فندور معه حيثما دار و ان لم‌يكن له ثبات و قرار كالشبح المرئي من بعيد هذا حالهم في كل مسألة مسألة في كل علم.

و اما العلوم فالخطب فيها اعظم و الامر فيها اشد حتي انهم زعموا ان العلوم لا ارتباط بين بعضها مع بعض و لا اقتران و لا اتصال و لايصدق هذا بشيء من ذاك و لا ذاك بشيء من هذا و جعلوا العلوم بعضها اختراعياً و جعلياً لا اثر له في الواقع الا بحمل الجاعل اذ لو لم‌يجعله كذا لم‌يكن كذا.

و بعضها اموراً وهمية خيالية اخترع بالعقول المستقلة الغير الثابتة فلايعتنون اليها بوجه ابداً.

و بعضها مادة الضلال و التضليل فيحرمون الاشتغال بها و جملة تلك العلوم يرونها في بعض الاحوال اموراً متحققة ثابتة يحرمون النظر في غيرها لاصالتها و ثباتها و بقائها و يطعنون علي ما في يد الآخرين الي ان (آل ظ) الامر الي اني ماوجدت اثنين يصوب احدهما الآخر و يصدق الآخر له بل الكل يري الحق لنفسه و يطعن و يرد ما عند غيره و لايزالون مختلفين و كنت اتأمل في نفسي و اتدبر مع شخصي ان هذه العلوم لايخلو اما ان‌تكون حكاية عما في الواقع و نفس الامر ام لا فان كان الثاني فلا فائدة فيها بوجه ابداً و ان كان الاول

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 288 *»

فليس في الواقع الا شيء واحد و حقيقة واحدة فما هذه الكثرات العظيمة و الاختلافات الشديدة و ربما يفضي هذا الي الافتراء بالله سبحانه و تعالي فاذن الجهل احسن من العلم بدليل الموعظة الحسنة لانك ان‌سكتت (سكتّ ظ) و ماحكمت فلا عليك باس قطعاً و ان تكلمت مع هذه الاختلافات العظيمة و القطع بان الحق ليس الا واحد منهما ربما تتكلم بخلاف الحق فاذن اين تهرب من توبيخ قوله تعالي قل ءالله اذن لكم ام علي الله تفترون اذ ليست هذه المسائل ضرورية لمكان الاختلاف فكيف تعتمد علي عقلك مع ان مخالفك ايضاً يدعي مثل ما تدعي و لايثبت حقيتك قطع حجة المخالف اذ يتفق كثيراً ما ان جملة الحق لايقدرون علي اثبات ماعندهم الا ان‌يكون عندك ميزان متفق عليه بين الكل حتي يمكنك الركون اليه و الوقوف عنده و يقطع كل حجة دونه.

والعقل لايصلح لذلك لما عرفت من ان هذه الاختلافات انما نشأت منه لا ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان بل التميز المطلق في الانسان الصالح لذلك و للنكراء و الشيطنة.

و الكتاب كذلك ايضاً لما ستعلم ان شاء الله من عظمته و دقته و خفائه و احتجاج كل الطوائف و منتحلي كل المذاهب به حتي اليهود و النصاري في مقام الالزام.

و الامر في السنة اعظم و اعظم و اعظم لانها تزيد علي الكتاب بتطرق الاختلافات في الالفاظ و المتون و المتواترات لاتفي بالكل و المحفوفات بقرائن القطع كذلك.

و الاجماع لو حصل فانه تمام الامر لكنه اني يحصل مع هذه الاختلافات العظيمة و المناقضات الشديدة الا في مواضع عديدة و هي لاتفي لادراك العلوم و استخراج الحقايق و الرسوم و التثبت عنده بغير المعصوم و المجموع من حيث المجموع لاشك و لاريب انها لاتنهض بمحية (كذا) كل العلوم او اغلبها علي قدر الطاقة الانسانية و البشرية و هذا لايستريبه عاقل و لذا تري الفقهاء و المجتهدين رضوان الله عليهم مع تمسكهم بهذه الاربعة تمسكاً كلياً ما اوصلتهم

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 289 *»

الي جميع الاحكام الالهية الشرعية و ما اوصلتهم الي مقام القطع الثابت الجازم الواقعي و لا عندهم الا بما هو تكليفهم في زمان الحيرة و القطع اليه في عالم الشدة فكيف الامر في علوم العقلية و معرفة احوال الموجودات الغيبية و احوال السموات و الارضين و العرش و الكرسي و احوال الآخرة و نعيمها و اليهما و كيفية ترتيبها و صراطها و ميزانها و كيفية الجواهر العلوية و الجواهر المفارقة و العوالم الغيبية و الخزائن الالهية بل و كيفية الالفاظ و الصفات و نسبتها الي الذوات و انشعاب العلوم منها بحيث يقف الانسان موقف القطع بينه و بين الله اذ ليس فيها و في غيرها مما لم‌يذكر تصريحات كتابية و لا معصومية بحيث تركن اليها و لا الاجماعات المحصلة بحيث تقع عندها الم‌تر ان هذه العلوم المتداولة بين الناس و المشتهرة بين العوام و الخواص من النحو و الصرف و امثال ذلك كم وقع الاختلاف فيها فمن اين يحصل الاجماع في جميعها فما ظنك بغيرها من العلوم الدقيقة الخفية التي لايطلع عليها في نفسها الا الاوحدي فكيف علا برهانها و دليلها و لو فرض تحقق الاجماع في الكل لم‌تحصل البصيرة التامة في العلم و ان قطع بحقيته للاجماع الا انه ليس بصيراً خبيراً محيطاً بحقيقة الامر و الواقع بحيث يرد الشكوك الواردة و الشبهات العارضة و الموانع الواقعة و هو في الحقيقة نوع تقليد الاتري الناس كيف ملجؤون في اثبات المعاد الجسماني و خلود الكفار في النار الي الاجماع و اذا اوردت عليهم الشبهات المذكورة في تلك المقامات يلجؤون ايضاً الي الاجماع و هو قاصر في عقله بل مجوز و محتمل عند عقله لكنه مايقدر بردّ الاجماع الي ان‌تقوي الشبهة و تجويز عقله شيئاً فشيئاً الي ان‌يخدش في الاجماع كما اتفق لبعض العلماء من الشيعة الاثني عشرية بعد ما حكم بعدم الخلود في العذاب بعد ما حكم بالخلود في النار قال و اما اجماع العلماء الظاهريين من الفقهاء و المتكلمين فلايقاوم كشف اهل الباطن لاختلاف المسلكين، الي اخر كلامه.

انظر كيف خدش في الاجماع بعد ما حكم بحقيته و ذلك للجهل بالواقع و نفس الامر فلو انه علم مبدأ العذاب و سبب دخول النار و اقتضاء كينونات اهل

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 290 *»

النار العذاب الدائمي مع تحقق الاجماع فلايزيله شيء فاذن هو كالجبل لاتحركه العواصف للعلم بجهات الشيء و اعتباراته و حيثياته و علله و اسبابه و شرائطه و اجرائه و موانعه و متمماته و مكملاته من جهة العقل و العلم و البصيرة و اعتقاد الحقية مع اعتضاده بالميزان القويم و القسطاس المستقيم الذي هو الاجماع ففي هذه الحالة يقال له انه علي بصيرة من امره فاذا فقد واحد من الامرين ترتفع البصيرة الا ان لكل واحد جهة مزية فان العقل اولي بالبصيرة كما ان الاجماع و امثاله من الموازين القسط اولي باعتقاد الحقية و هذا ظاهر معلوم لمن له عينان و لسان و شفتان و هذا كله لوفرضنا الاجماع في كل مسألة في كل علم و بطلانه ضروري و فساده بديهي اذ غاية ما تحصل الاجماعات في الامور العامة البلوي في بعض مواضعها و مواردها فمن اين يعرف الباقي من العلوم المتداولة فكيف العلوم الغير المتداولة و الامور المخفية التي بيد الناس، ان قلت بالكتاب فانت الذي تقول لايظهر لغير المعصوم من احكامه الا قليل ان قلنا بحجيته و قد منعها جماعة متمسكين بادلة عقلية و نقلية فما الذي يرفع اولاً هذا الخلاف هل هو الكتاب و هو المصادرة‌ علي المطلوب او غيرها و الغير هل هو السنة قد اتفقوا باعتبار المتواترات و حجيتها و الركون عندها و اتفقوا ايضاً بانه لايوجد الا قليل اما اللفظي فظاهر و اما المعنوي فهو بالنسبة الي غيره من الاخبار كالشعرة البيضاء في البقرة السوداء و اختلفوا في اخبار الآحاد فمنهم من اعتبرها و منهم من لم‌يعتبرها فاي شيء يرفع هذا الخلاف اولاً ان قلتم بالكتاب فليس فيه نص علي زعمكم و ان قلتم بالسنة فليس في المتواترات ما يدل علي ذلك و الا فلا معني للاختلاف و ان قلتم بالآحاد فقد اتيتم بالمصادرة و هذا كله لو فرضنا دلالة الكتاب و السنة بالدلالة الظاهرة علي كل العلوم من العقليات و معرفة اعيان الموجودات مع انهم منعوها منعاً كلياً مستدلاً بان المعصوم ليس شانه بيان غير الاحكام الشرعية الفرعية حتي انهم منعوا استنباط الاحكام اللغوية منها لما ذکر فما ظنك بساير العلوم الدقيقة المآخذ الخفية المطلب حتي اني سمعتهم يقولون ان الانبياء و المرسلين مابعثوا الا لبيان الاحكام الشرعية الفرعية

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 291 *»

و ليس شانهم عليهم‌السلام بيان الحقايق الوجودية و الاعيان الغيبية و الشهودية و العوم الادبية و النكات البيانية و الدقايق المنطقية و الحكمية فان الناس مستغنون في هذه الامور عنهم عليهم‌السلام لاستقلال عقولهم فيها و استبداد آرائهم فيها فان تكلم المعصوم عليه‌السلام في غير الاحكام الفرعية فانما هو من قبيل الندرة و البيان انهم عالمون بها فاذا كان كذلك فكيف يمكنهم استناد علومهم جزئيها و كليها الي الكتاب و السنة فانحصر الامر بالعقل و العقل لايأمن من الخطاء لعدم العصمة و كثرة المعارضات من استحكام سلطان الهوي في القلب الذي جل ادراكه الباطل اذ العقل الذي هو مدار العلوم و المدارك و مدار التكليف ليس ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان بل هو التميز المطلق الذي يصلح ان‌يكون كذلك و ان‌يكون نكراء و شيطنة و الاول انما يتحقق بمتابعة الحق و الاعراض عن الباطل فمايدريك ان الذي انت عليه من الاعتقاد و العلم هل من العقل الذي هو ما عبد به الرحمن او من النكراء و الشيطنة فان الثاني يشابه الاول تشابهاً كلياً كما ورد به النص و يشهد بذلك الاعتبار و التفرقة بينهما في غاية الصعوبة و الدقة و لايمكن لافراد الناس الا لآحادهم و من هذه الجهة تري كلمات اهل الحق و الباطل متشابهة لكن الفرق في المعني و الحقيقة من العليين و السجين و لولا خوف الاطالة لكنت اقرأ عليك من ذلك شطراً عظيماً.

فاذا كان العقل في نفسه مشتبهاً امره و ملتبساً شانه كيف يجعل المدار و الميزان و لعمري ان هذا ميزان مستقيم لكل احد و ينقطع الكلام و البحث مع كل احد و يلزم منه اعتبار كل دين لان الكل يدعي ذلك و لعمري انه مع ذلك لايكون احد علي بصيرة من امره و دينه لانه بعد ما تحقق عنده ان الذي يدرك لاينحصر بالحق بل قد يدرك الباطل بل هو اظهر من غيره فكيف يعتمد بعلمه مع انه يجوز ان‌يكون جهلاً مركباً فاذا قام الاحتمال لم‌يبق الاعتماد، لايقال ان هذا باطل لان ذلك الاحتمال لايعارض حجية هذا القطع فان القول بان الاحتمال اذا قام بطل الاستدلال انما يستقيم اذا كان الاحتمال المساوي و الا فلايلتفت اليه لانه سفسطة الاتري ان الذي يري الشيء بالعين و يقطع به قطعاً عيانياً فلايلتفت

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 292 *»

الي احتمالات بعيدة بان‌يقول لعله حصل لي مرض في العين او بعد ذلك الشيء انما هو شبح من غير اصل و امثال ذلك لانا نقول لانريد بالاحتمال مطلقاً بل المعتبر فان الذي ماتحقق بصره هل هو صحيح او مريض و هل هو سالم او احول و الامر مشتبه عليه هذا لايمكن الركون الي مايري و القطع بانه مطابق للواقع و ان‌كان يري شيئاً و يقطع به احتمال ان‌يكون مريض العين بالاحتمال المساوي بل له ان يقول اني اري كذا و الله اعلم بالواقع كما قال ذلك الرجل و اما اذا تحقق بصره و علم اما من جهة اصل الخلقة او بموافقة الاكثر و الاغلب او غير ذلك من الامور الخارجية و قطع حقيقة انه سالم من المرض و العيب فحينئذ اذا ابصر شيئاً لايلتفت الي الاحتمال فانه لايقاوم القطع الذي عنده بصحة بصره و هذا بخلاف الاولي فانه يجب عليه السكوت و الصمت و كذلك حال العقل فانك بعد ما قطعت انه ينقلب نكراء و يتكدر صفاؤه و جودة ادراكه و يبقي ايضاً علي حاله من الصفاء و ادراك الحق و قطعت بان غير المعصوم يجوز له هذا و ذاك و ان اختلفت مراتبه شدة و ضعفاً ماتحققت ان عقلك من ايهما في كل الاوقات و في كل وقت اذ الانسان لايبقي علي حالة واحدة و انما هو دائم السيلان و الانتقال من حال الي حال فكيف تعتمد عليه و تركن اليه و تسكن لديه و تقول هذا هو الحق و انت ما تحققت و ماتيقنت ان كلما يدركه هو حق بل يجب ان‌يقول عندي كذا و هو متزلزل في الواقع هل الحق معه او مع غيره فاصطلح الكل و آل امر الكل الي الحق فليس عليك ان‌تطعن علي الآخر و تردّ قوله و تبطله في الواقع و مع ذلك كله و الكل حياري و المقيد بقيد الجهل و الشك اساري و حاشا ربي ثم حاشا ثم حاشا ان‌يجعل الخلق علي هذه الحيرة.

فان قلت انا نحقق عقولنا و نستبصره و نقطع بانها سالمة عن الكدورات او النكراء و هي باقية علي الصفاء الاصلية و الجودة الدانية فيبقي لنا الاعتماد عليها.

قلت بم حققته أبالعقل او بالآخر و الاول يستلزم الدور او التسلسل في غير الامور الضرورية اذ ليس الكلام فيها فتامل و الثاني ماابقيت شيئاً.

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 293 *»

فان قلت و علي الله ان‌يسدد العقل عن الخطاء حفظاً لدينه.

قلت و لو سلمنا ذلك نقول يجب علي الله تسديد الكل او البعض فالاول في محل المنع جداً و الثاني هذا البعض المعين او الغير المعين و الثاني لايفيد لرفع الاختلاف لصلوحية الدعوي للكل و اشتراك الكل في عدم البصيرة و ان اختار البعض الواقع من حيث لايشعر لان شعوره ان‌كان العقل فهو ممنوع و ان كان بغيره من نوع الالهام او الوحي فهو الخارج عما نحن فيه مع انه لايرفع الاختلاف الا اذا اتي بقراين صحة قبول قوله و الاعتماد علي عقله من خوارق العادات و ماجرت عادة الحق سبحانه في هذه الازمنة علي هذا لغير المعصوم و الاول كالثاني في بعض الصور و يحتاج الي معرفتهم لعله يكون عندهم ميزان لرفع الاختلاف بالنسبة الي كل العلوم لمن طلب ذلك لان الله علي كل شيء قدير و ما ذلك عليه بعزيز.

فان قلت ان الذي زعمت و ذكرت مخالف للاجماع الضروري القائم باعتبار هذه الاربعة اي الكتاب و السنة و الاجماع و العقل و لايعتبر مايخالف الاجماع.

قلت ما انكرت حجية هذه الاربعة فيما تحققت و لا احد اثبت حجيتها فيما لم‌تتحقق.

فان قلت لامطلب الا و فيه احد هذه الاربعة.

قلت ينبغي ان‌يكون كذلك الا انه علي ما هو المعروف و سيجيء تحقيق هذه المقامات علي اكمل تنقيح و تفصيل ان‌شاء الله في احدي مقدمات هذا الكتاب عند ذكر الميزان المستقيم و القسطاس القويم.

و الحاصل اني لما نظرت الي هذه الاختلافات الشديدة و المناقضات العظيمة و المعارضات القديمة و الحديثة و رايت ان الذي في يدهم لو كان الامر كما يزعمون لايرفع خلافاً و لايثبت وفاقاً بل يقوي شبهة المتخالفين و يصلح التمسك بهم في كل امورهم بحيث صار الجهل احسن للناس من العلم و اسلم بهم و اقوم اذ في العلم المصطلح لايزيد الا التحير و الاضطراب بل يؤول

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 294 *»

الي ماينبغي بخلاف الجهل فانه طريق السلامة و غايته عدم الصورة و هذا و ان كان نقصاً الا انه اولي بالاختيار من غيره لتضمنه الضرر الكلي الذي هو الافتراء علي الله سبحانه كما عرفت و التقول عليه و قد قال تعالي لنبيه صلي الله عليه و آله و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين و الحكم بما ليس له علم قطعي واقعي و ان كان عنده علم قطعي ظاهري الا في الامور العلاجية المحتاج اليها المستحيل علمها و قطعها لافراد الناس الا المخصوصين عند الله سبحانه و تعالي بالقوي القدسية و النفس الملكوتية الالهية كالاحكام التكليفية الشرعية الفرعية اذ لا سبيل للقطع بها و ادراك حسنها و قبحها الا للمعصوم عليه‌السلام و اما غيره فلم‌يبق له الا تقليده و الاخذ عنه فيقطع بالواقع لانه عليه‌السلام لايميل الي الهوي و لايعصي ربه ابداً فهو ابداً (مؤيد ظ) بالروح القدس منزه عن السهو و النسيان بل الانسان علي ما هو الحق و لايقطع لانه ادرك الواقع فانه محال في حقه لما سنذكره و هذا اذا ادرك المعصوم عليه‌السلام و سمع منه فهو قاطع بالواقع غيرشاك و لا مرتاب و ان غاب عنه عليه‌السلام فلو حصل له القطع في بعض المواضع بالقراين لايحصل له في كثيرها و التكليف اذا كان باقياً و ادراك الواقع في حقه محال و كذا ادراك ما يوصله الي الواقع و المحال لايجوز نحوه الاقبال فلم‌يبق لهم الا الاعتماد بما يعرفون و يدركون حيث ما بلغ ادراكهم و لذا صح اختلافهم و جاز العمل فيما يختلفون بما يختلفون لانهم في ضنك و ضيق و مخمصة شديدة فيحل لهم ما حرم عليهم لادائه الي اقبح القبيحين و اكثرهما فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا اثم عليه، لمن اتقي كما سنفصله ان‌شاء الله تعالي و هؤلاء لا اثم عليهم و لا لوم لوجود الاضطرار و اما غيرهم في غير العلم الذي اضطروا اليه لايجوز لهم التكلم و التفوه الا ان‌يكونوا علي بصيرة من امرهم و هداية من ربهم و ان‌يجانبوا التقليد و يقفوا علي الراي السديد و لولاها فالسكوت لهم اولي و الصمت لهم احسن و البقاء علي الجهل اقوم حتي يعلمهم الله سبحانه من فضله و البصيرة التامة و المعرفة الكاملة بحيث يدرك الشيء كانه يراه لاتحصل الا

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 295 *»

بامرين:

احدهما الاسباب الموجودة المعروفة المشهورة بين الناس و هي الادلة الاربعة و قد عرفت بعض احوالها حسب ما بينوها و نقحوها من انها علي هذا لو اوصلت علي بعض العلوم في بعض مسائلها لم‌توصل الي كلها في كل مسائلها سيما العلوم الدقيقة و المسائل الغامضة.

و ثانيهما الاعانة الخارجية من التأييدات الالهية و العنايات الربانية و الافاضات السبحانية و هذه تمام الامر لو حصلت فيتحقق في صدره نور العلم فيدرك صور الاشياء و اشباحها النورية كما هي عليه و يشرق في قلبه نور اليقين فيحيط علي صورها و معانيها و ظاهرها و باطنها و قشرها و لبها و يتجلي في فؤاده نور المعرفة فينكشف له حقايق الاشياء و اسرارها و انوارها و لب لبها و حقيقة حقايقها و لطيفة ظواهرها فيعرف الحيث و الكيف و الكم و يعرف مفصوله و موصوله و مايؤول اليه اموره فهو علي بصيرة من امره و هداية من ربه و هنالك يعرف القرآن و ما اودع الله في سر الانسان فيعرف اللطيفة في قوله الحق سبحانه الرحمن علم القرآن خلق الانسان علّمه البيان فيجد اذن كمال الايتلاف و ينقطع عنده الاختلاف فيصدق بقوله الحق و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.

و بالجملة يظهر له من خفيات الامور و خبيات الاسرار ما لو ذكرت قليلاً منها لطال الكلام فنخرج عن المقام و يفوتنا المراد و ان‌كان في ذكره الفوائد العظام و سنذكرها ان‌شاء الله تعالي في خلال الكلام و الحقير الفقير الي الله الكبير لما فطنت في الامر الاول و دققت النظر فيها و تعمقت الفكر فيما ذكروا في معناها كما ذكروا ما وجدتها الا مثل ما سمعت قليلاً منها فحار قلبي و طار لبي و اضطرب جناني و ارتعدت اركاني من فقدان اشرف الكمالات و اعلي الصفات و احسن الاخلاق بل اصل كل كمال علي الاطلاق و من المقام علي الجهل اذ لو تكلفت فيه كما يتكلفون من الحكماء الذين هم اجهل الجهلاء و احمق الحمقاء المعتمدين علي عقولهم الناقصة فجاؤوا بخسران الدنيا و الآخرة

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 296 *»

او الصوفية الملاحدة اعداء الدين و مخربي شريعة سيد المرسلين تاركي الدنيا للدنيا شبكة للاضلال و الاغواء مستعمل الرياضات الغير المشروعة و مظهر العقايد الفاسدة الباطلة الغير المأثورة او كالمتكلمين الذين ماميزوا الغث من السمين و اقتصروا علي الاصول التي اكثرها باطلة علي اليقين و اكتفوا بالعثر و الظاهر و ماعثروا علي الحقيقة و الواقع بالبرهان الباهر او كالفقهاء المستعملين للرأي و القياس الموسوسين في صدور الناس و اكتفوا بالاستحسان و جعلوا ذلك وصلة الي الملك الديان فعمت قلوبهم عن حقيقة البرهان و تاهوا في تيه الضلالة و الجهالة مع العميان او كالذين اعرضوا عن الاجماع و العقل و اكتفوا بصرف القول و النقل و انت قد عرفت حاله و علمت مبدأه و مآله علي ما زعموا في بيانه و ذكروا في تبيانه و اني لو تكلفت في العلم كما تكلفوا لكنت في الاثبات مصداق قوله تعالي ان يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و قوله تعالي و لاتقف ما ليس لك به علم و في النفي مصداق قوله تعالي بل كذبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله و في الكل مصداق قوله تعالي قل آلله اذن لكم ام علي الله تفترون.

و اما الفقه الذي عند فقهائنا رضوان الله عليهم فهو و ان كان حقاً في زمان الغيبة و خفاء الحجة و ظلمة المحجة الا انه لايوصل الانسان الي المراتب العالية من المعرفة المستلزمة لكمال المحبة المستلزمة للاخلاص الذي لايقبل عملاً الا به و لاتعلو درجة و لاتنقص الا به و الا ففي فعل الاعمال الصالحة الظاهرية‌ العالي و السافل متشاركان و لذا وردت الاحاديث بل و تواترت معني ان عمل العالم افضل من الف عمل العابد او ازيد كما نذكرها في مقامها و ليس المراد بالعابد الذي لايصح عمله و عبادته علي الظاهر المفسر عمله بالاخلال في الاركان او الاجزاء او الشرايط او المتممات اذ حينئذ ليس بعابد و قد دل العقل و النقل و الاجماع علي ان الثواب بقدر المعرفة المورثة للاقبال و غيره و ان نوم العالم افضل من عبادة السنة للعابد و لايشك فيه العامي فضلاً عن العالم و فضل العارف بالله المنقطع عما سوي الله المخلص العمل لله الناظر في الاشياء علي

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 297 *»

جهة الاضمحلال الغير الواثق الا بالله و العالم بالاحكام الشرعية المستنبط لها عن الادلة التفصيلية علي الفقيه الصرف المصطلح العالم بعلمه كفضل العالم علي العابد لجمع الاول الفضلين اللذين هما شرف الدنيا و الآخرة و فقدان الثاني اشرفهما و ليس المراد بالمعرفة المعرفة الاجمالية المشترك فيها العوام بل المراد التفصيلية حسب الطاقة الامكانية البشرية و من انكر ذلك فليسأل الله ان‌يصلح وجدانه فاذا صح هذا فالمعرفة التامة الكاملة القابلة للرتبة الانسانية لاتحصل الا بمعرفة حقايق الاشياء و كينوناتها و لوازمها و شرايطها و ذواتها و صفاتها و غيبها و شهادتها و علويها و سفليها و غيرها منها لان الله تعالي ابي ان‌يعرف الا منها لانه اري آياته فيها من الآفاق و الانفس و ضرب الامثال للناس ليسلموا بعد معرفتها من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس و هو قول مولانا الحسين عليه‌السلام في الدعاء الهي امرتني بالرجوع الي الآثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شيء قدير الدعاء، و لاشك ان الموجودات مختلفة فكلما كان اشرف و الطف فيه آثار جلال الله و عظمته و جبروته و ملكه و صنعه و آياته اعظم و اشد و لاشبهة ان الموجودات الغيبية الغيبة (العلية ظ) فيها من الشواهد الربوبية الظاهرة للمشاعر الصافية الزكية ما لو وصل احد الي حكمها العرشية فاز بالسفر الي الاسفار الحقيقية و صعد في البدء و المعاد بالاطلاع علي المبدأ و المعاد فيرسخ في الايمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر فيكون من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون.

و لما كانت العوالم الغيبية لاتدرك الا بالمشاعر الغيبية و هي قد تختل و تمرض و تفسد او تعوج و يحسبها صاحبها صحيحاً سليماً مستقيماً فتشتبه الامور و تبهم و ذلك لامور نذكرها ان‌شاء الله تعالي في مقامها و يصير ذلك سبباً للاختلاف في معرفة الله سبحانه و صفاته و اسمائه الواحدة الغير المتعددة و لا

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 298 *»

المختلفة و لا المتكثرة و ربما يؤدي ذلك الي توصيف الحق تعالي بالصفات الغير اللايقة حسب قابلية المرتبة الانسانية لان المرآة حيث ما اعوجت تعوج صورة المقابل فيراه معوجاً و ليس هو كذلك فينقلب الفوز العظيم بالعذاب الاليم فتنحت الدرجة الي اسفل السافلين و لو كان حقاً تكون درجته في اعلي عليين فوجب البرهان الموصل الي الحق المبين و المميز الغث من السمين و حيث فقد ذلك فلايصح الكلام الا بما قد قام عليه الاجماع الضروري و لكنه قد فات عنه امر عظيم و حرم عن خطب جسيم فجدير ان‌يبقي علي الاسف و الحزن مقيماً لانه قد ادركه حرماناً عظيماً و اصابه بلاءً اليماً و من هذه الجهة قد كثر قلقي و اضطرابي و عظمت غصتي و اختصاري (كذا) فاستغثت الله و ابتهلت اليه و اعترفت بذلي و عجزي لديه و توكلت في جميع الامور عليه و سألته النجاة عن هذه المهلكة و الخلاص من هذه الوعرة المستنكرة و البلوغ الي درجات المعرفة و الوصول الي مقامات المحبة لان الراحل اليه قريب المسافة و انه سبحانه لايحتجب عن خلقه الا ان‌تحجبهم الآمال دونه حتي استجاب لي و من علي و له الحمد و الفضل باسباب يطول بذكرها بتوفيق التوسل الي الائمة الهادية و التمسك بالعترة الطاهرين و الوصولي الي القرية المباركة بواسطة القرية الظاهرة و الاخلاص في محبتهم و الاقرار بولايتهم و الانقطاع اليهم و الاعراض عن كل ما عداهم و تفويض الامور اليهم و الدخول في شدايد الامور عليهم و التبري عن اعدائهم و مخالفيهم و معرفة ان العلم هم معدنه و اصله و فرعه و مبدؤه و منتهاه و ان لايخرج الي احد حق الا من عندهم و لايظهر لاحد خير الا منهم و انهم المتصرفون في امور العباد و المدبرون لاحوال البلاد و انهم حجج الله حياً و ميتاً و انهم نور الله ظاهراً و باطناً لايخفي انوارهم و ان غابت اجسادهم و هم المعلمون للشيعة و موصلوهم الي احسن الطريقة لمن انقطع اليهم و اعرض عن اعدائهم علي نهج يجيء بيانه و ياتي برهانه و الا،

فكل يدعي وصلاً بليلي                   و ليلي لاتقر لهم بذاكا

فلما حصل لي الانقطاع و لله الحمد و الشكر و انست باخبارهم و اقتفيت آثارهم

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 299 *»

و طلبت الهداية من الله بهم و سألت النور الالهي لديهم رأيت انه ما من علم الا و قد نبهوا عليه و ما من حق الا دلوا اليه و ما من خير الا و ارشدوا لديه و تكلموا للناس علي تفاوت درجاتهم من العوام و الخواص و الخصيص بما ينال به كل احد مطلبهم و يعرف كل اناس مشربهم فتكلموا علي تفاسير السبعة بل السبعين و تكلموا بلفظ و ارادوا منه معاني سبعين و ادّوا المطالب كلها من الظاهرية و الباطنية و باطن الباطنية في كلماتهم الشريفة بتعبيرات لطيفة في مقام بالتلويح و في الآخر بالاشارة و الاخر بالتصريح و الآخر بالاختلاف و الآخر بالايتلاف و الآخر بالسكوت و الآخر بالفعل و الآخر بالكناية و بلغات اخري غير هذه اللغة العربية المعروفة فان العربية علي سبعين وجهاً و الذي عند الناس هو وجه واحد منها و قد تكلموا عليهم السلام بجميع الوجوه كيف لا و هم الحجج البالغة علي الخلق اجمعين و اللسان الناطق بالحق علي الخلق باوضح الدلايل و البراهين فاتوا بكل حق و جاؤوا بكل صدق و نطقوا بكل وفق و مابقوا شيئاً مما يحتاج اليه الخلق في امر معادهم و معاشهم من المعارف الالهية و احوال العوالم اللاهوتية و الجبروتية و الملكوتية من الغيبة و احوال البرازخ الشبحية المقدارية و العوالم الملكية الجسمية من الشهودية و احوال الدنيا و الآخرة و الظاهر و الباطن لئلا يكون للناس علي الله حجة باوضح بيان و اشرف تبيان لمن عرف سياقهم و ورد ماءهم و ادرك العلّ و النهل فرأيت ان كل ذلك تفسير للقرآن و تبيان لما نزل علي سيد الانس و الجان و كشف لاسراره باوضح بيان فعلمت مع قصوري و ضعفي ان لا اختلاف في الدين و لاتناقض فيما اتي به سيد المرسلين و لا في كلمات عترته الطاهرين و احفاده الميامين عليه و عليهم‌ سلام الله ابد الآبدين و دهر الداهرين فعرفت معني كلام مولانا اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين ما معناه العلم نقطة كثرها الجهال هـ ، من اصحاب القيل و القال و المراء و الجدال فاطمانت و لله الحمد نفسي و سكن قلبي و استقر لبي باعطاء مسؤولي و ادراك مأمولي و رفع الشكوك و الشبهات الواردة علي معرفة الميزان القويم و القسطاس المستقيم الذي هو في الثبات كانه بنيان مرصوص او كالجبل

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 300 *»

لاتحركه العواصف و كنت ملازماً للاخبار و معزماً بمطالعة آثار الائمة الاطهار و قراءة القرآن بالعشي و الابكار لانهما اصل كل علم و نور و مادة كل خير و حق.

و قد استمر بي الحال علي هذا المنوال بعون الله الملك المتعال من اول بلوغي الي تسعة عشر الي العشرين فوفقني الله سبحانه من غير استحقاق مني و لا استيجاب لحج بيته الحرام و الوقوف في المشاعر العظام و المواقف الكرام و لزيارة قبر سيد النبيين و ائمة البقيع و فاطمة الطاهرة‌ عليهم السلام ما دامت الدنيا و الآخرة و بعد التشرف بذلك التشريف رحلنا من ذلك المكان الشريف و رجعنا نحو المسكن و اردنا الاهل و الوطن الي ان‌ساقنا التقدير في اثناء الطريق الي بلدة الميشومة الملعونة المسمّاة ببريدة و حاصرتنا فيها الطائفة الخبيثة الشريرة الجماعة الوهابية و منعونا عن الخروج و السفر حتي بقينا فيها ثلاثة اشهر فضاق علينا الامر و ادركنا كمال العسر حتي ايسنا نظراً الي الاسباب الظاهرية عن اليسر فنذرت لله سبحانه و عاهدته بانه تعالي بعد ما نجانا من تلك الورطة المهلكة اكتب اربعين حديثاً من احاديث اهل البيت عليهم‌السلام و اكشف فيها اسرارها و تلويحاتها و اشاراتها و استخرج لبابها من قشورها و ابيّن باطنها من ظاهرها و اخرق اصداف الالفاظ و اظهر لئالي المعاني المستورة فيها بحيث يرتفع الاختلاف و يتبين الايتلاف و يظهر الحق الصراح الصافي باعانة الله الملك الكافي و اظهر شطراً من خفايا اسرار آل محمد عليهم‌السلام و ما اكرمهم الله و ما انعم عليهم من النعم الجسام و الفضايل العظام كل ذلك علي مقدار وسعي و طاقتي و حسب استعدادي و قابليتي و اني لي ذلك و كيف لي ادراك ما هنالك، و كل اناء بالذي فيه ينضح، لان كل كلام علي حسب مقدار عقل المتكلم و ان كان يلاحظ المخاطب و ادراك الوصف المختص بهم اللايق لهم متوقف علي معرفتهم حقيقة ‌و اني للانسان الضعيف هذه الدرجة و المرتبة بل لايدعيها احد علي الحقيقة من المخلوقين و ان ادعوا كذباً و افتراءً كما بينوا ذلك و قالوا في الزيارة فبلغ الله بكم اشرف محل المكرمين و اعلي منازل

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 301 *»

 المقربين و اعلي [ارفع] درجات المرسلين حيث لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايطمع في ادراكه طامع، اذن كيف يكن (يمكن ظ) التوصيف فصح ما قالوا عليهم‌السلام بعد هذه الفقرة موالي لااحصي ثناءكم و لاابلغ من المدح كنهكم و من الوصف قدركم، فاذن انّي لي و وصفهم فوالله لو صب خردل بحيث سد الفضاء و ملأ مابين الارض و السماء ثم بعد ذلك عمرت مع ضعفي و عجزي سيما بعد مرضي و كلفت ان انقل ذلك الخردل حبة حبة من المشرق الي المغرب حتي ينفد فلو صرفت مقدار هذا العمر في ذكر فضايلهم و مناقبهم صلوات الله عليهم لا بل فضيلة منها و ان اجدد التوصيف و ابلغ في المدح و التعريف ما قدرت علي ذكر جزء من مائة الف جزء من رأس الشعير مما هم عليه من الفضائل و المناقب و استغفر الله عن التحديد بالقليل كيف و هم كلمات الله التي لو كان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله، الا ان السافل يوصف العالي بما فيه من مثاله الملقي في هويته فيعرف العالي حسب مقامه بمثاله الذي هو عليه عينه الذي اعطاها اياه ليدركه بحسب مقامه كما قال الشاعر:

اذا رام عاشقها نظرة                فلم‌يستطعها فمن لطفها

اعارته طرفاً (قد) رآها به فكان البصير بها طرفها

و بالجملة لما نذرت هذا النذر و عهدت الله سبحانه هذا العهد سهّل الله علينا العسير و قرب البعيد و جعل لنا من حفظه و نصر عيناه (كذا) عاصمة عصمتنا عن ان‌يصل الينا من هؤلاء الملاعين اعداء الدين سوءاً و اذية حتي وصلنا الي مشهد مولانا اميرالمؤمنين و تشرفنا بزيارته و الحمد لله رب العالمين و تشرفنا ايضاً بزيارة ساير المشاهد المشرفة علي ساكنيها آلاف الثناء و التحية و كان في عزمي ان اكتبها في المشاهد المشرفة مستمداً من ساداتي و موالي الهداية و الرشاد و العصمة عن الخطاء فعاقني عن ذلك التقدير بحيث عجز عنده التدبير حتي خرجنا و عزمنا الوطن مسقط رأسنا الجسماني و الا موطني فيها و مابقيت فيه الا مدة قليلة و هي ثلاثة اشهر حتي وفقني الله سبحانه و تعالي بالرجوع الي

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 302 *»

المشاهد المشرفة و مجاورة سيدالشهداء و الصديقين علي جده و ابيه و امه و اخيه و عليه و بنيه صلوات المصلين ابد الآبدين و دهر الداهرين و عزمت علي الكتابة فعاقتني العوائق حتي مضت سنة كاملة و اجتمعت مع بعض الطلاب بل فضلاء الاصحاب الذين انار الله قلوبهم بانوار الهداية و حباهم كمال الفهم و الدراية بحيث عرفوا ان الرافع للاختلاف و الواصل الي مقام الايتلاف ليس الا الاتصال بالائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين و ذلك الاتصال لايحصل الا بالتوغل في آثارهم و اخبارهم و معرفة حقايقها و اسرارها اذ السبيل من الحق الي الخلق و من الخلق الي الحق منحصر فيهم اذ هم الابواب الي ذلك الجناب، الهي وقف السائلون ببابك و لاذ الفقراء بجنابك، و رأوا وفقهم الله و سلك بهم الي مسالك الرضا هذا السراب فظنوه ماءً و سألوا هذا الفقير المعترف بالقصور و التقصير ان‌القي اليهم غوالي اللآلي من معاني الاخبار المخزونة في بحار انوار آثار الائمة الاطهار عليهم سلام الله الملك المختار المكنونة في اصداف الكتب و الدفاتر اثمنها و اغلاها و اظهر لهم من غوامض اسرارهم و ظواهر آثارهم اشرفها و اعلاها و اذلل بكمال التحقيق و التدقيق صعابها و استخرج بجوامع التبيين من قشروها لبابها و انبه علي بعض ما ارادوا من اشاراتها و اشير الي بعض ما لوحوا في عباراتها و الفقير مع قصور باعي و قلة اطلاعي لعلمي بنفسي باني لست من السفن التي يسار بها في هذا البحر المتلاطم مع هذا الموج المتعاظم ما امكنني ردهم و عدم اسعاف مطلوبهم و مأمولهم لان من ظن بحجر خيراً يلقي الله اليه الحكمة بسببه و لما نذرت سابقاً فاغتنمت الفرصة و سألت الله التوفيق و الاعانة و التسديد عن الخطاء و العصمة و شرعت في شرح اربعين حديثاً علي نحو يدركون مأمولهم و يصلون مطلوبهم ان‌شاء الله تعالي و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم.

و لكنهم لما طلبوا مني بيان معرفة علم الحديث و كيفية استنباط العلوم منه و بيان رفع الاختلاف في العلوم و تحقيق كشفه عن كل العلوم و وقوع التعارض و رفعه و ان الاخبار و الاحاديث لا تناقض و لا تعارض و لا اختلاف

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 303 *»

فيها بل مرجع الكل الي شيء واحد بل هي طبق القرآن و ذكر بعض احوال السند و الدلالة و امثال ذلك من الامور التي اختلفوا فيها العلماء و صاروا فرقاً متعددة و تحزبوا احزاباً مختلفة غير مؤتلفة وجب ان‌نقدم علي الشروع مقدمة تحتوي علي اربع‌عشرة فائدة بعدد المنازل النورية و الحروف النورانية و مثناة العدد الكامل و طبق وجود الوهاب بيد القدرة في المنازل ثم نشرع في المقصود باعانة الله الملك الودود مفيض الخير و الجود فاقول واثقاً بالله الملك العلام و جاعلاً نفسي هدفاً لسهام طعن اغاليط الاوهام.

مقدمة مهمة فيها اربع عشرة فائدة

و قد دعانا الي ذلك اظهار الحق الصافي القراح الغير المشوب بشيء من الباطل بوجه ابداً لانهما متشابهان في الظاهر و الصورة بكمال التشابه و نهاية التوافق و اكثر الاشتباهات و الاختلافات انما هي باعتبار الشبهة في موضع الحكم و عدم الاطلاع علي حقيقة الامر و مبدئه و منتهاه و قد تبين في المقدمة بعون الله تعالي شطراً من ذلك مما يجوز بيانه و لايعسر برهانه و نرجو من الله سبحانه ان‌يحقق بها الحق و يميت بها الباطل بفضله و كرمه بجاه محمد و آله الطاهرين فانه ليس عنده سبحانه من هو اوجه منهم و ليس الحق و الخير الا من عند الله المكنون المخزون عندهم صلوات الله عليهم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم.

الفائدة الاولي في حقيقة العلم و مبدئه و منتهاه و عوالمه السافل و عوالمه العالية و عوالمه في نفسه و فائدة ايجاده و اللطف فيه و شرفه و انه اصل كل خير و كمال و بهجة و جمال و بعض الاسرار المودعة في لفظ العلم بالاجمال و جملة من صفات العالم.

الفائدة الثانية في سر اختلاف العلوم و تكثرها و تشتتها و تشعبها بالشعب المختلفة مع وحدة العلم و عدم تعدده و تكثره و وجه اختلافه في عين ايتلافه و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 304 *»

سر تكثره في عين وحدته.

الفائدة الثالثة في بيان اقسام العلوم و انحائها و تفاصيل كلياتها و حصرها باعانة الله سبحانه.

الفائدة الرابعة في سر اختلاف العلماء و منتحلي العلم فيه مع وحدته و بيان قول اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين العلم نقطة كثرها الجاهلون و وجه كونه نقطة و كيفية تكثيرها الجاهلون و مبدأ هذا الاختلاف و منشأه علي جهة الاجمال.

الفائدة الخامسة في اثبات العلم الواجب علي المكلف تحصيله و المحرّم و تعيين العلم الوارد في قوله عليه‌السلام طلب العلم فريضة علي كل مسلم و مسلمة و اطلبوا العلم من المهد الي اللحد و تحقيق القول في شرافة نفس العلم من حيث هو و قبح بعض العلوم.

الفائدة السادسة في سر اختلاف علماء اهل الحق المتمسكين بالعلم المطلوب و الواثقين بالركن الشديد و وجه ميلهم الي الاعداء و حد الميل و السر في ذلك الامور العقلية و نستطرد ايضاً كيفية اختلافهم في الامور النقلية و الوجه في ذلك و القول بانهم معذورون في هذا الاختلاف مطلقاً او ليسوا بمعذورين كذلك او في العقلية خاصة مطلقاً او علي التفصيل و تقسيم العلماء الي اقسام اربعة و تحقيق القول فيها بمعونة الله سبحانه.

الفائدة السابعة في كيفية التخليص عن هذه الاختلافات و وجدان الحق الصحيح الصريح مع هذه الاختلافات الشديدة التي يقطع العاقل بل الجاهل بان الحق ليس الا في واحد منها و ذكر ميزان القويم و القسطاس المستقيم و القاعدة في معرفة الاشياء كما هي بحيث يكون علي بصيرة من امره و هداية من ربه و يزول معه عنه كل الشكوك و الشبهات بحيث يدرك الشيء كانه يراه و لايزال و ان‌خالفه المخالفون و كثر المعاندون و لايشك و لايرتاب ابداً و لعمري ان هذا امر عظيم اعاننا الله و اياكم في ادراكه و الوصول اليه فانه ذو الفضل العظيم و المن الجسيم.

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 305 *»

الفائدة الثامنة في سر وقوع الاختلاف في احاديث اهل بيت محمد سلام الله عليهم اجمعين و تحقيق القول في ذلك.

الفائدة التاسعة في سر الايقاع الاختلاف بحيث يعارض بعض الاخبار بعضاً او ينافيه و سر تحقيق القول في المحكم و المتشابه و بيان ان القرآن و الاخبار يشملان علي الناسخ و المنسوخ و المطلق و المقيد و الخاص و العام و الظاهر و الباطن و ظاهر الظاهر الي غيرها و بيان ان الاختلاف ظاهري صوري لا حقيقي و معنوي.

الفائدة العاشرة في كيفية استنباط الاحكام و استخراج العلوم من الاخبار و كيفية ارجاع هذه الاختلافات الي امر واحد و كيفية اخذ الحقيقة او المجاز او المطلق او المقيد و امثال ذلك.

الفائدة الحادية عشرة في ان اهل البيت عليهم‌السلام اجروا كلماتهم الشريفة حسب الادلة الثلاثة من الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن و بيان هذه الادلة الثلاثة و ذكر شرطها و مستندها علي الاجمال.

الفائدة الثانية عشرة في ان احاديث اهل البيت عليهم‌السلام مذكورة فيها كل العلوم سيما معرفة الحقايق الكونية من الحكمة الالهية و الرياضية و الطبيعية و علم الحروف و الاحكام الالهية التكليفية لاصحاب الحقيقة و الطريقة و الشريعة و انها حجة في كل العلوم من العقلية و النقلية و ان ما خرج عنهم من العلوم باطل فاسد زايل و الوجه في انهم عليهم‌السلام ما صرحوا بتلك العلوم و انما رمزوا رمزاً و اشاروا اشارة و لوحوا تلويحاً و ان السبب في ضلالة الحكماء الموجودين في هذه الازمنة ما هو و تاويل قوله تعالي فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلوة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً الا من تاب الآية و تحقيق القول في ذلك ان‌شاء الله.

الفائدة الثالثة عشرة في ان الشرائط المعتبرة في العمل بالاحكام الشرعية الفرعية و استنباطها من الاحاديث المعصومية هي المعتبرة في العمل بالاحكام النقلية و جعلها حجة في الاعتقادات ام لا بل كل منها شرائط مخصوصة

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 306 *»

لايشتركان الا في مواضع مخصوصة.

الفائدة الرابعة عشرة في تحقيق ما اصطلحوا عليه في تقسيم الحديث الي اقسام اربعة من الصحيح و الحسن و الموثق و الضعيف و بيان ان لهذا التقسيم هل مأخذ صحيح يعتمد عليه ام لا و ذكر شرذمة من اقوال الاخباريين و الاصوليين و تحقيق القول فيهما.

و اما الفائدة الاولي

ففيها اربعة مطالب بعدد انوار الاربعة

الاول في فائدة ايجاد العلم و ذكر فضله من شرفه من حيث هو.

الثاني في حقيقة العلم و عوالمه السافلة و عوالمه العالية و عوالمه الحقيقية و معرفة ان العلم يجد (يحد ظ) ام لا و انه ضروري ام اكتسابي.

الثالث في خزائن العلم و حملته و حفظته.

الرابع في بعض اسرار (كذا) المودعة في لفظ العلم علي الاجمال حسب مايحضرني بالبال حال الكتابة علي الاعجال.

لكنك يا اخي ينبغي ان‌تعلم اولاً قبل الشروع في المقدمة ان المطالب ليست كلها علي نهج واحد و طريق خاص غير متعدد بل المطالب بعضها بل جلها خفية دقيقة جداً يخفي بيانه و يعسر برهانه و لايدرك بالظاهر الجلي بل لايزيد الاستدلال بالمجادلة بالتي هي احسن الا خفاءً و غموضاً اذ النتيجة تتبع المقدمتين بل اخسهما و كثيراً من المطالب يحتاج الي المقدمات الطويلة يطول بذكرها الكلام و يخرج عن المقام فاختصرها و اشير الي لبها و بعضها ارمزها و الوح بها لئلايعثر عليها الجاهل ليستريب فينقص ايمانه او ينكر فيكفر و بعضها لايفيها العبارة فيجب الاقتصار علي الاشارة و من هذه الجهة كانت الادلة ثلاثة كما قال تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن كما سيجيئ بيانه ان‌شاء الله تعالي.

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 307 *»

فاوصيك ايها الناظر في هذا الكتاب ان‌تنظر اليه بعين الانصاف و اعرض عن الجور و الاعتساف فان عرفت مطالبه و ادركت مقصودك منه فاحمد الله و اشكره و ان رأيت شيئاً مخالفاً لنظرك فلاحظه من بعد اخري فان تم دليله بالمجادلة بالتي هي احسن فخذه و كن من الشاكرين و الا فاطلبه بدليل الموعظة الحسنة الذي هو دليل الخواص و ان لم‌يحصل لك المطلوب فاطلبه بدليل الحكمة التي لاخص الخواص ان كنت منهما و عرفت كيفية الاستدلال بهما و الا فاعزل نفسك عن النقض و الابرام و جانب اللجاج في الكلام و لاتقف ما ليس لك به علم فان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولاً و لاتمش في الارض مرحاً انك لن‌تخرق الارض و لن‌تبلغ الجبال طولاً كل ذلك كانت سيئه عند ربك مكروهاً لانكم ما اوتيتم من العلم الا قليلاً و فوق كل ذي علم عليم،

علي نحت القوافي من مواقعها           و ما علي اذا لم‌يفهم البقر

و هذا سبب اكثر اختلافات (الاختلافات ظ) التي من العلماء فانهم ما ميزوا بين المطالب تمييزاً صحيحاً و ما نقّحوها تنقيحاً مليحاً و وقعوا فيما وقعوا من الاختلاف و قطعوا طرق الايتلاف فان كثيراً من المطالب لاتتم الا بدليل الموعظة و هم يحاولون اتمامها بدليل المجادلة فلن يجدوها و كثيراً منها لاتتم الا بالحكمة و يطلبونها بالموعظة الحسنة او المجادلة فلن‌يصلوا اليها و ح اما ان‌يطرحوها و يحكموا بفسادها و بطلانها لعدم الدليل و اما ان‌يتكلفوا في تنزيلها الي المجادلة فيغيرون خلقة الله فيصفون الشيء بخلاف ما جعله الله عليه فيغيرون (فيفترون ظ) علي الله كذباً و هم لايعلمون و كل ذلك لاستكبارهم عن الاعتراف بالعجز و الاقرار بالذل و الفقر و ارعائهم الامر لانفسهم و انحصارهم الدراية و المعرفة لهم فطبع الله علي قلوبهم، و علي سمعهم و جعل علي ابصارهم غشاوة، و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك و لذلك خلقهم و تمت كلمة ربك عليهم بما صبروا اللهم ارحمنا و سددنا و اعصمنا و اجعلنا من الذين هديتهم لما اختلفوا الي صراط مستقيم و من الذين تمت كلمتك عليهم صدقاً و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 308 *»

عدلاً فانا عبيدك و ناصيتنا بيدك لا امر لنا مع امرك ماض فينا حكمك عدل فينا قضاؤك و لا حول و لا قوة الا بك و افوض امري الي الله ان الله بصير بالعباد.

و ليعلم اني اجرّ الكلام بحول الله و قوته علي النمط الاوسط لا الايجاز المخل و لا الاطناب الممل و اجمع ان‌شاء الله تعالي بين الظاهر و الباطن و التنزيل و التاويل ليعلم كل اناس مشربهم و لينال كل احد مطلبهم و تكلمي في الباطن ليس كما زعمته الصوفية الملاحدة خذلهم الله فانهم عاندوا الدين و بنوا امرهم علي المكابرة مع سادتنا الاطيبين الاطهرين بل علي ما وصل الينا منهم صلي الله عليهم و اخذنا عنهم من انوار فيوضاتهم المتشعشعة من لمعات آثارهم و اخبارهم فان لكل حق حقيقة و علي كل صواب نور و الي الله ترجع الامور و صلي الله علي محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و مخالفيهم اجمعين الي يوم الدين و الحمد لله رب العالمين و ها انا اشرع في المقصود.

فنقول اما الاول فاعلم ان الله تبارك و تعالي لما تقدس و تنزه عن الافتقار و الاستكمال بطل ان‌يخلق الخلق ليعين (ليستعين ظ) بهم او للحاجة اليهم فلم‌يبق الا ان‌يخلقهم للتكميل و يوصلهم من مقام الاجمال الي التفصيل فوجب ان‌يسبب لهم سبباً للوصول الي ذلك و يجعل لهم وصلة الي ما هنالك لضرورة بطلان الاجبار و الاضطرار لاستلزامه الفضيحة و العار كما لايخفي علي اولي البصائر و الابصار و من هذه الجهة ورد النص في هذا الباب عمن عندهم فصل الخطاب ان الله ابي ان‌يجري الاشياء الا بالاسباب و هي لما كان العالم عالم الاختيار المستدعي لوجود الشيء و نقيضه عند الابرار و الاشرار يجب ان‌تكون الاسباب الموصلة كذلك اذ ايجاد الداعي المقتضي مع عدم مايدعو اليه و يقتضيه لاريب في قبحه لكونه عدم الاجابة للسائل المضطر فلايفعله الحكيم القادر العليم و عدم الداعي و المقتضي عند عدم جعله اذ ما لم‌يتعلق به جعله فهو باطل عدم فلايبقي لمن قال بخلافه ثبات قدم باطل قبيح اما في الكمال فيلزم الاهمال في خلق الخلق من التفصيل و الاجمال و هو محال علي القادر الحكيم

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 309 *»

المتعالي اما في ضده و نقيضه فلعدم تحقق الاول و لاتمام قابلية ظهوره و لئلايلزم الالجاء و الاضطرار فاذن لكان المحسن اولي بالاساءة من المسيئ و لايستحق شيئاً اصلاً اذ لم‌ينسب اليه شيء قطعاً فاذا صح هذا فجعله الله سبحانه و له الحمد و المنة تلك الاسباب سلّماً يرتقي به الي اعلي درجات الرشد و الكمال و يسفل عند عدمه الي ادني دركات الضلال لئلا يكون للناس علي الله حجة في المبدأ و المآل و ليتميز بين الرشد و الوبال فوجب علي المكلف المخلوق التمسك بتلك الاسباب ليفوز بالفضل الي ذلك الجناب و ليحصل له الاستكمال و يتحقق له الاتصال و لايمكن ذلك التمسك و الاتصاف الا بالفعل و الا يلزم ما سبق منا من المفاسد و الفعل و يجب ان‌يكون بالاختيار لما بينا من قبح الاضطرار فلذا جعله الله سبحانه امداده و قوام وجوده و ضعف بنيته و قوتها بالفعل فلذا اختلفت احواله و تفاوتت اطواره و هو سر المحو و الاثبات و الاجلين المحتوم و المقدر و لما كان الانسان و غيره من المكلفين لامكانهم و فقرهم و عجزهم و جهلهم و قصورهم جاهلين بتلك الاسباب التي تصلحهم و تفسدهم وجب علي الحق سبحانه ان‌يبينها لهم و ان كان بالحال فان الوصف منحصر في الحال و المقال فعلّمهم الحق ذلك و ابان لهم عما هنالك و لما كانت الاسباب علي قسمين قسم يتعلق بلفظ البنية الظاهرية الجسدانية و باصلاح نظام ما بين الشخص و غيره مطلقاً من السياسة المدنية و تدبير المنزل المسمي بامر المعاش و القسم الآخر مايتعلق بايصال ما خلق لاجله و وجد لغايته من اصلاح النفس و تصفية القلب و تزكية السر و النواميس الالهية الشرعية المسمي بامر المعاد و الاول لوجود الثاني و لظهوره و تحققه فانحصر الامر في كل مكلف بهذين الاثنين و قوام هذين الاثنين و منشئهما و مبدئهما لايكون الا العلم و به اذ لولاه لاختلت الغاية المستلزمة لجهالة‌ الصانع و سفاهة (سفاهته ظ) الممتنعة علي القادر الحكيم فاذن العلم اصل و قوام لكل مكلف بل موجود و كل مستكمل صالح لكسب الكمالات و كل متسافل و متعال و كل لطيف و كثيف و لولا العلم لقبح الايجاد و لبطل الانوجاد لكونه القبول و لايكون الا بالعلم

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 310 *»

بالمقبول فعلة الكون و مداره انما هو العلم و لولاه لم‌يحسن فوجب علي الحق سبحانه ايجاد (العلم ظ) بعد ايجاد الذات بل العلم و الايجاد متساوقان و لذا تري الحق سبحانه ذكر العلم بعد خلق الذوات من غير فصل و تراخ بل قدمه عليه ليدل علي ما ذكرنا من حكم المساوقة في قوله الحق الرحمن علم القرآن ثم قال خلق الانسان علمه البيان و قال ايضا سبحانه و تعالي اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ و ربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم‌يعلم و هذا سر ايجاد العلم و منه يظهر لك شرفه و عظمه و سبقه علي كل شيء في المراتب الوصفية و ان كان في بعض المراتب بل كلها يجري حكم المساوقة كما لايخفي علي من له ادني دراية و رويّة.

و الوجه الآخر تفريعاً علي هذه المقدمة انه لما امتنع التمسك بتلك الاسباب و الاتصاف بها الا بالفعل و كان المكلفون خصوصاً الانسان ذا عالمين عالم الغيب و الشهادة لاريب ان العالمين مرتبطين فكل عالم له فعل مخصوص و الا لم‌يكن و لاشك ان عالم الغيب اشرف و الطف و اعظم و اكرم من عالم الشهادة فعالم الشهادة انما وجد بعالم الغيب فقوامه به و هو من اسباب وجوده التي جعله الله سبباً له حيث انه تعالي جعل كل عال سبباً لوجود السافل لبطلان الطفرة الباطلة الا عند المسفسطين (ظ) فكما ان الذوات الغيبية بيدها قوام الذوات الشهودية كذلك الافعال الشهودية منوطة بالافعال الغيبية و هي المهيجة لها و الداعية اليها حسناً كان او قبيحاً و لما نظرنا الي الذوات الغيبية المتحققة في العوالم الانسانية وجدناه (وجدناها ظ) كثيرة شتي و لبيانها محل آخر الا انه مجمع كلياتها ثلاث مراتب:

المرتبة الاولي مقام لبها و سرها و لطيفتها الذي هو اول ما خلق الله منها و هو الاصل و الاس (ظ) فيها.

المرتبة الثانية مقام قلبها و مظهر سرها.

المرتبة الثالثة مقام صدرها و محل تشخصها و ظهورها الصورية النورية و هنا مرتبة‌ اخري مقام الحس المشترك البرزخ بين العالمين و الملتقي للبحرين و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 311 *»

المراتب الاخر تتبع هذه المراتب من غير اشكال و لما نظرنا في افعالها رأينا ان ليس لها فعل الا العلوم و الادراكات.

اما المرتبة الاولي ففعلها معرفة الله سبحانه خاصة لكونها المقصود بالذات و هي اول ما برز عن فعل الحق بلا واسطة و الاثر يشابه صفة مؤثره فمعرفة الله التامة الكاملة لاتعرف و لاتدرك الا بذلك المشعر الذي هو اعلي مشاعر الانسان و لذا قال تعالي كنت كنزاً مخفياً فاحببت ان‌اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف.

و اما المراتب الاخر ففعلها العلم بالاشياء و ادراك حقايقها لادراك عظمة الله و جلاله و نعمه و آلائه و اسمائه و صفاته و تلك الاشياء لها حالات معاني (معان ظ) و صور و جسم و البرزخ بين الصورة و الجسم.

فالمرتبة الثانية فعلها ادراك المعاني الكلية للاشياء و النظر اليها بعين الوحدة مع كثرتها المعنوية علي جهة اليقين بحيث لايخالجها الشك و الظن و التخمين.

و المرتبة الثالثة فعلها ادراك الصور المجردة النورية الذهنية المسمي بالعلم عند العلماء و اما الحس المشترك فمعلوم ان فعلها الاشباح النورية البرزخية المتحققة بين عالم الحس و الخيال.

و ليس لهذه المراتب الغيبية فعل الا هذه العلوم المذكورة فهي الاسباب لايصالها علة الغائية و لاشك ان عالم الغيب اعلي و اشرف من عالم الشهادة فالسبب الموصل لها الي ما خلق لاجله اعلي و اشرف من السبب الموصل لعالم الشهادة الي ما خلق لاجله و الذي (لاجله الذي ظ) هو الافعال البدنية و ذلك بمقتضي الحكمة الالهية و الفطرة الوجودية الظاهر المعلوم لمن له فكر و رويّة و يجيئ ان‌شاء الله زيادة توضيح لهذا المطلب و قد علمت ان السبب الموصل لاهل عالم الغيب الي ما خلق لاجله انما هو العلم علي اختلاف مراتبه و درجاته كما سيوضح لك عن‌قريب ان‌شاء الله فيجب ان‌يكون اشرف و اعلي من السبب الموصل لاهل عالم الشهادة الذي هو الحركات و السكنات البدنية

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 312 *»

الجسمية بل العلم هو المهيج لهذه الافعال و الاعمال و الباعث لها و الداعي اليها بحيث لولاه لم‌يكن للبدن فعل اصلاً فصح ان المرقي للمكلفين الي مراتبهم العالية و درجاتهم الرفيعة و مقاماتهم السنية انما هو العلم و هو الاصل لكل اختلاف فمن علم و مشي علي وفق علمه و لم‌يكابره فقد تمسك بالاسباب و فاز الي ذلك الجناب و ادرك كل الصواب و من علم و كابر علمه و لم‌يمش علي وفقه فقد هبط الي اسفل السافلين و تنزل في سجين و من لم‌يعلم اما مطلقاً فلم‌يحسن ايجاده او النظرية او الضرورية في بعض الاحوال فهو موكول امره و مرجو حكمه حتي يعلم و المتمسك بالاسباب يزيد درجته و مقامه و مرتبته حسب زيادة علمه و نقصانه و كماله و تمامه بل لاتري احداً ازيد من الآخر درجة و لو شبراً الا و تراه ازيد منه علماً بذلك القدر و من العلم نشأ اختلاف الموجودات بالاجناس و الانواع و الفصول و بالانسانية و الحيوانية و النباتية و الجمادية و المعدنية و بالاستقامة و الاعوجاج و الحركة و السكون و الحموضة و الحلاوة و المرارة و الصفاء و الكدورة و القرب و البعد و حسن الخلقة و سوئها و الطهارة و النجاسة و الحرارة و البرودة و الشرافة و الدناءة و امثال ذلك من الاختلافات الكثيرة و كل ذلك حال العرض في التكليف الاول و الثاني و الثالث و لو اطلت الكلام في هذا المقام لادي الي ما لاينبغي لانه كشف اسرار القدر.

و اعلم ان الذي ذكرنا ان العلم اصل كل اختلاف و سبب كل هداية و ضلال و علة كل صحة و اختلال ليس لان العلم له جهتان جهة يستدعي الخير و النور و اخري يستدعي الظلمة و الشر كما هو المترائي من ظاهر الكلام بل هو خير محض للممكن و نور صرف و حاشا ان‌يستدعي هو في ذاته شيئاً من الشرور و النقايص بل هذه الاختلافات انما نشأت بموافقته و مخالفته و مكابرته و عدم مكابرته فالشرور انما نشأت من مخالفته و مقابلته للمرآة السوداء و العوجاء و الا فهو خير محض و نور بحت من حيث ذاته لانه سبب الوصول الي الله و الجلوس معه علي سرير الانس و الاستقرار في محل القرب الا ان ضد كل

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 313 *»

شريف يكون في كمال الدناءة و الشريف كل الشريف يكون رحمة لقوم و غضب لآخرين اما قرأت القرآن قوله تعالي و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خساراً هل في القرآن نقص و قصور ابداً و قوله تعالي فسوف ياتي الله بقوم يحبهم و يحبونه اذلة علي المؤمنين اعزة علي الكافرين و قوله تعالي فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب المفسر السور برسول الله صلي الله عليه و آله و الباب بعلي اميرالمؤمنين عليه‌السلام و امثال ذلك من الآيات و الروايات المعضدة لما قلنا كثيرة جداً (ظ) حمل علي هذا قولنا العلم سبب كل اختلاف كما ان علياً عليه‌السلام كان كذلك و لذا قال تعالي عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون المكني به (علي ظ) عليه السلام و قال رسول الله صلي الله عليه و آله فيه عليه‌السلام ما اختلف في الله و لا فيّ و انما الاختلاف فيك يا علي، فتدبر ذلك و كن علي بصيرة من امرك.

ثم اعلم ان بعض الفضلاء ذكر في مقام فضيلة العلم و شرافته كلاماً لاباس بذكره هنا قال في شرحه علي اصول الكافي:

و اما طريق العقل فاعلم ان العلم عبارة عن حضور الصور المجردة عن المواد و الاجسام عند العقل و لاشك ان اشرف الممكنات و اعلاها و انورها هو الموجود الذي لاتعلق له بالامور الجسمانية و ايضاً قد تقرر في علم النفس ان النفس في اول الفطرة امر بالقوة في باب العقل و المعقول كالهيولي التي لاصورة لها في ذاتها في باب الحس و المحسوس فاذا ادركت اوايل العلوم و الضروريات حصل لها استعداد ادراك النظريات و صارت عقلاً بالملكة ثم اذا تكررت (ظ) منه الافكار و الانظار فصارت باشراف النور العقلي علي ذاتها من المبدأ الاعلي عقلاً بالفعل و عاقلة و معقولة فيصير وجودها وجوداً آخر عقلياً بعد ما كان وجودها وجوداً حسياً حيوانياً فتکون احد سکان عالم الجبروت بعد ما کانت احد سكان العالم الادني فاي فضيلة و كمال اشرف و اعلي من فضيلة ‌العلم و كماله الذي يجعل الاموات احياء و الظلمات انوراً اعني الاموات

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 314 *»

بالقياس الي الحيوة العقلية و اعني بالظلمات ظلمات الجهل و العمي.

اقول و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ان هذا الكلام ان قلنا بحقيته و سلمنا صحته لايوصل الا الي عالم الصورة و الظاهر الحاصل من دليل المجادلة بالتي هي احسن لكنا لانسلمه و لانقبل صحته مطلقاً فان قوله «العلم عبارة عن حضور الصورة» فيه ان العلم ليس منحصراً فيما ذكر و ان اصطلحوا عليه فان كلام الله و كلام المعصوم عليهم‌السلام ليس جارياً علي ما اصطلح عليه القوم من الطوائف المخصوصة من الحكماء المشائين و من تبعهم بل كلامهم جار علي الحقيقة و الواقع و الاعتبار يقتضي ذلك علي العموم فاذن اين المعاني الكلية المجردة عن الصورة النفسية و المثالية و الجسمية عن العلم مع ان مدركها العقل الذي هو اشرف من النفس المدرك للصورة كما اعترف.

و اذا موهت بتنزيل المعالي الكلية الي الصورة بان الصورة اعم من ان تكون كلية او جزئية.

قلت هل للعقل ادراك ام لا فان قلت نعم قلت هل ادراك العقل بعينه هو ادراك النفس فان قلت نعم قلت اذ لافرق بين العقل و النفس فان الاثر كاشف عن قوة المؤثر و ضعفه و وحدته و كثرته فاذا كان الاثران متشابهان من كل الوجوه دل علي اتحاد المؤثر و ضعفه و وحدته و كثرته فاذا كان الاثرات متشابهان من كل الوجوه دل علي اتحاد المؤثر و انت قد قلت بان العقل اشرف من النفس و اعلي و هو من عالم الجبروت و هي من عالم الملكوت و الفرق بينهما في القوة سبعون درجة فكلما كان اشرف و اعلي جدير ان‌يكون اثره اعلي و اشرف و النفس لاشك انها تدرك الصور فيجب ان‌يدرك العقل المعاني فادراكه احق بان‌يكون علماً فلا اختصاص للعلم بالصورة المجردة.

فان ابيت ان‌يكون ادراك العقل المعاني مع انكم قد اعترفتم به في كتبكم و ان المعاني تدركه القوة العاقلة‌ و قلت من جهة ان المعاني فيها الصور النوعية المعنوية تدخل في ادراك النفس.

قلت لك اذن ليس للعقل ادراك ام له ادراك فان قلت بالاول فقد كذبت نفسك و كابرت وجدانك فان قلت بالثاني فلم‌نضايق عليك بالتعيين و يثبت

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 315 *»

المطلوب و يبطل قولك ان اردت حصر العلم فيما ذكرت او اردت حصر العلم الذي هو شريف فيما ذكرت.

فان قلت العقل الذي هو اشرف و اعظم و اعلي هو الذوات النورية و الكلمات الالهية الموجودة في صقع الربوبية المعدودة من عالم القدم و اما الذي في الانسان فليس الا مرتبة من مراتب النفس اذا ترقت كما هو المشهور المعروف عندهم.

قلت قد دل العقل و النقل و الوجدان و المشاهدة و قام البرهان علي بطلان هذا القول كما برهنّا عليه غير مرة في ساير رسائلنا و مباحثاتنا و ليس هذا مقام البرهان عليه لادائه الي الاطناب و التطويل و يخرجنا عما كنا فيه و ايضاً علي هذا يلزم ان‌يكون العلم بالحقايق اللاهوتية المجردة عن المواد و الصور و المدة الجبروتية و البرزخية و الملكوتية‌ النفسية و الشبحية‌ المقدارية و الصورة الجسمية التي لا كيف لها و لا جهة و لاتدرك الا بعد كشف سبحات الجلال من غير اشارة‌ التي هي محل المعارف الالهية و الفيوضات الخاصة السبحانية خارجاً عن العلم الشريف اذ ليس فيه صورة ضرورة وجوب تطابق العلم بالمعلوم و انطباقه عليه مع ان هو العلم حقيقة و غيره بالنسبة اليه جهل صرف و بالجملة ليس العلم مطلقاً عبارة عما ذكر و ان كان في بعض مراتبه عبارة عما ذكر اي العلم النفسي و ان كان قد اشتهر به و ورد في الاخبار تعبير عنه الا ان ذلك كله حسب مقدار المخاطبين من العوام اهل المجادلة بالتي هي احسن لوفورهم و كثرتهم و اكثر احتجاجات الائمة عليهم‌السلام معهم لانهم يتكلمون مع الناس مقدار عقولهم كما لايخفي علي اولي النهي.

و قوله «و لاشك ان اشرف الممكنات و اعلاها و انورها هو الموجود الذي لاتعلق له بالامور الجسمانية» فيه انه ان اراد ان المجردات اشرف من الماديات فلاشك فيه و لاريب يعتريه لكن هذا لايدل علي ان العلم اشرف كل كمال و جمال و بهاء في الممكن اذ قصاراه ان العلم الذي هو عبارة عن حصور الصور المجردة اهـ ، اشرف من الصور المقدارية و الصور الجمسية و هذا ينال

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 316 *»

في المراد فان الكمال ليس في الاجسام و لا في الجسمانيات و لا فيها خير يعتني به و يعتمد عليه فالقول بان العلم اشرف من الاجسام في الحقيقة نقص له لمن يعقل و يفهم و ليس هذا فضل له و لا شرف له كما قال الشاعر:

يقولون لي فضِّل عليّاً عليهما             و كيف اقول الدر خير من الحصي

الم‌تر ان السيف يذري بحاله             اذا قيل ان السيف خير من العصا

و اما اذا ادعيت بان الصور المجردة احسن ما في الامكان فلانسلمه و لانقبله ضرورة ان المعاني المجردة اعلي و اشرف منها و كذا الحقيقة المطلقة اللطيفة الربانية آية الله و نوره و صفة معرفته المجردة عن المواد و الصور مطلقاً اشرف منها بل مقام العلم المصطلح آخر المراتب المجردة و ادني المقامات و اول مقام دليل المجادلة و بعده عشرون مقاماً كلها دركات الهالكين فيها ظلمات و رعد و برق يجعلون اي الواقفون فيها اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت و الله محيط بالكافرين بل المراد ان العلم اشرف من كل كمال و ابهي من كل جمال بحيث لا كمال و لا جمال لاحد الا بعلمه و الزيادة بالزيادة كما اشرنا سابقاً و برهنا عليه اشارة.

قوله «قد تقرر في علم النفس ان النفس في اول الفطرة امر بالقوة» الي ان‌قال «كالهيولي في باب الحس و المحسوس» فيه انه لا اختصاص لهذه القوة الحاصلة للنفس في النطفة و قبلها من الاشجار و السحاب و الماء و الهواء و النار و الافلاك و عند الملائكة المدبرات و المسخرات و بعدها من العلقة و المضغة و العظام و اكتساء اللحم و تمام الخلقة و احوال الرضاع و الفطم و الصبي و غير ذلك من الاحوال بين النفس و ساير المراتب الغيبية العالية مما قبلها من الحقيقة الوجودية اللطيفة الالهية الخلقية و العقل و الروح و مما بعدها من الطبيعة و المادة و المثال فانها كانت موجودات غيبية اولية خلقها الله تعالي بلطيف صنعه و فعله فعلاً اولياً في كمال الشعور و الادراك و الاختيار فهي كانت اموراً فعلية

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 317 *»

متحققة و ماكانت فيها من القوة من شيء نظراً الي قاعدتهم كما هي الحق من ان كل مجرد اشرف من المادي و كل شريف اقدم في الوجود من الوضيع بقاعدة امكان الاشرف و لاشك ان العقول و النفوس و الارواح من المجردات فهي اقدم في الوجود من الماديات فاذن خلقها قبلها بل خلق الاجسام بها و هو سر ما ورد ان الارواح قد خلقت قبل الاجسام باربعة آلاف سنة و لما اراد الحق سبحانه بلطف صنعه و مقتضي حكمته ان‌ينزّلها الي عالم الناسوت و حوزة الملك بهموت فلما تنزلت مايمكن ان‌يكون العالي ظاهراً بعد التنزل الي السافل حال التنزل و حيثيته فغابت الانوار كلها في المواد الجسمية و الهيولي الثانية قبل ان‌يمتاز محال ظهورها كالارض للشمس و المرآة للصورة بل كلما كان اشرف كان ظهوره ابطأ لان غيبوبته و قوته كان اول و اقدم و هذه الغيبوبة و عدم ظهور آثارها سموه بالقوة و قالوا جهلاً بحقيقة الحال ان القوة مقدمة علي الفعل و ما بالقوة قبل ما بالفعل بل سهوا سهواً بيناً و خبطوا خبط عشواء و الحق ان ما بالفعل مقدم بالوجود علي ما بالفعل (بالقوة ظ) و ان كان ظهوره متأخر (متأخراً ظ) عنه و ذلك لما قلنا و اقمنا عليه الحجة بما قالوا بل الحصولي ايضاً مقدمة علي الصورة بالذات و ان كانت متأخرة عنها في الظهور الا انهم لما اقتصروا علي الظاهر و التفتوا الي ظاهر الحال و ذهلوا عن الحقيقة‌ و ما التفتوا اليها تكلموا بالامور القشرية و لو كشفت لك حقيقة الامر لرأيت الحق و رأيت بطلان ما قالوا صريحاً و ان كان قد ظهر الامر في الحقايق الغيبية و الذوات المجردة النورية‌ و وجه تقدمها علي قوتها و بطلان القول بالانحصار كما ادعي ادعاه المدعي و امر الهيولي و تقدمها محجوب (ظ) عليهم لقصورهم عن معرفة حقيقة الهيولي و الصورة و سينكشف لك الامر في خلال الكلام بعون الله الملك العلام.

قوله «فصارت باشراق النور العقلي علي ذاتها من مبدأ الاعلي عقلاً بالفعل و عاقلة و معقولة فيصر (فيصير ظ) وجودها وجوداً آخر عقلياً بعد ما كان وجودها وجوداً حسياً حيوانياً» فيه ان الشيء لايجاوز محله و مقامه و ما منا الا له

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 318 *»

 مقام معلوم، فلايكون الجسم روحاً ابداً و لا الروح جسماً ابداً و لا العقل نفساً ابداً بل كل شيء في مقامه يحصل له الترقي في رتبته و قد اطلنا الكلام في هذا المقام في تفسير آية الكرسي فالنفس ان ترقت في الادراك فهو لاعتدال النسبة الانسانية و الصدر الجسماني في النضج و الصلاحية لا لنقص في ذاتها و ان كان فيها نقص ليست كمالاتها فعلية لكنها بمعني آخر كما ان الشمس اذا اشرقت علي الحجرة الصماء لاتجد ظهوراً لنورها فيها الا قليلاً و اذا اشرقت علي الزجاجة كان ظهور نورها اكثر و ازيد و اذا اشرقت علي البلور كان ظهور نورها فيها ضعف ما كان في الزجاجة بحيث يحرق ما يقابله و ليس هذا التفاوت لاجل تفاوت في ذات الشمس بالنسبة‌ الي اشراقها في الاشياء الثلاثة و ان كان لها تفاوت في ازدياد النور و نقصانها بالنسبة الي ذاتها و ذلك حكم ثاني.

و كذلك النفس بالنسبة الي البدن حرفاً بحرف و ان ترقت النفس في النورية و طلب الخير و الاقبال الي الله فهو باعتبار اكتسابها من نور العقل و استمدادها من نوره و اطاعتها له فتترقي الي النفس اللوامة بعد ما كانت امارة بالسوء ثم منها الي الملهمة ثم منها الي المطمئنة ثم منها الي الراضية ثم منها الي المرضية ثم منها الي الكاملة ثم تترقي في تلك المرتبة الي ماشاءالله حسب اعمالها من الادراكات الحقة و التصوارت النورية فلايخرج عن مقامها ابداً فان اردت ان‌تعرف صدق ما ذكرنا بعين اليقين فقابل مرآة الحكماء فان فيها تمام الامر.

ثم العقل ايضاً يترقي الي مقاماتها الاربعة فلايخرج عنها ابداً و لايصل الي مقام الفؤاد نور الله الذي به يعرف.

و الفؤاد و ان ترقي بكل ما هو عليه فلايصل الي مقامات المشية و الارادة و هما و ان ترقتا فلايصلان الي مقام الذات سبحانه و تعالي و لعمري ان خروج الشيء عن مقامه و مرتبته كلام لايتفوه به العاقل اللبيب و كل هذه الاغلاط و الاشتباهات انما هو لاعراضهم عن ائمة الدين و عدم الاستضاءة من مشكوة اخبارهم و عدم الانتفاع بضياء آثارهم صلي الله عليهم.

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 319 *»

و بالجملة حق القول ان العلم اشرف كل كمال و ابهي كل بهاء و جمال و اعظم كل عظمة و جلال فلا فخر الا بالعلم و لاشرف لشيء من الاشياء لا الملائكة (الملك ظ) المقرب و لا النبي المرسل الا بالعلم فاذا كان شرف الشيء بالغير بحيث اذا اخذ منه ذلك الغير سلب الشرافة فذلك الغير اولي بالشرافة مما يتشرف به و هذا ظاهر معلوم ان‌شاء الله تعالي و من هذه الجهة ورد في القرآن تعظيم العلم و تبجيله و شرفه في مواضع عديدة:

منها قوله تعالي شهد الله انه لا اله الا هو و الملائكة و اولوا العلم، فانه تعالي بدأ بنفسه اولاً و ثني بالملائكة و ثلث باهل العلم و ان كان المجموع ينبئ عن العلم لان الشهادة لايكون الا بالعلم و ناهيك بهذا شرفاً و فضلاً و جلالة.

و منها قوله تعالي يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات، اعلم ان الله تعالي ذكر الدرجات لاربعة‌ اصناف:

اولها للمؤمنين من اهل بدر في قوله تعالي انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم الي قوله تعالي لهم درجات عند ربهم.

و الثانية للمجاهدين قال تعالي فضل الله المجاهدين باموالهم و انفسهم علي القاعدين درجة.

و الثالثة من عمل الصالحات قال تعالي و من ياته مؤمناً قد عمل الصالحات فاولئك لهم الدرجات العلي.

الرابعة للعلماء قال تعالي و الذين اوتوا العلم درجات و لاريب ان الدرجات ثلاثة يرجع الي العلم اذ لولاه لم‌يتحقق الايمان و لا المجاهدة و لا الاعمال الصالحة و لكن المراتب الثلاثة خصوصيات ما اطلق في الرابع فهو يشمل الجميع فتفهم و قد روي عن ابن عباس للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة مابين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام و هو حق لا شك فيه و بيانه و بيان هذا التحديد الخاص يطول به الكلام.

منها قوله تعالي هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون، اعلم انه عز و جل قد فرق في كتابه بين امور و اضدادها فرّق بين الطيب و الخبيث فقال لا

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 320 *»

 يستوي الخبيث و الطيب و فرّق بين الاعمي و البصير قال تعالي هل يستوي الاعمي و البصير و فرّق بين الجنة و النار قال تعالي لايستوي اصحاب النار و اصحاب الجنة و فرق بين النور و الظلمة و بين الظل و الحرور و بين الاحياء و الاموات قال تعالي مايستوي الاعمي و البصير و لا الظلمات و النور و لا الظل و لا الحرور و مايستوي الاحياء و لا الاموات ان الله يسمع من يشاء و ما انت بمسمع من في القبور و اذ تأملت و امعنت النظر وجدت كل ما جوز (ظ) من الفرق بين العلم و الجهل اما بالحقيقة في الكل او علي التشبيه و التمثيل في بعض و الاول يطول بذكره الكلام تركته للاختصار و امتحاناً لاذهان الاذكياء فاذن العلم هو اصل كل خير و مخالفه اصل كل شرّ.

منها قوله تعالي انما يخشي الله من عباده العلماء، اعلم ان الله تعالي وصف العلماء بمناقب عديدة بحيث كل واحد منها مستقلة في الايصال الي الحق سبحانه و هي التوحيد و الشهادة و الاقرار له بالوحدانية كما في قوله تعالي شهد الله الآية و وصفهم بالسجود علي وجه التذلل و الانكسار الذي هو احب احوال الخلق الي الحق و بالتصديق لوعده الذي هو علامة الرجال للخواص بالخشوع كما في قوله تعالي ان الذين اوتوا العلم من قبله اذا يتلي عليهم يخرون للاذقان سجداً و يقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولاً و يخرون للاذقان يبكون و يزيدهم خشوعاً و وصفهم بالخشية كما في الآية انظر في هذه الخصال فصدّق ما قلنا فانها كلها آثار العلم فاذن اين المؤثر في المقام.

منها قوله تعالي قل كفي بالله شهيداً بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب.

منها قوله تعالي قال الذين اوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير.

منها قوله تعالي و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الا العالمون.

منها قوله تعالي و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم علي قراءة الوصل.

منها قوله تعالي و يري الذين اوتوا العلم الذي انزل اليك من ربك هو الحق.

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 321 *»

و امثالها من الآيات كثيرة جداً.

و اما الاحاديث و الاخبار الدالة لهذا المطلب و المؤيد لها و المعضدة اياه فكثيرة:

منها ماروي عن رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي نوم العالم افضل من عبادة العابد يا علي ركعتان يصليهما العالم افضل من الف ركعة يصليها العابد يا علي لافقر اشد من الجهل و لا عبادة مثل التفكر، و عن الصادق عليه‌السلام اذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد و وضعت الموازين فيوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء علي دماء الشهداء، و قال صلي الله عليه و آله العامل علي غير بصيرة كالساير علي غير الطريق لاتزيده سرعة السير من الطريق الا بعداً، و قال صلي الله عليه و آله الانبياء قادة و العلماء سادة و مجالستهم عبادة، و قال صلي الله عليه و آله الا ان الله يحب بغاة العلم، و قال صلي الله عليه و آله ان الله و ملائكته و اهل السموات و الارض حتي النملة في جحرها و الحوت في البحر ليصلون علي معلم الناس بالخير، و قال ايضاً صلي الله عليه و آله اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث علم يتنفع به او صدقة جارية او ولد صالح يدعو له، و قال صلي الله عليه و آله لاحسد الا في اثنين رجل آتاه الله الحكمة فهي يقضي بها و يعلمها الناس و رجل آتاه الله مالاً فسلطه علي انفاقه في الحق فهو ينفق منه سراً و جهراً هـ ، و عن مولانا علي بن الحسين عليهما السلام قال لويعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللجج ان الله تبارك و تعالي اوحي الي دانيال ان امقتَ عبيدي اليّ الجاهل المستخف بحق اهل العلم التارك للاقتداء بهم و ان احب عبيدي الي التقي الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحكماء القابل عن الحكماء، و عن ابي‌عبدالله عليه‌السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً الي الجنة و ان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم و ما به و انه يستغفر لطالب العلم من في السماء و من في الارض حتي الحوت في البحر و فضل العالم علي العابد كفضل القمر علي ساير النجوم ليلة البدر و ان العلماء

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 322 *»

 ورثة الانبياء ان الانبياء لم‌يورثوا ديناراً و لا درهماً و لكن ورثوا العلم فمن اخذ منه اخذ بحظ وافر هـ ، قال مولانا علي عليه‌السلام يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك و انت تحرس المال و العلم حاكم و المال محكوم عليه و المال تنقصه النفقة و العلم يزكو بالانفاق، و قال عليه‌السلام العالم افضل من الصائم القائم المجاهد و اذا مات العالم ثلم في الاسلام ثلمة لايسدها الا خلف مثله، و قال ايضاً نظماً و قيل انه لابنه الحسين عليه‌السلام:

الناس من جهة التمثال اكفاء            ابوهم آدم و الام حواء

فان يكن لهم في علمهم شرف          يفاخرون به لا الطين و الماء

ما الفخر الا لاهل العلم انهم علي           الهدي لمن استهدي ادلاء

و قدر كل امرء ماكان يحسنه           و الجاهلون لاهل العلم اعداء

ففز بعلم تحز طيب الحيوة به            فالناس موتي و اهل العلم احياء

قال بعض العماء مناسباً لهذا المقام كلاماً احب ان‌اذكره لما فيه من الفوائد و ترغيب الطلاب و تحريصهم الي التشبث باذيال العلم و العلماء فانه ركن الدنيا و الدين و الآخرة و العقبي قال: «و من الدلائل علي فضيلة العلم ان يوسف علي نبينا و آله و عليه‌السلام مع ما له من الملك و المال و الجاه و حسن الخلق و الخلق ذكر منّة الله علي نفسه بالعلم حيث قال و علمتني من تأويل الاحاديث فانت يا عالم اما تذكر نعمة الله عليك حيث جعلك من تاويل الاحاديث فضلاً عن تفسير ظاهرها و من العارفين اهل اسرار الحقيقة و اليقين فضلاً عن الواقفين علي الظواهر و القشور من فروع الشريعة و الدين و جعلك سمياً لنفسه و هو العليم الحكيم و جعل شهادتك قريناً بشهادته و شهادة ملائكته في باب التوحيد حيث قال شهد الله انه لا اله الا هو الآية، و جعلك وارثاً لنبيه لقوله صلي الله عليه و آله العلماء ورثة الانبياء، و داعياً لخلقه و سراجاً لاهل بلاده و مناراً في عباده لقوله تعالي و جعلنا له نوراً و قوله نورهم يسعي بين ايديهم و بايمانهم و قوله صلي الله عليه و آله فضل العالم علي

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 323 *»

 العبد (العابد ظ) كفضل القمر ليلة البدر علي ساير الكواكب، و شفيعاً يوم القيامة لما روي عنه صلي الله عليه و آله تشفع يوم القيامة ثلاثة الانبياء ثم العلماء ثم الشهداء، و اميناً في ارضه لقوله صلي الله عليه و آله العالم امين الله في الارض، و سيداً و قائداً للخلق الي جنته و ثوابه و زاجراً لهم عن ناره و عقابه كما قال صلي الله عليه و آله العلماء سادة و الفقهاء قادة و مجالستهم عبادة، و خليفة لنبيه صلي الله عليه و آله كما قال صلي الله عليه و آله اللهم ارحم خلفائي فقيل يا رسول الله من خلفاؤك قال الذين ياتون من بعدي يروون حديثي و سنتي».

و بالجملة فضايل العلم و شرافته و علوه و الحكم المستدعية لايجاده و احداثه و امتنان الخلق به مما لايمكن لامثالي من القاصرين فاكتفينا بالاشارة الي بعض الوجوه تنبهاً (تنبيهاً ظ) للغافلين و ارشاداً للمسترشدين و الحمدلله رب العالمين.

المطلب الثاني في حقيقة العلم و ذكر عوالمه السافلة و العالية و ذكر مبدئه و منتهاه.

اعلم ان المحجوبين عن مشاهدة نور اليقين و القاعدين عن انسلاك الطريق المورد علي الماء المعين من حوض ولاية اميرالمؤمنين و اولاده الطيبين الطاهرين عليهم سلام الله ابد الآبدين لما لم‌ينفتح ابصار قلوبهم لمشاهدة الحق المبين و الوحدة السارية في الموجودات علي جهة الاجمال و التبيين لتشتت اقوالهم حسب ما رأوا مما ظهر لهم من ذلك النور الالهي في مقاماتهم العلوية و السفلية‌ فقال كل ما راي حسب ما شاهد او من جهة شدة جلائه و ظهوره قد اختفي و افتقد و اختلفوا في العلم اختلافاً شديداً مع ان الحق مع واحد منهم و هو كلهم من حيث اجمعهم فقيل انه حضور المعلوم عند العالم بعد ما انكروا الوجود الذهني و قيل هو حصول الصورة في الذهن فيكون علي كلا القولين من مقولة الاضافة ‌و قيل هو الصورة الحاصلة من الشيء في العقل و قيل كذا عند العقل فيكون علي القولين من مقولة الكيف و قيل هو قبول النفس لانتقاش

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 324 *»

الصورة و هو المعني الثاني للادراك علي زعمهم فيكون العلم من مقولة الانفعال و قيل انه صفة توجب لمحلها تميز لايحتمل النقيض (و قيل ظ) انه صفة ينجلي بها امر معنوي لمن قامت به و قيل هو نفس الانكشاف اي انكشاف معلومات للعالم و قيل هو عين المعلومات، و امثال ذلك من الاقوال الكثيرة و ارادوا في كل ذلك مبدأ ما اشتق منه لفظ العام الموضوع للمفهوم الكلي اي قام به هذا المبدأ الصحيح الصدق علي الواجب سبحانه و علي الممكن و من هذه الجهة و غيرها من الامور التي لا فائدة كثيراً في ذكرها فانقضوا كل هذه التعاريف و اوردوا عليها ايرادات و ابحاث و اعتراضات بحيث ملؤوا الدفاتر و لم‌يجدوا منها حاصلاً ظاهراً و لو اردنا ان‌نبين ما تكلّفوا من النقض و الابرام لطال علينا الكلام و يخرجنا عن المرام و الاختصار احب الي في كل مقام.

فنقول ما تحقق عندنا في هذا المطلب و ما ادركنا الذوق من هذا المشرب ان هذه التعاريف المذكورة و الغير المذكورة انما هي عبارات نشأت من اختلاف مقامات العلماء في العلم فتكلم كل حسب مقامه و لما كانت المقامات الانسانية مضبوطة محدودة لايبعد ان‌يقال ان مرجع كل هذه الكلمات الي شيء واحد و ان لا اختلاف بينها باعتبار كل تعريف و بيان في مقام من المقامات و مرتبة من المراتب اذا جمعت الكل و رتبتها ينتج لك المطلوب و شرح ذلك و بيانه يطول الا اني اقتصر علي الاشارة حسب ما يسعني من تأدية العبارة فنقول انا لما تأملنا و تدبرنا في انفسنا وجدنا ان المشاعر و المدارك التي للانسان كلها غير خالية عن حالتين:

الاوّل قدرة ذاتية و قوة غريزية (ظ) يقتدر بها و ان كانت بنفسها عن ادراك مايقابلها و يحاذيها اما من الامور المحسوسة في الحواس الخمسة الظاهرية‌ او المعقولة فان السمع مثلاً ليس الذي يدرك المسموع بحيث اذا فقد المسموع اقتضي صدق اسم ضده و هو الاصمية و كذا البصر و الشم و الذوق و اللمس و الا يلزم ان‌يصدق ضده و نقيضه عند عدم المقابل و الضرورة قضت ببطلانه فيجب ان‌تكون تلك القدرة ذاتية لا فعلية اذ المفروض وجودها عند عدم الفعل

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 325 *»

فلك ان‌تقول ان تلك القوة وجودها مساوق لوجود ذلك المشعر و المدرك بل لك ان‌تقول انها هي ليست شيئاً غيرها لكنها بنسبة مقامها فقوة العالي بحسبه و السافل بحسبه لئلا يتوهم المخالف ليلومك (كذا) المؤالف فاذن قد يجب لها مانع يمنعه عن ابراز ما في ضميره و ذاته و قد لايحجبها فيصل مبلغها و تحوم حول مركزها و لاتتعدي مجراها و لاتتجاوز مأواها فعلي الاول قد يمكنه ان‌يزول المانع و قد لايمكنه بامور و اسباب يطول بذكرها الكلام و سنذكرها ان‌شاء الله فيما ياتي فيما يناسب المقام و معني ذاتيتها ان الله تعالي لما خلق خلقه علي هذه الفطرة و الجبلة‌ اظهاراً لكمال النعمة‌ و اتماماً لبلاغ الحجة و يجري هذا الحكم في المشاعر الغيبية كما يجري في الشهودية حرفاً بحرف بل جريانه هنالك اظهر و اوفق كما لايخفي.

الثانية ادراك ما يناسب تلك القوة فعلاً علي حسبها فالصورة‌ في الصورية و المعني في المعنوية و الحقيقة في الحقيقية و المقدار في المقدارية‌ و الجسم في الجسمية و لايتوهمن متوهم ان الاول الاولي كانت تلك القوة بالقوة و الآن صارت بالفعل فليس هنا شيئان بل شيء واحد قوة و فعل لانا نقول ليس هنا قوة و فعل بل ذات و فعل لان ما بالقوة لايكون كذلك الا لنقص في ذات الشيء من عدم النضج و الاعتدال المناسب لذلك الذي صار بالقوة و هو يحتاج الي اصلاح ذلك الشيء شيئاً فشيئاً حتي يظهر المحل و يناسب ظهور ما بالقوة كمراتب الجنين من النطفة و العلقة و المضغة و العظام و تكسي لحماً و انشاء الخلق الآخر اي الروح القديمة و هذا هو ما بالقوة الذي صار بالفعل علي الظاهر و اما ماكان ذاته كاملة تامة الاقتضاء للفعل اما منعه عن اظهار فعل عدم مايتعلق فعله به او عدم شرائط ظهوره و عدم توفر اسباب بروزه حتي اذا ارتفعت ظهر فعله و قد صح ان رفع الموانع ليس من تتمة المقتضي و ما هذا شانه لايقال له انه كان بالقوة صار بالفعل فلو انفتح هذا الباب فيلزمك ان‌تقول كل مفعول بالنسبة الي كل فاعل انه كان بالقوة فصار فعلياً و هذا من افحش الاغلاط فالفرق بين القوة و الفعل و الذات و الفعل هو ماذكرنا لك آنفاً فان التزمت بهذا و سميت الكل

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 326 *»

باسم واحد فلا علينا كلام في خصوص التسمية بل في الحقيقة‌ و الواقع نفرّق بين المعنيين يقيناً و ان اشركتهما في اسم واحد الحاداً في الاسماء و مخالفة للعقلاء بل و الفصحاء و البلغاء.

و لاشك ان ما نحن فيه ليس من القسم الاول بل من القسم الثاني لقضاء وجدان علي الفرق اليقيني الواقعي فاذا صح هاتان الحالتان للمشاعر و المدارك الكلية و الجزئية فلا علينا ان‌نطلق العلم علي كل الادراكات بقول مطلق علي الاجمال و نطلق العلم الذاتي علي المرتبة الاولي لكونه عين ذات الشيء و لايستدعي شيئاً و لايقتضيه غيرها لعدم صحة سلب الاسم عند عدم المقابل و علي هذا يحمل ماورد في الحديث كان ربنا عزوجل عالماً و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لامسموع و البصر ذاته و لامبصر و القدرة ذاته و لامقدور و لما وجدت الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر، فاشار الي المرتبة الاولي باثبات العلم و نفي المعلوم من انه هو الذات و هي لاتستدعي شيئاً اصلاً و ذاتية هذا العلم في كل شيء بحسبه في كل محل بحسبه و اثبات هذا المعني لله سبحانه ايضاً لا لجهة جامعة و حقيقة مشتركة بينه و بين عباده بل لان الخلق مثال معرفة الحق تعالي و آية توحيده و تفريده قد وصف الله تعالي نفسه لهم بهم علي حسب اقتدارهم لملاحظة لايكلف الله نفساً الا وسعها و ان كل شيء لايجاوز مبدأه و ان الادوات انما تحد انفسها فافهم و اتقن و نطلق علي المرتبة الثانية العلم الفعلي لكونه لايحصل الا عند فعل ذلك المشعر و المدرك و هذا لاريب في اقتضائه المعلوم و المسموع و المبصر لان الفعل لايكون الا بالمفعول يعني لايظهر الا به لان قبول اثره معه هو المفعول و اثره الاولي هو ركنه كما برهن في محله و هذه المرتبة جديرة ان‌يقال انها نسبي اضافي لايتحقق بدون المعلوم بل هو مستفاد منه علي ظاهر القول و هو الوقوع المشار اليه في الحديث المتقدم فاشار صلي الله عليه و آله الي العلمين اشارة واضحة و هذه التعاريف مما ذكرت و مما لم‌تذكر اغلبها و اكثرها الا قليلها لمن اطلع علي هذه الدقيقة الشريفة تجري

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 327 *»

علي التقدير الثاني و لذا اشتهر عندهم ان العلم امر نسبي رابطي يحتاج الي المعلوم كما هو شأن النسبة مع النسبتين فاشكل عليهم الامر في علم الله سبحانه قبل الاشياء حتي اضطروا و التجأوا الي القول بالاعيان الثابتة للصور العلمية الازلية الابدية الغير المجعولة فكفروا من حيث لايشعرون و يحسبون انهم يحسنون صنعاً و لو كان لك بصر حديد و قلب قد القي السمع و هو شهيد يمكنك ان‌تصحح علي هذا الاصل الاصيل الذي اصلنا لك و كل هذه التعاريف بالرد الي المرتبة‌ الاولي و الثانية و كل شيء في مقامه.

ثم لما كان نظرنا الي الحقايق و الذوات و الصفات و الاضافات و النسب و الاوضاع الحقيقية‌ النفس الامرية و ما اقتصرنا الي المدلولات اللفظية المختلفة و الي الاصطلاحات الحديثة و القديمة و الي التخصيصات و التعميمات المجازية و الحقيقية من الاحكام اللفظية لانها مبعدة عن الوصول الي حقيقة الشيء كما هي علي حسب الطاقة البشرية و حاجبة عن مشاهد [مشاهدة ظ] انوار المعرفة الالهية فان الالفاظ لاتوصل الا الي الرسوم و الظواهر و لاتوصل الي ادراك النور الباهر و الدر الفاخر و لذا كان الوصف الحالي اعلي الاوصاف و اشرفها و اعزها و امنعها و ادلها الي المراد و اسدها للثبات و التثبيت علي الطريق السداد و المنهج الرشاد و لذا بدأ به الحق سبحانه اولاً دون غيره و ضرب الامثال و بيّن الاحوال و قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق في المبدأ و المآل و كان الوصف المقالي اخفاها و ادناها و اقلها و اكثرها و لذا قرنه تعالي بالوصف الحالي اكمالاً للحق و اتماماً للحجة لا لاصل التعريف فانها حاصلة علي وجه اكمل و اتم اي التعريف الحالي و اين الالفاظ من الايصال الي حقايق الاشياء و ان اشتهر ان الالفاظ دوال و قوالب للمعاني نعم لكنها المستنبطة منها لا مطلقاً و كيف المطالب العالية التي لاتتصور في النفس تتجسد في اللفظ فانت ان اقتصرت علي القشور و الظاهر و الاختلاف و عدم الايتلاف فاصعد من اللفظ الي المعني و ان اردت الحق الواقع الثابت الواحد الغير المتعدد الممكن الحصول في حقك فاضرب عن الالفاظ صفحاً و اطو عنها كشحاً و انظر في

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 328 *»

المعاني و الحقايق الوجودية بعين الله الناظرة فادركها و اتقنها باعانته تعالي و حسن توفيقه ثم انظر الي الالفاظ الموضوعة للمعاني علي ما اشتهر بين اهل اللغة و العرف العام تجدها مطابقة موافقة صافية زاكية نقية عن الاوهام الفاسدة و الآراء الكاسدة التي حدثت لاكثر اهل الاصطلاح و الاحتمالات الجارية الواقعة في الالفاظ من جهة تكثر استعمالها في خلاف معانيها في بعضها مجازاً و في بعضها الحاداً و الا فالالفاظ مطابقة مع الذوات مناسبة معها بالمناسبة الذاتية لان وضعها الهي و جعلها رباني لايتطرق اليها الفساد و الاختلاف كما لاتتطرق في الذوات و الكينونات و انما تطرق الفساد فيها دون الذوات كثيراً لالحاد الملحدين و الجهل المركب و البسيط لبعض الضالين المضلين فاذا اردت ان‌تحصل الحق من الالفاظ المدونة في الدفاتر و الكتب ماتكاد تجده لانك مايمكنك ان‌تخلص من كثرة مايرد عليها من الشكوك و الشبهات و الايرادات فاذا جردت المطلب عن اللفظ و لاحظت المعني كما ينبغي ح يظهر لك الحق القراح و يبزغ نور شمس الصلاح من افق النجاح و يسمع اذن قلبك منادي حي علي الفلاح فان الديك قد صاح و نور الشمس قد لاح لكن هذه المعرفة دقيقة خفية جداً لا كل من رامها وجدها و لا كل من طلبها لحقها و وصل اليها الا من اكتحل عيناه بنور الولاية و تجرع من حوض النبوة بيد خاتم الولاية.

و بالجملة قد طال الكلام و اخرجنا ظاهراً عن المقام فلنرجع و نقول انا نحب ان‌نشرح تينك الحرفين المتقدمين من ان العلم علي قسمين علم ذاتي و علم فعلي فانه ما سبقنا و لله الحمد و الشكر احد بهذا التعبير و التعميم علي هذا الطريق من التحقيق و ان كان استادنا الاعظم و ملاذنا الاقدم اطال الله بقاه و جعلني من كل مكروه و محذور فداه قد فتح هذا الباب في علم الله سبحانه و قسمه الي قسمين ذاتي و فعلي و الناس من جهة عدم اشتهار هذا التقسيم عندهم و عدم استماعهم من اسلافهم استغربوا في العلم الفعلي في الله سبحانه و حصروه في الذاتي و ما التفتوا الي ان مايقول سلمه الله تعالي لاينافي ما استقرت عليه عقايدهم لكني عممت الحكم في ذلك في كل علم من كل مشعر و اجبت

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 329 *»

عن نقض الاجتماع و الاشتراك بين الحق و الخلق سابقاً اشارة و لكنهم يستغربون اشد استغراب في ان العلم الذاتي كيف ينسب الي الخلق لان العلم عندهم هو الامر النسبي الغير المتحقق الا بالمعلوم و ان علم المخلوق زائد علي ذاته فيجب ان‌نبين هذا الكلام لينكشف اللثام عن وجه المرام و لا قوة الا بالله الملك العلام.

فنقول قد قلنا انا لسنا بصدد الاصطلاح في هذا المقام و ان نتكلم عليها فنريد بالعلم الفعلي الادراك الثابت علي قول مطلق مجمل يصح صدقه علي الادراكات الحسية الجسمية و من الظاهرية كالادراك السمعي و البصري و الشمي و الذوقي و اللمسي و الادراكات الشبحية المقدارية الواقعة في بنطاسيا الحس المشترك و الادراكات الصورية النفسية المجردة عن المواد الفلكية و العنصرية و الادراكات الرقايقية الروحية البرزخية و الادراكات المعنوية العقلية الجبروتية و الادراكات الحقية و الحقيقية الفؤادية النورية و لانخصّ العلم في هذا المقام بادراك من الادراكات المفصلة المجملة المذكورة كما فعله غيرنا و عليه ايضاً علي الظاهر بل الواقع مدار اللغة فانهم يطلقون علي من ادرك شيئاً باي نوع من انواع الادراكات المذكورة و الغير المذكورة لفظ العالم سواء كان ادرك بالبصر او السمع او غيرها و انما قيّدنا الادراك بالثابت لنخرج عن المقام عما ليس كذلك كالارتياب و الوهم و الوسوسة و حديث النفس و الشك و الظن علي اقسامه من الاشعار و الناظم بالعلم و غيرهما علي ما سيجيئ تفصيله ان‌شاء الله تعالي فيما بعد.

فاذا عرفت موضع البحث لانه المدار في انفسهم و التفهم فاعلم انه قد صح عندنا و عند المحققين من العقلاء دون المسفسطين المكابرين ان الطفرة في الوجود باطلة و ان كل ما هو اقرب الي مبدئه اشد نوراً و اكثر تحققاً و اشرق بها من غيره و كل ما هو ابعد من مبدئه اضعف تحققاً و اخفي ظهوراً و بروزاً من ما هو اقرب منه و لاشك و لا شبهة علي ما فصّلنا و اجملنا و حققنا سابقاً ان العلم اشرف من كل شيء لانا نقصد به النور فنقول ان اول ما صدر عن الحق سبحانه

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 330 *»

هل هو منير او مظلم فان كان الثاني جاءت الطفرة و ان‌يكون الاقرب الي المبدأ اخس (ظ) مما هو ابعد منه و ان كان الاول فهل هو بنور هو عين ذاته او خارجاً عن ذاته فان كان الاول ثبت المطلوب و ان كان الثاني فهذا الخارج الذي هو الذات هل هو نور او ليس بنور فان كان الاول فهو عين المدعي لاستغناء النور الذاتي عن الخارجي في اصل الذات و التحقق و ان احتاج اليه في بعض من مكملات وجوده او متممات ظهوره و امثال ذلك فان كان الثاني هل هو مقدم علي النور ام مؤخر عنه فان كان الاول جاءت الطفرة اذ ليس بين النور و الظلمة منزلة فتعين الثاني و هو لايخلو اما ان‌يكون حدود النور و اعراضه و تعيناته و صوره و مكملات ظهوره و متمماته فيكون الشيء بقول مطلق هو ذلك النور المخلوق الاول من الشيء و تعينات ذلك النور و حدوده اذ ما من المبدأ ليس الا واحداً و هو قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و التعدد انما هو من نفس المكون و لذا صلح للفاعلية و رجع ضمير الفاعل اليه فالمفعول هو فاعل فعل الفاعل و لذا نقول في كن فيكون ان ضمير الفاعل في فيكون راجع الي الشيء مع ان الشيء قبل كن ما كان شيئاً علي ما هو الحق من بطلان قدم الماهيات و عدم مجهولية الاعيان الثابتة فالمفعول مركب من امرين و هو الاثر الحاصل من الفعل و من انفعال ذلك الاثر و لاشك ان الامرين متغايران اذ ما من الفاعل غير ما من المفعول لان ما من الفاعل ليس الا النور و ما من المفعول ليس الا الظلمة فباجتماع هذين الضدين كان المخلوق و جاء الاختيار و بطل الاضطرار و صح التكليف فيكون ذات الشيء من نفسه المتاخر عن النور الذي هو ذاته من ربه و مبدؤه قائماً بالنور قيام ركن و عضد و تحقق او لايكون كذلك بل يكون النور متقدماً علي ذات الشيء و مقوماً لها و هي في مكانها كالفعل بالنسبة الي المفعول فتكون الذات قائمة بذلك النور قيام صدور كقيام الكتابة بحركة الكاتب و قيام الكلام بالمتكلم و قيام الظل بالشمس لاسبيل الي الثاني و الا يلزم ان لايدرك احد شيئاً غير الظلمة و لايصدر من احد خير ابداً لان كل شئ يحتاج الي مبدأ فالظلمة الخارجة عن النور

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 331 *»

القائمة به قيام صدور لايحصل منها النور لمكان التضاد الجاري في المخلوقين فاذا صح جريان هذا الحكم يثبت جريان آثاره و الحق سبحانه هو الذي تفرد بعدم الضدية و خلق الخلق من الضدين بحكم و خلقنا من كل شيء زوجين للدلالة علي هذه اللطيفة الدقيقة قال مولانا الرضا عليه‌السلام ان الله ماخلق فرداً قائماً بذاته للدلالة عليه فخلق الشيء و خلق ضده الحديث، فاذا جري هذا الحكم ساق التقدير علي هذا التدبير و الا فهو علي كل شيء قدير و لذا مايحصل من النار نظراً الي الاسباب التبريد و من الماء التسخين و من الليل الذي هو ظل الشمس نور و امثال ذلك مما اجري الحق سبحانه و كتب بقلم الصنع و الابداع الواح المخلوقات الموجودات فاذا راينا الشيء يصدر منه امران متضادان و متعاكسان حكمنا و قطعنا بان فيه مبدآن بجهتين (متخالفان ظ) مبدأ يصدر منه الحق و مبدأ يصدر منه الباطل او غيرهما من انواع المتخالفين و هذا معلوم لمن له وجدان و عينان و لسان و شفتان و انما اجرينا خلاف الحكم المزبور في الواجب جل شانه خلافاً للقوم حيث انهم لم‌يفرقوا بين الواجب و الممكن في هذا الحكم و نحن قد خالفناهم للاصل المحقق الثابت عندنا ان حكم الوجوب بخلاف حكم الامكان و لاندرك كيفية ذلك بوجه ابداً هذا المقام ليس محلاً لاستقصاء هذا الكلام.

ان‌قلت ان قولك الظل انما وجد بالشمس و النور ايضاً انما وجد بها مع ان الشمس ليس فيها جهة ظلمة و مبدأ ظل فصح ان الشيء الواحد يصح ان‌يصدر منه امران متضادان كما وقع في الشمس ايضاً صدر منها النور و الظل المتضادان و ليس فيها الا النور قلت ان الظل ماصدر من الشمس ابتداء و انما صدر منه بواسطة و هي الجدار الكثافة اي نفس النور (كذا) و تفصيل هذا الحرف سيجيئ ان‌شاء الله.

و بالجملة اذا قلنا ليس في المخلوق نور فهو كلام شعري سوفسطائي و ان قلنا ان النور متأخر عن الظلمة مطلقاً فكذلك ايضاً فضلاً عن ان‌نقول ان قوام النور بالظلمة و ان قلنا ان النور و الظلمة وجدا معاً ليس بينهما تقدم و تأخر اصلاً

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 332 *»

فهو و ان لم‌يضر مطلوبنا الا انه باطل ايضاً للزوم اتحاد مرتبتي الشريف و الكثيف في الايجاد و ان كانت المعية حاصلة في الظهور و البروز فلامحيص الا بالقول بان النور مقدم في الايجاد و هو اصل الشيء و اول ما تعلق به الجعل الالهي النوري و الظلمة المعبر عنها بالماهية هي اعراض ذلك النور و حدوده و تشخصاته و الشيء الموجود هو المركب منهما فكل شيء له ثلاث حقايق حقيقة من ربه و هو النور الالهي الذي هو الاصل و المادة و الاسّ و الاسطقس و حقيقة من نفسه و هي الحدود المعينة لذلك النور في حد خاص و هي حقيقته لان حقيقته المختصة به انما تحققت بها فهي التي يكون بها الشيء هو هو فلذا سميت بالماهية لانه يجاب عن السؤال عن الشيء بما هو فافهم و حقيقة بين الحقيقتين و هي المجموع المركب منهما فصح لك ان اول ما خلق من الشيء هو النور و انه ذاتي للشيء و هو عين كل كمال ممكن في حقه اذ لايتصور غير ذلك و الا يلزم فساد الطفرة.

اذ لوقلت ان ذلك النور كامل بالكمال الزايد الخارج كما هو حكم المشتقات بالنسبة الي مباديها.

فاقول كما قلت اولاً في النور و الظلمة فان جوزت في نفسك ان‌يكون ما هو اقرب الي المبدأ الكامل المفيض علي الاطلاق التام الفيض الكامل الاعطاء ناقصاً و ما هو ابعد منه كاملاً يمكنك فرض غير هذا فانه اذا خلق اولاً فاما ان‌يخلق شيئاً غاسقاً مظلماً معطلاً عن جميع الكمالات ثم يخلق نوراً آخر فيصفه به فيتحقق من اقترانهما الكامل او يخلق نوراً كاملاً يكون هو مبدأ كل كمال لغيره و كاملية الغير انما هو بالاضافية اليه و كاملية نفسه انما هو بنفسه لا بشيء غيره او يخلق الشيء و كماله معاً دفعة واحدة في رتبة واحدة و الاول لايصح للطفرة من وجهين من غير داع اليه و لا استلزام نقص و الثالث لايصح لعدم اجتماع الصفة و الموصوف في رتبة واحدة و الا لم‌تكن الصفة صفة و لا الموصوف موصوفاً هذا خلف فيتعين الثاني و لا مانع منه مع ما فيه من احكام الصنع و اتقان الحكم و جريان الايجاد علي نظم واحد و طور غير متعدد و هذا الكلام انما اجريناه علي

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 333 *»

طريق المجادلة بالتي هي احسن لكنك اذا امعنت النظر و دققت الفكر و حددت البصر رأيت ان العالي و السافل ليس حكمهما الي ما ذكرت لان السافل ان كان قائماً بالعالي قيام صدور فنصيب السافل منه النقش الفهواني و النور الوصفاني و ان كان قائماً بنفس و العرق و الفاضل و القطرة و الشعاع و امثال ذلك من العبارات المتحدة المراد و ان كان قائماً بالعالي بمعني التنزل و التعين فهو هو العالي مع كدورة و ظلمة بحيث اذا تجرد عن هذه الكدورة يكون هو العالي في صفائه كالماء اذا تعين بالثلج فانه ليس الا الماء مع كدورة الانجماد الطارية للماء باعتبار العوارض الخارجية و الا فالماء في ذاته مناقض لها لكونه الجسم البارد السيال و اين السيلان من الانجماد فاذا اذهبت عنه هذه الكدورة الخارجية يكون هو الماء حقيقة كما كان اولاً فالعالي الذي هو قريب المبدأ سما الذي (كذا) لا اقرب منه اذا كان المبدأ كاملاً علي الاطلاق و لم‌يتحقق في وجود العطية و الفيض قبح اعظم من عدمه فيرتكب دفعاً للاقبح نظراً الي الاسباب الظاهرية و الا فهو سبحانه قادر علي مملكته يعطي من يشاء بما يشاء كما يشاء و يمنع من يشاء بما يشاء كيف يشاء وجب اعطاء ذلك الفيض و ذلك الكمال حيث ان افعال الحكيم يحمل علي احسن ما يمكن بشرط ان‌يرتفع الموانع و لو فرضنا ايضاً وجود المانع حسب ما ينقص من الاقرب ينقص عن الابعد بمرتبة او مرتبتين او بمراتب حسب بعده و قربه فلم‌يبق الا القول بان اول ما خلق في الشيء هو نور واحد و حقيقة واحدة بوحدته عين كل الكمالات المتصورة في حقه الممكنة في رتبته الا الكمالات التي لا دخل لها في رتبة الذات ابداً فهي تخصّ برتبة الفعل فذات الانسان مثلاً اي لطيفته و لبه الذي خلق اولاً قبل ساير مراتب وجوده التي تنزلت و تصعدت فحصلت هذه الامور المختلفة المتعددة المنشعبة الكثيرة ذو الشؤون و الاحوال و الحركات و السكنات التي (كذا) الي واحد غير الشؤون و الافعال و الحركات و ذلك الامر الواحد الصادر من المبدأ الواحد انما هو كل كمال و بهاء و جمال و نور و جلال بالنسبة اليه في رتبة مقامه و هو شيء واحد و امر واحد و الكمالات متعددة بحسب المفاهيم الذهنية في

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 334 *»

اذهانها هي كلها عبارة عن تلك الذات لا ان الذات مركبة ملتئمة عن هذا المجموع حاشا و كلا بل هي في طرفة وحدته بنسبة مقامه يتعلق بالمتعلقات و يظهر في المرايا و يتجلي في المجالي فيظهر بكل تجل اسم من الاسماء مثلاً لما ظهر في القوة التي في العينين سمي بالبصر و بالقوة التي في الاذن سمي ظهوره بالسمع و كذا في جميع البدن سمي باللمس و في الانف سمي بالشم و في الفم سمي بالذوق و كذلك في القوي الباطنية فليس في الذات امور عديدة في حقيقتها متمايزة تسمي بهذه الاسماء في الواقع و انما هي شيء واحد تختلف ظهوراته و تعدد بروزاته،

و ما الوجه الا واحد غير انه              اذا انت عددت المرايا تعددا

فاذن يصح لك ان‌تقول السمع هو البصر و القدرة هي العلم و الحيوة هي القدرة و العلم هي الحيوة و امثال ذلك من العبارات و مرجع الكل الي واحد و هي آية الله سبحانه و تعالي فيك اريها اياك في نفسك فتبصرها و تفهمها فعلي هذا لو سميت هذا المذكور بالعلم الذاتي و القدرة الذاتية و السمع الذاتي و البصر الذاتي فلا عيب فيه و لا مانع منه اذ لاشك في عدم سلب هذه الاسماء حين فقدان متعلقاتها لو انحصرت فيما قالوا و لاشك ان الادراك فعلي لايمكن الا عند وجود الطرفين المدرك و المدرك و بدونهما لايكون و لايتحقق فلاسبيل الا الي ما قلنا فالعلم الذاتي هو بمنزلة الشمس و السراج و الفعلي هو بمنزلة اشراقهما و انوارهما و هذا الذي ذكرنا و ان كان عند من يعرف الاشياء و لايحجبها اختلاف الالفاظ و العبارات من الضروريات الا ان الذين اقتصروا علي الظواهر و جمدوا علي الالفاظ المختلفة من غير برهان باهر يشكل عليهم الاذعان بما قلنا علي العموم لوجوه ثلاثة:

الاول ان المبدأ لاشك انه غير المشتق فلو فرضت ان ذات الشيء و قواه المدركة هي نفس العلم يلزم اتحاد المبدأ و المشتق و ان لايكون لفظ المشتق صادقاً علي الذاتي و الفعلي بالاشتراك المعنوي بل اللفظي و هو باطل جداً و الملازمة ظاهرة.

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 335 *»

الثاني ان الفرق بين واجب الوجود و ممكن الوجود ان الاول جميع كمالاته و صفاته عين ذاته و من مقتضياته بخلاف الثاني فان كمالاته كلها زائدة علي ذاته و ليست غير ذاته، فعلي ما قلت يلزم انقلاب الممكن بالواجب هذا خلف.

الثالث انه يختل علي هذا توحيد الصفات لتحقق الصفة المختصة في الله من غيبة الصفات و من ارجاعها الي الذات المنزهة عن كل النقايص و الاعتبارات في الممكن المخلوق فاذن اين التوحيد.

و الجواب اما عن الاول:

اما اولاً فغيرية المشتق للمبدأ ان ارادوا مطلقاً و لو بوجه ما و الغيرية الاعتباري فهو مسلم و الملازمة ممنوعة و ان ارادوا بها الغيرية الحقيقية الواقعية فلانسلم مع انكم تقولون في علم الشيء بنفسه ان العالم و المعلوم و العلم هناك شيء واحد.

و اما ثانياً فان هذه الالفاظ تعبيرات للتفهيم و التعريف اذ لايعقل العوام بل الخواص غيره فلاتصل الي الحقيقة بهذه العبارات ابداً فمعني قولنا الذات عالمة و لا معلوم انها عالمة بعلم هو عين ذاته يعني ذات كاملة تصدر عنه الادراكات اذا شاءت كما شاءت فاذا كان ادراكاته المسمّاة بذلك الاسم فهي حرية ان تسمي بذلك منها لان الاثر لايكون احق من مؤثره في الاسم و لايكفيه الذات لانه اسم يعم الكل فان ابيت الا الجمود علي الخلاف و منعت الاسم لاننازعك فيه بل المراد اثبات الحقيقة و لاريب في وجود الحقيقتين الذاتية و الفعلية فسمّها بما شئت لكنك لو تأملت مجري العرف و اللغة تصدق بما قلنا الا ان كيفية‌ الاستنباط دقيقة جداً فافهم.

و اما القول باستلزام نفي الاشتراك المعنوي فنقول بموجبه علي الحقيقة و الواقع لان الحقيقة‌ الواحدة لايجمع بين الذات و الفعل علي القول بان الواضع هو الله سبحانه و كذا علي القول بان الموضوع له هو الاعيان الخارجية لا المفاهيم الذهنية و لا الماهيات اللابشرطية الطبايع الكلية كما هو المعروف

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 336 *»

المشهور من المشهورات التي لا اصل لها و علي الثانيين مع القول بان الواضع هو الحق مع ضعف المجموع و عدم الاعتماد عليها و الاعتناء بها ان اغمضنا عن الحقيقة‌ يمكن التكلّف في الاشتراك المعنوي و ذلك ايضاً يتمشي فيما نحن فيه الا اني مااقول به لاني لست و ما انا من المتكلفين فافهم.

و اما عن الثاني فبانا لانقول بذاتية العلم و القدرة‌ و السمع و البصر و امثالها انها من مقتضيات ذات الممكن المتاصلة بنفسه من غير اعتبار جعل جاعل و تاثير مؤثر فتكون ازلية و ابدية حتي يلزم ما ذكر في الاعتراض بل نقول ان الجاعل الفاعل المؤثر انما جعلها كذلك فهي باقية حسب ما اقتضت مشيته سبحانه نعم انها ليست صفات تعرض الذات و تتصف الذات بها بعد ما كان فاقداً لها و غير موجود فيها بل الفاعل سبحانه و تعالي حين ما اوجد الذات اوجدها منيرة مضيئة نورانية كاملة بحسب ذاتها فاذا وجد المقابل القابل اشرق ذلك النور عليه باشراق حادث جديد خارج عن ذاته فاذا لم‌يكن المقابل او القابل لم‌يكن حيث لم‌يظهر نوره و اشراقه لم‌يكن له نور و اشراق و انما حدث نوره في نفسه عند وجود المقابل الاتري الشمس فانها لايقال و ليس ان نورها و شروقها عرضي لها بمعني ان الشمس وجدت اولاً ثم وجد نوره ثم اشرق بل النور في الشمس و كذا في السراج ذاتي لهما لايوجدان الا كذلك الا ان اشراقهما الذي هو فعلهما حدث عند وجود القابل المتعلق به فليس حيث لم‌يظهر نورهما لعدم جسم كثيف لم‌يكن لهما نور فكذلك ايضاً علمك اذا لم يكن هنا شيء يلتفت اليه او يكون شيء لكنك لاتلتفت ببصرك اليه فلم‌يظهر منك الابصار الذي هو فعلك فلايقال لك اعمي و ان اسند اليك عدم الابصار و كما هو الواقع فكذا الاسماع و غيرها و كذا الصور الذهنية فان كل ذلك علوم فعلية بمعزل عن العلوم الحقيقية الواقعية و النفي و الاثبات انما يجريان علي الفعل مع وجود الذات دون الذات مع وجودها و الا يلزم سلب الشيء عن نفسه مع فرض وجوده و هو بديهي البطلان فالمراد بالذاتي في هذا المقام ما يقابل الفعلي لا مايقابل الحدوث فالفرق واضح و الانقلاب غير لازم.

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 337 *»

و اما عن الثالث فبان هذا عين التوحيد الصفاتي اذ ليس الممكن الا عين صفات الحق سبحانه و آية توحيده و دليل تقديسه و تفريده وصف حالي وصف الله نفسه للخلق به و هو حقايقهم و ذواتهم و هو قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال تعالي و يضرب الله الامثال للناس، و مايعقلها الا العالمون و قال تعالي و كذلك نري ابرهيم ملكوت السموات و الارض و ليكون من الموقنين و قال تعالي و في انفسكم افلاتبصرون، قال النبي صلي الله عليه و آله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و قال اميرالمؤمنين عليه‌السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه، و بيان هذه الآيات و تفسيرها و وجه التمسك بها سيجيئ ان‌شاء الله تعالي.

و بالجملة ليس للممكن ذات حتي يكون له صفات يشابه صفات الحق سبحانه حتي يختل التوحيد الصفاتي بل ليس الممكن ذواتها و صفاتها و غيبها و شهادتها و اعراضها و جواهرها الا صفة تعرف الحق سبحانه قد وصف نفسه لنا بها بنا كما ستعرف ان‌شاء الله فاين الاختلال في التوحيد قال عليه‌السلام:

و في كل شيء له آية                     تدل علي انه واحد

و قال في الدعاء لايري فيه نور الا نورك و لايسمع صوت الا صوتك، فافهم فهمك الله و ايانا من مكنون العلم و مخزون السر بالنبي و آله الطاهرين.

تنبيه اعلم ان المحدث و المصدر لم‌يزل يكون اكمل و اشرف و اشد و ان كان من جهة الشرّيّة و الظلمانية فان مبدأ الظلمة لاشك انه اشد ظلمة و اقبح ذاتاً من آثاره و افعاله و تنزلاته و لذا كان ابا الشرور فاذا صح هذا فنقول انه لا شك و لاريب ان الادراك علي جهة العموم فعل المدرك و هو النفس المشار اليها اليه (كذا) بآلاتها و قواها و مشاعرها و لاشك ايضاً في شرافة العلم و فضله و مرتبته و مقداره فاذا كان ذلك المدرك اي الادراك هو المسمي بالعلم الشريف فيجب ان‌يكون المدرك بالكسر بآلاتها و قواها اجدر بذلك في اصل الحقيقة و الا يلزم ان‌يكون الاثر اشرف من المؤثر و هو باطل قبيح و حيث لم‌يكن ذلك من سنخ الادراك سميناه بالعلم الذاتي فالعلم و العالم في ذلك المقام علي حد

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 338 *»

سواء كما كان الوجود و الموجود كذلك.

و بالجملة التعبير عن الذاتيات بالمشتق ليس الا للتعبير لاجل التفهيم و الا فليس فيها الا شيء واحد و جهة واحدة عن (كذا) تعبّر عنها بالمبتدأ و اخري بالمشتق و هذا معلوم ان شاء الله، فالعلم الذاتي عبارة عن النور الالهي الرباني و الفيض السرمدي السبحاني القاه الله سبحانه في هويات اولي العلم بالظرفية و المظروفية التعبيرية للعناية الازلية لايصالهم الي الغاية الابدية و الفيوضات السرمدية ففطرهم علي ذلك كما فطرهم علي التوحيد مع ان المفطورية‌ بالتوحيد مسبوق بالمفطورية بالعلم اذ التوحيد صراط و العلم سراج و بهما حكم المساوقة او حكم العينية و لولا خوفي من فرعون و ملائه لاطلقت عنان القلم في هذا الميدان ليقطع الزمان و ينتهي بالدهر فيتصل بالسرمد لكن مولانا الصادق عليه‌السلام يقول ما كل ما يعلم يقال و لاكل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله هـ ، فاقتصر علي التلويح و الاشارة ليدركها من قطع مسافة العبارة فاقول و لاحول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ان هذا العلم الشريف و العلم المنيف و النور اللطيف لها مراتب كثيرة حسب تنزلاته الي المراتب السافلة حسب امتثاله لقوله تعالي اقبل و ادبر.

فاول ما تنزّل تنزّل في الحدود المعنوية و لما وصل الي هذا المقام لم‌يسعه ادراك عالمه الاول الا بعد خلع هذا اللباس فمهما هو مقيد بهذا القيد فهو علم معنوي و نور كلي في حد ذاته بحسب تلك المرتبة من الحدود فلايصدر منه في هذا المقام من الافعال الا الادراكات المعنوية فحسب فادراكاته هي الامور الكلية و ان كانت مجردة عن الصور الجزئية الا انها مقارنة بالصور الكلية و الحدود المعنوية و علي هذا في هذا المقام يحمل قول من فسر العلم بحصول الصورة المجردة او الصورة المجردة الحاصلة عند العقل ليشمل العقل نفسه عند ادراكاته للامور الكلية بتعميم الصورة بما يشمل المعنوية او في العقل فيراد به ما هو غير الخارج علي تجوز فيشمل الادراكات التحتانية كلها من مدركات الوهم و الخيال فيشمل هذا التعريف من العلم الفعلي العقلي الي الحس

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 339 *»

المشترك و هو صحيح في هذا المقام و ليس بصحيح عند الحصر كما لايخفي.

ثم تنزل من ذلك العالم و سافر الي الحدود الرقايقية و تعين بها و تلبس بلباسها فكان علماً رقايقياً و نوراً برزخياً و بدراً شعشعانياً و حيث لم‌يسعه الصعود الي عالميه الاولين مايصدر منه الا الادراكات البرزخية ليست في صرافة المعنوية و لا في كثافة الصورية بل برزخ بينهما يناسب المعني بجهته العليا و يناسب الصورة الجزئية بجهته السفلي و ذلك ادراك محقق و مضبوط معبر الا انه لما لم‌يكن مستقلاً بل هي حالة متوسطة بين المعني و الصورة ينتقل الذهن من المعني الي الصورة و لم‌يلتفت اليه و ان عبر منه و وقع في طريقه كما لايلتفت الي الهواء المتوسط بين الرائي و المرئي و ذلك لشدة لطافته و سرعة انتقال الذهن بقربه الي المبدأ جداً و اما اذا كانت الواسطة كثيفة غليظة لم‌ينفذه البصر الا بصعوبة و مشقة و بعد مدة قد يلتفت الي الواسطة‌ ايضاً لصعوبة العبور عنه كما كان في الحس المشترك كما سيظهر لك ان‌شاء الله و من هذه الجهة تري العلماء يذكرون الحس المشترك عند ذكر المدارك و الادراكات و لايذكرون ذلك النور المتوسط بين العقل و النفس مع اعترافهم بان كل اصلين لابد بينهما من برزخ فافهم.

ثم تنزل من ذلك العالم و سافر بامر الله تبارك و تعالي الي الحدود الصورية الشخصية المتمايزة و تعين بها فكان نوراً مجرداً صورياً يدرك بفعل ذاته الصورة المجردة النورية‌ عن المادة‌ العنصرية و المدة الزمانية و فعله في هذا المقام اذ لم‌يمكنه الصعود الي المقامات الاولية لاقترانه بحدوده و تقيده بقيوده الصورة‌ المجردة المنتزعة عن الخارج و اكثر التعاريف للعلم بل كلها انما هو لهذا المقام و لادراكاته لانه محل وقوف اكثر العلماء الا قليل منهم ممن ترقي و صعد الي المراتب الفوقية و قطع نظره عن الدركات التحتية فقولهم العلم هو قبول النفس لانتقاش الصورة او هو نفس الصورة‌ الحاصلة في الذهن او هو صفة توجب لمحلها تميز لايحتمل النقيض او هو صفة ينجلي بها امر معنوي لمن قامت به و امثالها من التعاريف انما هو له في هذا المقام في رتبة المخلوق و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 340 *»

ان امكن التكلف للتعميم الا انهم لايريدون ذلك فمن تعدي بهذه التعاريف الي العلم الواجب فقد اخطأ الصواب او اراد تعريف العلم مطلقاً فقد اخطأ ايضاً لانه آخر مراتب المدارك الغيبية في القوس النزولي و اولها في الصعودي و اين العلوم التي فوقها في ساير المدارك الا انك تحصر الغيب في النفس خاصة و لايسعك ذلك البراهين القطعية من العقلية و النقلية و الشهودية و الكشفية و الوجدانية و اين العلوم التي تحتها في الحواس الظاهرة و في بنطاسيا الا انه قد جرت اصطلاحات العلماء في اطلاق لفظ العلم علي هذه المرتبة و عليها وردت الاحاديث الكثيرة و الآيات الظاهرة الدلالة حيث ان هذا المقام اول مقامات الغيبية و آخر درجات الشهودية فهو ليس غيباً صرفاً لكونه علي طبق الشهادة و صورتها و هيئتها من غير فرق و لا شهادةً صرفة لكونه من عالم التجرد عن المواد العنصرية فليس هو غيب باطن بل هو غيب ظاهر و باطن الظاهر و عموم الناس مقامهم هذا المقام في الادراك و ما اقتصروا علي الادراك الحاصل من الحواس الظاهرة اذ كان يحصل لهم مقام فوق مقام الحس فلم‌يناسب حصر ما به شرفهم و فضلهم و ترقيهم علي الامور الحسية و لبيان ان الفخر و الشرف في الاتصال بعالم الغيب و لذا جعلوا العلم اول عوالمها لما قلنا و لبيان ان الاشرف في الحس و الجسم فكانهم ماعدّوه شيئاً و اعرضوا ايضاً عن الحس المشترك و اذ كان له جهتان جهة الي الجسم و جهة الي النفس فبالاول تتبع الاول و بالثانية تتبع الثانية و لانه قد يخفي ادراكه عن كثير من الناس بل لايدركه الا الاوحدي الذي يفرق بين الصورة و الهيئة و المقدار و اني للعوام ذلك و ايضاً ان البصر اوحدي الحواس الظاهرة اذا ادرك شيئاً بالاحساس فما دام هو موجوداً في عالم الحس يدركه الحس و يصور مقداره الحس المشترك فاذا غاب ذلك الشيء عن الحس يرتفع ادراك تلك الحاسة فتبقي صورته المنتزعة في الذهن فلاتزال تلك الصورة باقية بهيئتها و صورتها التي كانت في عالم الجسم فلو اقتصر علي الحس و ان كان الحس المشترك فلشدة تنقله و سيلانه كان يزول العلم دائماً سيالاً فلو جعل العلم الذي عليه المدار في التكاليف و امور المعاش و المعاد الذي يدركه

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 341 *»

الحس لاختلت عليهم الامور و لو جعل ايضاً مايدركه المراتب التي فوق النفس فكذلك ايضاً.

اما اولاً فمن جهة عدم وصول اكثر الناس اليها و التميز بين ادراكاتها و لم‌يحصل لعامة الناس ذلك فيشكل عليهم الامر في كل امورهم من احوال الدنيا و الآخرة.

و اما ثانياً فمن جهة ان الشيء اذا ادركه المراتب الفوقانية لم‌تدركه كما كان تدرك النفس من كونه مطابقاً للظاهر الجسمي حرفاً بحرف بحيث لايتبين الفرق بوجه من الوجوه لان النفس شانه ادراك الصورة الجزئية بل انما تدركه حسب مقامها و مرتبتها فان الروح الذي هو فوق النفس و برزخ بينها و بين العقل لايدرك الا الصورة البرزخية الرقايقية‌ و العقل لايدرك الا المعني الكلي الشامل لتلك الصورة و غيرها فلم‌يكن مطابقاً للظاهر الجسم الحسي و ان كان مطابقاً الا انه لا كما يعرفه الناس فتختل عليهم الامور فمن هذه الجهة تري الائمة سلام الله عليهم خصوا العلم بما تدركه النفس من الصورة الحاصلة فجعلوا هذا رتبة العوام و اما غيرهم سلام الله عليهم فهم انما خصوا العلم بتلك المرتبة لعدم اطلاعهم علي غيرها من المراتب و لكنه اذا ذكر العلم وحده في كلماتهم عليهم‌السلام يشمل الكل بقول مطلق كما سيظهر لك من ذكر الاخبار الدالة علي ذلك و اذا ذكر العلم و اليقين و المعرفة يفرق بينها بما سنذكر مفصلاً ان‌شاء الله و اشرنا اليه آنفاً فافهم راشداً موفقاً.

ثم تنزّل ذلك النور الالهي من عالم النفوس مقام النقوش الي الحدود المقدارية و الصورة المثالية و الهيئة الشبحية و تعين بها و تلبس بلباسها حتي كان علماً مقدارياً و نوراً شبحياً مثالياً يصدر منه الادراكات المثالية المقدارية البرزخية بين النفس و بين الجسم بظهور ذلك في الحس المشترك.

ثم تنزّل من ذلك العالم ممتثلاً لقوله تعالي اقبل و ادبر الي الحدود الجسمية و النقوش الرسمية و تعين بها و تنزل في مقامها فكان علماً جسمياً و نوراً رسمياً لكنه من جهة بعده من عالم النور و نأيه عن مقام السرور ضعف

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 342 *»

ضعفاً شديداً يكاد يخفي لشدة ماظهر فكان موته في حياته لكنه اول ما اتي الي العرش و الكرسي كان نوراً الا انه في العرش اخفي و في الكرسي اظهر الي ان خرق الافلاك و اتي الي العناصر بالاملاك الي ان‌اتي التراب فمات و دفن فيها في كل باب و غاب ادراكه و عدم احساسه الي ان ناداه الله سبحانه بنداء اقبل و ادبر فاقبل الي الله سبحانه لا من طريقة الاول لان ذلك يفضي الي العدم فاقتضي السير دورياً و الحركة وضعية و لذا كانت تلك الدورة احسن الدورات او الحركة الوضعية اشرف الحركات فلما كان في السير الصعودي يمر علي مراتبها التحتية المتنزل اليها الي ان‌يصل الي مقامه لبطلان الطفرة كان اول مايظهر من مراتبها الغيبية و مداركها الغير الظاهرة ماكان اسفلها و انزلها و ادناها و اخفاها و اغلظها و اكثفها فلذا كان اول مايظهر منها الحدود الجسمية و النقوش الرسمية و القوي الجسدانية من الحواس الظاهرة و الباطنة ثم ولجت فيه الروح النباتي الي ان‌كملت البنيّة و احكمت الصنعة ثم ظهر الروح الحيواني قبل ان‌يظهر العقل الالهي و لاشك ان النفس الحيوانية قبل اطاعتها من العقل و انقيادها لها هي خبيثة نجسة منتنة امارة بالسوء محلها الراس المنكوس من القلب علي اذنه الشمالي الموكل عليه الشيطان المقيض و لذا كان فعلها الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية علي ما قال اميرالمؤمنين عليه‌السلام و ذلك لاجل ان الشيطان يتمكن منها و يدعوها اليه و هي تجيبه فتستقر في القلب و تستخدم القوي و المشاعر و هي تخدمها و تطيعها فيتصل اليها من الابخرة الصاعدة من سجين اسفل السافلين فتنتقش فيها الصور الباطلة و الادراكات الكاذبة و الرسوم الغير النفس الامرية فلاخير فيها و في ادراكاتها الا ان‌يعصمها الله تعالي برحمته اياها لسابق علمه بها فلما بلغ اشده و اعتدلت بنيته و كمل نضجه و استوي استواءً كاملاً حقيقياً ظهر العقل في الجانب الايمن الاعلي من القلب في وجهه من الراس الذي علي جهة العليين الموكل عليه الملك المؤيد و هو اذن فقير غريب مستوحش لا انيس له في هذه البلدة و قد استولت النفس الامارة علي القلب و سخرت جميع القوي و المشاعر فيدعوها الي الحق و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 343 *»

يامرها بالخير و ينهاها عن الشر و يمنعها عن الاستيلاء فان اطاعته و انقادت له اول مرة فهي مطيعة مطمئنة يميل وجهها عن الراس المنكوس الي جهة السجين و يميل الي الوجه من العقل المستقر علي الوجه من الراس المرفوع الي اعلي عليين فتكون طيبة طاهرة حاذقة مؤمنة مطمئنة و تدرك العلوم الحقة مما تنزّل اليها من الخزائن العقلية فان لم‌تطعها و بقيت علي استيلائها و خبثها و ما آمنت بالله سبحانه و تعالي فلايبقي للعقل مقام وقوف و يهرب فيبقي الملك لها مستقلاً فلايزال وجهها علي الراس المنكوس الي اسفل السافلين فلايصعد اليها و لاينطبع فيها الا الامور الباطلة و الصور المعوجة الغير المستقيمة و الادراكات الكاذبة و هي النكراء و هي الشيطنة و اغلبها ليست بجهل مركب و انما هي انكار و جحود يعاند الحق مع علمه يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها و اكثرهم الكافرون، هذا حال من لم‌يطع العقل بوجه.

و اما النفس التي تميل اليه مرة و تعرض عنه اخري فاذا مالت الي العقل فتتوجه بوجهها الي جهته فينعكس من ذلك النور فيها و اذا مالت الي الراس المنكوس مطيعة للشيطان المقيّض تنطبع من تلك الظلمة فيها و قد يتفق انها عكس ذلك النور المنعكس فيها من اعلي عليين فتحصل عندها صورتان متعارضتان تدور كل واحدة منهما الي وجه مركزهما و المركزان كرتان متعاكستان متقابلتا السطوح تدور احداهما علي التوالي و الاخري علي خلاف التوالي و الصورتان لاتخلو امّا ان‌يكون لاحداهما قرار دون الاخري ام لا و الاوّل لايخلو امّا ان‌تكون الصورة الثانية الغير المستقرة عنده باطلة عنده اصلاً و راساً بحيث لايلتفت اليها في اعتقاد حقيّتها بوجهٍ من الوجوه و ان التفت اليها في محض تصورها و ذكرها فهذه تسمّي وسوسة و حديث النفس الا انهما من جهة الحق و هما عبارتان عن انطباع صورتين متعارضتين يقطع الشخص بحقيّة احديهما و بباطلية الاخري فتسمّي تلك الصورة الثانية الوسوسة و حديث النفس و نجوي الشيطان، انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئاً الا باذن الله، او لايكون كذلك و هو لايخلو امّا ان‌تكون الصورة

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 344 *»

الثانية لاتستقرّ ابداً حتي تلتفت النفس اليها بل انما هي كالبرق الخاطف تجيئ و تذهب و الصورة المستقرة‌ هي الثانية التي عليها العمل و الثانية تنافيها لكنها لاتستقرّ ابداً تذكر و تذهب و هذه الصورة هي المسماة بالرتبة او لايكون كذلك بل الصورة ثابتة غير ذاهبة بل باقية لكنها لاتعتقد حقيّتها الا علي جهة المرجوحية و الاحتمال الضعيف فتسمّي تلك الصورة المرجوحة اي ادراك النفس لها كذلك وهماً و تلك الصورة القوية الراجحة اي ادراك النفس لها ظنّاً و تلك الصورة المظنونة بها تختلف في القوة و الضعف و الخفاء و البروز و كشف الغطاء و وجودها اوّلها الاشعار و آخرها المتاخم بالعلم و الثاني لايخلو امّا ان‌يكون للصورتين المتعاكستين المتعارضتين قرار و استقلال و ثبات عند النفس ام لا بل الاستقرار لهما جميعاً بحيث يلتفت النفس الي احداهما و قبل استقرارها تنتقل الي الثانية و لايزال يتردد بينهما.

فالاوّل محال لمكان اجتماع الضدّين و لذا اشتهر عندهم كما هو الحق ان لاتعارض في القطعيات و العلميات.

و الثاني هو الشك فهو عبارة‌ عن تعاور وقوع النسبة و عدمه علي التعاقب بحيث لاترتسم صورة احد الطرفين حتي تدافعها الاخري قبل استقرارها و ذلك بسبب توجه الذهن الي كل واحد منهما علي التعاقب من غير استقرار و قيل هو سلب الاعتقادين و هو باطل لانّ الاعتقاد لايطلق الا علي مايستقرّ و هو منتف فيهما و سلب الاعتقادين هو الجهل البسيط و الجاهل و الغافل لايقال لواحد منهما شاك كما هو الظاهر المعلوم.

ثم اعلم ان النفس ان كانت مقابلتها للراس المنكوس الي اسفل السافلين من القلب كلية دائمة بحيث استقرّت و سكنت عندها و استقلّت بها فاذا التفتت الي جهة العقل من الوجه الاعلي بالطبيعة و الفطرة غفلة و ذهولاً يشرق من ذلك النور عليه كما هو شأن النور عند التقابل لكنه متزلزل و مضطرب حسب تزلزل المرآة و اضطرابها بالنسبة الي مايقابلها و ان كانت بالنسبة الي غيرها ساكنة فمن جهة اضطراب ذلك النور و تزلزله و ثبات تلك الظلمة و استقلالها و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 345 *»

استقرارها تحدث الوسوسة و الريبة و الوهم و الشك و الظن من جانب الحق و النور حسب اضطراب ذلك النور و الثابت المحقق عنده الباطل و الظلمة اذ طبع الله علي قلوبهم و علي سمعهم و جعل علي ابصارهم غشاوة و هو النكراء و الشيطنة و هذا لاهل الباطل من الكفّار و المنافقين و اعداء آل محمد سلام الله عليهم اجمعين فانهم يرون الباطل حقاً فيعدّون ما يتصوّرون من الصور الحقّة و الادراكات الصحيحة السليمة عن الاوهام الكدرة وسوسةً و ريبةً و شكّاً حسب قوة تلك الصور و ضعفها، يرون اقبح ما ياتونه حسناً، نستجير بالله من ذلك و ان كانت النفس مطمئنة مؤمنة متوجهة الي الجهة العليا من العقل فهي تنتقش فيها من جهة العلو من العلوم الحقّة و الصور‌ الصحيحة لكنه قد يتفق لها الالتفات الي الراس المنكوس للمناسبة العرضية باعتبار اللطخ و الخلط و المزج العرضي فتنطبع فيها من ذلك الراس المنكوس صوراً باطلة و ادراكات كاذبة ظلمانية لكنها مضطربة غير ثابتة لكونها اي النفس مؤمنة طيبة معلمة مطيعة فالمستقرّ فيها هي الصور الحقّة‌و العلوم الصحيحة فتحدث من ذلك الوسوسة و الريب و الشك و الوهم و الظن من جانب الباطل و الظلمة الصرفة هذا هو الحكم الواقعي و المقابلة الحقيقية‌ النفس الامرية و قد تحصل هذه المراتب بالمقابلة‌ الغير الحقيقية و ان كانت حقيقية عنده اذ لايتصوّر الا عند صورة حاصلة ثابتة و صورة اخري تدفع الاول عنده و الدافع ليس الا ايجاب النفي او نفي الايجاب و امّا النفيان و الايجابان و ليس بينهما تدافع اصلاً كما ان عندها صورة ثابتة‌ او غير ثابتة ثم تجيئ اخري غير دافعة لها فلايصدق عليها شئ من اسماء هذه المراتب بل هي صورة اخري ان كانت ثابتة فهي علم آخر و ان لم‌تكن ثابتة و لا معارض لها فهي خطورات و بدوات تخطر و تبدأ لكن هذا القسم مجرد الغرض و الاعتبار غير ممكن الحصول اذ الصورة قبل ان‌تحدث في النفس ليست بشيء فبعد ما حصلت ان وجد لها معارض يعارضها او دافع يدفعها فلايخلو من احد الاقسام المذكورة و ان لم‌يكن لها معارض و لا دافع فهي ثابتة اذ لاتعني بالثابت الا المانع من النقيض سواء لم‌يكن اصلاّ لتكون السالبة بانتفاء الموضوع و ان

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 346 *»

كان النفي فرع الاثبات لكنه يكفيه اثبات التصوري الاعتباري الغير النفس الامري كما تقول جاءني القوم الا زيد و لا اله الا الله او كان النقيض لكنه ممنوع و مدفوع.

و بالجملة لاتحصل هذه المراتب الا بين نفي و اثبات و هو قد يكون حقيقياً واقعياً كما ذكرنا من مقابلة النفس للمرآتين و قد لايكون كذلك و ان كان بين النفي و الاثبات عنده و هو لايخلو عن صورتين لكون الصورتين المفروضتين ان كانتا متناقضتين بان‌يتصور اولاً وقوع النسبة و ثانياً لا وقوعها مطلقاً اي الضدّ العامّ فهذا لاشك في كونهما حقيقيين ام لا بل يتصور الدافع في الاضداد الوجودية علي زعمه و كثيراً مّا يحصل الالتباس في معرفة التضاد في هذه الامور اذ قد تحصل عنده صورة ثابتة ثم ياتيه صورة اخري وجودية يزعمها دافعة للصورة الاولي و معارضة‌ لها فتحدث عنده في زعمه احدي تلك الحالات المذكورة من الوسوسة و الريبة و اخواتها مع ان الامر ليس كذلك اذ قد تكون كلتا الصورتين في الواقع من المنطبعة من الراس المنكوس فاشتبه عليه الامر في احداهما لكون الباطل شبيهاً بالحق تشابهاً كليّاً بحسب الصورة و الظاهر و ان كانت بينهما مباينة كلية في الحقيقة و الباطل كما في الوالدين في قوله تعالي و وصينا الانسان بوالديه احساناً فالانسان هو حسين بن علي سلام الله عليهما و الوالدان هما رسول الله و اميرالمؤمنين عليهما السلام و الصلوة ثم قال تعالي متسانفاً و ان جاهداك و المخاطب هو الشيعة الغير المعصومين لعدم صلاحية الخطاب للحسين عليه ‌السلام و الضمير في جاهداك يرجع الي الوالدين و ليس هما المذكوران صلي الله عليهما بل هما الاول و الثاني لعنة الله عليهما علي ان‌تشرك بي ما ليس لك به علم فلاتطعهما و امثال ذلك من تشابه الحق و الباطل في القرآن كثير و يشهد به الوجدان و يدل عليه البرهان فاذا كان كذلك و هو في شدّة التفاته الي الجهة السفلي و تنطبع في النفس صور خبيثة و مدركات كاذبة لكنه قد يلتفت الي الصورة و هو باطله في الحقيقة لكنها تشابه الحق مشابهة‌ صورية و هو من جهة قلّة تعمّقه و تدبّره يراها معارضة مع ان الامر ليس كذلك

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 347 *»

بل كلتا الصورتين صحيحتين و هو من جهة تشابه الحق و الباطل و عدم توغّله و في المعرفة يري الصورتين معارضتين و ليس كذلك كما اذا تصوّر خباثة فلان و فلان و ملعنتهما ثم تصوّر مخاطبة الحق لهما بالوالدين و بالانسان و بالشمس و القمر فيتوهم المعارضة و يتصوّر انهما لو كانا كذلك كيف يخاطبهما الله بهذه الخطابات الشريفة كما اتفق لكثير من ضعفاء الشيعة و ان كان في الظاهر متوغلاً في العلم و قد سألني جماعة و كان فيهم من العلماء و قد كانوا متحيّرين كمال التحيّر في الحديث الوارد في تفسير قوله تعالي و الشمس و القمر بحسبان: ان الشمس هو الاول و القمر هو الثاني و توهموا انه كيف يكون ذلك و هما في اشدّ خبث و بيّنت لهم حقيقة الامر في ذلك.

و بالجملة ان امثال هذه المواضع هي التي برهان الشخص متعارضة و لايعرف حقيقة الامر فيه فتدخل فيه الريبة ثمّ يتقوي فيصير شكّاً الي ان‌يصير ظنّاً الي ان‌يصير علماً اي جهلاً مركّباً فينفد عليه دينه و امره بل يكفر في اكثر المواضع و هو قوله صلي الله عليه و آله لاترتابوا فتشكوا و لاتشكّوا فتكفروا، فيجب علي الانسان التثبت و عدم التعرّض فيما لايعنيه حتي ينجيه الله من هذه الورطة فانّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة و اكثر الشبهات و المعارضات الغير الاصلية و الاختلافات الغير النفس الامرية انما تنشأ من عدم المعرفة و البصيرة في الاضداد الوجودية عند الشخص اي امور وجودية متحققة يحسبها الانسان اضداداً لما عنده من العلوم و الصور الثابتة فيختلف و ساتلو عليك ان‌شاء الله في باب المعارضات و وقوع الاختلافات من ذلك شطراً عظيماً بعون الله تعالي و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم.

و لاتظنّ ان هذه المراتب من الادراكات الغير الثابتة الغير المعتبرة هي ايضاً علي قسمين ذاتي و فعلي كما قلنا في العلم اذ ليس الامر فيها كذلك لكونها ليست اموراً ثابتة واقعية و حاشا ربّي ان‌يخلق الخلق و يفطرهم علي الشكّ او الظنّ او غيرهما فانها مذمومة و العمل بمقتضاها قبيح قبحاً لاينكره احد من العقلاء بل انما هي امور حدثت عند اقتران الالتفاتين اما الي المرآتين في

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 348 *»

الحقيقة و الواقع اي في زعمه ثم تعدم و تذهب و ليست اصلية ذاتية تكون لها فعل كما كان العلم كذلك و هذان الالتفاتان علي سبيل المزج انما حصلا في الارض اي في الجسد الظاهري مجمع البحرين و ملتقي العالمين و محل امتزاج الماءين لا كان قبل ذلك حال نزول المسافر الي المراتب التحتية قبل ان‌يصل الي هذا العالم و لايكون بعد ذلك حال صعوده الي المراتب العلوية فهذ (فهذا ظ) الجسد و هذا العالم و النفس المقيدة به و الملتفتة اليه هي مجمع الماءين الماء العذب الفرات و الماء المالح الاجاج و بعد الانخلاع عن هذا البدن امّا بالمعرفة و الموت الحقيقي الذي هو الحيوة الابدية و امّا بالموت الظاهري اي خلع الروح من هذا البدن العنصري يتميز الماءان باشدّ تمايز و لذا يتبين عند الموت الخيّر و الشرير و كان متميّزاً سابقاً، السعيد سعيد في بطن امه و الشقي شقي في بطن امه، فافهم فانه من مكنون العلم و مخزون السر لايهتدي اليه الا الاقلون.

ثم ان ذلك النور الالهي المتنزل الي المراتب السافلة للكمال و الاستكمال و الاكمال بعد صعوده الي آخر درجة الهبوط محل الاعراض و الغرائب المانعة عن استقامته الحقيقية الظاهرة فيها الادراكات الغير الثابتة و لا القارّة صعد الي المقام الاعلي بالنسبة‌ الي هذا الادني مقام النفس في ذاتها من غير تعلّقها الي الاجسام الدنيّة و ميلها الي الشهوات الجسدانية و ذلك عند اطاعتها و انقيادها للعقل او توغّلها في المخالفة و افراطها في الكفران و المعصية‌ حتي ترسخ في النكراء و الشيطنة‌ و يثبت عنده الباطل في البراهين القطعية المجتثة بحيث يقطع به و يسكن لديه الاتري الي كثير من المنافقين و انكبابهم بالباطل و اصرارهم عليه حيث قال الرازي في تفسير اهدنا الصراط المستقيم: لاشك ان الصراط المستقيم صراط الصديقين و لاشك ان فلان رئيس الصدقين (الصديقين ظ) فالله تعالي امرنا بمتابعة فلان و قال في آية انما وليكم الله الآية، مثل ذلك و اورد خمس ايرادات علي القول بان المراد باميرالمؤمنين في الآية الشريفة هو علي عليه‌السلام و امثالهما كثير و امثاله غيرعزيز، فهذا هو التوغل في النكراء و الشيطنة و هي تزيد و تقوي كعكسها الا انّا نجري الكلام

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 349 *»

علي الحق و انت قايس به الباطل بالمقايسة و انما ذكرنا ذلك تنبيها الي القاعدة.

و بالجملة اذا اطاع النفس العقل في ما امرها و نهاها و قبلت منه زالت التفاته عن الشهوات الجسدانية و اللوازم البدنية فتلتفت الي صرافة عالمها و الي صفائها و بهجتها و نورها و عدم كدورتها فتنطبع فيها الصورة كما هي في نفس الامر لعدم حاجب يحجبها و مانع يمنعها فتكون تلك الصورة ثابتة مانعة من النقيض و هو اول مرتبة العلم و لكن لما كان المنع من النقيض قد يكون مسبباً عن ضعف النفس و عدم قوتها و اقتدارها عن التصرفات او دفع النقوض و المحتملات كالبليد و الغالب عليه الرطوبة الفضلية و كالعوام الذي ليس لهم قدم راسخ في معرفة الاشياء لعدم التفاتهم اليها و هؤلاء تحصل لهم الصور المانعة من النقيض لكنها كثيراً مّا ليست بثابتة جازمة بحيث يري الشيء كما هو في الخارج فيدفع جميع الشكوك و الشبهات و المحتملات من النقوض و الوجوه بل منعه من النقيض لعدم قدرة النفس عن الاتيات بمعارض لا انها كذلك في الواقع و قد عرفت ايضاً منّا آنفا انّ القطع و التقليد (اليقين ظ) كما يكون من طرف الحق و النور يكون ايضاً من جهة الباطل و الظلمة اي التوغل في النكراء و الشيطنة فتحصل في هذا المقام اي مقام العلم في وجود الصورة اربع مقامات حاصلة‌ من ضرب اثنين في مثلهما لان تلك الصورة المانعة من النقيض لايخلو امّا ان‌يكون جازمة ثابتة قوية دافعة مع الالتفات لجميع مايعارضها ام لايكون كذلك بل منعها من النقيض لضعفها و عدم التفاتها الي مايعارضها لعدم اقتدارها بحيث اذا نبّهتها علي المعارض قبلته و صدقته و تضعف تلك الصورة الاولي و كلا الامرين لايخلو امّا ان‌يكون مطابقة لما في الواقع ام لاتكون مطابقة فهاهنا اربع صور:

الاولي كونها ثابتة مطابقة للواقع و نفس الامر و هذا لجماعة اخذ ذلك النور العظيم الذي القي الله تعالي في هوياتهم في الصعود و وصل في صعوده الي مقام صرافة النفس المطمئنة و صفائها و نورها التي هي مرآة صافية طاهرة نقية تقابل الوجه الاعلي من القلب المستقر عليه العقل و لاشك ان ذلك الوجه

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 350 *»

يقابل جسمه جسم فلك الكرسي و روحه روح فلك الكرسي فتطبع فيها من الصور الموجودة في عليين المفاض عليه من العرش الذي هو سقف الجنة المفاض عليه من الله سبحانه فكانت تلك الصور ح هي الكلمة الطيبة التي هي كالشجرة الطيبة التي اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها وفقنا الله و اياكم لادراكها ابداً دائماً و راسخاً فيها فافهم.

الثانية كونها مانعة من النقيض ثابتة جازمة غيرمطابقة للواقع و هذه الجماعة غلبت و استولت ظلمة انياتهم المخلوقة لحفظ ذلك النور المقصود بالذات و لاتمام قابلية ظهوره فانعكس الامر و غلبت علي ذلك النور بحيث عدم و اضمحل و لم‌يبق لهم فيهم وجود الا مقدار حفظ تلك الظلمة فاخذت في الهبوط الذي هو صعوده الي المراتب الدنية و المقامات الباطلة السفلية الي ان اتّصل بارض الممات ملتقي العالمين و برزخ البحرين فناداها الله تعالي بالاقبال كما في النور فاخذ تهبط هبوطاً متعاكساً حتي اتّصل باول ابواب سجين اسفل السافلين فقابلته بالمرآة السوداء العوجاء لكنها الصافية النقيّة و المقابل هي الصور الباطلة المعوجة المغيّرة فانظر ماذا تري من الصورة الحاصلة من هذه المقابلة هل فيها شائبة حقيّة‌ و خير ابداً و تلك الصور انما افيضت الي النفس الامارة بالسوء من باطن الطمطام الذي تفاض عليه الصور من الثري الذي مفاض (يفاض ظ) عليها من الجهل الكلي المقابل للعقل الكلي و هو معاند لله و مخالف له و تابع لهواه غير متعرض لرضاه فتكون تلك الصور هي الكلمة الخبيثة التي هي كالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الارض مالها من قرار و هؤلاء كاهل الباطل من اهل الباطن و الظاهر و سنفصل الامر ان‌شاء الله تعالي فيهم في مقام سرّ وقوع الاختلافات باعانة الله سبحانه و حسن توفيقه لانه لا حول و لا قوة‌ الا بالله سبحانه.

الثالثة كونها مانعة من النقيض لعدم التفات النفس الي معارضها و عدم القدرة اليها امّا لاصل عدم النضج في البنية كما في الذين غلبت عليهم الرطوبة البلغمية لا الدموية فانها صالحة او لعوارض خارجية من عدم الممارسة و عدم

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 351 *»

الالتفات او من الصحبة او غيرها مما سنذكر ان‌شاء الله تعالي كالبليد و العوام فان تلك العوارض تحجب عن مقابل النفس لاعيان الخارجية فتنزع منها صورتها كما هي و ان كانت مطيعة تابعة للعقل الا انها مريضة تحتاج الي معالجة قوية و ياتي بيانها ان‌شاء الله تعالي كاهل التقليد من اهل الحق فانهم ياخذون عن من يعتمدون عليهم من اهل الحق و يعتقدونه و يبالغون في حقيّته الا انهم في كثير من المواضع غير مستقلين و يزيل ثبات تلك الصورة بادني شبهة و اعتراض اذا شكّك المشكّك و اعترض المعترض فهذه الصورة المانعة من النقيض و ان لم‌تكن جازمة لكنها مطابقة للواقع.

الرابعة كونها مانعة من النقيض غير جازمة و لا مطابقة للواقع و هؤلاء الحمقاء و البلهاء و العوام و الجهال من اهل التقليد من اهل الباطل و هم الذين قلوبهم ناشفة عطاشي لعدم ورودهم علي حوض اميرالمؤمنين عليه‌السلام فرأوا تلك السراب يلوح كانه ماء فلجؤوا اليه فماتوا عطشاً و ان لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماء غدقاً، و ذلك لانهم اعرضوا عن ذكر الرحمن و من اعرض عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين، و انهم ليصدونهم عن السبيل و يحسبون انهم مهتدون حتي اذا جائنا قال ياليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين، اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و رأوا العذاب و تقطعت بهم الاسباب.

و هذه الصور الاربعة لاشك و لاريب انها انما حصلت بعد تحقق المنع من النقيض فلايصحّ ان‌تدخلها في مراتب الشكوك و الاوهام و الظنون لعدم المنع من النقيض فيجب ان‌يكون من اقسام العلم و مراتبه و مما يطلق عليه لفظ العلم لانّا نجدها (نجد لها ظ) مراتب فوق مراتب الظن و ليس فوق الظن الا العلم فصحّ التصديق الا انها لما كانت اول مراتب العلم فهي مختلفة في القوة و الضعف فاذن يجب ان‌يكون العلم هو الادراك الحاصل في الذهن المانع من النقيض الا اني اري العلماء قد اطبقوا علي الظاهر علي ان العلم هو الثابت الجازم المطابق للواقع فاخرجوا بالجازم الظن و فوقه او تحته و اخرجوا بالثابت علم

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 352 *»

المقلّد كما فصّلنا و اخرجوا بالمطابق للواقع الجهل المركب لكنّي اسألهم انهم هل ارادوا بالظن الصورة الغير الثابتة سواء احتمل النقيض بالاحتمال المرجوح ام لايحتمل لكنها غير ثابتة ام ارادوا بالظن مايحتمل النقيض بالاحتمال المرجوح فحسب و هل ارادوا بالواقع الواقع الحقيقي النفس الامري ام الواقع عنده في نفس الامر المطابق الحقيقي فان ارادوا بالظن المعني الاول العام يمكن تصحيح كلامهم الثاني ان بالثابت يخرج علم المقلّد لانه ظن في الحقيقة و الا يبطل التقليد بالثابت لان علم المقلّد من جهة انه ظن خرج بقيد الجازم فاذن هذا القيد لغو لكن علي هذا لايناسب قولهم الاول ان بقيد الجازم خرج الظن و غيره لانه ماخرج لبقاء علم المقلّد المانع من النقيض الغير الثابت و هو ظن علي ما زعموا لكن هذا المعني للظن شيء ماسمع قطّ لاحد و لايصحّ بوجه لانهم اجمعوا علي ان الظن طرفه المقابل الوهم فكيف يجمع مع هذا المعني و لعمري انه باطل جدا لايحتاج الي البيان و ان ارادوا بالظن المعني الثاني المعروف المشهور كما هو الحق و ارادوا بعلم المقلّد هذا الظن المعروف فهو خارج بقيد الجازم فلايحتاج الي التقليد بالثابت و كون هذا الظن مما يعتبر شرعاً للعمل في الظاهر لايؤثر في علميّته فافهم.

و في المطابقة ان اراد المطابقة‌ الحقيقية النفس الامرية في حدً العلم فهذا لاشك في بطلانه اذ هذا القطع لايمكن لاحد الا للذي يحيط بالكل العالي الذي قام كل الوجوه به قيام صدور او قيام تحقق بالنسبة الي العلم مطلقاً او العالي بالنسبة الي سافله فيعمّ علم الشخص بالنسبة‌ الي آثاره و افعاله و اما علمه بالنسبة‌ الي غير افعاله من سائر العلوم من احوال عالم العلوي و السفلي و التكليف التكويني و التشريع و امثال ذلك مما هو ليس بسافل بالنسبة الي العالم فكيف يمكنه القطع بالواقع الحقيقي كيف و لو كان الامر كذلك لايمكن الاختلاف بين العلماء في العلوم القطعية مثل الاعتقادات و غيرها مع انه ما اتفق فيها اثنان و الكل يدعي العلم و تقولون ان الكل اذا لم‌يقصروا فهم مثابون و مأجورون مع اختلافهم اذ ليس فوق القطع مقام او ليس وراء عبّادان قرية و لو كان المناط و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 353 *»

المدار في العلم هو تحصيل الامر الواقعي المطابق لما في نفس الامر بحسب الواقع الواحد الغير المتكثر و الغير المتعدد فلم‌ينج من الخلق احد اذ لم‌يصب الواقع الا واحد هل ترخص لنفسك هذا التجويز و لعمري ان الخلق المكلفين بالعلم في امور معادهم و معاشهم لو كان بمعني الاصابة الواقعية النفس الامرية لكان تكليفاً بما لايطيقه الخلق اذ لايسمع هذا الحكم الا الذي يري الاشياء بعين المشاهدة العلّيّة لا بالمقابلة‌ المرآتية فانها قد تعوج المرآة فلم‌يكن الحكم واقعياً و انّيٰ للانسان الضعيف هذا المقام الا بالنسبة الي آثاره و افعاله مع انا نري انه يختلف علم الشخص الواحد في حالين بالنفي و الاثبات و هذا ظاهر معلوم لمن كان له قلب او القي السمع فهو شهيد، فاذا بطل الاعتبار الواقعي الوجداني الغير المتعدد صحّ اعتبار المطابقة الواقعية عند العالم بمعني ان العالم عنده هذه الصورة مطابقة للواقع بحيث لايحتمل الخلاف عنده حال تصوّره و علمه و قد يزول هذه الصورة‌ علي هذه الكيفية ‌في الوقت الآخر فالواقع المعتبر هو ان‌يعلم الشخص انّ هذا هو الذي خلقه الله سبحانه و عنده انّ كل من يخالفه فهو مخطي لا الواقع عند الكل لجواز ان‌يغيّر علمه بعد ساعةٍ اخري فاين الواقعي الحقيقي.

فاذا عرفت هذا فاعلم انهم انما اعتبروا المطابقة ليخرجوا الجهل المركب فنقول لايصحّ المطابقة الحقيقية و الا لم‌يتحقق عالم الا نادراً في بعض المواضع السفلية بالنسبة الي آثاره و افعاله او ما تراه بالراي العين او بالمشاهدة العينية الكشفية و فيها ايضاً ما فيها فيجب المطابقة‌ الواقعية عند العالم فاذن اين الجهل المركب لان الجاهل بالجهل المركب ان كان يعلم ان ما عنده من الصورة بخلاف الواقع الحقيقية و ان كانت من الواقع الخبيث المجتث فهذا ليس بجهل مركب و انما هو انكار و جحود لو قطع بحقيّة تلك الصورة الباطلة‌ عناداً و استكباراً، يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها و اكثرهم الكافرون، و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلماً و عتواً، و ان لم‌يقطع بها فهي احد الاقسام المذكورة و يشبه ان‌تكون وسوسة و ان لم‌يعلم المطابقة بل يعلمها و يقطع بها و يدفع الصور الحاصلة في ذهنه بخلافها و يعارضها و يعلم ان هذا هو المطابق الواقعي

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 354 *»

الحقيقي و لم‌يخطر بباله المخالفة و عدم المطابقة و ان لم‌يكن مطابقاً في الحقيقة عند الله سبحانه لقصور العالم و عدم عصمته فمن زعم انها ح ليست بعلم بل هي جهل مركب فعليه البرهان و لااظنّ يتفوه به من له وجدان فبعد ما بيّنت المخالفة فهي ليست بعلم اصلاً فالجهل المركب لايدخل في هذا العلم ابداً و اصلاً اذ قيل ان تتبين المخالفة فليس فيه شائبة جهل لمنعه عن النقيض و بعد ما تبيّنت فليست الصورة مانعة عن النقيض لوجود نقيض اقوي من الاولي بل الاولي بالنسبة‌ الي الثانية وسوسة حقيقة و ان كان يظهر الانكار للعناد و الجحود فهو في الواقع لايقول بها و لايعتقدها و ان لم‌يظهر ذلك و الا للزم المحال فلايدخل الجهل المركب في العلم اي الثابت الجازم اذ مع وجود المخالفة لم‌يبق للثبات و الجزم مجال فلايحتاج لاخراجه الي قيد آخر فثبت ان العلم في النفس ليس الا الصورة الحاصلة فيها المانعة عن النقيض فيدخل تلك المراتب الاربعة في العلم بحسب الحقيقة.

لكن بقي هنا شيء احبّ ان‌اوقفك عليه و هو انّ الثابت و الثبات في مقابلة‌ المضطرب و الاضطرابِ و الجزمَ في مقابلة التزلزلِ و الاضطرابُ و التزلزل لاتحصلان الا بوجود مخالف مدافع مصادم و الا لم‌يكونا كذلك و اذا حصل المعارض المدافع لم‌تكن الصورة الحاصلة مانعة عن النقيض فكيف يصحّ المنع عن النقيض بدون الثبات و الجزم و كيف يدخل المراتب الثلاثة في العلم اي في المنع عن النقيض و ما البيان في ذلك فان الامر قد اضطرب اضطراباً حسب ما بينت و كذلك المطابقة‌ للواقع فان عدم المطابقة مع المنع من النقيض من قبيل المتناقضين كما لايخفي فيكون الثبات و الجزم و مطابقته لما في نفس الامر بيان و شرح للمنع من النقيض فلاتكون الصورة مانعة من النقيض الا اذا كانت ثابتة جازمة مطابقة لما في نفس الامر فلايكون الغير الثابت و الغير المطابق داخلاً في المانع من النقيض فلايكون علماً فصحّ ما ذهب اليه المشهور و بطل ما اوردت عليهم من الايراد و الاعتراض و الجواب انّا ما اوردنا عليهم لو قالوا بعدم الفرق بين المانع من النقيض و الثابت و الجازم و المطابق للواقع بل لو

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 355 *»

قالوا ان كل عبارة من هذه العبارات الثلاث شرح للاخري لم‌يتوجه عليهم هذا الذي ذكرنا الا انهم قالوا بالفرق فصحّ ما اوردنا عليهم لكن التحقيق ان‌يقال انّ هنا مقامين مقام تلاحظ تلك الصورة عند الشخص و الآخر تلاحظها في الواقع و المقام الثاني فيه مقامان:

الاول ان‌تلاحظ تلك الصورة بحسب الواقع مطلقاً من غير اعتبار شيء آخر ابداً و في هذا المقام لاتكون تلك الصورة خالية‌ عن احد الامرين اما ان‌تكون مطابقة للواقع ام لا و بعبارة اخري اما ان‌تكون موجودة في الخزينة العليا او تكون موجودة مجتثة في الخزينة السفلي و انحصر الامر فيهما و لايتطرق احتمال الثبات و عدمه في الواقع الوجودي مطلقاً فان المراد بالواقع ما خلق الله سبحانه سواء تصوّره المتصوّر ام لا فاذن لا معني للثبات و عدمه فيه.

الثاني ان‌تلاحظ في الواقع باعتبار حال الشخص العالم المتصور فانها ح تتصور فيها صورتان غير الاولتين فان تلك الصورة لاتخلو اِما ان‌يكون شان المتصور ان‌يثبت عليها نظراً الي المقدمات و القياسات و اذا التفت الي المخالف المدافع و المصادم حين ما وجدت و حصلت ام لا و بهذا ندفع ماعسي ان‌يتوهم ان علم العالم المجتهد الغير المقلد قد لايثبت و يتغير فح يجب ان‌لايكون علماً حين كونه كذلك يعني قبل ان‌تتبين المخالفة اذ بعد تبيّنها ارتفع حكم العلم و كلتا الصورتين لاتخلوان عن المطابقة و عدمها فيتحقق الاربع الصور المذكورة.

فاذا تحقق لك هذين المقامين (هذان المقامان ظ) فاعلم ان الصورة اذا منعت عن النقيض عند الشخص فهي يجب ان‌تكون ثابتة عنده و جازمة لديه و مطابقة عنده للواقع اذ لو لم‌تكن جازمة و لا ثابتة و لامطابقة لم‌تكن مانعة فان لاستلزام التزلزل و الاضطراب مصادمة الصورة الاخري كما لايخفي علي من راجع وجدانه فاذن ما قالوا ان العلم هو المانع عن النقيض الثابت الجازم المطابق المواقع ان ارادوا ما ذكرناه في المقام الاوّل صحّ و لايكون الا هكذا لان مع وجود النقيض ليست الصورة‌ الا احد الاقسام المذكورة التي اولها اي آخره الظن

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 356 *»

و آخرها اي اوّلها الوسوسة و الريبة فلايكون العلم الا اذا منعت النقيض عن التعارض بعدم النظر و الالتفات اليها و هذا ظاهر معلوم رددت العبارة فيه لعدم التفات العلماء اليه و لئلّا يصوب (لئلا يشوب ظ) عليهم الامر اذا التفتوا اليه.

ثم اعلم يا اخي وفقك الله و ايّانا لكلِ (خيرٍ ظ) انك بعد ما حققت المقامات الاربعة في الصورة المانعة عن النقيض بالنظر الي الواقع مع ملاحظة‌ حال الشخص و ان كانت عنده ليست الا الثابتة الجازمة المطابقة للواقع كما علمت فاعلم ان اول الاقسام الاربعة و هي الصورة‌ المانعة عن النقيض الثابتة‌ الجازمة المطابقة للواقع الحاصلة من التفات النفس المطمئنة الي وجه العقلي من القلب المتوجه المقابل الي اعلي عليين بشرط استدامتها في ذلك المقام و رسوخها في ذلك المرام مع التفاتها الي جهات المعارضة و حيثيات المناقضة هي المسمّي بعلم اليقين و هو اول مقام الترقي العلمي بعد تنزّله فان الترقيات الاولية انما هي ليحصل العلم و كانت مراتبه نازلة عن العلم و دونه و لذا سمّيناها بالعوالم السافلة للعلم اذ نسبة العلم الي تلك المراتب نسبة الانسان من حيث جسمه و روحه المتعلقة به الملتفتة اليه الي الارضين السابعة السفلي و ماتحتها من البحر العظيم و الريح العقيم و العذاب الجحيم و كذا نسبة العلم الي المراتب العالية و المقامات الفوقية كما سنذكر ان‌شاء الله نسبة‌ الانسان الكذائي الي السماء السابعة و فوقها من الكرسي و العرش و الحجاب و الستر فتحقق لك ان العلم في رتبة الصفات كالانسان في رتبة الذوات كما ان الانسان هي الجامعة للمراتب العالية و السافلة من حيث وحدته و هو الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر و لذا كان مظهر اسم الله الجامع و مربوب لذلك الاسم الشريف كذلك العلم هو الجامع للمراتب العالية و السافلة‌ و المتوسطة بوحدته و شخصيته فلك ان‌تقول ان تلك المراتب هي العلم او مراتبه و المعني واحد و لذا كان اشرف كل كمال و اعلي كل جمال و ابهي كل نور و جلال اذ ما من كمال الا و فيه منه اصل و ما من بهاء الا و هو له فرع فهو ظاهر الولاية و باطنه و لذا لما انقسم الوجود و الموجود وقع العلم في حصّة مولانا اميرالمؤمنين عليه و علي

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 357 *»

اخيه و زوجته و بنيه الصلوة و السلام و كان ذلك قسمته كما قال عليه‌السلام:

رضينا قسمة الجبار فينا                   لنا علم و للاعداء مالُ

فان المال يفني عن قريبٍ                و انّ العلم باقٍ لايزالُ

فعلم اليقين هو النفس او ماتدركه في رتبة مقامها بعد الانخلاع عن التعلقات البدنية و الانزعاج عن الشهوات الجسمانية الجسدانية و انقيادها للعقل الكامل و التفاتها الي عالمها الاول و توجهها الي الراس المرفوع من القلب الي اعلي عليين و اعراضها كلية او اغلبية و اكثرية عن الراس المنكوس الي اسفل السافلين فتنطبع فيها من الانوار الالهية الحقيقية المفاضة علي العرش علي جهة الوحدة و البساطة الواحدية لا الاحدية المفاضة منه علي الكرسي علي جهة الكثرة و الجزئية و التصور بالصور الشخصية فالمنطبع في النفس ح هي الصور الحقّة الشخصية الجزئية المتكثرة المتعددة من الانوار الالهية و الحقايق اللاهوتية لكنها علي نحو الكثرة المستلزمة للهيبة و ظهور العظمة و الجلال و القهر و الغلبة لربنا الكريم المتعال و لذا كانت مورثة للخشية‌ كما اخبر عنه الحق بقوله الحق بالحصر انما يخشي الله من عباده العلماء، و قال السجاد عليه‌السلام لا علم الا خشيتك و لا حكم الا الايمان بك ليس لمن لم‌يخشك علم و لا لمن لم‌يؤمن بك حكم و قال مولانا الصادق عليه‌السلام اذا تحقق العلم في الصدر خاف، و انّك لو تأمّلت علمت وجه حصر العلم في الخشية اذ بعد منع النقض لايعتبر و لايعتمد الا علي ما هو الثابت الجازم المطابق للواقع و لايكون كذلك الا اذا اتّصلت النفس بالعقل و تكون اختاً له و تبيض لونها بعد ماكان اسودّ حتي يكون كلون السماء و لايكون كذلك الا بعد ماظهر له من نور الكبرياء و الجلال لمشاهدة تلك الصورة الحقة المنبئة عن عظمة الحق اذ لكل حق حقيقة و علي كل صواب نور فيري مقهوريته و مغلوبية الكل مع كثرتها فيحصل له من تصور ذلك الخوف المستلزم للهرب و هو قوله عليه‌السلام و من خاف هرب و من هرب نجا، و الكلام في هذا المقام طويل.

و بالجملة انّ مدعي العلم ان وجدت فيه الخشية بعلامة‌ التي هي الهرب

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 358 *»

فهو ممن ادرك ظاهر العلم و الحق و النور و الا فان وجدت فيه الاهمال و الكسالة و عدم الميل و الرغبة و عدم التوغّل في المخالفة فهو من العوام و المقلدين و ان ادرك شيئاً فانه لم‌يدركه كما هو الواقع عن بصيرة بحيث يقف علي اليقين في مقام الظاهرة و الصورة و ان خالفه المخالف فهو و العوام علي حدٍّ واحد الا ان عنده من الصور الغير الثابتة اكثر مما عند غيره من العوام و ان وجدت فيه المخالفة و التوغّل في المعصية و عدم المبالات بالشريعة‌ المصطفوية علي ما هو عليه عامة الشيعة من الفرقة المحقّة الناجية فهو من الذين نكست رؤوسهم عند ربهم فانطبعت فيها من الخزينة السفلي ما يعاند الاولي العليا و يضادّها و يناقضها و تعرف ذلك من علمه الا ان معرفة ذلك و تميزه و معرفة مراتبه و مقاماته (كذا) اذ ليس الكل من اهل هذا المقام علي نهج واحد و طور غير متعدد بل هنا مراتب كثيرة و لكل مرتبة اهل،

و لكل رأيت منهم مقاماً           شرحه في الكلام مما يطولُ

و سنشرحه ان‌شاء الله تعالي في احدي الفوائد.

و الحاصل ان المراتب الاربعة المذكورة في مقام العلم في الصدر احدها مرتبة علم اليقين و الاخري يقابلها تقابل التضاد و هي في اسفل السافلين كما ان الاولي في اعلي عليين و اطلاق العلم عليها من جهة الضدّيّة اذ من المناسبات مناسبة التضادّ كما انّ الشمس تطلق علي رسول الله محمد بن عبد الله صلي الله عليه و آله و القمر في القرآن علي عليّ بن ابي‌طالب اميرالمؤمنين صلوات الله عليهما ابد الآبدين و كذلك الشمس تطلق علي اول المنافقين و صدرهم و فخرهم و سيدهم ابي الشرور عليه لعنة الله ما مرّ الدهور و القمر يطلق علي ثانيهم و مظهر القبايح و المفاسد في قوله تعالي الشمس و القمر بحسبان و حسبان دركةٌ من دركات النيران بشهادة القرآن و امثال ذلك من الالفاظ التي تطلق علي الشيء و ضده و كذلك العلم اذا اطلق علي الصورة الحاصلة الثابتة الجازمة الغير المطابقة للواقع و العلماء يسمّونه بالجهل المركب و الصورتان الاخريتان مقام المستضعفين من الطرفين فلايحكم عليهم الا بما عندهم، معاذ

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 359 *»

 الله ان‌ناخذ الا من وجدنا متاعنا عنده، فلايعدّ الانسان عالماً معتمداً عليه معتبراً علمه الا اذا بلغ مقام علم اليقين و هو كما قلنا عبارة عن الصورة الموصوفة و قبل ذلك فلايعدّ عالماً و لذا قال الحق سبحانه كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم و هذا اليقين و الثبات الجازم المطابق انما هو في الصورة فقط و الا فهو في المعني الوحداني الواقعي الكلي الشامل الجامع لتلك الصورة و غيرها بمعزلٍ عن الوصول اليه و الادراك له اذ بعد ما قطع مسافة ذلك العالم و ما وصل اليه و ان كان يدرك من تلك الصورة معني الا ان ذلك ليس ما نحن بصدد بيانه بل هو المتنزل الي تلك الصورة و المتقيّد بها و اين هو مما اردنا من الوحدة الكلية لا الحقيقية.

ثم انّ هذا المقام اي مقام علم اليقين و ان كان مقام الظاهر و الصورة الحقّة‌ الواقعية الا ان له مقامات كثيرة و درجات عديدة حيث ان الصور الحقّة مختلفة بعضها اعلي و اشرف من الآخر كما تري الاختلاف في الاجسام بعد اجتماع الكل في رتبة الجسمية و كذا الامر في الصور المنتزعة عنها اذ النفس مرآة تنطبع فيها صورة ما يحاذيها و يقابلها فالانتقاش اما ان‌يكون بحسب المقابل كما يكون بحسب المرآة و لاشك ان الصورة المنطبعة من العالي اشرف و اعلي و اغمض و ادق و اوسع و ازيد من الصورة المنطبعة من السافل و لما كانت المراتب المختلفة بالعلو و السفل كائنةً ما كانت و بالغة مابلغت تجمعها مراتب ثلاثة العالي الذي ليس فوقه في تلك الرتبة و السافل الذي ليس دونه فيها و المتوسطات كما تشاهد في الاجسام فانها مع كثرتها و وفورها غير خالية عن هذه المراتب الثلاثة اذ اعلي مراتبها الافلاك و ادني مراتبها المتولدات من حيث هي اي الارض و بينهما المتوسطات كالعناصر كانت مراتب علم اليقين ايضاً علي ثلاثة و قد اخبر الحق سبحانه عنها بقوله الحق و من اصوافها و اوبارها و اشعارها اثاثاً و متاعاً الي حين و لاشكّ انّ هذه المراتب انما هي مراتب ظاهر الجلد الذي هو علم الظاهر و لما كانت مراتب العلم مختلفة كانت محاله و مواقعه ايضاً كذلك اذ الشيء الواحد من حيث وحدته لم‌يختلف آثاره و ذلك امّا

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 360 *»

بآلاته التي ياخذها عضداً لآثاره و افعاله او بجهاته في ذاته و الثاني في هذا المقام لايخلو عن تكلّف بل تعسّف فيثبت الاول فللنفس آلات و هي المسماة عند القوم بالقوي الباطنية تدرك المراتب السافلة عن الصور المنطبعة المنتزعة عن الخارج بها و هي تختلف بعضها يدرك القشر المحض و الظاهر الخالص اي ظاهر الظاهر و الآخر يدرك اللبّ من القشر كالصوف و الآخر الثالث يدرك لُبّ اللبّ من القشر و هو النفس في ذاتها و جوهرها و حقيقتها و كل تلك مراتب الصورة و علم الظاهر و تسميتها باللب و القشر اضافي فتفطن لادراك هذه الامور و احفظها و استعدّ لفهمها فان هنا مقامات اخر و تفاصيل يطول الكلام بذكرها و لذا تركناها و لكنا ربما القينا اليك من هذا الباب زيادة علي ما ذكرنا في بيان اقسام العلم و سرّ اختلافها و تشتتها بعون الله تعالي و حسن توفيقه و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين.

اعلم ان الشخص مهما هو يلتفت الي الجسد و البدن لايتعدي ادراكه عن عالم الحسّ و الظاهر و لايعرف الا ما عرفه بالحواس الظاهرة الحسّيّة فينكر الذي لايدرك بالحواس الجسمية كما كان كثير من الكفّار و المنافقين و الزنادقة و الدهرية علي هذه الطريقة و حديث الاهليلجية لمولينا الصادق عليه‌السلام اكثره لاثبات هذا المدعي من ان الشيء اعمّ من ان‌يكون مدركاً بالحواس الظاهرة او الباطنة و ذلك لشدة التفاتهم و ركونهم الي عالم الحسّ و الجسم بحيث نسوا بالكلية مراتبه الاخري فاذا التفت الي النفس من جهة العقل و اعرض عن النفس الملتفتة الي الجسم يضعف هذا الحجاب الذي كان معدن الظنون و الشكوك و الوساوس و غيرها و يرقّ و يلطف حتي يتبين ظهور النفس من ورائها فاذا اشتغل بها و التفت اليها و استقرّ فيها و رسخ و تمكّن منها حصل له مقام علم اليقين و ذلك انما كان لشدة التفات الشخص الي النفس و ان كان من جهة العقل فاذا قطع نظره عنها و التفت الي العقل و ترك ما تقتضيه النفس من الصور و الهيئات و الكثرات و توجه الي العقل التفاتاً كلياً و توجهاً اصلياً يضعف هذا الحجاب و يرقّ و يلطف حتي تشبه العقل قال الله تعالي فان تابوا و اقاموا

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 361 *»

 الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين و قال الشاعر و لنعم ما قال:

رقّ الزجاج و رقّتِ الخمر                         فتشاكلا فتشابه الامرُ

فكانّما خمرٌ و لا قدح                      و كانّما قدح و لا خمرُ

فاذن يظهر سلطان جبروت العقل بعد مضيّ جنود النفس و يلوح نوره من افق القلب بعد ذهاب ظلمة الكثرات النفسانية فيشرق في القلب و يملأ بنوره جميع فضائه و يذهب باشراقه كالظلمات من الظنون و الشكوك و امثالهما فان الظنون و الشكوك لواقح الفتن و مكدرة لصفو المنايح و المنن فيحصل له علم اوسع من الاول و يتحقق لديه ادراك اشمل فيملأ في قلبه نور اليقين لانّه ح يدرك معاني الاشياء علي جهة العموم و الكلية و الانبساط فاذا عرفها من حيث انفسها و حققها و رسخ فيها عرف شيئاً واحداً بهذه المثابة فلايزول علمه بها و ان تبدّلت عليه الصور و اختلفت الجهات و الحيثيات و الاضافات فانه يعرفه مع كل صورة و بكل اعتبار و جهة و حيثية بل يعرف اموراً كثيرة ايضاً بتلك المعرفة الاولية لتلك الصور المبتذلة المعتورة عليه التي هي حصة من ذلك المعني و افراد و تعيّنات له فاذا عرف ذلك حق معرفته فيعرف بها جميع افراده و اجزائه و جزئياته و ظهوراته و تطوّراته و افعاله في نفسه و افعاله من حيث تعيّناته و تشخصاته فيتسع علمه و ينفتح قلبه فيشاهد الامور الغيبية التي هي عبارة ‌عن ظهورات الشيء الواحد و تطوراته و اليه اشار مولانا رسول الله صلي الله عليه و آله بقوله ليس العلم بكثرة التعلم بل هو نور من عند الله يقذفه في قلب من يحب فينفتح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاء قيل هل لذلك من علامة يا رسول الله قال صلي الله عليه و آله التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله هـ ، انظر الي قوله صلي الله عليه و آله في العلامة فانه صريح فيما ذكرنا من تحقق مبدأ هذا العلم و كذا قوله صلي الله عليه و آله فينفتح، و ايّ انفتاح و اتّساع اكثر من ذلك فانه يدرك بشيء واحد اموراً عديدة بل غير عديدة غير متناهية و هذا العلم الكلي و النور الالهي الذي مقرّه القلب اي العقل هو المسمّي بعين اليقين و هو البيت الذي يأوي اليه الشخص في معرفة‌

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 362 *»

العلوم المشار اليها في تاويل قوله تعالي و اوحي ربك الي النحل و هم آل محمد سلام الله عليهم اجمعين ان اتخذي من الجبال اي الاجسام الظاهرة مقر الارواح الغيبية‌ او العجم لكونه مطارح اشعة العرب كالاجسام كما هو شان السافل بالنسبة الي العالي بيوتاً اي اتخذي من احوالهم و اوضاعهم و ظواهرهم اي ادرك منها قواعد كلية و معاني الهية حقيّة مما يجمع كل تلك الاحوال بجامع واحد فان الامور المتباينة المختلفة مع تباينها و اختلافها و عدم ايتلافها يجمعها شيء واحد بسيط و كل هذه الامور المتباينة المتضادة لو تأمّلتها بالتامل الصادق وجدتها احوال ذلك الشيء الواحد و اعراضه و اجزائه (ظ) و جزئياته و شؤوناته و تطوّراته و ظهوراته و مكمّلات وجوده و ظهوره و متمماته كذلك و شرائطه و علله و اسبابه و ظواهره و بواطنه و بالجملة ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ذلك الشيء الواحد هو البيت الذي يسع كل تلك الامور و تأوي اليه لادراكها فاذا دخلت البيت تطلع علي جميع ما فيه لانّ اهل البيت ادري بالذي فيه.

ثم قال تعالي و من الشجر اي من النفوس و الارواح المتعلّقة بالابدان و المنقطعة عنها المتعلقة بعالم القدس او العرب علي ما فسّر في الحديث الذي رواه علي بن ابراهيم و مما يعرشون اي من الارتباطات البرزخية بين الجبال و الشجر الصور المقدارية و الهيئات المثالية او الاعم ليشمل الارتباطات الرقايقية ثم كلي من كل الثمرات و هو استنباط تلك الافراد و الجزئيات من ذلك المعني الواحد الكلي اما بضمّ صغري سهلة الحصول اليه لينتج لك الامر بالبداهة كما اذا عرفت الانسان من حيث هو و عرفت انه حيوان ناطق و عرفت الحيوان الناطق فتجعله كبري كلية و تقول كل انسان حيوان ناطق فاذا اردت استنباط الجزئيات منها فانظر فيها فان وجدت ذلك المعني فيها فاجعلها صغري فقل هذا حيوان ناطق و ضمّها الي الكبري و قل كل حيوان ناطق انسان فهذا انسان و هكذا تتصرف في جميع جزئياته ذلك (كذا) و افراده فمعرفة تلك الحقيقة الجامعة و استخراج جميع اطوارها منها هو عين اليقين فتلك الحقيقة الجامعة ‌من الابواب

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 363 *»

التي تنفتح منها الف باب من العلم و كل معني باب من الابواب لكونه شيء واحد منطوٍ فيه الكثرات و صالح لقبولها كالمداد فانه معني الحروف و لبّ الهيئات و الحدود و ليس فيه في ظاهر الحال شيئ من تلك الا انه صالح لها و مندمج تلك الكثرات في وحدته و ثابتة فيه ثبوتاً ذكرياً لكنها معدومة العين فاذا تصوّر بالصور المختلفة و اليهئات المشتتة تري ظهور المداد في كل تلك بل لاتراها شيئاً الا بالمداد بل لاتري شيئاً الا المداد فيتسع علمك و ينفتح فهمك و قلبك لمشاهدة تلك الامور الغائبة في ذلك المعني كالمداد مثلاً فانت لاتزال فيه علي يقين و بصيرة بل تزداد بصيرة‌ و علماً و يقيناً بذلك الشيء اذا رايته يظهر في كل شيء من مظاهره و لاتشكّ فيه بوجه لانّ الشكّ ان كان بالنفي و الاثبات في اصل ذلك المعني انه هل هو كذا ام لا ام هو هو ام لا او باعتبار اختلاف الجهات و الحيثيات و الاعتبارات يلتبس عليه امر ذلك الشيء غير ذلك من حيث تصوّره بالصورة الاخري او حيثية‌ اخري معارضاً لذلك الشيء من حيثية‌ و جهة اخري و هو في الحقيقة شيء واحد فيحصل عنده احد الاقسام المذكورة من الريبة و الشكً و الوهم و امثالها فان كان الشكّ باعتبار الامر الاول فهو خارج عما نحن بصدده لانّ العالم بعد ما خرج عن مقام علم اليقين و مادخل في رتبة‌ عين اليقين بل هو اول صعوده منه و الامر الثاني لايمكن فرضه لمن دخل ذلك الباب و عرف الشيء من حيث هو لا من حيث الصورة فلايتحقق الشكّ اذن ابداً و لا الظن بمراتبه و اقسامه.

ثم قال تعالي فاسلكي سبل ربك ذللاّ و سبيل الرب هو الذي ذكرنا لك من اتّخاذ الامر الجامع الصادق علي الكل امّا علي نحو جمعية الكلي لافراده او الكل لاجزائه او العلة‌ المادية لمعلولاته كذلك او المنير لانواره او الفاعل لافعاله و آثاره او المقابل لصوره المتجلية في مرايا ظهوراته او المطلق لقيوداته او الكلمة لدلالاتها المختلفة حسب افهام المخاطبين فاذا سلك هذا السبيل علي هذا الطريق كان سالكاً لسبيل الرب ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه اي علوم مختلفة متّحدة‌ الحقيقة‌ من احوال العوالم العلوية و السفلية و النورانية‌ و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 364 *»

الظلمانية و الحقيقية و المجازية و الخلقية و الامرية اذ ليس العلم الا احوال العالم و الاعيان الموجودة و الاختلاف انما هو لاختلاف المعاني الكلية المستدعي كل معني منها علوماً من سنخه كالنور الاحمر الذي منه احمرّت الحمرة و النور الاخضر الذي منه اخضرّت الخضرة و النور الاصفر الذي منه اصفرّت الصفرة و النور الابيض الذي منه البياض او منه ابيضّ البياض مثلاً اذا علم حقيقة الجسم من حيث هو و ما يقتضيه من حيث ذاته و مايصلح لان‌يعرض عليه ينشعب منه العلم الطبيعي من احوال الاجسام من الفلكي و العنصري و البسيطي و المركبي فاذا عرف حقيقة مقدار الاشكال الشبحية و مايصحّ عليها و ماتقتضيه من حيث ذاتها ينفتح له باب علم الرياضي بجميع انحائه و اقسامه و كذلك امثالهما (امثالها ظ) من المعاني الكلية الجامعة و يختلف العلماء في معرفة ذلك المعني الكلي و كذا في كيفية استنباط تلك الجزئيات منه فيه شفاء للناس لانه اذن يدرك الحق و يعرض عن الباطل لانه يري الشيء و يشاهده علي نهج يستخرج منه جميع احواله فيسكن عنده و لايضطرب اذ الحق يشفي العليل و يبرد الغليل بخلاف الباطل فانه يعلّل الفهم و يسقّم القلب و يعوّج الفطرة و يكّدر الصفوة من المشاعر و القُويٰ كما قال مولانا علي بن الحسين عليهما السلام و اقشع عن بصائرنا سحاب الارتياب و اكشف عن قلوبنا اغشية‌ المرية و الحجاب و اَزهِق الباطل عن ضمايرنا و اَثبِت الحق في سرائرنا فان الشكوك و الظنون لواقح الفتن و مكدرة لصفو المنايح و المنن الدعاء فاذا ادركت الحق و علمت الصواب فاعلم انه شفاء لكل مرض من امراض الجهل و السهو و الغفلة و الشك و الظن و غيرها في كل باب و لعمري ان هذه الآية الشريفة متكفلة لبيان عين اليقين علي احسن مايمكن و لبيان ازيد من ذلك لايقال ان هذا تاويل يخالف الظاهر و الاصل عدمه للزوم ارتكاب مجاز لانا نقول بعد ما فسّر النحل بآل محمد سلام الله عليهم و الجبال بالعجم و الشجر بالعرب او بالعكس و لم يحضرني الآن لفظ الحديث فلامحيص الا ماذكرنا لايقال انه من الاخبار الآحاد التي لايوجب علماً و لا عملاً لانا نقول اذا كان الخبر الواحد محفوفاً بالقرائن القطعية‌ يتعين العمل

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 365 *»

به سيما عند اعتضاده بالعقل القاطع و انت لو تأمّلت علي حقيقة الامر فيما ذكرنا ينكشف لك الواقع ان‌شاء الله و لو كشف الغطاء لما اخترتم الا الواقع فافهم.

ثم اعلم انه كما كان في مرتبة علم اليقين مراتب ثلث كذلك يكون في مرتبة عين اليقين فان فيها مراتب ثلاثة حسب التفات النفس اي الشخص الي المقامات العقلية‌ النورية المحضة:

اولها و هو ادناها اول ظهور مقام العقل قبل انمحاق جهات النفس الصاعدة الي الروح و التفات العقل النازلة الي الروح ايضاً.

ثانيها و هو اوسطها بل اولها اي مقام العقل في حد ذاته في رتبة ذاته و بلوغه الي مقام قاب قوسين قبل ان‌يصل الي مقام او ادني و هو مرتبة‌ الحقيقية و ذاته الواقعية من غير نزول و صعود فافهم.

و ثالثها و هو آخرها و اعلاها مقام العقل حين التفاته الي الفؤاد النور الذي خلق منه الذي يُدرِك به المؤمنُ صاحب الفراسةِ الاشياءَ فاذا قطع التفاته عن نفسه فذلك مقام آخر و عالم آخر كما سيظهر لك ان‌شاء الله تعالي.

ثم اعلم ان الفرق بين هذه المرتبة و مرتبة علم اليقين في غاية الوضوح و نهاية الظهور كالفرق بين الارض و السماء فان النفس هي الارض و السماء هو العقل الاتري الي قوله عليه‌السلام كيف فسّر قوله تعالي ا لم‌يروا انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها، بموت العلماء، الذين يخشون ربهم فافهم فان العلم اليقين فيه ادراك الصور المعيّنة لذلك المعني في حدّ خاص و تعيّن معيّن علي الوجه الثابت الجازم المطابق للواقع مدركه النفس المطمئنة عند نظرها الي عليين حينما رجعت الي ربّها و كانت راضية مرضية و دخلت في عباد الله الصالحين فاستحقت بذلك دخول الجنة القرب و الصواب امتثالاً لقوله تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي فلانصيب لاهل هذه المرتبة الادراك (الا ادراك ظ) ذلك المعني من حيث ذلك التعيّن و تلك الصورة فاذا تعيّن ذلك المعني يتعين آخر و قد يلتبس عليه و لايدركه بل يراه معارضاً لذلك المعني الاول المتعين بالتعيّن الآخر لجهله

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 366 *»

بالوحدة لكون مقامه مقام الكثرة فلايري الوحدة مهما هو في ذلك المقام بخلاف مقام عين اليقين فانّ فيه ملاحظة‌ الوحدة و الاعراض عن الكثرة و معرفة الاشياء الكثيرة بمعرفة الشيء الواحد و هذا ظاهر معلوم ان‌شاء الله تعالي.

ثم اعلم يا اخي وفّقك الله و ايّانا لما يحب و يرضي ان ذلك النور الرباني و الفيض السبحاني الذي اثبتنا انه هو العلم و هو الكمال المطلق بالنسبة الي حال الشخص و هو اول صادر عن الحق سبحانه بالنسبة الي مراتبه و مقاماته الذي امره الله سبحانه بالادبار و المسافرة من الحق الي الخلق فسافر ممتثلاً و اقبل الي الخلق مرتبةً بعد مرتبة الي ان وصل الي التراب الجماد ثمّ امره الله سبحانه بالاقبال و المسافرة من الخلق الي الحق اي الرجوع الي الوطن بعد الهجرة فاقبل اليه سبحانه ممتثلاً لقوله و مجيباً لدعوة ربّه فمرّ في صعوده كما كان في نزوله الا (انّ ظ) الثاني كان علي جهة الخفاء و الاول علي جهة الظهور كما هو شأن الصعود و الهبوط.

و بالجملة انه مر في صعوده علي مقام النبات لم‌يصر مبدأ ادراك علي الظاهر الا فعل النمو و الذبول فمرّ علي الحيوان فصار في هذا المقام مبدأ الشكوك و الظنون و الاوهام و الوساوس و الارتياب و النجوي و الخيالات الغير المستقلة الباطلة و الكاذبة و بعض الادراكات الحقّة الجزئية علي ما فصّلت لك سابقاً يعني ان تلك الامور انما ظهرت في هذا المقام لان النور كان سبباً للظلمة و ان كان كك، فبعد ما قطع تلك المسافة اِمّا صاعداً الي اعلي عليين و اِمّا هابطاً الي اسفل السافلين وصل الي مقام النفس و مرّ عليه فصار مبدأ انشراح الصدر بالايمان و العلوم الحقة و الصور الصحيحة النفس الامرية و في مقابله انشراح الصدر بالكفر و الادراكات الثابتة الجازمة الباطلة الغير المطابقة لما في نفس الامر و هو عبارة عن الضيق و الحرج قال الله تعالي فمن يرد الله ان‌يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان‌يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كانما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون و هذا صراط ربك مستقيماً قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون و هناك مقام علم اليقين كما مرّ فبعد ما

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 367 *»

 قطع في صعوده مقام النفس و دخل في الباب العقلي فانفتح له ابواب من العلم ينفتح من كل باب الف باب و لذا كان تعليم النبي صلي الله عليه و آله للوصي كذلك كما في الاخبار لان النبي صلي الله عليه و آله النور و القلم و الوصي الكتاب المسطور في رقّ منشور فافهم فصار في هذا المقام مبدأ عين اليقين الي هنا كان آخر مقامات التعيّن و التشخص فبعد ما قطع مسافة هذا العالم مع وسعته و بُعده لحق بمركزه و عاد الي عالمه و ادرك ذاته بذاته فادرك كل شيء بذلك الادراك اذ الكل من شيء واحد و هو الجنان الصاقورة‌ التي ذاق روح القدس من حدائقه الباكورة فهو يدرك حقيقة ‌الشيء من حيث هي مع قطع النظر عن التعيّنات و التشخصات بايّ وجهٍ كانت و يحيط بالاشياء المقيّدة‌ احاطة‌ً تامةً كليةً بحيث اذا وصل الشخص الي ذلك المقام لايشذّ منه جهة من جهات الشيء و حال من احواله و حيثية من حيثياته و هو يحيط بكل ذلك علماً فهنالك يحصل حق اليقين بل انّه الحق اليقين و النور المبين يدرك جميع مراتب الاشياء في اماكنها فيدرك اجسامها بالقوي الجسمية و اشباحها بالقوي الشبحية و ارواحها بالقوي الروحانية و انوارها بالقوي النورانية و اسرارها و حقايقها بذاته و حقيقته فلايكون شيء في رتبة الا و قد وقع علمه عليه و هذا بخلاف عين اليقين فانه كان يخفي فيه حقيقة الشيء التي هي جهة الاحدية الامكانية و انما كان فيه ظهور الواحدية الامكانية و تمام الواحدية بالاحدية فهي الكاف المستديرة علي نفسها و في هذه المرتبة يعرف الحق سبحانه بكمال المعرفة التامة الحقيقية التي لا اتمّ منها و لا اكمل مما يتصور في حق الممكن و يمكن له لا كما هو الواقع عليه اي معرفة المثال الذي القاه الله تعالي في هوياتنا لنعرفه به و الآية التي ارانا الله اياها اي نور الوصفاني و النقش الفهواني المكنون المخزون في لُبّ الانسان الذي وقع عليه السؤال في حديث كميل لمولانا الوليّ الملك المتعال ما الحقيقة قال عليه‌السلام ما لك و الحقيقة، لعلوّ شانها و نبالة مكانها و لاختصاص الخصيص من الكمّلين من الشيعة بها و انت لست منهم و ماوردت ماءهم و ماشربت شربهم فزعم كميل انها من اسرار التي يخصّ بها

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 368 *»

اميرالمؤنين عليه‌السلام و صاحب سرّه فتعجب من انكاره عليه‌السلام عليه و طرده عن هذا الباب فقال «اولست بصاحب سرّك» فاجابه عليه‌السلام بما يناسب مقامه و لم‌يأخذه بما اساء من الادب لانهم عليهم‌السلام اهل بيت العفو و الكرم فقال عليه‌السلام «بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني» فلما عرف كميل مقامه و علم انه ليس اهلاً لذاك فجاء في مقام العجز و الضعف باني و ان لم‌اكن لادراكها قابلاً لكن لكل سؤالٍ جواب و رُبّ حامل فقهٍ الي من هو افقه منه فاجابه عليه‌السلام بقوله الحق «كشف سبحات الجلال من غير اشارة» و كميل و ان علم ان هذا المقام عالٍ بعيد المنال و لم‌يمكنه الوصول اليه الا انّه اراد ان يدركه بالوصف المقالي و لما لم‌يعرف تلك الفقرة فاستزاد البيان فقال زدني بياناً فقال عليه‌السلام «محو الموهوم و صحو المعلوم» فقال زدني بياناً قال عليه‌السلام «هتك الستر لغلبة السر» قال زدني بياناً قال عليه‌السلام «جذب الاحدية لصفة التوحيد آثاره (كذا)» قال زدني بياناً قال عليه‌السلام «اطفئ السراج فقد طلع الصبح»، و هذه المضامين كلها لايكون الا في مقام حق اليقين و هو لايكون الا في اعلي المشاعر و المدارك و هو فوق العقل فمقرّ الحق اليقين هو الفؤاد و هو نور الله الذي خلق منه الشيء و ان سبق الي اكثر الاوهام الي ان‌ليس فوق العقل شيء الا الذات القديمة تبارك و تعالي و برهانه علي جهة الحكمة و الموعظة الحسنة من اظهر الاشياء و انما خفاؤه لشدّة ظهوره اذ قد يخفي الشيء لاجل شدّة الظهور.

و امّا علي جهة المجادلة بالتي هي احسن فنقول حيث ان الناس من جهة بقائهم في مقام صدر النفس و عدم ترقيهم الي المقامات فوقها لايدركون غير المجادلة فلو القيت عليهم من دليل الحكمة او دليل الموعظة الحسنة اللذين هما الاصلان و العمدتان في الايصال الي المعرفة و اليقين و الايفاق عليهما لكنهم من جهة قصورهم يقولون ان هذا المطلب بقي بلا دليل و برهان و لذا لو اردنا ان‌نلزم عليهم شيئاً فآتيهم بالمجادلة و هي ادني الدلالات و اخفي الاشارات ذلك مبلغهم من العلم.

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 369 *»

فنقول هل العقل شيء موجود ام لا و الثاني بديهي البطلان. و الاول هل هو موجود مستقل بالله من الاعيان الخارجية النفس الامرية ام لا و الثاني ايضاً باطل لما برهن في محله و الاول هل هو اشرف من غيره ام لا و الثاني باطل ايضاً لاعترافهم بان العقل من صقع الربوبية و هو المجرد عن المادة مطلقاً ذاتاً و فعلاً و الاول هل هو مركب او بسيط و الثاني باطل لاعترافهم بان كل ممكنٍ زوجٌ تركيبي و لاشكّ في امكان العقل و الاول هل هو مركب من الوجود و الماهية او غيرهما و الثاني باطل لعدم غيرهما و الاول هل الوجود امر متأصل ذا تحقق و تذوّت في الغير الخارجي ام لا و الثاني باطل لاعتراف محققيهم بذلك و لِما اقمنا عليه من البراهين القاطعة في كتابنا اللوامع الحسينية و ليس هذا محل استقصاء هذا المرام و الاول هل الوجود اشرف ام الماهية و الثاني باطل اتفاقاً و الاول هل له علم و كمال و نور و بهاء و جمال اشرف و اعظم من علم العقل و كماله و بهائه و نوره و جماله ام يساوي العقل في الكمالات ام ينقص العقل فيها ام ليس فيه شيء منها و الثلاثة الاخيرة باطلة جزماً اما الاول فللزوم مساواة العالي و السافل من حيث هو سافل في الكمالات و المزايا و الفضائل و هو باطل جدّاً و الا لم‌يكن عالياً من حيث هو كذلك و لا السافل سافلاً من حيث هو كذلك و بطلان الاول من الثلاثة يستلزم بطلان القسمين الاخيرين بالطريق الاولي فثبت الاول من الاربعة هو ان‌يكون للوجود الذي جزء العقل المتعيّن بالحدود العرضية بالتعيّن المعنوي في الحدّ العقلي اعلي و اشرف و اقدم و اكثر بهاءً و اعظم نوراً و سناءً و اشدّ تحققاً و تذوتاً و تأصلاً و اقرب منه مبدأً و اشد نوراً و اجل خطراً و اعلي منزلاً و اوفر حظاً و اجزل قسماً في كل خير و نور حق من العقل و عينية تلك الكمالات كلها له مما سبق برهانه و حيث كان العقل مقرّ العين اليقين للشيء وجب ان‌يكون مقرّ الحق اليقين هو الوجود بل هو الحق اليقين لما قد عرفت من ان كمالاته كلها ذاتية و ليس له فعل في رتبة ذاتها و يعبّر عنه اهل البيت عليهم السلام في اصطلاحاتهم و محاوراتهم بالفؤاد و اعلم انّا قد منعنا (ظ) عن ذكر احوال هذا المقام علي جهة البسط في الكلام و ما فيه من

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 370 *»

الاسرار بالبيان التام نظراً الي ما قال الامام عليه ‌الصلوة و السلام:

اني لاكتم من علمي جواهره            كي لايري العلم ذوجهلٍ فيفتتنا

و قد تقدّم في هذا ابوحسنٍ             الي الحسين و وصّي قبله الحسنا

يا رُبّ جوهر علمٍ لو ابوح به            لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا

و لاستحل رجال مسلمون دمي         يرون اقبح ما يأتونه حسنا

و هذ الكتاب لايخص به الخصيص بل يعم الخواص و العوام و انّيٰ يمكن ذلك و قد قال مولانا الصادق عليه‌السلام لا كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله، قال الشاعر:

و اياك و اسم العامرية انني               اخاف عليها من فم المتكلمِ

اخاف عليك من غيري و منّي            و منك و من زمانك و المكانِ

فلو انّي جعلتك في عيوني               الي يوم القيامة ماكفاني

اعلم يا اخي انه الي هنا ينقطع مقامات العلم و ليس فوق هذه المرتبة مقام و ادراك و فهم و نور و ظهور الشيء في نفسه و لا لغيره له و ليس فوق عبّادان قرية و لذا قلنا ان مقام الفؤاد اعلي المقامات و اشرف الدرجات و ظهور الحق سبحانه للشخص في هذه المرتبة اكمل الظهورات بالنسبة اليه في المراتب الامكانية و يسمّي (ظ) توحيده للحق سبحانه فيه التوحيد الحقيقي و الفناء الواقعي الذي هو البقاء الحقيقي و الوصل الي هذا المقام في كل آنٍ و دقيقة بل اقل في الترقي لكنه في هذه المرتبة و لم‌يصعد من هذه المرتبة ابداً لامتناع ذلك و ظهور الحق سبحانه في مقام عين اليقين يسمّي التوحيد الشهودي و يري الموحّد في ذلك المقام كل الموجودات باطلة و مضمحلة كما سيظهر لك ان شاء الله و ظهور الحق في مقام علم اليقين يسمّي بتوحيد الذات و هو يستدل من المعلول علي العلة و من الآثار يعرف المؤثر و ليس توحيده في مقام الشك و الظن و الوهم و الخيال فمن زعم ان التوحيد يجتمع مع الظن فقد افسد رايه.

هذا ما سنح بالبال في معرفة العلم و عوالمه و مبدئه و منتهاه و حقيقته و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 371 *»

ماهيته علي جهة المشاهدة و العيان و ما اكثر ما طويت ذكره في هذا المقام مما يتعلق به لامور:

منها اختلال البال بمعروض (بعروض ظ) مرض مانع من استقامة الحال.

و منها لادائه الي التطويل المورث للكلال و الملال.

و منها لاحتياجه الي مقدمات يؤدّي الي بسط المقال.

و منها عدم احتمال الناس فيسارعون اليه بالانكار و يبالغون في الجهل و العناد.

و منها عدم اقتداري علي التعبير عنه بالعبارة الموضحة و البينة للمراد و هذا الذي ذكرنا كفي لمن استبصر و استهديٰ الي الطريق المستقيم صراط الذين انعم الله (عليهم ظ) غير المغضوب عليهم و لا الضالين و الحمد لله رب العالمين.

القول في ان العلم يحدّ ام لا:

اعلم انهم اختلفوا في هذه المسألة و منعه طائفة كثيرة الظاهر انهم الاكثرون و قالوا بانّ العلم لايحدّ لانه بديهي فهو غني عن التعريف لانّه من الكيفيات الوجدانية كالالم و اللذة و الغمّ و الفرح لان ما يجد العاقل من نفسه لايحتاج في معرفته الي تحديد و انما يحتاج الي التحديد ما يجهله و لان كل احدٍ له علمٌ بانه موجود و ان لم‌يكن من اهل النظر فكان حاملاً له بلا نظر و هو علم خاص و العلم العام اولي بالبداهة و اجيب بان الضروري الذي ذكرتم حصول ماهية العلم و المدعي تصوره و التصور غير الحصول و قال بعض منهم انه لايحدّ للزوم الدور من تحديده لان غير العلم لايعرف الا بالعلم فلو عرف العلم بذلك الغير لزم الدور.

اقول بعد ما عدّ تعريف الشيء بنفسه بديهي البطلان و استدل بعض علي ذلك بانه لو كان معرّفاً لكان المعرف اِما بنفسه او غيره و القسمان باطلان فكونه معرِّفاً باطل اما الملازمة فظاهرة و اما بطلان قسم الاول من الثاني لان المعرِّف للشيء يجب ان‌يكون متقدماً علي المعرَّف في المعرفة و احد عنه و الشيء

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 372 *»

يستحيل ان‌يكون متقدماً علي نفسه و ان‌يكون اجلي منه و اما بطلان القسم الثاني فلان ذلك الغير لايعرف الا بالعلم لانّ حدّ (ظ) العلم لايعرف الا به فلو كان معرّفاً للعلم كان كل واحد منهما معرّفاً لصاحبه و هو دور محال و يلزم كون كل واحد منهما اعرف و انه محال و اجيب عن الكلام الاول بانك ان اردت انّ تصوّر غير العلم يتوقف علي تصور حقيقة العلم فهو اذ ليس كل من تصوّر شيئاً عرف حقيقة العلم و تصوره بل يتصور الاشياء الكثير من لايعرف حقيقة العلم و ان اردت انه يتوقف علي حصول علم جزئي انتفي الدور لانّ الحصول غير التصور علي تقدير ان حصول ذلك الجزئي يستلزم حصول ماهية الكلي علي انا نمنع الاستلزام و عن القسم الاول بان المعتبر في التقدم هو ذات العلم و حصوله و المتاخر هو تصوره فلا محذور في تقدم حصوله و تأخر تصوره و توقفه عليه و عن القسم الثاني بمعني ما مرّ انّ تصوّر العلم توقف علي ذلك الغير و ذلك يتوقف علي وجود العلم لا علي تصوره فلا دور.

قال استادنا الاعظم و شيخنا الاقدم اطال الله بقاه و امد ظلاله علي رؤوس رعاياه في الجمع بين القولين كلاماً احبّ ان اثبته في هذا المقام لكونه الحق الحقيق بالتصديق علي التحقيق قال سلمه الله تعالي: «و التحقيق ان‌يقال ان كان المراد بالتحديد و التصور تحديد نوع العلم و بعضه بان‌يكون قولهم العلم صورة حاصلة عند المدرك يراد به ان نوع العلم و جنسه هو صورة‌ المعلوم الحاصلة عند المدرك فهو تحديد و بيان لبعض منه في الحقيقة يعرف بذلك ان العلم هكذا فلا اشكال في صحة ذلك و وقوعه و ان كان المراد بذلك تحديد جميع ما يصدق عليه العلم فلاشك في استحالته لاستلزامه الدور او التسلسل و بيانه ان العلم صورة المعلوم الذهنية و تحديده صورة ذلك العلم الذي هو تلك الصورة الذهنية و هي من ذلك العلم المحدود و تحديد ذلك صورته الذهنية و هي من المحدود و هكذا فيكون الشيء حادّاً لنفسه او يترامي الي غير النهاية فيستحيل تحديده الا ان‌يقال تحدد ذلك التحديد بنفسه كما يقال اوجد الله الوجود بنفسه لا بوجود آخر و الا لدار او تسلسل و هذا و ان كان صحيحاً في

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 373 *»

الواقع لكنهم لايريدونه» ثم قال اطال الله بقاه و جعلني من كل مكروه وقاه و كفاه شرّ اعدائه:

«بقي شيء احب ان اوقفك عليه ينفعك اذا قلت بتحديد العلم و اردت التحديد الحقيقي فان العلماء القائلين بتحديده انما وسموه ببعض خواصه و من حده بذاتياته ربما لايدري مايقول و انما هو كما قال الشاعر:

قد يطرب القمري اسماعنا                        و نحن لانفهم الحانُه

و بيان ذلك يحتاج الي تقديم كلمات و هي انّ الحدّ التام الحقيقي ان‌يكون مشتملاً علي جنس و فصل قريبين و هما مادة‌ المحدود و صورته الذاتيتان فاذا اردت تحديد الانسان قلت حيوان ناطق فاخذت من الجنس الشامل للانسان و غيره و هو حقيقة الحيوان لا بشرط علي الاصحّ حصّة خاصة بالانسان لانها له بشرط لا و تلك الحصّة ‌من الحيوان هي مادة‌ ذات الانسان فهي بالنسبة الي ذات الانسان كالخشب المهيّأ الصالح للسرير و لايكون ذلك الخشب المهيّأ سريراً الا بالصورة‌ الشخصية الخاصة به فاذا ركب الخشب علي الهيئة المعلومة كان السرير فحقيقة السرير الخشب المصور بتلك الصورة الخاصة به فالخشب و الصورة ذاتيان للسرير فتلك الحصّة الخاصة من مطلق الحيوان مادة ذات الانسان فاذا اضفت اليه الناطق الذي هو الصورة الانسانية الخاصة تكمّلت حقيقة الانسان فالشيء لاتتقوم ذاته الا بمادة و صورة فالحصة من الحيوان مادة‌ و الناطق صورة فهما ذاتيان للانسان فافهم هذا البيان المكرر المردد بالفهم المسدد فاذا اردت حدّ العلم الحقيقي التام فحدّده بمادته و صورته الذاتيتين فاذا تحقق عندك ذلك فاعلم ان العلم علي القول المختار صورة‌ المعلوم المرتسمة في مرآة‌ الخيال و هي صورة انتزعتها تلك المرآة من المعلوم الخارجي او من المعني المتولد من الفاظ الخطابات و غيرها من الدوال الاربع و غيرها او من المعني العقلي بعد نزوله الي الخيال و هي ايضاً معانٍ خارجية بالنسبة الي ذهن المتصور لانها خارجة عنه فمادة تلك الصور العلمية تخطيط ذلك المعلوم و هيئته و كيفه و وضعه و صورة تلك الصور العلمية ما تقوّمت به من نور الخيال و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 374 *»

هيئته و كيفه و وضعه فتنتقش صورة المعلوم بنسبة الخيال و ذلك المعني علي قدر جامع للهيئتين و الوضعين و الكيفين كما تغاير صورة الوجه في المرآة و اختلاف صورة الوجه في المرآة بالطول في الطويلة و بالعرض في العريضة و الاعوجاج في المعوجة و كمال الظهور في تامة الصقالة و الخفاء في العكس و كذلك اللون لاختلاف هيئة المرآة و نورها و لونها و وضعها و اختلاف كيف الوجه في المرآة بالبياض و السواد و الصفرة‌ و الحمرة لاختلاف كيف المرآة و الوجه لم‌يتغير في كيفه و لم‌يحكه بتمامه الا المرآة المعتدلة في نورها و هيئتها و كيفها و سعتها بحيث تحيط به كذلك اختلاف العلوم بالنسبة الي العالمين و المعلوم لم‌يتغير فاذا اردت العبارة عن حد العلم التام الحقيقي المشتمل علي الجنس و الفصل القريبين قلت ظل ملكوتي ذهني فقولنا ظل يخرج الذات و قولنا ملكوتي يخرج الظل الملكي و قولنا ذهني يخرج الملكوتي الخارجي و هي و ان كانت علم علي ما نعلم داخلة في المحدود الا انً العبارة جارية علي المتعارف و الا ففي الحقيقة لايحتاج الي قيد ذهني فافهم و حيث تعرف ان المراد من تحديد العلم بيان نوعه لتعرف به الكل كالانموذج للشيء لا تحديد جميع ما يصدق عليه العلم كما مرّ يظهر لك انّ الاقوي صحّة تحديده كما ان الاقوي امتناع تحديد جميع ما يصدق عليه العلم كله».

انتهي كلامه رفع الله شانه و اعلي كلمته بالفاظ (بالالفاظ ظ) الشريفة و ما فيه من التحقيق كفاية لاهل الدراية لانه كلام جار علي متن الواقع لكنه لايذهب عليك ان هذا الكلام يجري في العلم علي قول مطلق كما ذكرنا بل انما يجري علي العلم الصوري الحاصل في الصدر النفسي لا علي قول مطلق بل كما افاد و اجاد سلمه الله تعالي فانه ادامه الله اجري اصطلاحه علي ما يستفاد من تتبع اخبار اهل البيت عليهم السلام علي اطلاق العلم علي الادراك الحاصل في النفس المسمي بعلم اليقين و اطلاق اليقين علي العلم الحاصل المسمي بعين اليقين و اطلاق المعرفة علي الادراك الحاصل في الفؤاد الوجود المحض نور الله الذي اليه يتوجه الاولياء بل الخلق من السعداء و الاشقياء و ليس فوق هذه المرتبة

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 375 *»

مرتبة و لا غير هذه المراتب الا جزئياتها و تنزلاتها و جهاتها و البرازخ الحاصلة بينها و الذي يدل علي هذا الاطلاق من اخبار الائمة الاطهار عليهم السلام ما ورد في مصباح الشريعة عن مولانا الصادق عليه‌السلام انه قال عليه‌السلام في كلام له الي ان‌قال: اذا تحقق العلم في الصدر خاف و من خاف هرب و من هرب نجا و اذا اشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل و من تمكن عن رؤية الفضل رجا و من رجا طلب و من طلب وجد و اذا انجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة فاستانس في ظلال المحبوب فآثر محبوبه علي من سواه و باشر اوامره و نواهيه الحديث، و قد نطلق العلم علي الصدر و اليقين علي القلب و القلب علي العقل و المعني علي العقل و الصورة علي النفس و النفس علي الصدر و العلم علي النفس و الخيال عليها ايضاً و نطلق ايضا المعرفة و المحبة علي ادراك الفؤاد بل الفؤاد علي نفس ذلك الادراك كما ستعرف تفاصيلها ان شاء الله و يمكنك ان‌تجعل من احد اطلاقات الشريعة و الطريقة‌ و الحقيقة المراتب الثلاثة فتخصّ علم الشريعة بما في النفس من الصور الحقة الالهية و علم الطريقة بما في القلب من المعاني الجبروتية المجردة عن القيودات الملكوتية فضلاً عن الملكية و الحقيقة بما في الفؤاد من الحقايق الربانية و التجليات السبحانية و سنتكلم ان‌شاء الله تعالي في هذا الباب عند تقسيم العلم و بيان اقسامه و لا حول و لا قوة‌ الا بالله العلي العظيم.

و اما القول بانً العلم ضروري او نظري فطري او اكتسابي فالتحقيق فيه تصديق الجميع و القول بكل الاقسام فالعلم منه نظري و منه ضروري و كل منهما فطري و اكتسابي و العبارة الحقيقية ان‌تقول كل اكتسابي فطري من غير عكس كلي ظاهراً و الا فالعكس واقع علي الواقع و الحقيقة.

و نقول ايضاً كل شيء بالفطرة و الاكتساب فيخرج منه كلما كان منافيه من القابليات و الاستعدادات فيظهر لديه ما كان ممكناً له من المقبولات و الاترار (كذا) الغير المتخصصة الا حين التعلق و التخصص و هذا سرّ شريف لو علمته ينفتح لك ابواب من العلوم و الحمد لله رب العالمين.

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 376 *»

المطلب الثالث في ذكر خزائن العلم و حملته و حفظته.

اعلم وفقك الله لما يحبّ و يرضي و هداك الي الطريقة الوسطي و رزقك خير الآخرة و الاولي انّ اهل الشعور و الادراك و التميز من المخلوق اي مما احاط به الوجود الذي هو نفس الشعور و الادراك و العلم فكلما فيه ذلك لم‌يخل منه لانه منه و لم‌يخل شيء منه فلم‌يخل شيء منه و هذا في غير الجمادات و النباتات ظاهر لايفتقر الي البيان و اما فيها مضافاً الي ما يدل عليه العقل الصحيح السليم عن النكراء يدل عليه آية عرض الامانة علي السموات و الارض و الجبال و عرض الولاية عليها فالاراضي السبخة انما كانت كذلك لتركها ولاية آل محمد عليهم السلام و الطيبة‌ انما طابت و استحلت لقبولها و هما لايكونان الا بالشعور الا ان مراتب الشعور و الادراك متفاوتة حسب اختلاف الذوات و تفاوت مراتبها لكن تلك الامور المختلفة تجمعها امور ثلاثة:

الاول العلم الحاصل و الادراك الثابت للعالي و المراد به هنا ما له مدخلية في تحقيق شيء آخر و وجوده من حيث تقدّمه و سبقته للوجود عليه لا من حيث ظهوره و بروزه كالماهية للوجود و لا من حيث شرطية و معدّيّة للوجود الزماني كالاب للابن.

الثاني العلم الحاصل للسافل من حيث هو كذلك ان‌ قد يكون الشيء عالياً و سافلاً و المراد به هنا مقابل ما سبق في العالي.

الثالث العلم الحاصل للمتساويين بحسب المرتبة و ان كان البعض اقوي من الآخر لكنه ليس من حيث علوه الذاتي بل انما هو لصفاء مرايا مداركهم و مشاعرهم.

و الامر الجامع هو ان‌تقول ان الشيء اِمّا ان‌يعلم ما هو اعلي منه و اسفله او ما هو في مقامه و ذاته و هذه العلوم الثلاثة‌ اِمّا يتعلّق بذات حاملها و نفسها و اِمّا ان‌يتعلق بغيرها و الامر جامع للكل و هو ان‌تقول ان الشيء اِمّا ان‌يدرك ذاته او غيره و هو لايخلو عن حالات ثلاثة لكنك تفطّن اوّلاً انّ ما في الذات عينها اي

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 377 *»

هي اذ الشيء لايكون في رتبة شيء آخر الا ان‌يكون هو لان الرتبة كاخواتها من الكم و الكيف و الجهة و الزمان و المكان من المشخصات فلو تداخلت بعض هذه الامور باعتبار التساوي العرضي فلابد من التمايز و الاختلاف بالبعض الآخر لكونها مدار التمايز فلو جعلتها مناط الاشتراك يلزم الدور او التسلسل فاذا صحّ ذلك فليس في رتبة ذات الشيء غيره و الا لم‌يكن فرضنا اياه و يلزم ان‌يكون هو و غيره فلم‌يثبت لشيء ذات مستقل متفرد به و متأصل معه ابداً و هذا مما لا شك فيه لمن يعرف و تعرف ذات الشيء ان كان مركباً بما لو فرضت عدم جزء يعدم الكل و تعريف غيره منها بما لو فرضت عدم ذلك الغير تبقي الذات باقية علي حالها فاذا صحّ ذلك فليس العلم بالغير عين ذات الشيء اذ الشيء ليس عبارة عن مجموع ذكر الغير اذ العلم به ليس الا ذكره و الا يلزم ان‌ لايتحقق كونه عندك الا بعد تصوّر ذكر جميع ما يغايره لان المفروض ان العلم بالغير عين ذاته الاتري الانسان فانه في رتبة ذاته مركب من الحيوان و الناطق فلايمكنك تدرك حقيقة الانسان الا بعد تصور هذين الجزءين بخلاف ما ليس ذاتياً له ككونه ماشياً او كونه ضاحكاً او باكياً و امثال ذلك فانك اذا اردت معرفة حقيقة الانسان من حيث هي لاتستلزم ادراك تلك الامور و تصورها فعلمنا انها ليس بذاتية اي داخلة في حقيقة ذاتها فلو قلنا ان العلم بالغير عين ذات العالم و حقيقته يجب ان لايتصور ذلك الشيء الا و يتصور علمه اي ذكره لكل ما يغايره في العالي بحسبه و السافل بحسبه و المساوي بحسبه كما انك لايمكنك تتصور الانسان بدون جزئيه الحيوان و الناطق و هذا ضروري البطلان و مدعي ذلك يصادم الضرورة و يزاحم البديهة مع ان القوم اتفقوا علي ان العلم صفة للعالم و متأخر عن ذاته و يدرك الشيء و لايدرك معه ابداً و لايذكره و لايلتفت اليه بوجه مع بقاء الشيء الاتري انهم عدّوا قبول العلم و الصفة و الكتابة من العوارض الذاتية للانسان ثمّ انّ الغير كما لايتحقق عند الشخص الا بعد تأصل نفسه و ذاته كذلك ذکر الغير لايكون الا متاخراً عن ذكر نفسه و الا يكون ذكره في ذاته ذكر غيره لان ذاته لاتتحقق الا بذكر الغير علي هذا الفرض فيكون ذكر

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 378 *»

نفسه عين ذكر غيره فلايذكر الشيء نفسه الا بعد ان‌يذكر غيره او معه لمكان الجزئية و الاول عند المشهور و الثاني عندنا و هذا بديهي البطلان الا اذا كان حقيقة ذلك الشيء ذكراً لغير المخصوص و هذا لايتصور الا في السافل للسافل كما ستعرف ان‌شاء الله تعالي فعلمت بالبرهان و مطابقة الوجدان ان العلم بالشيء الآخر ليس عين ذلك الشيء مع ان العلم عين ذات الاشياء كلها كما عرفت في المطلب الثاني و لا منافاة بين القولين لاستلزام الثاني المعلوم و عدم استلزام الاول اياه فالعلم بالشيء و الغير انما هو الذكر الثاني للعالم لا الاول و الا يلزم ان‌يكون الغير ايّاه فلم‌يكن هو ايّاه بل هو غيره و هذا ظاهر ان‌شاء الله.

فان قلت علي هذا يلزم ان لايكون العلم بالاشياء عين ذات الحق سبحانه و يلزم من ذلك ان‌يكون الحق سبحانه جاهلاً بها قبل كونها مع قيام الاجماع و اتفاق العقول المتبائنة علي ان علمه سبحانه بالاشياء قبل كونها كعلمه بها بعد كونها و لم‌يكن ذلك الا في ذات الله سبحانه لان العلم عين الذات.

قلت ما دلّ عليه الاجماع و اتفقت عليه الآراء و سكنت عنده العقول السليمة هو ان العلم عين الذات لا المعلوم و ان العلم في ذات الله سبحانه و تعالي لايقتضي معلوماً ان ربّنا عزوجل عالماً و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر فلما احدث الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور و هذا الوقوع امر حادث لم‌يكن في مرتبة القديم و العلم بالاشياء قبل كونها انما هو في العلم السابق و هو ليس عين ذات الحق سبحانه و الجهل اللازم انما هو اذا كان شيء و لم‌يتعلق به علمه لا ما لم‌يكن شيء فان العلم بما لم‌يكن جهل كما ان نفي العلم فيما لم‌يكن علم الاتري انّي اذا سألتک من في الدار و لم‌يكن هنا احد و قلت لااعلم في الدار احد فانما هو اثبات لعلمك بخلاف ما اذا قلت اعلم في الدار احد و لم‌يكن فانه اثبات لجهلك و نفي لعلمك و تصديق ذلك في محكم قوله تعالي ام تنبئونه بما لايعلم و قوله تعالي ليعلم الله من يخافه بالغيب فذكر الموجودات في رتبة خلقه لا في رتبة ذاته فان كل ما

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 379 *»

عداه ممتنع فيه كشريك الباري و قد اخبر ان علمه ما تعلق به و كيف لايكون كذلك فان الموجودات المذكورة في ذاته هل هي مذكورة بذكر ذاته مع ذكر ذاته حين ذكر ذاته بما يذكر ذاته ام متأخراً عنه فان كان الاول يلزم ان‌يكون ذكر الموجودات هي عين ذكر نفسه لانه سبحانه يذكر نفسه و يذكر غيره فان كان ذكر غيره هو بعينه ذكر نفسه فلم‌يكن هو اياه بل هو هو.

و لاتقل انه كذلك و تناقض بالشمس و الاشعة فان ذكر الشمس نفسه هو بعينه ذكر الاشعة لانا نقول امّا اولاً فانه قياس مع الفارق و لايعرف الله سبحانه بذلك و امّا ثانياً فنمنع وحدة الذكرين الا اذا قلت ان الاشعة عين الشمس علي ظاهر الحال و الا نفي الحقيقة لو قلنا بالعينية لم‌يلزم اتحاد الذكرين لان ذكر الاجمال من حيث هو غير ذكره علي التفصيل من حيث هو لا ذكر الاجمال في التفصيل و لا التفصيل في الاجمال فانه لايمتنع.

فان قلت امّا نحن فيه (كذا) ذكر التفصيل في الاجمال.

قلت اذن وقعتم بما قد فررتم عنه لان التفصيل من حيث هو لم‌يكن معلوماً فبقي علي الجهل بها من تلك الحيثية فان قلت يعلم التفصيل ثانياً فقد وقع التغيير في الذكرين هذا كله اذا التزمنا العينية و هي ممنوعة جداً في الشمس فضلاً عن ذات الحق سبحانه، تعالي عما يقوله الظالمون المفترون علوّاً كبيراً بل الحق ان الاشعة اثر الشمس و فعلها متأخرة عن ذاتها مقدار سبعين الف سنة و سبعمائة الف سنة او سبعين مرتبة علي ايّ عبارة تشاء فانك اذا حصرت نور السراج و ماخليته ينبسط و جمعتها لم‌تر زيادة في اصل السراج و نورانية‌ اشدّ و اذا رفعت الحجاب و بسط النور علي وجه الارض و تزايد لم‌تر ضعفاً (ظ) في السراج بل هو علي ما كان عليه قبل و بعد و كذلك في الشمس فلما لم‌يتغير السراج و لا الشمس بتغيّر اشعتها و قلّتها و كثرتها علمنا ان لادخل لها في حقيقة ذاتهما و الا لتغيّر قطعاً اذ ليس تغيير الكل الا عبارة عن تغيير الاجزاء فافهم فاذا صحّت المغايرة فلم‌يكن ذكر احد المغايرين عين ذكر الآخر و الا لم‌يكن هو ايّاه هذا خلف بل الشمس تذكر نفسه و لم‌تكن هنا اشعة بوجهٍ ابداً و انما تذكر

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 380 *»

الاشعة في مراتبها و اماكنها ذكراً ثانياً و بالجملة فالقول بان الله تعالي يعلم الاشياء و يذكرها بعين ذكر نفسه مما يعلم بطلانه بديهة لمن له فهم مستقيم و طبع صافٍ سليم فتعين انه تعالي يذكرها بعد ذكر نفسه تعالي.

فان قلت يذكرها ايضاً بذاته تعالي.

قلت مع انه يستلزم التغيير في عين ذاته تعالي لوجود التقدم و التاخر لايتصور هذا ابداً لانه تعالي حال ذكر نفسه هل كان مستقلاً و متاصّلاً و متحققاً و متذوتاً ام لا فان كان كذلك فتحققت الذات بدون ذكر الغير فلم‌يكن ذكر الغير عين ذاته لمكان التخلف و ثباته بدونه و لو كان المجموع عيناً واحداً و ذاتاً واحدةً لم‌يتصور ذلك.

فثبت بالبرهان المحكم الذي لايرده الا جاهل بحقيقة الامر ان ذكر الغير خارج عن حقيقة ذاته تعالي و غيره ايضاً من سائر الموجودات حيث جعلها آية لتعريفه كما قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فاذا صحّ هذا فنقول هل ذكر الغير اي معلومية لله سبحانه الذي هو خارج عن حقيقة ذاته المقدسة‌ هل هو عارض لذاته ام مستقل بنفسه ام موجود بفعله فان قلت بالاول يلزم ان‌يكون الله سبحانه و تعالي محلّاً و هو يستلزم الانفعال و القبول السافل و ذلك الحال ان كان قديماً يلزم ايضاً تعدد القدماء و يلزم ان‌يكون لله تعالي وقتاً اوسع من ذاته و هو الازل فالمفروض انه يسع ذلك الحال ايضاً فكان الله في شيء و مظروفاً و محاطاً فان كان عين احدهما يلزم ان لايكون الثاني ازلياً فلايكون قديماً فان قلت عين المجموع يلزم مع ما لزم التركيب في المجموع فان قلت بالثاني يلزم بعض ما ذكر فتعيّن الثالث و هو ان يكون ذلك الذكر الثاني بفعل منه و اين الفعل من الذات و اين الثري من الثريا و اين الثريا من يد المتناول و هذا هو العلم السابق الذي قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق و الناس لو عرفوا انفسهم عرفوا ربّهم فانّ من عرف نفسه عرف ربه، اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و لكنهم لما نظروا الي انفسهم رأوا انهم اذا ارادوا ان‌يعلموا شيئاً في الخارج لايعملونه الا بعد ان تصوروه في الذهن فذلك

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 381 *»

هي الصور العلمية فقالوا كذلك ربَنا قبل ان‌يخلقنا كانت صور المعلومات حاضرة عنده و حاصلة لديه في ذاته لما وجدوا في انفسهم و الامر كما ذكروا و لكنهم غفلوا عن محل تلك الصور التي في انفسهم قبل ان‌يعملوا شيئاً في الخارج فان تلك الصور محدثة متجددة لا في ذات الشخص بل في مرتبة من مراتب الذات و هو مقام النفس و تلك الصور انما حصلت بارادته التي هي الحركة النفسانية اذ لم‌يكن لها قبل ذلك ذكر في مرتبة من مراتب ذاته و لا تنزّلاته فلمّا شاء و هي عبارة عن الذكر الاول حصلت عنده تلك الصور و لم‌تكن ابداً فكان وجود تلك الصور دفعة واحدة فلما اراد ان‌يظهره في الخارج اظهرها فيه مطابقة لما عنده من الصور حسب تحقق الاسباب و الشرايط علي الترتيب و هذا هو آية (ظ) الحق سبحانه فيك انظر كيف احدثت علماً و لم‌يكن قبل ذلك و ما تغيروا (تغير ظ) ذاتك عن علميتها العينية و عدم ذكر غيرها لديها لكنهم لما عمت ابصارهم عن مشاهدة نور اليقين ارادوا ان‌يعرفوا الحق بالخلق حسب كيفياتهم فكانوا كما قال مولانا الصادق عليه‌السلام في الدعاء بدت قدرتك يا الهي و لم‌تبد هيئة فشبهوك و جعلوا بعض آياتك ارباباً يا الهي فمن ثَمّ لم‌يعرفوك يا سيدي، فافهم هذا المطلب فانه دقيق دقيق لايمسّه الا المطهرون تنزيل من رب العالمين.

فاذا عرفت هذه الدقيقة الشريفة فلنرجع الي ما كنا فيه فنقول حيث علمت امتناع كون العلم المتعلق بالغير في ذات الشيء فيجب ان‌يكون في مرتبة من مراتب فعله و الا لزم ما ذكرنا و لما كانت الاشياء لها مراتب كثيرة كمرتبة الصلوح الامكاني و مرتبة الكوني و مرتبة الجوهري و غيرها من المراتب و لاشك ان العلم لاستلزامه المطابقة للمعلوم بكل مرتبة غير العلم المتعلق بمرتبة اخري و الا لم‌يكن ما فرضناه ايّاه فيكون للشيء الواحد خزاين كثيرة حسب مذكوريته و معلوميته باعتبار تلك المرتبة و هو قوله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ما ننزله الا بقدر معلوم و قال تعالي و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو و يعلم ما في البر و البحر و ماتسقط من ورقة الا يعلمها و لا حبة

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 382 *»

 في ظلمات الارض و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و بيان ذلك ان الموجودات الممكنة و المكوّنة لها مراتب عديدة حسب قبوله للامر الالهي عند قوله تعالي الست بربكم فيكون العلم المتعلق بها ايضاً له مراتب و لما كانت كل مرتبة عامة واسعة شاملة للكل كان تلك المرتبة خزينة لتلك العلوم الكثيرة الثابتة فيها و لما كانت الطفرة في الوجود باطلة كانت كل خزينة عند حامل يحملها و حافظ يحفظها و الكل بما هو كل عند صاحب الكل و خالق القلّ و الجلّ و لايشاركه فيها غيره كما قال عز من قائل قل من بيده ملكوت كل شيء و هو يجير و لايجار عليه و قال ايضاً سبحانه و تعالي ام عندهم خزائن ربك ام هم المصيطرون و لذا قال عزوجل كما تقدم و عنده مفاتح الغيب الآية، و لما كان الامر كما ذكرنا من بطلان الطفرة و عدم مباشرة الحق سبحانه الاشياء بذاته (ظ) المقدسة‌ قال عزوجل و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية و قال تعالي و كان عرشه علي الماء و قال ايضاً الرحمن علي العرش استوي و  قال الله يتوفي الانفس حين موتها و قال قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكّل بكم فافهم و لما كان من صنعه المبرم و حكمه المتقن حكم ان‌يجعل الاشياء علي نمط واحد و طور غير متعدد و يخلقهم كنفس واحدة ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و يجعلهم متطابقة كان لكل شيء خزائن من حيث العلم حسب وجوده فيها فثبت العموم المدلول عليه بالنكرة في سياق النفي في قوله تعالي و ان من شيء الآية، بافراد الشيء و جمع الخزائن و لمًا كان الانسان طبق العالم الكبير و هو الكتاب المبسوط كما قال اميرالمؤمنين عليه‌السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة علي خلقه و هو الكتاب الذي كتبه بيده الحديث، و قال ايضا عليه‌السلام:

و انت الكتاب المبين الذي                      باحرفه يظهر المضمرُ

و تزعم انك جرم صغير                          و فيك انطوي العالم الاكبرُ

و لما كان العالم بمجموعه اعظم بسطاً و اكثر شرحاً و ابلغ بياناً و اوضح تبياناً من العالم الصغير الانساني وجب علينا ان‌نذكر اولاً ترتيب خزائن العلم و حفظته و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 383 *»

حملته في العالم ثم نذكر مايقابلها في الانسان.

فنقول انّ اوّل الخزائن و اعلاها العمق الاكبر و هي الخزينة الامكانية و هي العلم الامكاني و مذكورية الاشياء في الامكان و ذاكرية الحق لها فيه و هو العلم السابق الذي قبل كون الاشياء و بعد كونها و مع كونها و هو الشيء المذكور العلمي قبل ذكر العيني كما في قوله تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لم‌يكن شيئاً مذكوراً لان النفي انما يتعلق بالقيد الاخير و هي الاعيان الثابتة و هي الفيض القدس المتقدّم علي الفيض المقدس و هو اول الذكر اي ذكر الحق سبحانه للاشياء بذاتها لان عرفت استحالة ذكره تعالي ايّاها في رتبة ذاته الشريفة المقدسة بل ذكرها في مقام فعله بنفس فعله فذكر الاشياء انما هو محل لفعله و مساوق لوجوده في رتبة وجوده الفعلي الامكاني اذ حيث بطل الذكر الذاتي لم‌يبق الا الغيري و حيث بطلت الغيرية الازلية القديمة لم‌يبق الا الامكانية فذكر الاشياء بنفسه الاشياء ليكون علمه الفعلي غير معلوماته اذ لايتصور الغيري و هذا العلم هو العلم الامكاني اي ذكر جميع الممكنات و المكوّنات مما وجد و لم‌يوجد و مما سيوجد و مما يصحّ ايجاده و يمتنع و الاعدام المتصورة و المنفيات المتوهمة و الكواذب المصنوعة مما يمكن فرضه و وجوده و تخيّله و توهمه و تصوّره و تعقّله و وجدانه و احساسه و كل ما يصدق عليه اسم الشيئية و كل ما يعبر عنه بعبارة او يشار اليه باشارة كل ذلك قد ذكره الله سبحانه في تلك الخزينة اوّلاً بفعله و برهانه بدليل الحكمة ان فعل الفاعل لما ظهر قبل تعلقه بمفعول معيّن يظهر و يوجد معه ذكر جميع ما يصحّ ان‌يصدر من ذلك الفاعل و لم‌يبق الا مايستحيل عليه و ذات الفاعل ضرورة بطلان وجود شيء يصحّ ان‌يصدر من الفاعل و لم‌يصحّ تعلق فعله به فعند ذكر فعله يذكر جميع ما يصدر عنه باللاتعيّن المخصوص و قد علمت من ذلك ان امكان آثار الفاعل لايوجد الا حين وجود فعله و كذلك الامر فيما نحن فيه فان الحق سبحانه كان في الازل و لم‌يكن معه شيء ثمّ اخترع الممكنات حين احبّ ان‌يعرفه العبيد لا من شيء فكان احدث الوجود لا من شيء احدث الامكانات و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 384 *»

الممكنات لا من شيء فالممكن لم‌يكن شيئاً لذاته و انما كان شيئاً بغيره حين اخترعه و امكنه و حبسه في الخزائن العليا ثم كوّن منه ما شاء كما شاء يخرج من تلك الخزائن اذا شاء فيكسوه حلّة الوجود ينفق كيف يشاء فلما امكن الامكان بفعله الذي هو مشيته كان هو و ما فيه من جزئيات العامة علي هيئة مشيته لما هو المقرّر من ان المفعول انما يشابه صفة الفاعل و فعله لا ذاته فالامكان بما فيه علي هيئة المشية و المشية خلقت بنفسها و ظهرت كعموم قدرته فيما يفعل سبحانه لان قدرته عز و جل ظهرت بمشيته لا بنفسها لان نفس القدرة و ذاتها هو الله سبحانه و اليه الاشارة بقول الصادق عليه‌السلام بدت قدرتك يا الهي و لم‌تبد هيئة فشبّهوك و جعلوا بعض آياتك ارباباً يا الهي فمن ثمّ لم‌يعرفوك يا سيدي، فلما بدت قدرته لم‌تبد بهيئة ذاتية لان ذلك محال و انما بدت بهيئة فعلية و تلك الهيئة هي المشية التي ابدتها قد ابدتها بنفسها اي بنفس المشية فالمشية هيئة القدرة و نفس المشية‌ و الامكان هيئة المشية و هي و هيئته عامة واسعة لا غاية لعمومها و سعتها و لا نهاية فلما كان الامكان و الممكن بدأ علي هيئة هذه الهيئة‌ العامة الواسعة التي لاتتناهي كان قابلاً لكل ما يحتمل مثلاً حقيقة زيد الامكانية يجوز ان‌تكون زيداً و ان‌تكون جملاً و جبلاً و ماءً و معدناً و حيواناً و نباتاً و ارضاً و سماءً و ملكاً و نبياً و كافراً و شيطاناً الي غير ذلك مما لايتناهي فظهر ان كل امكان من الامكانات الجزئية مشتمل علي افراد لاتتناهي ابداً فالحقيقة التي خلق منها زيد يجوز ان‌تلبس كل صورة‌ من الغيب و الشهادة من الحيوان و النبات و الجماد وضعاً او (ظ) عيناً او صفة فاذا امكن في حقيقة واحدة ان‌تلبسوا صورة من الف الف صورة مثلاً كلها متساوية في الامكان و اما في الظهور فالصور انما يتحقق بالحدود و الهندسة الظاهرة و الغائبة من الغيب و الشهادة فظهر لك ان الله سبحانه كان في الازل الذي هو ذاته ذاكراً قبل المذكورين و ليس ثم مذكور سواه فاول ما ذكر عبده في مشيته و لم‌يكن ذكر المحدث قبل المشية و كان ذكره له فيها علي هيئة المشية هو الذكر العام الواسع الذي لايتناهي و هذا الذكر الامكاني الواسع هو التعين الكلي الراجح الوجود و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 385 *»

حامل هذا العلم هو الحق سبحانه و هو سبحانه المتفرد به ليس لاحد فيه نصيب و هو الاسم المكنون المخزون في ظله فلايخرج منه الي غيره و هو العلم الذي لايحيطون به علماً و هو البحر الذي لا ساحل له و لا غاية و لا نهاية و هو الذي امر رسول الله صلي الله عليه و آله منه الاستزادة بقوله تعالي قل رب زدني علماً فان الاستزادة عن ذات الله سبحانه كفر و شرك و عما عنده تحصيل الحاصل الباطل القبيح فيكون عمّا ذكرنا و هذا هو الذي كان سبب تحيّر رسول الله صلي الله عليه و آله المسؤول عنه في قوله اللهم زدني فيك تحيراً، فان التحير لايحصل فيما يعلم و هو الشمس المضيئة في قول اميرالمؤمنين عليه‌السلام علي ما رواه في التوحيد عن الاصبغ بن نباتة انه قال عليه‌السلام الا انّ القدر سرّ من سرّ الله و حرز من حرز الله مرفوع في حجاب الله مطويّ عن خلق الله مختوم بخاتم الله سابق في علم الله وضع الله العباد عن علمه و رفعهم فوق شهاداتهم و مبلغ عقولهم لانهم لاينالونه بحقيقة الربانية و لا بعظمة‌ النورانية و لا بعزّة الوحدانية لانه بحر موّاج خالص لله عزوجل عمقه ما بين السماء و الارض عرضه ما بين المشرق و المغرب اسود كالليل الدامس كثير الحيّات و الحيتان يعلو مرة و يسفل اخري في قعرة شمس تضئ لاينبغي ان‌يطلع عليها الا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضادّ الله عزوجل في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن سرّه و ستره و باؤا بغضب من الله و مأويه جهنم و بئس المصير، و هذا العلم اول الخزائن و هو مظهر البداء و مبدأ المحو و الاثبات و اليه اشار ما قال مولانا الرضا عليه‌السلام ان لله علمين علم علمه ملائكته و انبياؤه و رسله و حججه من خلقه و علم لم‌يعلمه احد و هو مكنون مخزون عنده و منه البدا و المحو و الاثبات، نقلت  الحديث بالمعني و هذا هو الغيب الذي خصّ الله سبحانه به و لم‌يعلمه احداً من خلقه و هذا هو الذي ورد الاخبار المتكثرة ان علم الغيب خاصّ بالله سبحانه فمن نسب الي احد من خلقه علم الغيب فقد كفر و ورد الطعن و اللعن لمن ينسب الي آل محمد سلام الله عليهم علم الغيب مع انهم يعلمون كل شيء من الغيب و الشهادة و انما هو هذا العلم و هو منه محتوم مقدّر

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 386 *»

و منه مشروط و الثاني اما هو مشروط في الغيب و الشهادة معاً او في الغيب وحده او في الشهادة وحده و منها ما لايصلح للوجود اصلاً فيخبر الحق سبحانه بعض هذه الامور من ارتضي من رسوله علي تفصيل لايمكنني الآن بيانه علي حسب مراتبهم و مقدارهم علي جهة الحتم و غيره و هو سرّ الاخبار بما سيكون و التخلف احياناً قال تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا من ارتضي من رسول و قد نذكر ان‌شاء الله مراتب المرتضين.

و هذه الخزينة تنقسم الي قسمين احدهما الخزينة العليا و ثانيهما السفلي:

اما الاولي ففيها ذكر الخيرات و الطاعات و الوجوديات و الصور الحسنة و الاعتبارات الصحيحة و الذوات الطيبة و الملكات النورية و الافعال المستحسنة و الانوار الوجودية الامكانية و الالهامات الالهية و القذوف السرمدية و الامدادات الوجودية الوحدانية و كل مايدرك و يحسّ و يجسّ‌ و يتخيل و يتصور و يتوهم و يتعقل و مما وجد كونه و ما لم‌يوجد سواء يصحّ و يمكن كونه ام لم‌يصحّ بل يمتنع بالنظر الي الامور الخارجية مثل جعل الخلق كلهم انبياء معصومين و امثال ذلك من الامور الحسنة التي يمكن و لايوجد و مما يقدر علي ادراكه البعض او الكل فكل ذلك انما هو من تلك الخزينة منها (ما ظ) يكوّن صورها في الاذهان و ان لم‌يوجد عينها في الاعيان و منها ما حجب عينها و ظلها عن افهام الخلق و ادراكاتهم و مبلغ عقولهم و من هذه الخزينة ينفق كيف يشاء بما يشاء لما يشاء اهلها و مستحقها من الذوات الطيبة و الاكوان النورية حسب اقتضاء القابليات و استدعاء الاستعدادات مما اراد ان‌يظهرها و شاء ان‌يكوّنها و احب ان‌يحاط به علماً قال تعالي و لايحيطون بشيء من علمه الا بما شاء و جعل الاستثناء فافهم هذا الكلام المردد بالفهم المسدد.

اما الثانية ففيها ذكر كل الشرور و المعاصي و السيئات و المعوجّات (ظ) و الصور الباطلة‌ و الادراكات القبيحة و الاعتبارات الفاسدة و التوهمات الكاسدة و الامور الغير النفس الامرية و الذوات الخبيثة و الملكات الظلمانية و التاييدات الشيطانية و القذوف الافكية و الامدادات العدمية و التاييدات الخذلانية و كلما

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 387 *»

يدرك و يحسّ و يجسّ و يتصور و يتخيل و يتوهم و يتعقل و يجد من الادراكات الباطلة‌ و الصور الكاذبة و الامور العدمية و الذوات النفية (كذا) مما وجدت و ما لم‌توجد و سيوجد او لم‌يصحّ وجوده و كونه اصلاً نظراً الي قبحه الذاتي و عدم استدعاء امر من الامور وجوده و مما يدركه الكل او البعض فكل ذلك انما هو من هذه الخزينة السوءي منها يكون صورها في الاذهان و ان لم‌يوجد عينها و منها قولهم انا نتصور شريك الباري و الاعيان الثابتة في الازل و اجتماع النقيضين و انّ فرض المحال ليس بمحال و ان ارتفاع النقيضين يصحّ في المرتبة و ان الشيء ليس بموجود و لا معدوم و لا حادث و لا قديم و ان المفاهيم علي خمسة اقسام و ان المشية عين ذات الله و ان علياّ عليه‌السلام افضل من رسول الله و غيرها من الامور الباطل فانما هي من تلك الخزينة يدخلها الله سبحانه من رحمته الواسعة‌ حسب سؤال المضطرين في مراتب مشاعرهم و مدركاتهم بالصورة اللايقة له فافهم و اتقن المجموع هو علم الحق سبحانه بالاشياء و لما كان هو اول الذكر كما قال مولانا الرضا علي جدّه و جدّته و آبائه و عليه و بنيه آلاف التحية و الثناء ليونس بن عبدالرحمن اتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول ثم قال اتدري ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاء اتدري ما القدر  قال لا قال هو الهندسة و وضع الحدود من الآجال و الارزاق، كان في كمال السعة و العموم و الشمول كما ذكرنا فلذا اختص بالحق سبحانه لعدم سعة الغير لكونه لايتناهي و الا يحيط باللايتناهي الا اللايتناهي فصح الاختصاص و هذا غيب مفتاحه بيد الله سبحانه بمشيته التي هي من الغيب و الخزينة لعدم خلوّها من الامكان فافهم سرّ الاستدارة علي النفس راشداً موفقاً.

ثم اعلم ان هذه الخزينة كما عرفت انها تنقسم الي قسمين و هو باعتبار المحل لكنها باعتبار الحال و المحل تنقسم الي قسمين آخرين الاول مقام الحال و رتبتها، الثاني مقام المجمل و رتبته و قد علمت انها تنقسم علي قسمين عليا و سفلي.

اما الاول فاعلم ان المراد به المشية و هي فعل الله سبحانه الكلي عالم

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 388 *»

فاحببت ان اعرف الوجود المطلق و الحق المخلوق و السرّ المقنع بالسر و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و بها تحقق و وجد ما برأ و ذرأ و تلك الخزينة هي محله و ان كان هو منها الا انه علي الجهة الاعلي منها فنسبته اليها كنسبة العرش الجسماني اي المحدد الجهات الي الجسم و الزمان و المكان فهو طبق هذه الخزينة و هي طبقه لايزيد احدهما علي الآخر اذ لايكون امكان او ممكن لا بالمشية و الفعل و لايكون الفعل لا في الامكان فهما متساويان متحاويان الا ان الاول علي الحدّ الاعلي من الامكان و هو الامكان الراجح و ان كان الكل كذلك الا انه ارجح، يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار، و هو ينقسم علي خزائن اربعة لكونه الكلمة التامة و هي اول ما تكلم الحق سبحانه بها فهي اول العلم الغيري اذ معلوم و هو مخزون في اربعة خزائن كل خزينة وسيعة وسعة غيرمتناهية لايحيط بها الا الحق سبحانه:

الاولي مقام الظاهر الباطن و النقطة و السر المقنع بالسر و السر المجلل بالسر و حق الحق و الباطن و باطن الباطن و القطب الحقيقي و المطلوب الواقعي و مقام الفاعلية و العلوم في هذه المرتبة‌ كلها علي جهة الوحدة و البساطة الحقيقية و الوحدة‌ الحقيقية و لعمري ان البسيط المطلق في الامكان بعد رتبة الازل الاول ليس الا هذا المقام فافهم.

الثانية مقام الباطن من حيث هو باطن و مقام السر المستسر بالسر و مقام الالف و النفَس الرحماني الاولي و الرياح المثيرة للسحاب المزجي و حق الحق و الباطن و باطن الباطن و المحور الحقيقي الذي هو القطب و العلوم المخزونة في هذه المرتبة انما هي علي جهة الوحدة الانبساطية و الشمولية لانها انبساط النقطة‌ الحقيقية و هو ثاني رتبة صبح الازل الذي هو اول ظهور شمس الازل الكنز المخفي و ثاني المقامات و العلامات التي لاتعطيل لها في كل مكان.

الثالثة مقام الظاهر اي الباطن الظاهر و سر السر و حق الحق و باطن الظاهر و السحاب المزجي و شجر البحر و الحروف العاليات و مقام العماء و رتبة

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 389 *»

الهواء و ثالث رتبة صبح الازل و ثالث المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و العلوم المخزونة في هذا المقام كلها علي سبيل التفصيل النوري علي جهة الشرافة بل هذا التفصيل عين الاجمال التحتي و هذه الكثرة عين الوحدة الدونية‌ و انما كثرته بالنسبة الي ما فوقها و لا فرق و هو الدائرة الدائرة‌ علي نفس المحور لا علي القطب التي هي نفس المحور الذي هو نفس القطب،

قد ظلت النقطة في الدائرة                        و لم‌تزل في ذاتها حائرة

و هي ثالث جزء الاسم المكنون المخزون الذي استقر في ظله و لايخرج منه الي غيره و ثالث الغيوب من الغيب الاول الذي مفتاحه عند الله سبحانه خاصة و ثالث الخزائن من الخزينة الاولية من الخزينة الاولي فافهم.

الرابعة مقام الظاهر من حيث هو ظاهر و مقام الباطن في رتبة‌ السبعين و السر و الظاهر و الكلمة التامة التي انزجر لها العمق الاكبر و السحاب المتراكم و البحر الاول و الازلية الثانية‌ و صبح الازل و الاسم المكنون المخزون الاعظم الاعظم الاعظم الاجل الاكرم و المقامات و العلامات التي لاتعطيل لها في كل مكان و عالم كن و الغيب الاول من الاول و الخزينة الاولي من الاولي و السر المقنع بالسر و الكرة المستديرة علي الدائرة المستديرة علي المحور المستدير علي القطب التي هي نفس الدائرة التي هي نفس المحور الذي هو نفس القطب الذي هو نفس الكرة فكانت مصمتة مستديرة علي نفسها علي خلاف التوالي و نفسها تستدير عليها علي التوالي و هي تمام الواحدية و تمام بسم الله الرحمن الرحيم الذي هو ظهور الحسن اذا رقيته الي رتبة كماله فارقِ السين و النون الي كمالهما و احذف التعريف الزايد لكراهة اجتماع التعريفين فيظهر الورقاء المغردة علي اغصان بسم الله الرحمن الرحيم و لم‌يبق له الا الذي يحبه الذي به تمامه و كماله و جلاله و جماله اذ لولا المحب لم‌يكن للحسن مقدار و هو عالم فاحببت ان‌اعرف و المحبة المطلقة الاولية فكان هو الكاف التي هي تمامه و محبه فاتصلت بالنون في المحبوب فتحققت كلمة كن فافهم ان كنت تفهم و الا

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 390 *»

فاسلم تسلم،

فان كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا                   و ان لم‌يكن فهم فتاخذه عنّا

و العلوم المخزونة في هذه الخزينة لا نفاد لعددها و لا نهاية لامدها و لا انقطاع الي ابدها و هي المحبة الالهية التي لا نفاد لها و لا انقطاع كما قال في حديث الاسرار مخاطباً لسيد الابرار في وصف الاخيار كلما رفعت لهم علماً وضعت لهم حلماً ليس لمحبتي غاية و لا نهاية، و من هذه الخزينة ينفق كيف يشاء و يعطي ما يشاء كيف يشاء بما يشاء و هو المتصرف في بلاده و لا رادّ لقضائه و لا مانع لحكمه و هو العلي الكبير و الحمد لله وحده.

اما الخزينة الثانية فهي خزينة العلم الكوني و هو الذكر الثاني للاشياء و قد علمت بالبرهان ان ذكر الحق سبحانه و تعالي للاشياء في مرتبة ذاته ممتنعة مستحيلة فاول ذكره اياها في الخزائن الاولي علي نحو الذكري و الوجود الصلوحي و ثاني ذكره لها في الخزائن الكوني و هو الذكر التعيّني من ذلك الذكر اللاتعيني و التخصصي من ذلك اللاتخصصي و هذه الخزانة الكلية تنقسم الي الخزائن الكثيرة الغير المحصورة لكنها تجمعها خزانتين:

الاولي ما يعمّ الكل و صحيح الصدق علي جميع ما ذرأ و برأ و هو العلوم العامّة الشاملة الكلية الصادقة علي كل ما في الكون.

و الثانية العلوم الخاصة بكل رتبة من المراتب ممنوع الصدق علي الاخري.

و اما الاولي الكليات فهي مخزونة في عدة خزائن:

الاولي خزانة الكون اول الذكر الثانوي مقرّ المواد و المقبولات و الهيوليات و الاصول و الاسطقسات و هو المسمّي بالوجود ففيها ذكر مواد الاشياء و صلوحها لقبول الصور و هذا هو اول النور الابيض المشرق من صبح الازل و حامل هذا العلم هو المشية الكونية فانها علي قسمين حسب تحقق الاختلاف في المتعلق و الا فهي شيء واحد ليس في الامكان ابسط و اشدّ وحدة منها و ليست وحدته من سنخ الوحدات و انما هي حقيقية كما نذكرها ان‌

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 391 *»

شاء الله تعالي فهي حامل علوم المواد المقبولات المفاضة علي القابليات و منشأ الامدادات الواصلة الي الاستعدادات و هو قول مولانا الرضا عليه‌السلام اتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول، علي ما سبقت الاشارة اليه و هي الاختراع الاول و اول ظهور الازل لم‌يزل.

الثانية خزانة العين و هي ثاني الذكر الثانوي محل القابليات و مقام ظهور الاستعدادات و سؤال المضطرين بنسبة القابليات و جوابهم لسؤال ربّ الارضين و السموات بسؤالهم ايّاه لسؤالهم لهم فاجابهم و سألهم بسؤالهم لسؤالهم فاجابوا لسؤاله الذي هو جواب لسؤالهم و العلوم المخزونة في هذا المقام علم مبدأ الاختلاف و التمايز و كيفية وقوع الكثرات و صدورها من الواحد من جميع الجهات و كيفية اقتضاء الخلق الاختلاف و عدم الايتلاف و كيفية الامر بين الامرين و مبدئه و منتهاه و مواده و اصله و فرعه و علم مبدأ السعادة و الشقاوة الذاتية الاصلية الحادثة الغير القديمة علي جهة الاختيار و امثالها من العلوم التي لايحيط بها فكري و لايمدّ لها فكري و ماطويتها اكثر من جهة الخوف و ما طويتها من جهة عدم الاقبال اكثر و اعظم قال (فان ظ) شرح هذي الامور مما يؤدّي الي البسط الكثير في المقال انا لست بصدده و ان كان ذكره واجباً لعدم عثور العلماء علي هذه النكات الشريفة و الدقايق اللطيفة و الله المستعان و حامل هذا العلم الارادة الفعل المسمّي بها بمحلها فهي حامل علم القوابل و الاستعدادات و هي الذكر الثاني للفعل باعتبار التعلق و قال مولانا الرضا عليه‌السلام اتدري ما الارادة قال هي العزيمة علي ما يشاء، و منها ينشأ الاختلافات و تظهر الكثرات و هي الابتداع الاول قال الرضا عليه‌السلام اول ما خلق الله الاختراع و الابتداع ثم خلق الحروف فجعلها فعلاً منه يقول للشيء كن فيكون فافهم.

الثالثة خزانة التقدير و الهندسة الايجادية و وضع الحدود الوجودية من الآجال و الارزاق و الحدود و الهيئات من الكمً و الكيف و الاين و المتي و الوضع و الرتبة و المكان و الزمان و الاذن و الاجل و الكتاب و الامتداد و النسب

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 392 *»

و الاضافات في الاسباب و المسببات و هذه الخزانة هي ثالث الذكر الثانوي بعد اتمام الشيء و هي مبدأ ظهور السعادة و الشقاوة و ظهور الطول و القصر و ظهور العلوّ و الدنو و الفرق بين العلوم المخزونة في هذه الخزينة و التي في الثانية بالظهور و البطون و الاجمال و التفصيل كالفرق بين المداد و الصورة المكتوبة في اللوح فافهم و حامل هذا العلم القدر بمحله قال مولانا الرضا عليه‌السلام اتدي ما القدر قال لا قال هي الهندسة و وضع الحدود من الآجال و الارزاق و به الفعل المسمي به و هي ثالث ذكر باعتبار المتعلق للمبدأ (ظ) و الا فهو شيء و هذا الذكر لايكون الا بالمحل فانها اذكار و علوم ثانوية فعند هذا العالم اوضاع الاشياء و حدودها و هيئاتها و كيفياتها و اينياتها من اسبابها و مسبباتها فافهم.

الرابعة خزانة‌ التركيب و الامتزاج و الاتمام بعد تعديل الشيء و تسويته كما قال الله تعالي هو الذي خلقک في مقام المشية بها بمحلها فسوّيك متفرع عليه اي عيّنك اي خلق عينك في مقام الارادة بها بمحلها فعدلك من تقدير احوالك و اقوالك و اعمالك و حركاتك و سكناتك في مقام القدر به بمحله في ايّ صورة ما شاء ركّبك اتمّك و اوجدك تامّاً مصوّراً مقدّراً معيّناً و خزانة علم القضاء المتأخر عن القدر كما قال اميرالمؤمنين عليه‌السلام حين هرب من الجدار المنكسر افرّ من قضاء الله الي قدره و حامل هذا العلم المقام الرابع لصبح الازل الذي هو ظهور شمس الازل فعنده علم القضاء و ما يحدث في الكون من الارض و السماء

الخامسة مقام الاظهار و مرتبة الابراز مشروح العلل مبيّن الاسباب و هذه الخزينة لازمة للاولي و مترتبة عليها فعندهما ينقطع البداء فلا بداء اصلاً الا في الابقاء و الامداد و الا فقد جري القلم بايجاده و اتمامه و ابرازه و قضي الامر و امضي فاين البداء لذا قال عليه‌السلام اذا قضي فلا بداء و حامل هذا العلم المقام الخامس من صبح الازل و بيده مفتاح هذه الخزينة و هذه الخزينة مع حاملها عند (كذا) بيد حامل الخزينة الرابع و هي مع حاملها بيد الحامل الثالثة و هي مع

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 393 *»

حاملها عند الحامل الثانية و هي مع حاملها عند الحامل الاولي فاجتمع الكل عنده و هو ما قال الرضا عليه‌السلام ما معناه بالمشية كانت الارادة و بالارادة كان القدر و بالقدر كان القضاء فاذا قضي امضي فلا بداء، و ذلك الحامل الكلي مع ما عنده عند الله سبحانه و تعالي فعنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو فافهم.

و هذه هي الخزائن الكليه العامّة لكل شيء من الاشياء مما يصدق عليه اسم المشية و هؤلاء هم حملة تلك الخزائن فلايوجد شيء جزئي او كلي ذاتي او عرضي لفظ او معني اسم او مسمي الا و يتمّ بهذه الخزائن و يوجد كل مرتبة منه في مرتبة منها و هو ما قال مولانا الصادق عليه‌السلام لايكون شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم (انه يقدر ظ) علي نقص واحدة منها فقد اشرك بالله و في رواية فقد كفر.

و اما الثانية اي العلوم المخزونة في الخزائن المخصوصة لاشخاص و افراد مخصوصة‌ و هي علي قسمين.

احدهما الخزائن المتحققة المترتبة في السلسة الطولية المحضة اي مرتبة العلّية و المعلولية و الاثرية و المؤثرية.

و ثانيهما الخزائن المتحققة في السلسلة الطولية‌ العرضية معاً لا الطولية وحدها اي المحضة لعدم العلّيّة المؤثرية الفاعلية و لا العرضية المحضة لعدم الاتحاد في المرتبة و المقام و الشرافة و النورانية و التقدم و التأخر و الاوّلية و الآخرية.

اما الاولي فعلومها مخزونة في عدة خزائن:

الاولي عرش الرحمن و اول الاعيان و اشرف الاكوان و سقف الجنان الصاقورة التي ذاق روح القدس من حدائقها الباكورة فلك الولاية المطلقة‌ و المحبة الحقيقية و الازلية الثانوية التجلي الاوّل الاسم الاعظم ربّ الارباب النون و العلم المطلق و الوجود المطلق و الغيب المطلق و الحق المخلوق مجمع الذوات الاحدية الغيب الثاني مجلي حقيقة الحقايق الظل الاول و هو الذي

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 394 *»

استوي عليه الرحمن برحمانيته فاعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه فكان هو قبل ما برأ و ذرأ و خلق فهو المخلوق الاول و الخلق الاول و الظاهر بالظهور الاول و هو منبع فيض كل شيء مخلوق و عنده خزن كل علم محدث و عنه ظهر كل مذروء و مبروء و هي الذات السرمدية و النور الاحدية و تمام الواحدية و الغايب في بسم الله الرحمن الرحيم في المراتب الخلقية و القابلية التي يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار المشية اعني بها الحقيقة المحمدية عليها صلوات الله ما دامت البرية و هذه هي معدن الرحمة و الرحمة الواسعة و المكتوبة انما هي مخزونة عنده و هي خزانة ينفق منها كيف يشاء الحق من الامدادات الوجودية العليّة الامكانية اللاتعيّنية و هي مبدأ الوجودات الكونية و محل المشية الوجودية بمعني انه لم‌يتحقق شيء من الاشياء بالمشية عن الله سبحانه الا بعد تعلقها بتلك الحقيقة المقدسة ثم منها يصل الي المكوّنات الخلقية و آية ذلك السراج فانه اي الشعلة ليست مستقلة في امداد الاشعة و ابقائها و اصدارها و كذلك بالنسبة الي نفسها بل المستقل في عالم السراج انما هو النار لكنها جعلت الشعلة خزانة لجميع ما ارادت ان‌تعطيها الاشعة الي الاشعة شيئاً من النور لا قليل و لا كثير الا بواسطة الشعلة فهي باب النار و عرشها و محل استوائها و خزانة كلها يحتاج اليه الاشعة و نفس السراج الشعلة فكل العلوم المتعلقة بالاشعة كلها مخزونة عند الشعلة و بهذه الآية و المثال الذي ضرب الله لك استبصر في امر سيدك و مولاك صلي الله عليه و آله اذ لايمكنك تقول ان هنا مخلوق اشرف و اعظم منهم فلايكون اقدم منهم الا جاءت الطفرة و هي باطلة عند اهل الفطرة فاذا كانت تلك الحقيقة الشريفة في اول الوجود فقد ملأ الفضاء و سد ما بين الارض و السماء فلم‌يبق مكان من المراتب الخلقية و المقامات الكونية الا و قد ظهر ذلك النور فيه فبهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر الا اله الا انت و هو الذي ملأ الدهر قدسه فكل ما تجد و تعقل و تتصور و تتخيل و تتوهم و تحسّ و تجد مما هو في رتبة العين و تفرض وجوده الكوني الحقيقي من احوال الخلق او من صفات الحق مما لا مدخلية لها في ذات الحق سبحانه فهو

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 395 *»

اِمّا مقامهم في ذاتهم و اِمّا ما ظهر عنهم من آثارهم فهم رحمة الله التي وسعت كل شيء فانظر الي آثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها، فاذن كل شيء عنهم و بهم و منهم و فيهم و لهم و معهم و عندهم و عليهم و لديهم فاعرف معني قوله تعالي و ما قدروا الله حق قدره و الارض جميعاً قبضته يوم القيمة و السموات مطويات بيمينه سبحانه و تعالي عما يشركون فما اوسع هذه الخزينة الشريفة العظيمة التي وسعت جميع اسرار الحق و ابرازه و فيوضاته و امداداته و ظهوراته مما لهم و لغيرهم، ما وسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن، و هو صلي الله عليه و آله العبد المؤمن الذي آمن بالله سبحانه بالايمانين و اسلم له بالاسلامين و اجاب دعوة ربه الست بربكم بالاجابتين اي التكويني و التكليفي قبل كل شيء و قبل اجابة احد باحدهما انما فضّلني ربّي علي جميع المرسلين لانّي كنت اول من اجاب لقوله الست بربكم، فاذن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو و يعلم ما في البر و البحر و ما تسقط من ورقة الا يعلمها و لا حبة في ظلمات الارض و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين، و من انكر شيئاً مما ذكرنا فقد انكر قدرة الله و كفر و شكّ في ولاية اميرالمؤمنين و ذريته الطيبين عليهم سلام الله ابد الآبدين و من صدّق و آمن فهو المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر فاني قد ذكرت لك بالتلويح و الاشارة اصلاّ اصيلاّ لو وفقك الله تعالي للعثور عليه لايبهم عليك امر من امور اصولك او فروعك الا ان العاثر عليه اقل من الكبريت الاحمر و الحمد لله رب العالمين و حامل هذه الخزانة الشريفة الواسعة ليس الا الله سبحانه بفعله الذي هو نفس هذا العلم و ليس لاحد فيها نصيب، فبلغ الله بكم اشرف محل المكرمين و اعلي منازل المقربين و ارفع درجات المرسلين حيث لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع، و ليعلم ان في هذه الخزانة الشريفة الكلية خزائن عديدة من العلم كل منها اوسع من الارض و السماء في كل مقام بحسبه لان المراد بالحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله بل المراد بها هو المجموع لكونهم حقيقة واحدة و طينة واحدة

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 396 *»

لقولهم كلنا محمد، اولنا محمد و آخرنا محمد و اوسطنا محمد (ص) كلنا محمد (ص) و لذا تري قد نجعل الضمير العايد الي تلك الحقيقة مؤنثاً و قد ناتي (به ظ) مذكراً و قد ناتي به مفرداً و قد ناتي به مجموعاً فاعرف السر فيه وفقك الله لما يحب و يرضي.

فأولاها و اعلاها الحقيقة المقدسة النبوية و ما له و به و منه و فيه و عنده و في مرتبة ذاته المقدسة و هويّته المشرّفة المنوّرة و هي محل النقطة‌ الاولية السرمدية و اول المجالي الالهية و المظاهر الاحدية و هي (و هذه ظ) الخزانة مغلق مسدود بابها عن كل احد ليس مفتاحها الا عند من هو عاليه او هو في رتبة‌ ذاته التي هي نفسه الشريفة فما بقي الا ان‌يكون مفتاحها عند الله و عند نفسه الشريفة المقدسة اذا غفل عنها و هذا هو الحرف الواحد الذي ذكرنا في مباحثاتنا و رسائلنا انه لايعلمها علي عليه‌السلام و هي مما تفرد به سيدنا رسول الله صلي الله عليه و آله عن مولانا اميرالمؤمنين عليه‌السلام من العلم المكنون و لايعلمها اميرالمؤمنين عليه‌السلام الا ان‌يكون رسول الله صلي الله عليه و آله و هو ان كان رسول الله صلي الله عليهما و آلهما الا انه منه كالضوء من الضوء صلي الله عليهما و آلهما و امّا حديثُ يا علي ماعرف الله الا انا و انت و ماعرفني الا الله و انت و ما عرفك الا الله و انا، فمحمول علي المعرفة الاضافية لا الحقيقية و ان كانت الاضافية اعم فافهم و كان هذا العلم الشريف في تلك الخزانة الواسعة العظيمة‌ مكنوناً قبل خلق الخلق التكويني و لا التشريعي بنحوٍ من الانحاء و وجهٍ من الوجوه ثمانين الف سنة و كل سنة الف يوم و كل يوم دهر لا بل و سرمد و كل يوم اوسع من مقدار مدة اول خلق العقل الاول الي فناء الدنيا و هذا تقريبي اذ ذلك الوقت لايعدّ بعدٍّ و لايحدّ بحدٍّ و الله اعلم و هو قوله تعالي الله اعلم حيث يجعل رسالته فافهم.

و ثانيها الحقيقة المقدسة الشريفة العلوية و ما لها و فيها و اليها و بها من حيث هي هي في مرتبة ذاته المقدسة و هويّته المنوّرة و هي محل الف الرياح المثيرة للسحاب من علي (كذا) شجر البحر و اول المجالي الرحمانية و المظاهر

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 397 *»

الوحدانية و هي الكتاب المسطور الذي كتبه الحق سبحانه بالقلم الاول قبل النون الثاني الممدّ للقلم و قد اظهر الحق سبحانه و عنده الخزانة الشريفة من العلوم و الاسرار مما لايتعلق الا بها و بما فوقها لا بغيرها و بما دونها ما لايحيط بها احد غيره سبحانه و حامل هذا العلم لايكون الا تلك الحقيقة الشريفة المقدّسة برسول الله صلي الله عليه و آله بل منه بالله سبحانه يا علي ماعرفك الا الله و انا، و الحصر حقيقي كما هو الاصل و الحقيقة فتكون تلك الحقيقة الشريفة خزانة‌ و حاملة لها و هو الغيب المطلق و اغيب الغيوب و السر المستسر بالسر و النفَس الرحماني الاولي و مخزن العلوم الالهية و مظهر الرحمانية اي نفسها و مدلول لفظها و اسمها قبل استوائه علي العرش الذي هو علي الماء و هذا هو الحرف الواحد من علم التوحيد و معرفة النفس قد تفرّد بها رسول الله و اميرالمؤمنين عليهما‌السلام و لم‌يعلمها و ما خصّ بها رسول الله صلي الله عليه و آله وحده احدٌ من الخلق حتي ائمتنا سلام الله عليهم اجمعين، يا علي ماعرف الله الا انا و انت و ما عرفني الا الله و انت و ما عرفك الا الله و انا.

و ثالثها حقيقتي سيدي شباب اهل الجنة في محل النزول و مقام التفصيل و الفرق و ما لهما و منهما و اليهما في مرتبة ذاتهما و حقيقتهما المقدّسة و المنوّرة صلي الله عليهما و هما حرفان عاليان من الحروف العاليات و سحابان (سحابتان ظ) من السحب المزجاة و كلمتان من الكلمات التامات احدهما قيام السموات و الارض و الآخر عماد السموات و الارض في الدعاء بعد كل ركعتين من نافلة الليل و قد اودع الله سبحانه في هاتين الخزينتين من العلوم و الاسرار ممّا يتعلق بامر التوحيد و الرسالة و المعاد مما يتعلق بتينك الحقيقتين المقدستين و ما فوقهما ما لايعلمها غير من هو فوقها و هما و حامل هذين العلمين ليس الا انفسهما وراثة من جدّهما و ابيهما بالله سبحانه و اما الفرق بين هاتين الخزانتين في تقدم احداهما علي الاخري و اوسعيتهما بالنسبة الي الاخري فلم‌اجد تصريحاّ في الاخبار و لا مصرّحاً من العلماء الابرار ممن هم العمدة و المدار الا انه اذا تمّ و صحّ ورود دعاء العديلة عن مولانا اميرالمؤمنين (ع) او احد الائمة

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 398 *»

عليهم‌السلام يمكن القول بأوسمية الاولي الظهورية علي الثانية كذلك فان ما فيه يدلّ دلالة ظاهرة علي ذلك عند قوله ثم من بعده سيّد اولاده الحسن بن علي ثم اخوه السبط التابع لمرضات الله الحسين (ع) الدعاء، لكن ورود هذا الدعاء عن ائمة الهدي عليهم سلام الله الملك العلي محل كلام عند العلماء لكن الذي يتبين لي من بواطن الاخبار و كيفية سلوك السيد المختار معهما صلي الله عليهما و كون ثوب مولانا الحسن عليه‌السلام اخضر و ثوب مولانا الحسين عليه‌السلام احمر و كون وجههما الشريف عند انتقالهما عن هذه الدنيا يميل الي الخضرة و الحمرة و كون قصورهما في الجنة جنة عدن من زمرد (زمردة ظ) خضراء و ياقوتة حمراء و كون رسول الله صلي الله عليه و آله يقعد الحسن عليه السلام علي ركبة (ركبته ظ) اليمني و الحسين عليه‌السلام علي اليسري و يركبهما علي الكتف الايمن و الايسر و يرتّب ذكرهما بالتقديم و التاخير و ترتّب ظهورهما في هذه النشأة بالتقديم و التاخير كما كان لجدهما و ابيهما و مساواتهما في الفضايل كلها و كون الائمة من عقب الحسين عليه‌السلام وحده دون الحسن عليه‌السلام كموسي و هرون و كون الانبياء من نسل هرون دون موسي و افضلية موسي و امثال ذلك من الامور يَعرف مَن له فراسة و توسم انهما عليهما السلام الحقيقة الشريفة و الحسين عليه‌السلام هو الجهة اليسري منها و لاتتمّ الحقيقة الواحدة الا بهما و ما اجابا سؤال ربهما الست بربكم الا معاً الا ان الحسن عليه‌السلام متيامناً و الحسين عليه‌السلام اجاب متياسراً و الكل جواب واحد و الله اعلم بحقيقة الدهر (كذا).

و رابعها الحقيقة الشريفة و الذات المنيفة لمولانا القائم من آل محمد سلام الله عليهم اجمعين و ما لها و بها و منها في رتبة تلك الحقيقة‌ المقدسة ثالث الحروف من الحروف العاليات و ثالث السحب من السحب المزجي و قد اودع الله سبحانه في هذه الخزانة الشريفة من العلوم و الاسرار ما لايحيط بها احد الا عاليها و لايشاهدها الا من هو معها و لايطلع عليها من هو دونها الا بامور نذكرها ان‌شاء الله تعالي و حامل هذا العلم الشريف هو تلك الحقيقة فاتحد الحامل و

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 399 *»

الخزانة بل و العلم كغيرها من المقامات المذكورة و بهذا العلم اي الحرف الواحد من الذي اختص به تحقق اعلميته و افضليته كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله تاسعهم قائمهم اعلمهم افضلهم، اذ لايجوز ان‌يكون ذلك من الاحوال المتعلقة بالخلق لانهم فيها علي حدّ سواء لئلّا يكون آخرنا اعلم من اولنا.

و خامسها الحقايق المقدسة و الذوات المشرّفة‌ المنوّرة المنزهة عن الالواث البشرية لساداتنا و موالينا الائمة الثمانية من اولاد مولانا الحسين عليهم‌السلام و ما لهم و بهم و منهم و اليهم و عنهم في تلك الرتبة الشريفة و الحقيقة المنيفة من العلوم و الاحوال و الامدادات الخاصّة الالهية و الفيوضات السرمدية حين تخصصت بهم لا قبله و قبل ان‌تخرج عنهم بالفاضل و العرق و الرشح، بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني، و بالجملة هي العلوم التي تخصهم حين تخصهم من اتمام الحروف العاليات و السحب المزجاة و الكلمات التامّات و نور الارضين و السموات اعني بالفاضل و الفطرة فلايحيط بهذا العلم علم احاطة الا الله سبحانه فمفتاح ذلك العلم عند الله سبحانه في ملكه و لايشاهده علم مشاهدةٍ و عيان الا الحقايق المقدسة التي فوقهم و هم صلي الله عليهم فحامل هذا العلم من حيث الاحاطة ليس الا الله سبحانه و تعالي و من حيث العيان و المشاهدة ليس الا حقايقهم المقدّسة التي فوقهم و هم صلي الله عليهم فحامل هذا العلم من حيث الاحاطة ليس الا الله سبحانه و تعالي و من حيث العيان و المشاهدة ليس الا حقايقهم المقدسة كما سبق فاتّحد الكامل و الخزانة و العلم في الثاني دون الاول و من الاول يستزيدون و ان كان منهم فلايحيطون بشيء من علمه الحق سبحانه الا بما شاء كونه و عينه اي ما عيّنه و خصصه حين عيّنه و خصصه فانه لايكون كذلك الا عندهم فهم يعلمونه و يحيطون به علماً و هذه هو (هي ظ) الزيادة التي لهم في كل آن و دقيقة بل و ثانية و ثالثة و رابعة الي عاشرة الي ما لايتناهي فهم ابداً في الزيادة و هي ما شاء ان‌يحيط به و هو الزيادة المشار في قول الشاعر:

من فيه ما في الناس كلهم                 و ليس في الناس ما فيه من الكرمِ

و تلك الزيادة المتعينة في حقايقهم لايحيط بها علماً الا هم فمفتاح تلك الخزينة بيد الله التي هم في الثاني اي العلم المشاهدة و العيان دون الاحاطة فافهم هذا

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 400 *»

البيان المردّد بالفهم المسدّد و لأضرب (ظ) لك مثلاً تعرف منه حقيقة الامر ان وفقك الله لكنك اعلم ان المثال تقريبي مقرّب من وجه و مبعّد من وجه و انت خذ الغايات و اترك المبادي و هو ان السراج مستضيئ و متحقق من مسّ النار و الدهن فاذا انفعل الدهن بالنار بعد التكليس و . . .  (لايقرأ) دخاناً استضاء (و ظ) حصلت الشعلة و هي دائماً تستمد من النار ما دام بقاؤه و بقاء النار فهي دائماً تمدّها و هي ابداً تستمد منها و تمدّ الاشعة فلاتلحق الاشعة من حقيقة ما وصل الي السراج ابداً فلاتحيط شيء من الاشعة بما عند السراج علماً و ان بلغت في النور و الاستضاءة ما بلغت فكل ما عند الاشعة من النور و الجمال و البهاء و السناء فهو حاصل للشعلة من غير عكس لا كليّ و لا جزئيّ فمن اين تعلم ما ليس عندها او غاية ما في الباب انها تعلم ما عندها مما عند السراج بالرشح و النور و لاتعلم ما ليس عندها و قد قال الشاعر و لنعم ما قال:

يا جوهراً قام الوجود به           و الناس بعدك كلهم عرضٌ

و اين العرض و الاحاطة مما عند الجوهر و هذه الخزانة هي التي يخصّ عليها بتلك الحقايق المقدّسة دون من دونهم صلي الله عليهم اجمعين.

و سادسها الحقيقة المقدّسة المطهّرة المنوّرة الفاطمية صلوات الله عليها و ما لها و بها و منها و عليها و عندها في رتبة ذاتها الشريفة و هويّتها المنيفة هي الكلمة التامة و السحاب المتراكم و الليلة المباركة و الليلة القدر و الليل اذا يسر و السرّ المقنع بالسرّ و الجامعة للكمالين الشعوري و الظهوري من حيث اسمها الشريف الدال علي مسمّاه المنيف و قد اودع الله سبحانه في هذه الخزانة الواسعة من الاسرار و العلوم و الانوار ما لايحيط بها الا اولادها الاثناعشر (الاحدي‌عشر ظ) و ابوها و زوجها و هي صلوات الله و سلامه عليهم اجمعين و حامل هذا العلم علي الاحاطة هو الله سبحانه و علي العيان و المشاهدة ما ذكرنا من اولادها الاحد عشر و زوجها و ابوها صلي الله عليهم اجمعين ابد الآبدين.

و هذا هو مجموع الخزائن المتحققة في الخزينة الاولية‌ و كلها شيء واحد و خزانة غير متعددة قد اودع الله في لُبّ هذه الخزينة كل اسراره و جميع

 

 

«* جواهر الحكم جلد 4 صفحه 401 *»

انواره الخاصة بالله سبحانه مما يطلع علي احد. . .

(النسخة الموجودة غير تامة)