02-22 جوامع الکلم المجلد الثانی – جواب الملامحمد مهدي الاسترابادي ـ مقابله

رسالة فی جواب الملا محمد مهدی الاستر آبادی عن عشرین سؤالا

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 474 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي محمد و آله الطاهرين.

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائي انه قد عرض عليّ . . . (المحترم الحليم ظ) العالم الحكيم المطيع الملا محمد مهدي بن الحاجي الملا محمد شفيع الاسترابادي مسائل اراد بيان ما اشكل منها او مايلزم منها الاشكال و انا علي حال لايحسن وصفه من كثرة الامراض و دواعي الاعراض و لقد استقلت من الجواب و التمست منه ادام الله بقاءه ان‌يعرضها علي المحب مشافهة و يكون الجواب مشافهة لانه اسهل من الكتابة فلم يقبل و هو يريد بسط الكلام و ذلك متعسّر بالنسبة الي حالي من جهة الاشتغال و ضعف الحال من كثرة الامراض فعزمت علي ان اكتب علي مسائله اسعده الله بالصواب بعض الكلمات علي جهة‌ الاختصار و الاقتصار و ذلك اعتماداً علي فهمه و تسهيلاً‌علي نفسي لضيق وقتي والله الموفق للصواب و اليه المرجع و المآب.

قال ايده الله: السؤال الاول –  قال رئيس المشائين في شفائه ان للمعلول في نفسه ان‌يكون ليس و له عن علته ان يكون ايس.

اقول: اعلم ان كلامه هذا مبني علي ما يذهبون اليه من ان الممكن ممكن لذاته و ان الامكان امر اعتباري ليس شيئا مخلوقا و ايضا الترفيع عليه في نفسه لايصح فالوجهان باطلان اما الاول فلان الممكن اذا كان ممكنا لذاته فهو قديم و انما سمي ممكنا تسميه لفظية و قد دلت الادلة القطعية الضرورية العقلية و النقلية ان الله عزوجل كان و لم‌يكن معه غيره و هو الآن علي ما كان ثم احدث ماسواه فكل ما يصدق عليه السواء فهو مخلوق له تعالي و قد قال جعفر بن محمد عليه‌السلام كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود اليكم ، و قال الرضا عليه السلام علي ما رواه الصدوق (ره) في اوّل علل الشرائع تقريبا من نحو اربع و رقات قال ما معناه انه ما يقع في وهم احدٍ من

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 475 *»

 الخلق شيء الا و قد خلقه الله قبل ذلك لئلا يقال لم لايخلق الله ذلك هـ ، و جعفر بن محمد و علي بن موسي عليهم السلام ان كان المؤمن يصدق بانهم علماء اعلم من ابن سيناء و نحوه و حكماء احكم من سائر الحكماء و انهما معصومان لايغفلان و لايسهوان و لايجهلان و لايكذبان مسدّدان من الله تعالي مؤيّدان بروح القدس فيجب عليه ان‌يقبل قولهما فيما يعلم فكيف فيما لايعلم و ان دخل في قلب المؤمن ريب او توقف فليقبل قول الله تعالي في كتابه و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ما ننزله الا بقدر معلوم،

فان قال ان الممكن قبل التكوين ليس شيئا و الامكان ليس شيئا فاقول هل وضعتم اللفظ بازاء شيء فيلزمكم انها اشياء و ان قلتم لا بازاء شيء فيلزمكم ان هذه الالفاظ مهملة ليس موضوعة و انكم تتكلمون فيما ليس له محل للكلام لانه ليس بشيء و امّا الثاني فلان الامكان هو ظرف فعل الله المكاني و السرمد ظرفه الوقتي و هو الوجود الراجح يعني فعل الله الذي هو مشيته و ارادته و ظرفاه المكان محلّه و السرمد وقته و قد كان الله تعالي و لاشيء ثم احدث الفعل بنفس الفعل فلزم ظهوره امكانات الاشياء علي وجهٍ لايتناهي في السرمد فكان امكان زيد مثلا جزئيا بالنسبة الي الفعل الامكاني كليّا في نفسه بمعني انه يمكن ان‌يخلق زيداً و ان‌يخلق ارضا او سماء او برا او بحرا او جبلا او حيوانا او ذبابا او نبيا او شيطانا الي غير النهاية فاذا خلق من ذلك الامكان زيداً بقي امكانه صالحا لكل شيء فافهم و ليس للممكن ان‌يكون في نفسه ليسا لان الليس ان اريد به الامكان فلايزيد الممكن قبل التكوين علي ما هو عليه من الامكان لما قلنا انه انما كان الممكن ممكنا بامكان الله تعالي له بفعله اي بجعل الممكن ممكنا حين الجعل لاقبله اذ ليس قبل الجعل شيئا اصلا و انما امكنه الله و لم‌يكن قبل امكانه تعالي ممكنا و لا واجبا و لا ممتنعا فهو ممكن لغيره لا لذاته و ان اريد بالليس الامتناع فهو ايضا باطل و ليس للمكن عن علّته ان‌يكون اَيْساً و لكنه بعلته يكون ايسا اذ كونه ايسا انما هو بقابليته لتأثير فعل الله فيه و القابلية انما تحدث من نفس اثر الفعل لان اثر الفعل هو الوجود و القابليّة هي الماهية

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 476 *»

كالكسر و الانكسار فان الكسر حدث من فعل الكاسر و الانكسار الذي هو الماهية احدثه الكاسر من نفس الكسر الذي هو اثر الفعل فلذا نسب الي المكسور كما تحدث الشمس الظل من نفس اثرها و هو النور من حيث هو هو لا من حيث الشمس و الا لكان نورا و لذا نسب الي الجدار فلايتّجه الترجّح من غير مرجّح علي انا نقول اما الترجيح الذي يكون علة الترجيح فلابد و ان‌يكون من المعلول حين الايجاد لاقبله و لا بعده و ليس من الفاعل و اما الترجح اذا اريد به الكون اي لباس حلة الوجود فان المعلول لايكون من نفسه احداث نفسه نعم يكون منه انه يقارب ان‌يستغني عن المؤثر و ان‌كان لايمكن استغناؤه و هو معني قوله تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار لكنه لايضيء الا بمس النار فافهم.

قال ايده الله: و مثل هذا الكلام يعطي بظاهر الفكر و الافهام ان للممكن الباتّ و المنفي الصرف اقتضاء العدم الذي هو شقيق الوجود في نفسه مع عزل النظر عن العلّة قضاء لحق المقابلة و لازم ذلك استغناء الممكن بالذات عن السبب في اتصافه باحد طرفي الامكان فيتّجه ح الترجح بلامرجع المسلّم بطلانه عند العقلاء الاعيان مع ان فاقة الممكن في كلا طرفي الوجود و العدم الي المقتضي من البديهيات الاولية فان المعلول ليس له في نفسه ان‌يكون معدوماً كما ليس له في نفسه ان‌يكون موجوداً لامكانه بذاته و هو يرادف القوة القابلة في حد ذاته للايس و الليس المستدعية في فعليته الي العلة الفاعلية فقد استبان بعين العيان ان ما عليه الرئيس خلاف شاكلة الممكن و شفاء ما استمرضه عندكم هيّن.

اقول: لو سلم قول ابي علي لكان ما ذكرتم واردا عليه و كلامكم علي فرض صحة قوله صحيح الا ان في تعليكم (كذا) شيئا اعني قولكم لامكانه في ذاته و قد اشرنا الي بطلان كون الممكن ممكنا لذاته و فيما ذكرنا جواب الذي احترز منه القائل بانه ممكن لذاته و هو قوله و الا لزم ان‌يكون الممكن بالغير اما انه قبل فعل الخير واجبا او ممتنعا و كلا الفرضين باطل لامتناع انقلاب الحقائق

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 477 *»

فان من كلامنا المتقدم يظهر جواب هذا الوهم و هو اذ ليس قبل الجعل شيئا يعني لا واجبا و لا ممتنعا و لا ممكنا و قوله سلمه الله انّ ما عليه الرئيس خلاف شاكلة الممكن الخ، صحيح و كذلك قول انه ممكن لذته فانه خلاف شاكلة الممكن لان ما لذاته لايجري عليه ما من الغير لاستغنائه لذاته الموجب للاستقلال في جميع الاحوال اذ كل ما يستغني في حال فهو قائم بنفسه علي الاستقلال و هذا اعلي معاني الصمد الذي نصف بها ذا الجلال عزوجل.

قال سلمه الله: السؤال الثاني- حكم الحكماء بان كل ممكن فهو زوج تركيبي فانه و ان كان بسيط الذات في الاعيان لكنه مزدوج من الجنس و الفصل في الاذهان و ذلك علي خلاف ما عليه شاكلة الحق الواجب الوجود اذ لا ماهية له بل هو نفس الوجود بشرط سلب الزوائد و القيود و منه افاضة ذوات الماهيات المكتسية لخلقه الوجودات اللاشرطية و قد يعبر عن وجود الحق بالوجود المطلق و تارة بالوجود بشرط لا كما اشار اليه ابو علي سيناء لكنهم قد يفسرون الوجود المطلق بالمعني العام بمعني الوجود لابشرط شيء و يحكمون بانه عين الحق تعالي فيرد ح الاشكال كما بينّه بعض اهل الحال بان الحكم بوحدة معني الوجود و حمله علي ذات الواجب و علي غيره لكن في الواجب هو نفسه و في غيره غيره و زائد عليه عارض له غير منقّح المناط اذ عنا الوجود عن الماهية المضاف اليها ان كان لنفس الوجود فليكن الجميع كذلك لوجود الوجود فيها و ان كان لشيء زائد في الواجب تعالي قدسه فهو مخالف للقواعد المبرهنة و مستلزم لتكثر ذات الحق المفرد المطلق و من المستبين استحالته و منكم نرجو بيانا تندفع به مقالته.

اقول: الحق ان كل ممكن زوج تركيبي في المحالّ الثلاثة في الذهن و في نفس الامر و في الخارج و ليس في الاعيان و لا في الاذهان و لا في نفس الامر اعني ما قام عليه البرهان ما هو بسيط الذات الا الواجب السبحان مع ان الواجب لايدخل في قولهم كل ممكن و ان اريد به الامكان العام لان كلامهم منصوص عليه كما ارادوا في الممكن المحدث و الواجب تعالي له ماهية لكنها نفس

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 478 *»

وجوده بلامغايرة في المحالّ الثلاثة و ليس هو نفس الوجود بشرط سلب الزوائد و القيود فان القول بهذا هو حقيقة الجحود للواجب المعبود اذ المقيد بشرط سلب او اثبات سواء كان في احد الامكنة الثلاثة ام في الفرض و الاعتبار و التقدير مركب و هذا قول اهل التصوف فان شاعرهم يقول:

و ما الناس في التمثال الا كثلجة و انت لها الماء الذي هو نابع
و لكن بذوب الثلج يرفع حكمه و يوضع حكم الماء و الامر واقع

و هذا القول لاينطبق علي قواعد المسلمين فان قلت ماتقول في المجردات كعقل الكل و ما اشبهه قلت العقل و غيره من الحوادث كلها مركبة فان الحكماء نصوا علي ان كل محدث فله اعتباران اعتبار من ربه و اعتبار من نفسه فالاعتبار من ربه هو الوجود و الاعتبار من نفسه هو الماهية و هذا مما لايرتاب فيه احد ممن له علم و معرفة و اما معني انه مجرد فان المراد انه مجرد عن المادة العنصرية و المدة‌ الزمانية و اما مطلقا فلا و قد قال سيدنا و امامنا علي بن موسي الرضا عليهما السلام ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه هـ .

و قوله سلمه الله و منه افاضة ذوات الماهيات المكتسية لخلقه الوجودات اللاشرطية، ليس بصحيح لان ضمير منه يريد به العود علي الوجود الحق و تعالي في عز جلاله ان يفيض منه شيء او يفيض من شيء بل ذوات الماهيات احدثها بعد وجوداتها بسبعين سنة و ان ظهورهما مساوق لم‌يسبق ظهور احدهما ظهور الاخر كالكسر و الانكسار لا انها كانت في علمه الذي هو ذاته ثم كساها في عالم الاكوان حلة الوجود كما ذهب اليه مقلدو الصوفية و الوجودات اللاشرطية وجودات مشروطة فالحق المنجي من العذاب ان التسمية في تقسيم مايسمي بالوجود علي ثلاثة اقسام:

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 479 *»

الاول الوجود الحق و هو الواجب تعالي،

و الثاني الوجود المطلق و هو الوجود الراجح و هو الفعل بجميع اقسامه كالمشية و الارادة و الابداع و الاختراع و القدر و القضاء و ما اشبه ذلك و مكانه الامكان المسمي بالعمق الاكبر و وقته السرمد فهذا الوجود المطلق و هو راجح الوجود،

و الثالث الوجود المقيد و اوله العقل و آخره الثري و منه الوجود بشرط لا و لا بشرط ما لم‌يرد بلا بشرط عدم التقييد فيدخل في الثاني و ما اصطلحوا عليه ليس بصحيح و من اطلق علي الوجود الحق الوجود المطلق و فسّر المطلق بالمعني العام بمعني الوجود لا بشرط شيء فهم اصحاب الثلجة كما تقدّم في الشعر و مع هذا فالاشكال المذكور وارد علي هذا القول و التعليل للاشكال فيه اشكال و لكن لا فائدة في الكلام عليه.

قال ايده الله: السؤال الثالث – الظاهر من تقسيم ابن سيناء في كتاب الشفاء الجواهر الي العقل و النفس ان حقيقة العقل هو الجواهر المتبرّئ عن الموادّ ذاتا و فعلا و حقيقة النفس هو هو الجوهر المفارق عنها ذاتا لا فعلا و عندي فيه اشكال لانه ان اريد عدم الاحتياج في الذات و مطلق الافعال فينتقض الجميع بالعقل الفعّال اذ تأثيره في الحوادث اليومية مسبوق بالمادة علي كل حال و ان اريد الغناء في الذات و الفعل في الجملة و بعض الاحوال لزم كون بعض النفوس عقلا كما في خوارق العادات و المعجزات المثبتة للنّبوات و الامامات فيبطل المنع.

اقول: معني قولهم ان العقل هو المتبرّء عن المواد ذاتا ان العقل لايدرك بنفسه الا المعاني المجرّدة عن المادة‌ و المدة و الصورة فيكون تعلّقه منوطا بالاعتقادات و مثاله اذا قلت لك الظلم قبيح و الحسن حسن ام لا اجبتني بقولك بلي و لم‌يكن لك حالة منتظرة في جواب و ليس لي ايضا حالة منتظرة في خطابي و جوابك بل حين قلت لك لم‌تنتنظر غير الجواب و انا كذلك فلم‌يبق لنا حالة يتوقّف الخطاب و الجواب عليها فكان العقل و ما اجاب عنه منجزّاً في

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 480 *»

الغيب و لم‌يكن له انتظار الي شيء يتوقف الخطاب او الجواب عليه لان العقل لايتعلق بذاته و لا بفعله بشيء من الاجسام و اما في النفس فذاتها مثل ذات العقل في نفس الذات و في نفس الادراك لا في تعلّقه فاني اذا قلت لك اريد ان تكتب لي غداً خطاً فيه كذا و كذا و قلت نعم بقي مرادي و حاصل جوابك موقوفين علي وقوع الكتابة غدا لاني ما اردت منك ما اتصوّره انا او ما تتصوره انت و انما اردت الكتابة منك و جوابك لي انما هو بفعلها غدا فكانت نفسي و نفسك في تخيلهما مقترنين بحصول الكتابة غدا و هي من الاجسام فهذا نوع كون النفس مقترنة بفعلها بالاجسام بخلاف العقل و لم‌يريدوا بقولهم في العقل و النفس شيئا غير نوع ما ذكرت لك و ليس مرادهم احتياج النفس في فعلها يعني في تعلقه الي الاجسام الا ما ذكرت لك و كذلك العقل فيما ذكرنا و اما في ذات العقل و النفس فهما من عالم الجبروت و من عالم الملكوت لا تعلق لها بالاجسام فلايرد نقض بالعقل الفعال لان العقل الفعال لايتعلّق بنفسه و لا بفعله بالموادّ الا بواسطة النفوس الفلكية‌ علي انّا نقول ان القول بعقول عشرة‌ غلط لانه قد دل الدليل القطعي السمعي و العقلي ان الانسان الصغير طبق العالم الكبير فكل ما فيه يوجد في العالم الصغير و ما جهل منه يطلب في الصغير و قد اجمع المسلمون و العقلاء اجمعون علي انه ليس في الانسان الصّغير ازيد من عقل واحد و نفوس ثمانية و جسم نفس كلية و قلب هو العقل و عقل اي نفس متعلّقة و هي من فلك زحل و نفس العلم و نفس الوهم و نفس الوجود الثاني و نفس الخيال و نفس الفكر و نفس الحيوة و جسم مركب من العناصر فهو مطابق للكبير فالعقل الفعال علي معني ما قالوا لا اصل له و لو قلنا بقولهم كان فعله متعلقا بنفوس العناصر و هي متعلّقة بافعالها بالموادّ العنصرية و اما قوله لزم كون بعض النفوس عقلا الخ، ففيه انه لايلزم و الاشتباه نشأ من اشتباه العقول او الارواح بالنفوس فيظنّ من اشتبه عليه ان النفس قد تستغني عن الاقتران في فعلها بالمادة الجمسانية و الغلط نشأ من عدم معرفة المستغني ما هو فيظنّ انه

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 481 *»

النفس و ليس هو بنفس و انما هو روح او عقل لان النفس لايحصل فيها الا الصور ذات التخطيط و هي اشباح منتزعة من الاجسام المصورة اذ غير الاجسام لا صورة لها فلا تنتزع النفس صورة مما لا صوة له فافهم.

قال ايده الله تعالي: السؤال الرابع – من المقروع عند الاسماع ازلية العدم و استمراره و لم‌يتصدّ احد من اهل العلم لانكاره و لايصح علي ذلك بطلانه بطروء الوجود عن مفيض الخير و الجود لما برهن عليه من القاعدة التامة في الامور العامة و هي ما ثبت قدمه امتنع عدمه.

اقول: القول بازلية العدم جهل محض لان العدم ان كان شيئا فهو اما واجب و اما ممكن و ان لم يكن شيئا فلا معني لوصف لاشيء بالازل الذي هو الشيء و من لم‌ينكر ازليّة العدم فهو منكر لازلية الواجب و لو قلنا بانه شيء ممكن او هو الامكان لم‌يبطل بطروء الوجود و امّا القاعدة المذكورة فيعني بها ما ثبت قدمه اي شيء ثبت قدمه و لاشيء قديم الا الله سبحانه.

قال سلمه الله تعالي: السؤال الخامس – و من الاقوال المسلمة عند اهل الحال القول بان الماهية من حيث هي ليست الا هي فلاتكون موجودة و لا معدومة و لا واحدة و لا كثيرة و لا كلية و لا جزئية و علي هذا يتّجه اشكالان احدهما ان مقتضي ذلك هو الحكم بجواز ان يرتفع النقيضان و هو مما حكم بامتناعه بالبرهان بل الضرورة و الوجدان كاجتماعهما في الوجود و الاعيان و ثانيهما ان الحكم بان تلك الماهية ليست الا هي بمعني انها ليست شيئا من الامور المزبورة فرع تصورّها و تعلق الادراك بها و ليس ذلك الا نحو وجودها فلايصح منهم الحكم المذكور كما لايخفي.

اقول: اكثر الاقوال المسلمة علي نحو ما قال امير المؤمنين عليه‌السلام ذهب من ذهب الي غيرنا الي عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض و ذهب من ذهب الينا الي عيون صافية تجري بامر الله لا نفاد لها هـ ، و هذه الاقوال المسلمّة انما هي عند من ذهب الي غيرهم و لا شك في فساده لان كل شيء لايخلو من وجوده او عدم و لا واسطة الا باعتبارين و ما كان كذلك فهو جهتان جهة وجود و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 482 *»

جهة عدم و كذا باقي الاوصاف ثم علي فرض تسليم قولهم الباطل لا عيب في ارتفاع النقيضين و اجتماعهما في بعض الاشياء فلاينبغي احالتهما مطلقا و من ذلك الوجب سبحانه فانه يجتمع في وصفه النقيضان و يرتفعان و اجتماعهما نفس ارتفاعهما فهو اول اخر بجهة واحدة و لحاظ واحد و هو ظاهر باطن و هو عال دان و هكذا و ارتفاعهما لا اول و لا اخر و لا ظاهر و لا باطن و لا قريب و لا بعيد و هكذا و الاجتماع عين الارتفاع في وصفه تعالي لان ما يمتنع علي خلقه يجب له و ما يجوز علي خلقه لايجوز عليه و من ذلك فعله ليس اولا و لا اخرا لانه محدث و الاولية المحدثة و الاخرية محدثان به فلايجريان عليه و كذلك الحركة و السكون و الظهور و البطون الحادثان لانها كلها صادرة عنه و اما ماكان منها صفة للقديم تعالي فلايتصف الفعل بها و انما حكموا بالامتناعين في الاجسام فافهم و امّا الاشكال الثاني فصحيح وارد لامردّ له من الله.

قال ايده الله تعالي: السؤال السادس –  من الصفات العينية لواجب الوجود القدرة و تفسيرها علي مايظهر من الكتب الكلامية ان شاء فعل و ان لم‌يشاء لم‌يفعل و ان شاء لم‌يفعل و لا ريب ان هذا المعني مساوق لمعني الامكان لتساوي الطرفين و الحكم باتصافه تعالي بمثل هذه الصفة مستلزم لاتصاف الشيء بضده بل لاتحاد الوجوب و الامكان علي الحق من عينية الصفات و هو اجماعي الاستحالة لافضائه الي اجتماع الوجوب الذاتي و الامكان الذاتي و هم قد صرّحوا بقضّهم و قضيضهم بان المواد الثلاث اعني الوجوب و الامكان و الامتناع غيرممكنة الاجتماع اذا كانت ذاتيّة نعم قد يمكن اجتماع الامكان الذاتي مع الوجوب الغيري بوجود العلّة و مع الامتناع الغيري بعدمها و لايمكن اعتبار الغيرية في الامكان حتي يجتمع مع الوجوب الذاتي.

اقول: تفسي القدرة بان شاء فعل و ان‌ لم‌يشأ لم‌يفعل غلط لان هذا تفسير الاختيار عند غير الاشراقيين و لكن لعله من سهو القلم و بالجملة المراد معلوم و هذا الوصف ثابت لفعله تعالي لان ان شاء فعل و ان شاء لم (كذا) او و ان لم‌يشأ لم‌يفعل وصف فعلي و التضادّ في الافعال كالرحمة و الغضب و السخط و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 483 *»

الرضي و اتّصاف الشيء من حيث هو فاعل بضدين من اثار افعاله لاعيب فيه بل هو الواقع و لايكون وصفا لان الذات لم‌تكن فاعلة بذاتها اذ الشيء انما يفعل بفعله فتقول زيد قائم و قاعد و هما وصفان للافعال نسبت اليه من حيث انهما اثر فعليه فافهم و باقي الكلام تقدم بيانه و ابطال باطله.

قال ايده الله تعالي: السؤال السابع –  و مما عليه ابواب الشكوك مسدودة هو الحكم بعدم جواز حدوث الوجود للماهية المعدومة او الموجودة لاستلزام الاول اجتماع النقيضين و الثاني تحصيل الحاصل و لا تامّل في ان كلا منهما باطل فوجب القول بعروض الوجود للماهية المرسلة و هذا مستلزم لمفاسد مضافاً الي انه مقتضٍ لبطلان بعض القواعد مثل قولهم باستحالة ارتفاع النقيضين و ان ثبوت الشيء فرع ثبوت المثبت له فكيف يعرض الوجود للماهية المرسلة فمن المفاسد انحصار الممكن في الموجود و المعدوم في الممتنع فان الممكن المعدوم و المعدوم الممكن غيرممكن الثبوت لثبوت التنافي اذ العدم للوجود طارد و مانع و منها هدم اساس المعاد و التزام بقاء العالم ابد الاباد اذ الوجود ايضا للعدم غيرجامع في كل مواد و لا شبهة‌ ان ذلك خلاف الرشد و السداد بحكم العقل المصطفي بملازمة الكتاب و السنة و قد شهد به الضرورة الاسلامية و منها القول بازليّة الموجودات و تسرمد العالم من المجردات و الماديات و مع انه كفر و تزندق مردود ببحوث علمت في دلائل الحدوث.

اقول: ان الحكم بعدم جواز حدوث الوجود للماهية المعدومة او الموجودة مما يتناوله قول اميرالمؤمنين عليه السلام العلم نقطة كثّرها الجاهلون او الجهال علي اختلاف الروايتين فان الجود لم‌يحدث للماهية و انما حدثت الماهية له لانها قابليته و انفعاله و من سلّم ان الماهية موجودة قبل الوجود لزمه تحصيل الحاصل الا اذا جعل وجودها السابق علميا او امكانيا و اللاحق كونيا و من سلم انها معدومة فان اراد الامتناع لزمه اجتماع النقيضين سواء كان الامتناع بالذات كما يذهب اليه من يدعي امكان تصوره ام في رتبة الذات الواجب اذا اراد بحدوثه لها في تلك الرتبة و اما اذا اراد بحدوثه لها فيما دون ذلك فلابأس

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 484 *»

بل هو الحق لو قلنا بعروض الوجود للماهية و اما علي ما نذهب اليه من انها انما يكون لها ذكر بعد ذكر الوجود لانها قابليته تابعة في التكون بمعني ان تكونها مترتب علي تكونه لا كما يذهب اليه من قال من الاشراقيين من ان وجودها عند من يقول به منهم تابع لوجوده فهي موجودة بايجاده لا بايجادٍ آخر مترتب علي ايجاد الوجود نسبته اليه نسبة الواحد الي السبعين فاول ما خلق الله بفعله المادة‌و هي الوجود الذي نريده فلم‌يقدر علي الظهور بدون الماهية فخلق الماهية دعامة نقيمه فظهرا معا فهو مراد اولا و بالذات و هي مراده ثانيا و بالعرض و قوله فوجب القول بعروض الوجود للماهية المرسلة، فليس الواجب و لا منه كون الوجود عارضا و لم‌يسبق كونه كون لا في العلم و لا في الامكان و لا في الاكوان اذ ليس شيء الا الله وحده ثم احدث الفعل بنفسه ثم احدث الوجود بفعله لا من شيء و كان من حيث الفيض انما هو نور الله اي النور الذي احدثه بفعله ثم‌ كان من حيث نفسه اياه وهذا هو ماهيته فمنهما تركب الشيء لان الوجود هو المادة في كل شيء بحسبه و الماهية هي الصورة فخلقها سبحانه من نفس الوجود من حيث هو كما خلق الظل من نفس نور الشمس من حيث هو لا من حيث الشمس فان اريد بارسالها بعد الكون في الذات مساوقة له في الظهور فهو حق و الا فلا فانتفت المفاسد و لو قلنا بذلك اتّجهت المفاسد و لزمت ثم نقول ان انحصار الممكن في الموجود صحيح اذا اريد به الموجود الامكاني و الكوني اذ ليس شيئا غيرهما و اما انحصار المعدوم في الممتنع فباطل اذ المعدوم شيء نزع منه الوجود الكوني او التركيب التاليفي والممتنع ليس شيئا و انما يعبرون به عن شيء متصور محدث و تريدون به ما ليس شيئا فاذا عبّر عن اليس بالليس حصل التنافي و هو غلط و الممكن المعدوم هو المعدوم الممكن اذ ليس معدوم ممتنعا و العدم يطرد الوجود الكوني و التاليفي لا الامكاني و العلمي فلاينهدم اساس المعاد و الحق بقاء العالم ابد الاباد و لكنه مع الانتقال من بلاد الي بلاد الي ان‌يخلص (ظ) من عالم الاعراض و الاغراض و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 485 *»

الفساد كما اخبر به رب العباد و اخبر به محمد و اله الامجاد صلي الله عليه و عليهم ما هدي بنور هداهم بنور هداهم هاد و الوجود الامكاني و بعض الكوني جامعان للعدم في كل المواد و لا شبهة ان هذا هو الرشد و السداد بحكم العقل المصفي المطابق للاستعداد المطابق للايجاد و الضرورة الاسلامية تنادي بهذا في كل ناد و اما لزوم القول بازليّة الموجودات الخ، فلازم علي جلّ اقوالهم.

قال سلمه الله تعالي: السؤال الثامن- و من المحقق عند رهطٍ من اساطين الفلسفة ان وحدة الحقيقة القيومية من لوازم سلب الكثرة و الظاهر ان هذا الحكم غير ملائم لما ورد في كلام ائمة الحكمة في وصفه تعالي مجده بانه مع الظهور خفي و مع الكثرة واحد بيّنوا سرّ المسئلة للعبد حماكم الله من المكائد.

اقول: الامر الواقع كما قلتم و قولهم ليس بسديد لان سلب الكثرة تحديد لنفسها لا لوحدته تعالي اذ لو كان الازل مكانا او وقتا واسعا و الواجب في بعض منه و في الباقي من الازل اشياء كثيرة يتميز منها بسلبها عنه اتّجه كلامهم لكنّ الازل هو ذاته و ليس معه غيره و سلب الكثرة انّما هو في الامكان لان المتوهم ان القديم شيء مابين الاشياء لايتميّز منها الا بسلبها يقول ان الكثرة موجودة‌ و اذا سلبت عن ماسوي واحدٍ كانت وحدته لازمة لذلك السلب و هذا باطل و امّا قولنا ان السلب تحديد للكثرة فمرادنا ان الاشياء المتعددة‌ اذا جري عليها السلب كان تحديدا و تمييزا لمخلوقيتها و ذلك كما قال الرضا عليه‌السلام كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لماسواه و اما قولهم عليهم‌السلام بانه مع الظهور خفي و مع الكثرة‌ واحد فمعناه انه انّما هو بما خلق لا بذاته و كان ظهوره بهم تعرّفا منه تعالي لهم ليعرفوه بما اودع في خلقه من الايات و الدلالات و كان وجودهم هو الحاجب لهم عن معرفته و لذا امر سيد الوصيين عليه‌السلام كميل بن زياد لما سأله عن الحقيقة بان ينفي عن وجدانه الوجودات و جميع الاعتبارات فقال له كشف سبحات الجلال من غير اشارة و ذلك لان السبحات التي هي الاشعّة كثرة فتمحي حتي الاشارة و هو مثل قوله عليه‌السلام من عرف نفسه عرف فقد عرف ربّه، حرفاً بحرف فكيف يظهر من لم‌تتحوّل ذاته و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 486 *»

كيف يخفي من ظهر باياته و هو تعالي ايضاً مع الكثرة واحد لانه تعالي كان وحده و هو الآن علي ما كان و دليله الذي هو عنوان معرفته في الكثرة‌ واحد لانه ليس فيها ما يشابهه او يشتبه به فلايحتاج في اثباته الي نفي ماسواه الا من يشتبه بالسواء فافهم.

قال سلمه الله تعالي: السؤال التاسع – قد وجدنا في كلمات بعض محقق العرفاء تفسير قوله تعالي عزه لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان‌تنفد كلمات ربّي بحمل الكلمات علي الذوات الكائنة و البحر علي الهيولي الاستقصّيّة و ربما يختلج بالقلب ان الافاضة المتعلّقة بتلك الذوات انما هي بحسب اختلاف الاستعدادات فيكون كل افاضة و تاثير و فعل بازاء استفاضة و تأثر و قبول فلايتصوّر نفاد البحر قبل نفاد الكلمات و الا لكانت الحوادث الكائنة حاصلة الوجود بلا اعانة من الموادّ و هو مستلزم لكونها مجردات صرفة‌ و عقليات محضة كما يظهر بعين السداد.

اقول: الاولي اذا عدلنا عن باطن الاية ان المراد بالكلمات ما في الخزائن الاولي الامكانيّة و الخزائن الثانية‌ الاكوانيّة و البحر الاكواني و الكلمات الذوات و الصفات او صفات الذوات كما في التفسير الباطن و قولكم و البحر علي الهيولي الاستقصّيّة، فيه ان اصطلاحهم جري علي تسمية المادة باسماء تابعة للاحوال فالهيولي للمادة اللنوعية القابلة للصور قبل تعلقها و الاستقصّ للمادة التي تعود اليها الحصص المأخوذة منها فاطلاق الهيولي علي الاستقص خلاف ما اصطلحوا عليه و لكن المراد معلوم و تفسيرهم له وجه في الجملة و اما ما اختلج بضميركم فله وجه ايضا الا ان فيه شيئا و هو انه انما يتمّ لو قلتَ بان الذوات لا وجود لها و لا ذكر قبل الافاظة (الافاضة ظ) و امّا اذا جعلت لها حصولا ما في الذات او في العلم كما يقولون فلا علي انّا نقول ان البحر انما يحصي نفسه اي ما فيه من اوصاف الكلمات و اذا جيء بمثله مددا كان المداد انما يحصي ما فيه و قولكم مستلزم لكونها مجردات صرفة و عقليات محضة، ظاهر في ان بعض الحوادث كالعقول و النفوس مجردات لا موادّ لها اصلا و هذا

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 487 *»

لايصح لا اصلا و لا فرعا لان كل ممكن زوج تركيبي و هذا لايخص بالعنصريات بل يعم كل محدث و كلام المتقدمين من الحكماء ارادوا بهذا الكلام ان العقول و النفوس مجردات عن المواد العنصرية و المدد الزمانية لا انه لا مادّة لها اصلا فاتي المشاؤون فأخذوا ظواهر كلام المتقدمين فقالوا ما قالوا و لم‌يفهموا مرادهم و لهذا سمّوا بالمشائين تشبيهاً لهم بالماشين مع الراكب لانهم سمّوا بذلك لكونهم يمشون تحت ركاب افلاطون كناية عن اقتصارهم علي ظواهر كلماته و الاشراقيون من اشرقت علي الواح نفوسهم نفس افلاطون كناية عن فهمهم لمراده و الرواقيون سمّوا بالقاعدين في رواق بيته كما هو حال الخدّام و كيف يراد بالمجردات المتجردات عن مطلق المواد مع قولهم كل ممكن زوج تركيبي.

قال سلمه الله: السؤال العاشر – حكي عن المعلّم الثاني انه قال ان الهيولي تصوّرت فوُجدت و وُجدت فتصوّرت اوضح لنا المرام من هذا الكلام حفظكم الله من الالام بمحمد وآله الكرام.

اقول: قد تقدم ما يشير الي معني هذا الكلام و الاشارة اليه انا قد ذكرنا مراراً ان المراد من الوجود الذي هو اول صادر عن فعل المعبود هو المادة و وجود كل شيء اذا اردت به الذي هو حقيقة الشيء هو المادّة و المادّة اذا لُحظ فيها صلوحها لقبول الصور المتعددة تسمي هيولي و هي الوجود الاوّلي و الوجود لايمكن حصوله الا بقابليته للايجاد و قابليته للايجاد هي صورته و عندنا ان الصورة توجد بعد المادة‌ و ليس لها اسم و لا رسم بحال من الاحوال قبل المادة و امّا عندهم فالامكان الاصلي الاعتباري لا تحقّق له و امّا الامكان الاستعدادي هو و ان كان لايكون الا بعد الوجود لكنه له تهيّؤ قريبٌ و هو علّة حدوث الحادث يعني به القابليّة فعلي قولهم ان الهيولي تصوّرت اي تهيّأت للايجاد فوجدت اي فحدث وجودها فحصل منها ح المادة و الصورة النوعيّان و وجدت فتصورت اي بعد ان وجدت في النوع تصوّرت بالصور الشخصية فيكون معني كلامه تصورت في الاستعداد فوجدت اي لبست الوجود بالايجاد

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 488 *»

و وجدت اي و بعد ان وجدت في الخلق الاول تصوّرت في الخلق الثاني.

قال ايده الله تعالي: الحادي عشر – اوضحوا رحمكم الله للعبد التفرقة بين الهويّة و الاحديّة و الواحدية و الالوهية و اللاهوتيّة و الرحمانية و الرحيمية و اطلاقاتها و العنوانات الدالة عليها بعبارات مفصّلة واضحة بحيث يظهر السرّ المحجوب و يكشف النقاب عن وجه المحبوب.

اقول: ان الكلام علي مثل هذه الامور ان كان يبين فيه اصطلاحات القوم علي كثرة اختلافهم ثم يبين طريق الحق طال الكلام و ضاق وقتي مع ما انا فيه و لكن لابد من الاشارة الي المراد و الاعتماد علي فهم من له قلب و فؤاد، اعلم ان الهوية هي ما يراد بهو عند الاشارة الي الذات فان الهاء اشارة الي تثبت الثابت و الواو الي الغائب كما (ظ) قاله الباقر عليه‌السلام او كما قال و المركب من الحرفين يراد به الاشارة الي الذات الغائبة مع قطع النظر عن كل صفة غير الغيبة و الاحدية صفة الاحد و هو الواحد في ذاته و قال الله لاتتخذوا الهين اثنين انما هو اله واحد، و الواحد في صفاته قال تعالي ليس كمثله شيء، و الواحد في صنعه قال تعالي اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات و قال هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه، و الواحد في عبادته قال تعالي و لايشرك بعبادة ربه احداً فالمتفرد في الاربع المراتب احد و في واحدة واحد و هو صفة‌ احد و الواحدية صفة واحد و هي صفة الاحديّة و الالوهية صفة الله و هو الذات الجامعة لصفات القدس كالعزيز و العلي و القدوس و لصفات الاضافة كالعليم و السميع و البصير و القدير و لصفات الخلق كالمشيّة و الارادة و الكلام و الخالق و الرازق و اللاهوتيّة مبالغة في الالوهية كالملكوت مبالغة في الملك يعني غيب الالوهية و الرحمانية صفة الرحمن اي الذات الجامعة لصفات الاضافة و صفات الخلق كما مر و هي الرحمة الواسعة لكل شيء منها فضل و منها عدل فالتنعيم للمؤمنين في الاخرة من الفضل و التعذيب للكافرين في الاخرة‌من العدل و كلاهما من الرحمة الواسعة و هي صفة‌ الرحمن و الرحيمية صفة الرحيم و هي الرحمة‌ المكتوبة للمؤمنين و كان بالمؤمنين رحيما

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 489 *»

و قال بعد قوله و رحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون الاية، و قد اشرت الي العنوانات اذ هي الادلّة علي ما ذكر فهذا معني ما ورد في الاخبار و ذكره العلماء الاخيار.

قال سلمه الله تعالي: السؤال الثاني عشر- بيّنوا حماكم الله الفرق بين التوحيد الالوهي و الوجودي.

اقول : التوحيد الالوهي توحيد الجملة بان تثبت ذاتاً واجبة الوجود متصفة بصفات كمال لاتشارك فيها هي عين تلك بلامغايرة الا من حيث اللفظ باعتبار متعلقاتها من الاثار و التوحيد الوجود ان تثبت وجودا واحدا لاتشهد معه شيئا حتّي ذاتك و شهودك و انما تراه به كما قال الشاعر:

اذا رام عاشقها نظرةً و لم‌يستطعها فمن لطفِها
اعارته طرفا رآها به فكان البصير بها طرفها

و اليه الاشارة بقول سيّد الوصيين عليه‌السلام و كمال توحيه نفي الصفات عنه.

قال سلمه الله تعالي: السؤال الثالث عشر – المرجو من جنابكم تحقيق مسألة النسخ و البداء و الفرق بينهما و بيان مجراهما من الاحكام التكليفية و الافعال التكوينية بحيث يرفع الحجاب و يكشف النقاب.

اقول: اعلم ان الله سبحانه خلق كل شيء بقابليته و قابليته بمشخصاتها و متمّماتها و اصولها الكم و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و فروعها كثيرة و لايكون شيء عن فعل الله سبحانه الا بعد استكمال شرايط ايجاده و في الحديث بطرق متعدّدة لايكون شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة مشية‌ و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر و في  رواية فقد اشرك و في رواية علي نقض واحدة بالضاد المعجمة، فكل شيء فله اجل و لكل اجل كتاب يعني ان الموجودة لوجوده وقت يظهر فيه و وقت ينعدم وجوده فيه او يتغيّر و لبقائه وقت فاذا استكمل الشرائط بقي واقفاً بالباب حتي يؤذن له بالخروج و الذهاب و الذوات عالم مستقل و الصفات عالم

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 490 *»

برأسه و الافعال علام برأسه و الاقوال عالم برأسه و الحروف عالم برأسه و الحركات عالم برأسه و الطبائع عالم برأسه و الالوان عالم برأسه و الطعوم عالم براسه و الروائح عالم برأسه و الاشعة عالم برأسه و هكذا فكل نوع عالم مستقل فاذا عرفت ما اشرنا اليه ظهر لك ان النسخ و البداء شيء واحد بمعني واحد و انما فرق بينها باعتبار متعلقيهما فوجود الحكم له مدّة يجري علي المكلفين به فيها فاذا انتهت رفع و هو معني نسخ الحكم و وجود الشيء له مدّة يجري علي كونه في الاعيان بما لبس من حلّة الاكوان في تلك المدّة فاذا انتهت رفع ذلك الوجود او تغيّر و هو معني البداء و لهذا قال السيد الداماد البداء نسخ وجودي كما ان النسخ بداء تشريعي و نعم ما قال هذا ذكر الاشارة الي علّة البداء و النسخ و امّا ذكر الاشارة الي وصف كونهما فاعلم ان البداء هو محو ما كان ثابتاً و اثبات ما لم‌يكن، مثاله ان الله سبحانه جعل علي زيد ملائكة موكلين به في جميع قواه و طبائعه في تدبير جميع انحائها فاذا نظروا مثلا الي آلات نفسه التي تخرج باختلالها عرفوا بان تلك البنية تقتضي انه يعيش عشرين سنة بمعني ان تلك الالات لم تتحلّل قبل العشرين سنة انتقش في اذهانهم انه يعيش عشرين سنة فاذا فعل ما ينقص العمر من الاعمال المنهي عنها كالزنا ضعفت تلك البنية لان الزنا يحبس كثيرا من المدد الذي به قوام تلك الطبائع حتي كانت البنية لاتقتضي البقاء اكثر من خمس سنين فاذا نظر اليها الملائكة الموكلون به وجدوا بنيته لاتقتضي اكثر من خمس سنين انمحي ما كان ف اذهانهم من ان بنيته تقتضي عشرين سنة و انتقش فيها ان بنيته تقتضي البقاء خمس سنين فقد محا سبحانه ما كان ثابتا و هو العشرون السنة من الواح المحو و الاثبات التي هي اذهان الملائكة الموكلين به و اثبت فيها خمس سنين فقد محا من الالواح الجزئية و اثبت كل واحد بمشيته و كذلك لو عمل زيد اعمالا صالحة كالاحسان و البر خصوصا بوالديه و اقار به قوي مجري المدد من فعله تعالي الي قوابل بنيته فتقوي بنيته بحيث تقتضي البقاء خمسين سنة فاذا نظر اليها الملائكة انمحي ما كان انتقش في نفوسهم من مدّة العشرين و انتقش في نفوسهم بقاؤه

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 491 *»

خمسين فقد محا سبحانه من الالواح الجزئية الواح المحو و اثبت في الالواح الجزئية الواح الاثبات و كل ذلك بمشيته و كذلك الكلام في النسخ الحكم كان مثبتا في بعض الالواح التي تحت اللوح المحفوظ مادام الوقت و المكان و الموضوع فلما تغيّر احدها ارتفع حكمه فهو كالانسان حرفا بحرف فمادام شيء من رزقه المكتوب له و من عمره فهو حي فاذا انقضي احدهما مات.

قال سلمه الله تعالي: الرابع عشر – بيّنوا تقرير الشبهة المشهورة المنسوبة الي ابن كمونة و دفعها و ابطالها علي القول بقدم العالم و علي القول بحدوثه.

اقول: قال الملاصدرا في الاسفار ان مما تشوّشت به طبائع الاكثرين و تبلّدت اذهانهم ما ينسب الي ابن كمّونة و قد سماه بعضهم بافتخار الشياطين لاشتهاره بابداء هذه الشبهة العويصة و العقدة العسرة الحلّ فاني قد وجدت هذه الشبهة في كلام غيره ممن تقدّمه زمانا و هي انه لمَ لايجوز ان يكون هناك هويتان بسيطتان مجهولتا الكنه مختلفتان بتمام الماهية يكون كل واحد منهما واجب الوجود بذاته و يكون مفهوم واجب الوجود منتزعا منهما مقولا عليهما قولا عرضيا فيكون الاشتراك بينهما في هذا المفهوم العرضي المنتزع عن نفس ذات كل منهما و الافتراق بصرف حقيقة كل منهما انتهي كلامه لنقل شبهة ابن كمّونة و انا اقول هذه الشبهة انما تكون شبهة عن من لايعرف الله الا بمفاهيم العبارات و اما من عرف الله بما وصف به نفسه فلاتكون هذه شبهة عنده و انما هي كلمات متناقضة لايحدث منها توهّم و لا اشكال بحالٍ من الاحوال و نحن قد ذكرنا ما ينفيها و لكن اجدّد ما يدلّ علي معرفته تعالي كما وصف به نفسه اعلم ان قول ابن كمونة هناك يشير به الي الازل و قد بيّنا مرارا ان الازل ليس مكانا او وقتا مغايرا للذات المقدسة تعالي شأنه بان يكون مكانا واسعا و الواجب في موضع منه او وقتا ممتدّا و الواجب في مدّة منه، تعالي عن ذلك علوا كبيرا بل هو ذاته البحت بكل اعتبار من مواضع الاعتبارات في الذهن و في نفس الامر و في الخارج و بكل احتمال و فرض فكيف يمكن فرض هويتين بسيطتين مجهولتي الكنه مختلفتين بتمام الماهية يكون كل واحد منهما

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 492 *»

واجب الوجود لذاته في هويّة واحدة بسيطةٍ واجب الوجود بذاته لا اختلاف فيها بذات و لا صفة و لا حيثيّة و لا كم و لا كيف لا في التصور و لا في نفس الامر و لا في الخارج بكل اعتبار او فرض او احتمال و تجويزٍ هذا مستحيل الفرض و ممتنع التجويز الا ان يعتقد بان الازل مغايرٌ للذات و انه فضاء واسع او وقت ممتد فانه للجاهل ان‌يفرض هويتين و انما قلت للجاهل لان العارف يمتنع عنده الفرض مع الوجوب لان اية ذلك التي اراكم الله اياها في الافاق منها السراج و اشعّته فان نفس السراج اية الواجب و ليس للسراج مكان او وقت غير نفسه و ما خرج عن نفسه فهو اشعته و اثاره كذلك الواجب هو الازل نفسه ذات بحت و ما سوي تلك الذات فهو الامكان فكما لايمكن فرض سراج او سراجين في السراج للتنافي و لا في اشعته لانه مكان الاثار لا مكان المؤثر كذلك لايمكن فرض ذاتين في ذات واحدة و لا في خارج الذات لانه امكان و هو محل الاثار لايصلح ان‌يكون محل المؤثر و قوله و يكون مفهوم واجب الوجود منتزعا منهما يناقض قوله و الافتراق بصرف حقيقة كل منهما و قوله مختلفتان بتمام الماهيّة لان الانتزاع  ان كان من جهة جامعة بينهما ناقض قوله بسيطتان للزوم التركيب مما به الاجتماع و مما به الافتراق فتكونان مركبتين سواء كانا من ذاتيين ام عرضيّين ام من مختلفين لا بسيطتين و ان لم‌يكن الانتزاع من جهة جامعة بينهما مع اختلافهما كان المفهوم المنتزع مركبا و هو يناقض مفهوم واجب الوجود اذ لايجوز ان يكون مركبّا  و يناقض ايضا قوله مقولاً عليهما قولاً عرضيّاً ، لان المفهوم البسيط لايقال علي هويتين مختلفتين بسيطتين نعم ان كانا مركبتين مما به الاختلاف و مما به الاتحاد امكن ان يقال المفهوم البسيط مقول علي ما به الاتحاد و ايضا يناقض قوله قولا عرضيّا ، لان المنتزع من الذات يكون مقولا بالذات لان المنتزع من الذاتين البسيطتين و ليس منتزعاً من صفتيهما العارضتين عليهما لايكون المنتزع مقولا علي الذاتين بالعرض و ان بني الانتزاع علي ما هو الحق عندنا من ان المنتزع سواء كان من نفس الذات ام من صفتها العارضة او اللازمة لايكون الا عرضيا لان الذهن لايحله الا الصور و الاشباح

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 493 *»

المنفصلة التي هي اظلّة المنتزع منه و اشعته صحّ كون المنتزع مقولا بالعرض مطلقاً اي سواء انتزع من الذات ام لا و لكنه يناقض كون الهويتين بسيطتين مختلفين لان المفهوم ان كان منتزعا من كل منهما من جهة جامعة كما لو كانتا مشتركتين في الصفة لزم تركبهما مما به الاشتراك و مما به الاختلاف كما تقدم فلايكونان واجبين و ان كان منتزعا مما به الاختلاف او من حيث هما مختلفتان كان المنتزع مركبا فلايصلح ان‌يكون مفهوما لواجب الوجود فظهر مما ذكرنا مكررا مرددا ان هذه الشبهة ليست شبهة الا عند من يري ان المعرفة طريقها في زاويةٍ منه و يعتقد صحة الفرض بالنسبة الي الواجب نظراً الي ان الذهن يتعلق بشيء هو القديم و في ذلك المحل منه يتعلّق بغيره و ان الذهن يسع تعدد القدماء لانه لايعرف من معني القديم و الواجب الا انه شيء و الشيء يجامع غيره في حكم الذهن فاذا تعذّر الخارج عن التعدّد لم‌يتعذر الذهن عن تعدّد جهاته و مفهوماته لانه دائر مدار القضايا و انا اقول الحمل لايجدي في معرفة الله سبحانه نفعاً بل اقول الحمل سقط و اقول قضيّة و لا اباحسن لها و اقول ان اردت ابطالها فاسمع ما كتبت فيها و تفهّمه راشدا و اما قولكم علي القول بقدم العالم و علي القول بحدوثه فاعلم ان القول بقدم العالم و حدوثه لا ربط له بهذه الشبهة و لا بابطالها لان القائلين بقدم العالم مع اثباتهم الصانع كالمنقول عن ثاليس المطلي يدّعون تأخر العالم عن الصانع رتبة و ان كان وجوده لازما لوجود الصانع تعالي كقوله ان علة وجوده التامة كرمه و المعلول لايتخلف عن علته التامة و نحن نقول لو سلمنا قوله كان قولا بحدوث العالم لان العالم معلول مسبوق بعلته و ان كان لايتخلف عنها فانا لانريد بالحادث الا المسبوق بالغير و يلزم من كونه مسبوقا بالغير انه عدم في رتبة السابق فيصدق عليه انه مسبوق بالعدم كما هو رأي آخرين و من فرض تعدّد القدماء لم‌يجوّز كون شيء منها سابقا او مسبوقا بل هي كلها سواء فلا فائدة  في ذكر حدوث العالم او قدمه في حل هذه الشبهة و ذكر الادلة و الالزامات و امثالهما لايقتضيه المقام.

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 494 *»

قال ايده الله تعالي: الخامس عشر- قال الرئيس فان قيل ما علة الانسان في انه انسان قلنا لا علّة لكونه ذاتا فان العلة لوجوده لا لماهيته و كونه انسانا هـ ، و هو يرشد الي نفي جعل الذات و تعلق الجعل بالوجود المنتزع عنها و ليت شعري كيف يجوز الاستغناء الماهيّة الحقيقية عن الجاعل و افتقار الامر الاعتباري القائم بها قياما انتزاعيا الي الفاعل ام كيف يمكن القول بكون الوجود هو المجعول مع انه لا موجود و لا معدوم و افادة الفاعل مثله غير معقولة.

اقول: ان كان كونه ذاتا شيئا فلايخلو اما ان يكون قديما او حادثا فان كان قديما اتجه كلام الرئيس لكنه ليس بقديم قطعاً و ان كان حادثا فله علة قطعاً و ان لم‌يكن كونه ذاتا شيئا فلامعني لنفي العلة عنه لان النفي فرع الثبوت و ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت الشيء الذي ثبت له و قوله فان العلة لوجوده لا لماهيته و كونه انسانا، غلط بل الحق ان اوّل معلولٍ من الانسان كونه و هو وجوده و ثاني معلول من الانسان ماهيته و انه هو و كل معلول فله علة الا ان كلامه مبني علي القول بقدم الماهيات لانها هي الاعيان الثابتة في علمه الذي هو ذاته تعالي او انها معلقة بعلمه و ذاته كتعلق الظل بالشاخص و ليست مجعولة و هذا مرض مهلك نعوذبالله من سخط الله و اعتراضاتك علي كلامه واردة عليه متجهة و كلها حق.

قال سلمه الله تعالي: السادس عشر – منوا علينا ببيان ما هو الحق في تحقيق الاوعية الثلاثة من الزمان الذي هو نسبة المتغيرات الي مثلها و الدهر الذي هو نسبة المتغيرات الي الثابتات و السرمد الذي هو نسبة الثابتات الابديات الي مثلها و ان ايّها يأبي عن المسبوقية بالعدم حفظكم الله.

اقول: ان الظروف الثلاثة في الحقيقة هي مدد لوجودات مظروفاتها و ماهياتها و لوجودات حركاتها و سكناتها و قد يمكن تعقّلها بحركات المظروفات اي يمكن تعقّل كل ظرف بنسبة حركة مظروفه السّريعة الي البطيئة لا ان تلك الظروف هي تلك الحركات كما قالوا انّ الزمان عبارة عن مقدار حركة الفَلَك و علّة قولهم ما وجدوا في عبارات الحكماء المتقدّمين في بيان

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 495 *»

تعقل الزمان بان مثلوا انه لو ابتدأ سائران في مسافة مقدرة احدهما يسير بحركة سريعة يقطع المسافة في ساعةٍ و الآخر بحركة بطيئة يقطعها في ساعتين الي اخر ما مثّلوا و يريدون به تعقّل  المدد و ربّما توهّم من تاخر عنهم انهم ارادوا بذلك التمثيل ذكر حقيقة الزمان فقالوا ان الزمان عبارة عن حركة الفلك و ليس كذلك و انما مثّلو بذلك لتعقّل الزمان لا لبيان حقيقته لان حقيقته هي مدّة مكث الجسم او انتقاله في افعال الجسم و في الجسم نفسه مدة نموّه و ذبوله و ترقيه في الرتب العالية كالصفاء و النورانية و هبوطه في الدركات السافلة كالكلدورة و الظلمة و قول من قال الزمان نسبة المتغيّرات الي مثلها، يصلح لارادة بيان الحقيقة و ارادة بيان التعقل،

فالاوّل ان المتغيّر له تنقّل و مكث و مدة بقاء كل واحد منهما في كونه او فنائه اذا نسب الي مثله في تنقّله او مكثه مع اختلافهما في المدة او اتفاقهما في التقضّي هو الزّمان،

و الثاني اذا نسب المتغيّر الذي هو المتحرّك السريع الي المتغير الذي هو المتحرك البطيء في قطع المسافة المقدرة كانت تلك النسبة هي تعقّل الزمان فنسبة انقضاء تنقّل المنتقل الذي هو المتغير لاختلاف احواله و انقضاء مكثه الي مثله اي الي انقضاء تنقّل منتقل اخر و مكثه هو الزمان و هو الظاهر و الدّهر هو نسبة المتغيرات الي الثابتات اي نسبة تجدّد المتجددات و تقضّيه و تبدّله الي المتعيّن الباقي القارّ فتجد ثباتا قارّا متعيّنا ليس فيه تجدد و لا استعداد و لا تبدّل و لا ما بالقوة فيحصل من ذلك تعقل الدهر لا معرفته في نفسه بل كما قالوا ان الزمان عبارة عن حركة الفلك و هذا لايكون تعريفا لحقيقة الزمان و انما هو لتعقّله كذلك هذا في الدهر الاتري انهم يقولون الدهر نسبة المتغير الي الثابت فاذا حملوا نسبة المتغير عليه كان المعني ان الدهر هو المتغيّر اذا نسب الي الثابت الذي هو مظروفه فيكون الظرف مخالفا لمظروفه في التغيّر و الثبات و لو كان كذلك لما قيل في الزمان انه نسبة المتغير الي المتغير لان هذا يدل علي تساويهما فيكون المعني في قولهم ان الدهر نسبة المتغيّر الي الثابت يعني اذا

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 496 *»

نسبت المتغيّر الي الثابت و عرفت تقضي المتغيّر و تبدله الذي كان صفة للزمان عرفت ان الدهر هو الوقت القار الثابت الذي لاتغيّر فيه لانه روح الزمان كما ان مظروفه الذي هو المجردات روح مظروف الزمان الذي هو الاجسام و الدهر في تعقّله هكذا بخلاف الزمان في تقضيه و تجدّده و هذا بالنسبة الي الزمان و الا فالدهر ايضا متقضٍ و متجدد ايضا كالزمان الا انه لسعته اذا طوبق بالزمان كان الزمان من اوله الي اخره لحظة في الدهر فيتقضي الزمان و يتجدد في آن من الدهر بحيث يفني الزمان و يتجدد في آن من الدهر لم‌يعقل فيه تجدّد و لا تَقَضٍّ فلذا قال الحكماء الاولون الذين اخذوا الحكمة من الوحي بواسطة الانبياء عليهم‌السلام ان الزمان قارّ ثابت و لايريدون بهذا ما فهمه المتأخرون من كلامهم بل يريدون ان ثباته بالنسبة الي الزمان المتغيّر و الا فهو في نفسه متغيّر بتقضٍّ و تجدّد كيف لايكون كذلك و هم قد نصّوا بان جميع الحادثات تحتاج في بقائها الي المدد و انها قائمة بفعل الله ابدا قيام صدور و امّا  تعريفه في نفسه فكما قيل في الزمان لان الظاهر طبق الباطن فقد قال الرّضا عليه‌السلام قد علم اولو الالباب ان ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ، فيكون المعني في طلب معرفته ان الثابت اعني عالم العقول و النفوس و الارواح و الطبائع الكلية و المواد المحصّصة قبل تعلّق الصور بها في ثباته و عدم تنقله و في دوام مكثه و مدة دوامه و فعليته فيما له و عدم ما بالقوّة فيه له استمرار غيرمنقطع بدون تقويم او تأخير او تجدّد او تقضٍّ فذلك الوقت القارّ الذي هو وعاء هذه المذكورات و امثالها المطابق لها في فعليتها و عدم التقضّي و التجدّد و التقدم و التأخر و عدم الانقطاع هو الدهر و لهذا تري الزمان و المكان و ما وقع فيهما غيرزائل و لا متغير و لا متبدّل و لا فان و ان كانت فانية في الزمان مثاله اذا رأيت زيدا يصلي يوم الجمعة في المسجد ثم غبت عنه او هو غاب بقي مثاله يصلّي في غيب المسجد و غيب يوم الجمعة الي يوم القيامة فكلّما التفت ذهنك رايت المثال يصلي في ذلك المكان و ذلك الوقت ابدا سواء كان زيد حيا ام ميتا و هذا المثال و المكان و الوقت تراهما بخيالك في الدهر لان الزمان تقتضي و الدهر ثابت

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 497 *»

فكان ذلك المثال في مكان من امكنة المجردات و غيب يوم الجمعة آن من الدهر قارّ الي يوم القيامة فافهم،

و امّا قولهم السرمد نسبة الثابتات الابديات الي مثلها فبمعني ما عبّروا به في الزمان بانه نسبة المتغير الي المتغير و هنا السرم نسبة الثابت الي الثابت الا ان مقتضي تعبيرهم في الدهر بانه نسبة المتغير الي الزمان او الجسم الي الثابت اي المجرّدات يدل علي انّهم يريدون من الثابت المنسوب هو الدهري و الثابت المنسوب اليه هو السرمدي ليجري الكلام علي نسق واحد و في كلامهم مفاسد كثيرة ترد عليهم فيها الزامات قبيحة يطول بذكرها الكلام بلافائدة لان الغرض بيان معني السرمد عندهم فليت شعري ما يريدون بالسرمد هل يريدون منه ما يريد المتكلمون من انه ظرف للواجب اذ الاول هو الازل و الاخر هو الابد و ما بينهما الجامع لهما هو السرمد فان ارادو به هذا فنعوذ بالله من سخط الله آمنت بما كفروا و اعترفت بما انكروا و اجبتُ الي ما دعوا لا اله الا الله ربي و رب آبائي الاولين و ان ارادو به ظرف فعل الله كما نقول نحن فحسن و لكن كيف يعرف او يتعقل بامثال هذه العبارة نعم يمكن معرفته بمعرفة اثاره كما نعرف حركة يد الكاتب بالكتابة و علي هذا فكما تقرّب في الزمان و في الدهر اللذين هما اثاره فقرّب في المؤثر من جهة تأثيره لان كل اثر يشابه صفة مؤثره من جهة تأثيره فيه فافهم.

قال سلمه الله تعالي: السابع عشر – اريد منكم تحقيق مسألتي الخير و الشر و القضاء و القدر بتقرير وافٍ و بيان شافٍ.

اقول: امّا هذا السؤال فهو مذكور في رسائلنا مكرّرا و امّا اني اقرّره علي مقتضي السؤال فاني لايسعني الحال نعم لايسقط الميسور بالمعسور مما هو اقل المقدور و انا عند الله ان شاء الله تعالي معذور لضعف حالي و ضيق وقتي فاقول الخير و الشر من افعال العباد خلق الله الخير من النور بفعل المكلف للمأمور به و خلق الله الشر من الظلمة بفعل المكلف للمنهي عنه بعد علمه و هما راجعان الي افعال العباد الاختيارية ليس لله فيما يفعلون منهما الا المعونة بالمدد لفعل

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 498 *»

الطاعة اذا ائتمر المكلف بها فان الله تعالي ح يمدّه بمدده بضم الياء و كسر الميم من امدّ و المعونة باخذلان و الترك لفعل المعصية اذا ائتمر المكلف بها فان الله سبحانه يمدّه بمدد خذلانه و تركه و هوي نفسه بفتح الياء و ضم الميم من مدّ و ذلك اذا لم‌يقبل امره و ترك ما هداه اليه مما فيه نجاته بعد التقدم بالوعيد و التلطّف في الترغيب و ضرب الامثال و اطالة الامهال و معني قولي ان الله سبحانه يخلق الخير و الشر انه اذا فعل العبد باختياره ما امره به خلق الله من فعل العبد و امره تعالي ثواب عمله من انارة قلبه و اعانته علي الخير و بناء قصور له في الجنة و حور عين و غير ذلك من اطالة عمره و ادرار رزقه و دفع البلايا و الامراض عنه و غير ذلك و اذا فعل العبد باختياره خلاف ما امره به خلق الله من فعل العبد و من ترك امره سبحانه عقوبة عمله من ظلمة قلبه و منعه الخير و نقص عمره و امتحانه بالبلايا و عقوبات الاخرة فهذا معني قولنا ان الله خلق الخير و الشر و امّا القضاء فهو اتمام الشيء بعد تقديره فهو مؤخر في الرتبة و في الذكر عن القدر عند اهل البيت عليهم‌السلام لان القدر هو تقدير الشيء قبل قضائه مثل ما اذا اراد النجار عمل السرير قدّر الخشب من طوله و عرضه و هذا هو القدر ثم ركبه و هذا هو القضاء بخلاف مايذهب اليه الجماعة و انت اختر لنفسك من في متابعتهم النجاة هؤلاء الحكماء المتأخرون و الصوفية الجاهلون يقدمون القضاء علي القدر و هذا محمد و آله اجمعون صلي الله عليه و عليهم اجمعين يقدمون القدر و يؤخرون القضاء و اختر لنفسك ما يحلو و امّا التعبير الكافي الشافي علي جهة الاختصار فاقول خلق الله عزوجل الانسان من ركنين وجود هو مادته و ماهية هي صورته و الركنان محدثان لا بقاء لهما الا بالمدد و المدد لكل واحد من جنسه فمدد الوجود من النور لانه نور و مدد الماهية من الظلمة لانها ظملة فلامحالة يكون كل واحد منهما له ميل الي نوعه لاجل الاستمداد فلمّا حصّصهم اي جعلهم حصصا متمايزة جعل فيهم الاختيار لاجل مقتضي الركنين النور و الظلمة فان شاءت تلك الحصّة قبلت بميل الوجود و ان شاءت انكرت بميل الماهية ثم كشف لهم عن عليين كتاب الابرار فاراهم صور الطاعات و قال هذه

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 499 *»

صور طاعاتي فمن اجابني اذا دعوته البسته صورة ما اجابني به من صور طاعاتي ثم كشف لهم عن سجين كتاب الفجار فاراهم صور المعاصي و قال هذه صور معاصيَّ فمن عصاني اذا دعوته البسته صورة ما عصاني فيه من صور معاصي ثم دعاهم فقال لهم الست بربكم قالوا بلي فخلق من اجابتهم صورتهم الانسانية الجسمية ثم قال لهم الست بربكم و محمد نبيكم فسكتوا لانهم اول الامر انما اجابوا لظنهم انه يقتصر علي ذلك و انه لايريد ما نتنافس عليه لانه ليس من نوعنا فلما دعاهم الي النبوة قالو انه تجاوز عن حكم نفسه الي من هو من نوعنا لكنه اخذ له العهد ليس لنفسه بل لذاته تعالي فيحتمل ان محمدا لاينافسنا اذ لم‌يؤخذ له عهد يرجع اليه بل الي الله لكنا لانجيب حتي ننظر فان اقتصر علي هذا امكن تلافي الاجابة و الا بقينا علي سكوتنا حتي يتجاوز عن هذا فلانقبل فلما دعاهم الي الولاية و قال لهم الست بربكم و محمد نبيكم و علي وليكم قالو نعم يعني لستَ بربنا الذي يأمرنا بطاعة مثلنا و يولّي علينا بشرا مثلنا فقال بعضهم لبعض و لئن اطعتم بشرا مثلكم انكم اذا لخاسرون، هذا حكم المنكرين من الكافرين و المنافقين و المشركين و امّا المؤمنون فاجابوا في الدعوات الثلاث بقلوبهم و السنتهم فمن اجابه باختياره البسه صورة اجابته و من عصاه باختياره البسه صورة معصيته فبلغت حجته و تمّت كلمته و ما ربّك بظلام للعبيد.

قال ايده الله تعالي: الثامن عشر – ما معني قول بعضهم ان العبد مجبور بصورة المختار و لابد من الاتمام بتحقيق مسألة الجبر و الاختيار.

اقول: قال المحقّق الطوسي نصير الدين انا مجبورون في اختيارنا و يرد انا لانقدر علي الا نختار احد الطرفين بل لابد لنا من ان نختار الطاعة او المعصية فنحن مجبورون في اختيارنا ليس لنا الا نختار و اعلم ان من قال بالمنزلة بين المنزلتين باعتبار احوالهم علي ثلاثة اقسام القسم الاول من يقتصر علي مفاهيم الالفاظ و هؤلاء اقوالهم صحيحة و الفاظهم موافقة و لكنهم لايعرفون المنزلة بين المنزلتين بقلوبهم و انما يدركون مدلولات الالفاظ بخيالاتهم و يقولون

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 500 *»

المكلفون مختارون في افعالهم علي طبق ارادتهم ان شاءوا افعلوا الخير و ان شاؤا فعلوا الشر و هؤلاء لفظهم صحيح و اكثر اعتقادهم او اعتقاد اكثرهم قبيح و القسم الثاني من ينظر الي اصل تركيب الانسان و انّه لاينفك عن الميل و ذلك لازم لوجوده كالمحقق الطوسي و اتباعه فيظهر لهم انهم مجبورون في الاختيار و بهذا المعني عندهم يتحقق القول بالمنزلة بين المنزلتين و يقرب من قول هؤلاء قول من يقول بمثل ما في السؤال ان العبد مجبور بصورة المختار و كلا القولين راجع الي القول بالجبر،

امّا الاوّل فلان العبد اذا كان مجبورا علي الاختيار كان مجبورا علي ما يختار لانه قد لايحب واحدا منهما و ان كان لاينفك عن احدهما اذ لايلزم من عدم انفكاكه عن احدهما جبره علي اختيار احدهما،

و امّا الثاني و هو ما في السؤال فلان العبد اذا كان مجبورا كان كونه في صورة المختار ليس موجبا للاختيار بل تكون افعاله و نفسه في افعاله ايضا مع كونها جارية علي الجبر كانها جارية‌علي الاختيار كان يكون راضيا بما يقع منه و الرضا اعم من الاختيار و هذا سمّاه كثير بالاختيار فقد قالوا انّ الله سبحانه مختار بهذا المعني اي بمعني انه راض بفعله و قاصد له لا انه لوشاء لم‌يفعل اذ ليس له ذلك و هو قول بان الله عزوجل موجب لا مختار و الذي  حداهم الي هذا القول الشنيع توهّمهم بانه لو جاز الا يفعل لوقع علمه جهلا فوجب من القول بان علمه لايتغير و لاينقلب جهلا انه ليس له ان شاء فعل و ان شاء لم‌يفعل و انما معني الاختيار في حقه تعالي هو انه راض بما يفعل قاصد له حتي دعاهم هذا الجهل الي ان جعلوا علم الله الذي هو ذاته مستفادا من المعلوم قال الملامحسن في الوافي في باب الشقاوة و السعادة ان احدية المشية تنافي الاختيار لانها نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم و المعلوم انت و احوالك انتهي، و قد ذكر هذا الكلام الشنيع عبد الرزاق الكاشي في شرح الفصوص لمميت الدين ابن عربي الي ان قال في الوافي بعد ذلك الكلام فليس له تعالي الا وجه واحد و هذا هو الذي يليق بجناب الحق هـ ، و الحاصل ان كلامهم هذا و امثاله قول بالايجاب

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 501 *»

و بالاجبار في افعال العباد،

و امّا القول الثالث فان العبد هو الفاعل بافعاله بالالات و القوي و الارادات و غيرها من شرائط الاستطاعة التي خلقها لاجل الطاعة صالحة للمعصية و العبد و ما اعطاه الله من الالات و الحركات و غيرهما كلها قائمة بامر الله قيام صدور فما دام الله حافظا لها فهي بحفظه شيء و بذلك يفعل ما يختاره من الخير او الشر ففي الحقيقة هو مع كونه مستقلا بالفعل لم‌يكن شيئا يفعل او يترك الا بحفظ الله له فلايفعل الا بالله اذ لو لم‌يحفظه و يحفظ عليه لم‌يكن شيئا و ما يشاؤن الا ان يشاء الله رب العالمين فهو يعمل خيره او شره بقدر الله تعالي و لم‌يكن فاعلاً لفعله و لا مشاركا له فيه و انما ذلك لانه لايمكن ان‌يفعل او يترك الا بقدر الله لان القدر في فعل العبد هو حفظ العبد و جميع آلاته و شرائط استطاعته بامره الّذي به قام كل شيء و هذا هو الحق و هو الذي يشهد له صحيح الاعتبار و نطقت به الاخبار مثل ما قاله علي بن الحسين عليهما السلام ما معناه او يقرب من لفظه ان القدر و العمل كالروح و الجسد فكما ان الروح لاتحسُّ بدون الجسد و الجسد لا حراك له بدون الروح كذلك القدر و العمل فلو لم‌يكن القدر بموافقة من العمل لم‌يعرف الخالق من المخلوق و كان القدر شيئا لايحَسُّ و لو لم‌يكن العمل بموافقة القدر لم‌يتم و لم‌يمض و لله فيه العون لعباده الصالحين و هذا القول الاخير ما اكثر من يدّعيه و لم‌يقفوا علي حقيقته حتي ظهرت منهم اقوال متعدّدة غير ما اذكر و هي مع كثرتها لم‌يوافق شيء منها هذا القول الاخير و بعضها يوافق القولين الاولين و بعضها يلزم منه التفويض و كلها خارجة عن الطريق المستقيم ما سوي هذا الاخير فمن كان له في فهمه نصيب فقد اخذ بحظّه سهم المعلّي و الرّقيب.

قال سلّمه الله تعالي: التاسع عشر- قد وجدت مرضا في الشفاء حيث ذكر ابن سيناء فيه تارة ان العدم لايتحقق بدون الوجود فاذا لم‌يكن هناك وجود لم‌يكن عدم و ان كان علي سبيل السلب التحصيلي و اخري ان كل عدم فانه يتحقق بالوجود فما يكون له رفع يكون له ثبوت و ما يكون له ثبوت كان ثابتا.

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 502 *»

اقول ان الشفاء من حيث هو شفاء لايكون فيه مرض و كلامه هذا كله حقّ قد نطق به روح القدس علي لسانه اذ العدم ليس شيئا و لا عبارة له الا اذا اريد به العدم المفهوم المدرك للاذهان فانه شيء خلقه الله و كل مخلوق فله وجود الا ان الوجود قسمان قسم اثبات لما لم‌يثبت و هو وجود و قسم هو نفي ما ثبت و هو وجود فان نفي ما ثبت انّما حدث علي ذلك المنفي بعد ثبوته و لو لم‌يكن شيئا مخلوقا موجودا لم‌يحدث و لم‌ينف ما قد ثبت و لانه ان لم‌يكن موجودا لم‌يكن مخلوقا و اذا لم‌يكن مخلوقا كان سابقا للثابت المنفي به فيجب الا يثبت ذلك المنفي لان نفيه قد سبقه و لان لاشيء لايزيل الشيء و لان النفي لفظ مستعمل فاذا لم‌يكن النفي الذي هو سمّاه شيئا كان لفظا مهملا لا مستعملا و لان الموت منه و هو مخلوق قال الله تعالي الذي خلق الموت و الحيوة فكيف يكون الموت لاشيء و هو مخلوق و يؤتي به يوم القيامة في صورة كبش املح بعد دخول اهل الجنة الجنة و اهل النار النار فيذبح بين الجنة و النار و ينادي منادي يا اهل الجنة خلود و لا موت يا اهل النار خلود و لا موت و معني هذا وارد مجمع عليه بين المسلمين فكيف يكون الموت نفيا بمعني لاشيء و ليس بموجود ما هذا الا جهل محض و غلط صرف فكأنهم مايعرفون من الموجود الا الاجسام و الذوات المصوّرة و الحاصل ان ما ذكره في هذا الموضع من الشفاء من هذا الكلام شفاء لا مرضٌ.

قال ايّده الله تعالي: العشرون – اختلف العلماء في ان الكفار مأمورون بفروع الشريعة ام لا و الحقّ الاوّل عند المشهور و ح فتكلفيهم مع علمه تعالي بعدم الاتيان هل هو تكليف حقيقي و فساده ظاهر او ابتدائي لازدياد العقاب و هو يستلزم الجبر.

اقول: هذه اخر مسائله و اعلم ان المشهور بين علمائنا وجوب الفروع علي الكفار و كثير منهم نقل الاجماع علي ذلك و خالف فيه شاذ منّا و جمهور العامة و ربّما استدلّ من خالف منا مثل الملامحسن في ذلك بقوله عليه‌السلام كيف تجب عليه الصلوة و هو لايشهد ان محمدا رسول الله صلي الله عليه و آله

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 503 *»

او كما قال و حمله الاصحاب مع الطعن في السند بالحمل علي التّقية او علي ان الصلوة هنا هي الصلوة علي محمد و اله ذات الاركان او علي ان المراد كيف يقبل و يلتزم بوجوب الصلوة و هو لايشهد بالنبوة او علي معني كيف تجب وجوبا مسقطاً للقضاء و موافقا للامر بها و موجبا للثواب و غير ذلك و علي كل حال فوجوبها علي الكفار لايوجب تركه عقوبة مثل عقوبة تركها من المسلم لكون الوجوب في الحقيقة مشروطا بشرطٍ لايتعسّر تحصيله فهو في الجملة معلّق علي مقدماته بخلاف ذلك مع وقوع الشرط و حصول المقدّمات كما قال عليه‌السلام في حقّ القدريّة المنكرين للقدر انهم يعذبون بالنار قبل الكفار فيقولون يا ربّنا كيف عذبتنا بالنار قبل الكفار فيأتيهم النداء ذوقوا مس سقر انا كل شيء خلقناه بقدر و يقال لهم انّ من لايعلم ليس كمن يعلم و كما قيل لقتلة الحسين عليه‌السلام فافهم و امّا تكليفه لهم مع علمه تعالي بعدم الاتيان فهو تكليف حقيقي و لا فساد فيه بوجهٍ و الاشارة الي كشف الاشكال صعب المنال علي اكثر عقول الرجال و لو بسطنا الكلام فيه لضاق به المجال و بعد فهمه لكثرة الشقوق و فتح باب الاعتراض و السؤال و لكن يكون من باب التلويح لان كل ما ظهر ظهر بيانه و كلّ ما خفي خفي برهانه فنقول و بالله المستعان و عليه المعول و الاتكال اعلم ان العلم قسمان قسم ينسب الي الفعل و هو منشأ التكليف و هو سابق الايجاد و قسم ينسب الي المكلّف و هو عين المعلوم و الاوّل كذلك عين معلومه فمعلوم الاول انه يمكن وقوع ما كلّف به و عدمه من المكلف فان نبسة الاتيان بالمأمور به و عدمه عنده علي حد سواء في جميع ما يترتب عليه الفعل و الترك فيرد من العلم الاول التكليف لانه قبل الفعل و العلم الثاني هو عين الفعل الواقع من المكلف و عدمه في وقته و مكانه و هذا علم اشراقي لم‌يحصل الا عند حصول معلومه لانه هو هو و الشيء لايحصل قبل حصوله و منه قوله تعالي و ما كان عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالاخرة ممّن هو منها في شك و ربّك علي كلّ شيء حفيظ و العلمان عند الله في رتبتهما من الامكان يحصلان حين يحصلان و يعدمان حين يعدمان و متعلّق  الاول الذي هو نفسه

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 504 *»

امكان وقوع المأمور به و عدمه من المكلف باختياره و استطاعته للامتثال و تركه قبل الامتثال و تركه فانهما قبل الوقوع ممكنان للمكلف باختياره فيتوجّه اليه الامر و النهي حينئذ و متعلق الثاني الذي هو نفسه وقوع احدهما باختياره حين وقع لا قبله و العلمان اشراقيان يحصلان للعالم حين يحصلان في انفسهما و يفقدان حين يفقدان في انفسهما و هما فعليّان و العلم الذّاتي هو ذاته تعالي لاينسب اليه شيء و لاينسب الي شيء و بيانه الالزامي ان العلم لابد ان‌يكون مطابقا للمعلوم و واقعا عليه و مقترنا به و هذا مما لا اشكال فيه عند احد من العقلاء فلو قلت انّ العلم المنوط بتكليف المؤمن و الكافر بوقوع الفعل و ايقاعه و عدمهما هو العلم الذاتي الذي هو الله فما معني قولك ان ذات الله مطابقة لفعل المكلف او واقعة عليه او مقترنة به فان قلت ليست مطابقة لم‌يجز ان يكون العلم غير مطابق للمعلوم و الا لكان جهلا و كذا الوقوع و الاقتران و الحاصل التكليف حقيقي لانه امر لمكلّف مختار مستطيع للفعل و عدمه قبل ان‌يفعل شيئا و لم‌يكن ما فعل فاذا فعل احد الطرفين باختياره و قدرته علي تركه و فعل ضدّه وقع العلم اللاحق حين فعل بما فعل كما اشار اليه جعفر بن محمد عليه‌السلام في رواية صالح النيلي كما في الكافي و غيره في قوله و لكن حين كفر كان في ارادة الله و علمه ان‌يكفر الحديث، و بيان هذا لايرتوي به منه من اراد ازالة الظمأ عنه اصلاً الا بالمشافهة او بطول الكلام و هو متعسر عليّ لضيق وقتي و الحمد لله رب العالمين و كتب احمد بن زين الدين الاحسائي في اواسط جمادي الثانية سنة الثالثة و الثلاثين من الهجرة النبوية علي مهاجرها و اله افضل الصلوة و السلام حامداً مصليا مسلما مستغفرا.

تمت