02-28 جوامع الکلم المجلد الثانی – جواب بعض الاجلاء ـ مقابله

رسالة فی جواب بعض الاجلاء

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 594 *»

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و اۤله الطاهرين.

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي انه قد التمس مني بعض السادة النبلاۤء و الاجلاۤء الفضلاۤء ان اكتب علي بعض مساۤئل له بعض البيان و كان ذلك في حال تفرّق البال و تشتّت القلب بالحل و الارتحال فلم‌يمكنني الّا الاجابة و لو باليسير اذ لايسقط بتعذّر الكثير و الي اللّه المصير .

قال سلمه اللّه : الاول قوله تعالي انا للّه و انا اليه راجعون و قال عز من قائل الا الي اللّه تصير الامور و في الخبر حشر الخلاۤئق الي اللّه تعالي .

اقول معني انّا للّه اقرار للّه تعالي بالملك اي انّا مُلْكٌ للّه و هو مالكُنا و صدق هذا الكلام من العبد تحقق العبوديّة و اخلاص العبادة و العبوديّة هي رضا ما يفعل و العبادة فعل ما يرضي و امّا و انا اليه راجعون و هو المسئول عنه فاعلم ان اللّه سبحانه خلق الخلق لا من شي‌ء و لا لشي‌ء بل اخترعهم اختراعاً و ابتدعهم ابتداعاً اخترَعَ وجوداتهم لَا من شي‌ء بفعله و لم‌يكونوا قبل الاختراع شيئا و انّما كانوا اشياۤء بالمشيّة و لهذا قال علي (ع‌) في خطبته يوم الجمعة و الغدير و هو منشئ الشي‌ء حين لا شي‌ء اذ كان الشي‌ء من مشيّته ه‍ ، و كل موجود انّما تتحقق شيئيته بوجوده و ماهيته في المشخّصات الستة : الوقت وَ المكان و الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و قبل ذلك لَا شي‌ء و انما كان الشّي‌ء بمشيته و مرجع كل شي‌ء الي مبدئه فنحن بدأنا اللّهُ بفعله و الي ما بدأنا نعود و لم‌يَبدأنا من فعله لنعود الي نفس فعله و لكنّا صدرنا من العمق الاكبر و هو ارض فعله و الي ما بدأنا منه نعود فعودُنا الي فعلِ اللّهِ هو عَوْدُنا الي ما بُدِأنا منه و عودُنَا الي فعل اللّٰهِ هو عَوْدُنا الي اللّهِ فمعني انّا للّه و انّا اليه راجعون اي الي ما بُدِأنا مِنْهُ وَ هُوَ مُلْكُه و يعود

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 595 *»

ملكه الي ملكِه و هذا معني اَلا الي اللّه تصير الامور و كذلك حَشْر الخلاۤئق الي اللّه تعالي .

قال سلمه اللّه تعالي : الثاني من كلمات الاشراقيين بسيط الحقيقة كل الاشياۤء .

اقول هذه العبارة غير صحيحة فان صحّت بتأويلها بطل لفظها و ان كانت علي ظاهرها بطلت ظاهراً و باطناً و بيان ذلك ان اريد بها ان بسيط الحقيقة لابد و ان يكون كاملاً مطلقاً فتكون جميع الكمالات حاصلة لذاته فلايفقد شيئا يحتاج اليه شي‌ء و ما يدلّ علي هذا المعني فنقول ما يَحتاج اليه المخلوق ان كان هو نفس ذاته تعالي بلا مغايرة لا ذاتاً و لا اعتباراً و لا فرضاً و احتمالاً فهذا حق و لكن الاشياۤء بحذافيرها من الدُّرّة الي الذَّرّة غيره فاذا قال بسيط الحقيقة كل الاشياۤء دلّت العبارة علي انه سبحانه كل الحوادث لان الاشياۤء حوادث و بطلان هذه العبارة ظاهر لان الحوادث في الامكان و الواجب سبحانه ازلي و ليس في الامكان و لا الامكانيات منه شي‌ء بكل اعتبار و فرض لا بالوجوب و لا بالامكان و ان كان انّها تقوّمت بفعله فحق و لكن ليس فعله ذاته لان فعله في الامكان و ان قال ما يحتاج اليه المخلوق ليس هو نفس ذاته و انما هو مغايرٌ لذاته كان ذلك حادثا فيكون ما تقوّم به حادثاً و هو حق و لكن لايكون حينئذٍ بسيط الحقيقة كُلّ الاشياۤء اذ لايجوز ان يقال بسيط الحقيقة كلّ الحوادث و ان قيل نريد ان الحادث هو اللّه بدونِ هُوَ كما قالوا في امثلة ذلك كالموج في البحر و كالحروف في الصوت و ذلك ما يقوله اهل التصوّف انا اللّه بلا انا فالبطلان اظهر لان ذلك هو وحدة الوجود المجمع علي تكفير معتقِدها و امثال ذلك من الاعتقادات المخالفة للحق و ان قيل المراد انه هو شيئيّة الاشياۤء اذ لا شيئيّة للاشياۤء غير شيئيّة ذاته التي هي ذاته فهو بهذا المعني كل الاشياۤء فهو ايضاً باطل لانّ تلك الشيئيّة التي هي شيئيةُ ذاته ان كانت شيئيّة للاشياۤء لم‌تكن شيئيّة لذاته و ان كانت شيئيّة لذاته لم‌تكن شيئية الاشياۤء اذ الاشياۤء غيره و ان لم‌تعتبر للاشياۤء شيئيّة فلا معني لكون بسيط الحقيقة كل ما ليس بشي‌ء و الا فهو كل شي‌ء فلايصح من هذا

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 596 *»

شي‌ء و ان اريد ان كل ما سيكون فهو اصله و انّ المراد من العبارة ذلك فلايصح ايضاً اِذ ما سيكون اصله من الامكان لانّ اصله الوجود المخترع و هو من الامكان خلقه تعالي لا من شي‌ء لا من ذاته و الّا لامتنع ذلك اذ لاتتغيّر حال الواجب و لاتجري فيه الخلق وَ لايخرج من ازليّته شي‌ء و لايدخلها شي‌ء وَ لا من فعله لان فعله شي‌ء فلايصدق انه لا من شي‌ء و انما اخترعه بفعله لا من شي‌ء و لا شيئية للمحدث اِلّا الوجود و الماهية المحدثين لا مِن شي‌ء و لو قيل انه من فعله كما يقوله ضرار و اصحابه لم‌يصحّ ان يكون البسيط كل فعله و ما مِن فعله كما مرّ و بالجملة فقول كل الاشياۤء باطل من جهة المعني و العبارة شرعاً و عقلاً و ليلبسوا عليهم دينهم و لو شاۤء ربّك مافعلوه فذرهم و ما يفترون .

قال ايّده اللّه تعالي : الثالث عن النبي صلي اللّه عليه و آله اللّهم اَرِنا الاشياۤء كما هي .

اقول انّ الاشياۤء قد ذكرنا في كثير من اجوبتنا انها بجميع ما لها ممّا تتحقق به في كل اعتبارٍ انما تقوّمت بفعل اللّه قيام صدور ابداً اذ لو كانت قاۤئمة في آنٍ لا كذلك لزم استغناۤؤها في آنٍ و لو جاز ذلك جاز استغناۤؤها ابداً فلاتكون مخلوقة فاذا رأي الاشياۤء علي ما هي عليه كما ذكرنا من قيامها بالفعل قيام صدورٍ ابداً عرف اللّه سبحانه كما اشار سبحانه له صلي اللّه عليه و آله في قوله تعالي و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلّبهم ذات اليمين و ذات الشمال و كلبهم باسِط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لولّيت منهم فراراً و لملِئت منهم رعباً فافهم الاشارة.

قال سلمه اللّه تعالي : الرابع رؤية الحق تعالي شأنه للسالك العارف هل هو منحصر بتجلّياته سبحانه في مجالي الاثار و مرايا الافعال و كلام قبلة العارفين سيدالشهداۤء و الصديقين عليه صلوات الله و ملاۤئكته اجمعين في دعاۤء عرفة عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيباً و كلام سيد الوصيّين اميرالمؤمنين عليه و علي ابناۤئه صلوات المصلّين : مارأيت شيئاً الا و رأيت اللّه قبله ، محمول علي هٰذا المعني ام حصل الانكشاف الذاتي .

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 597 *»

اقول اعلم انّ حقيقة رؤية الحق رؤية القلوب له سبحانه رؤية الايمان به في افعاله و آثاره وَ اوامرِه و نواهيه الا انه اذا انكشف للعَارف الغطاۤء و الحجاب رأي ظهورَ اللّه سبحانه له في آثاره و افعاله و اوامره و نواهيه مغيِّباً لها في ظهوره بحيث لايري سوي ظهوره له و اليه الاشارة بقول سيدالشهداۤء (ع‌) ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غِبتَ حتي تحتاج الي دليلٍ يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الاشارة هي التي توصل اليك فافهم .

قال سلمه اللّه تعالي : ما المراد من هذا الخبر ان شر الثلاثة ولد الزنا .

اقول هذا الخبر له معنيان ظاهر و باطن اما الظاهر فيراد منه الكلب و الكافر و ولد الزنا و ذلك في حكم النجاسة علي احتمال بعض او انه شرّ من ابيه الزاني و امه الزّانية لانهما قد يتوبان فيدخلان الجنّة و ولدهما و ان عمل صالحاً لايدخل جنّة المؤمنين و انّما يدخل اسفل جنان الحظاۤئر فهو شر الثلاثة و اما الباطن فالمرادُ به الاعرابيّة الثلاثة لان الثاني ولد زنا و هو شرّهم بمعني اغلظهم و اشدّهم نكراً .

قال ايده اللّه تعالي : السادس في الخصال عن احدهما عليهما السلام امر اللّه تعالي الفلك في دولة السلطان العادل ببطؤ حركته لتطول دولته و بالسرعة في دولة السلطان الجاۤئر لزوال دولته هذا الخبر منقول بالمعني لمحو الفاظه الرائقة من خاطري الفاتر .

اقول الاخبار دالّة علي ذلك و لا محذور في ذلك المعني و ما توهّمه اهل الهيئة من امتناع ذلك لا اصل له و دعوي فساد العالم بذلك باطلة لانّ حركة الفلك اما طبيعية جبليّة او نفسانية حيوانية متحركة بالارادة الاختياريّة او بملاۤئكةٍ تديرها فان كانت طبيعيةً جبليّة فاعلم انها انما تحرك الفلك بمن وكّل بها مِنْ ملكٍ و الملك تسبيحه و غذاۤؤه الطاعة فاذا كان السلطان عادلاً و انتشر العدل في الرعيّة و كثرت طاعتهم و تستريح الملاۤئكة بذلك لان قوتهم انما تحصل لهم بكثرة الطاعات و بها يديرون الفلك و ادارتهم الفلك هو نفس طاعتهم و عين عبادتهم التي يقَوّون بها فان حصل لهم معونة من اهل الارض

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 598 *»

بالطاعة خفت عليهم ذلك و ابطئوا بالحركة للفلك التي هي طاعتهم التي بها حفظ النظام و ان كان السلطان جاۤئراً كان الجور مفسداً للنظام السفلي كما ان العدل مصلح له فتسرع الملاۤئكة بالادارة للفلك لئلايفسد النظام دفعة حفظاً لاصل ذلك و يلزم من سرعة الفلك قصر الاعمار و ضيق الارزاق و تعسير قضاۤء الحواۤئج و كلما اشتد ذلك عليهم ظلموا و جاروا و كلّما ظلموا و جاروا اسرعت الملاۤئكة بالحركة و هكذا و لايلزم من السرعة و البطؤ الفساد المتوهم لانّ النظام يترتب علي ما جرت عليه الحركة المتّسقة و لايفسد الّا بالحركة المختلفة اذا لم‌تَتَّسِقْ كما لو تحرك بسرعةٍ دقيقة و ببُطْءِ دقيقتين و بسرعة خمس دقاۤئق و هكذا و لم‌يحصل الاتساق في الادوار فذلك يفسد به النظام اما لو اسرع متسقاً او ابطأ متسقاً او اختلف متّسِقاً في ادوار لم‌يبطل به النظام في اصله و ان كان احسن ذلك البطؤ المعتدل كالنبض فانّه اذا اعتدل بدن الانسان و كان صاحب مرة سوداۤء صافية كان نبضه بطيۤئاً معتدلاً و لو لم‌تكن صافية كان بطيئاً مفرطاً او صفراۤء كان سريعاً مفرِطاً او دماً كان سريعاً غليظاً او بلغماً كان بطيۤئا غليظاً و كلها خارجة عن الاستقامة و لو اختلف غير متسق كان علامة الهلاك و ان كانت الحركة حيوانية نفسانية فكذلك لان استمدادها من فاعلها بواسطة انفعالات قوابلها فكلما حصل للقوابل مفسدات اسرعت الحركة لذلك كسرعة النبض عند زيادة الصفراۤء و يحدث من اسراعها سبب اسراعها كالمحرور يتابع التنفّس لشدّة الحرارة ليبرّد بالنفَس جوفه و يكون ذلك مجفّفاً لرطوبة جوفه و يلزم منها زيادة الحرارة و اذا حصل للقابل مصلِحات ابطأت حركتها لاستراحتها من شدّة الاصلاح باصلاح القوابل منها كابطاۤء النبض اذا سكنت الحرارة و ان كان مدير الفلك ملاۤئكة فكما سبق فافهم .

قال ايده اللّه تعالي : السابع اهل النار بعد استقرارهم في سقر و تألمهم بالوان العذاب هل يحصل لهم المحيص مما فيه ام كلّما ارادوا ان يخرجوا منها اعيدوا فيها حكم مؤبدي كما هو مؤدي كلما .

اقول ان اهل النار يتألّمون بلا انقطاع لتألّمهم ابداً و لا نهاية لذلك و قد

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 599 *»

ذكرنا ادلة كثيرة علي ذلك لا مردّ لها و من توهّم ذلك من علماۤئنا فالسبب في توهّمه الاستيناس بكلمات اهل التصوف و البدع الذين ادخلوا في الدين ما ليس فيه فلمّا انسوا بكلماتهم تلوّنت افهامهم بالوان افهامهم و نظروا في ادلتهم بعين الرضا و الميل فقبلوها مع انك اذا نظرت بعين الانصاف الي آيات القرءان و اخبار اهل العصمة عليهم السلام ظهر لك انهم لايقضي عليهم فيموتوا و لايخفّف عنهم من عذابها ابد الابدين و من الادلّة القاطعة دليل الحكمة لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد هو ان اللّه سبحانه خلق كل شي‌ء و جعل لكل شي‌ء ضدّاً و عكساً ليعلم الا ضد له و لا عكس فخلق الجنة و نعيمها و جعلها لا نهاية لها و لا نهاية لنعيمها و خلق ضدها و هو النار و لا نهاية لها لانها ضد ما لا نهاية له و خلق عذابها ضدّاً لنعيم الجنة و لا نهاية له لانه ضد ما لا نهاية له بل كلما تطاولت الدهور اشتد تألمهم كما ان اهل الجنّة كلّما تطاولت الدهور اشتد نعيمهم و بالجملة لو جاز انقطاع التألم جاز فناۤء النار لان النار انما هي نار بالحرق المستلزم للتألم و لو جاز ذلك جاز في الجنة و هو باطل بالضرورة .

قال ايده اللّه تعالي : اهل الجنة بعد عروجهم علي درجاتهم الحقيقية علي حسب اختلاف مداركهم و مراتبهم هل يتمني الداني مرتبة العالي ام لا و علي فرض التمني هل يمكن له الارتقاۤء الي درجته ام لا .

اقول ان التمني لايكون الا فيما لا طمع فيه او ما فيه عسر و اهل الجنة لايتصوّر ذلك في حقهم بل كلما يشاؤن فهو حاصل بمجرد الارادة من دون طلب و ايضا انما يتمني المرء الشي‌ء اذا كان له اليه حاجة و لا حاجة لاهل الجنّة بالقوة بل كل مطالبهم بالفعل و ان كانت علي التدريج فانما ذلك بتوقيتهم نعم اهل الجنة حكم شهواتهم و مطالبهم علي مقتضي الامر المحكم و العلم المتقَن فلايصدر عنهم ما يخالف الحكمة الا انهم يتعارفون بينهم فيعرف الادني شرف الاعلي من غير ميل الي مرتبته فلايتألم بفقدها و لايندم و لايختلف عليه حال لاستغنائه لانه لايشتهيها اصلاً و يعرف الاعلي قصور الادني عن رتبته فيتنعم بذلك من غير ازدراۤءٍ لرتبة الادني لمثل هذا فليعمل العاملون و لا حول و لا قوة

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 600 *»

الا باللّه العلي العظيم و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين و الحمد لله رب العالمين تمت.