03-03 جواهر الحکم المجلد الثالث ـ رساله جواب محمد رحيم خان ـ مقابله

 

رسالة جواب محمد رحیم خان

 

من مصنفات السید الاجل الامجد المرحوم الحاج

سید کاظم بن السید قاسم الحسینی اعلی الله مقامه

 

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 111 *»

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه محمد و اله الطاهرين و اللعنة علي اعدائهم اجمعين.

اما بعــد؛ فيقول العبد الفاني الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان جناب المفخم المعظم ذا الصفات الجليلة و السمات الجميلة اللوزعي الالمعي طالب الحق و الرشاد و سالك مسلك الهداية و السداد المغمور في عواطف الملك المنان محمدرحيم خان امده اللّه بالتوفيق و السداد و ايده بالهداية و الرشاد و وفقه لمعرفة المبدأ و المعاد قداتي بخمس مسائل كلّ مسألة منها مفتاح باب من غوامض ابواب التوحيد و شرح لغاية مراتب التفريد و التجريد و ان كانت ابواب التوحيد لا حصر لها ٭ الطرق الي اللّه بعدد انفاس الخلايق ٭ و ان كان بيت التوحيد لا باب له التوحيد ظاهره في باطنه و باطنه في ظاهره الاّ ان في مقام الفرق ظهر في خمسة مقامات و منها استنطقت الهاء فصارت مبدأ هو بالاشباع و التأكيد فكان هو الاول و الاخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شي‏ء عليم و هو العلي العظيم و انه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم و مردّ تلك المسائل الي هذه الوسائل يا هو يا من هو يا من لا هو الاّ هو و طلب ايده اللّه تعالي بصنوف تأييداته من الحقير بيانها و كشف نقابها علي ماهو الامر في الواقع الاولي و قدكان ذلك لمثلي في غاية التعسر لكمال اختلال البال و تعارض الاحوال و معاناة السفر بالحلّ و الارتحال و مع‏ذلك كلّه ماكلّ‏ما اعرف اقدر علي التعبير عنه و ذلك علامة عدم الاذن للاظهار و لا كلّ‏ما اقدر علي التعبير عنه يتحمله الناس و قدقال مولينا الصادق7ما كلّ‏ما يعلم يقال و لا كلّ‏ما يقال حان وقته و لا كلّ‏ما حان وقته حضر اهله ولكن لماكان سلّمه اللّه تعالي من اهل الاجابة ماامكنني ردّ مسئوله و اني اتٍ ان شاء اللّه بماهو المقدور لانه لايسقط بالمعسور و ملفق بين التلويح الي صريح الحقيقة و

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 112 *»

الاشارة الي ماعليه اصحاب الطريقة و التصريح علي ماعليه العامة علي الحقيقة ليعلم كلّ اناس مشربهم و لينال كلّ احد مطلبهم و قدقال اميرالمؤمنين7 ان حديثنا صعب مستصعب خشن مخشوش فانبذوا الي الناس نبذاً فان عرفوا فزيدوا (عرفوه فزيدوه خ‏ل) و الاّ فامسكوا (فامسكوه خ‏ل) و قدرتبت المسائل في الذكر و البيان باجوبتها علي مارتّب اللّه سبحانه عليه الوجود و تمّ به التوحيد و الشهود و ظهر العابد بالركوع و السجود و ها انا اذكر قبل الشروع في المقصود اموراً يعينك علي فهم المسائل و اموراً كثيرةً مماعداها و ان كان لايخلو شي‏ء منها.

اعلم اولاً ان اختلاف مشاعر الانسان دليل اختلاف مداركه و هما دليلان علي اختصاص كلّ ادراك بمايناسبه من المشعر الخاص به فلاتطلب اذن الابصار بحاسة السمع و العكس مادمت في هذه الدنيا و لا ادراك الغيوب بالحواس الظاهرية.

و ثانياً ان اللّه سبحانه سار بخلقه كرماً منه و عطفاً عليهم في الف الف عالم بكمال صنعه المتقن و حكمه المبرم و جعل في كلّ شي‏ء نسخة من كلّ عالم فكلّ شي‏ء يصف كلّ شي‏ء بماجعله اللّه سبحانه فيه من صفة كينونة ذلك الشي‏ء علي طبقه فلايطلب معرفته الاّ بصفة المستودعة في ذات العارف او الدليل و ظهور هذه الجامعية في الانسان علي الوجه الاكمل فلاتطلب اذن صفة كلّ عالم من صفة عالم اخر فانه حجاب و قدقال مولينا الباقر7 علي مافي الخصال ان اللّه خلق الف الف عالم و الف الف ادم انتم في اخر تلك العوالم و اولئك الادميين و قال مولينا اميرالمؤمنين7 :

دواؤك فيك و ماتشعر   و داؤك منك و ماتبصر
أتزعم انك جرم صغير   و فيك انطوي العالم الاكبر
و انت الكتاب المبين الذي   باحرفه يظهر المضمر

و قال ايضاً7 علي ما في الغرر و الدرر ما معناه ان الصورة الانسانية هي اكبر حجة اللّه علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه اللّه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجمع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 113 *»

 هي الشاهد علي كلّ غايب و هي الحجة علي كلّ جاحد و هي الصراط المستقيم و هي الصراط الممدود بين الجنة و النار و قال اللّه عزّوجلّ ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ما خلقكم و لا بعثكم الاّ كنفس واحدة اجمع بين هذه الايات و الاخبار لتفوز بالاسرار و تجد صحواً بلا غبار ان في ذلك لذكري لاولي الابصار.

و ثالثاً ان ادركت الشي‏ء بذاته فلاتحتاج الي الدليل و اذا احتجت اليه فليس لك الي ذاته حينئذ سبيل لان العبث لم‏تجر به كينونة الحق سبحانه فلاتجري به كينونة الخلق لانها صفة تلك الكينونة و اسمها و الاسم ما انبأ عن المسمي كماقال اميرالمؤمنين7فمافهمته بالدليل من المدلول فهو ماظهر لك في الدليل فهو اذن عين الدليل اذ لو كان غيره لماعرفته به و الشي‏ء لايعرف الاّ به اذ الالتفات اليه حال الالتفات الي غيره مستحيل و معرفتك للشي‏ء توجهك و التفاتك اليه فاذا تخلّل بينكما غيره فقد التفتّ الي الغير و احتجبت عن الاصل فاذا توجهت الي الاصل و التفتّ اليه فمانظرت الي الغير و ماعرفته حينئذ فقدعرفت الشي‏ء به فالمدلول هو ماظهر لك في الدليل بعين الدليل مثاله انك اذا نظرت في المرءاة و رأيت المقابل فحين التفاتك الي المقابل في المرءاة انت ذاهل عن خصوصية المرءاة و كونها دليلاً للمقابل و غاية نظرك الي المقابل لكن ماعرفته من المقابل هو ماظهر لك في المرءاة و ذلك نفس المرءاة و لذا ربما تصف المقابل الظاهر في المرءاة بخلاف ماهو عليه اذا كانت خارجة عن حد الاعتدال فلو عرفت المقابل الحقيقي في المرءاة لماخالف وصفك اياه فماعرفت الاّ نفس المرءاة و هي نفس المقابل للمرءاة في المرءاة و هذا معني اتحاد الدليل و المدلول و معني تخالفهما فافهم و نزيدك بياناً ان شاء اللّه تعالي.

فاذا فهمت هذا فاعلم ان العالم عالمان عالم النهاية و عالم اللانهاية و الثاني علي قسمين احدهما اللانهاية بحسب الاستمرار و الوجود و الدوام و يشترك فيه كل

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 114 *»

من ذاق ثمرة الكون و الوجود و دخل بيت اللّه الحرام فان من دخله كان امناً لان فيه ايات بينات مقام ابرهيم فهيهات من بر و هام في محبة الملك العلام ان‏يطرأ عليه الاعدام فان الحبيب لايفني حبيبه و الخليل لايطرد خليله ففناؤه حينئذ في بقائه فبقاؤه بقاء وجوده اذ ليس له بقاء حتي يكون معدوم فان و انما هو في بيداء الحب هائم و بمحبوبه بارّ دائم و من البرّ بالمحبوب ان‏يتجاوز عن الشهود فاذن لاتندرس مقاماته و معالمه و لاتنطمس اثاره و مراسمه فمن دخل بيته الذي فيه مقامه امن من كلّ الاذيات و ثانيهما اللانهاية بحسب الذات و الوجود و هذا علي قسمين احدهما اللانهاية بحسب سريان نور الظهور بان‏يكون صالحاً للظهور بكلّ طور و التشأن بكلّ شأن و لاينتهي الي حدّ لايتصور له طور اعلي او اسفل او في المتوسطات كالواحد الساري النازل في مراتب الاعداد بحسب الشئون و التطورات لكن لاتجد حدّاً الاّ و تري الواحد قبله و بذلك يكون منشأ مرتبة و يظهر فوقه اي تحته و يكون منشأ مرتبة اخري وهكذا في المراتب السافلة الي ما لا نهاية له و مرادي بالمراتب النازلة الاحاد الي العشرات الي المئات الي الالوف الي اللكوك الي الكرور الي الشئون الي الارادب وهكذا الي ما لا نهاية له و كذلك اذا صعد في المراتب العالية في النصف و الثلث و الربع و الخمس الي ما لا نهاية له و هذا القسم من اللانهاية له علي قسمين قسم لانهاية له بحسب التطور في الصفات و التعين بالحدود و الانيات و خلع صورة و لبس اخري و ظهوره في كلّ الجهات و قسم لانهاية له بحسب الظهور في الصفات الفعلية و التعلقات العرضية و ثانيهما اللانهاية بحسب التنزيه عن كل الحدود و التجريد عن جميع التعين فلا له حدّ ينتهي اليه من اقتران و اتصال و انفصال و ايتلاف و اختلاف و تميز و افتراق و نسبة و ارتباط و اسم و مسمي و اطلاق و تقييد و وحدة و كثرة و بساطة و تركيب و صفة و موصوف و اصل و فرع و استدارة و استقامة و امثالها من الامور التي تنتهي الي جهة و توصل الي حدّ و ان كان في الصفات الذاتية او الفعلية او الحقيقية او المجازية و هذا غاية سير الامكان و ليس قرية وراء

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 115 *»

عبادان و اما عالم النهاية فهو عالم الحدود و مقامات القيود و هي مجموع دائرة الواو كما ان عالم (العالم خ‏ل) اللانهاية مجموع دائرة الهاء و بهما ظهر هو فكان هو العلي العظيم و هذه الستة تدور علي ثلثة اولها و هو اعلاها عالم العقول و اصلها و منشأها العقل الكلي و النور المحمدي9و هذا العالم علي ثلثة اطوار و ادوار اعلاها و اقصاها العقل المرتفع و هو بالنسبة الي عالم النهاية كمحدب محدد الجهات الي عالم الاجسام و اوسطها العقل المستوي و به ينكشف سرّ الباطن و اثبات الحقايق و نفي المجازات اي بان لا مجاز و منه رجوع الكثرات الي الواحد و هو الكلي الطبيعي الساري في افراد الموجودات اما بذاته او بظهورات ذاته و به يعبد اللّه سبحانه و يكتسب الجنة و اسفلها العقل المنخفض و هذا بالنسبة الي ذلك العالم كفلك القمر الظاهر في فلكه الجوزهر بالنسبة الي عالم الاجسام و منه منشأ الكليات التي ذكرها اهل المنطق علي تقدير صحتها او صحة بعضها و ثانيها و هو اوسطها عالم النفوس و يسمي عالم الملكوت و لها ايضاً ثلثة اطوار و ادوار و نسبتها الي عالم النهاية كنسبة العناصر الي عالم الاجسام و ثالثها و هو اسفلها عالم الاجسام و ذكر احوالها و شرح احكامها لايناسب هذا المقام فليطلب من ساير رسائلنا.

و هذا الذي ذكرنا لك عليه مدار علم العلماء طرّاً فلايخلو منها علم من العلوم و رسم من الرسوم و كل هذه المراتب قداوجدها اللّه سبحانه بلطيف صنعه في كلّ المخلوقات و قدخصّ الانسان بظهور مواقعها و مراتبها المتمايزة فيه منّاً منه و كرماً حيث حكي الكينونة بسرّ البينونة فتشرف بالشرف الاقدم و الكرم الاعظم فالانسان بمراتبه الممتازة هو مواقع النجوم اي العلوم الالهية الناشئة من سماء الفيض و الجود و الكرم فاذا اردت نحواً من انحاء العلوم فاطلب موقعه فيك حتي تجده فان طلبته من غيره فلن‏تجـده فان كان من علوم اللانهاية فاصعد الي ذروة وجودك و حقيقة ذاتك

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 116 *»

فاعرفها بها و ان كان من احكام البواطن و الاسرار و معرفة اغصان سدرة المنتهي بجميع الاوراق و الثمار فالتفت الي جانب العقل و هو النور الذائب المتعلق بالعرش الراكع الخاضع لعظمة اللّه سبحانه فالتمس منه نيل مطلوبك خاضعاً للّه تعالي و خاشعاً و هو ملي بالاجابة و يفتح لك الباب و مراتب العقل عند الالتفات علي حسب مراتب العلم كمااشرت اليه انفاً و ان كان من احكام الظواهر فارجع الي النفس فانه شيخ كبير قاعد علي كرسي من الدم فيفتح لك الباب اذا اراد اللّه سبحانه ملهم الصواب و هنا تفصيل غريب لايسعني الان بيانه و هذا العلم الظاهر في الحقيقة الاولية و هو الان عند ابناء هذا الزمان من اغيب الغيوب و ابطن البواطن.

و رابعاً اعلم انك قدنزلت من المكان العالي الفسيح من العالم اللانهاية حتي مررت في نزولك بالعقل الفعال فامرت بتبعيته بالادبار فنزلت مدبراً و مقبلاً الي غاية مقامات الادبار و هو التراب فتعلق بك اسم اللّه المميت فاماتك و هو قوله تعالي و كيف تكفرون بالله و كنتم امواتاً فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون ثم ناداك اللّه سبحانه بالاقبال اليه و الادبار عماسواه و سبّب لك الاسباب بان القاك في السحاب ثم في المطر ثم في السنبلة ثم في الشجر ثم في صلب ابيك ثم في رحم امك بداعي الشهوة الحيوانية ثم في النطفة ثم في العلقة ثم في المضغة ثم في العظام ثم في الهيكل التام الصورة فظهرت الروح بعد كمال الجسد ثم انزلك الي هذه الدنيا بعد كمال قواك و مشاعرك و اعضاك و جوارحك ولكن لماكانت ضعيفة غير ناضجة بقيت الي مضي خمسة عشر سنة فكملت القوي وجوداً و قواماً و نضجاً و اعتدالاً فكما بلغ جسدك و نضج بدنك و كمل بشريتك و وصلت الي اكمل المقامات و المراتب و اعدل الامزجة و صلح البدن لان‏يكون مركباً للروح لسيرها في مقامات كمالاتها بتنقلات اطوارها و بلوغها الي رتبة الكمال الانسانية كالبدن سبب اللّه سبحانه لها اسباب صعودها الي ذروة شهودها و تهيئة تلك الاسباب هي تمكين قابليتها لاستماع خطاب اقبل القار المستمر الثابت الدائم الابد فالناس بحسب تعلقها

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 117 *»

بتلك الاسباب اختلفت مقاماتهم و مراتبهم في الصعود فمنهم من لم‏يصعد و بقي في مقام الابهام كالارض و هم المستضعفون الذين لايجدون حيلة و لايهتدون سبيلاً و منهم من صعد اي اقبل الي اللّه سبحانه فحدثت فيه الحرارة الغريزية المعنوية فعرف بذلك الرب في الجملة لضعف الحرارة ثم ظهر اسرافيل فنفخ في روعه نفخة من ريح الجنوب فعرف بذلك النبي9 ثم رماه التقدير الي الارض المقدسة فعرف هنالك الولي ثم مال الي مصر فانغمس في النيل فعرف نفسه انه من الرعايا التابعين ثم لم‏يزل نظر الي نفسه فغلبت عليه اليبوسة بجمود القريحة و كثرت الرطوبات الفضلية الناشئة من الميل الي الخلق فضعفت الحرارة و غلبت اليبوسة و خفيت الرطوبة المعنوية لكونها من الميل الي السوي ممايرجع الي نفسه فانجمد و ركد فصار مقامه مقام الجماد و بقي لايدرك و لايفهم شيئاً من الاسرار الدقيقة ممايرجع الي عليين او الي السجين الاّ مايلتذ (ما لايلتذ خ‏ل) به جسمه و يبقي به لحمه و دمه فتوجه عليه التعبير من العلي الكبير ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة فشبههم بالحجارة و هي رتبة الجماد فتجري عليه كل احكام الجمادات او انهم عين الحجارة حقيقة بناءً علي ماذهب اليه المحققون من اهل المعرفة ان المشبه في القرءان و احاديث اهل البيت:عين المشبه‏به و هؤلاء الذين همتهم مايدخل في بطونهم فيكون مقدارهم مايخرج عن بطونهم كما عن النبي9 و منهم من لم‏يقف بل صعد و حصل له نضج اخر بتكرار الرياح الاربع كماذكرنا و بقي واقفاً في رتبة النبات و هم الذين اشار اليهم الباقر7 نحن و شيعتنا الناس و ساير الناس غثاء و قال عزوجل و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كانهم خشب مسندة و هؤلاء همتهم اكل لطايف الاغذية و الاحتراز عن كثايفها و مرادهم التفكه و تجري عليهم احكام النبات من الامور الخاصة لها حرفاً بحرف اذ لا فرق بينها و بينهم في هذه الصفة و منهم من صعد عن هذا المقام و وصل الي مقام الحيوان و شابه مزاجه مزاج باطن جوزهر القمر

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 118 *»

بزيادة النضج و كثرة الطبخ فبقي واقفاً في هذا المقام و هو الذي يحوم حول نفسه علي احد الوجوه و هؤلاء شأنهم الظلم و الغشم و محبة الجماع و محبة الصور الجميلة و العشق و محبة الغناء و محبة الرياسة و الاستيلاء و امثال ذلك من الامور التي تشترك فيه الحيوانات انظر الي شهوة الدب و مكر الارنب و عشق القرد و تغني البلبل و ترأس الاسد و غضب الكلب و سلطنة الزنبور و امثالها مماهو متفرق في ساير الحيوانات لضعف بنيتها عن حمل الصورة الجامعة بخلاف الحصة الحيوانية العرضية التي في الانسان فانها انضج بنية و اعدل مزاجاً و اقوي قواماً و دواماً فلما كان همهم انفسهم نكست رؤسهم و نظروا الي الاسفل و اعرضوا عن الاعلي فصاروا لايدركون شيئاً من الحقايق و لايعرفون الدقايق و لايستنشقون رايحة الاسرار و لاينظرون الي عالم الانوار و هم الذين قال اللّه تعالي فيهم ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الاّ كالانعام بل هم اضل و قال عزوجل و لقدذرأنا لجهنم كثيراً من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم اذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون و هؤلاء هم الاغلب و لذا قال مولانا الباقر7الناس كلهم بهائم الاّ المؤمن و المؤمن قليل و المؤمن قليل و هم الذين قال7 المؤمن اقل من الكبريت الاحمر و هل رأي احدكم الكبريت الاحمر فلا حظ لهؤلاء من علم الاسرار و لا لمشاهدة الانوار و منهم من صعد الي الرتبة الانسانية المعنوية فصار ظاهره طبقاً لباطنه و باطنه وفقاً لظاهره و هو من اهل الجنة حقاً و علامة هؤلاء ظهور النفس المطمئنة فيهم كماقال عزوجل ياايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي و هؤلاء هم القليلون كماقال عزوجل و قليل من عبادي الشكور و قليل ماهم و ما امن معه الاّ قليل، فشرب منه الاّ قليل و الاسرار تظهر من هؤلاء الانوار و هم اهل بيت العلم و معدن الحكمة و الحلم ابدانهم مع الناس و قلوبهم معلقة بالمحل الاعلي و لهم مراتب كثيرة و مقامات

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 119 *»

عديدة حسب تفاوت مراتبهم في الجنة فمنهم من هو واقف علي الكثيب الاحمر في الجنة و منهم من هو واقف في مقام الرفرف الاخضر و منهم من هو واقف في ارض الزعفران و منهم من هو في مقام الاعراف و منهم من هو في مقام الرضوان و لهم هناك مقامات و احوال و درجات و اطوار يقصر اللسان عن بيانها و الجنان عن حملها.

و لكل رأيت منهم مقاما   شرحه في الكتاب ممايطول

و هؤلاء هم حملة الاسرار و هم الابواب الذين اليهم تشد الرحال و اياهم تقصد الرجال فان كنت من سنخهم و صقعهم فهنيئاً لك و ان لم‏تكن منهم فاستمسك بعروة محبتهم و اعتصم بحبل مودتهم فانهم الابواب الي الائمة الطاهرين و هم القري الظاهرة التي اعدت للسير الي القري المباركة ليالي و اياماً امنين و قال مولانا الباقر7 نحن القري التي بارك اللّه فيها و القري الظاهرة شيعتنا و هم الذين قال الصادق7 انظروا الي رجل قدروي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فارضوا به حكماً فاني قدجعلته عليكم حاكماً فاذا حكم بحكمنا و لم‏يقبل منه فكانما بحكم اللّه استخف و علينا رد و الراد علينا الراد علي اللّه و الراد علي اللّه علي حد الشرك بالله ولكن لاتغرنك الاباطيل و لاتضلنك الاضاليل و لاتغتر باقوال اهل السوء فان المدعين لهذا المقام كثير سيما في هذا الزمان و الصادقين قليلون قال الشاعر و نعم ماقال:

و كل يدعي وصلاً بليلي   و ليلي لاتقر لهم بذاكا
اذا انبجست دموع في خدود   تبين من بكي ممن تباكا

و امر اللّه سبحانه ظاهر و حجته بالغة و دلايله واضحة و جعل لاهل الحق و الباطل و الامتياز بينهما ادلة و علامة ليميز اللّه به الخبيث عن الطيب و قد استوفينا الكلام عن هذا المرام و ذكر العلامات و الدلايل الفارقة في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا و اجوبتنا للمسائل خصوصاً في الجلد الثاني من شرح الخطبة الطتنجية و جواب مسألة اتانا من ارض الغري علي مشرفها الاف التحية و الثناء من الرب العلي فمن اراد ان‏يظهر له حقيقة الامر فليراجع هناك و لو اردنا ان

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 120 *»

‏نذكر شيئاً منها في هذا المقام لفات عنا المقصود لضيق المجال و كوني علي اهبة السفر و كذلك السائل اطال اللّه بقاه.

فاذا عرفت ماسطرنا و ذكرنا تبين لك اشياء كثيرة لايمكن التفوه بها خوفاً من اشباه الناس و علمت ايضاً ان الذين يعرفون الحق الذي اراد اللّه عزوجل في المسائل النظرية من العلوم الظاهرية من عالم النهاية قليلون فماظنك في المسائل الحقيقية من عالم اللانهاية و حيث ظهر لك ان دليل كل شي‏ء من سنخ ذلك الشي‏ء بل عين ذلك الشي‏ء فمن كان في عالم النهاية من الرتبة الانسانية لايسعه ادراك مافي عالم اللانهاية من تلك الرتبة الاّ اذا صعد اليها و لايمكن للعالم ان‏يعرفه الاّ ان‏يصعد به الي تلك الرتبة و ذلك لايمكنه دفعة واحدة لعدم نضج القابلية و تهيئة الاستعداد و انما ذلك شي‏ء فشي‏ء (شيئاً فشيئاً خ‏ل) بالتدريج الي ان‏يوصله الي مقام اوائل جواهر العلل انظر الي الحكيم المدبر كيف يدبر هذا الحقير الذليل الموضوع علي المزابل الذي لايلتفت اليه احد و يرقيه بالتدريج الي ان‏يوصله الي رتبة الاكسير حتي يحيي العظام و هي رميم فيصبر علي النار و يثبت له القرار نعم علي العالم ان‏يثبت المسألة و يحققها بحيث يتبين تحققها كالشمس في رابعة النهار و ليس عليه ان‏يعرفها كما انك اذا بينت للاعمي و قررت له ان الشمس طالعة و اوضحت له حتي عرف و قطع بوجودها و ليس عليك ان‏تريها اياه و لايمكنك ذلك الاّ اذا كنت تبرئ الاكمه الاتري ان العلماء حكموا بان الحسن و القبح عقليان فترد عليهم مسائل من الاحكام الفقهية لايعرفون حقيقتها و لا اصلها و لايدركون شيئاً منها يقرون بها و يعتقدون انها ممايحسنها العقل و يقبحها و ان لم‏يدركها و يدرك حقيقتها و كذلك الكلام علي القول بالمناسبة الذاتية بين اللفظ و المعني و حقيقة الامر ان كل سافل دليل علي العالي و الدلالة علي قسمين دلالة الوجود و دلالة المعاينة و الشهود فدلالة الوجود اقرب الي الكينونات من دلالة الشهود و لذا تجد الخلق كلهم يقرون بان لهم خالقاً ولكنهم مختلفون في معرفته و صفاته و كينونته فمن قائل بانه جسم و هم فيه ايضاً مختلفون و من قائل بانه مثال و صورة و من قائل

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 121 *»

بانه مادة و هيولي و من قائل بانه طبيعة و دهر و من قائل بانه نفس و  روح و حيوة و من قائل بانه معني من المعاني و من قائل بانه ليس كمثله شي‏ء فمااختلفوا في الوجود و انما اختلافهم في العيان و الشهود و ان كان ذلك الباب مسدوداً فاذن فاعلم في كل مسألة مقامان احدهما مقام الاثبات و الثاني مقام الفهم و المعرفة و الاول لايستلزم الثاني كما ان الثاني يستلزم الاول فلاتطلب الثاني الاّ بعد ان حققت الاول فاذا حققته فابن امرك عليه و استعن بالله في معرفته فان عرفك فله الفضل و المنة و الاّ فلاتفسد عليك رأيك بانكار المسألة حيث لم‏تعرفها و من جهة اشتباه اكثر الطلاب هذه الدقيقة وقعت في افهامهم اضطرابات و اللّه الموفق و المعين.

و خامساً اعلم ان كل شي‏ء له ثلث جهات الجهة الاولي وجهه الي اللّه سبحانه و هو بهذا الوجه خير و نور و المراد بهذا الوجه جهة تلقيه المدد من اللّه سبحانه و قبوله الافاضة و كونه محلاً لتعلق فعل اللّه الخاص به و حيث ان الفعل من حيث الذات واحد و الاختلاف انما هو بالعرض من جهة التعلق يكون اختلافه العرضي علي حسب اختلاف المتعلقات فتكون الاحوال الثابتة في المفعول علي جهة التركيب و التعدد و الاختلاف ثابتة في الفعل من جهة الوجه المتعلق بالمفعول علي جهة الوحدة و البساطة و الشرافة فالناظر الي هذه الجهة ناظر الي كل الجهات و الاحوال علي جهة التفصيل من حيث استنادها الي القادر المتعال و اضمحلالها عند جلال قدرته و فنائها عند ظهور سطوع نوره و للناظر الي هذه الجهة مذاقات و عادات فمرة ينظر اليها من حيث انها اشعة اثار فعله و تشعشع ظهور جماله فينادي بلسان حاله و مقاله لايري فيه نور الاّ نورك و لايسمع فيها صوت الاّ صوتك و مرة يشاهد الحق سبحانه باثار فعله باضمحلال تلك الاثار من حيث نفسها فيقول ليس الاّ اللّه و صفاته و اسمائه كماعن الرضا7 و مرة ينظر الي فنائها و بطلانها و عدم تحققها و تذوتها عند ظهور الجمال الاعظم فيقول أيكون لغيرك من الظهور ماليس لك حتي يكون هو المظهر لك كما عن الحسين7 و مرة ينظر

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 122 *»

الي ان الخلق اثار و معلولات و الاثر لا قوام له الاّ بالمؤثر بل ظهور الاثر بفاضل ظهور المؤثر فيقول مارأيت شيئاً الاّ و رأيت اللّه قبله و بعده و معه كما عن اميرالمؤمنين7 و مرة ينظر الي ان الخلق فيض من اللّه سبحانه و الكريم لاينقطع جوده و لاينفصم عطيته و لا كرمه معلول من غيره حتي يتوقع وجوده فيقول سبحانه من هو ملكه دائم لايزول اللهم اني اسألك باسمك العظيم و ملكك القديم و لم‏يكن خلواً من الملك قبل انشائه كما عن الباقر7 و مرة ينظر الي ان بالخلق ظهرت عظمة اللّه و كبرياؤه فحقايقهم تلك الحكاية اذ بينهم و بين خالقهم بينونة صفة لا بينونة عزلة فيقول سبحان اللّه و الحمد لله و لا اله الاّ اللّه و اللّه اكبر و يري حينئذ ان الملائكة غذاؤهم التسبيح و التقديس و الانسان اعظم من الملائكة فيكون الخطب هنا اعظم و مرة ينظر الي ان الاشياء كلها واقفة بباب احسانه سبحانه و لائذة بجناب عزه و معتصمة بذمامه المنيع الذي لايطاول و لايحاول فتطلب منه المدد و تصفه بانه الحي القيوم الصمد فيقول يسبح اللّه باسمائه جميع خلقه كمافي الزيارة الجامعة الصغيرة و مرة ينظر الي ان الاشياء في كل احوالها و اطوارها و اكوارها و ادوارها لاتقوم الاّ بمشية اللّه سبحانه فيقول ما من ذرة في الوجود الاّ و موكل عليه ملك من قبل اللّه عزوجل يدبره له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر اللّه و امثال هذه الانظار الواقعية كثيرة و المراد الاشارة الي نوع المسألة و بالجملة الناظر الي هذه الجهة لايفقد ربه ابداً بحال من الاحوال و لاينظر الي شي‏ء من الاشياء و جهة من الجهات بجميع اطوار النظر الاّ و يجد ربه سبحانه ظاهراً بفعله فيه و يجعل مرد جميع العلوم ممايتعاطي به الناس و غيره كلها الي فيضه تعالي و هذا هو الذي يذكر اسم اللّه عند كل شي‏ء و هو الممتثل لقوله عزوجل و كلوا مماذكر اسم اللّه عليه و المنزجر عن قوله عزوجل و لاتأكلوا ممالم‏يذكر اسم اللّه عليه و انه لفسق و الاكل اعم من الاكل المعنوي الذي هو العلم و الاكل الصوري و قدروي عن الصادق7 في قوله تعالي افلاينظر الانسان الي طعامه قال7 اي الي علمه ممن يأخذه و هذا ذكر بعض

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 123 *»

احوال الجهة الاولي.

الجهة الثانية هي وجه الشي‏ء من نفسه و هو حجاب الجهة الاولي و به يقول الانسان انا و انت و هو و نحن و ذلك حين تجد نفسك و تذهل عن ربك و هذه الجهة هي جهة الضيق و الحرج لانه مقام الاختلاف و الانجماد و البرودة و اليبوسة و منشأ الفساد و الضلال و كل ذلك منشأه الغفلة عن ذكر اللّه عزوجل لان النور انما يحصل بالله تعالي و الاقبال اليه اذا ادبروا عنه تعالي نسوا ذكره كان ظلمة غاسقة مدلهمة فمن لم‏يجعل اللّه له نوراً فما له من نور و ذلك مثل ما عند اهل النجوم و الهيئة و الحساب و ساير الرياضيين و علم الحروف و الاوفاق و علم السيميا و الهيميا و الريميا و الليميا و العلوم الالية مما هو معروف عند الناس لا كما عليه اولئك الاشخاص السالمون عن شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس لانهم يبحثون عن كل العلوم لكن بعد ذكر اسم اللّه و ها انا امثل لك مثالاً تعرف به نوع المراد مثلاً اهل الهيئة يقولون في الليل و النهار ان الارض جسم كروي و الشمس ايضاً كذلك فمهما تقابل الشمس جزء من الارض ينعكس الظل من الجانب الاخر فيحدث الظل المخروطي في المقابلة فالذي يحيط به الظل عنده ليل و الذي علي الجانب المقابل عنده نهار فلايزال نهار عند طايفة او بالنسبة الي مكان و ليل بالنسبة الي مكان اخر هذا محصل ماذكروا و اما ماورد عن ائمتنا الصادقين: في هذا المرام ان اللّه سبحانه خلق الشمس و وكل عليها سبعين الف ملك يجرونها بالكلاليب فاذا ان وقت الغروب سجدت الشمس تحت العرش و ينزع عنها النور فلما انقض الليل ينادي اولئك الملائكة يا ربنا هل نكسوها حلة النور ام لا فيأتيهم النداء بذلك ثم ينادون يا ربنا من اين نطلع بها امن مغربها او من مشرقها فيأتيهم النداء بالذي يريد سبحانه ثم يكسونها حلة من ضوء العرش علي مقدار طول ذلك اليوم و قصره نقلت معني الحديث انظر الان الي هذا الكلام و كلام اهل الهيئة و المراد في كلا القولين و المحصل واحد الاّ ان هذا الكلام قدذكر عليه

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 124 *»

اسم اللّه بخلاف كلامهم فصار هذا بذلك نوراً و ذلك بهذا ظلمة مع ان محصل الكلامين واحد يشتمل كلام الامام7 علي رموز غريبة و اسرار دقيقة يقصر اللسان عن بيانها و قدذكرنا في المجلد الاول من شرح الخطبة بياناً لهذا الحديث و الاشارة الي بعض اسراره و من اراده فليراجع اليه و يكفيك ماذكروا في الفرق بين الحكمة و الكلام ان الحكمة يبحث فيها عن احوال المبدأ و المعاد عن غير ملاحظة مطابقتها علي نهج قانون الاسلام بخلاف علم الكلام فاذن اي نور يرجي من هذا البحث و السر في ذلك هو ماذكرنا لك من انهم انما نظروا الي الجهة السفلي للشي‏ء و حكموا عليه بها و لذلك تشتت العلوم عندهم و اختلفت كلمتهم و صارت العلوم بعضها حجاباً للاخر لان نظرهم الي الاختلاف و اللّه سبحانه يقول ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً فثبت ان الاختلاف خلاف محبة اللّه سبحانه و خلاف مشيته العزمية و اما اولئك الابرار فلم‏يزل نظرهم الي اللّه و به يعرفون الاشياء و استدلالاتهم كلّها لمّية علي اصطلاحهم و مرجع العلوم كلّها عندهم الي واحد و هو قول سيدهم و فخرهم و مولاهم اميرالمؤمنين7 العلم نقطة كثّرها الجاهلون و هذا شرح بعض احوال الجهة الثانية و الجهة الثالثة هي الحقيقة بين الحقيقتين و الواقف بين الطتنجين و لماكان مرجعه الي الجهتين المذكورتين فمن كان الي الثانية اميل فيجري عليه احكامها و كذلك الحكم بالعكس و معني كلامي انهم يريدون في اصل المسألة وجه اللّه ولكن حين النظر و الاستدلال غافلون عنه تبارك و تعالي و ذلك كمايقولون في اصول الفقه ان الامر مثلاً حقيقة في الوجوب و الدليل عليه العرف لان السيد اذا قال لعبده افعل و لم‏يفعل عدّ عاصياً و ذلك معني الوجوب و يرجع كلامهم الي قول الامام7 حيث قال انا لانخاطب الناس الاّ علي مايعرفون ولكنهم حين الاستدلال ليس في نظرهم ذلك و اما المقتصرون نظرهم الي الجهة العليا الاولي فعندهم ايضاً

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 125 *»

ان الامر للوجوب ولكن لا لماقالوا بل لان الامر يحكي سلطنة اللّه و حكمه و سلطانه و حكمه لازم لان الامر عندهم هو قول كن في كن فيكون كماقال عزّوجلّ انما امره اذا اراد شيئاً ان‏يقول له كن فيكون و الامر التكويني و التشريعي واحد لا اختلاف بينهما الاّ من جهة المتعلق لا بل من جهة الظهور لا بل من جهة الاجمال و التفصيل كماشرحنا و فصلنا في شرح الخطبة فعلي ماذكرت ظهر لك مراتب العلماء و اقدارهم فاذا كان كذلك فلايجري نمط استدلالات الطايفة الاولي المقتصرين نظرهم علي الجهة العليا علي نمط استدلالات الاخرين بل بينهما فرق بيّن و تفاوت بعيد اه اه

شتان ما يومي علي كورها   و يوم حيان اخي جابر

فاذا سمع الاخرون شيئاً من ذلك النمط انكروهم و نسبوهم الي القول بغير الدليل و اللّه سبحانه يقول و اذ لم‏يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم، بل كذبوا بما لم‏يحيطوا بعلمه و لمّايأتهم تأويله و لذا تري ان كلمات الائمة: لم‏تجـر علي ماجرت به كلمات اهل المنطق و غيرهم و انحاء استدلالاتهم و لم‏يذكروا: في محاوراتهم مع الخصوم و غيرهم من المقدمات التي عندهم كالكليات الخمس و الكليات الستّ و الكبري و الصغري و المقدم و التالي و امثالها مماتداول عندهم و لم‏يتضؤهوا (يتضيؤا خ‏ل):بها و لم‏يدلّوا عليها لا لان كل‏ما ذكر اهل المنطق و غيرهم من كيفية الدليل و الاستنباط و القواعد و القوانين باطل بل لان مقامهم: لايقتضي ذلك لانهم وجه و سفير بينه و بين خلقه فيجب ان لايغفلوا عنه في جميع محاوراتهم و استدلالاتهم و كلماتهم و ساير اوضاعهم في كل احوالهم في الفاظهم و معانيها الصادرة منهم: و علي الشيعة ان‏يتبعوهم و لايخالفوهم و لقدامر اللّه سبحانه بذلك حيث قال و لكم في رسول‏اللّه اسوة حسنة و قداجمع الفرقة المحقة علي ان حكم الرسول و الائمة صلّي اللّه عليه و عليهم واحد في كل الاحوال الاّ مااختص به النبي9 و ليس هذا من المختصات فاذا كان كذلك فلايطلب من الشيعة المخلصين الاّ اقتفاء اثارهم و

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 126 *»

سلوك منهجهم في الالفاظ و المعاني و لماكانت تلك القواعد و القوانين المعروفة عند اهل الرسوم مبعدة عن ذكر الحق سبحانه كمامثلت لك وجب علي المنصف المتدين صرف النظر في مايذكره اللّه عزّوجلّ اذ كلّ لذة بغير ذكره و كلّ راحة بغير انسه باطل فاسد مضمحل و كلّ‏ما يشغلك عن ذكر اللّه فهو صنمك و مرادي بذكر اللّه ان‏يكون ذلك البيان و ذلك الاستدلال بصرافته يدلّ علي اللّه سبحانه لا من جهة الاصل و المنشأ بحسب الادعاء كمامثلت لك بقول اهل الاصول فانهم احسن استقامة من غيرهم و مع‏ذلك فهو كماتري فنحن ان شاء اللّه تعالي نجري كلامنا علي ماجري عليه النظام الطبيعي في خلق اللّه سبحانه في كلّ المسائل سواء كانت من عالم النهاية او عالم اللانهاية الاّ ان الكلام اذا كان من قبيل الاول يسهل تناوله و فهمه و اما اذا كان من قبيل الثاني فيصعب تناوله لانه سرّ و لايفيده الاّ سرّ و قد قال الصادق7 ان امرنا سرّ و سرّ لايفيده الاّ سرّ و سرّ مستسرّ و مقنع بالسرّ و المسائل التي نحن بصدد بيانها كلّها من قبيل الثاني لا الاول كمانبين ان شاء اللّه تعالي فمن استقام علي الفطرة و ترك العصبية و القي سمعه و هو شهيد ينال حظه الاوفي و الاّ فلا و نعم ماقال الشاعر:

و من حضر السماع بغير قلب   و لم‏يطرب فلايلم المغني

 المسألة الاولي: في شرح ماروي عن مولينا الصادق7 علي ما في مصباح‏الشريعة العبودية جوهرة كنهها الربوبية فمافقـد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية قال اللّه تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولم‏يكف بربك انه علي كلّ شي‏ء شهيد اي موجود في غيبتك و حضرتك الحديث.

اقــول: هذا اول المسائل و اول الوسائل و فيه تمام اسرار التوحيد بمراتبه كلّها و هي و ان كانت لاتحصي الاّ ان كلياتها مائة و ثمانية و عشرون و فيه شرح الاسماء و الصفات و جهات التعلقات و مقامات الواحدية و

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 127 *»

فيه شرح اسرار القيومية و ظهورات الرحمانية و فيه شرح اعرفوا اللّه باللّه و فيه سرّ التكليف و وقوع العبادات و تحقق الارشادات و فيه تمام سورة الحمد الاّ انها تتمّ علي التفصيل بتمام المسائل و اما مايتعلق بهذا المقام هو بسم اللّه الرحمن الرحيم بل من هذه المسألة يظهر سرّ المسائل الاخر كماقال مولينا الصادق7 ان اللّه اجل ان‏يعرف بخلقه و انما خلقه يعرفون به و شرح هذه الاحوال كلّها يؤدي الي بسط في المقال و ليس لي الان ذلك الاقبال مع ضيق المجال و الاشارة الي بعض الاحوال علي سبيل الاجمال هي ان الربوبية و ان كان لها معانٍ و اطلاقات الاّ ان الاغلب يطلق علي ثلثة مقامات الاول مقام الربوبية اذ لامربوب ابداً لا ذكراً و لا عيناً و هو مقام الذات البحت التي انقطعت عنده الاشارات و العبارات بل و الدلالات كماقال7 له معني الربوبية اذ لامربوب و معني الخالقية اذ لامخلوق و حقيقة الالوهية اذ لامألوه و ذلك مقام الاحدية و لايقع النفي هناك علي سبيل الاشارة و انما كان من غير اشارة كماقال7 في هذا المقام كشف سبحات الجلال من غير اشارة و هذا معني التنزيه الصرف عند العارفين باللّه لا كماقالوا بسيط الحقيقة كلّ الاشياء الثاني مقام الربوبية اذ لامربوب عيناً لا ذكراً و هو مقام الواحدية و رتبة الامكان الراجح و مقام الفعل و متعلق الاعيان الثابتة العلمية الامكانية لا الازلية كمازعموا و مرتبة الفيض الاقدس و مقام الاسم الاعظم و هو اول الظهور باول الظاهر في اول المظهر و هو ذكر الاشياء في الفعل قبل التعلق بالمفعولات و هو قوله تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لم‏يكن شيئاً مذكوراً قال الصادق7 كان مذكوراً في العلم و لم‏يكن مكوناً الثالث مقام الربوبية اذ مربوب ذكراً و عيناً و هو مقام القيومية المطلقة الثانية و رتبة الرحمانية و مقام استواء الرحمن علي العرش و مقام اعطاء كلّ ذي حق حقه و السوق الي كلّ مخلوق رزقه و هو مرتبة تعلق الفعل بالمفعولات و المشية بالمشاءات

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 128 *»

و بين هذه المقامات الثلثة مراتب كثيرة و درجات غريبة عجيبة و حيث ان المخلوقين باسرها من اثار فعله تعالي و لا شك ان الاثر لايلحق المؤثر في رتبة ذاته و الاّ لم‏يكن اثراً هذا خلف فلايتأتي للاثر ادراك ذات المؤثر و لا ادراك فعله لكونه عندهما معدوماً و ما لا ذكر له هناك و انما وجوده و ذكره في الرتبة الثانية اللاحقة فاذا اراد الصعود الي الاعلي احترق و انعدم و هو معني قوله7ان للّه سبعين الف حجاب من نور و ظلمة لو كشف واحد منها لاحرقت سبحات وجهه ماانتهي اليه بصره من الخلق فاذا امتنعت معرفة الخلق لذات الحق و فعله و لا شك انه سبحانه انما خلق الخلق لان‏يعرفوه كماقال كنت كنزاً مخفياً فاحببت ان‏اعرف فخلقت الخلق لكي‏اعرف و ماخلقت الجن و الانس الاّ ليعبدون و العبادة لاتتحقق الاّ بعد المعرفة فمابقي الاّ ان‏يعرفهم سبحانه و تعالي نفسه و يصف لهم معرفته حتي يعرفوه بماوصف لهم به نفسه.

و لمّاكان الوصف علي قسمين وصف حالي و وصف مقالي و الوصف الحالي لا شك انه اجلي من الوصف المقالي و الوصفان لا شك انهما اكمل من كلّ واحد منهما.

و لمّاكان امر اللّه سبحانه و فعله يجب ان‏يجري علي اكمل الاستقامة و احسن الاطوار بحيث لايمكن لاحد ان‏يقول لو كان كذا لكان احسن علي الواقع وجب ان‏يصف اللّه سبحانه نفسه لخلقه بالوصفين حتي تكمل نعمته و تتمّ حجته و تكون له الحجة البالغة و القدرة الشاملة و لماكان الوصف الحالي اجلي وجب تقديمه علي الوصف المقالي و لماكان الوصف للمعرفة و لا شك انه كلّ‏ما كان اقرب الي من وصف له كان اكمل و اتمّ لتحقق كمال المعرفة و ليس شي‏ء اقرب الي الشي‏ء من نفسه اليه وجب علي اللّه سبحانه ان‏يجعل حقايق الخلق صفة معرفته و هيكل توحيده و بيان ربوبيته ففعل سبحانه و له المنة و الفضل و خلق صفة توحيده في حقيقة ذوات الخلق بحيث اذا وصلوا اليها عرفوا ربهم بماوصف لهم به نفسه و هو معني قوله7 يا من دلّ علي ذاته بذاته و قوله7 في الدعاء بك عرفتك و انت دللتني عليك و دعوتني اليك و لولا انت لم‏ادر ما انت اذ لولا الصفة الالهية المستودعة فيك ماعرفته سبحانه و

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 129 *»

تلك الصفة هو الذي جعلها فيك لتعرفه بها فقدعرفته به كماقال الصادق7 اعرفوا اللّه باللّه و تلك الصفة هي الربوبية الظاهرة للمربوبين و هي كنه ذات العبد و مثاله بالتقريب و للّه المثل الاعلي المرءاة فان المقابل اذا تجلي فيها القي في هويتها مثاله اي صفته و هذه الصفة هي صفة رسم حدثت بفعله فانت اذا نظرت الي المرءاة عرفت المقابل بالصفة التي جعلها لك لتعرفه بها فلولا تلك ماعرفته و هذه الصفة لا فرق بينها و بين المقابل في التعريف و المعرفة الاّ انها عبده و خلقه فلا طريق لك الي معرفة المقابل عند عدم المواجهة حين المقابلة بالمرءاة الاّ بتلك الصفة التي هي المثال فتعرفه بها مع انها غيرها بل لا شي‏ء عندها و بينها و بين المقابل بينونة صفة لا بينونة عزلة و معني بينونة الصفة ان‏يكون الاثر صفة دالة علي المؤثر و المغايرة بينهما مغايرة الصفة و الموصوف اذ الصفة لا شك انها غير موصوفها و لماكانت هذه الصفات كلّها صفات فعلية لاينافي ماذكرنا قول اميرالمؤمنين7 كمال التوحيد نفي الصفات عنه فاذا فرضت نفسك الزجاجة المنطبعة فيها الصورة عرفت انك لن‏تعرف المقابل الاّ بتلك الصورة و اذا فرضت نفسك تلك الصورة كما ان الحق ان المرءاة هي نفس الصورة لا الزجاجة علمت انك لن‏تعرف المقابل الاّ بمعرفة نفسك التي هي عين المثال و الصفة و هو قوله7 من عرف نفسه فقد عرف ربه و هو قوله9 اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و في الانجيل يا انسان اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا و الضمير هو الظاهر بالكلام لا الذات البحت و ذلك هو الذي تجلّي لموسي علي الجبل و ذلك هو قول اني انا اللّه الذي حكي اميرالمؤمنين7 عن اللّه تعالي لموسي فالمتجلي لموسي هو نفس تلك الحكاية و هذا التجلي يكون لساير الرعايا لكنه حكاية الحكاية نسبة حكاية موسي عن اميرالمؤمنين7 حكاية الصدا عن الصوت و كذلك نسبته7 حين تلقيه عن اللّه عزّوجلّ بواسطة النبي9 فحكايته7 صدا ذلك الصوت لايسمع فيه صوت الاّ صوتك

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 130 *»

و لايري فيه نور الاّ نورك فافهم.

فقوله7 العبودية جوهرة كنهها الربوبية يريد بالعبودية حقيقة ذات العبد و لذا قال7 جوهرة و انما عبر عنها بالمصدر لبيان ان المصادر ذوات مستقلة و ان كانت معانٍ بالنسبة الي الفاعل و ان حقايق الخلق كلّها اسماء معانٍ بالنسبة الي فعله تعالي كما ان القيام اسم معني للقائم و القعود اسم معني للقاعد و العلم اسم معني للعالم و الحيوة اسم معني للحي و كذلك حقايق الخلق بالنسبة الي فعله تعالي كالقيام و القعود بالنسبة الي الشخص و القيام كنهه القائم و قددلّت الادلة العقلية و النقلية كماشرحناها و فصلناها في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل ان القائم في زيد قائم ليس عين ذات زيد و لايرجع ضميره اليها و الاّ لماكان قاعداً فان الصفة الذاتية لاتنفك عن الذات مادامت الذات و الاّ لم‏يكن ذاتية و لاتتغير الذات بتغيير الاثار حتي تستحق عند ايجاد كلّ اثر اسماً في ذاته لان الاسم القائم قبل القيام لم‏يكن ثابتاً في رتبة الذات فلما قام ثبت له اسم القيام فان كان هذا الاثبات في رتبة ذاته لتغيرت الذات حيث عرضها مالم‏يكن عندها و ذلك العروض انما كان باثرها و هذا قول لم‏يتفوه به عاقل فضلاً عن فاضل عارف حكيم فاذن مرجع هذه الصفات هي الظهورات فالقائم هو ظهور الذات بالقيام لا نفس الذات و القاعد هو الظهور بالقعود و لا شك انه حين القيام لا ظهور له الاّ نفس القيام و حين القعود لا ظهور له الاّ نفس القعود و لماكان جهة الظهور اعلي من جهة القيام كان الظهور باطن القيام و القعود و لماكان الظاهر انما هو في رتبة الظهور لا في رتبة الذات و الاّ لم‏يكن ظاهراً هذا خلف اذ الذات من حيث هي اي في رتبة مقامها لم‏تكن ظاهرة و الاّ لمااحتجنا في ظهورها الي اثر هذا خلف لانها حينئذ اما عين ذاتنا او ظهور من ظهوراتنا كان الظاهر باطن الظهور و ذلك الظاهر هو انا في قوله و باطنك انا و هو الكينونة في قوله تعالي خطاباً لادم و طبيعتك علي خلاف كينونتي و هو الروح في حديث ادم روحك من روحي و بروحي نطقت و هو الربوبية في هذا الحديث المبارك لان الربوبية معني مصدري و هو صفة الرب و

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 131 *»

تلك الصفة هي حقيقتك و هو قول اميرالمؤمنين7فالقي في هويتها مثاله اي صفته و تلك هي الربوبية في المقامات الثلثة كمابيّنّا.

اعلم انك اذا نظرت في المرءاة لك فيها ملاحظتان و نظران احدهما انها صفة و اية و دليل لمعرفة المقابل الخارجي و صفة استدلال عليه بوجه من وجوهه و ثانيهما مشاهدة المقابل فيها و الحكم عليه بها مع قطع النظر عن نفس المرءاة و عن كونها اية و دليلاً ففي النظر الاول يكون الحكم علي نفس المرءاة التي هي الصورة من حيث اضمحلالها و فنائها و نسبتها الي الغير و في النظر الثاني يكون الحكم علي المقابل الخارجي من حيث هو من حيث استقلاله و تذوته فعند ملاحظة النظر الثاني يكون الاول نازلاً منزلة الاثر او الظهور و لايبقي له مقام الظاهر و المؤثر و لماعلم الامام7 ان بعض الضلال و اولي الافهام المغيرة بالنكراء و الشيطنة لتشييد باطلهم و تلبيس كذبهم و زورهم علي العوام يتشبثون بهذا الحديث لو اقتصر علي هذه الفقرة خاصة و يدعون ان كنه الخلق و حقيقتهم هو ذات اللّه عزّوجلّ كماقال «انا اللّه بلا انا» و «سبحان من اظهر الاشياء و هو عينها» و ان كانت هذه الفقرة وحدها تردّ ادعاءهم و تبطل دعويهم اذ الربوبية معني حدثي وصفي لايصحّ ان‏يكون عين الذات البحت لكنه اراد7 تثبيت الامر و تحقيق الحق و اكمال النعمة علي المؤمنين و اتمام الحجة علي الكافرين فقال7 ابانة لرفع الواهمة و دحضاً للشبهة الباطلة و اثباتاً للحجة البالغة و اعلاء للكلمة العالية فمافقد في العبودية وجد في الربوبية و ماخفي في الربوبية اصيب في العبودية و هذه الربوبية هي المنظور اليها بالربوبية التي هي كنه العبد و ان كان النظر في هذه الربوبية و هي الربوبيات الثلث التي حقيقة العبد و كنهه تجليها و دليلها و العبودية حينئذ نفس حقيقة العبد التي ذكرنا انها الربوبية الظاهرة كمامثلنا لك بالمرءاة و تعدد اللحاظ في النظر اليها فالحكم حينئذ علي المقابل الخارجي الاصل الذي تلك الحقايق شئونات اثاره و ظهورات افعاله و لماكانت الربوبية التي هي كنه العبد التي هي نفس العبودية صفة و مثالاً للرب

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 132 *»

الفاعل الخالق و كانت الصفة ليست الاّ محض الحكاية و الدلالة وجب ان‏يفقد فيها الاستقلال و التذوت و التحقق و الاّ لماكانت صفة بل كانت ذاتاً فتكون البينونة بينونة عزلة لا بينونة الصفة فمافقد في الصفة من الاستقلال و عدم الاستناد و عدم الفناء و الحاجة و كونه منشأ للاثار و مهيجاً للنار الكامنة في الاسرار ممادلّت عليه الصفة التي هي العبودية و الاّ لكانت مستقلة كلّ ذلك موجود في الربوبية المنظور اليها بهذه العبودية فصارت هذه العبودية شبحاً لا روح له و انما قوامه و تأصله و تحققه بغيره و هو قول مولينا الحسين7 لماسأله حبيب بن مظاهر اي شي‏ء كنتم قبل خلق السموات و الارض قال7 كنّا اشباح نور ندور حول العرش قال و ما الشبح قال7 ظل النور و في رواية اخري كنا ابدان نورانية لا ارواح لها يريد7 بقوله هذا المعني الذي ذكرنا فقوله7 العبودية جوهرة كنهها الربوبية اشارة الي ما في الدعاء و مقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها اذ هذه الربوبية التي هي كنه العبد لا فرق بينها و بين الربوبية الحقيقية الالهية في التعريف و التعرف و المعرفة من عرف نفسه فقدعرف ربه و قوله7 فمافقد في العبودية الخ اشارة الي تتمة هذا الدعاء لا فرق بينك و بينها الاّ انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك و قداثبت7 بكلامه هذا فيمانسب اليه الجمع بلاتفرقة زندقة و التفرقة بلاجمع تعطيل و الجمع بينهما توحيد فلو قال العبودية جوهرة كنهها الربوبية فاكتفي كان جمعاً بلاتفرقة فاثبت الفرق روحي‏فداه في قوله فمافقـد اه ولو قال7 و مافقد في العبودية وجد في الربوبية من غير قوله العبودية جوهرة كنهها الربوبية كان تفرقة بلاجمع و الجمع هو الذي ذكره بقوله7 و ماخفي في الربوبية اصيب في العبودية اي الربوبية التي هي كنه العبودية فانها صفة و علامة تدلّ علي الخارج علي حسب مقامه انظر الي المرءاة التي يسمونها بالفارسية «آئينه جهان‏نما» فانك اذا نظرت فيها وجدت

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 133 *»

بحار الهند مثلاً و قصورها و ابنيتها و دورها و بساتينها و مزارعها و سواقيها و امثالها مماهو مخفي عنك و انت في بلاد العجم مثلاً و لا شك ان الاثار المترتبة علي تلك الحقايق الموجودة الخارجية لاتترتب علي تلك الصور و الهيئات و كلّها مفقودة فيها الاّ ان كلّ‏ما خفي فيها من الاحوال و الاوضاع و الامور ظاهرة في هذه المرءاة فحقايق العباد هي تلك المثل و الهياكل و تلك هي الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها و قال7 كلّ مولود ولد علي الفطرة ولكن ابواه يهودانه و ينصرانه و قددلّت الروايات ان المراد بها التوحيد فماخفي في الربوبية من الصفات و الاحوال الالهية من قيوميته و وحدته و الوهيته و رحمانيته و ساير صفاته كلّها اصيب من الاصابة و هي الوصول و الاتصال في العبودية و هي تلك الحقيقة (الحقايق خ‏ل) المثالية و الخطاب الشفاهي و النقش الفهواني.

و اما وجه بطلان قول القائلين بوحدة الوجود علي مايزعمون في معتقداتهم من هذا الحديث الشريف فهو ان العبودية في قوله7 فمافقد في العبودية وجد في الربوبية لاتخلو اما ان‏تكون عين الربوبية المذكورة في هذه الفقرة ام لا و الاول باطل جداً لاستحالة الفقدان و الوجدان في شي‏ء واحد سيما بالنسبة الي ذات اللّه عزّوجلّ اذ لايصحّ نسبة فقدان شي‏ء اليه سبحانه و تعالي فوجب التغاير و هو الشق الثاني محال فما هذه العبودية هل هي جهات الحدود و العوارض و القيود علي مايزعمون في الفرق بين الواجب و الممكن الاطلاق و التقييد كماقال شاعرهم:

و ما الناس في التمثال الاّ كثلجة   و انت لها الماء الذي هو نابع
ولكن بذوب الثلج يرفع حكمه   و يوضع حكم الماء و الامر واقع

ام لا فان كان الاول لم‏ينطبق مع قوله الثاني و كلّ‏ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و هو صريح في ان العبودية اية و دليل و مظهر و الحدود حجاب و مانع و مبعد فلايصح ان‏تكون جهة الحدود و انما هي جهة الذات و هي تلك الربوبية

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 134 *»

الظاهرة كالقائم في القيام و القاعد في القعود و كزيد في المرءاة و الربوبية التي فيها مافقد في العبودية هي الربوبية الاصلية التي نظرت اليها بمرءاة ذاتك و هي مرئية في ذاتك الاّ انك حين نظرك هذا ذاهل عن ذاتك فافهم فقدكررت العبارة و رددتها لسهولة التفهيم فان خفي لك بعد هذا فاعلم انه لصعوبة المسلك و دقة المأخذ لا لقصور في فهمك.

ثم استشهد7 لقوله من ان حقايق الخلق امثال و ايات لمعرفة اللّه سبحانه لا ذات مستقلة بقوله تعالي تأكيداً للامر و توضيحاً للحق فقال7 و روحي‏فداه قال اللّه تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولم‏يكف بربك انه علي كل شي‏ء شهيد اي موجود في غيبتك و حضرتك و هذه الايات هي تلك الربوبية التي جعلها اللّه في الافاق في حقيقة العالم و في نفس الخلايق حتي يتبين للخلق انه الحق وحده و لا سواه و بها تظهر الاثار عن الخلق كماقال اميرالمؤمنين7 في شأن الملأ الاعلي فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و بذلك المثال حيي الخلق و صدر عنهم الفعل و لماكان المثال مثاله كان الفعل فعله و هو قول اميرالمؤمنين7 انا الامل و المأمول فلنقبض العنان فللحيطان اذان.

و انما جمع الايات لان تلك الصفة التي هي الربوبية اية توحيد الذات و اية توحيد الصفات و اية توحيد العبادة و اية توحيد الافعال و اية معاني الصفات كالبهاء و الجلال و الجمال و العظمة و القدرة و العلم و الرحمة و الكرم و الجود و العطاء و الكلمة و الاسم و السلطان و الفخر و الملك و المجد و الكبرياء و امثالها من معاني الصفات و قداشير الي نوع بيانها في دعاء السحر في شهر رمضان المبارك اللّهم اني اسألك من بهائك بابهاه و كلّ بهائك بهي الدعاء و مجموع هذه الخمسة هي كلمة التوحيد في عالم الفرق و التمييز اذ كلّ كلمة لاتتمّ الاّ في اربع مراتب الاولي النقطة و هي اية توحيد الذات لان النقطة عارية عن جميع الاضافات و النسب و الكثرات لكونها لاتقبل القسمة بجهة من الجهات و حيثية

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 135 *»

من الحيثيات الثانية الالف و هي امتداد النقطة و ظهورها بشئونها و اطوارها و هي اية توحيد الصفات لان الصفة كماقدمنا ظهور الذات المنبئ عنها قال اميرالمؤمنين7 الاسم ماانبأ عن المسمي الثالثة الحروف المقطعة من الالف لغاية التأليف في الكلمة و هي اية توحيد الافعال لان تعدد الظهور الاسمي انما هو بالاثار و مبدؤها الافعال و مبدأ الافعال الاسماء و في الدعاء و باسمك الذي اشرقت به السموات و الارضون و باسمك الذي صلح به الاولون و الاخرون و مع هذا كلّه فالاسم مشتق من المصدر و هو مشتق من الفعل و هو مشتق من نفسه باللّه عزّوجلّ فافهم ان كنت تفهم و الاّ فاسلم تسلم و الرابعة الكلمة التامة و هي اية توحيد العبادة لتأخرها عن الافعال و قدقال تعالي فخلقت الخلق لكي اعرف و اما مقام معاني الصفات و هي دلالة الكلمة فالاولي هي النقطة في بسم اللّه الرحمن الرحيم و الثانية هي الباء فيها و الثالثة هي الاسم اللّه و الرابعة هي مقام الاسم الرحمن و الخامسة هي مقام الاسم الرحيم فلماتنزل الكتاب التكويني الي الكتاب التدويني صار البسملة هي اول هذا الكتاب علي طبق ذلك و هذه المراتب هي الايات المستودعة في كلّ الذرات و لماكان مرجع الكلّ الي امر واحد كانت اية واحدة فالربوبية في الحديث هي معني الايات في القرءان و اما كيفية اراءة هذه الايات في المخلوقات مع كمال تركيبها و حدوثها فكماتري في الكتاب التدويني فان كلمة لا اله الاّ اللّه مع كونها الفاظاً حادثة مشتملة علي معني حادث ألّفها اللّه سبحانه تأليفاً اذا قلتها تدلّك علي توحيده تعالي و تنزيهه عن كلّ صفات المحدثات فكذلك خلقك و ألفك علي هيئة و صفة تدلّ بذاتك علي توحيده و تنزيهه عن كل صفات المحدثات مع انك محدث فانت كلمة لا اله الاّ اللّه في التكوين كما ان هذه الكلمة كلمة التوحيد في التدوين و التشريع فافهم.

و اما كيفية وصفه سبحانه نفسه لك بك

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 136 *»

فبان وصف نفسه لك بلسانك التكويني و هو قوله تعالي شهد اللّه انه لا اله الاّ هو فشهادته سبحانه لنفسه بالتوحيد بنفسه هو عين نفسه و شهادته لغيره بنفسه عين غيره فحقيقة ذلك الغير هي تلك الشهادة فتلك الحقيقة شهادة و شاهدة و من شهد له مثاله ايضاً في الكتاب التدويني فانك حين تقرأ القرءان لسان اللّه سبحانه فهو يخاطبك بلسانك و لذا اذا قرأت قوله تعالي اني انا اللّه لا اله الاّ انا فاعبدني و اقم الصلوة لذكري ان الساعة اتية اكاد اخفيها لتجزي كلّ نفس بماتسعي لايلزم منه كفر لانه حينئذ قول اللّه عزّوجلّ بلسانك و من هذه الجهة وردت الاخبار بان القاري اذا وصل الي قوله تعالي ياايها الذين امنوا يقول لبيك و سعديك ففي المرّة الاولي لسان اللّه و خطابه لنفسه و في المرة الثانية قائل و مخاطب فالاولي فيها سر كن و الثانية فيها سر فيكون و الظاهر علي طبق الباطن و التكوين علي وفق التدوين و لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً سبحان من هو امره واحد و حكمه واحد و قوله واحد و صراطه واحد و وليّه واحد و نبيه واحد و دعاؤه واحد لانه واحد و لماكانت العبودية كنهها الربوبية لا ظاهرها كماقال اميرالمؤمنين7 ظاهري امامة و وصية و باطني غيب لايدرك أتي سبحانه بالسين الاستقبالية لبيان ان تلك الايات ليست مشرعة لكل خائض و منهلاً لكل وارد و انما هي لمن قطع المسير و قطع مسافة الزمان و يسير في الدهر و يسبح في لجة السرمد ليصل الي لجة بحر الاحدية و طمطام يم الوحدانية و ذلك لايكون الاّ بكشف السبحات و ازالة الحجب و الانّيات علي ماقال اميرالمؤمنين7 في الحديث المشهور عن كميل بن زياد النخعي; و قدسأله عن الحقيقة قال مالك و الحقيقة قال أولست صاحب سرّك قال7 بلي ولكن يرشح عليك مايطفح مني قال أومثلك يخيب سائلاً قال7 كشف سبحات الجلال من غير اشارة قال زدني بياناً قال7محو الموهوم و صحو المعلوم قال زدني بياناً قال7 هتك الستر لغلبة السرّ قال زدني بياناً قال7 جذب الاحدية لصفة التوحيد قال زدني بياناً قال7نور اشرق من صبح

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 137 *»

 الازل فيلوح علي هياكل التوحيد اثاره قال زدني بياناً قال7 اطفئ السراج فقدطلع الصبح و من اراد ان‏يطلع علي حقيقة الامر في هذا الحديث فليطلب ماكتب شيخي جعلني اللّه فداه في شرح هذا الحديث الشريف و قدشرحته ايضاً بالفارسية في اجوبة المسائل الاصفهانية.

و قوله7 في تفسير قوله تعالي أولم‏يكف بربك انه علي كلّ شي‏ء شهيد اي موجود في غيبتك و حضرتك معناه ان الشهود التامّ هي الاحاطة و هي الاستدارة التامة بحيث تكون جميع النسب متساوية بين المحيط و المركز و لاتكون (تكون خ‏ل) بينهما جهة تختلف بها النسبة او تكون لكل واحد منهما جهة خارجة عن الحدّ الاخر و لماكان الخلق بادين عنه تعالي بالاستدارة الصحيحة التامة و عائدين اليه كذلك و مستمدين منه كذلك و مقبلين عليه كذلك فكان هو سبحانه محيطاً بهم بالقيومية ناظراً اليهم بسرّ الصمدانية و مطلعاً عليهم بعزّة الوحدانية فكانوا ابداً بين يديه سبحانه بمرئي منه و مسمع و هو قوله تعالي و ماكنّا عن الخلق غافلين فالخلق سواء كانوا حاضرين اي متوجهين اليه تعالي بالتشريعي و مقبلين عليه او غائبين عن وجدانهم و غافلين عن ربهم في خواطرهم و سرائرهم فلايفوتونه سبحانه في حال من الاحوال كماقال عزّوجلّ ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان‏يسبقونا ساء مايحكمون فهو موجود و حاضر و ناظر اليك في حضرتك اي مادمت حاضراً و متوجهاً اليه و غيبتك اي مادمت غافلاً و ذاهلاً عنه تعالي و معني اخر ان كلّ شي‏ء حاضر عنده كلّ‏ما هو تحت ذاته و ماهو فوق ذاته غائب عنه (عنده خ‏ل) و ظهوره سبحانه محيط و ثابت موجود في حضرتك اي مراتب ذاتك و تنزلاتها و ظهوراتها و غيبتك اي المراتب التي هي اعلا من رتبة ذاتك و حقيقتك فكلّ‏ما يغيب عنك و عن احد من المخلوقين لايغيب عنه سبحانه اذ كلّ شي‏ء في ملكه و هو علي كلّ شي‏ء محيط و لم‏يكن خلواً من الملك قبل انشائه فافهم و لهذا الحديث وجوه اخر تركت ذكرها خوفاً للتطويل و صوناً عن اصحاب القال و القيل.

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 138 *»

اخاف عليك من غيري و مني   و منك و من زمانك و المكان
فلو اني جعلتك في عيوني   الي يوم القيمة ماكفاني

حفظه في الصدور اولي من ابرازه في السطور.

المسألة الثانية: في شرح ماروي عن جابر ما معناه انه سئل النبي9 عن اول ماخلق اللّه قال9 اول ماخلق الله نور نبيك يا جابر و كان يطوف حول جلال القدرة فلما انتهي الي جلال العظمة بعد ثمانين الف سنة خلق الله نور علي7 فكان نوري يطوف حول جلال العظمة و نور علي يطوف حول جلال القدرة الحديث.

اقــول: الكلام في هذا الحديث الشريف يتم ببيان امور الاول ما معني جلال القدرة و جلال العظمة الثاني ما معني طوفه حول جلال القدرة و انتهائه الي جلال العظمة الثالث كيف كانت المدة بين الجلالين و ما معناها الرابع ما الوجه في خصوص ثمانين الف الخامس ما معني هذه التقديم بهذه المدة المتطاولة مع ان الاخبار و الايات دلت علي انهما8 حقيقة واحدة و طينة واحدة السادس ما معني طوف النبي9 بعد خلق علي7 حول جلال العظمة مع انه اشرف مع انها انزل و العكس كذلك السابع هل هذا التفاوت كماثبت بينهما صلي الله عليهما ثابت بالنسبة الي ساير الائمة: ام لا و لكل من هذه الامور السبعة بيان ظاهري و بيان باطني و شرح غيبي و شرح شهودي و ذلك اربعة عشر و هي عدد الحروف النورانية و المنازل النورانية و لذا قلنا ان المسائل الخمس تشتمل علي اسرار فاتحة الكتاب فالمسألة الاولي كانت مشتملة علي اسرار البسملة بتمامها كمااشرت الي مجمل بعض انواعها كذلك هذه المسألة مشتملة علي اسرار الحمد لان البسملة اذا عددتها كانت تسعة عشر و اذا استنطقتها كان الواحد و هو عدده تسعة عشر و الواحد حرفه الالف و اذا كررتها كان الباء و اذا كررت الباء كانت الدال و هي اصل الحمد و اذا كررتها كانت الحاء و هي الفرع و اذا

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 139 *»

كررت الحاء خمس مراتب كانت الميم و هي النتيجة منهما و هي تمام الحمد و لذا افتتح الكتاب الكريم به فمادته مربعة و صورتة مثلثة فاذا جمعت بين الثلثة و الاربعة كانت سبعة و اذا ثنيتها كانت اربعة عشر و هذه الاربعة عشر هي المبدأ الذي يدور عليه العالم من الاصول و الفروع ثم زادوا الميمين علي الحمد ليكون محمد و ليكون اشارة الي هذه المراتب المذكورة في هذا الحديث الشريف و بيان هذه المراتب صعب يحتاج الي تمهيد مقدمات ليقرب الي الاذهان و تقبله العقول و الاحلام الاّ اني لضيق المجال و كثرة الاستعجال اشير الي كل مقام اشارة اجمالية لانها الميسور و الي الله ترجع الامور.

اما الاول فاعلم ان الجلال مقام القهر و الغلبة و الاستيلاء و التمنع و الجمال مقام الانس و المشاهدة و المحبة و قديطلق احدهما علي الاخر كمايظهر لمن تتبع في الاخبار و الادعية و اذا اجتمعا افترقا و لماجعل في الجلال حرف من اسم علي7 دل علي القهر و الغلبة و جعل في الجمال حرف من اسم محمد9 دل علي الانس و الايتلاف سيما الميم التي لها مخرج الربع الحاكي عن الشكل المربع المقرون بالاتحاد و الايتلاف و اللام التي لها مخرج الثلث الحاكي عن الشكل المثلث الذي هو شكل الفناء و الافتراق فافهم و اما القدرة فهي اول مايظهر من القادر من الفعل الاولي الذي به يصدر جميع افاعيله و اثاره و شئونات اسمائه و هو قوله7 اللهم اني اسألك بقدرتك التي استطلت بها علي كل شي‏ء و كل قدرتك مستطيلة فالقدرة و العلم هما اول مايظهران من الفاعل الكامل و كل الصفات دونهما فتكون جلال القدرة هي الولاية المطلقة الاولية و هي التي استطال الله بها علي كل شي‏ء و هو مقام الربوبية اذ لا مربوب عيناً لا ذكراً و هي الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و النور الذي استضاء منه كل شي‏ء و الرحمة التي وسعت كل شي‏ء و العلم الذي احاط بكل شي‏ء و اليد التي في قبضتها السموات و الارض و ملكوت كل شي‏ء و اخذة بناصية كل شي‏ء و اما العظمة فهي تحت القدرة و بها قدحصلت و مقامها الكثرة و مقتضاها الخوف و هي مقام الربوبية اذ مربوب

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 140 *»

ذكراً و عيناً و هنا محل ظهور النبوة الظاهرة المعروفة عند العوام التي هي تحت مقام الولاية فالقدرة محل ظهور المشية و العظمة محل ظهور الارادة و القدرة مقام الكاف و العظمة مقام النون و القدرة مقام الاجمال و العظمة مقام التفصيل و القدرة مقام الاختراع و العظمة مقام الابتداع و القدرة الاصل القديم و العظمة الفرع الكريم.

و اما الامر الثاني فاعلم ان الحضرة المحمدية9 هي اول ظاهر باول ظهور خلقه الله سبحانه في ظل كينونته و اقامه بنفسه و طوافه استدارته علي جلال القدرة التي هي باطنه اي استدارة ظاهره بباطنه و علانيته بسره و هذه الاستدارة استمدادية و جلال القدرة يستدير عليه استدارة امدادية و لماكان بكل الجهات مستمداً و مقبلاً و متوجهاً الي وجه المبدأ اي القطب الذي هو الواسطة بينه و بين المفيض كان القطب هو نفسه لان الله عزوجل اقامه بنفسه و امسكه بظله و استخلصه في القدم علي ساير الامم اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء و انتهاؤه الي مقام العظمة هي عبارة عن انتهاء مراتب الكاف و اول ظهور التعلق بالنون و هو اول مقام ظهور علي7 لانه القمر الذي عليه العدد و الحساب و معني انتهاء المراتب ان المقام الاول الذي هو مقام الولاية المطلقة و مقام الالوهية بل و مقام الهوية علي مااعرف من الاخبار له مراتب و اقلها ثلثة المقام الاعلي و الاوسط و الاسفل و الاسفل هو اعلي مقامات العظمة و لذا جرت الكاف علي ثلثة احرف كالنون في كن فيكون و ان كان كل شي‏ء علي هذا النمط الاّ ان المقامات تختلف من ملاحظة التفصيل و عدمه و ملاحظة التفصيل في الاجمال و ملاحظة الاجمال في التفصيل و شواهد ماذكرنا في الكتاب و السنة و علم الحروف موجودة تركت ذكرها لضيق المجال و اغتشاش البال.

و اما الامر الثالث فاعلم ان كل شي‏ء بدأ من فعل الله سبحانه اقتضي كل شي‏ء من جهة ظهور اللانهاية في اطوار النهاية فاذا تعقب شي‏ء شيئاً و كان بينهما ترتيب لايظهر بل لايوجد الشي‏ء الثاني الاّ بعد تمام الشي‏ء الاول بجميع مراتبه

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 141 *»

و ان كان لا مراتب هناك بنظر العقل و انما المراتب هناك بتزييل الفؤاد فالمراد بالمدة هي المراتب المتوسطة التي هي بين مبدأ الشي‏ء و منتهاه و هي شي‏ء واحد تختلف احواله و اطواره بحسب الحدود اللاحقة و العوارض السانحة من جهة اقباله و ادباره اذ لايكمل الشي‏ء و لايكمل غيره الاّ بعد قطع الاسفار الاربعة السفر من الخلق الي الحق و السفر في الحق بالحق و السفر عن الحق الي الخلق و السفر في الخلق بالحق و كل شي‏ء ذو هوية لابد له من هذه الاسفار الاربعة و ان اختلفت بحسب سرعة سير السالكين و بطئهم و قصر المسافة و طولها و هذه المراتب هي المدد و كل مرتبة مدة لانها حد الشي‏ء في استمرار كونه فيها و ليس المراد من المدة هي الزمان السيال الغير القار علي ماهو المعروف اذ ليس ذلك المقام مقام المضي و الحال و الاستقبال و لا مقام التصرم و الفناء و التجدد و ان كان لايخلو من الفناء و التجدد مخلوق حادث بل كل شي‏ء ماسوي الله هالك فان مضمحل محتاج فقير كمايرشد اليه قوله تعالي بل هم في لبس من خلق جديد الاّ ان فناء تلك الرتبة العالية و تصرمها عين البقاء و الاستقلال بالنسبة الي غيرها كماقال اميرالمؤمنين7 في وصف النبي9 استخلصه في القدم علي ساير الامم اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار الي ان قال7اذ لايختص من يشوبه التغيير و قال ايضاً7 اني لاتقلب في الصور كيف اشاء (شاء الله خ‏ل) و لولا ذلك لقيل انه لم‏يزل و لايزول انتهي و في وصف الله لهم غني عن وصف الواصفين حيث قال في الشجرة المحمدية9 انها لا شرقية و لا غربية اي لا حادثة كساير الحوادث و لا قديمة يكاد زيتها يضي‏ء و لو لم‏تمسسه نار فاين المدة الزمانية و الانتقالات الدهرية هناك فافهم.

و اما الامر الرابع فاعلم ان اللّه سبحانه لما ابي ان‏يجري الاشياء الاّ باسبابها و كلّ شي‏ء بدء من فعله تعالي تحققت له ثلث جهات جهة الي الاعلي و جهة الي الاسفل و جهة متوسطة بينهما و لا شك ان الطفرة لمابطلت يستمد الاسفل بواسطة الاعلي و الاعلي لمانظر الي نفسه و نظر الي امداده للاسفل كان تسعة

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 142 *»

لانه كان واحداً فبالنظر الاول تطور في ثلثة و هي لمانظرت الي نفسها ظهر اول مجذورها و هو التسعة فكانت هي الافلاك المدبرة فصار مبدأ الاكوان عشرة و هي الافلاك التسعة و الارض و مايتعلق بها و هي الوجه الاسفل في نفسه و باعتبار استمداده من الاعلي و امداد الاعلي اياه بالنظر اليه و بايجاد المدد من اللّه عزّوجلّ فيه و لهذا كانت العناصر اربعة و الشي‏ء انما يشي‏ء بقران هذه الاعالي بالاسافل و اتصال الاسافل بالاعالي بنزول الاعالي بتطوراتها الي اعلي مراقي الاسافل فكان اصل مبدأ وجود الشي‏ء من عشر قبضات كماذكرنا لك و تلك القبضات ظهرت في عالم الاجسام بهذه التفاصيل المعروفة من العرش و الكرسي و الافلاك السبعة و لاتكمل هذه المبادي الواقعة علي الارض الميتة و البلد الطيب الاّ بعد تمام اربعة ادوار فالدورة الاولي علي مقتضي نفس السافل البرودة و اليبوسة و هي المسماة بالدورة الجمادية و قدظهرت في عالم الحس و الاجسام علي ذلك المقتضي من غلبة البرودة و اليبوسة كمايشاهد في الجمادات و الدورة الثانية علي مقتضي ميل السافل الي العالي البرودة و الرطوبة و هي المسماة بالدورة النباتية كماهو المعلوم و الدورة الثالثة علي مقتضي ميل العالي الي السافل الحرارة و الرطوبة و هي المسماة بالدورة الحيوانية و الدورة الرابعة علي مقتضي نفس العالي الحرارة و اليبوسة و هي المسماة بالدورة الانسانية ولو اردنا شرح حدود هذه الكلمات لاحتجنا الي بسط المقال و ليس لنا الان ذلك المجال لكنك اعلم ان مرادنا بهذه الطبايع النوع و ان اختلفت الاشخاص فافهم و هذا تمام الاربعين و لماكان لكلّ شي‏ء غيب و شهادة و في كلّ مرتبة تمام هذه المراتب فيكون مراتب وجود كلّ شي‏ء ثمانين فاهل الزمان انتهاء مراتبهم في ثمانين سنة و اهل الدهر في ثمانية الاف سنة و اهل السرمد في ثمانين الف سنة و هو قوله تعالي و ان يوماً عند ربك كالف سنة مماتعدون و محمد و اهل بيته الطاهرون:هم عند اللّه عزّوجلّ فيكون اليوم عندنا الف سنة عندهم و قدقال مولينا الصادق7 في تفسير قوله تعالي

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 143 *»

و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون و يسبحون الليل و النهار و لايفترون قال7 نحن الذين عنده.

و اما الامر الخامس فاعلم ان الاخبار و الايات و اجماع الفرقة المحقة و ان دلّت علي انهم: نور واحد و طينة واحدة و حقيقة واحدة الاّ ان الاخبار دلّت علي تقديم بعضهم لبعض و ذلك يعرف من جهة الافضلية و عدمها اذ لا شك ان النبي9 افضل من علي7 و هو افضل من ابنيهما الطيبين الطاهرين صلّي اللّه عليهما و علي جدهما و ابيهما و امهما و ابناهما (ابنائهما ظ) و هما افضل من باقي الائمة: و قدقال اميرالمؤمنين7 انا عبد من عبيد محمد9 و قال7 تاسعهم قائمهم افضلهم و في رواية اخري اعلمهم افضلهم و معني هذا التقدم كماقال7 انا من محمد كالضوء من الضوء و لا شك ان السراجين من طينة واحدة و حقيقة واحدة الاّ ان الاول مقدم و الثاني قداشتعل منه و اليه الاشارة بمافي الحديث المشهور عن النبي9 في كيفية خلقهم الي ان قال7 كنا نوراً واحداً انتقل من الاصلاب الطاهرة الي الارحام المطهرة حتي انتقلنا الي صلب عبدالمطلب فجعل ذلك النور نصفين فقيل لنصف كن محمداً و للنصف الاخر كن علياً الحديث و لايصحّ العكس بان قيل لنصف كن علياً و للنصف الاخر كن محمداً صلّي اللّه عليهما و الهما و كتقدم العرش علي الكرسي مع انهما حقيقة واحدة الاّ ان العرش اول ماتعلق به الفعل و الكرسي بالعرش و هما بابان من العلم مقرونان و هما اخوان و كتقدم النقطة علي الالف فان الالف انبساط النقطة و ظهورها باطوارها و احوالها و كتقدم المشية علي الارادة و الاختراع علي الابتداع و الكاف علي النور (النون ظ) و المجمل علي المفصل و العقل علي النفس و القلب علي الصدر و بهذا التقدم ادرك مقاماً من التوحيد لايدركه علي7 و بذلك وسع الحق سبحانه كماقال سبحانه في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن و هو9 العبد المؤمن الذي وسع

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 144 *»

قلبه جميع مظاهر الحق و بذلك كان قائماً مقام اللّه كمافي الحديث المتقدم اقامه مقامه في ساير عالمه في الاداء و كون حقيقتهم واحدة لاينافي تقديم بعضهم علي بعض مثل السموات و الارض و حقيقتهما واحدة لانهما انشعبا من البحر المنشعب من الجوهرة و ذلك واضح ظاهر و محصل الكلام ان لهم:مقامان (مقامين ظ) احدهما مقام نسبتهم الي ماسواهم من المخلوقين و كلّهم في هذه النسبة سواء و عليه يحمل الاخبار الدالّة علي ان امرنا واحد و حكمنا واحد و علمنا واحد و ثانيهما مقام نسبتهم الي ربهم في الاجابة و تقدمها و تأخرها و ذلك مختلف فمن تقدم في الاجابة و التلبية كان افضل فكان علمه باللّه اعظم و اشدّ و من تأخر كان اقل بنسبة تأخره ففي معرفة اللّه مختلفون و في معرفة الخلق كلّهم متساوون لانفرق بين احد منهم و نحن له مسلمون و هم سلام اللّه عليهم كلمة التوحيد و كلمة اللّه العليا و قدذكرنا ان الكلمة انما تتم في اربع مراتب الاولي مقام النقطة و هي مقام الحقيقة المحمدية9 و الثانية مقام الالف المنبسطة من النقطة و هي مقام مولانا اميرالمؤمنين7 و الثالثة مقام الحروف العاليات و هي مقام الائمة الاحدعشر: و الرابعة مقام الكلمة التامة الجامعة الحاوية للمراتب كلّها فهي اللبّ و هي قشرها و هي مقام فاطمة الصديقة صلوات اللّه عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها و لذا قال عزّوجلّ حم و الكتاب المبين انا انزلناه في ليلة مباركة انا كنّا منذرين فيها يفرق كلّ امر حكيم فحم هو محمد9 في كتاب هود و الكتاب المبين هو علي اميرالمؤمنين7 و هو انبساط المجمل و انتشار الوحدة و ظهور المفصل انا انزلناه اي علياً7 في ليلة مباركة و هي فاطمة الزهراء3 فيها يفرق كل امر حكيم اي يمتاز كلّ امام حكيم بعد امام حكيم.

و اما السادس فاعلم ان الولاية للّه كماقال عزّوجلّ هنالك الولاية للّه

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 145 *»

 الحق و لماكان ذات اللّه سبحانه لاتباشر الاشياء لتكرمها و قدوسيتها فيكون التعلقات انما هو بالظهورات الفعلية فكلّ من هو اقرب اليه سبحانه بكمال التوجه الكوني و الشرعي هو اولي بهذه الولاية و كلّ من اشتدّ مقامه في القرب من التكويني و التشريعي يكون سرّ ظهور القدس و الجلال و التنزه و الوحدة و البساطة اكثر و اشدّ و ذلك بعينه يستلزم تعاليه و تقدسه عن التعلق بالحوادث الكونية و التأخر عن هذه الرتبة لماظهر فيه سرّ الكينونة مع تراكم اطوار التنزل النوري الانية المسلمة النورانية التي هي حجاب الزبرجد استقرت فيه تلك الظهورات و تحققت به تلك النسمات انظر الي النار فان لها القيومية و التأثير بالنسبة الي اثارها اذا تعلقت بالهواء لم‏يكن لها ظهور ابداً لكمال صفاء الهواء و تنزهها عن الكدورات لم‏يستقر له الظهور فانه فرع الانية و هو قدشابهها فلافرق بينها و بينها كماقال الشاعر:

رقّ الزجاج و رقّت الخمر   فتشاكلا و تشابه الامر
فكأنما خمر و لا قدح   و كأنما قدح و لا خمر

و لماتعلقت هذه النار بالدهن الزيتوني من الشجرة المباركة التي ليست شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيئ ولو لم‏تمسسه نار مع كونها في الزجاجة التي كأنها كوكب درّي و كون الزجاجة في المشكوة يظهر منها ضياء عظيم و اشعة قوية و اثار عجيبة و ذلك لصفاء قابلية الدهن و كثافتها بالنسبة الي الهواء و حفظها اثر النار و لا شك ان النار من دون توسط الهواء لاتتعلق بالدهن فالنار مثال ولاية اللّه سبحانه و الهواء مثال الحقيقة المحمدية9 و الدهن الصافي علي ماوصفه اللّه سبحانه في كتابه مثال الحقيقة العلوية فولاية اللّه هي الربوبية اذ لامربوب لا ذكراً و لا عيناً و ولاية النبي9 هي الربوبية اذ مربوب ذكراً و ولاية علي7 هي الربوبية اذ مربوب عيناً فكان بذلك حامل اللواء فجلال القدرة التي هي الولاية الحقيقية للنبي9 لكنها قدظهرت في علي7كماظهرت الكواكب المدبرات و البروج و المنازل و ساير المبادي في الكرسي دون العرش مع انه

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 146 *»

اعظم فالكرسي حينئذ طائف حول جلال القدرة في عالم الظهور لان الفيوضات الواردة في العالم و المنتشرة في اقطار الارض كلّها من الكرسي و ان كان الكرسي لايستمد الاّ من العرش فمحمد و علي صلّي اللّه عليهما نسبتهما في عالم الباطن نسبة العرش و الكرسي لكن العرش صمت اي لم‏يسمع كلامه احد و الاّ قدنطق بخلاف الكرسي فانه قدنطق و سمع كلامه كلّ احد و لذا تري الناس قدغلوا في علي بين قائل بانه هو اللّه و قائل بانه اشرف من رسول‏اللّه9 و ماغلوا في محمد9 اذ لم‏يظهر منه ماظهر من علي7 من المعجزات و خوارق العادات و اظهار تلك الخطب التي تذهل عندها العقول مثل خطبة الافتخار و خطبة البيان و الخطبة الطتنجية و حديث طارق و امثالها مع ان ماظهر من علي7 انما كان من محمد9 و لولا ان علياً7 قال انا عبد من عبيد محمد9 و لولا انه7 اظهر له9 من الخضوع و الانكسار و التذلل و لولا ماقال انا من محمد9 كالضوء من الضوء لم‏يعرف الخلق محمداً9 و لم‏يشكّوا بان علياً7 افضل منه9 بل لايجدون بينهما نسبة كما ان الكرسي فلك الثوابت و افلاك الكواكب السيارة لو لم‏تتحرك بخلاف التوالي و لم‏تتبع العرش في حركاته و لم‏تظهر له الانكسار و الخضوع بمتابعتها اياه علي خلاف مجراها و اظهار عجزها عن الانفراد عنه لم‏يعرف احد ان الفلك الاعظم هو العرش و ان هنا فلكاً يحيط بهذه الافلاك الثمانية يدبرها و يسخرها فظهر في جلال القدرة اميرالمؤمنين7 و حمل ولاية اللّه الظاهرة للخلق بمحمد9 فسمّي علياً لانه اسم تلك المرتبة و لذا كان ذكر السجدة التي تحكي (تجلي خ‏ل) تلك الرتبة سبحان ربي الاعلي فباطنهما صلّي اللّه عليهما كمامثلنا لك مثل العرش و الكرسي و ظاهرهما في عالم الظهور مثل الشمس و القمر فالشمس تستمدّ من الكرسي و لذا كانت لا عرض لها لان فلكها الخارج المركز في سطح منطقة البروج و لم‏يفارقها و القمر يستمدّ من الشمس //فالنبوة الظاهرة

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 147 *»

تستمد من الولاية الظاهرة في الخلق كما ان الولاية الظاهرة التي هي الباطنة تستمد من النبوة الباطنة و الامامة الظاهرة من النبوة الظاهرة فعلي7 في مقام الظهور جري عليه حكم البطون و محمد9 جري عليه حكم الظهور و هو ابطن البطون و اغيب الغيوب.

و اياك و اسم العامرية انني   اخاف عليها من فم المتكلم

و لي في هذا المقام كلمات غريبة و اسرار عجيبة لم‏تذكر في كتاب و لم‏تجر في خطاب و قدذكرت شرذمة ممايمكن اظهاره في هذه الباب في شرح الخطبة و من اراد الاستنباط فعليه بتهذيب مسالك تلك القواعد فانها منتهي المطلب.

و اما السابع فاعلم ان هذا التفاوت ثابت في كلّ من ثبتت له الفضيلة بالنسبة الي غيره و هم سبعة اولهم محمد9 ثم علي7 لانه خير الخلق لقوله9 الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة فاثبت لهما الفضيلة علي كلّ الخلق لان اهل الجنة خير من اهل النار و كلّ ما في الجنة شباب اذ ليس فيها كهل فسيدهم خيرهم ثم استثني علياً7 فقال و ابوهما خير منهما ثم الحسن7 كمافي الدعاء العديلة المنسوب الي اميرالمؤمنين7 ثم من بعده سيد اولاده الحسن بن علي ثم اخوه السبط الدعاء ثم الحسين7 لانه سيد شباب اهل الجنة ثم القائم المنتظر عجّل اللّه فرجه لقوله9قائمهم افضلهم اعلمهم ثم من بعده الائمة الثمانية صلّي اللّه عليهم اذ لم‏يتبين لنا من الاخبار مايدلّ علي فضيلة بعضهم علي بعض و ليس لنا ذلك المقام حتي ندرك التفاضل بينهم بعقولنا و احلامنا فنرجع الي تساويهم في الرتبة ثم من بعدهم الزهراء الصديقة صلّي اللّه عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها لان الرجال في كل رتبة اشرف من النساء فيها و هؤلاء يحتمل ان‏يكون هذا التفاوت ثابتاً بينهم بل لابد ان‏يكون كذلك اذ كلّ واحد من الاخر كما علي عن محمد9 اشهد ان انواركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض و علي من يفهم الكلام السلام.

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 148 *»

المسألة الثالثة: في شرح احاديث الطينة.

اقــول: ان احاديث الطينة مختلفة متشتتة من جهة المضمون و الدلالة و اني اورد في هذا المقام اصعب الاحاديث و اغمضها في هذا الباب و اشير الي بعض بيانها لتبيين المقصود روي الصدوق باسناده الي اسحق القمي عن ابي‏جعفر الباقر7 حديثاً طويلاً يقول فيه لمّاكان اللّه متفرداً بالوحدانية ابتدأ الاشياء لا من شي‏ء فاجري الماء العذب علي ارض طيبة طاهرة سبعة ايام مع لياليها ثم نضب الماء عنها فقبض قبضة من صفاء ذلك الطين و هي طينة اهل‏البيت: ثم قبض قبضة من اسفل تلك الطينة و هي طينة شيعتنا ثم اصطفانا لنفسه فلو ان طينة شيعتنا تركت كماتركت لمازني احد منهم و لا سرق و لا لاط و لا شرب مسكراً و لا ارتكب شيئاً مماذكرت ولكن اللّه عزّوجلّ اجري الماء المالح علي ارض ملعونة سبعة ايام و لياليها ثم نضب الماء عنها ثم قبض قبضة و هي طينة ملعونة من حمأ مسنون و هي طينة خبال و هي طينة اعدائنا فلو ان اللّه عزّوجلّ ترك طينتهم كمااخذها لم‏تروهم في خلق الادميين و لم‏يقرّوا بالشهادتين و لم‏يصوموا و لم‏يصلّوا و لم‏يزكّوا و لم‏يحجّوا البيت و لم‏تر واحداً منهم بحسن خلق ولكن اللّه تبارك و تعالي جمع الطينتين طينتكم و طينتهم فخلطهما و عركهما عرك الاديم و مزجهما بالمائين فمارأيت من اخيك المؤمن من شر لواط او زناء او شي‏ء مماذكرت من شرب مسكر او غيره فليس من جوهريته و لا من ايمانه و انما هو بمسحة الناصب اجترح هذه السيئات التي ذكرت و مارأيت من الناصب من حسن وجهه و حسن خلق او صوم او صلوة او حج بيت اللّه او صدقة او معروف فليس من جوهريته و انما ذلك الافاعيل من مسحة الايمان اكتسبها و هو اكتساب مسحة الايمان اقول هذه المسألة فيها سرّ اياك نعبد و اياك نستعين و هي تفضي الي سرّ

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 149 *»

القضاء و القدر و قداصرّ ائمتنا: في صعوبة هذه المسألة مما لا مزيد عليه و السبب ان العقل يقصر عن فهم ادراكها علي الحقيقة لان العقل اول زوج تركب من الوجود المقيد فادراكه بعد تحققه و تحققه بعد تركيبه و تركيبه انما كان بالقضاء و القدر فاني له و ادراك ماهو وراء ذاته نعم من شتّت جمعه و تركيبه و نثر نظمه و تأليفه و وقف في مقام البساطة الامكانية و نظر بعين اللّه و تكلّم بلسان اللّه فهو ممن يعرف هذا الكلام و يطلع علي هذا النظام و علامته ان‏يدع عنه المفاهيم المنطقية و التصورات الذهنية و المقدمات الجدلية و الخطابيات الاستحسانية و القياسات البرهانية لانها كلّها مماهو تحت العقل و ينظر الي العالي بعين نظره الي الداني و الي البعيد بعين نظره الي القريب و الي المجتمع بعين المتفرق و الي المتفرق بعين المجتمع و يجمع بين المتخالفات و يفرق بين المؤتلفات المجتمعات و يعرف المراد من العبارة من غير اقتصاره علي العبارة و يصل الي التلويحات من غير الاشارة و يميز بين ادراك العقل و الفؤاد فهو ممن يفهم المراد و اما من سوي ذلك فليس له الي فهم هذه الدقايق سبيل و لايسوغ له التكلم فيها اذ المطلوب منهم ان‏يعتقدوا ان اللّه حكيم لايجور و لايظلم و لا استغناء للخلق عنه تعالي في حال من الاحوال فكلّ افعاله تعالي مبنية علي وفق الحكمة و المصلحة و لايسأل عمايفعل لانه لايفعل الاّ الاحسن و هم يسألون و لايجوز لهم ان‏يتوغلوا في اصل هذه المسائل و منشأها و مبدأها و الفقير احببت ان‏تأتيني هذه المسائل في غير هذا الوقت لاتفرغ لها و ابسط المقال بتقديم بعض المقدمات و تكثير الامثال و الايات فاذا كثرت الشواهد و الامثال و كرّر البيان يرجي فهم المراد و ان كان صعباً علي الافهام ولكن الان جناب السائل وفقه اللّه ضايقني و الحّ علي تعجيل الجواب كتبت علي قدر المقدور و اختصر في العبارة و اقتصر علي الاشارة.

اعلم ان اللّه سبحانه يقول انما امره اذا اراد شيئاً ان‏يقول له كن فيكون هذا في الخلق التكويني و ضمير الخطاب في كن الي من يرجع و الضمير الفاعل في فيكون الي من يرجع ان قلت يرجع الي اللّه فقداخطأت ضرورة انه لايرجع اليه

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 150 *»

و ان قلت الي المخلوق و لم‏يكن قبل و ان قلت كان مستجناً في غيب الهوية كمازعمه طائفة فيلزم مايلزم من الكفر كماقرّرنا في كثير من مباحثاتنا فان قلت ان هذا الكلام بظاهره لايراد قلت هل عبر اللّه تعالي عن هذا المطلب بتعبير غير هذا التعبير /من الذي يوافق المراد واحد من الائمة: او اخبر اللّه و رسوله9 ان ظاهر هذه الكلمات لايراد و لم‏يمكننا التعبير بغيرها فعبرنا بها ولو فرضنا ان هذا التعبير مايراد بظاهره هل يمكنك ان‏تتعقل غير هذا ألست تقول انه هو و تشير الي المخلوق و تغفل عن الخالق فلو كان المفعول في كل احواله مستنداً الي اللّه سبحانه لمادلّ ابداً الاّ علي اللّه لان الفرع دائماً يدلّ علي الاصل ولو احتجب الاصل به في حال من الاحوال لم‏يكن في ذلك الوقت و تلك الحالة فرعاً و انما هو اصل و ان كان بالادعاء و هذا لا شك فيه و حقيقة الامر ان الايجاد لايتحقق بدون الانوجاد كما ان الكسر لايكون الاّ بالانكسار و المراد بالانوجاد هو الانية التي بها يكون الشي‏ء هو فان الاشياء من حيث صدورها عنه تعالي صدرت كعموم قدرته تعالي من غير تقييد و تحديد بجهة (لجهة خ‏ل) من الجهات فلايقال للشي‏ء حينئذ هو و لايقال خلق و لا حادث لانه صرف الظهور و حقيقة النور فلايقال الاّ اللّه وحده لا شريك له و بالانية تحققت الشيئية و لذا يقال لها ماهية لانها مابه الشي‏ء هو هو و هذه الانية التي هي القابلية التي هي الماهية هي جهة الاختلاف لانه هو المفروض و لمانظرنا الي الاختلافات الواقعة في الوجود رأينا كلّها منسوبة الي الصورة بعد ماوجدنا ان كلّ شي‏ء مركب من المادة و الصورة و لماتتبعنا الصور و دققنا فيها النظر وجدنا انها اعراض اصلية لا قوام لها الاّ بالمادة و لماتفحصنا عن حقيقة الصورة وجدناها غير خالية عن الحدود الستة التي هي الزمان و المكان و الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و وجدنا ان هذه الستة ليست بسايط لاتقبل القسمة بوجه كالمادة و انما هي متجددة سيالة متعددة متداخلة و وجدنا ان المادة تظهر في كلّ مقام عند المتعدد و المختلف علي حسبه و لمانظرنا الي تلك الحدود وجدنا ان لا استقلال لها الاّ بالمادة و هي لا

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 151 *»

استقلال لها الاّ بفعله تعالي و مشيته فالمادة (و المادة خ‏ل) من حيث هي تصلح للسعادة و الشقاوة و الحدود الخارجية التي هي الزمان و المكان و غيرهما مماذكرنا اسباب لظهور تلك المادة علي نهج السعادة و الشقاوة مثلاً لمّا خلق اللّه سبحانه الخلق الاول فلا شك ان له زماناً و مكاناً و رتبة فظهر ذلك النور علي مقتضي تلك الحدود باللّه سبحانه و في الزمان الثاني و في المكان الثاني و الجهة الاخري يقتضي ظهور ذلك النور بطور اخر كماهو المحسوس المشاهد و تلك الحدود المقترنة بتلك المادة هي الطينة و بعبارة اخري ان اللّه سبحانه خلق الخلق بفعله فتحقق شيئان فعل و مفعول و الفعل له ارتباط بالمفعول و المفعول له ارتباط بالفعل فتحققت اربعة اشياء و لما ان اللّه سبحانه لايحبّ ان‏يجبر العباد و ان‏يخلق علي جهة الظلم و لمااراد ان‏يخلق الخلق لابد ان‏يفرق بين المفعول و الفعل و لمافرق بينهما لابد ان‏يعرف الفعل المفعول و المفعول الفعل و هذا التعريف يستدعي ان‏يخلق فيهما شي‏ء يرتبط به احدهما بالاخر فخلق اربعة اشياء فعل و مفعول و ارتباط الفعل بالمفعول و ارتباط المفعول بالفعل فخلق لانتظام وجود هذه الاربعة اربعة اخري و هي الطبايع الاربع فخلق من الفعل الحرارة و اليبوسة لان الفعل اشرف لكون انتسابه اليه تعالي اكثر من انتساب المخلوق المفعول به لان انتساب المفعول بالفعل و قديحتجب الفاعل بالمفعول بخلاف الفعل فالحكمة تقتضي ان‏يخلق الحرارة التي هي اشرف من الفعل و خلق الحرارة و الرطوبة من ارتباط الفعل بالمفعول اما الحرارة فلانتسابه الي الفعل و اما الرطوبة فلميل الفعل المقتضي للسيلان و الرطوبة و خلق من المفعول البرودة و اليبوسة لانه محل وقوف الفعل و هو سكون المكون و هو منشأ البرودة و لحفظه فعل الفاعل و اثره و خلق من ارتباط المفعول بالفعل البرودة و الرطوبة اما البرودة فلانتسابه الي المفعول و اما الرطوبة فلمكان الميل فاذا لوحظت هذه الاربعة في تلك الستة ظهرت اربعة و عشرون و علي نهجها دارت ساعات الليل و النهار و هي اصول العوالم و باقي المراتب و العوالم خلقها اللّه سبحانه باقتران هذه الجهات

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 152 *»

بعضها مع بعض فاذا ظهر ذلك النور الواحد الساري في هذه الحدود و اقترن بها بتقدير من اللّه عزّوجلّ فيحدث اللّه سبحانه بمقتضي ذلك القران خيراً من الخيرات او شرّاً من الشرور و بقران ذلك النور بذلك الليل الديجور حدث الاختيار العامّ ان كان القران العامّ و هو صلوح تصور ذلك الامر الواحد بالصور المختلفة من صور السعادة و الشقاوة و ذلك الاختيار العام يترجح بالاسباب الخارجية من القرانات القريبة و المؤالفة و المناسبة و المخالفة و المباينة و امثالها من الاحوال و الاوضاع و الجهات و التعلقات فظهر لك ان الخلق خلقان الخلق الاوّل و الخلق الثاني ففي الخلق الاول خلق اللّه سبحانه مواداً صالحة شاعرة قابلة للسعادة و الشقاوة فكلّفها سبحانه بمقتضي علمه بهم لماسألوه ان‏يسألهم باختيارهم فسألهم بلسان حقايقهم و كينوناتهم ألست بربكم قالوا بلي كل واحد علي حسب ماعنده من المرجحات من انحاء القرانات و الاوضاع فمن قال بلي مصدقاً فهي القابلية الطيبة و هي الارض الطيبة و الماء العذب المذكور في الحديث السابق هو ذلك النور المطلق المفاض من اشراق صبح الازل و جريان ذلك الماء علي تلك الارض تعلق النور اي الوجود بتلك القابلية الطيبة و الايام السبعة هي يوم المادة و يوم الصورة و يوم اقتران المادة بالصورة و يوم اقتران الصورة بالمادة و يوم الاتصال و يوم الحكم و الاتمام و يوم التأثير و الاظهار مشروح‏العلل مبين‏الاسباب و هي يوم الاحد و يوم الاثنين و يوم الثلثاء و يوم الاربعاء و يوم الخميس و يوم الجمعة و يوم السبت فلماتمّت هذه الطينة الطيبة في الايام السبعة من ايام الشأن خلق اللّه سبحانه من صفائها طينة اهل‏البيت: و هذا يحتمل وجوهاً كثيرة كلّها مرادة للامام7 و اني اكتم بعضها و اذكر البعض الاخر و هو ان الامام7 قدقال بلي و لم‏يكن خلق ابداً غيرهم و ليس معهم: غيرهم و الان علي ماهي عليه كان فلماوجدوا و ظهر ذلك النور في اول الحدود و تحدّد بحدود الموافقة استنارت تلك الطينة بنور الكينونة و ظهر فيها سرّ الربوبية تشعشعت منها الانوار و ظهرت عنها تلك الاثار و تلك الانوار و الاثار

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 153 *»

المحدودة بحدود الاقبال هي حقايق طينة شيعتهم: و هو معني قول الامام7 في الحديث المتقدم ثم قبض قبضة من اسفل تلك الطينة و الاسفل هو الاثر كما ان اللّه سبحانه خلق قيامك و قعودك بك و لم‏يكونا شيئاً في رتبة ذاتك و لا احد يعترض ان اللّه سبحانه لم خلق القيام بعد الشخص لانه لايساوي الشخص و لايذكر معه حتي يطلب الترجيح فاذا قلت لك من في البيت تقول زيد و لاتقول زيد و قعوده و سواه من اكله و شربه و نومه و يقظته و كذلك نسبة غير ال‏محمد سلام اللّه عليهم اليهم نسبة قيامك اليك فافهم و كن به ضنيناً.

قوله7 في الحديث المتقدم فلو ان طينة شيعتنا تركت كما تركت طينتنا يريد7ان تلك الطينة شعاع لطينتهم النازلة الي رتبة اجسامهم و هم: و ان كانت حدود انيتهم مصفاة من كلّ (تلك خ‏ل) الكدورات ولكنها زبرجدي اللون فاذا تنزلت بشعاعها كانت الظلمة في شعاعها امكن منها فيها ولو كان علي صفاء الاصل كانت اياه و لم‏تكن اثراً هذا خلف و لذا ماتركت طينة الشيعة و ذلك الخلط علي حقيقة ماهم اهله الاّ ان الخلط فيها عرضي لا ذاتي و لذا يتفق بعض الشيعة لايعصون كمالم‏يعص الانبياء و كان يحصل منهم ترك الاولي و كذلك بعض من نزل في الرتبة الثانية و لماكانت تلك الطينة هي شعاع الطينة الطيبة الاصلية كانت بذاتها لاتقتضي ما لاتجانسها لكمال المناقضة فان المانع لايكون مقتضياً لماهو المانع عنه كماهو المعروف الظاهر لمن له ادني دراية في العلم فافهم.

و قوله7 ولكن اللّه عزّوجلّ اجري الماء المالح علي ارض ملعونة الخ هذا الكلام علي مذاق العارفين هو ان الماء واحد الاّ ان ملوحته من جهة وقوعه علي الارض الملعونة كما في قول الشاعر:

اري الاحسان عند الحرّ ديناً   و عند النذل منقصة و ذماً
كقطر الماء في الاصداف درّ   و في فمّ الافاعي صار سماً

و عندي هذا الكلام ليس علي تمام الحكمة بل هذا الماء ظلّ ذلك الماء العذب و هو ظلّه كظلّ الشمس لنور الشمس فان الظلّ قدصعـد من السجين كما ان النور قدنزل من العليين و ذلك في الخلق الثاني فمن انكر بقابلية المتحصلة من الحدود

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 154 *»

المذكورة بالمرجحات الخارجية و قال بلي بلسانه و قلبه منكر مستهزئ خلقه اللّه سبحانه في الخلق الثاني من هذا الماء الجاري علي الارض الملعونة التي هي قابلية الانكار و طينة الاشرار و ذلك الجريان كان في سبعة ايام بلياليها و هي يوم الشقاوة و يوم الالحاد و يوم الطغيان و يوم الشهوة و يوم الطبع و يوم العادات و يوم الممات و هي يوم الاحد و الاثنين و الثلثاء و الاربعاء و الخميس و الجمعة و السبت في الظل المنكوس و المؤلفة من هذا الماء و الارض المسقاة في السبعة الايام المذكورة هي طينة خبال جهنم و هي طينة الاعداء و ذوات الاشقياء و هي طينة لاتقتضي الصورة الانسانية و لا ماتقتضيه تلك الصورة الطيبة لكمال المناقضة و المنافرة بين الاقتضائين في الحقيقة ولكن اللّه عزّوجلّ لما امر العقل بالادبار فاخذ ينزل في المراتب السفلية و امر الجهل بالادبار فاخذ يصعد فالتقيا في التراب حين نزول العقل و صعود الجهل ثم امر اللّه سبحانه العقل بالاقبال فاخذ يصعد و امر الجهل بالاقبال فاخذ ينزل فالتقيا في هذه الدنيا و هنا حصل اللطخ بينهما و المناسبة العرضية جرّت احد الطرفين الي الميل الي الاخر و اما المعصومون: فقدبقوا علي ماهم عليه من كمال المنافرة و عدم الميل و اما المنافقون من المعاندين فهم و ان كانوا علي كمال المنافرة لكنهم دخلوا بطن الحية باعانة الطاوس ليدخلوا الجنة و يخرجوا ادم و ذريته منها و الجنة هي الصورة الانسانية و المرتبة الانسانية فانها هي الجنة حقيقة و ماتجد يوم القيمة كلّه ظهور نور هذه الصورة الطيبة و الطاوس هي العناصر الاربعة المشتملة علي الالوان المختلفة و الحية هي الحيوة الوارد علي هذه العناصر من جوزهر القمر و الجوزهر هي الحية التي لها رأس و ذنب فتصوروا بهذه الصورة بالعرض ليتمكنوا من اغواء الشيعة الذين اصلهم الجنة و خلقوا فيها و لها نعم ذلك يستلزم خروجهم من الجنة الاّ انهم سيعودون اليها و يتوبون عمااقترفوا باغواء اولئك الطغاة البغاة و خروجهم منها عند عصيانهم و رجوعهم اليها

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 155 *»

اذا تابوا عنها و هو قوله عزّوجلّ و اما الذين اتقوا اذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون و اخوانهم يمدونهم في الغي ثم لايقصرون و حكم شيعة هؤلاء الاعداء ضدّ حكم شيعة الائمة: حرفاً بحرف كماذكرنا فقايس حكمهم علي حكمهم المذكور و هنا مقامات عجيبة و اسرار غريبة طويت ذكرها لكمال الاستعجال و بلبال البال و قدذكرت فيه مايكفي للمؤمن المنصف اذا خرج عن حدّ التقليد و ايّده التسديد.

المسألة الرابعة: في بيان سرّ الامر بين الامرين.

اقــول: قدتقدّم فيمامضي مايشير الي هذا المعني و هذه المسألة لماكانت فوق العقول و الاحلام (الافهام خ‏ل) اذا صرحنا بالامر يفهم منه خلاف المرام ولكنّك اذا اتقنت (تيقّنت خ‏ل) ماتقدم من سرّ كن فيكون من ان كن هو الوجود و هو امر اللّه الكوني و فيكون هو كن مع زيادة الواو التي هي ايام الستة و الحدود الستة المذكورة و تلك الحدود انما وجدت مساوقة لذلك الامر بحيث ماتحقق امر كن الاّ بيكون و ماتحقق يكون الاّ بكن لان تلك الحدود اوجدها اللّه سبحانه بمقتضي الوجود الذي هو الامر اي امر كن([1]) و الوجود اقتضي ذلك بماجعله اللّه سبحانه فيه و انما جعله اللّه كذلك ليخلقه علي ماهو عليه و ليكون الاثر اثراً و المؤثر مؤثراً فاقتضي الوجود الحدود و اقتضت الحدود الشهود و الوجود في الحدود اقتضي من اللّه سبحانه الحكم الخاص و ذلك الحكم موكول و متعلق بمشية اللّه سبحانه و ارادته و قدره و قضائه و اذنه و اجله و كتابه فالمشية للوجود و الارادة للحدود و القدر للنسب و القضاء للاتصال و الاذن للتحقق و رفع الموانع و الاجل للحد المنتهي اليه و الكتاب للحفظ عن الدثور و الفناء و هو قوله تعالي قدعلمنا ماتنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ فلولا فعل اللّه سبحانه لماتحقق الوجود و هو الامر و القدر المفعولي (المفعول خ‏ل) في كلام علي بن الحسين8 ان القدر في افعال العباد كالروح في الجسد فلولا الروح لم‏يكن للجسد حراك و لولا الجسد لم‏تظهر للروح اثار انتهي و ذلك القدر هو الوجود امر اللّه الذي به قامت

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 156 *»

السموات و الارضون و صلح به الاولون و الاخرون فلولاه لم‏يكن الحدود و لولا الحدود لم‏يظهر الوجود بل لم‏يوجد و لولا اقتران الوجود بالحدود لم‏يختلف حكم من الاحكام ولو لم‏يحفظ الحق سبحانه كلّ هذه المذكورات كلّ شي‏ء في مكانه و حاله علي ماهو عليه لفسدت و بطلت و عدمت و اضمحلت و لولا انه سبحانه يفعل بهذه الامور لانتفت حكمته و لم‏تظهر معدلته بل ماكان يمكن الايجاد علي مانعرفه فاللّه الحافظ و العبد الفاعل و الجنة و النار المأوي و كمااوجد سبحانه ذوات الاشياء بالاشياء كذلك اوجد افعالها بها لا فرق في الحالين و امره سبحانه كماذكر انما امره اذا اراد شيئاً ان‏يقول له كن فيكون و هذا السرّ هو الجاري في كلّ ذرة من الذرات من الافعال و الصفات و الذوات لان امره واحد و حكمه واحد و فقر الخلق الي اللّه سبحانه علي نمط واحد و لايقوم الخلق من غير المدد في ان واحد انظر الي المرءاة اي نفس الصورة فانها لاتقوم الاّ بك و لاتتحقق الاّ بتجليك و ظهورك لكنها لاتجري دائماً علي ماتحبّ و تلك الامور الباعثة علي عدم جريانها علي ماتحبّ لاتتوهم انها امور ثابتة من غير المرءاة و لاتتوهم ان ثبوتها كان بغيرك اذ لا غيرك و لاتتوهم ان ثبوتها بك انما هو بقصدك الاولي الذاتي فان ما منك اولاً و بالذات هو نفس التجلي و الاشراق و ذلك التجلي من حيث الحدود المتحققة عند التجلي (المتجلي خ‏ل) المتقومة به اختلف حكمه بالنسبة اليك فباقي الحدود من نور التجلي فهو لك و اليك و مافيها من نفسها من جهة الاختلاف بك و ليس اليك و ان كان الامران لايشذان عنك و مابه الاختلاف و هو الحدود الستة التي هي الزمان و المكان و الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و ليست هذه الامور متحققة قبل ظهورك و تجليك و انما هي امور و حدود ذاتية للشي‏ء و عرضية للنور احدثتها به حين وجودها بطلبه فكانت المرءاة بذلك معوجة و مستقيمة و حاكية لك علي ماهو الواقع كماتحبّ و حاكية لك بخلاف ماهو الواقع كماتبغض و هي تتحرك بتلك الاحوال التي لا قوام لها الاّ بك و انت ساكن فانت الحافظ في كلّ احوالها و اوضاعها عند موافقتها لك و

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 157 *»

مخالفتها معك فانت اولي بالنور و الاستقامة و الاعتدال الثابت فيها منها لان النور و الاعتدال صفتك و منك و اليك و ان كان لم‏يظهر الاّ في تلك الحدود فلها المدخلية في الظهور و الثبوت و هي اولي بالاعوجاج و الظلمة و عدم الاستقامة منك و ان كان لايمكن ثبوتها باطوارها الاّ بك فانت في الحالتين تمدّها اما بالاستقامة و النور و اما بالاعوجاج و الظلمة و هو قوله تعالي كلاًّ نمدّ هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظوراً و قوله تعالي في الحديث القدسي يا ابن ادم بنعمتي قويت علي معصيتي الي ان قال و ذلك انّي اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك مني و لايمكن ظهور فعل من الافعال و اثر من الاثار الاّ بمشيتك الظاهرة بنور تجليك في حقيقتها في احوالها كلّها و هو قوله تعالي و ماتشاءون الاّ ان‏يشاء اللّه و قوله تعالي ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان‏يسبقونا ساء مايحكمون و المرءاة هي نفس الصورة لا الزجاجة فاذن ظهر حقيقة المقال في قوله7 لايكون شي‏ء في الارض و لا في السماء الاّ بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقدكفـر و في رواية اخري فقد اشرك فافهم و ابن امرك عليه و استعن باللّه في فهمه و لاتنظر الي المفاهيم الذهنية و انظر في الايات و الامثال الوجودية فانك لن‏تجد ذرة من الذرات الاّ و قدوجـد بسرّ الامر بين الامرين ولو لم‏اخف من الجهال لبينت صريح المقال في توحيد الافعال ولكن الامور مرهونة باوقاتها قال اميرالمؤمنين في الشعر المنسوب‏اليه:

و في الصدر لبانات   اذا ضاق لها صدري
نكتّ الارض بالكف   و ابديت لها سرّي
فمهما تنبت الارض   فذاك النبت من بذري

المسألة الخامسة: في الاشارة الي حقيقة المعاد و حشر الارواح و الاجساد.

اقــول: قال اللّه سبحانه كمابدأكم تعودون و اذا جعلنا ما في كما مصدرية

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 158 *»

يكون المعني كبدءكم تعودون و اذا جعلنا المشبه عين المشبه‏به في القرءان و الاخبار كماذهب اليه العارفون المحققون يكون المعني بدؤكم عودكم.

اعلم ان اللّه سبحانه كامل علي الاطلاق فيجب ان‏يجري فعله علي الكمال علي الاطلاق ممايناسب رتبة الامكان و لماكان ظهور (ظهوره خ‏ل) فعله بمفعوله وجب ان‏يكون مفعوله كاملاً علي الاطلاق و الكمال علي الاطلاق ان‏يكون جامعاً مملكاً ليكون حاكياً لكمال تملكه سبحانه و جامعيته لجميع مراتب الكمال و لايكون كذلك الاّ ان‏يكون حاوياً لجميع المراتب و جامعاً لجميع المقامات حيث امتنعت له رتبة القدم حتي يشمل الكلّ بلا كيف و لا جهة فلما صحّ فيه التركيب فيشغله جهة عن الاخري فلايكمل الاّ باجتماع المراتب فيه و الجهات عنده و لماكانت الادوات انما تحدّ انفسها و الالات انما تشير الي نظائرها فلايمكن ادراك عالم الاّ بوجود نوع ذلك العالم فيه و من هذه الجهة اقتضت حكمة الحكيم جلّ‏شأنه ان‏يكون في كلّ شي‏ء معني كلّ شي‏ء و لماكانت المراتب متفاوتة في النزول في القرب و البعد و الشرافة و الكثافة و التجرد و المادية و الخفاء و الظهور و لماكان المخلوق في الخلق الاول في اشرف المواضع و اجلي الفسحات و كان ذلك وجهاً واحداً اقتضت الحكمة ان‏ينزله الي المقامات السافلة ليأخذ نصيبه منها و يعود و هو يحكي جلال الربوبية و هيمنة الالوهية حتي يعود فعله سبحانه و خلقه علي احسن الاطوار و اشرف الاحوال لتنادي السنة الكينونات بكلّ الجهات تبارك اللّه احسن الخالقين فلذا لماخلق اللّه سبحانه ذلك النور الرباني و السرّ الصمداني و النقش الفهواني و الخطاب الشفاهي امره بالادبار فادبر و دخل بلد الهوية و منه سافر الي بلد الالوهية و منه الي مأوي الاسماء الكلية و منه الي مسكن الصفات النوعية و الشخصية و منه الي معدن المعاني اي معاني الصفات كالجلال و الجمال و الكبرياء و منه الي مقرّ اهل المحبة و اصحاب الذوق و المودة و منه الي مقام دليل اهل الحكمة و ينبوع الاسرار الذوقية و منه الي مقام قاب قوسين و منه الي رتبة العقل المرتفع ثم منه الي المستوي ثم منه الي المنخفض ثم منه

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 159 *»

الي مقام السدرة المنتهي و تغرد علي اغصانها باوراقها اذ يغشي السدرة مايغشي ثم منه الي مقام الروح ارض الزعفران ثم منه الي شجرة طوبي ثم منه الي الجنة العليا ثم الي الرفرف الاخضر و منه الي مقام النفس و محل الانس و رتبة الايتلاف و هيهنا مبدأ الذر الاول و الثاني و الثالث و هناك محل الاختلاف ثم الي مقام الطبيعة الكثيب الاحمر ثم الي رتبة الهيولي و المواد الجسمانية ثم الي عالم المثال و جنة هورقليا و جابلقا و جابلصا ثم الي العرش محدب محدد الجهات ثم الي مقعره ثم الي فلك الكرسي ثم الي فلك البروج ثم الي فلك المنازل ثم الي فلك زحل ثم الي فلك المشتري ثم الي فلك المريخ ثم الي فلك الشمس ثم الي فلك الزهرة ثم الي فلك عطارد ثم الي فلك القمر و اما الذي عندنا ثم من فلك المنازل الي فلك الشمس ثم منه الي زحل و القمر ثم منه الي المشتري و عطارد ثم منه الي المريخ و الزهرة ثم منه الي كرة النار ثم منه الي كرة الهواء ثم منه الي كرة الماء ثم منه الي كرة الارض بمراتبها الثلث و هذا نهاية الادبار و لماكان مقام الادبار عن النور فلا شك ان مقام التنزل يورث الظلمة و هي تحدث البرودة و اليبوسة و ضعف بها الحرارة و الرطوبة شيئاً فشيئاً الي ان‏تغلب البرودة و اليبوسة فتخفي المراتب كلّها في التراب و تموت فيه و لذا كان الاسم المربي لهذا العالم اسم اللّه المميت و لماكان سرّ التنزل كون الشي‏ء جامعاً مملكاً من جهة اظهار الاسماء و الصفات و العظمة و الكبرياء و ذلك لايمكن الاّ بهذه الاطوار و الاّ اما ان‏يكون السافل عالياً و العالي سافلاً او يكون الممكن بسيطاً و كلاهما محالان او لم‏يكن شي‏ء فيه معني كلّ شي‏ء و قداقمنا براهين قطعية علي بطلان هذه الشقوق كلها في محلها فلما تحققت المراتب و غلبت الكثرات و خفي ذلك النور اراد اللّه سبحانه امضاء مااراد و اظهار مااحكم و ابرام مااتقن امره بالاقبال و لماكان سبب التنزل اثبات المراتب فيجب ان لايكون الصعود علي طريق النزول و الاّ لكان النزول خالياً عن الثمرة اذ بصعوده كل مرتبة يعدم /في (زائد خ‏ل) مرتبة الي ان‏يعود الي ماكان و لم‏يترتب ثمرة علي ماكان فوجب ان‏يصعد بحيث تكون المراتب

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 160 *»

كلّها محفوظة و يعود كلّ مرتبة الي صفائها (صفاتها خ‏ل) الاصلية فاخذ في الصعود بمايحفظ به المقامات فاول صعوده كان في مقام الجماد و المراتب كلّها مجتمعة فيه غيرمتميزة بل متهيئة للظهور بالقوة البعيدة ثم ترقي الي مقام النبات باسباب حركات الافلاك و تعاقب الليل و النهار و وقوع اشعة الكواكب و نضجه بالحرارة المعتدلة و الرطوبة السائلة و البرودة الحافظة ولو اردنا ان‏نشرح كيفيتها لطال بنا الكلام ففي هذه المرتبة ظهرت العناصر الاربعة التي كانت كامنة مستجنة فيه باثارها فالحرارة و الرطوبة التي هي الهواء مالت به الي النضج و الهضم و التعفين و التقطير و البرودة و الرطوبة التي هي الماء مالت به الي دفع الغرائب و الاعراض و الفضلات فالماء يدفع الفضلات الغريبة و النار لطفت الاجزاء و صعدت بها الي الاعلي و الهواء دبر الاجزاء و ناسب بين احوالها الي ان جعلها صالحة للغذاء و ان‏يكون جزء للبدن و الارض حفظت الاجزاء و ماسكتها عن الاضمحلال و الدثور و بهذه الاسباب وجد النبات و ظهرت العناصر معلنة باثارها و بقيت المراتب الاخر في مقام الخفاء و الاستجنان ثم بعد النضج الاخر صعد الي مقام الحيوان و اعتدلت الطبايع و نضج البدن حتي شابه جوهر جوزهر القمر ظهر سرّ الحيوة و ظهرت فيه ماكان كامناً و مستجناً فيه من قوي الافلاك و الكواكب و السيارات و الثوابت و العرش و الكرسي ثم صلح البدن بكثرة النضج و الطبخ في بطن الامّ الي ان خرج منها و قوي التأثير بتدبير الشمس و القمر بمعونة الحرارة الغريزية و عمل الملائكة المدبرات كلّ ذلك باذن اللّه تبارك و تعالي الي ان كمل و ظهر العقل في‏الجملة فخرجت النسمات معلنة بالثناء علي خالق السموات و تميزت المراتب و الدرجات الاّ ان ظهور تلك المراتب صارت بالسنة الطلبات و القابليات و لذا اختلفت في الظهور في الاعتدال و عدمه و غلبة طبيعة من الطبايع علي حسب تلقّيها لتلك الاسباب لكن هذه النسمات لماخرجت من الكثافات و الظلمات الادبارية جهلت ماتقتضي كينوناتهم من التمسك بالاسباب الموصلة الي مقاماتهم الاصلية من الدرجات و النكبات حسب قبولهم و انكارهم في الذرات

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 161 *»

فكلّفها اللّه سبحانه بالتكاليف التي هي الاسباب الموصلة كالشمس و القمر في الوصول الظاهري و تلك الاسباب هي الشريعة المعروفة و الاخذ بها سبب الوصول كالاعراض عنها فلما نالوا نصيبهم من الكتاب و تمّت هياكلهم بتلك الاسباب اراد اللّه سبحانه كشف الغطاء عن بصائرهم و ابصارهم ليرون مقامهم و اطوارهم و احوالهم و درجاتهم و ماخلقوا لاجله و مابلغوا اليه بالاسباب التي اعدّ اللّه سبحانه لهم و لماكانت تلك الحجب و الاغشية و الكثافات الخارجية تمكنت لاجل ادبارهم في كلّ مراتبهم من اجسادهم و اجسامهم و ارواحهم و نفوسهم و عقولهم و رسخت في كلّ ذرة من ذرات وجودهم و اخراج تلك الكدورات و الحجب لايمكن الاّ بذوبان كلّ الاجزاء ليحترق الفاسد و يبقي الاصل الثابت كماقال عزّوجلّ و اما الزبد فيذهب جفاء و اما ماينفع الناس فيمكث في الارض فالخلق بعد بلوغهم رتبة التكليف اما الي الجنة و اما الي النار الاّ ان بينه و بين ادراك ملاذّها و الامها حجاب يمنعه عن الالتفات و ذلك الحجاب هو تلك الاوساخ الراسخة في مراتبه و ذاتياته فاللّه سبحانه يكشف ذلك الغطاء فيجد نفسه حينئذ في القيمة قبل التصفية البالغة عن الخلط و اللطخ فيجد حينئذ الصراط و الميزان و تطاير الكتب فاذا خلص عن ذلك كلّه يجد نفسه اما الي الجنة و اما الي النار نستجير باللّه من النار و هو قوله تعالي فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد و قوله تعالي كلاّ لو تعلمون علم‏اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين‏اليقين و قوله تعالي يصلونها يوم الدين و ما هم عنها بغائبين و قوله تعالي الذين يأكلون اموال اليتامي انما يأكلون في بطونهم ناراً و قال الصادق لمن قال اللّهم ادخلني الجنة انتم في الجنة فاسألوا اللّه ان لايخرجكم منها فاذا وجب كشف الغطاء و ذلك لايمكن الاّ بذوبان الاجزاء كالذهب المغشوش و كاللبن اذا ارادوا ان‏يستخرجوا منه الزبد و الدهن وجب كسر الصيغة في كلّ من فيه خلط و كدورة خارجية و ذلك الكسر هو عبارة عن الموت و لماكانت المراتب متمايزة فمن تمايزت مراتبه كلّها في هذه الدنيا ينكسر اولاً جسده و

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 162 *»

جسمه لانه الادني و كل ادني في القوس الصعودي يظهر اولاً فتنكسر صيغة هذا الجسد و تنهدم بنيته و تبقي الروح في عالم المثال ساهرة لاتنام اما الي النعيم او الي الجحيم و يبقي الجسد مندكّاً منهدماً لان‏يطهر من الاوساخ و يعود الي اصله الذي كان قد برء منه من الصفاء و النورانية و يكون اصفي و الطف و اقوي من جسم العرش محدد الجهات و اما الروح فتبقي في عالمها منعمة او معذبة و ذلك هو عالم البرزخ و شرح احواله يطول به الكلام و هي كذلك الي ان‏يأتي اوان تصفية الروح و ساير المراتب و ذلك يكون كلياً عند نفخة الصور عند موت العالم الكلّي فانه ايضاً رجل عبد للّه مكلف لابد له من التصفية و هو لماكان اقوي بنية و انضج طبيعة يكون كسر جسده مع كسر ارواح ساير المخلوقات ممن لم‏يدركوا زمان الرجعة و دولة الكرة فاذا نفخ في الصور فصعق من في السموات و الارض و مات الخلق كلّهم من النفوس و الارواح و العقول فبقي لا حس (حاس ظ) و لا محسوس الاّ من شاء اللّه و هم الذين لم‏يتطرق في ذواتهم و لا في مراتبهم الاصلية من اجسادهم و ارواحهم و عقولهم خلط و لطخ و كدورة و اعراض و ظلمة فلا موجب حينئذ لكسر بنيتهم و اهدام (انهدام خ‏ل) صيغتهم و فعل ذلك يورث العبث و الفساد و اللّه سبحانه منزه عن ذلك و هؤلاء هم محمد و اله الاربعة عشر المعصومون صلوات اللّه عليهم و علي ارواحهم و اجسادهم و اجسامهم و ظاهرهم و باطنهم فيبقي الخلق امواتاً غير احياء و مايشعرون ايان يبعثون فيأتيهم النداء من الملك الاعلي اين الجبارون اين المتكبرون لمن الملك اليوم فيجب نفسه للّه الواحد القهار و في الحديث عن الصادق7 قال نحن السائلون و نحن المجيبون و بالجملة فالخلق يبقون امواتاً الي اربعمائة سنة و لماكانت الارواح و غيرها من المراتب تطرق الخلل فيها اقل فيكتفي بهذه المدة المعلومة بخلاف الجسم فان تطرق الخلل و الفساد فيه اعظم و قولي فمن تمايزت مراتبه كلّها في هذه الدنيا مرادي ان من لم‏يتميز جميع مراتبه و ما حيي الاّ جسده من ساير المستضعفين فهؤلاء لهم ميتة واحدة فاذا مات جسدهم و كانت ارواحهم

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 163 *»

ميتة قبل فلايكون لهم برزخ و لايحيي هؤلاء الاشخاص الاّ بعد النفخة الثانية فبعد هذه المدة التي ذكرناها ينزل من البحر الذي تحت العرش و اسمه المزن و الصاد و النون ماء رايحته رايحة المني فيمطر اربعين صباحاً بحيث يكون وجه الارض كلّه ماء واحد فينبت اللحوم المصفاة و الاجزاء المنقاة من كل كثافة و رذالة و هي صافية نقية لطيفة اصفي من محدب محددالجهات بل اصفي من غيبه لان لبّه و صافيه بالنسبة الي ظاهره كلبّ اجسامنا و صافيها بالنسبة الي ظاهر القشور فتذهب تلك الاعراض عن الجسد بكثرة الحلّ و الدلك و البقاء في الارض كماتذهب الاوساخ بكثرة الدلك في الحمام و الماء الحار و يبقي الجسم الحقيقي الذي خلقه اللّه عليه ليصحّ قوله تعالي كمابدأكم تعودون و كذلك الارواح بعد ان‏تتصفي بذهاب الاوساخ عنها مما لحقتها في حال الادبار و التنزل فينفخ في الصور نفخة اخري فاذا هم قيام ينظرون فيرد كلّ روح و يتصل ببدنه اتصال المحب بالمحبوب و العاشق بالمعشوق فلا مفارقة بينهما و لا زوال لارتفاع الموانع و كشف الغطاء و وجود المقتضي و كون الترقي الي الاعلي فتحشر هذه الارواح الدنياوية في هذه الاجساد الدنياوية الاّ انها علي كمال اللطافة اما في النورانية او في الظلمانية فلو لم‏تتلطف لم‏يكن فرق بين الدنيا و الاخرة و لماصحّ قوله تعالي فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد فافهم فظهر لك ان شاء اللّه ان العود لايكون الاّ بهذا الجسم.

و اما مااوردوا في هذا المقام من شبهة الاكل و المأكول فعلي ماقررنا لك لايبقي لها مجال فان من اكل ادمياً و صار غذاءه و نبت لحمه و دمه منه فاذا رجع كلّ شي‏ء الي اصله فرجع مااكل الي التراب و اما الجسم الحقيقي لذلك الادمي المأكول فليس بمأكول و لاتهضمه القوة الهاضمة الدنياوية فانها اعلي من صفو الافلاك فكيف تهضمه القوي المركبة من هذه العناصر الاتري ان الرجل اذا سمن سمناً زايداً عن الحد لايخرجه عماهو عليه من كونه ذلك الرجل و اذا هزل كذلك كذلك فصار المعلوم ان مدار الشخص الجسماني الذي تدور عليه روحه ليس الاّ تلك اللطيفة الصافية التي تبقي في القبر مستديرة و

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 164 *»

لاتراها الابصار و لاتغيرها الليل و النهار و هو الجسم الحقيقي اذ لايلزم ان‏يكون جسم كثيف الاتري الافلاك هي اجسام حقيقية و لا كثافة فيها و هذا جسم النبي9 جسم حقيقي ولكنه الطف من الافلاك فلايكون له ظلّ اذا استشرق به الشمس و اما رؤية الخلق لذلك الجسم المطهر فهي انما كانت بارادة منه9 اما بان‏يرقي الخلق و يقوي ابصارهم حتي يتمكنوا من النظر اليه او بان‏يتنزل الي مقامهم بحكم و للبسنا عليهم مايلبسون فالجسم الحقيقي لكل شي‏ء لايكون غذاء لشي‏ء اخر فاذا اكل اجسام كلّ الناس ماصار جزء بدنه الاصلي شي‏ء من تلك اللحوم و انما صار اعراضها جزء لاعراضه كما اذا تراكمت الاوساخ و التئمت و نضجت تحركت و صار لها روح جزئي عرضي الاتري الفئران المتكونة من الطين و تتفق ان‏تكون النصف طيناً و النصف الاخر فارة و كذلك العقارب تتكون اذا نديت اللبنتين و جعلت احديهما علي الاخري الاتري القمل و البراغيث و بالجملة تلك الاجزاء الاصلية تبقي غيباً في الاجزاء العرضية التي صارت جزءاً لهذه الاوساخ العرضية كبرادة الذهب في دكان الصايغ و لايفني و لايكون جزء لشي‏ء الي ان‏تعود كماكانت و كيف يكون جزء للاخر و انه نزل من سدرة المنتهي بل كان نوراً ذائباً كان في حجاب العزّ تسبح اللّه بالف لسان و في كلّ لسان الف لغة فلما استشعر بنفسه و شاهد عظمة ربه استبطن الخوف و غلبت عليه برد الخوف فانجمد فكان الماساً فانغمس في بحر الهيبة و تردّي بالخشوع و تأزّر بالخضوع فقام منتصباً للقيام بالخدمة فظهر له مقام القدرة و القهر فبكي من هيبة القهار اربعمائة الف عام دماً عبيطاً بقوة حرارة قلبه و مزجها ببرودة خوفه المتحصل منهما الدم العبيط حتي غرق في ذلك البحر و مات من شدة الوجد ثم افاق من غشوته دخل في حوصلة الطير الاخضر من طير القدس فطار به الي عالم الانس فلما استوفي حظّه فخرج يطلب مركزه فالتقمه الحوت فصار به في ظلمات ثلث حتي اتي به الي ساحل البحر الاخضر اطلعه من بطنه فتناثرت اعضاؤه

 

«* جواهر الحکم جلد 3 صفحه 165 *»

فصادته الطيور و لحقت به الطاير الاول الاخضر فرمي به في ارض الزعفران فتقوي و استقام فحكي صنع الملك العلاّم فظهر يحكي اية اللّه سبحانه في ملكه و ملكوته حتي ظهرت مفصلة في النفوس فظهرت في الافلاك و وجدت علي هيكلها و هذا هو حقيقة الشي‏ء من روحه و جسمه فكيف يكون جزء لحقيقة اخري مثله مع ان تلك الحقيقة ايضاً كاملة في نفسها و مكملة لقوسي الاقبال و الادبار ولكن لما انجمدت القرايح و الطبايع و غلبت البرودة و اليبوسة و الرطوبة و تولدت منها الامراض المزمنة و ظهر المرض في كلّ جزء من اجزاء الاكوان الارضية السفلية فكانوا لايبصرون و لايعقلون و يتوهمون ان الادمي حقيقة يكون غذاء لادمي اخر و ذلك معلوم ان شاء اللّه تعالي و السلام علي تابع الهدي.

([1]) المراد بكن الذي هو الوجود هو المتعلق و الظاهر في فيكون اما كن في ذاته فهو الفعل الذي استقر في ظلّه فلايخرج منه الى غيره فافهم. منـه