02-16 جواهر الحکم المجلد الثانی ـ رساله في جواب الآغا سيد علي البهبهاني ـ مقابله

رسالة فی جواب الآغا سیدعلی البهبهانی

 

من مصنفات السید الاجل الامجد المرحوم الحاج

سید کاظم بن السید قاسم الحسینی اعلی الله مقامه

 

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 481 *»

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين و صلّي اللّه علي خير خلقه محمد و اله الطيبين الطاهرين.

اما بعــد؛ فيقول العبد الفقير الحقير الجاني الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان جناب المولي الامجد و الحبر الانجد السيد السند و الركن المعتمد المؤيد بلطف اللّه العلي السيد علي بن السيد المكرم (. . . . .) اعلي اللّه مقامه قداتي بمسائل عويصة جليلة قدطالت فيها افكار الحكماء و تحيرت في معرفتها احلام العلماء قدطلب من الفقير بيانها و كشف نقابها و انا في ضيق المجال و بلبال البال و هو ايضاً سلمه اللّه تعالي يريدها بالاستعجال و قداحببت ان‏تأتيني هذه المسائل قبل هذا الوقت لابينها بعون اللّه حق البيان و اظهر بعض ماظهر لي من حقايقها و دقايقها بالبينة و البرهان ولكني الان اتٍ بماهو الميسور اذ لايسقط بالمعسور و الي اللّه ترجع الامور و قدجعلت كلامه سلمه اللّه متناً و جوابي كالشرح له ليطابق الجواب بالسؤال و اللّه الموفق في المبدأ و المئال.

قــال سلمه اللّه تعالي: قال اميرالمؤمنين7 توحيده تمييزه عن خلقه و حكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة سيدنا اسألك من كريم بابك ان‏تبين لي انه ما المراد بالبينونة الصفتية و بينونة العزلة و ما الفرق بينهما بياناً واضحاً شافياً موافقاً للحق القويم رافعاً لشبهة المشبهين.

اقــول: اعلم ان الاشياء لاتخلو اما ان‏تكون في رتبة واحدة او في رتبتين و لا ثالث لهما و مرادي بالرتبتين ان‏تكون احديهما علة فاعلية و الاخري معلولة و لا قوام للثانية الاّ بالاولي و لا ذكر لها في الاولي بوجه ابداً كالاثار و الافعال الصادرة عن الشخص مثلاً من قيام و قعود و حركة و سكون و امثالها مما لايستغني عنه لا في المادة و لا في الصورة بخلاف البيت الذي يبنيه البنّاء و المكتوب الذي يكتبه الكاتب فانهما مستغنيان عن البنّاء و

 

* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 482 *»

الكاتب بمادتيهما نعم الهيئات و الحركات الموجبة لهما متقومة بهما في الحالين فيوجدان عند وجودهما و يعدمان عند عدمهما و اما الذي في البيت و الكتابة هو الشبح المنفصل عن الشخص المتقوم بالطين و المداد في الظهور فماداما موجودين فذلك الشبح شهودي فاذا ارتفعا و انعدما يرجع ذلك الشبح الي الغيب فيكون غيبياً الاتري بعد خراب البيت و محو المداد انك تري صورة مااحدثه البناء و الكاتب بخيالك موجودة في غيب ذلك المكان اذا التفتّ اليه وجدته فافهم فالمرتبتان هما الحقيقتان الوجوديتان اللتان اذا نظرت الي الاولي من حيث هي هي رأيت الثانية فيها باطلة معدومة بل ممتنعة لا ذكر لها فيها بوجه ابداً فلايلتفت في مرتبتها الي الثانية و لايحكم فيها عليها بوجه لا بنفي و لا اثبات و اذا نظرت الي الثانية من حيث هي هي وجدتها صفة الاولي دالّة عليها مظهرة لها بل لا حقيقة لها الاّ ذكر الاولي و الدلالة عليها الاتري انك اذا نظرت الي زيد من حيث هو هو تنسي كلّ افعاله و حركاته و سكناته و لاتشعر اليها ابداً اذا استغرقت في الالتفات اليه و اما اذا نظرت الي قيامه فانك تجده فيه فان القيام مايمكن ان‏يعقل الاّ بالقائم و اذا جردته عنه في الاعتبار لم‏يكن قياماً بل ذات مستقلة و كذلك الحركة اذا جردتها عن المتحرك لم‏تكن حركة هذا خلف فالحركة لاتتحقق في الفرض و الاعتبار و الواقع و الخارج و نفس الامر الاّ بالمتحرك و كذا القيام الاّ بالقائم و القائم و المتحرك صفتان لاتقومان الاّ بالموصوف الذي هو ذات زيد مثلاً فاذا جردت الصفة عن موصوفها بطلت او لم‏تكن صفة هذا خلف و هذا ظاهر واضح ان شاء اللّه تعالي و مرادي بالمرتبة ان‏تكون حقيقة واحدة وجودية قدتعينت بالتعينات المختلفة و التشخصات المتضادة كالخشبة الواحدة المتعينة في السرير و الباب و الضريح و العمود و الصنم و الصندوق و امثالها و كالانسان المتعين في زيد و عمرو و بكر و غيرهم و في الصورة الظاهرية في المؤمن و الكافر و الشقي و السعيد و امثالها فهذه الافراد و ان كانت متخالفة متباينة متفاوتة متضادة لكنها تجمعها حقيقة واحدة وجودية فكلّها اذن في رتبة واحدة

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 483 *»

ليست بينها علية و لا معلولية و لا ترتيب في التقدم و التأخر الوجودي الاّ الظاهري حسب اجتماع الشرايط و الاسباب المقتضية للتعين و التشخص و لذا تري الاب قديكون مؤخراً في الايجاد و الوجود عن الابن و يكون في مقام الظهور التعييني مقدماً و هذا ايضاً ظاهر واضح ان شاء اللّه تعالي و ليس هنا شق ثالث اي يكون شيئان متغايران وجوديان لايكون احدهما علة للاخر و لايكون كلاهما معلولين لعلة اخري فان جعلتهما قديمين كانا ايضاً في رتبة واحدة في القدم مع ان ذلك خلاف مانحن بصدده فانه باطل بضرورة الاسلام فضلاً عن شهادة العقل.

فاذا انحصر الامر في المتباينين بالذي ذكرنا فاعلم ان المراد ببينونة العزلة هو القسم الثاني لاعتزال كل حصة بماتعينت عن الاخري في الجهة و المكان و الزمان و الكم و الكيف و الوضع و الاضافة و ساير الاحوال فكان كل فرد في جهة غير جهة الاخر و مكان غير مكان الاخر فكان احدهما معزولاً عن الاخر في مراتب وجوداتهما المتعينة و كذلك الامر الواحد الساري في هذه الافراد بينه و بين تلك الخصوصيات المعينة في الفرد الخاص بينونة عزلة لان تكثر الافراد انما يكون بالعوارض المشخصة و هي امر خارج عن حقيقة ذات المعروض و ان كان داخلاً في حقيقة الفرد علي مانختاره فان هيئة السرير المعينة للخشب في هذا الحدّ الخاص امر خارج عن الحقيقة الخشبية و كذلك العوارض المشخصة للانسان في الحدود المشخصة و كذلك العوارض المشخصة للحيوان الجنس لها و لذا قالوا ان نسبة الفصل الي الجنس نسبة الخاصة الي العرض العام و الدليل علي ذلك انك اذا التفتّ الي ذلك الامر الواحد من حيث هو هو تنسي الافراد كلّها و لم‏تذكره بوجه ابداً الاتري انك اذا التفتّ الي الخشبة من حيث هي هي لاتذكر الصنم و لا السرير و لا الباب و لا غيرها و كذلك اذا التفتّ الي الانسان تنسي زيداً و عمراً و غيرهما من الافراد و يكفيك اعتراف الكلّ بان الافراد انما تحصل بالاعراض الخارجة عن المعروض و اعترافهم بان العرض

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 484 *»

لايدخل مع المعروض في حقيقة واحدة لان العرض هو الخارج فلايذكر احد الشيئين في رتبة الغير بالبديهة نعم هما اقترنا فاقتضي الاقتران حكماً اخر فصحّ انهما معلولان لعلة اخري فظهر ان بين الحقيقة الواحدة و التعينات بينونة عزلة لاعتزال كلّ عن الاخر اذا نظرت الي كل واحد منهما في رتبة ذاته و كون كل منهما في جهة غير جهة الاخر فكل منهما معزول بتلك الجهة عن الاخر و كذلك بين المتعينات بعضها مع بعض كماذكرنا انفاً و بعبارة اخري بين الكلي و افراده و بين الافراد بعضها مع بعض بينونة عزلة و انما عبرت بالعبارة الاولة لغاية عندي تظهر لمن عرف حدود كلامي.

فظهر ان البينونة الصفتية انحصرت في القسم الاول و هو ان‏يكون احدهما علة و الاخري معلولاً و احدهما مؤثراً و الاخري اثراً و لا شك ان الاثر غير المؤثر لكنه صفة المؤثر دال عليه لا بدلالة الكشف كماتري الكتابة فانها دالة علي الكاتب و الكلام علي المتكلم و القيام علي القائم و الحركة علي المتحرك و القدرة علي القادر و الاثر علي المؤثر فلايمكن ان‏يفرض للاثر وجود في حال من الاحوال و مرتبة من المراتب و مقام من المقامات و لاتكون في ذلك المقام الدلالة علي المؤثر الاّ اذا لم‏تلاحظ الاثرية فلايكون المؤثر معزولاً عن الاثر و لا الاثر معزولاً عن المؤثر ابداً بل لاتجد للاثر رتبة الاّ و تري المؤثر ظاهراً فيها لان الاثر في كل احواله صفة دالة علي المؤثر مع انه خارج عن حقيقة المؤثر و معدوم بل ممتنع فيها و انما احدثه لا من شي‏ء فنفس الاحداث دليل علي المحدث و ليست الصفة الاّ الامر الدال علي الموصوف الغير المتحقق و الغير المتقوم الاّ بالموصوف التي لا وجود لها الاّ به بل ليست الاّ محض حكايته و ظهوره فهذا هو المراد بالبينونتين.

فاذا عرفت هذا فقول اميرالمؤمنين روحي فداه توحيده تمييزه فاعلم ان اللّه سبحانه في الازل لا بمعني الظرفية بل الازل نفسه لا بمعني المغايرة بل هو الازل لا باعتبار مغايرة المفهوم للحمل بل هو هو سبحانه و تعالي وحده لا شريك له انقطعت عنه الغايات و تفسخت دونه النهايات و امتنعت عليه

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 485 *»

الكثرات و الخلق في رتبة الامكان و الامكان فقر محض و القدم غناء محض فلايجتمعان في رتبة فلايمكن للممكن ان‏يصعد الي الازل فيعرف ماهو عليه و الاّ لم‏يكن ممكناً و لا الازل ينزل الي الامكان و الاّ لم‏يكن ازلاً و لا ارتباط بينهما و لا نسبة و الاّ لكان كل منهما مركباً من الجهة المشتركة التي بها تتحقق النسبة فانها ليست الاّ وجود امر واحد في شيئين مختلفين فكل ماهو كذلك مركب عن الجهتين جهة المخالفة و جهة المشاركة و الموافقة و لايعقل ان‏يكون النسبة هي عين الذات بدون الجهة الاخري فتكون الذات هي الجهة المشاركة و هي لاتكون الاّ بين الشيئين و قدفرضت النسبة هي عين الذات التي هي جهة المشاركة فاين الطرف الاخر و كيف يعقل ان‏تكون الذات امراً اضافياً ارتباطياً سبحانه و تعالي عمايصفون و لا اتصال لانه الاقتران الممتنع من الازل الممتنع من الحدث و لا انفصال لان الفاصلة ان كانت قديمة مع انها لاتعقل يلزم تعدد القدماء و ان كان حادثاً فهل فصل بينه و بين القديم سبحانه ام لا فيعود ماذكرنا و لا موافقة لانها المشابهة في صفة و لاتصحّ كماذكرنا في النسبة و لا مخالفة لانها اعتزال فلايصح الاحداث و لا غير ذلك من الاحوال الخلقية بل اجمل الكلام الامام الهمام الصادق7 في هذا المقام فقال7علي مارواه في الكافي و التوحيد و غيرهما ان اللّه تعالي خلو من خلقه و خلقه خلو منه فكل مايصدق عليه اسم شي‏ء ماخلا اللّه فهو مخلوق و قال مولينا الرضا7 علي مافي التوحيد و العيون و البحار كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لماسواه و قال ايضاً فيه مامعناه كل ماامتنع في المخلوق يجب في خالقه و كل مايجب في الخالق يمتنع في المخلوق و الي هذا المعني ناظر قول اميرالمؤمنين7 توحيده تمييزه يعني ان منتهي التوحيد للخلق و غاية معرفتهم في ذلك ان‏ينزهوا الحق سبحانه عن كل صفات المخلوقين المربوبين كماقال سبحانه و تعالي سبحان ربك رب العزة عمايصفون و «ما» عامة شاملة لكل وصف و صفة فان الممكن مخلوق لايعرف الاّ

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 486 *»

مخلوقاً كماقال7 انما تحد الادوات انفسها و تشير الالات الي نظائرها فلايمكنهم اذن اثبات صفة و بيان حقيقة للذات الاقدس جل‏شأنه و انما حظهم من ذلك تنزيهه عن كل ماسواه و احوالهم و اطوارهم و اوطارهم في اكوارهم و ادوارهم فيثبتون ذاتاً منزهة عن كل صفات الممكنات في كل الحالات و اليه اشار اميرالمؤمنين7 علي مارواه في العوالم في الخطبة اليتيمية الي ان قال7 ان قلت هو هو فالهاء و الواو كلامه صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له ان قلت الهواء صفته فالهواء من صنعه رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و هجم له الفحص الي العجز و البلاغ الي الفقد و الجهد علي اليأس و الطريق مسدود و الطلب مردود دليله اياته و وجوده اثباته و لمابيّن7 ان التوحيد ليس الاّ التمييز و التفريق بينه و بين خلقه بتنزيهه عن جميع الصفات الخلقية و الشئونات و الاحوال الامكانية اراد7 ان‏يبين ان ذلك التنزيه و التمييز و التفريق ليس بالبينونة علي وجه الاعتزال كما اذا نزهت زيداً عن صفات عمرو او نزهت الانسان من حيث هو انسان عن صفات الحدود و العوارض و الافراد او البحر من صفات الامواج او الشاخص من صفات العكوس و الاظلال و امثالها ممايلزم منه الاعتزال و الجهة و التحديد و التقييد بذلك النفي و التمييز او استقلال الممكنات حيث كانوا في جهة غير جهة الحق القديم سبحانه و تعالي و انما هو بينونة صفة يعني ان الممكنات و الموجودات و ان كانت متغايرة و متباينة ليست في صقع الازل و رتبة الذات لم‏تزل لكنها صفات و اثار تدل بذواتها و حقيقتها علي اللّه سبحانه دلالة الالتزام فلاتنظر في مخلوق الاّ و تري اثار الربوبية فيها ظاهرة و انوار القدرة عليها ساطعة تدلّ علي اسمائه و صفاته و افعاله و انه تعالي لايدرك و لايوصف كالقيام الدالّ علي القائم و القعود الدالّ علي القاعد و الحركة الدالة علي المتحرك و هو معني ماقال الامام الصادق7 :

و في كلّ شي‏ء له اية   تدلّ علي انه واحد

 

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 487 *»

فلايري شي‏ء الاّ و يري اللّه بعده او معه او قبله علي اختلاف المراتب فلا سبيل الي اللّه عزّوجلّ الاّ باثار صنعه و ظهورات خلقه و لذا قال سيدالشهداء7 في دعاء عرفة الهي امرتني بالرجوع الي الاثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كمادخلت اليك منها مصون السرّ عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شي‏ء قدير مثلاً اذا كان احد في مكان مظلم و انت لم‏تدر به فتكلم فعلمت ان هنا احد متكلم فتوجهت من الاثر الي المؤثر مع قطع النظر عن خصوصية الاثر فكان ذلك الاثر معني صفة المؤثر فالاثار معاني صفات المؤثر و ركنها كالقيام فانه ركن للقائم و معني له و كذا القاعد و الاكل و الشارب اركانها و معانيها القعود و الاكل و الشرب هذا هو المراد من قول اميرالمؤمنين7 و حدّ التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة.

ثم اعلم ان هذا التنزيه في قوله7 توحيده تنزيهه ليس بالاشارة بمعني انه يري او يحتمل ان‏يكون اللّه قد اتصف بصفات المخلوقين فينزهه عن ذلك فان النفي فرع الاثبات و التنزيه لايقع الاّ فيمن يصحّ فيه التشبيه ولو بالفرض و الاعتبار و هذا لايصح علي اللّه عزّوجلّ فلايتصور معه شريك و لايعقل معه غيره بل المراد من هذا التنزيه هو الذي قال7 في حديث كميل كشف سبحات الجلال من غير اشارة اي يتوجه الي اللّه سبحانه لا بمشعر العلم و لا بمشعر العقل بل بمشعر الذات و الحقيقة المعبر عنه عندنا بالفؤاد و هو الذي لا كيف له و لا كم و لا وضع و لا اضافة و كلّ الكثرات هناك باطلة و كلّ الاضافات هناك مضمحلة ليست فيه الاّ جهة الوحدة المحضة الخالصة عن شوب كلّ الكثرات و لا ذكر لشي‏ء من الاشياء فيه بوجه من الوجوه و هو نور اللّه الذي ينظر المؤمن به و هو النور الذي خلق منه فاذا نظر بتلك العين فقدنزه اللّه سبحانه و تمّ له التنزيه و الاّ فهو في مقام التشبيه و لايخلص منه و هو المقام الذي تنقطع عنده الاشارات و اضمحلت لديه السبحات و الشئونات و تفسخت دونه الصفات و هو مقام كشف السبحات من

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 488 *»

غير اشارة و الدنو الي ربه بلا كيف و لا اشارة و النظر بتلك العين هي حقيقة التوحيد و المعرفة و العارف الحقيقي لايروم الاّ ذلك هذا هو المراد من قوله7في الحديث المتقدم فمن رام غير هذا المعني او عدل عنه فهو باطل نعم له باطن و سرّ و باطن باطن لايخالف هذا الظاهر بوجه ابداً و محكمات الكتاب و السنة تشهد بصدق ماذكرنا و كذا العقل و اجماع المسلمين علي ذلك و مثل هذه الاخبار المتشابهة لايجوز ان‏يؤخذ معانيها بالرأي و الاستحسان او من العقول الضعيفة المغيرة او من الصوفية الملاحدة او من الحكماء الفلاسفة فانهم ليسوا باهل بيت العلم و انما الاخبار المتشابهة يؤخذ تفسيرها من المحكمات من الكتاب و السنة و ضرورة العقل و مااجمعت عليه الفرقة المحقة فانهم لم‏يزالوا علي الحق و اتفاقهم و اجماعهم كاشف عن قول المعصوم7 و هو7 لاينطق عن الهوي ان هو الاّ وحي يوحي اياكم ثم اياكم و الاغترار باقوال بعض المموهين و نقلهم لاخبار المعصومين و استنادهم عليها و قداخبر اللّه عزّوجلّ عن هذه الحقيقة بقوله و ماارسلنا من رسول و لا نبي الاّ اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ اللّه مايلقي الشيطان ثم يحكم اللّه اياته و التمني بمعني القراءة و القاء الشيطان هو الاحتمال الباطل المخالف للمقصود في كلامه7 و كلام اللّه فان الشياطين ليوحون الي اوليائهم ليجادلوكم فان اطعتموهم انكم لمشركون و نسخ اللّه ذلك الحكم الملقي من الشيطان عبارة عن نصب قرينة واضحة موضحة للمراد من تسديده و هدايته و ارشاداته من عموم او خصوص او اطلاق او اجماع او غير ذلك من الامور التي لاتخفي علي العالم العارف بالامر فاذا كان كذلك فليطلب مايشتبه من اخبار اهل‏البيت: من محكمات كتاب اللّه و محكمات اخبارهم: و ماانعقد عليه اجماع الفرقة المحقة فان بيانه يأتيه مشروحاً مفصلاً كمابينت لك هذا الخبر من اخبارهم و محكم كتاب اللّه من قوله عزّوجلّ سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قوله تعالي و يضرب اللّه الامثال للناس و مايعقلها الاّ العالمون و قوله تعالي و كأين من اية في السموات

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 489 *»

و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون فبين سبحانه و تعالي ان في كل شي‏ء دلالة واضحة علي الحق سبحانه و اسمائه و صفاته فلايصح ان‏تكون البينونة بينونة عزلة فان احد المتباينين لايدلّ علي الاخر كماهو المعلوم بخلاف بينونة الصفة فان المباين هنا صفة و الصفة لا شك انها غير الموصوف ولكن لا حقيقة لها الاّ حكاية الموصوف و دلالتها و قدقال مولينا الرضا7 ان الاسم صفة لموصوف و قدقال اميرالمؤمنين7 ان الاسم مادلّ علي المسمي فكل اسم صفة لقول الرضا7 و كل الخلق اسم للّه سبحانه لقول اميرالمؤمنين7 لان الخلق اعظم ادلة عليه سبحانه بل مايعرف سبحانه الاّ فيه و به كماقال في خطاب القدس كنت كنزاً مخفياً فاحببت ان‏اعرف فخلقت الخلق لكي‏اعرف فجعل الخلق و الايجاد علة المعرفة فكيف لاتكون البينونة بينونة صفة فافهم راشداً موفقاً.

و اعلم ان الصوفية تمسكوا بهذا الحديث و امثاله علي بعض معتقداتهم الفاسدة الباطلة و لو كان لي مجال و عدم استعجال لبينت لك بعض كلماتهم و اشرت الي تفصيل الجواب ولكنا اقتصرنا بماذكرنا فان من عرفه يظهر له الجواب الصواب عن كل شبهة و ايراد و اعتراض و اللّه الموفق للصواب و اليه المرجع في المبدء و المئاب و لا حول و لا قوة الاّ باللّه.

قــال ايده اللّه تعالي: و قال احدهم: الجمع بلا تفرقة زندقة و التفرقة بلا جمع تعطيل و الجمع بينهما توحيد و التمس من جنابكم ان‏تبين لي هذا الحديث بياناً وافياً شافياً يكون منطبقاً علي طريق الحق المبين.

اقــول: اعلم ان الصوفية حيث لم‏يهتدوا الي طريقة ائمة الهدي: لان اظهار التصوف انما كان لاطفاء نور اهل‏البيت: و قدقال عبدالكريم الجيلاني ان شرط التصوف ان‏يكون علي مذهب السنة و الجماعة و هم صرحوا بان شرط التسنن ان‏يكون في قلبه شي‏ء من بغض علي بن ابي‏طالب7 حتي لايغلو بمايسمع من الفضائل فانظر ماذا تري فحيث اعرضوا ذهبت بهم الريح يميناً و شمالاً فلم‏يهتدوا الي الحق سبيلاً فخبطوا خبط عشواء و

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 490 *»

بقوا وقوفاً حياري و قالوا في مسألة التنزيه ان التنزيه من غير التشبيه تقييد و تحديد و منه يلزم التعطيل فاذا قلت اللّه مثلاً ليس بجسم و لا صورة و لا جوهر و لا عرض و لا غيرها من الصفات الخلقية فقدحددته بنفي تلك الصفات و منه يلزم التركيب لان جهة نفسه غير جهة ليس بجسم مثلاً و التشبيه من غير التنزيه ايضاً يكون مشبهاً مجسماً فالجمع بينهما هو التوحيد الخالص كماقال امامهم و قدوتهم مميت‏الدين ابن عربي:

فان قلت بالتشبيه كنت مجسماً   و ان قلت بالتنزيه كنت محدداً
و ان قلت بالامرين كنت موحداً   و كنت اماماً في المعارف سيداً

و قدمال الي هذا القول طائفة من الشيعة كماذكر الملاّمحسن في كلماته المكنونة و عقد عنواناً في الجمع بين التشبيه و التنزيه و لا شك ان هذا القول باطل لاينطبق علي مذهب اهل‏البيت: فان التنزيه الصرف لم‏يزل ديدنهم و طريقتهم: كماقالوا:كماتقدم اللّه خلو من خلقه و خلقه خلو منه و كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لماسواه و كذا غيرهما من الاخبار نعم ان الذي ينظر الي الحق سبحانه و الي توحيده و اسمائه و صفاته بنظر العقل يلزمه ماقالوا لان العقل محدود بالحدّ المعنوي فلايري الاّ المحدود كذلك فعند العقل ذكر للاشياء علي جهة الاجمال و البساطة فهناك يتمشي التنزيه علي النهج الذي قرروا و ليس هذا التنزيه هو مراد اهل‏البيت: بل بينوا:حقيقة التنزيه المقصود بقولهم كشف سبحات الجلال من غير اشارة يعني انك توجه الي اللّه سبحانه بعين الفؤاد بمعني انك لاتلتفت الي شي‏ء سواه و لاتنظر الي احد غيره لتدعوك الحاجة الي نفي ذلك الغير عنه تعالي كماقال تعالي و لايلتفت منكم

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 491 *»

 احد و امضوا حيث تؤمرون([1]) و ليس ثمة شي‏ء وجودي و لا عدمي حتي يكون اللّه محدوداً بذلك و لذا قال7 للرجل حين قال اللّه اكبر ما معناه قال اللّه اكبر من كل شي‏ء فقال7و هل ثمة شي‏ء ليكون اللّه اكبر منه فقال الرجل فمااقول قال7 قل اللّه اكبر من ان‏يوصف هذا معني الحديث رواه في التوحيد فالتنزيه انما يكون بغير اشارة لا انه يلتفت الي شي‏ء لايليق ثم ينزه اللّه منه مثلاً اذا رأيت زيداً و خطر ببالك السرقة مثلاً و احتملتها لزيد ثم نظرت الي مقامه و جلالة قدره فنزهتها منه و اما اذا نظرت الي زيد و لم‏يخطر ببالك السرقة و لا انه ممن يحتمل في حقه تلك بل انما نظرت الي زيد ناسياً عن كل شئونات اطواره و عن كل ماسواه فقدنزهت زيداً اقوي و اعظم من التنزيه الاول حيث انك في اول الامر تصورت معه غيره ثم نزهته منه و في ثاني الامر ماالتفتّ الي غير زيد ابداً و هو التنزيه البالغ و يلزم في الاول التحديد بخلاف الثاني فان الحد و المحدود يجب ان‏يكون مغايراً فاذا لم‏يكن هناك غير فاين التحديد و هذا التنزيه الثاني هو /الذي يراد (المراد خ‏ل) في حق اللّه لا الاول كمازعموا فوقعوا فيماوقعوا و لذا قال7 كنهه تفريق بينه و بين خلقه يعني انك اذا توجهت الي توحيده انس كلّ ماسواه ليكون عند ذكره تعالي فناء غيره ولكن الناس لماكانوا مايعرفون من التفريق المعني الذي ذكرنا حيث لم‏يصلوا اليه و انما يعرفون منه امرين متغايرين اعتزل احدهما عن الاخر قال7 و غيوره تحديد لماسواه يعني المغايرة و كونه غير خلقه انما هو تحديد للخلق اذ ليس ثمة غير حتي يجعل غيريته تعالي حداً له تعالي عن ذلك علواً كبيراً بل المغايرة و المخالفة و الموافقة في مقام الخلق حيث عندهم جهتي الاشتراك و الاختلاف و اما هناك عماء محض ليس لاحد فيه ذكر و لا لشي‏ء فيه اسم و رسم حتي تثبته بنفي غيره و يكون محدوداً بذلك الحد و انما كررت العبارة لتفهم المراد فاذا فهمته تبطل بذلك اصلهم ان بسيط الحقيقة كلّ الاشياء.

و اما الحديث المسئول عنه فهذا لم‏نجده في كتاب من كتب اصحابنا

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 492 *»

رضوان اللّه عليهم مسنداً و لا مقطوعاً مرسلاً و انما هو شي‏ء سمعناه لا من مشايخنا الذين نعتمد عليهم و انما هو من ساير الناس و علي فرض صحته و كونه حديثاً مروياً عن المعصوم7 فليس فيه مايدل علي مطلوبهم من الجمع بين التشبيه و التنزيه و انما المراد منه ماورد عن مولينا الصادق7 علي مارواه في الكافي في حديث هشام من عبد الاسم و المسمي فقداشرك و من عبد الاسم دون المسمي فقدكفر و لم‏يعبد شيئاً و من عبد المسمي بايقاع الاسم (الاسماء خ‏ل) عليه فذاك التوحيد هـ فمن جمع في العبادة و التوجه بين الاسم و المسمي فهو زنديق كافر مشرك حيث جعل مع اللّه الهاً اخر و من توجه الي المسمي اي الذات بدون واسطة الاسم و لم‏يجعل للاسم مدخلاً في التوجه فذاك تعطيل اما للفيض فان الفيض لم‏يظهر و لم‏يبرز الاّ بالاسماء فالقيام مثلاً ماظهر الاّ باسم القائم و كذا القعود ماظهر و ماوجد الاّ باسم القاعد فمن انكر الاسم و لم‏يتوجه به الي المسمي فقدانكر فيض المسمي و عطّله عن الافاضة او المراد بالتعطيل التعطيل عن الصفات الكمالية فان الصفات هي الاسماء و هي المظاهر الفعلية فمن انكرها فقدانكر الصفات الكمالية و عطّل الذات المقدسة عنها و ذلك كفر فمن جمع بينهما اي توجه الي الذات بواسطة الاسماء فذاك موحد حيث اتي البيت من بابه و توجه الي الحق بجنابه و الاسم هو الدليل و الاية الالهية التي اراها اللّه الخلق في الافاق و في انفسهم و تظهر تلك (لك خ‏ل) الاية عند كشف السبحات و ازالة الانيات و هي التي ظهرت للصوفية و قالوا انه هو اللّه تعالي اللّه عن ذلك علواً كبيراً.

و وجه اخر لبيان هذا الحديث اعلم انه قددلّ العقل و النقل ان محمداً و اله9هم الشمس المضيئة التي قداستضاء بنورهم كل الموجودات فكل الخلق من الانبياء و ماتحتهم من الخلق كلهم من فاضل انوارهم و عكوسات ظهوراتهم قدتجلي اللّه بهم للخلق فهم في كل مرتبة من مراتبهم حاكون لظهور من ظهوراتهم و معلنون للمدح و الثناء عليهم فاذا ظهر لهم شي‏ء من انوارهم: يوم الذي استخلصهم اللّه في القدم علي ساير الامم و ذلك النور

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 493 *»

فوق ذكرهم فلايدركون مقاماً اعظم منه و لايعقلون رتبة اعلي منه فيظنون انه هو نور اللّه جلّ‏جلاله فقالت الصوفية انه هو اللّه و لم‏يعرفوا الامام و نسبته اليه7 و قالت الغلاة و المفوضة انه نورهم: و هم اللّه كمااعتقدوا في حق علي7 و الائمة: و قال الاخرون هو نور اللّه عزّوجلّ و اية من اياته فلايعتقدون وساطة الائمة: في كينوناتهم و ذواتهم ثم ان اللّه سبحانه خطّأ الكلّ و قال عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون الي ان قال تعالي و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين فاثبت سبحانه لهم الفعل و العبودية و قدفصل الامر مولينا القائم عجل اللّه فرجه و عليه السلام في دعاء رجب و بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الاّ انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الي ان قال7فبهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الاّ انت فاثبت7 بقوله لا فرق بينك و بينها مقام الجمع ثم بيّن ان ذلك في عين الفرق لقوله7 الاّ انهم عبادك و خلقك فمن قال بالفرق وحده فقدالزم التعطيل اذن لم‏يعرف اللّه فان اللّه سبحانه لايعرف الاّ بهم كماقالوا:لولانا ماعرف اللّه و لولانا ماعبد اللّه و قالوا من اراد اللّه بدء بكم و من وحده قبل عنكم و قال اميرالمؤمنين7نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه الاّ بسبيل معرفتنا و قوله7 فبهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الاّ انت و امثالها من الاخبار لاتتناهي فمن فرّق بين اللّه و بينهم فقدعطل اللّه في فيضه و ابداعه و معرفته و اظهار صفات كماله و نعوت جلاله و جماله و من قال بالجمع فقال لا فرق بينك و بينها فحسب و نظر اليهم نظر الاستقلال في الاحداث و الافاضة كالغلاة و المفوضة فهو زنديق مشرك و هو قوله تعالي و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم و من قال بالجمع بين الامرين كمافعل7 في الدعاء بقوله لا فرق بينك و بينها الاّ انهم عبادك و خلقك و الي هذه الاشارة بقول الصادق7 لنا مع اللّه حالات هو فيها نحن و

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 494 *»

 نحن فيها هو الاّ انه هو هو و نحن نحن فقدجمع7 بين الجمع و الفرق و احترز عن الجمع وحده و هو نحن هو و هو نحن و الفرق وحده و هو قوله هو هو و نحن نحن فلذا كانت طاعتهم طاعة اللّه و معصيتهم معصية اللّه و حكمهم حكم اللّه و امرهم امر اللّه و قولهم قول اللّه و مشيتهم مشية اللّه و محبتهم محبة اللّه.

و وجه اخر هو ان هذا الحديث اشارة الي سرّ الامر بين الامرين و نفي الجبر و التفويض و قداشار اليه الحق سبحانه بقوله و مارميت اذ رميت ولكن اللّه رمي فمن قال بالجمع اي نسبة جميع الافعال الي اللّه تعالي بدون مدخلية العبد بوجه من الوجوه فذلك زندقة لانه يورث الظلم و فعل القبيح اذا اجبر اللّه الخلق علي الطاعة و المعصية ثم مدحهم و ذمّهم و عاقبهم عليه او انه فعل الفعل و نسبه الي غيره (الغير خ‏ل) كماقال تعالي فويل لهم مماكتبت ايديهم و ويل لهم ممايكسبون و لا شك ان القول به زندقة و كفر و من قال بالفرق بان‏يجعل الحق معزولاً في حكمه و الخلق مفوضاً في فعله فذلك تعطيل حيث عطّل اللّه في حكمه و اخرجه عن سلطانه و الجمع بينهما بان‏يجعل العبد فاعلاً و اللّه حافظاً لفعله و عمله فذاك التوحيد فانه لايتم الاّ بسلب النقايص عنه سبحانه و شواهد الذي ذكرنا من المعاني لهذا الحديث من الكتاب و السنة و العقل قدوصلت الي رتبة البداهة بحيث لاتخفي علي من له ادني تأمل ففي مثل هذه الاخبار لايجوز التفوه فيها الاّ بهداية من ارشاداتهم صلّي اللّه عليهم و الذي ذكرنا هو المنطبق علي الحق المبين و الحمد للّه وحده.

قــال ايده اللّه تعالي: و ان‏تبين ايضاً ان الوجود هل هو امر انتزاعي اعتباري او انه موجود خارجي متأصل افدنا رحمك اللّه في الدنيا و الاخرة.

اقــول: الانتزاع هو عبارة عن انتقاش صورة الشي‏ء المقابل في مرءاة من المرايا فان كانت المرءاة جسمانية فتكون الصورة المنتقشة مقدارية و ان كانت المرءاة خيالية نفسية فتكون الصورة خيالية غيبية مجردة و هذه الصورة انما يقال لها منتزعة لانها انتزعت عن المقابل لا بذاته بل بشبحه و تلك الصورة هي الشبح المقابل (للمقابل خ‏ل) الذي هو ذوالصورة فذلك الشبح

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 495 *»

ليس الاّ حكاية المقابل الخارجي ليس له تحقق بدونه و هذا هو المعروف من الانتزاع في المدلول اللغوي المطابق لمافي الواقع لان الانتزاع هو فعل المنتزع (بكسر الزاء) فهنا اربعة امور الانتزاع و المنتزع (بالكسر) و المنتزع و هو الصورة المنطبعة و المنتزع منه و هو المقابل الخارجي فلايتحقق الامر الانتزاعي الاّ بهذه الاربعة اما المنتزع و المنتزع فظاهر و اما المنتزع منه فلولاه لزم صحة انتزاع كلّ شي‏ء من كلّ شي‏ء و هو من البطلان بمكان لضرورة عدم صحة انتزاع الحرارة من البرودة و لا العكس مع ان الانتزاع لايكون متعقلاً بدون المنتزع منه و هذا معلوم ان شاء اللّه تعالي فالامر الانتزاعي هو صورة في الذهن او في المرءاة الجسمانية مطابقة لماهو في الواقع علي حسب قابلية المرءاة من الصفاء و الكدورة و الاعوجاج و الاستقامة و علي اي حال هي حكاية و مرءاة للامر الخارجي لا استقلال لها و لا تذوت و ليست الاّ محض الحكاية و اما الاعتبار فهو مايفهمه الذهن بقواه و يعتبره فان كان مطابقاً للواقع اي الخارج فهو حق و صدق و الاّ فهو كذب و باطل لست اقول ان الصدق و الكذب معناهما ماذكرنا و انما اقول الصدق و الكذب للامور الاعتبارية علي النهج الذي قلنا.

فاذا فهمت هذا فاعلم ان الذي يقول ان الوجود امر اعتباري انتزاعي نقول له هل لهذا الاعتبار مصداق خارجي فيكون موجوداً في ظرف من الظروف و عالم من العوالم ليكون مااعتبره و ادركه مرءاة لظهور الامر الخارجي للشخص و الاّ فذاك موجود سواء اعتبر ام لم‏يعتبر ام لا بل ليس له وجود اصلاً و انما هو محض الاعتبار الخالص فلولاه لم‏يكن له ذكر فان اختار الاول نقول له فاذن يكون الوجود موجوداً في الخارج و الذي في الذهن دليل عليه و اية له كالصورة في المرءاة و ان اختار الثاني نقول له فاذن قولك زيد موجود في الخارج قضية كاذبة لان المشتق لايصدق الاّ بوجود المبدأ في موضع الاشتقاق و انت تزعم ان الوجود لا تحقق له الاّ محض الاعتبار الذهني فتكون هذه القضية كاذبة كما انك اذا قلت زيد سلطان في الخارج و لم‏تكن السلطنة موجودة في الخارج فيه كانت قضية كاذبة مع ان الامر ليس كذلك و تلك

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 496 *»

القضية صادقة قطعاً اجماعاً من العقلاء.

ثم انا نقول ان نقيض كل شي‏ء رفعه فنقيض الوجود العدم و لايصح رفع النقيضين فاذا لم‏يكن الوجود موجوداً خارجياً يجب ان‏يكون العدم في الخارج و العدم ليس شيئاً حتي يحكم عليه بشي‏ء فاذن يجب ان لايكون شيئاً في الخارج و البديهة تشهد بخلافه اللّهم الاّ ان‏يراد بالوجود معني اخر غير الذي يقابل العدم و بالجملة علي اصولنا لايجوز ان‏يقال ان الوجود ليس في الخارج و انما هو امر انتزاعي ذهني فان عندنا ان كل ما في الذهن شبح و ظل للخارج فلايمكن ان‏يتصور شيئاً الاّ و هو موجود في خارج ذهنه في احدي الخزائن التي للشي‏ء كماقال عزّوجلّ و ان من شي‏ء الاّ عندنا خزائنه فافرد الشي‏ء و جمع الخزائن للاشارة الي ان الشي‏ء الواحد له خزائن كثيرة علوية بدليل قوله تعالي و ماننزله الاّ بقدر معلوم و قد قال مولينا الرضا7 كمافي العلل لم‏يتصور احد شيئاً الاّ و قدخلقه اللّه قبل ذلك حتي لايقال لم لم‏يخلق ذلك و شرح هذه المسألة يخرجنا عمانحن فيه فلايصح ان‏يقال ان الوجود امر انتزاعي محض و لعمري ان قولهم انتزاعي يبطل حجتهم كماذكرنا و قولهم ان الوجود لو كان موجوداً في الخارج لكان موجوداً بالوجود فننقل الكلام الي ذلك الوجود فيلزم التسلسل فباطل لان الوجود موجود بنفسه يعني ان اللّه سبحانه اوجده بنفسه و اوجد الاشياء به و هذا هو حكم الاختراع لانه هو الخلق لا من شي‏ء فاقامه بنفسه و امسكه بظله.

ثم انهم ان ارادوا بالوجود هو المعني المصدري المعبر عنه بالفارسية بـ «هست» الذي هو ضد العدم المعبر عنه بالفارسية بـ «نيست» فلا شك انه و ان كان موجوداً في الخارج لكنه ليس ذاتاً و انما هو صفة متأخرة و لذا يحمل علي الاشياء و المحمول لايكون ذاتاً و انما هو صفة لترتب المحمول علي الموضوع فيجب تقدم الموضوع علي المحمول قطعاً فان قلت ان المحمول هو الموجود لا الوجود فيقال زيد موجود و لايقال انه وجود قلت الاشتقاق لذكر الذات و المراد اثبات المبدأ للذات لا غيرها فاذا قلت زيد مضروب ماتريد به الاّ اثبات الضرب الذي هو المبدأ له و وقوعه عليه و لماكانت الصفة تحكي مثال الموصوف بل هي

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 497 *»

عين المثال و المصدر لايصلح لذلك لانه اثر و الاثر من حيث هو اثر لايكون مثالاً و انما هو حامل له فاحتيج الي الاشتقاق لصحة الربط و الاّ ففي الحقيقة ليس المقصود من الحمل الاّ اثبات المبدأ للشي‏ء فيجب تأخره عن الموضوع اذن لا فرق فيما قلنا بين المبدأ و المشتق من وجوب تقدم الذات الظاهرة بالموضوع فافهم الاشارة و لاتقتصر علي العبارة.

و ان قلت انك ذكرت فيماتقدم ان رفع النقيضين ممتنع و قلت الان ان الوجود المعبر عنه بالفارسية بـ «هست» ضد العدم المعبر عنه بالفارسية بـ «نيست» و ذكرت ان هذا الوجود صفة فقداثبتّ العدم في رتبة الذات و وقعت بما (فيما ظ) قدفررت منه قلت ان العدم جزء لماهية الوجود لان اللّه سبحانه خلق لكل شي‏ء ضداً ثم خلق الخلق من الضدين كماقال الرضا7 ان اللّه لم‏يخلق شيئاً فرداً قائماً بذاته للذي اراد من الدلالة علي نفسه فخلق الشي‏ء و جعل له ضداً و هو قوله تعالي و من كل شي‏ء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون هـ لان الممكن لايتحقق الاّ اذا كان ذاته يحتمل الشي‏ء و عدمه فهما جزءان للممكن في رتبة الامكان فاذا تمّت الشرايط و اقتضت الوجود تظهر تلك الجهة و ان اقتضت خلافه الذي هو العدم تظهر الجهة الاخري و الضدان ساريان في كلّ مراتب الامكان فهما معاً في كلّ رتبة بحسبها و لايتعديان عنها الي رتبة غيرها و لماكانت الممكنات تختلف مراتبها في السلسلتين من الطولية و العرضية و الذاتية و الصفتية و في الطولية لاتتعدي رتبة نفسها في كل مقتضياتها و كل احوالها عندها و منقطعة فوقها كان الضدان في كلّ مرتبة يتعاوران فيها و ينقطعان عند التي فوقها انظر الي السراج فانه اذا اشرق احدث نوراً بالمقابلة و ظلاً بالمخالفة و الظل ضد للنور لايمكن ارتفاعهما في رتبة النور فيستحيل ان‏يكون السراج موجوداً مع مقابلة (مقابل خ‏ل) الجسم الكثيف و لم‏يكن هناك ظل و لا نور و اما في مرتبة السراج الذي هو فوق مرتبة النور و الظل فكلاهما منقطعان لديه منتهيان عنده فلايوصف السراج بالنور و لا بالظل بل لا ذكر لهما عنده نعم هو ايضاً مركب من ضدين و هما يتعاوران في مقامه لايمكن وجود

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 498 *»

احدهما بدون الاخر.

فعلي ماذكرنا ظهر لك حق الجواب بان العدم و الوجود الصفتين ينقطعان في مرتبة الذوات و ان كانا يتعاقبان في مرتبة الصفات فهما دائمان في رتبة و فانيان في الاخري و الوجه فيماذكرنا من صفتية الوجود المفهومي الانتزاعي ان التصور و التخيل في رتبة الخيال و النفس و الصدر و الصور المنتزعة كلها انما هي فيها و هي اي الملكوت الاوسط خارج لها و هي مقام الحمل و جريان الاوصاف و اما مقام الذات من حيث هي هي فليس هناك مقام مفهوم و انتزاع و صورة و حدّ و انما هو صرف الشي‏ء مع قطع النظر عن كل الجهات و الاعتبارات و الحيثيات فالعدم و الوجود كلاهما منقطعان عنده نعم عدمه و ان لم‏يتصور لكنه خروجه عن الاكوان الي الامكان و (ولكن خ‏ل) مقام الذات ينقطع عندها الحمل و التوصيف و التعريف كمامرّ انفاً و لاتقل ان هذا كلام لم‏يقل به العلماء فاني اقول كماقال المتنبي:

و هب اني اقول الصبح ليل   أ يعمي الناظرون عن الضياء

هذا هو الكلام في الوجود علي المفهوم اللغوي.

و اما الاصطلاحي فاعلم ان الوجود عندنا يطلق علي ثلثة اشياء في احدها بالتسمية و التعبير و في الاخرين بالحقيقة بعد الحقيقة في مقام الظهور و اجراء الاحكام الاول الوجود الحق و يعبر به عن اللّه سبحانه و هو الذات البحت و مجهول النعت و عين الكافور و ذات بلا اعتبار و ذات سازج و الكنز المخفي و اللاتعين و شمس الازل و المجهول المطلق و اطلاق لفظ الوجود عليه لمجرد التعبير و التفهيم لا لانه موضوع له فان الوضع يستلزم الاقتران الممتنع من الازل الممتنع من الحدوث و انما هو تعبير لمجرد التعبير كماقال مولينا الرضا7 و اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم و ذاته حقيقة و كنهه تفريق بينه و بين خلقه الحديث. الثاني الوجود المطلق و هو الفعل و المشية و الامكان الراجح و الوجود الراجح و هو اول مظهر باول ظهور و هو التعين الاول و ادم الاول و حواؤه ارض الامكان الراجح و مقام الاعيان الثابتة في العلم الامكاني و

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 499 *»

رتبة الواحدية و بدو ظهور الاحدية و سبب اطلاقه انه ليس فيه شرط سوي ذاته فليست ذاته في تحققها مقيدة بشي‏ء غيرها فلذا رجح وجودها لانه محض افتقار الي الحق القديم الدائم سبحانه و هذا الافتقار هو باب الاستغناء و اللّه سبحانه اعزّ و اجلّ من ان‏يفني من لاذ ببابه و عاذ بجنابه و انقطع عن كلّ شي‏ء سواه و مااستدعي و لااقتضي غيره فيأبي كرم الكريم ان‏يميته و يفنيه مع انه عبث و هو اكرم من ذلك. الثالث الوجود المقيد و هو اثر الوجود المطلق و نسبته اليه كنسبة الضرب المصدر الي ضرب الفعل و هو انما سمي مقيداً لصلوحه للتقيد بالمهية و العوارض المشخصة ليكون باعتبار تلك الماهية المقترنة مبدأ حقيقة من الحقايق الكونية المتمايزة المترتبة و هو الماء الذي به كلّ شي‏ء حي و الارض هي القابلية اي الماهية و هي الصورة اي الحدود الستة المشخصة من الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و المكان و الوقت و بها اختلفت الاشياء و تكثرت من ذلك الامر الواحد كالمتولدات من الحيوان و النبات و الجمادات المتحصلة علي اختلافاتها من الماء الواحد النازل من السماء الواقع علي الارض و اليه الاشارة في التأويل في قوله تعالي هو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتي اذا اقلت سحاباً ثقالاً سقناه الي بلد ميت فانزلنا به الماء و اخرجنا به من كلّ الثمرات فالسحاب هو المشية اي الوجود المطلق و البلد الميت هي الارض اي الماهية و الصورة النوعية و الشخصية و الماء هو الماء الذي به كلّ شي‏ء حي و هو الوجود امر اللّه الذي قام به كلّ شي‏ء قيام ركن و تحقق و هو مادة المواد و هيولي الهيوليات و اسطقس الاسطقسات منه بدئت الاشياء و اليه تعود و الثمرات هي الحقايق المتحصلة من اقتران الوجود بالماهية فاول الثمرة و اولاها و اشرفها و اقدمها العقل الكلي و هو اول الوجودات المقيدة كماقال9 اول ماخلق اللّه عقلي و قال مولينا الحسن العسكري7 روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة فروح القدس هو العقل و هو القلم و هو الملك الذي يؤدي الي اللوح كمايظهر من بواطن

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 500 *»

اخبار اهل‏البيت: و ظواهرها و الباكورة هي اول الثمرة و الصاقورة هي قحف الرأس و يراد به هنا العرش لماورد ان الجنان سقفها عرش الرحمن و الجنان في هذا المقام ليس الاّ الوجود المقيد و العرش هي المشية اي الوجود المطلق و العقل اول من ذاق ثمرة الوجود من شجرة الخلد كماروي ان القلم اول غصن اخذ من شجرة الخلد.

و بالجملة فالوجود يطلق عندنا علي هذه الثلثة و ليس هذا الاطلاق علي الاشتراك المعنوي و لا اللفظي و لا الحقيقة و المجاز و انما هو الحقيقة بعد الحقيقة في الاخيرين اي الوجود المطلق و الوجود المقيد اما الوجود الحق فليس له وضع حتي يجري عليه احكام اللفظ و هذا التعبير لاجل التفهيم كما ان بعض الحيوانات يعلمونها بعض الالفاظ او يعودونها ببعض الالفاظ فاذا قيل تلك الالفاظ و سمعتها تعمل علي حسب ذلك و لا شك ان تلك الالفاظ ماوضعت لمااريد من تلك الحيوانات و لااراد الشخص استعمالها فيها و انما اراد بها محض التعبير لتفهيم تلك الحيوانات مايراد منها و هو قوله تعالي كمثل الذي ينعق بما لايسمع الاّ دعاءاً و نداءاً.

و قدنطلق الوجود علي المادة مطلقاً في كل مقام بحسبه ففي العقول نور مجرد عن المادة العنصرية و المدة الزمانية و الصورة الجوهرية و المثالية و الجسمية و في الارواح نور مجرد عن المادة العنصرية و المدة الزمانية و الصورة النفسية و في النفوس كذلك لكنه ليس مجرداً عن الصورة الجوهرية و في الطبيعة نور احمر بسيط ذائب مجرد عن متممات قوابل الاجسام و عن المواد العنصرية و في جوهر الهباء اي المواد المجردة عن الصور المثالية نور منعقد قابل للصور و مهيأ لها اذا تممت الشرايط و في المثال ابدان نورانية لا ارواح لها اي ليس لها مواد جوهرية و لا جسمانية و في الاجسام انوار منعقدة لزمتها صورها و في الزمان و المكان مدد مقدرة و فراغات محدودة و في العناصر طبايع متزاوجة و في المعادن اصول من لطايف العناصر متألفة و في النباتات لطايف اغذية نامية و في الحيوانات شعلات فلكية و في الصفات هيئات ذاتية و حركات فعلية و صور ظلية و امثال ذلك من المواد المتحصلة

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 501 *»

للاشياء بالقرانات و الروابط و نطلق علي كل ذلك الوجود فالماهية يراد بها حينئذ الصورة و الشي‏ء انما هو المركب منهما فالوجود هو الاب و هو المادة و الماهية هي الام و هي الصورة و هذا الاصطلاح مستفاد من كلام مولينا الصادق7 حيث قال ان اللّه خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة هـ  فالنور هو المادة لان مدخول «من» في مقام الاحداث و الايجاد هو المادة كماتقول صغت الخاتم من الفضة و صنعت السرير من الخشبة و صنعت الزنجفر من الكبريت و الزيبق و امثال ذلك و كذلك الصبغ هو الصورة فجعل7 النور هو الاب و الرحمة التي هي الصورة هي الام.

و قدنطلق الوجود و نريد به وجه الشي‏ء الي ربه و المهية وجه الشي‏ء الي نفسه فاذا نظرت الي الشي‏ء من حيث انه مخلوق و اثر للّه سبحانه و يدلّ علي اسمائه و صفاته و توحيده فهو الوجود و اذا نظرت اليه من حيث نفسه و اقتضاءاتها فهو الماهية فبالوجه الاول نور و خير و بالوجه الثاني ظلمة و شرّ و اليه الاشارة بقوله9 اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه و قدسئل الصادق7 عن تفسيره فقال7 اي النور الذي خلق منه هـ  و هو الوجود و لايقال ان الاطلاقين واحد لانا نقول في الاطلاق الثاني ربما لانلاحظ الاطلاق الاول و بهذا الاطلاق نقول ان الوجود مبدأ كل خير و صواب و الماهية مبدأ كل ظلمة و باطل فيكون المراد من المائين المأخوذين من العليين و السجين اي الماء العذب الفرات السائغ شرابه و الماء المالح الاجاج الذي تركبت الاشياء كلها منهما هو الوجود و المهية التي قدركب كلّ ممكن منهما كماقيل «كل ممكن زوج تركيبي» و اذا غلب احد الجزئين الاخر بحيث لم‏يحصل منه اثر يسمي ذلك المركب باسم ذلك الجزء كماتقول في النار المحسوسة انها نار مع ان احد اجزائها النار لانها مركبة من العناصر الاربعة ولكن لماغلب ذلك الجزء سمي المركب به و هذا هو المراد من الاخبار الدالة علي ان اللّه سبحانه خلق طينة الانبياء من عليين و طينة الاشقياء من

 

«* جواهر الحكم جلد 2 صفحه 502 *»

سجين فان في اهل عليين الغالب عليهم انوار الوجود اضمحلت طينة سجين التي هي الماهية و لم‏يحصل منها اثر و لذا قال رسول‏اللّه9 لكل نفس شيطان قيل حتي لك يا رسول‏اللّه قال9 نعم ولكنه اسلم و في رواية اعانني اللّه عليه و كذلك العكس الغالب عليهم ظلمة الماهية فافهم و اتقن و بماذكرنا يظهر لك الجواب عماسألت و عماتحتاج اليه في مسألة الوجود و اللّه الموفق للصواب.

([1]) فان قلت فمن الذي يقدر علي الوصول الي ماذكرت من التنزيه الاّ اوحدي الخلق فعلي هذا يجب ان‏يكون الخلق كلّهم او اغلبهم مشبهة.

قلت التنزيه في العلم و الاعتقاد كماذكرنا لايصعب اذ كلّ احد يعرف ان اللّه ليس معه شي‏ء حتي ينفي عنه نعم العمل بذلك هو الصعب مثل التوحيد فان الخلق اغلبهم موحدون في الاعتقاد مشركون في العمل كماقال تعالي و مايؤمن اكثرهم باللّه الاّ و هم مشركون فافهم. منـه اعلي اللّه مقامه