03-10 جواهر الحکم المجلد الثالث ـ رسالة في جواب سؤال جماعة من الطلاب عن مسألتين ـ مقابله

رسالة فی جواب سؤال جماعة من الطلاب عن مسألتین

 

من مصنفات السید الاجل الامجد المرحوم الحاج

سید کاظم بن السید قاسم الحسینی اعلی الله مقامه

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 299 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين.

 (اما بعد) فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان جماعة من طلاب الحق و اليقين و سلاك السبيل الواضح المبين قد اتوا بمسائل صعبة مستصعبة عزيزة الوصال بعيدة المنال و ارادوا الجواب علي الاستعجال و انا مع ما انه عليه من تبلبل البال و كثرة الاشتغال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال لم‌يسعني الا اجابتهم و اسعاف حاجتهم لشدة احتياجهم اليها و زيادة تبصرهم فيها و اتيت بما هو الميسور لانه لايسقط بالمعسور مختصرا في المقال و شارحا بعض تلك الاحوال و اليه المستعان في المبدأ و المآل.

المسألة الاولي ما السبب في تعلم موسي من الخضر عليهما السلام مع ان موسي افضل منه و ما العلة و السبب في خرق السفينة و قتل الغلام و بناء الجدار.

(اقول) هذه المسألة تنحل الي ثلاث مسائل:

الاولي ما العلة في طلب موسي الخضر.

الجواب فقد ذكر النبي صلي الله عليه و آله علي ما رواه القمي انه لما كلم الله موسي تكليما فانزل عليه الالواح و فيها كما قال الله و كتبنا له في الالواح من كل شيء موعظة و تفصيلا لكل شيء رجع موسي الي بني اسرائيل و صعد المنبر و اخبرهم ان الله قد انزل عليه التوراة و كلمه و قال في نفسه ما خلق الله خلقا اعلم مني فاتاه جبرائيل فقال انك قد ابتليت فانزل فان في الارض من هو اعلم منك فاطلبه فنزل فارسل الي يوشع بن نون اني قد ابتليت فاصنع لنا زادا و انطلق بنا فاشتري حوتا فخرج ثم شواه ثم حمله فانطلقا فكان من امرهما ما اخبر الله سبحانه في كتابه العزيز من قوله تعالي اذ قال موسي لفتيه الآيات.

 

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 300 *»

و الثانية كيف يتعلم موسي من الخضر مع انه افضل منه و لايكون الفضل الا بالعلم.

الجواب ان الممكن كمالاته تدريجية الحصول و لايمكن الاحاطة بجميع الاشياء دفعة واحدة و الا لاستغني و خرج عن الامكان و لا فرق في ذلك بين الموجودات كلها عاليها و سافلها نبيها و رعيتها فالعلم من عند الله سبحانه يلقي الي حملته شيئا فشيئا آنا فآنا بآلات و اسباب و تلك الاسباب وسايط التعليم لا معدن العلم و اصله و تلك الآلات و الاسباب قد تكون داخلية و قد تكون خارجية فالداخلية كالحواس الظاهرة لادراك الاجسام و نقلها الي الحواس الباطنة فلولا الحواس الظاهرة ماحصل ادراك المحسوسات باشباحها للحواس الباطنة قطعا و لولا الحواس الباطنة لم‌يدرك القلب جهات العلوم و تفاصيلها مع ان الحواس الباطنة اشرف من الظاهرة و القلب اشرف من الحواس الباطنة فتلك القوي آلات لادراك القلب يفيض الله سبحانه العلم التفصيلي اليه بواسطة الحواس و لا شرافة في ذلك و انما هي مقدمات و امارات لحصول العلم من المبدأ الفياض و الخارجية قد تكون لها حكم الآلة بلاشعور و ادراك كالكتابة بالنسبة الي العالم الذي ينتفع منه و يحصل العلوم به و لاريب انه لا شرافة له بالنسبة الي العالم مع انه سبب لحصول العلم له و قد تكون لها حكم الآلة مع شعور كالملائكة الذين يوحي الله بهم الي الانبياء و لاريب ان العلم من الله و هم الآلات و الاسباب للالقاء و لا شرف لهم و لا فضل علي ساير الانبياء الذين يوحي اليهم و ذلك معلوم و قد تكون من غير ما ذكر و هو قد يكون من سنخ البهائم و الحشرات كالنملة التي سألت سليمان عن السر في زيادة اسمه علي اسم ابيه مع ان اباه اشرف منه و زيادة المباني تدل علي زيادة المعاني و لم‌يعرف سليمان عليه‌السلام فذكرت ان اباك داوي جرحه بالود و انت سليمان و ارجو من الله ان‌يلحقك بابيك و لايلزم من هذا ان النملة اشرف من سليمان عليه‌السلام و كذا الهدهد يعلمه مواضع الماء مع انه طير من الطيور و هذه كلها علوم يعلمها الانبياء بتلك الآلات و الاسباب كما يعلم العالم بالكتاب و القلب

 

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 301 *»

بالحواس و قد يكون من سنخ الانسان كالخضر عليه‌السلام و هو نبي من الانبياء تابع لشريعة موسي اي مبعوث عليها لا انه من رعيته و اراد الله سبحانه ان‌يعلم موسي احكام الولاية الباطنة الحقيقية التي يظهر في آخر الزمان مما قد عرض عليه في العالم الاول عالم الارواح و اراد ان‌يعرضها عليه في العالم الآخر عالم الاجسام و كان ذلك العرض بواسطة الخضر العالم عليه‌السلام و لذا ورد انه حدث موسي عليه‌السلام عن آل محمد عليهم السلام و عما يصيبهم من البلاء حتي اشتد بكاؤهما ثم حدثه عن فضل آل محمد صلي الله عليهم حتي جعل موسي يقول ياليتني كنت من آل محمد صوات الله عليهم و حتي ذكر فلانا و فلانا و مبعث رسول الله صلي الله عليه و آله الي قومه و ما يلقي منهم و من تكذيبهم اياه و ذكر له تأويل هذه الآية و نقلب افئدتهم و ابصارهم كما لم‌يؤمنوا به اول مرة حين اخذ الميثاق فلم‌يكن الخضر عليه‌السلام افضل من موسي كما لم‌يكن جبرئيل افضل من محمد صلي الله عليه و آله و الهدهد و النملة افضل من سليمان عليه‌السلام و الحواسط الظاهرة افضل من الباطنة و الباطنة من القلب و لا الكتاب افضل من الناظر فيه العالم به و ذلك شيء ظاهر معلوم غني عن البيان و اما حقيقة الامر في ذلك زايدا علي ما ذكر فليس هذا المقام موضع ذكره و فيما ذكرنا كفاية لاولي الدراية.

و الثالثة ما العلة و السبب في خرق السفينة و قتل الغلام و بناء الجدار.

الجواب ان الخضر انما كان وصفا و حكاية و شرحا و دراية لآل محمد عليهم‌السلام فيكون واصفا و شارحا و حاكيا لاحوالهم عليهم‌السلام في وقت هدنتهم و خفاء دولتهم و غيبة غائبهم المستور عن عوالمهم كما دلت عليه الروايات المتكثرة كما في اكمال الدين و غيره فاراد عليه‌السلام ان‌يبين لموسي عليه‌السلام و يعرفه سلوك الامام الغايب عجل الله فرجه و روحي له الفداء مع رعيته في غيبته لان الخضر دليله و آيته عليه و علي آبائه السلام و كك سلوك آبائه عليهم‌السلام في وقت ظهور دولة الباطل و خفاء دولة الحق فلهم عليهم‌السلام مع رعيتهم و شيعتهم ثلاث حالات:

 

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 302 *»

حالة يحفظونهم عن شر اعاديهم و القاصدين لهم بسوء بطردهم و ابعادهم عنه و هو عيب السفينة فالسفينة اشارة الي علماء شيعتهم و هم عليهم‌السلام البحر الزاخر بحر الكمال المحض و العلم المطلق و شيعتهم هم السفن منجية لعوام شيعتهم و موصلهم الي ساحل النجاة و منجيهم من الغرق في بحر الغلو و الهلاك في بر التقصير و هم النمط الاوسط و النمرقة الوسطي و لذا لما لعن مولانا الصادق عليه‌السلام زرارة قال لابنه اني ما اردت بلعني اياك الا ما اراد الله سبحانه كما حكي عن العالم فاردت ان اعيبها و كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا و انه لمن اعظم السفن الجارية في البحر القمقام فبايقاع الاختلاف في شيعتهم و رعيتهم يحفظونهم من شر اعدائهم و مخالفيهم و الاختلاف عيب لقوله تعالي و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و قد قالوا عليهم السلام نحن اوقعنا الخلاف بينكم و قالوا عليهم‌السلام راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه اعلم بمصالح غنمه ان شاء فرق بينها لتسلم و ان شاء جمع بينها لتسلم فخرق الخضر عليه‌السلام السفينة اشارة الي هذه الدقيقة اللطيفة.

و الحالة الثانية تميز الكاذب من الصادق من منتحلي مودتهم و محبتهم و ولايتهم فلا كل من ادعي محبتهم عليهم‌السلام صدق في دعواه و لا كل من انتحل مودتهم قال من تمناه فان قوما امنوا بالسنتهم ليحقنوا به دماءهم فادركوا ما املوا و لكن الله سبحانه بوليه و خليفته يخرج ضغاين القلوب و يظهر كوامن الصدور و يميز الخبيث من الطيب فيخرج الخبيث عن تلك النسبة و ينزع روح الحيوة الابدية التي هي الايمان و الولاية عن تلك القلوب الخبيثة النجسة فيموت بسلب الحيوة و لما كان ذلك بفعل الولي عليه‌السلام فيقتله فقد قتل الغلام المنسوب ظاهرا الي الابوين الطاهرين الذي لم‌يبلغ الحلم و الكمال و العقل و الجمال و هو ادراك دولة آل محمد المفضال سلام الله عليهم و لذا قال و كان ابواه مؤمنين و قد قال صلي الله عليه و آله انا و علي ابوا هذه الامة و قوله تعالي فخشينا ان‌يرهقهما طغيانا و كفرا يعني ان‌يغشي دينهما و ذكرهما او ينسب اليهما ذلك نعوذ بالله فطهر لوث ذلك الرجس النجس من الانتساب اليهم

 

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 303 *»

الاتري الشيعي اي الذي يظهر التشيع ربما يخرج عن دين الحق فبخروجه مات و لما كان هذا الخروج بالسبب فكان ذلك هو القتل فافهم فقد انبأتك عن سر دقيق و باب من العلم الغامض فاحفظه فقتل الخضر عليه‌السلام الغلام اشارة الي هذه الدقيقة من قوله تعالي انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح فيغرقه في بحر الهلاك و يقتله بسيف الاعراض و يهلكه بوكز الذود عن حوضهم.

و الحالة الثالثة حفظ العلوم الالهية التي اعدت لشيعتهم عليهم‌السلام يوصلونها اليهم بحسب مصالحهم متدرجة بتدرج الازمنة و الدهور فاذا راوا علما من علومهم عليهم‌السلام يكاد يظهر و لم‌يأت اوان ظهوره يجعلون من تأييدهم و حفظهم و وقايتهم عليهم‌السلام له مانعا عن الظهور حتي يبلغ الكتاب اجله و يأتي وقت ظهوره كما قال مولانا الصادق عليه‌السلام ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله و ذلك المانع هو المعبر عنه بالجدار جماد لا حس له و لا شعور و هو كناية عن جهال متجلببين بجلابيب العلم المتسمين بسماء الفهم و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان‌يقولوا تسمع لقولهم كانهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله اني يؤفكون فبناء الخضر عليه‌السلام الجدار اشارة الي حفظ هذه الاسرار و صونها عن الاغيار الي اوان ميعاده بعون الله و امداده فبخرق السفينة حفظوا شيعتهم عن شر اعدائهم و بقتل الغلام اخرجوا المنافقين المشحونة قلوبهم من النفاق المظهرين في الصورة الظاهرة الوفاق و ببناء الجدار حفظوا الاسرار و صانوها عن الاغيار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و لما كان الخضر عليه‌السلام دليلهم و آيتهم عليهم‌السلام في حال غيبة غايبهم فعنده علم هذه الاحوال لا غير ذلك و اراد الله سبحانه و تعالي ان‌يظهرها لموسي عليه‌السلام بواسطته و انما لم‌يتحمل و ان كان مصدقا و مسلما لانه مكلف بشريعة الظاهر و ما يقتضي ذلك الزمان و لم‌يقتض ذلك الوقت ظهور مثل هذه الاحوال فانكرها موسي عليه‌السلام في مقام العمل بالشريعة الظاهرة و ان كان مسلما و مصدقا بالشريعة الباطنة في زمانه و الظاهرة في آخر الزمان و

 

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 304 *»

انما قلنا ان الخضر عنده علم احوال الغيبة خاصة دون ساير الاحوال باجمعها لما ورد من ان موسي و الخضر كانا قاعدين علي ساحل البحر الاخضر فاذن بطاير ورد علي الماء فاخذ بمنقاره قطرة من البحر و رماها نحو السماء ثم اخذ قطرة اخري و رماها نحو المشرق ثم الثالثة رماها نحو المغرب ثم الرابعة رماها في البحر فتحير الخضر من فعله و لم‌يعلم ما اراد من تلك القطرات فبينما هما متحيران و اذا بصياد قد حضر و قال ما لي اراكما متحيرين قالا من جهة فعل هذا الطاير قال انه يخبر انه يأتي في آخر الزمان نبي له وصي علمكما و علم اهل السموات و الارضين و علم اهل المشرق و المغرب في جنب علمه مثل هذه القطرة في البحر المحيط، و بالجملة الكلام في المسألة كثير و شرحها طويل و البدن عليل و القلب كليل و للسائل كمال التعجيل اقتصرنا علي هذه الجملة لانها وافية كافية ان شاء الله تعالي.

المسألة الثانية القرآن المتداول عندنا المنقول بعضه عن بعض المكتوب بايدينا ليس هو بعينه القرآن النازل علي رسول الله صلي الله عليه و آله قطعا فاين ذلك القرآن الآن.

اقول القرآن نور من عند الله سبحانه و تعالي نازل علي رسول الله صلي الله عليه و آله ظاهر ذلك النور بالالفاظ و الكلمات و الخطوط فكل خط و رسم و كلمة علي تلك الهيئات المخصوصة حامل لذلك القرآن بعينه كالنور الواحد المشرق علي مرايا متعددة متكثرة بل الي غير النهاية و في كل مرآة ذلك النور نور الشمس بعينه و كالنار الواحدة.