02-17 جوامع الکلم المجلد الثانی – جواب السيد محمد البکاء ـ مقابله

رسالة فی جواب السید محمد البکاء

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 398 *»

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي انه قد ارسل الي السيد الجليل و السند النبيل الاوحد الممجد السيد محمد بمساۤئل طلب مني جوابها علي غير ما يذكر المفسّرون ظاهراً و شدّد في الطلب و اطال و اسهب و كان القلب متشتتاً و العزم متهافتاً ليس لي وجدان من اختلاف احْوال الاخوان و الزمان و لكن لايمكنني غير اجابته و اسعاف طلبته فكتبتُ ما يتيسر و تركتُ ما طال او تعسر اذ لايسقط الميسور بالمعسور و الي اللّه ترجع الامور .

قال سلمه اللّه تعالي : بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي لايردّ ساۤئله و لايخيّب آمله بابه مفتوح لسٰائليه و حجابه مرفوع لامليه و صلي اللّه علي مفتاح كنوز اسراره محمّد و آله الطاهرين سادة اهل ارضه و سماۤئه ، و بعد فيا مفتاح كنوز اسرار اهل العصمة مولانا و قبلتنا و قرة عيننا و استاذنٰا و محيي نفوسنا من حيرة الشكوك و الشبهات و شمس سمٰاء الحسن و الكشف و الفضل و المجد و الفيوضات اشرف علمٰاء الاوّلين و الاخرين و زبدة قاطبة العرفاء السّابقين و اللاحقين و معدن حقايق الالهية و بحار معٰارف الربّٰانية و صاحب النفس القدسيّة اللاهوتية الرّؤف الرحيم البرّ الحليم الّذي قصرت السن الاقلام عن بلوغ حقيقة جلاله و حسن حٰاله كمٰا يليق به مفقود القدر فخر خواص اهل العصمة شيخنا الجليل و مولانا الجميل مستجمع الحقٰايق و المعٰارف مشكوة اهل العلم و المعرفة و بٰاب مدينة اسرار اهل العصمة الشيخ احمد بن زين‌الدين سلمه اللّه من الافٰات و البليات و حشره اللّه مع سٰاداته في بحبوحٰات الجنٰات انا عبدكم السّٰائل بباب فيوضاتكم الامل بجنابكم ان لاترد حقيقة سؤالي و ان تكشف الغطٰاء لحقيقة مسئلتي بحق اللّه العليم الكريم الذي لايردّ سٰائلاً عليك و بحق سادٰاتك الاطهٰار

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 399 *»

قال بيّن لي حقيقة سورة التوحيد من اولها الي آخرها .

اقول حقيقة سورة التوحيد لبيانها وجوه كثيرة لايدخل حصرها تحت علمنا و انّما نتكلم عليها بما يحضرنا حال الخطّ مما نعرف ممّا اُذِنَ ببيانه فنقول قد قام الاجماع و دلّت النصوص بان بسم اللّه الرحمن الرحيم آية منها فتدخل في المسئول عنها و حيث علم بالنصّ ان هذه السورة تسمي نسبة الربّ كما رواه في التوحيد عن الصادق (ع‌) قال ان اليهود سئلوا رسول اللّه (ص‌) فقالوا انسب لنا ربَّك فلبث ثلاثاً لايجيبهم ثم نزلت قل هو اللّه احد الخ ، دلّ ذلك علي ان البسملة مشتملة علي النسبة الا انّها علي جهة الباطن و التأويل و الاشارة الي ذلك علي سبيل الاقتصار هو انه روي عن الصادق (ع‌) الباۤء بهاۤء اللّه و السّين سناۤء اللّه و الميم مجد اللّه و في رواية ملك اللّه فنسب نفسه بانه ذو البهاۤء و هو الضياۤء و المراد به ما ابتدعه من الوجود بمشيّته و هو اشارة الي العقل الكلّي المشار اليه بقوله تعالي مثل نوره كمشكوةٍ فيها مصباح الاية ، و ما له من الرؤس و الوجوه العقلية و هي عقول جميع الموجودات و هي اشعة ذاته و اَنه ذو السناۤء و هو نور الضياۤء و المراد به ما سوّاه من العين بارادته و هو اشارة الي النفس الكليّة و هي المشار اليها بقوله و لااعلم ما في نفسك و هي اللوح المحفوظ مع ما لها من الرؤس و الوجوه النفسيّة و هي نفوس جميع الموجودات و هي اشعة ذاتها و انّه ذو المجد و هو الكرم هنا و الملك علي الرواية الاخري يراد به ما يراد بالمجد و المراد به ما حدّده من المفعولات بقدره و هو اشارة الي عالم الملك من الاجسام و الاعراض و النّسب و الاوضاع و غير ذلك فكانت العوالم الثلاثة نسبةً له لانّها اثر فعله و المراد بالنسبة الصفة اي وصف نفسه لهم بصفة فعله و اثرِهِ و ذلك لان الفِعل صفة الفاعل و الاثر صفة المؤثر فالباۤء اشارة الي المفعولات العقلية و السين اشارة الي المفعولات النفسيّة و الميم اشارة الي المفعولات الجسمانيّة و هذه المراتب الثلاث ظواهر النسبة و مراكب بوَاطنها و الاسماۤء الثلاثة التي هي مسمّيات بسم و هي اللّه الرحمن الرحيم مقوِّماتها و بوَاطنها و ذلك لانّ اسم اللّه هو المراد من الباۤء و المشار بها اليه و اسم الرحمن هو المراد من السين و المشار

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 400 *»

بها اليه و اسم الرحيم هو المراد من الميم و المشار بها اليه و بيانه ان نقول اللّه سبحانه هو المنسوب و الالوهيّة نسبته و الباۤء محلها و صورتها و الرحمن تعالي هو المنسوب و الرحمانية نسبته و هي الرحمة التي وسعت كل شي‌ء و السين محلها و صورتها و الرحيم عز و جل هو المنسوب و الرحيمية نسبته و هي الرحمة المكتوبة و الميم محلها و صورتها فالباۤء صورة للالوهية التي هي صفة اللّه سبحانه و هي الجامعة لصفات القدس كالسبحان و القدوس و العزيز و العلي و ما اشبه ذلك و لصفات الاضافة كالعليم و السميع و البصير و القادر و المدرك و ما اشبه ذلك و لصفات الخلق كالخالق و الرازق و المعطي و ما اشبه ذلك و السين صورة الرحمانية التي هي صفة الرحمن تعالي و هي الجامعة لصفات الاضافة و صفات الخلق و الميم صورة الرحيمية التي هي صفة الرحيم عزوجل و هي الجامعة لصفات الخلق و هو سبحانه وصف نفسه لعباده و تعرّف لهم بنسبته في صفته كما اشرنا اليه فقال بسم اللّه الرحمن الرحيم فالالوهية جبروت في الدهر العلوي و الباۤء صورة لرتبتها و محلها و الالف القاۤئم في اللّه صورة معناها و الرحمانية ملكوت في الدهر السفلي و السين صورة لرتبتها و محلها و الالف المبسوط في الرحمن صورة معناها و الرحيميّة ملك في الزمان و الميم صورة لرتبتها و محلها و الالف الراكد في الرحيم صورة معناها و الظاهر بهذه الصفات الثلاث في السرمد اظهرها في مراتبها فتعرّف بصفاته لجميع مخلوقاته فقد تضمّنَت البسملة نسبته سبحانه لعباده بالتلويح كما اشرنا اليه و بالتصريح كما هو ظاهر الاسماۤء الثلاثة و هي اللّه الرحمن الرحيم و فيها اشارة الي ما تضمنته السورة لانّ سرّها في البسملة و ذلك انه قال بسم اللّه الرحمن الرحيم فوصف نفسه بالشيئيّه و نفاها عن غيره الا به الاتري كيف جعل العوالم الثلاثة المسماة بالجبروت و الملكوت و الملك المشار اليها بحروف بسم اسماً لصفاته الثلاث و الصفات الثلاث اسماً له في ظهوره بها فكان هو اللّه الاحد الصمد الذي لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفؤاً احد .

ثم اعلم ان البسملة اسم اللّه الاعظم و في الدعاۤء اسئلك باسمك بسم اللّه

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 401 *»

الرحمن الرحيم و انما قال الرضا (ع‌) انّ بسم اللّه الرحمن الرحيم اقرب الي الاسم الاعظم من سواد العين الي بياضها لان لفظ البسملة الاسم اللفظي الذي هو سواد العين اقرب الي الاسم المعنوي الذي هو بياض العين و التمثيل مأخوذ من ظاهر الظّاهر فان البياض عبارة عن البساطة و السواد عن التركيب و لو اُخِذ من الباطن لعكس لان النور في السواد لا في البياض و لما كان كلامه (ع‌) في اللفظ ناسب ان يقول اقرب الي الاسم الاعظم اذ الاسم هو المعنوي الذي هو الصفة المشتملة علي التجريد و التفريد و التوحيد و التمجيد و التحميد و نحن لما كان كلامنا في اللفظ و المعني بل في المعني ناسب ان نقول هو الاسم الاعظم لانّ الاسم الاعظم له اربعة اركان الاوّل التوحيد الحق و الثاني القاۤئم به و الثالث الحافظ له و الرابع التّابع فيه فالاول اللّه و الثاني الرحمن و الثالث الرحيم و الرابع بسم هذا باعتبار الصفات و باعتبار الذات ما روي عن الكاظم (ع‌) فالاول لا اله الّا اللّه و الثاني محمد رسول اللّه (ص‌) و الثالث نحن و الرابع شيعتنا و لا اله الا اللّه هو التوحيد الحق و هو توحيد اللّه في ذاته و قال اللّه لاتتخذوا الٰهين اثنين انما هو الهٌ واحد و توحيده في صفاته ليس كمثله شي‌ء و هو السميع البصير و توحيده في افعاله اللّه الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركاۤئكم من يفعل من ذلكم من شي‌ء سبحانه و تعالي عما يشركون و توحيده في عبادته فمن كان يرجو لقاۤء ربه فليعمل عملاً صالحاً و لايشرك بعبادة ربّه احداً و البسملة مشتملة علي الاربعة الاركان في الظاهر و الظهور و المظهر الاول الظاهر بالالوهيّة و الثاني الظاهر بالرحمانيّة و الثالث الظاهر بالرحيميّة و الرابع الظاهر بِبِسم و اما الظهور فظهور الظاهر في ظهوره فيما لكل ركنٍ فيه و اما المظهر فظهور الظاهر في المظهَرِ له فهي الاسم الاعظم لانّ سر الكتب في القرءان و سر القرءان في الفاتحة و سرّ الفاتحة في البسملة و لاينافي هذا ان سر البسملة في الباۤء و سر الباۤء في النقطة لدخول ذلك و لمّا كان اشرف الأكوانِ كونَ الاسم الاعظم و الوجود مبْنياً عليه وجب ان يكون اوّل الموجودات لعليّته و الكتاب التدويني طبق الكتاب التكويني كان الاسم الاعظم اول التدويني

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 402 *»

لعلّيته و هو بسم اللّه الرحمن الرحيم و ذلك مقتضي المطابقة و لمّا تجلّي بجوده و نسب نفسه للمكلّفين و خصوص الساۤئليْن بما يخفي من الاشارة نسب نفسه لهم بما يظهر من العبارة و ذلك لهم بهم فامر نبيّه ان قل يا محمّد هو اي الربّ المسئول عن نسبته الظاهر لهم بهم ليتنبّهوا و يثبتوا الثابتَ المحتجب عن درك الابصار و الحواسّ او قل يا محمد هو اي الذي امرك او هو اللّه احد اي الذي ادعوكم الي عبادته اللّه احد اي التام في واحديته الكامل في احديّته احد يعني اللّه واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في افعاله واحد في عبادته فالواحد صفة الاحد فكان الواحد بعدد بسم اللّه الرحمن الرحيم و لايتم الا بالاحد فهو معني بسم اللّه الرحمن الرحيم و اليه الاشارة بقوله تعالي و اذا ذكرت ربّك في القرءان وحده ولّوا علي ادبارهم نفوراً و انما قال احد و لم‌يقل واحد لان الواحد لايستوعب مراتب التوحيد الاربع الا بتكرّره اذ لايقال للواحد في اكثر من مرتبة من مراتب الاحد لان الواحد صفة الاحد كما تقول زيد قاعد زيد قائم زيد راكب فواحدية الذات غير واحدية الصفات و هي غير واحدية الافعال و هي غير واحدية العبادة فالاحد لايتغيّر في صفاته و الصفة تتغيّر في مراتبها كزيد فانه لايتغيّر في صفاته و كالقائم و القاعد و الراكب فانها تتغيّر في مراتبها بخلاف الاحد و لان الواحد يدخل في العدد و لو بضمّ آخر اليه و لهذا قال اميرالمؤمنين (ع‌) واحد لا بتأويل عدد لان الواحد قد يدخل في العدد في بعض الاحوال فاذا اريد استعماله في حقه تعالي احتيج الي قيد او تتمّةٍ كما فعل عليه السلام بخلاف الاحد و لان الواحد لايستوعب الكثرة في وحدته تقول ما في الدار واحد و يجوز ان يكون فيها اثنان لانه وجه من وجوه الاحد كما هو شأن الصفة بخلاف الاحد فانه يثبت بثبوته القليل و الكثير اذا قلتَ في الدار احد و ينتفي بانتفاۤئه القليل و الكثير اذا قلتَ ما في الدار احد تنبيه و اشارة الي القيوميّة في كل شي‌ء و لهذا قيل ان الواحد تسعة‌عشر و تمامه الاحد يعني ان الاحد يراد منه معناه لا عدده فيكون عشرين و هي كاف الكون المستديرة علي نفسها التي هي علة الموجودات و قولنا يثبت بثبوته القليل و الكثير لانريد ان ثبوت الكثرة

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 403 *»

به انّما هو لانبساط معناه علي الافراد المتعددة علي سبيل الشمول او البدليّة ليصدق عليه انه كلّ او كليّ و انما نريد انه فرد بكمال البساطة و انما يتناول الكثير بوجوهٍ لهُ و مظاهر مع وحدته تحدث عنه عند الكثرة و تعدم عند الوحدة و لهذا اختصّ بسورة التوحيد و لذلك سمّيت هذه السورة سورة التوحيد بخلاف واحد فان حصول البساطة المطلقة انما هي بتخصيص ارادة لها غير اصل الوضع لاستعماله في الانواع و الاجناس و المركبات.

و اما قول بعضهم اذا كان لفظ اللّه علماً و جزئيّاً لزم ان يكون لفظة احد في قل هو اللّه احد لغواً فينبغي ان يحمل الاحد علي الواحد و حينئذ يشكل تسميتها بسورة التوحيد الّا ان يقال تسميتها باعتبار آخِرها علي طريقة عموم الاشتراك لانه يراد بلفظ احد احد معنييه اوّلاً و الٰاخر ثانياً انتهي ، ففيه ان جزئيّاً ان اريد به المعني الاصطلاحي لم‌يصح لاستلزامه لكلّيٍّ يدخل هو مع مشاركه من الافراد الموجودة و لو بالفرض تحته اي تحت الكلّي وَ اِنْ اُريد به معني التشخّص لم‌يصحّ لاستلزامه معني التحديد و ان اُر۪يد به معني البساطة و التفرّد الحقيقي لم‌يكن حمل احد عليه لغواً فلا حاجة الي التكلّفات و لمّا امتنع في حقه تعالي ان يكون كلياً او جزئيّاً او كلّاً او جزءاً او عاۤماً او خاۤصّاً او مطلقاً او مقيداً او مبهماً او متعيّناً احتيج في اطلاق واحدٍ عليه الي تخصيص ارادةٍ ليكون موافقاً لمعني اَحد فانّ معني احد البساطة و الوحدة المنزّهة عن الكلي و الجزئي و الكلّ و الجزء و العموم و الخصوص و الاطلاق و التقييد و الابهام و التعيّن و غير ذلك في اصل الوضع و تناوله لشي‌ء من ذلك انّما هو بتخصيص ارادة ما استعمل فيه من عموم و خصوص و حكاية و غير ذلك و لهذا لاتقول في فصيح الكلام زيد احد الّا علي معني الحكاية او ارادة اُخْري و تقول في فصيح الكلام زيد واحد و تقول اللّه احد في فصيح الكلام باصل الوضع و لاتقول اللّهُ واحد الّا بتخصيص ارادة التفريد البحت فافهم و لمّا كانت الوحدة المستفادة من الواحدِ لاتنافي مطلق الاشارة من دلالة اللفظ و لهذا قلنا انّ الاحد هو الواحد في ذاته الواحد في صفاته الواحد في افعاله الواحد في عبادته فلايعمّ المراتب كما يعمّها

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 404 *»

الاَحدُ لم‌يحسن جعله في سورة التوحيد لما يراد بها من نفي مطلق الاشارة ردّاً عليهم حين قالوا هذه آلهتنا نشير اليها فاشر انت الي الٰهِك فاَنزلَ اللّه سُورة التوحيد بالاحد الذي لايجامع مطلق الاشارة و لو عقليّة و لو في بعض المظاهر اذ لايفقد في شي‌ء قال تعالي اولم‌يكف بربّك انه علي كل شي‌ء شهيد يعني في غيبتك و في حضرتك و قال تعالي و ماكنا عن الخلق غافلين و ذلك بعد ان اتي بقوله قل هو اللّه لانّه نبّه بالهاۤء الي ثابت و انه ليس في جهةٍ و الا لكان مقصداً للاشارة بالواوِ الَّتي يُشَارُ بِها اِلَي نفي الجهات الستّ و اللّه عَلَمٌ بالتغليب في الاستعمال علي الذات الموصوف بجميع الكمالات المنزّه عن كل ما يستلزم النقصان .

و قال الخليل بن احمد انه مرتجل لقوله تعالي هل تعلم له سميّاً و لانه لو حكمنا باشتقاق كل اسم لزم الدور او التسلسل فلا بد ان تؤل الاسماۤء الي جامد وَ لاَنْ يكون هو الاسم الكريم اولي و الحق انه مشتق و اختلف فيما اشتق منه فقيل انه مشتق من لاهَ الشي‌ءُ اذا خفي و قيل من لاهَ بمعني تحيّر لتحير العقول في عظمته و قيل من لاهَ بمعني غابَ لانه لاتدركه الابصار و قيل من لاهَ بمعني بَعُد لبُعد كنهه عن الادراك و قيل من اَلِهَ بالمقام اذا اقام به لعدم تغيّره و تنقّلِه و قيل مِنْ لاهَ يلُوهُ بمعني ارتفع لارتفاع عز جلاله عن تمييز الوصف و قيل مِنْ وَلِهَ الفصيلُ باُمِّه۪ اذا وَلِعَ بها لان العباد ( موهلون كذا ) اي مولعون بالتضرّع اليه تَعالي و قيل من اَلِهَ بمعني فزع لان الخلق يفزعون اليه و قيل مِن اَلِهَ بمعني سَكن لان الخلق يسكنون الي ذكره و قيل من الاِلٰهيّة و هي القدرةُ علي الاختراع و قيل من اَلَهَ بمعني عبد و الاله هو المستحق للعبادة او المألوه اي المعبود و الاخير هو المروي عن اهل العصمة (ع‌) و كل جهات الاشتقاقات المذكورة باعتبار عزته لا بُعْدَ فيها فلمّا وقع محمولاً علي هو او بدلاً منه او حقيقة ما عُنِيَ بالشأن منه و هو اي هو نبّه علي ثابتٍ بكناية هُويّته بالهاۤء غاۤئبٍ عن ادراك العقول و الحواس لايطلب في جهة من الجهات الست الظاهرة و الباطنة لخِفاۤء ظهوره بالواو و محمولاً عليه احد الذي يدل باصل وضعه علي البساطة المعرّاة عن الجزئيّة و الكلّية و الجزء و الكلّ و العموم و الخصوص و الاطلاق و

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 405 *»

التقييد و غير ذلك و عن مقصد الاشارة مطلقا يعني لا في الوقت و لا في المكان و في الرتبة و لا في الجهة و لا في الكم و لا في الكيف و لا في غير ذلك كان اي اللّهُ مراداً منه مفاد المحموليّة و الموضوعيّة الذي هو مقتضي صحّة التوسّط و مفيداً لهما بالاطلاق التغليبي الاستعمالي بالذاتِ و بالصِّفة الاتّصافَ بصفات القدس و صفات الاضافة و بصفات الخلق و لاجل ذلك ناسب ان تكون هذه السورة سورة التوحيد و حَسُنَ توجيه مَنْ وجّه قوله (ع‌) ان اللّه علم انه سيكون اقوام متعمّقون فانزل سورة التوحيد و الايات من سورة الحديد انّ المراد انّه سبحانه اراد اعجازهم بهما بحيث لايبلغون المراد منهما لا ان المراد ليقتصروا عليهما و قال الباقر عليه السلام اللّه معناه المعبود الذي اَلِهَ الخلق عن درك ماۤئيّتِه و الاحاطة بكيفيّته و قال عليه السلام الاحد الفرد المتفرّد و الاحد و الواحد بمعني واحد قوله (ع‌) بمعني واحدٍ فيما يجتمعان فيه بالوصف لا فيما يفترقان فيه و قد مرّت الاشارة الي ذلك و عنه (ع‌) عن ابيه عن ابيه الحسين بن علي عليهم السلام انه قال الصمد الذي لا جوفَ له و الصمد الذي قد انتهي سودده و الصمد الذي لايأكل و لايشرب و الصمد الذي لاينام و الصمد الداۤئم الذي لم‌يزل و لايزال فالاوّل هو الذي لا مدخل فيه لغيره من مباينٍ او مماثلٍ او مشابهٍ او مشاركٍ من ذات او صفة او فعل او اثرٍ من جميع المداخل و الادراكات و لو بالفرض و الاعتبار او التوهم و التّجويز و الثاني هو الذي يستغني عمن سواه و يحتاج اليه من سواه و لاتمكن فيه المساواة بينه و بين من سواه لان احتياج كل مَنْ سواه اليه صفة كمالٍ و المساواة تستلزم فَواتَها و عدمها نقص لايَجْري علي الوجوب و الغني المطلق و الثالث هُوَ الذي لايحتاج الي مددٍ من غيره من طعام و شرابٍ ظاهرَيْن او باطنين كالتعلّم فانّ العلم طعام و شراب قال تعالي فلينظر الانسان الي طعامه اي الي علمه من اَيْن ياخذهُ انا صببنا الماۤء صبّاً اي العلم و كعبادة الغير و منه قوله (ع‌) في حقّ الملاۤئكة طعامهم التسبيح و التقديس و كالوجود او الايجاد قال

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 406 *»

العسكري عليه السلام و روحُ القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدَاۤئِقِنا الباكورة و كالاستعانة و الاستجارة و امثال ذلك و يجمعها الحاجة الممتنعة من الازل و الرابع هو الذي لاتجري عليه الغفلات و لا البَدَوات كالرضا و الغضب و الغفلة و التوجّه و النوم و اليقظة و الذكر و النّسيان و ما اشبه ذلك من صفات الافعال و الخامس هو الذي لاتتغير ذاته و لاتتبدّل صفاته و لاتختلف حالاته و قال الباقر (ع‌) كان محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه يقول الصمد القاۤئم بنفسه الغني عن غيره يعني الذي اعتماد وجوده و صفاته و قوامه بذاته و قال الصمد السيد المطاع الذي ليس فوقه آمِرٌ و ناهي يعني الذي يدخل كل من سواه تحت قهّاريته و لايدخل تحت قهّاريّة احدٍ و سئل علي بن الحسين زين‌العابدين (ع‌) عن الصمد فقال الصّمد الذي لا شريك له و لايؤدهُ حفظ شي‌ء و لايعزب عنه شي‌ء يعني الصمد هو الذي تفرّد بالصفة و الفعل و الملك و العبادة و به قِوام كل شي‌ء و لايغفل عن شي‌ء و عن زيد بن علي بن الحسين عليه السلام الصمد هو الذي اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون و الصمد الذي ابدع الاشياۤء فخلقها اضداداً و اشكالاً و ازواجاً و تفرّد بالوحدة بلا ضدٍّ و لا شكل و لا مثل و لا ند يعني هو العام القدرة فليس عنده ايجاد شي‌ء اسهل من ايجاد آخر و هو الذي يخترع اصناف البداۤئع علي ما يطابق الحكمة البالغة من غير ان يحذو فيها حذوَ غيره و هو الفرد الاحد المعني فلا ضدّ له يخالف ذاته و لا شكل له غير علمه الذي هو ذاته و لا مثل له الا مَا عَرّفَ من صفاتِه و اظهر من آياته و لا ندّ له مشارك في صفاته الذّاتية و عن الصادق (ع‌) جعفر بن محمد عن ابيه الباقر عن ابيه عليهم السلام ان اهل البصرة كتبوا الي الحسين بن علي عليهما السلام يسئلونه عن الصمد فكتب اليهم بسم اللّه الرحمن الرحيم امّا بعد فلاتخوضوا في القرءان و لاتجادلوا فيه و لاتتكلموا فيه بغير علم فاني سمعتُ جدي رسول اللّه (ص‌) يقول مَن قال في القرءان بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار و ان اللّه سبحانه قد فسّر

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 407 *»

الصمد فقال اللّه احد اللّه الصمد ثم فسّره فقال لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفؤاً احد لم‌يلد لم‌يخرج منه شي‌ء كثيف كالولد و سائر الاشياۤء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين و لا شي‌ء لطيف كالنفس و لايتشعّب منه البَداوات كالسِّنة و النوم و الخطرة و الهمّ و الحزن و البهجة و الضحك و البكاۤء و الخوف و الرجاۤء و الرغبة و السأمة و الجوع و الشَبَع تعالي ان يخرج منه شي‌ء و ان يتولّد منه شي‌ء كثيف او لطيف و لم‌يولد لم‌يتولد من شي‌ء و لم‌يخرج من شي‌ء كما تخرج الاشياۤء الكثيفة من عناصرِها كالشي‌ء من الشي‌ء و الدّاۤبّة من الدابة و النبات من الارض و الماۤء من الينابيع و الثّمار من الاشجار و لا كما تخرج الاشياۤء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين و السمع من الاذن و الشم من الانف و الذوق من الفم و الكلام من اللسان و المعرفة و التمييْز من القلب و كالنار من الحجر لا بل هو الصمد الذي لا من شي‌ء و لا في شي‌ء و لا علي شي‌ء مبدع الاشياۤء و خالقها و منشي‌ء الاشياۤء بقدرته يتلاشي ما خلق للفناۤء بمشيّته و يبقي ما خلق للبقاۤء بعلمه فذلكم اللّه الصمد الذي لم‌يلد و لم‌يولد عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال و لم‌يكن له كفؤاً احد و عن جابر بن يزيد قال سألتُ اباجعفر (ع‌) عن شي‌ء من التوحيد فقال ان اللّه تبارك و تعالي اسماۤؤه التي يُدعي بها و تعالي في علوّ كنهه واحد توحّد في التوحيد في علو توحيده ثم اجراه علي خلقه فهو واحد صمد قدّوس يعبده كلّ شي‌ء و يصمد اليه كل شي‌ء و وسع كل شي‌ء علماً فاشار الي ان الصمد هو الذي يعبده من سواه و هو الذي يصمد اليه في الحواۤئج و هو الذي اَحاط بكلّ شي‌ء علماً عن داود بن القٰسم الجعفري قال قلتُ لابي‌جعفر (ع‌) جُعِلتُ فداك ما الصمد قال السّيد المصمود اليه في القليل و الكثير يعني الذي يحتاج اليه في كلّ شي‌ء من خلقٍ و رِزْقٍ و حيوة و مماتٍ و ما يتشَعّبُ عنها و يترتّب عليها و اشار بقوله لم‌يلد و لم‌يولد الي وصف المعبود المشار اليه بهو المبيّن بقوله اللّه الموصوف باحد الذي هو الصمد الذي لم‌يلد يعني لم‌يخرج منه شي‌ء ذات او صفة او فعل ذاتي او عرضي و ذلك ما اشار اليه الحسين (ع‌) مُفَصَّلاً فيما كتب لاهل البصرة اِذْ من كان كذلك كان مختلِفاً متغيِّراً متهافتاً و

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 408 *»

لم‌يولد يعني لم‌يخرج من شي‌ء كما مر من ذاتٍ او صفة او فعل ذاتي او عرضي علي نحو ما ذكر في الحديث المذكور اذ لا زيادة علي ما اشار عليه السلام اليه الا مما هو متفرع عليه فلانعيده و لم‌يكن له كفؤاً احدٌ يعني لم‌يكافيه اي يشاكله و يماثله و يعادله و يساويه او يخالفه او يضاۤدّه او يناۤدّه في ذاته او في صفاته او في فعله او في عبادته او في غناه و فاقة ما سواه اليه او في قيّوميّته او في قيامه علي كل نفس بما كسبت او في احاطته بما سواه او في تدبيره و تقديره او في ملكه او في تصرّفه او في امره او في هويّته او في اِلٰهيّته او في احديّته او في صمديّته او في استقلاله و تفرّده او في ثباته علي حاله او في معرفته او في آياته او في امثاله او في كلامه او في شي‌ء ما او ليس له صاحبة و لا ولد و لو فرضاً او توهّماً او احتمالاً اَوِ اعتباراً في كل جهة من جهاتِ الفروض المحتملة و التوهمات الجاۤئزة في حال من الاحوال لا اله الا هو الكبير المتعال و قال بعض ارباب البيان وجَدْنا انواع الشرك ثمانية النقص و التقلّب و الكثرة و العدد و كونه علّة او معلولاً و الاشكال و الاضداد فنفي اللّه سبحانه عن صفته نوع الكثرة و العدد بقوله هو اللّه احد و نفي التقلّب و النقص بقوله اللّه الصمد و نفي العلة و المعلول بقوله لم‌يلد و لم‌يولد و نفي الاشكال و الاضداد بقوله و لم‌يكن له كفؤاً احد فحصلت الوحدانية البَحْت انتهي.

ثم اعلم ان احد في اوّل السورة كما اشرنا لك يدل علي محض البساطة و الوحدة العارية عن الكلّية و الجزئيّة و العموم و الخصوص و التشكيك و التواطئ و الترادف و غير ذلك فلايصح معرفته باثبات غيره و لا بنفيه كما مر و انما تصح معرفته به عند نفي غيره فاحديّته احديّة حقيّة بخلاف احد في آخر السورة فَاِنَّ احَديَّتَهُ اَحَدِيَّةٌ حقيقية لغويّة اي علي ما يعرفه اهل اللّغة فصدقه علي القليل و الكثير اثباتاً و نفياً انّما هُوَ بتناوُل لفْظهِ المطلق لغةً بخلاف اَحدٌ في اوَّلِ السورة كما مرّ و روي انّ النبي (ص‌) بعث سريّة و استعمل عليها عليّا (ع‌) فلما رجعوا سألهم فقالوا كل خيرٍ غيرَ انه قرأ بنا في كل الصلوة بقل هو اللّه احد فقال يا عليّ لم فعلتَ هذا قال لحُبّي لِقُلْ هو اللّٰهُ اَحَدٌ فقال النبي (ص‌) ما احببتها حتّي

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 409 *»

احبَّك اللّٰهُ عز و جل و قال رسول اللّه (ص‌) من قرأ قل هو اللّه احد حين يأخذ مضجعه غفر اللّه له عزّ و جل ذنوب خمسين سنة و عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السلام ان النبي (ص‌) صلي علي سعد بن معاذ فقال لقد وافي من الملاۤئكة للصلوة عليه سبعون الف ملك و فيهم جبرئل (ع‌) يصلون عليه فقلتُ يا جبرئل بم استحق صلاتكم عليه قال يقرأ قل هو اللّه احد قائماً و قاعداً و راكباً و ماشياً و ذاهباً و جائيا و عن ابي‌بصير عن ابي‌عبداللّه (ع‌) قال من قرأ قل هو اللّه احَدٌ مرةً واحدة فكأنّما قرأ ثُلث القرءان و ثُلث التورية وَ ثلث الانجيل و ثلث الزبور و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين.

قال سلمه اللّه تعالي : و آية النور من اولها الٰي آخرها .

اقول يريد تفسير آية النور و هي قوله تعالي اللّه نور السموات و الارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الي قوله لعلهم يتفكرون بغير ما ذكره المفسّرون و لقد شافهني بذلك مراراً و كان هذا مِنْ اصعب الامور علي النفس التفاتاً الي قول الصّادق (ع‌) ما كلُّ ما يُعْلَمُ يُقَال و ما كلّ ما يُقَال حان وقته و ما كلّ ما حانَ وقتُه حضر اهله و لنهيه (ع‌) حيث يقول لاتحدِّث بما تسارع العقول الي انكاره و لكن الميسور لايسقط بالمَعْسور .

فاقول قال سبحانه اللّه نور السموات و الارض اي هادي من في السموات و الارض و مُنوّرُهم اي موجدهم بالنور من النور و مزيّنُهم بالهادين من الانبياۤء و الاوصياۤء و العلماۤء و المؤمنين و معطيهم ما ينفعهم و المحسن اليهم و المنعم عليهم و راحمهم و دليلهم الي مصالحهم و دالُّهم علي ما فيه نجاتهم و معني انه سبحانه نور السموات و الارض بما ذكر و نحوه انه اوجدهم بمشيته و اقامهم بامره و عرّفهم نفسه بنفسه و انفُسَهُمْ بانفسهم و فتح لهم ابواب رحمته بطاعته و خصّ السموات و الارض بالذكر مع ارادة دخول فلك المحدد و الكرسي و ساۤئر الافلاك الكلية و الجزئيّة لانهما هما المعروفانِ عند عامة الناس و خصّ المذكورات بالذكر دون الملاۤئكة و الانس و الجن و الشياطين و ساۤئر الحيوانات لانّها مطارح الانوار و خزاۤئن الاسباب و علل الاشياۤء و يجوز ان

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 410 *»

يكون المعني انه سبحانه ينوّر بالسموات و الارض مَن فيهن من الخلاۤئق بما جعل فيها من اسباب ارزاقهم و ما يوعدون و اَن يكون المعني انه سبحانه نوّر السموات و الارض بالصالحين من خليقته امّا بما يدعون اليه او بما يدعونه له او بما يدعون به او بما يدعون فيه فانّ البيوت التي يعبد فيها تزهر لاهل السماۤء كما تزهر النجوم لاهل الارض او المراد سموات العقول بما فيها من انوار معرفته و ارضي النفوس بما فيها من انوار طاعته او تحقيق انوار تلك بهذه او اظهار انوار هذه بتلك او لتلك بانفسها فاللّه عز و جل نور السموات و الارض بكلّ معني و النور هو الظاهر في نفسه المظهر لغيره امّا انه سبحانه المظهر لغيره فكما اشرنا اليه فهو نور و امّا انه الظاهر في نفسه فلان كل ظاهر سواه فانما ظهر بفضل ظهوره و غيّب ما سواه ظهورُهُ فهو اظهر من كلّ ما سوَاهُ قال الحسين عليه السلام اَيكون لغيرك مِنَ الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهِرَ لك متي غبتَ حتّي تحتاج الي دليل يدلّ عليك و متي بعدتَ حتّي تكونَ الاشارة هي التي توصل اليك و ذلك لانّ الظاهر بظهورٍ يكون اظهر من ظهوره و ليس شي‌ء من خلقه الّا و هو ظهوره و يجوز ان يكون معني الظاهر في نفسه انه ظاهر بمعناه اي بما يقصد باسماۤئه و صفاته و معرفته .

مثل نوره اي مثل هداه لما سواه او ايجاده او ما اشير اليه سابقاً او انه لايراد بهذا النور ما يراد من الاوّل و المراد بالمثَل بفتح الثاۤء الوصف او الذكر او الاثر او نفس المضاف اليه اي مثل هو نوره او الدليل عَلي نوره اَوْ هيكل نوره و المراد من النور الايجاد او الوجود او الموجود او هداه او ظهوره او نور الايمان به في قلوب اهل السموات و الارض او هو القرءان او نوره في صدور الذين اوتوا العلم او سبحات جلاله الدالة علي توحيده في ذاته و صفاته و افعاله و عبادته و علي عدله او امره الذي قامت به السموات و الارض او وحيه اَوْ وجهه الباقي بعد فناۤء كل شي‌ء او نوره الادلّة الدالة علي توحيده او مثل نور من آمنَ به كما في قراۤءة ابيّ او نوره قيّومية صمديته لمن صمد اليه او هو محمد صلي اللّه عليه و آله كما دلّت الاخبار المتكثرة عليه او رسالته (ص‌) قال تعالي قد جاۤءكم

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 411 *»

من اللّه نور و كتاب مبين يهدي به اللّه من اتبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات الي النور باذنه او هو الامامة قال تعالي و يهديهم الي صراط مستقيم او العقل الاوّل و هو الاسم الذي اشرقت به السموات و الارضون او انوار العرش الاربعة او العلم مطلقا او في اللوح المحفوظ او هو الولي 7 قال اللّه تعالي و اشرقت الارض بنور ربّها و غير ذلك .

كمشكوة فيها مصباح المشكوة الكوّة في الحَاۤئط غير النافذة يوضع عليها الزجاجة ثم يكون المصباح خلف الزجاجة فينبعث نور المصباح من الزجاجة و يقع علي حائط الكوّة و ينعكس منه الي الزجاجة فيكون نور المصباح و نور الزجاجة و نور الحاۤئط ينعكس بعضها علي بعض و المصباح السراج و قيل المشكوة القنديل و السراج الفتيلة و الاولي ان يقال المصباح هو السّراج المنير قال تعالي و داعياً الي اللّه باذنه و سراجاً مُنيراً و السراج هو مجموع النار و الدهن و ذلك انّ النار بقوة حرارتها تلطّف الاجزاۤء الدهنية المقاربة لها حتي تكون بحرارتها و يبوستها تُحيلُهَا دخاناً فينفعِل ذلك الدخان عن النار بالنّور و الحافظ للدخان اجزاۤء دهنيّة مقاربة للدخانية تنشّ لقربها من النار تمد الدخان المنفعل بالضوء عن النار بالتدريج لئلايتلاشي الدخان و يضمحلّ فتنطفي النار و الفتيلة ركن للدهن في السّراج لانّ الدخان مستحيل من الدهن و من الفتيلة و لايلزم تساوي الاجزاۤء و لا ان يكون من الفتيلة و قال عبدالرزاق الكاشي صفة وجوده و ظهوره في العالَمين بظهورهما به كمثل مشكوة فيها مصباح و هي الاشارة الي الجسد الظلمانيّة في نفسه و تنوّره بنور الروح الذي اشير اليه بالمصباح و تشبكه بشباك الحواۤسّ و تلالئ النور من خلالها كحال المشكوة مع المصباح .

المصباح في زجاجة اي السراج في زجاجة و الزجاجة القلب المستنير بنور الروح او العقل و الفتيلة علقة الدم و الدهن الدم الاصفر القاۤئم بالعلقة الذي يحمل الطباۤئع الاربع و الدخان ما اعتدل نضجه من ابخِرة الدم الاصفر و قد يكون بمشاركة العلقة و استنارة الكوّة من الزجاجة باشراق المصباح عليها

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 412 *»

كاستنارة الجسد بنور الحيوة و ما يلزمها من القوي من القلب باشراق الروح او العقل عليه و هو مثل لذلك و ذلك مثل لاستنارة العالم من المحدّد بما يفيض علي الافلاك و ما فيها من الارواح و القوي و الاشعة المنبسطة منها علي ما تتعلق به من العالم السفلي لانتظام الاقوات باشراق العقل الاوّل عليه و ظهوره بما اودع فيه من الخزاۤئن المشار اليها بقوله تعالي و ان من شي‌ء الا عندنا خزاۤئنه و قوله تعالي و في السماۤء رزقكم و ما توعدون فهو بما اودع من الخزاۤئن و اُعينَ من التسخير للافلاك يقدّر لها ما اُودِع فيها من التقدير الذي به النظام .

الزجاجة كأنها كوكب درّيّ اي كوكب يشبه الدُرّ في صفاۤئه بضم الدال و تشديد الياۤء و قد تكسر الدال و قرئ بتخفيف الياۤء و الهمزة بعدها مِنْ دَرَأَ لانّه لشدّة نوره يدرأ الظلام اي يدفع اي ذلك القلب كأنه كوكب يشرق بجوهريّة صفاۤئه و نوريته و بما يشرق عليه من نور الروح فان قلت فايّ اشراق في المحدّد المشبّه بالزجاجة المشرقة قلتُ انّ اشراقه علي الافلاك و ما فيها من الكواكب اعظم من اشراق الكوكب الدرّي لانّه صاحب التسخير لها فهو يمدّها بقوته و يمد الشمس بعقله فتمد زحل و القمر و يمدها بنفسه فتمدّ الشمس المشتري و عطارد و يمدّها بطبيعته فتمدّ المريخ و الزهرة فهو بحركته يقدّر مكث اشعّتِهَا علي مطارحها من العالم السفلي فلا اشراق اعظم من هذا .

يوقد من شجرة مباركة زيتونة الشجرة شجرة الزيتون و دهنها اصفي من ساۤئر الادهان و اضوء لاسيما في السراج و قيل انّها اوّل شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان و منبتها منزل الانبياۤء: و سمّيت مباركة لانه قد بارك فيها سبعون نبيّاً منهم ابراهيم7 و الشجرة هي النفس و تطوّراتها و تشعّب تعلّقات افعالها كل منها بما يليق له من الجسد و الجسم اغصٰان لها و ما يترتب علي ذلك من الاحكام الوجودية و التشريعية ثمرات لها قال تعالي و اوحي ربك الي النحل ان اتخذي من الجبال اي الاجساد و الاجسام او انّه جمع جبلّة و هي الطبيعة و ذلك علي تفسير ظاهر الظاهر بيوتا و هي مطارح ارتباطاتها و افعالها من الاجساد و

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 413 *»

الاجسام و الطباۤئع و من الشجر اي النفوس كما مر و ممّا يعرشون من تعلّقات اَفْعالِ النفس بالاجساد و الاجسام و الطباۤئع ثم كلي من كلّ الثمرات و هي مقتضيات تلك النسب الحاصلة من تلك التعلقات المقتضية للاحكام الشرعية المستلزمة بامتثالِها و القيام بها لاستِنارة القلب وَ الطبيعة و الجسم و الجسد بنور العقل و الروح لاستمدادها بتلك الاعمال بواسطة العقل و الروح من المبدء الفياض و الشجرة هي الشجرة الكلية و الحقيقة المحمّدية و مقام اوْ ادني و المشية و الارادة و الابداع و الاختراع سُمِّيَتْ بذلك لتشعّب وجوه تعلقاتها بذرّات الوجود التي لاتتناهَي في مراتب الامكان شعوباً و قباۤئِل فمنها شُعَبٌ و منها غصون كليّة و منها غصُون جزئيّة و منها ورَقٌ و مما ذكر اكوان و اعيان و مقدّرات و مقضيات و مُمْضيات و امكانات و جواهر و اعراض و اضافات و نسب و اوضاع و كتب و آجال و اوقات و غير ذلك و هي مباركة لبركة آثارها قال تعالي اَنْ بُورِكَ مَنْ في النار و مَنْ حولها او هي شجرة الاخلاص للّه وحده لا شريك له في مراتب التوحيد الاربع فانها شجرة خضراۤء ناعمة طيبة مباركة تؤتي اكلها كلّ حين باذن ربها .

لا شرقية و لا غربية لايَفي‌ءُ عليها ظلّ شرقٍ و لا غربٍ بل هي علي سواۤء الجبل تطلع الشمس عليها و تغرب او ليست بشرقية لاتصيبها الشمس اذا غربت او الا اذا غربت و لا غربيّة لاتصيبُها الشمس اذا طلعت اوْ الا اذا طلعت او ليست من شجر الشرق فتغلب عليها حرارة الجهة فيضعف زيتها و لا من شجر الغرب فتستولي عليها البرودة كذلك لكنها من شجر الشام الذي جهته اقرب الي اعتدال الشجر اوْ ان الشجرة شجرة النبوة و هي ابراهيم7 لان اكثر الانبياۤء: منه و ذلك اثار البركة قال تعالي و باركنا عليه و علي اسحق او لانّ النبي صلي الله عليه و آله عليهم السلام من صلبه الذين هم اصل البركة و فرعها و مصدرها و مورِدُهَا و تلك الشجرة لا شرقية اي نصرانية تصلي الي الشرق و لا غربية اي يهودية تصلّي الي الغرب قال تعالي ماكان ابراهيم يهودياً و لا نصرانيا و لكنه علي سواۤء الصراط كان حنيفاً مسلماً ، او لا شرقية مدّعيةً لحال الطلوع من شرق الصدور

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 414 *»

من النور كالروح المجرّدة عن الارتباط و تعلق الانحطاط و لا غربية منكرة لمبدئها لغلبة طبيعتها و غلظ ماۤدّتها كالاجساد بل هي علي سواۤء الصراط جامعة بين انكسار الانحطاط و قوّة الانبساط او مطمئنة لا امّارة بالسوۤء و لا لوّامة علي الخير و الشر بل مطمئنّة او لا شرقية غاليَة و لا غربية قالية او لا شرقية مسرفة و لا غربيَة مقتّرة او لا شرقية متعزّزة علي المؤمنين بل هي ذليلة عليهم و لا غربية متذلّلة للكافرين بل عزيزة عليهم او لا شرقية ناصبةً للدين و لا غربيّة تابعة للجاحدين بل شاكرة لنعمة ربّ العالمين او لا شرقية تثبت الالوهية و المعبودية لشي‌ء من المخلوقين و لا غربيّة تجحَدُ ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام اوْ لا مدّعية ما لا ليس لها و لا منكرةً لما لها اوْ لا قانطة من رحمة اللّه و لا آمِنةً لمكرِ اللّه .

يكاد زيتها يضيۤ‌ء و لو لم‌تمسسه نار اي يكاد قابليتُها تظهر في الكون و التحقّق لشدّة تأهُّلِها للوجود و قربها من فَوَّارة النور بما لها من رجحان زيتها قبل الايجاد او يكاد زيتها لصفاۤئه في نفسه و انعكاس نور الزجاجة عليه بمعونة انعكاس ما في المشكوة يظهر في نفسه و يظهر غيره و لو لم‌تمسَسْهُ نار ينفعل عنها و ذلك لقوّة نضجه و اعتدال هواۤئه و حسن منبته او تكاد النفس الامّارة و اللّوّامة التي كانت فيه صلي اللّه عليه و آله لحفظ وجوده اَنْ تفني ظلمتها لقربها من المبدء و لقلّة ظلمتها لانها هي رأس مخروط الظلمة الضديّة للعقل فتكون بذاتها مُطْمَئِنةً و ان لم‌يستول عليها نور العقل او تكاد الارض الميتة و ارض الجرز التي هي مغرس اغصان الحكمة و منشأ هياكل التوحيد و ارض الامكان التي هي ذوات محمد و اهل بيته (ص‌) ان تنبت بتلك الاشجار المباركات و الاغصان الباسقات و لو لم‌يقع عليها ماۤء الوجود من سحاب المشية المتراكم او تكاد الماهية ان تنوجد لقرب رتبتها من المبدءِ لان رأس مخروطها مساوق لقاعدة الوجود بالنسبة الي الايجاد و الاختراع قبل ان توجد بتبعيّة الوجود .

نور علي نور يعني ان المشكوة المستنيرة بنور الزجاجة المنيرة بذاتها المستنيرة بالمصباح المنير نور علي نور او ان صدر محمد صلي اللّه عليه و آله او

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 415 *»

صدر علي عليه السلام او الائمة عليهم السلام او المؤمن المستنير بنور القلب المنير بذاته المستنير بنور العقل او الروح او العلم نور علي نور او انّ الامثال و الادلّة المؤيّدة بنور الحكمة او العقل او العلم المستندة الي القرءان المستنيرة بمحكم ظاهره و ظاهر ظاهره و باطنه و باطن باطِنه و تأويله و باطن تأويله نور علي نور اوْ ان مشكوة ابراهيم و زجاجة اسمعيل و مصباح محمد (ص‌) نور علي نور او ان مشكوة عبدالمطلب و زجاجة عبداللّه و مصباح محمد (ص‌) نور علي نور او هو المؤمن المستغرق في اللّه ان اعطي شكر و ان ابتُلي صبر و ان حكم عدل و ان قال صدق و ان وعد وفي و ان ظُلِم عفا و ان نظر اعتبر و ان صمتَ فكر و ان تكلم ذكر فهو حي بين الاموات كلامه نور و صمته نور و علمه نور و نظره نور و مدخله نور و مخرجه نور و مصيره الي نور فهو نور علي نور او حسه نور و فكره نور و خياله نور و علمه نور و قلبه نور و فؤاده نور فهو نور علي نور .

يهدي اللّه لنوره مَنْ يشاۤء يعني يهدي اللّه لمعرفته و معرفة معانيه و ابوابه و رسله و اولياۤئه و محبّيهم مَن يشاۤء او يهدي اللّه لدينه و ايمانه من يشاۤء و الدّين و الايمان و المعرفة قد يجتمع بعضها مع بعض و قد يفترِق فبيَن كُلٍّ وَ كُلٍّ عُمومٌ و خُصوصٌ من وجهٍ او يهدي اللّٰهُ لاِجَابته من يشاۤءُ او للنبوّة و الولاية اَوْ للاسلام اَوْ لمعرفة نفسه المستلزمة لمعرفة ربّه او لهُدَاه قال تعالي اولۤئك الذين هدي اللّه فبهُداهم اقتَدِه او لمعرفة القرءان او الاهتداۤء بهداهُ او للبصيرة في الدّين او لمعرفة الاشياۤء كما هي او لمعرفة الوجود المستلزم لمعرفة المعبود او لمعرفة التقوي و اليقين او لمعرفة التفقّه او الاحكام الشرعية او للعلم و العمل او للتقرب بالنّوافِل المستلزم للمحبّة الموجبة للعلم باللّه و القيام بامر اللّٰهِ .

و يضرب اللّه الامثال بخلقهم انفسهم و بخلق الاشياۤء كانزال المطر مثلاً للدنيا و للبعث و كالايات الدالة علي الابواب الداۤلة علي المعاني الدالّة علي التوحيد و آيات الانفس و الاۤفاق و ضرب الامثال للخلق من انفسهم و بٰاياتِه۪ الدالة علي توحيده و نبوّة محمد (ص‌) و ولاية الائمة عليهم السلام و بها لاولياۤئه (ع‌) قال تعالي و كأيّن من آيةٍ في السموات و الارض يمرّون عليها و هم

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 416 *»

عنها معرضون و قال سنريْهم آياتنا في الٰافاق كما ضرب هنا لنِوره نور محمد و اهل بيته (ع‌) بالمشكوة و الزجاجة و الزيْت و السراج و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم انه الحقّ و قال تعالي و في انفسكم افلاتبصرون و غير ذلك و الامثال جمع مَثَل محركاً كسبب و اسباب او جمع مِثْل بكسر ميم و سكون الثاۤء كَحِمْلٍ و احْمال فالاوّل تشبيه لصِفَةِ المؤثِّر بايجاد الاثر و الثاني تمثيل لصفة المؤثر بصفة الاثر و يضرب اللّه الامثال للحقّ لان الحق بالمثال و الباطل بالجدَال .

و اللّه بكلّ شي‌ءٍ عليم بما يوافق الطباع المتباينة و الاذواق المختلفة في تعريفهم و دعاۤئهم لما يحييهم بالمثال و الامثال و الحكمة و الجدال و الاشواق و الاحوال و بالافعال و الاقوال و بالعلوم و الاعمال و ذلك لطف بالمكلّفين ليدعوهم بالتي هي احسن اقامة للحجة عليهم ليهلك مَن هلك عن بيّنة و يحيي من حيّ عن بيّنةٍ و عن الباقر: ان قوله كمشكوة فيها مصباح و هو نور العلم في صدر النبي (ص‌) و الزجاجة صدر علي (ع‌) علّمه النبي (ص‌) فصار صدره يكاد زيتها يضيۤ‌ء و لو لم‌تمسسه نار يكاد العالم من آل‌محمد (ص‌) يتكلّم بالعلم قبل ان يُسْئل نور علي نور امام مؤيّد بنور العلم و الحكمة في اثر امام من آل‌محمد (ص‌) و ذلك من لدن آدم الي وقت قيام الساعة هم خلفاۤء اللّه في ارضه و حججه علي خلقه لاتخلو الارض في كل عصر من واحد منهم و عن احدهم (ع‌) ما معناه مثل نوره هو محمد (ص‌) كمشكوة هو صدر علي (ع‌) فيها مِصْباح نور العلم من محمد (ص‌) في صدر علي (ع‌) المصباح في زجاجة هو الحسن بن علي (ع‌) الزجاجة هو الحسين (ع‌) كأنها كوكب دري فاطمة (ع‌) تزهر لاهل السماۤء كما تزهر النجوم لاهل الارض يوقد من شجرة علي بن الحسين (ع‌) مباركة محمد بن علي الباقر (ع‌) زيتونة جعفر بن محمد (ع‌) لا شرقية موسي بن جعفر (ع‌) و لا غربيّة علي بن موسي (ع‌) يكاد زيتها يضيۤ‌ء محمد بن علي الجواد (ع‌) و لو لم‌تمسسه نار علي بن محمد الهادي (ع‌) نور علي نور الحسن بن علي العسكري يهدي اللّه لنوره من يشاۤء القاۤئم المهدي (ع‌) ، و روي احاديث كثيرة بتفسير هذه الاية الشريفة بالائمة عليهم السلام بغير هذه

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 417 *»

الرواية و بغير ترتيبها و هذا الاختلاف مع اتفاق معانيها فيهم: و هذا الذي اشرنا اليه فيه كفاية لاولي الالباب في بيان هذه الاية الشريفة و الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله .

قال سلمه اللّه تعالي : و حقيقة الفرق بين النبوّة و الولاية .

اقول النبي في ظاهر اللغة هو الانسان المخبر عن اللّه بغير واسطة بشر سواۤء كان له شريعة كالرسول (ص‌) و ساۤئر الرسل (ع‌) ام لا كيحيي (ع‌) و ساۤئر الانبياۤء (ع‌) و هو مشتق من انبأ اي اخبر عن اللّه سبحانه او من نبا ينبو بمعني ارتفع لانه ارتفع و شرف علي غيره و ربّما فرِق بين النبي وَ الرسول ان النبي من ليس له شريعة و الرسول له شريعة و بان النبي (ص‌) يري في منامِه۪ و يسمع الصوت و لايعاين الملك الذي يوحي اليه في الايحاۤء و الرسول يري في المنام و يسمع و يعاين و الرسول قد يكون من غير البشر بخلاف النبي و روي ان الانبياۤء ماۤئة الف نبي و عشرون الف نبيّ او اربعة و عشرون الف نبي علي اختلاف الروايتين المرسلون منهم ثلاثمائة و ثلاثة‌عشر رسولاً كعدة اصحاب بدر و كعدة اصحاب القاۤئم (ع‌) .

و امّا الولاية بفتح الواو فهي الربوبيّة قال اللّه تعالي هنالك الوَلاية للّه الحق و قد تكسر الواو و بالكسر بمعني ولاية السلطان و الملك و قد تفتح الواو فالولي هو المتولّي للاُمور و تدبيرها و المربّي لها فالنبوّة هي اخبار و رِسَالة عن اَوٰامرِ الملِكِ وَ نهْيهِ و الولاية هي تولّي سلطنة الملِكِ و مملكته و تدبيرها و النظر فيها و النبي لما كان حاملاً لامر الملك و نهيه الي الرعيّة لزم ان تكون له ولاية ليتصرف في تبليغ الرسالة و تقويم الرعية علي حَسب مراد الملك فكانت الولاية لازمة للنبوة و لا عكس فكل نبيٍ وليٌّ و لا عكس و الاصل في ذلك انّ الظاهر اذا ثبت دلّ علي وجود الباطن و الباطن لايدل علي وجود الظاهر فالولاية روح النبوة و نفسُها قال صلي اللّه عليه و اله لعلي7 انت مني بمنزلة الروح من الجسد و قال (ص‌) انت نفسي التي بين جنبي .

قال سلمه اللّه تعالي : و ما حقيقة الولاية باطن النبوة و ما حقيقة معناهَا .

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 418 *»

اقول قد تقدم في المسئلة التي قبل هذه جواب هذه المسئلة فراجعه فان النبوة الرفعة و الشرف او الاخبار عن مطلب الغير و لايكون ذلك حتي يتسلّط و يطّلع علي وضع الاشياۤء من التكاليف مواضعها و لايكون ذلك حتي يتولّي من قبل الاۤمِر علي المكلّفين ليتصرف كما امر و هو الولاية فكانت الولاية باطن النبوة فافهم .

قال ايده اللّه تعالي : و ما معني الحديث داخل في الاشياۤء لا كدخول شي‌ء في شي‌ء و خارج عن الاشياۤء لا كخروج شي‌ء من شي‌ء .

اعلم انّ الازلي داخل في الاشياۤء و خارج منها بحالٍ واحد فهو ليس داخلاً فيها و لا خارجاً منها دفعة و هذا لا شكّ فيه اما انه داخل فلانّه لو لم‌يكن داخلاً لخلَتْ منه و مَن خلا من شي‌ء كان محصوراً و المحصور حادث لاحتياجه الي المكان و الجهة فانه يقال هو في كل شي‌ء الا هذا الشي‌ء و لو لم‌يكن خارجاً لاشتملت عليه و لزمه الحِوَاية و المحويّ حادث لاحتياجه الي ما حواه و الا لم‌يحوهِ فعلي هذا كان داخلاً خارجاً دفعة و هو معني ليس بخارجٍ و لا داخلٍ دفعة و يَلزم من ذلك انّ خروجه ليس بمزايلةٍ و الا لكان دخوله بملاصقةٍ و بالعكس و المزايل محصور في غير ما زايله و الملاصق مُشَابِهٌ لما لاصَقهُ و قوله داخل لا كدخول شي‌ء في شي‌ء فيه لحاظانِ احدهما ان دخوله لو كان كدخول شي‌ء لزمه الحواية و الملاصقة و يلزم ذلك الاجتماع و الاقتران و من كان كذلك كان مشابهاً و حادثاً كما قلنا و ثانيهما انه شي‌ء فاذا قلنا داخل فيها لو كان الشيئان متساوِيَين لزم ما ذكر من المحذورات فيجب ان يكون المراد من شيئيته غير ما يراد من معني الشيئيّة المفهومة لانّ الشيئيّة التي هي بحقيقة الشيئيّة لايُدرك معناها مَن شيئيّته بغيره لان هذه مشتقة مِنْ شاۤء فالشي‌ء شي‌ء لانه مشاۤء و صادر عن المشيّة و الشيئيّة بحقيقة الشيئيّة بخلاف ذلك و خلاف خلاف فلا مثل له و لا ضد و لا ند و امّا الشي‌ء في الشي‌ء دخولاً او خروجاً فمن مرحلةٍ واحدة فالشي‌ء في الشي‌ء يلزمه الملاصقة و الاقتران و لو معني و خروج شي‌ء من الشي‌ء تلزمه المفارقة و

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 419 *»

الجهة و الحصر فلما كانت شيئيّته ليست كشيئيّة الاشياۤء كان دخوله فيها لا كدخول شي‌ء في شي‌ء بل دخوله عين خروجه فخروجه بلا مفارقة عزلة بل بمفارقة صفة و دخوله بلا ملاصقة حلول و مشابهة بل بملاصقة قيوميَةٍ و احاطة فافهم .

قال سلمه اللّه تعالي : و ما معني يا نعيمي و جنّتي في المناجات للسجاد (ع‌) .

اقول معني كون اللّه نعيمه ان حبّه و لذّة مناجاته و مشاهدة انوار جلاله عند العارف نعيم مقيم لم‌يخلق اللّه سبحانه في الوجود نعيماً و لا لذّة اعظم منها و اليه الاشارة بقوله تعالي في الحديث القدسي في حق الخصيصين من المؤمنين قال تعالي و اذا تلذّذ اهل الجنة بمٰاكلهم و مشاربهم تلذّذوا بمناجاتي و بكلامي و باقي السؤال مع ملاحظة هذا الكلام ظاهر .

قال سلمه اللّه تعالي : و بين لي في آخر الاجوبة طريقة الرياضة و كيفيّة تحصيل السعادة و المعرفة و قل لي اي شي‌ء افعل في الخلوة و بيّن لي كل شي‌ء تري فيه صلاح احوالي و لاتتأمّل في قضاۤء حاجتي و انا واللّه العظيم معترف بلساني و قلبي و جوارحي بان حقيقة الحق عندك و به و بركتكم و حسن التفاتكم كشف اللّه عن قلبي غطاۤء الظلمة و الرَّيْب و ابسط كل البسط في الاَحقيّة و اكشف غطاۤء الاجمال وَ اكتب حقيقة الكشف و لاتقتصر بالاستدلال حتي تكون اجوبتكم ذخيرتي في دُنياي و آخرتي و انسي في وحشتي و خلوتي ان لم‌تكشف الغطاۤء واللّه يوم القيمة عند جدي آخذ ذيلك و اشكو اليه و اعلم يقيناً ان ليس في عصرنا احد يعرف قدركم و انت مجهول القدر كساداتك الطاهرين طوّل اللّه عمركم و جعلني اللّه من العارفين بحقكم و نور قلبي بانوار مشكوة معارفكم و فيوضاتكم و لاتنساني من صالح دعائكم و حسن رأفتكم في الدنيا و الاخرة و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته .

اقول ان طريق الحق و نهج الصدق في الرياضة هو ما سَنّه ائمة الهدي عليهم السلام و هو ان تسلك الطريقة المستقيمة في الاحوال و الافعال و الاقوال

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 420 *»

امّا في الاكل و الشراب فلاتأكل حتّي تجوع فاذا اكلتَ فلاتشبع بل تبقي من شهوتك و لاتشرب حتي تعطش و اذا شربتَ فلاترو و اما في العبادة فتحسن وضوءك و تقرأ عنده الادعية المأثورة و سورة القدر في اثناۤئه و بعد الفراغ تقرأها ثلاثاً و تحسن صلاتك و تقبل عليها بقلبِك و فرّغ قلبَك في صلاتك لعبادة ربّك و تصَلّي صلوة مُوَدّعٍ و امّا في احوالك فاجعل قلبك منبراً للملائكة و لاتَجْعله مربطاً لحيوانات الشهوات و لتكن ذاكراً للّه كثيراً بان لاتغفل عن اللّه فتذكره عند الطاعة فتفعلها و عند المعصية فتتركها و لاتحتقر شيئا من طاعة اللّه فعسي ان يكون فيه رضا اللّه و لا شيئا من معاصي اللّه فعسي ان يكون فيه سخطه و ان تكون دائم النظر في خلق اللّه نظر اعتبار و تدبّر و تتذكر الٰاخرة و الموت و تنظر الي الدنيا و تقلّباتها و عدم دوام لذّاتها و امّا افعالك فَاِنْ قدَرْتَ ان لايتحرّك وَ لٰاتسكن اِلّا بمٰا يُوَافِقُ محبّة اللّٰهِ فافعل فاجعل سعيَك الي المساجد و مواضع الذكرِ و بَطْشَكَ في ما امر اللّهُ تعالي و نظرك و سمعك و جميع جوارحك و امّا اقوالك فلاتنطق اِلّا فيما يعنيك في الدّنيا و الٰاخرة و عليك بقراۤءة القرءان بِتَدَبُّرٍ فانّه مفاتيح خزاۤئن الغيب . ثم اعلم ان اللّهَ يقول ليس علي الّذين آمنوا و عملوا الصّالحاتِ جُنٰاحٌ فيْما طعموا اذا ما اتّقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتّقوا و احسنوا و اللّه يحبّ المحسنين فذكر الايمانَ ثلاث مرّات و التقوي ثلاث مرات فالاوّل الايمان باللّه و التقوي تقوي اللّٰهِ فيما بينك و بينه فلاتنظر غير اللَّهِ الّا بالعَرض كَاَنْ تراه سبباً لفعْل اللّه اَوْ مظهراً لِقدرته و لاتعتمِد علي غير اللّه في شي‌ءٍ قَلَّ اَوْ جَلّ فاِنّ ما سوي اللّٰه لَيْسَ شيئاً اِلّا باللّٰهِ وَ لَاتَثِقْ بغَيْر اللّٰهِ في كلّ حالٍ بل اتّقِ اللّٰه اَنْ تنظر لغيرِ اللّٰهِ شَيْئيَّةً في كلّ لحاظٍ الّا به و التقوي الثانية ان تتّقي نفسك فلاتلين لها و لاتتركها و شهوتها فتورِدَك المهالك بل تجعل همّك في جهادِها و حملها علي الانقياد لامرِ اللّه و الايمان الثاني ان تؤمن بذلك فانّك اذا فعَلتَ بها كذلك غير مؤمن به انهدمَ ما اسَّسْتَ لها و التقوي الثالثة اَنْ تتّقي الناس بان تجتنب ما حملوك من العادات المخالفة للشرع و الاراۤء و مجالسة اهل الغفلة منهم و المعاصي و اَنْ تجتنب كلّما لايحبّون منك مِمّا لٰايُرَادُ

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 421 *»

منك شرعاً بل تعاملهم بما تحب اَنْ يعاملوك به و تكون مؤمناً بذلك كما ذكرنا و تعمل و تحسن العمل فانه تمام الامر و لاتستصعب ما وصفتُ لك بل تعمل ما تقدر عليه و لاتترك ما تقدر عليه لاجل ما يصعب عليك فانّك اذا فعلتَ ما تقدر عليه قوِيتَ علي ما صعب عليك قال الصادق (ع‌) بالحكمة يُسْتَخْرَج غَور العقلِ و بالعقل يُسْتَخرج غور الحكمة و اذا داومتَ علي الاعمال الصالحة و النوافل انفتحت لك الابواب و تسبّبَتْ لك الاسباب و رُفع عنك الحجاب و رزقك اللّه من رحمته و علمه و معرفته و معرفة احكامه بغير حساب قال تعالي مازال العبد يتقرّب اليّ بالنوافل حتّي اُحِبَّه فاذا احببتُه كنتُ سمعه الذي يسمَعُ به و بصَرهُ الذي يبصر به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبتُه و ان سألني اعطيتُه و ان سكتَ ابتدأته الحديث ، فاذا تقرّب العبد الي اللّه بالنوافل احبّه فاذا احبّه قال (ص‌) ليس العلم بكثرة التعلم و انما هو نور يقذفه اللّه في قلب مَن يحبّ فينفسح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاۤء قيل و هل لذلك من علامةٍ قال (ص‌) التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله فهذه حقيقة الطريقة و طريقة الحقيقة و هي اقرب الطرق الي اللّه و اقومُها و امّا ما ذكره اهل التصوّف و اصحاب التقشّف من الرياضات و الاذكار التي لم‌ترد عن الائمة الاطهار فذلك زخرف القول يفعلونه غروراً و لو شاۤء ربّك مافعلوه و لكنّه تركهم و خلاهم من يد رحمته فذرهم و ما يفترون و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالاخرة من اخوانهم اهل الغواية و الضلالة و الملاهي الذين يطلبون ما يباهون به العلماۤء و يمارون به السّفهاۤء فيصوّرون الباطل في صورة الحق ليستحسنه اهل الالحاد في اسماۤء اللّه و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون و هو طريق كثير الحيات و العقارب مظلم كالليل الدامس مُسْبِع و هو سبيل الفجّار و طريق النار فاجتنبوه لعلكم تهتدون و السلام علي من اتبع الهدي و خشي عواقب الردا و رحمة اللّه و بركاته.

و كتب العبد المسكين احمد بن زين الدين و الحمدلله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله