02-29 جوامع الکلم المجلد الثانی – جواب بعض السادات في الرؤيا ـ دانلود

رسالة فی جواب بعض السادات فی الر‌ؤیا

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 602 *»

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين.

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي انه قد سألني بعض السادة الاجلاۤء العارفين الطالبين للحق و اليقين عن مسئلة جليلة لم‌يتنبّه لها احد و لم‌تذكر في سؤال و لا جواب فيما وقفت عليه او سمعتُ به و حيث وجبت عليّ اجابته لانه من اهل الحكمة و لايجوز ان يمنع منها فيكون مظلوماً جعلت سؤاله متنا و الجواب شرحاً كما هي عادتي في ساۤئر الاجوبة قصداً لكمال البيان ، فاقول و باللّه المستعان .
قال سلمه اللّه تعالي : في الحديث ان الشيطان لم‌يمكن له في الرؤيا ان يمثل نفسه بصورة الانبياۤء و الاولياۤء عليهم السلام و الصلوة ما لِمّه و سبَبُهُ مع ان الاولياۤء يجيئون في اي صورة شاۤءوا و علي انه يمكن لشياطين الجن و الانس في اليقظة ان يدّعوا النبوّة و الولاية كما وقع غير مرّة و لم لايمكن ان يدّعوا ذلك في الرؤيا و رؤيا جناب فاطمة الزهراۤء صلوات اللّه عليها مشهورة و هي بظاهرها منافية لهذه الرواية فكيف التوفيق و الجمع و الالتماس من جنابكم ان تشرحوه حقّ شرحها و ما اجركم الّا علي رب العالمين .
اقول انّ الروايات الدّالة علي هذا المعني متواترة معنيً من الفريقين و لاينبغي التوقّف في هذا المعني و هو ان الشيطان لايتصوّر بصورة النبي (ص‌) و لا بصورة احدٍ من اوصياۤئه عليه و عليهم السلام و لا بصورة احدٍ من شيعتهم كالانبياۤء و الرسل و الاوصياۤء و الشهداۤء و الصالحين من المؤمنين من الاولين و الٰاخرين و لكن لهذا المعني شرط و هو الذي خفي علي الاكثر و الاصل في الرؤيا ان النفس تلتفت بوجهها و هو الخيال الي جهة المرئي فتنطبع فيه صورته و الصورة هيئتها علي نسبة هيئة المرءاة و كمّها و كيفها من الطول و العرض و الاستقامة و الاعوجاج و من الكبر و الصغر و من لونها من بياض و سواد و غير

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 603 *»

ذلك و الاخبار لها او عنها انما هو باعتبار ما هي عليه في حقيقة ما هي منطبعة فيه لانّ المواۤدّ لاتناط بها الاحكام الّا باعتبار صورها لانها هي منشأ الحقيقة الثانية التي يناط بها الحكم و الحقيقة المحكوم عليها من المرئي انّما هي ما عند الراۤئي لانه هو صاحب الصورة التي تكون بها الحقيقة المحكوم عليها فالمحكوم عليه بالاخبار عنه اوْ له ليس خارجاً عن الراۤئي فعلي هذا يظهر لك وجه الشرط المذكور و هو ان تعتقِد في المرئي كما هو عليه فلو اعتقد في زيد المؤمن الصالح انّه خبيثٌ تصوَّر الشيطان له بصورته لانه لم‌يقابل خياله الّا جهة ما توهّمه و هو احد مظاهر الشيطان و لم‌يقابل خياله جهة الخير الذي هو حقيقة زيدٍ المؤمن فانّه من مظاهر الوجود الذي هو احد مظاهر اللّه و لو تصوّر الشيطان في احد مظاهر اللّه احترق فقد نقل ان ابليس اللعين لمّا تجلّي لموسي ربّه بقدر خرق الابرة من نور السّتر هرب ابليس الي اسفل السافلين و الّا لاحترق فاذا ذكر الانسان زيداً من حيث انّه صالح اي مطيع للّه و عبد ظهرت عليه آثار رُبوبية اللّه في عبوديته من الطاعة و اعمال الخير فقد ذكر اللّه و هل يكون للشيطان مدخل في ذكر اللّه فاذا جري ذكر النبي (ص‌) علي قلب المؤمن او الامام (ع‌) او احد من الشيعة من حيث هم شيعَةٌ و مطيعون لِلّٰهِ فقد ذكر اللّه و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الّا من اتّبعك من الغاوين يعني ان الغاوين الذين اتبعوا الشيطان له عليهم سلطان و ذلك لو ان رجلاً ظنّ في النبي (ص‌) او احد الائمة (ع‌) او شيعتهم او تصوّر ذلك سُوءاً تصوّرَ له الشيطان في صورتهم له لان معني قولهم (ع‌) في صورتهم في الصورة التي عنده التي تصوّرَها من صُورتهم التي تخيّلها من وهمه و ما يظنّ فهي في الحقيقة صورة ظنّه لما قلنا ان الصورة حالها علي هيئة المرءاة و كمّها و كيفها و نسبت الصّورة اليهم لنسبة المتصوِّر لها اليهم فافهم .
و امّا انهم (ع‌) يجيئون في ايّ صورةٍ شاۤؤا فهو حقّ لان جميع الصور لهم فيلبسون منها ما شاۤؤا لكنهم لايلبسون صور الشياطين و الكلاب و الخنازير لانّ هذه ليست لهم و لا من سنخهم و ان كانت بهم و انما يلبسون احسن الصور و

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 604 *»

اطيبها و الشيطان لايلبس احسن الصور لانّها ليست له و لا من سنخه فاذا ظهر الشيطان في صورة حسنةٍ فهو كظهورِ بعض الكفّار في الصورة الحسنة و ليست في اصل خلقتِهم فانّ الصُّور الحسنة من الوجود و تنزع منهم فلايدخلون النار بها و انّما يدخلون بصورهم الحقيقيّة كلاباً و خَناز۪ير فكما انّ المؤمن لاتعجبه صورة الكافرة الجميلة لانّه يراها قبيحة في نظره كذلك لو ظهر له ابليس في صورة حسنة راه قبيحاً لانّه ينظر بنور اللّه فلايظهر له في الرؤيا بصورة اهل الحقّ لانّه لايراه الّا بصورة اهل الباطل كما قرّرنا .
فاذا ادّعَي شيطان في اليقظة انه نبي اَوْ اِمام لايظهر بصورة مَنِ ادّعي رتبته فيعرفه المؤمن البتّة فيظهر له القبح في الاعمال و الصفات و لايمكنه ان يظهر الحسن حينئذ في الاعمال و الصفات لانّه ان اظهر ذلك بحيث تخفي علي المؤمن وجب علي اللّه في الحكمة ان يكشف ستره و الّا لكان مغرياً بالباطل تعالي اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً نعم ذلك يخفي علي اولياۤئه لانّهم لايعرفون الفرق بين الحق و الباطل و لايعرفون صفة النبي و الامام فيكتفون بمجرّد الدعوي انّما سلطانه علي الذين يتولّونه و الّذينَ هُمْ به مشركون علي ان اللّه سبحانه يبيّن لاولياۤئه بطلان دَعْواهُ لتقوم عليهم الحجة البالغة علي ان الدعوَي في اليقظة يَرجع التعلّق فيها الي نفس المدّعي لا الي صورة الراۤئي كما في الرؤيا و لهذا تراه في امر الطيف بالعكس يقول رأيتُ في المنام رسول اللّه (ص‌) و في امرِ اليقظة يقول رأيتُ رجلاً يدّعي انه رسول اللّه (ص‌) و لابُدَّ ان ينكشف ستره كما ذكرنا و ذلك كما نقل في تفسير قوله تعالي و لقد فتنّا سليمن و القينا علي كرسيّه جسداً ثمّ اناب ان صخراً الجنّي تصوَّر في صورة سليمان (ع‌) فاتي جاريتَهُ فاخذ الخاتم منها و كان سليمن (ع‌) اذا اراد الجماع نزع الخاتم و اعطاه الجارية حتي يغتسل فلمّا اخذ الخاتم قعد علي كرسي سليمن (ع‌) فانقادت له الجن و الانس و اتي سليمن (ع‌) و قال انا نبي اللّه سليمن فضربوه و طردوه و قالوا نبي اللّه علي تخت الملك و بقي يدور في مملكته لايجد من يطعمه قرصاً و ذلك الخبيث قاعد و كان يأتي نساۤء سليمن (ع‌) في الحيض فقلن يا سبحان اللّه

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 605 *»

ماكانت عادة نبي اللّه يفعل هكذا و كان يضرب ام سليمن و هي تقول كان ابني ابرّ الخلق بي فكيف يضربني و هكذا من الامور التي كشف اللّه بها ستره لئلّاتكون للناس علي اللّه حجة و بقي اربعين يوماً ثم لمّا كاد يخفي امره امر اللّه ملكاً فزجره فهرب و رمي الخاتم في البحر فالتقمه حوت صغير و كان سليمن (ع‌) يدور علي ساحل البحر فرأي صيّاداً فسأله شيئاً فاعطاه سمكة فأخذها سليمن (ع‌) فشقها فاذا الخاتم فيها الخبر ، فاعتبر بمن تشبّه في اليقظة بالانبياۤء (ع‌) كيف فضحه اللّه بافعاله ثم لم‌يمهله و قد تقدم الفرق بين الرؤيا و اليقظة في اصل اسناد الاخبار عنه اَوْ لَهُ .

و امّا امر رؤيا فاطمة (ع‌) و مختصر معناه انّها رأت انّ اباها (ص‌) و بعلها و ابنيها عليهم السلام خرجوا الي حديقة بعض الانصار فذبح لهم عناقاً و طبخ و اجتمعوا عليه فاخذ رسول اللّه (ص‌) منه لقمة فوقع ميتاً و اخذ عليّ لقمة فوقع ميتاً و اخذ الحسن لقمة فوقع ميتاً و اخذ الحسين لقمة فوقع ميتاً فانتبهت محزونة كاتمة امرها فاتي رسول اللّه (ص‌) و خرج بهم اجمعين الي الحديقة المعلومة فذبح لهم عناق و طبخ و وضع بين ايديهم و فاطمة (ع‌) معهم فلمّا اخذ رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله منه لقمة بكت فاطمة (ع‌) فقال لها مَا يُبكيكِ فاخبرته برؤياها فاغتم لذلك فنزل جبريل (ع‌) و اتي بذلك الشيطان و قال يا محمد هذا موكّل بالرؤيا و اسمه الرُّها فان شئت ان تذبحه فافعل فاعطي النبيّ (ص‌) العهدَ و الميثاق انّه لايتصوّر في صورته و لا في صورة احد من خلفاۤئه المعصومين (ع‌) و لا في صورة احد من شيعتهم فاعلم انّ اللّه سبحانه لما كان فعله للاشياۤء انّما هو علي ما هي عليه اقتضت الحكمة ان يكون ذلك علي الاختيار و مقتضي الاختيار و القدر ان يجري الصنع علي الاسباب فاقتضت الحكمة ان يجري حكم ان الشيطان لايتصوّر في صورهم الذي هو شأن الامضاۤء و شرح العلل و البيان في قوله تعالي ليبيّن لكم علي تقدّم هذه الرؤيا لتكون سبباً لامضاۤء ان الشيطان لايتصوّر بصورهم كما في نظاۤئره مثل صمت الحسين (ع‌) و لم‌يتكلم حتي خيف عليه الخرس فلمّا كبّر جدّه (ص‌) في الصلوة كبّر فكبّر رسول اللّه (ص‌) فكبّر

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 606 *»

الحسين (ع‌) حتي فعل سبعاً ليكون ذلك علةً و شرحاً لاستحباب التكبيرات الست في الافتتاح للصلوة فاذا عرفتَ الاشارة ظهر لَك ان هذه الرواية لاتنافي الروايات لِانّها وجدت للبيان و الشرح الّذي هو سرّ الامضاۤء للاشياۤء فجري الوجود علي النظام التّام و الامر المتقن اِذْ ليس ما جري علي فاطمة (ع‌) من اغواۤء الشيطان و انّما اجري اللّه تلك النجوي بامر الملك الذي هو موكل علي الرّها و لهذا روي انّ الرُّها ملك لانه فعل ذلك لفاطمة (ع‌) بامر الملك فهو امر بطاعةٍ و جري ذلك عليها عليها السلام طاعة كما روي الفقهاۤء ان المرأة الاجنبية اذا كان عندها ميت اجنبي و لم‌يكن مماثل الّا ذمّيّ انّها اذا امرته بالاغتسال ثم يغسل الميت فانّه يطهر لامتثال الذّمّي امر المسلمة في الاغتسال و التغسيل فذلك في الحقيقة فعل المسلمة فكذلك فعل الرُّهَا بامر الملك فهو في الحقيقة فعل الملك الذي هو باب لوجود هذه المسئلة من الباب الاعظم للوجود فافهم .

بقي سؤال و هو ان الشيطان اذا لم‌يتصوّر بصورهم و ذلك للعلة السابقة اذ الوجود لايكون الّا علي اكمل نظام و انما تصوّر بامر الملك فذلك الشيطان بحكم الٰالة كما مر في تغسيل الذمي للميت المسلم بامر المسلمة لزم ان تكون رؤيا فاطمة عليها السلام صادقة مطابقة للواقع و يلزم من ذلك ان يموتوا اذا اكلوا مع انهم لم‌يموتوا.
و الجواب انّ رؤياها صادقة لما قلنا من التعليل و لانها قد طابقت الواقع فانهم اتوا المكان و اجتمعوا و صار كلّما رأت الّا انهم لم‌يموتوا و انما لم‌يموتوا ظاهراً لنقض الرؤيا ظاهراً لانها بصورة صاحب التصوّر الباطل و انما نُقِضت ليكون ذلك باخذ العهد عليه صالحاً لتأسيس سبب هذه القاعدة و لما كانت الرؤيا صادقةً للعلّة المذكورة وجب ان يكون الموت باطناً لانه هو الذي رأته عليها السلام في عالم الخيال و لمّا كان ذلك جارياً علي اهل العصمة عليهم السلام و كان الموت الباطن يطلق علي موت هلاك الدين و علي موت الانقطاع الي اللّه و الفناۤء في بقاۤئه تعيّن ان يكون ذلك الثاني لامتناع الاول عليهم بالدليل القطعي فتكون الرؤيا صادقةً مطابقة للواقع فقد اشرتُ لك الي جميع ما تحتاج

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 607 *»

اليه من شقوق اجوبة المسئلة فيما يحضرني من الاعتراضات و الحمد للّه رب العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .