02-11 جوامع الکلم المجلد الثانی – جواب الملاکاظم السمناني ـ مقابله

رسالة فی جواب الملا کاظم بن علی نقی السمنانی

عن ثلاث مسائل

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 286 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين.

و بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائي انه قد التمس مني الاكرم العالم الصفي الملا كاظم بن علي نقي السمناني بلّغه الله صالح الاماني انه علي كل شيء قدير الجواب عن مسائل عنونها بثلاث مسائل في حال كان القلب متفرقا و البال متشتتا و اني الحري بالاعتذار لعدم الاقبال و شدة تشتت البال فالح علي بالسؤال فلم‌يسعني الا الاتيان بالميسور اذ لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور و جعلت عبارة سؤاله متنا و الجواب شرحا كما هي عادتي تسهيلا لادراك المعني المراد و تخفيفا علي نفسي في الايراد و حسبي الله و كفي.

قال سلمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي محمد و آله الطاهرين و بعد فالاستدعاء من الجناب الامجد الاب الماجد الشفيق العطوف الرؤوف الروحاني و العالم الرباني الذي انزل به الماء علي الارض الجرز فاخرج به من كل الثمرات و ساق به سحابا ثقالا لبلد ميت فانزل به الماء فاحيي به الارض بعد موتها ان‌يمن علي احقر عباد الله العبد المسكين كاظم بن علي نقي السمناني بتحقيق اجوبة مسائل ثلاث و ان‌كان الحقير سمع منكم مرارا الا ان البيان بتحرير الاقلام بالتفكر له وقع آخر.

الاولي منها ما المراد بكون اهل العصمة سلام الله عليهم الثقل الاصغر و كون الكتاب هو الثقل الاكبر كما في النبوي اني تارك فيكم الثقلين الثقل الاكبر و الثقل الاصغر فاما (و اما خ) الاكبر فكتاب ربي و اما الاصغر فعترتي اهل بيتي فاحفظوني فيهما فلن‌تضلوا ما ان تمسكتم بهما مع انهم (ع) كلام الله الناطق و الكتاب (القرآن خ) كلامه الصامت هذا مع انه ليس في عالم ذرات الوجود الامكانية بعد النبي صلي الله عليه و آله اعلي رتبة منهم بالعقل و النقل مع ان

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 287 *»

القرآن علمهم و العالم اعلي رتبة من العلم.

اقول انا قد قررنا في مباحثاتنا مرارا متعددة في اماكن متفرقة ان لهم (ع) ثلاث مراتب:

الاولي مرتبة المعاني و هم في تلك المرتبة الحجاب الاعلي الذي لايظهر بالكلام و لايدرك بالافهام و انما الواجب علي كل من دنا من تلك الطلول كمال الصمت و تمام الخمول و ذلك اعلي معاني (المعاني خ) نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و تلك المنازل لايمكن ان‌يحل بساحتها احد الا من سكن فيها و خرج منها و هي المعاني التي يسأل الانبياء ربهم بها و الاولياء يدعونه بها و هو قول الحجة عليه‌السلام في دعاء رجب اللهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك المأمونون علي سرك اهـ و في هذا المقام هم عليهم السلام اكبر من القرآن و كل شيء من خلق الله تعالي،

الثانية مرتبة الابواب و هم عليهم السلام فيها باب الله الذي يصدر منه الفيض الي جميع ما في الوجود المقيد بعدهم و هم عليهم السلام في هذه المرتبة مساوون للقرآن لانهم عليهم السلام الآن في رتبة العقل الاول و العقل الاول هو الملك الاعظم المسمي بالروح من امر الله و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و هو القرآن في الباطن و انما افترقا من جهة الظهور فالظهور في اللفظ قرآن و الظهور في الصورة الملكية روح من امر الله و قد اشار اليه سبحانه في الكتاب (كتابه خ) العزيز و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا تهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي الي صراط مستقيم و الروح من امر الله هو الموحي اليه و هو الملك المسمي بروح القدس الاعلي و هو المجعول نورا يهدي به الله من يشاء من عباده و هو القرآن و من نظر بفؤاده في هذه الآية الشريفة عرف بدليل الحكمة انه القرآن و انه الملك الاعظم فانه هو الذي يقذف الله الوحي في قلبه و هو معهم يسددهم فلايعلمون شيئا الا بواسطته و هذا هو القرآن فان الله اخبر في مواضع متعددة انه لايعلم شيئا قبل القرآن مثل قوله تعالي ما كنت تعلمها انت و لا

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 288 *»

 قومك من قبل هذا فهم عليهم السلام في مرتبة‌ الابواب مساوون للقرآن،

الثالثة مرتبة الامامة و هو هذا الآدمي الظاهر الذي فرض الله طاعته علي عباده و هم عليهم السلام في هذا المقام لايعلمون شيئا الا من القرآن و ما نزل به جبرئيل و الملئكة عليه صلي الله عليه و آله في ليلة‌ القدر و غيرها انما هو في بيان ما انطوي عليه القرآن من الخفايا و لهذا وصف الله عليا عليه‌السلام بالعلم في غاية‌ الوصف حيث قال و من عنده علم الكتاب و قال ما كان حديثا يفتري و لكن تصديق الذي بين يديه و تفصيل كل شيء و هدي و رحمة لقوم يؤمنون فاخبر عن كتابه المجيد انه تفصيل كل شيء و روي ان (عن خ) اميرالمؤمنين عليه‌السلام سئل هل عندكم من رسول الله شيء من الوحي سوي القرآن قال لا و الذي فلق الحبة و برأ النسمة الا ان يؤتي الله عبدا فهما في كتابه و قد قال في كتابه اشارة‌ الي قصة نوح عليه السلام تلك من انباء الغيب نوحيها اليك و ما كنت تعلمها انت و لا قومك من قبل هذا يعني القرآن و قوله تعالي في قصة‌ يوسف عليه‌السلام نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن و انت كنت من قبله لمن الغافلين اي من قبل القرآن و قال في آخر سورة يوسف عليه‌السلام ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك و ما كنت لديهم اذاجمعوا امرهم و هم يمكرون و امثال ذلك مما يدل علي ان علمهم مستفاد من القرآن و انما في الغابر و الزبور و مصحف فاطمة عليها السلام و الجفر و الجامعة و غير ذلك كله من القرآن فان الله سبحانه يقول و كل شيء احصيناه في امام مبين و من المعلوم عند العلماء مما لايختلفون فيه ان الكتاب التدويني مطابق للكتاب التكويني و لهذا قال اميرالمؤمنين عليه‌السلام في تفسير باء بسم الله الرحمن الرحيم و لو شئت لاوقرت سبعين بغلا من تفسير باء بسم الله الرحمن الرحيم و قول الباقر عليه‌السلام لو وجدت لعلمي (للعلم خ) الذي آتاني الله عزوجل حملة لنشرت التوحيد و الاسلام و الايمان و الدين و الشرائع من الصمد الحديث، و امثال ذلك فاذا عرفت المراد ظهر لك ان القرآن هو الثقل الاكبر في هذه المرتبة و هم الثقل الاصغر لان حكمهم تابع لحكم القرآن لا العكس و هم حملته و معني

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 289 *»

الثقل محركا الشيء النفيس المصون و سميا بذلك لان التمسك بهما ثقيل و هذا المعني في بيان كون القرآن الثقل الاكبر و هم الثقل الاصغر الحقيقي و عن ابي‌سعيد الخدري قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اني تارك فيكم امرين احدهما اطول من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء الي الارض طرف بيد الله و طرف بيد عترتي الا و انهما لن‌يفترقا حتي يردا علي الحوض فقلت لابي سعيد من عترته قال اهل‌بيته و العبارة‌ عنه في الظاهر ان المراد ان القرآن بمنزلة العقل و هم عليهم السلام بدون العقل بمنزلة الجسم و لاريب ان العقل اكبر من الجسم اما اذا اعتبرت العاقل فانه اكبر من العقل و العاقل هنا في هذا المثال هو المرتبة الاولي المعبر عنها بالمعاني و هنا جواب آخر لساير الناس ان الحكيم لايخاطب الناس الا بما يعرفون و الذي يعرفونه انهم عليهم السلام انما يأخذون من القرآن فيكون هو الثقل الاكبر و هو صلي الله عليه و آله اراد باهل البيت (بيته خ) الذين هم الثقل الاصغر ظاهرهم بين الناس و يريد به (بهم خ) مرتبتهم الثالثة كما قررنا فلاحظ و اما انهم عليهم السلام كتاب الله الناطق و القرآن كتاب الله الصامت كما قال علي عليه‌السلام فالمراد ان القرآن صامت بالحق لاينطق بالحق الا بحملته فالكتاب ينطق بالحق بلسان حامليه و الا فهو صامت و لاينتفع بالصامت و لايكون حجة حال صمته فالناطق من هذه الحيثية افضل لعموم الانتفاع به و قيام الحجة به و كون انهم (ع) ليس في ذرات الوجود بعد النبي صلي الله عليه و آله اعلي رتبة منهم صحيح في المرتبة الاولي و اما في المرتبة الثالثة فهم عليهم‌السلام يتعلمون من الملئكة و من ساير الموجودات كما اخبر الميمون عليا عليه‌السلام و هو راكب عليه حين حفر المنافقون له حفيرة في الطريق و غطوها بالدغل فلما قرب منها اخبره حصانه بذلك و غير ذلك من الامور التي لاتتمشي الا علي احوالهم الظاهرة و القرآن مشحون في حق النبي صلي الله عليه و آله بمثل ذلك مثل قوله تعالي قل انما انا بشر مثلكم يوحي الي و قوله صلي الله عليه و آله و لو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير و ما مسني السوء و في كل هذه الاحوال هم الثقل الاصغر و اما كون القرآن علمهم و العالم

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 290 *»

اعلي رتبة من العلم فذلك في مرتبتهم الاولي كما سبق التلويح اليه فافهم.

قال سلمه الله: المسألة الثانية– ان‌يمن علي بتحقيق الكلام في حديث كميل كما ينبغي بان‌يتفضل علينا معاشر الطلبة بل و علي العلماء ايضا لاسيما من لا خبرة له بطريقتكم و تحقيقاتكم النفيسة بشرح كل فقرة من فقراته ببيان مراداتها المعصومية و تبيين معاني الفاظها المتداولة بين العلماء لاسيما لفظ الجلال و الاحدية و صفة التوحيد و السبحات و امثال ذلك من الالفاظ المعصومية و بالجملة شرحها كما هي دون الاكتفاء باقل بيان و ادني اشارة كما هي عادتكم الشريفة في اجوبة‌ المسائل غالبا و هو ان اميرالمؤمنين عليه‌السلام اردف كميل بن زياد النخعي يوما علي ناقته التي ركب فقال كميل ما الحقيقة قال عليه‌السلام ما لك و الحقيقة فقال اولست صاحب سرك قال عليه‌السلام بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني فقال كميل او مثلك يخيب سائلا قال اميرالمؤمنين عليه‌السلام كشف سبحات الجلال من غير اشاره فقال كميل زدني بيانا قال عليه‌السلام محو الموهوم و صحو المعلوم فقال كميل زدني بيانا قال عليه‌السلام هتك الستر لغلبة السر فقال زدني بيانا قال عليه‌السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد فقال زدني بيانا قال عليه‌السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره قال زدني بيانا فقال عليه‌السلام اطفيء السراج فقد طلع الصبح.

اقول المسؤول عنه حقيقة معرفة الله لا حقيقة ذات الله فقال عليه السلام ما لك و الحقيقة يعني ان الله معروف بما اظهر من آثار صنعه و دل بذلك علي ذاته كما قال سيدالشهداء في مناجاة يوم عرفة تعرفت لكل شيء فما جهلك شيء و قال عليه‌السلام فيه أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار (الاشارة خ) هي التي توصل اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا الخ، فاذا كان هذا حال تعرفه لخلقه فما لك تطلب ازيد مما ظهر لك بآياته و هذا تقرير منه عليه‌السلام علي الاكتفاء بادني معرفة بنسبة حال العارف و فيه اشارة

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 291 *»

الي ان الحقيقة لها اهل مخصوصون لست انت منهم و لعله حث منه علي الطلب لما في جوابه بالحقيقة من جلائل المنافع و المراتب العالية لاهلها ليكون جوابه منهلا يروي العارفين و يهدي المؤمنين و اتي به علي انحاء مختلفة في العبارة و ان كان معناه متحدا ليعلم كل اناس مشربهم و ينال كل قوم مطلبهم فلما‌قال كميل اولست صاحب سرك قرره عليه‌السلام علي دعواه ليستميله و لاينقطع رجاه ثم بين له ان قولك هذا لايحسن علي اطلاقه لانه ما وصل اليك من الاسرار الا ما كان عندي من ظواهر الاعتبار و طافح الآثار فلما قال او مثلك يخيب سائلا اجابه فكان كلامه عليه السلام له اولا بقوله ما لك و الحقيقة يحتمل انه اراد بذلك تعظيم ذلك في عين كميل ليستعد بكمال (لكمال خ) الاستعداد لا انه ليس اهلا للجواب عما سأل و يحتمل انه عليه‌السلام علم انه ليس اهلا و انه عليه‌السلام انما اجابه فيما بعد اما لينال منه بقدره و ان‌كان ليس اهلا لحقيقة الجواب و اما لينقله الي اهله مع ان من ليس باهل لشيء قد ينتفع بشيء منه اذ قد يكون الشخص اهلا لظاهر هذا الكلام دون باطنه و قد يكون الكلام موضوعا لمعان يقال عليها بالتشكيك فينتفع ببعضه و بالجملة فالذي يظهر ان السائل مع معرفته الكاملة ان الكلام الذي القاه عليه السلام اليه لايرشح عليه من معناه الا ما يطفح منه كما قال عليه‌السلام و كان جوابه عليه‌السلام له كشف سبحات الجلال من غير اشارة، المراد بالكشف هنا الازالة من موضع نظر البصيرة و هو معني المحو الآتي و الهتك و المراد ان القلب او الخيال يلاحظ شيئا محدودا بحدود معنوية او خيالية فهو حين يتوجه اليها و يلاحظها محجوب بها محبوس في سجن الظلمات و الكثرات و الحيثيات و الفرقيات و الكيفيات مقيد بقيود التشابه و التشاكل و التشارك و التماثل و التجانس و التقارب و التباعد و الاجتماع و الافتراق و المعية و البينونة و البينية و اللمية و الانية و الابانة و التحديد و التمييز و النفي و الاثبات و الضم و التولد و التوليد و المعادلة و الافراد و الجمع و الكلية و الجزئية و الامتداد بين طرفين و بين اولية و آخرية و التجويز و الاحتمال و الفرض و الشك و اعتبار من و الي و في و علي و كان و لولا و قد الا بالتاويل و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 292 *»

الانبساط و الاستدارة و الدخول و الخروج و العزلة و الحلول و الاتحاد و الممازجة و التقلب و الخصوص و العموم و الاطلاق و التقييد و الاستبانة و الفعل و الانفعال و الحصول و الوضع و الاين و المتي و الاضافة و النسبة و الضدية و التضاد و التخالف و التوافق و التعالي و الاعتزال و الانعزال و الفصل و الوصل و التوقيت و الانتظار و الزيادة و النقصان و الاستكمال و الحاجة و الاستنارة و الانارة و الحركة و السكون و النمو و الذبول و الشفافية و الكمودة و التحلل و التخلل و التفتت و التقطع و الصيرورة و الصعوبة و السهولة و الخشونة و النعومة و الصلابة‌ و الصرابة و الرخاوة و اللين و الخرق و الالتيام و الفرح و الحزن و الضيق و السعة و المرض و الصحة و العافية و البلاء و الضحك و البكاء و النوم و اليقظة و الخلاء و الملاء و الشدة و الرخاء و الجوع و الظماء و الشبع و الري و الخلو و الامتلاء و الفراغ و الشغل و النطق و الصمت و التعرض و التعريض و الايماء و التلويح و الاشارة و اللون و التلون و المعروضية و العارضية و اللذة و النفرة و الكبر و الصغر و التوسط و الثقل و الخفة و التوسيط و التركيب و التاليف و التحول و الانقلاب و النتقال و التغير و التبدل و الغلظة و الرقة و الجدة و العتق و الحدة و الكلال و الذكاء و البلادة و الفهم و الحمق و الجهل و العقل و التصور و التوهم و الشك و الكشف و الاستبانة و التفقه و الاحساس و اللمس و الشم و الذوق و السمع و البصر و التقدير و التقدر و الطول و العرض و العمق و القرب و البعد و الشكل و الهيكل و الشمول و الوضع و الجذب و الدفع و الهضم و المسك و امثال ذلك من الهيئات و النسب و الاضافات و الاحوال و الكيفيات في الملك و الملكوت و الجبروت فهذه و امثالها مما يقع عليه الكشف من سبحات الجلال و السبحة النور و الجلال و سبحات وجه ربنا آلاؤه و عظمته و نوره فعلي تفسير ان السبحات هي الجلال يكون المعني كشف جلال الجلال و المراد به النور اي نور الجلال و انما يسمي النور جلالا لقهاريته لكشف الظلمات فان النور اذا ظهر علي الظلمة امتنع وجودها مع عادة و عقلا بالنظر الي الخلق و علي تفسير الآلاء ان كل شيء من الموجود انما هو نعمة من نعم الله

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 293 *»

علي غيره و علي نفسه و علي تفسير العظمة انه عظمة الله و مظهر عظمة الله و علي تفسيرالنور ان كل شيء ظاهر في نفسه عند من ادركه مظهر لغيره مما هو دليل عليه او علة له هذا في الحقيقة و لانعني بالنور الا الظاهر في نفسه المظهر لغيره و الجلال قيل هو الحجاب او القهر او العظمة و نور الجلال قيل هو الجمال و قيل الجلال نور الجمال و لهذا قالوا لجمال الله سبحانه جلال اذا بدا غيب ما انتهي اليه و قيل لجلال الله سبحانه جمال اذا بدا لشيء اشغله عن نفسه و عن غيره هذا اذا فسر الجلال بالعظمة و ان فسر بالعزة فعزة الجمال انه ليس کمثله شیء بمعنی انه تعرف بجمال من خلقه لا يشابهه شیء من خلقه و جمال العزة ظهور کمال او کمال ظهور او ظهور هو کمال لايتناهی فی الامکان من کل جهة فی کل جهة يتعالی عن جميع صفات الخلق فهو خلق لايشبهه شیء من الخلق و لايشبهه شیء من الحق قال اميرالمؤمنين عليه‌السلام رجع من الوصف الي الوصف و عمي القلب عن الفهم و الفهم عن الادراك و الادراك عن الاستنباط و دام الملك في الملك و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و الجم به الفحص الي العجز و البيان الي الفقد و الجهد الي الياس و البلاغ علي القطع و السبيل مسدود و الطلب مردود هـ ،

و اقوي من السبحات المذكورة موضوعاتها و معروضاتها من جميع الوجودات من الاعيان كزيد و عمرو و الحجر و المدر و الجبال و التلال و القفار و الاشجار و الطيور و الدور و النبات و الحب و الثمار و المساجد و المدارس و الطرق و الاسواق و العقاقير و المعادن و الحاصل ساير المعادن و سائر النباتات و ساير الحيوانات و العناصر و سائر ما في الملك و ما في الملكوت و ما في الجبروت و ما في البرازخ عن اصناف الجواهر من كل ما هو ظاهر التركيب او ظاهر البساطة مما حدث عن فعل الله و كلها ايضا من سبحات الجلال و هي للاولي جلال فالاولي سبحات جلال الجلال او سبحات سبحات الجلال و علي كل تقدير فحيث تقرر في الحكمة الالهية بدليل الحكمة ان‌ جميع ذرات الوجود من عالم الغيب و الشهادة من الجواهر و الاعراض اعراض اضافية و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 294 *»

جواهر اضافية بمعني ان الجوهر عرض بالنسبة الي علته التي صدر عنها و هي عرض لعلتها و هكذا و كذلك نقول ان هذا الجوهر جوهر لعرضه و هذا العرض جوهر لما قام به و هذا الاعتبار صعودا و نزولا الي غير النهاية في الامكان فكل شيء من الخلق عرض لما فوقه جوهر لما تحته صح ان يقال ان المذكورات اولا سبحات سبحات الجلال و الجلال ايضا سبحة لما فوقهو ان يقال انها سبحات جلال الجلال و الجلال اذا اعتبرت انه الحجاب جاز ان يكون هو المقام و كذا اذا اعتبرت انه العظمة فيكون معني من عرف نفسه فقد عرف ربه من عرف الجلال او العظمة عرف ربه و قوله عليه‌السلام من غير اشارة، فيه رفع توهم من يتوهم ان كشف هذه السبحات جوهريها و عرضيها لابد ان‌يكون بدلالة الاشارة القلبية (اشارة قلبية خ) فلاتكون مكشوفة فأبان عليه‌السلام انها من السبحات بقوله من غير اشارة و انما جعل الكشف للسبحات لا لمطلق الوجود لان السبحات هي الموصوفة بالوجود المقيد و اما النفس المشار اليها في الحديث فهي الوجود بدون القيود و اذا اعتبرته بدون اعتبار لم‌تكن له انية انما هو نور الله و لهذا اشار اليه بدون القيود في قوله عليه‌السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و لم يقل ينظر بنفسه و لا بذاته و لا بحقيقته و ذلك لانه اذا نظر الي نفس النور لم‌يشهد فيه المنير و انما هو ظلمة و لايري المنير ظاهرا بالنور حتي ينظر الي نور المنير لا الي النور نفسه فانه ظلمة فمن وجد نفسه لم‌يعرفها حين يجدها و اذا نظر الي الله فقدها فعرفها حينئذ فهي في المثال المذكور لمن عرفها هي الجلال و لايعرفها الا من كشف قيودها حتي الكشف لانها هي السبحات التي من كشفها من غير اشارة عرف ربه و انما قلنا فمن وجد نفسه لم‌يعرفها لان النفس انما توجد بالقيود و هي المشخصات و مشخصات المشخصات و هكذا من اللوازم و لوازم اللوازم و منها ما يخطر علي الاوهام و يجري في الافهام و ما تتقلب فيه القلوب من مكشوف و محجوب و محبوب و مكروه فاذا ازلت القيود التي هي المعينات للنفس زال تعينها فاحرق نوره الذي هو ذلك الوجود و تلك النفس بعد ازالة تلك القيود جميع ما انتهي اليه بصره من

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 295 *»

تلك القيود و المقيدات و في الحديث عن النبي صلي الله عليه و آله ان لله تعالي سبعين الف حجاب من نور و ظلمة لو كشفها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه هـ ، و هذا الوجود الذي هو النفس بدون القيود سبحة من سبحات وجهه ذي الجلال و الاكرام و كشف الحجب بهذه السبحة و انما تحرق ما وصلت و انتهت اليه و السبحات مختلفة في الكشف علي حسب مقام السبحة و رتبتها من الوجه الباقي فكلما قربت من الوجه كانت اوسع كشفا و اشد ازالة.

و قال كمال الملة و الدين عبد الرزاق الكاشي صاحب التاويلات عفا الله عنه: الحقيقة هنا هو الشيء الثابت الواجب لذاته الذي لا يمكن تغيره بوجه ما و لما كان كميل قدس الله روحه من اصحاب القلوب طالبا لمقام الولاية التي هو مقام الفناء في الذات الاحدية اقتضي حاله السؤال عن الحقيقة فاجاب اميرالمؤمنين عليه‌السلام بما يدل علي انها مقام بعيد عن مقام صاحب القلب و هو مقام تجليات الصفات و الجلال هو احتجاب الوجه الذاتي بحجب الصفات كما ان نور الجمال هو نور الوجه من دون الحجاب و الوجه هو الذات الموجودة مع جميع لوازمها و السبحات هي الانوار و انوار تجليات الصفات هي حجب الوجه و تسمي سبحات الجمال و قوله عليه‌السلام من غير اشارة اي بلا اشارة و لو عقلية او روحية لانها تشعر بالاثنينية و هي عبارة عن مقام الفناء المحض اي الحقيقة و هي طلوع الوجه الباقي بكشف حجب الصفات عنه لنفي سبحات وجهه ماسواه فلاتبقي الاشارة الي شيء كما قال الله تعالي كل من عليها فان الآية و قال تعالي كل شيء هالك الا وجهه و مصداق ذلك قول النبي صلي الله عليه و آله ان لله تعالي سبعين الف حجاب من نور و ظلمة لو كشفها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه فهداه عليه‌السلام الي مقام الفناء و البروز من وراء حجب الصفات الي عرصة كشف الذات انتهي كلامه، و لايخفي ان هذه الكلمات جارية علي طريقة اهل التصوف و القول بوحدة الوجود و فيها ما يخالف مذهب اهل العصمة عليهم السلام ما لايخفي علي من شرب بكأسهم مثل قوله ان المراد بالحقيقة الذات الواجب و مثل ان الوجه هو

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 296 *»

الذات الموجودة مع جميع لوازمها و مثل و هي طلوع الوجه الباقي بكشف حجب الصفات عنه لنفي سبحات وجهه ماسواه و مثل الي عرصة كشف الذات و غير ذلك من المفاسد التي لاتصح الا علي القول بوحدة الوجود و قول اهل التصوف و لكن لسنا بصدد بيان بطلان و الا لكنت تري ما سمعت رأي العين.

قال عبدالرزاق بعد (بعد نقل خ) ما نقلناه عنه و لم‌يكتف يعني كميلا بذلك لوفور استعداده و علمه بان ذلك الكشف قد يكون مع كون صاحبه في مقام التلوين و لايدل علي مقام الوحدة الا بالالتزام و ان الذات الاحدية لاتخلو من الصفات اي يلزمها دائما فاستزاد البيان فقال عليه‌السلام محو الموهوم و صحو المعلوم فاشار عليه‌السلام الي التلوين لحسبان صاحبه وجود غيره بالتوهم و ليس وجود العين في الحقيقة الا نقشا موهوما استقر و رسخ عليه باستيلاء الوهم و سلطان الشياطين علي القلب فمن اخلصه الله من عباده محي عنه ذلك الوجود الموهوم الذي ليس الا نقشا خياليا لا وجودا حقيقيا يحتاج الي الفناء و لهذا قال بعض العرفاء:

الباقي باق في الازل و الفاني فان لم‌يزل

و بالثاني اشار الي ان الايهام اللازم لدلالة الالتزامية هيهنا انما يكون لسلطنة القوة العقلية و اعتبار العقل بكثرة‌ الصفات و امتناع عروجه عن الحضرة الواحدية من عرف الحق الاحدية بالطريق العلمي لم‌يخلص عن عجب الصفات الي عين الذات و لم يرتق عن الحضرة الواحدية الي عرصة الاحدية فلاتنكشف الحقيقة الا لمن عزل عقله بنور الحق و جن بالجنون الالهي كما قال الامام المحق (الحق خ) جعفر الصادق عليه‌السلام العشق جنون الهي فصحا معلومه عن غمام كثرة الصفات و صفا عن كدورة الاعتبارات و ارتفعت الكثرات العقلية عن تنوّر العشق الحقيقي و الحب الذاتي حتي يبلغ صاحبه مقام الاخلاص الذي اشار اليه بقوله عليه السلام و كمال الاخلاص نفي الصفات عنه الخ، فصار علمه عينا و عينه حقا و توحيده شهادة و شهودا و عيانا لا علما و بيانا

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 297 *»

انتهي،

اقول ما ذكره من كون الكشف قد يكون صاحبه في مقام التلوين و التشبيه بالواصلين و هو لايدل علي رتبة الوحدة و ان الذات الاحدية لاتخلو عن الصفات فلذلك استزاد البيان فيه ان الكشف ان ازال جميع السبحات حصل له حقيقة المعرفة و الا فلا لان الذات البحت لايجري عليها الكشف كما لايحيط به الوصف فان كل شيء امكن كشف حجبه عنه فهو معلوم بذاته و ذلك الكاشف مساو له او اعلي منه و لايصح شيء من ذلك في حق الواجب علي ان الامام عليه‌السلام انما قال كشف سبحات الجلال و هي انواره اي آثار الجلال و صفات افعاله و نسبه و هي غير الجلال و لم‌يقل كشف الجلال لان الكاشف حينئذ من مظاهر الجلال و الجلال غير الجليل جل و علا فليس الكشف جاريا علي الذات الحق و انما مراد الامام عليه‌السلام بهذا الكلام معرفة النفس لان النفس اذا كشفت عنها جميع سبحاتها مما اشرنا اليه سابقا و ما اشبهه ظهر لك انها وصف الحق لك نفسه لانه ظهر لك بك و ظهور الشيء وصفه و لوكان المراد بالحقيقة المسؤول عنها هو الذات الحق تعالي لزم مع حصول مدركيته تساوي جميع العارفين فيها لافرق بين الانبياء و المرسلين و الملائكة المقربين و لا بين سائر العارفين و كل مدع لذلك له ان يقول ان مقامي في الوصول نفس محمد سيد المرسلين صلي الله عليه و آله اجمعين لان كل واحد قد حصل له كشف جميع الحجب و المظاهر و لم‌يقل بهذا احد و ان كان المراد بتلك الحقيقة المسؤول عنها هي حقيقة تعرف الحق للعبد و انه انما تعرف له به و ظهر له به كما هو الحق دل علي ان الكشف انما هو لسبحات الجلال الذي ظهر لك به و احتجب عنك به و هو في الحقيقة وجودك (وجود لكخ) به سبحانه كما قال سيد الوصيين عليه‌السلام لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها فيكون ذلك الوجود هو الجلال الذي اذا كشف سبحاته عرفت الحق سبحانه، من عرف نفسه فقد عرف ربه و يلزم من هذا ان كل عارف له جلال يختص به هو وجوده الذي هو نور الله كما قال عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و هذه

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 298 *»

الاجلة سبحات للجلال الاعلي فهي مظاهره و هو اعلي مظاهر الحق فتحصل الحقيقة لكل عارف بنسبته و كلها امثاله سبحانه التي ليس كمثلها شيء و لله المثل الاعلي و هو العزيز الحكيم فكل عارف لايفني فيما فوق وجوده لان هذا الفناء المشار اليه بقاء فيه و لايبقي فيما فوقه فان نور الشمس يفني في ظهور الشمس به و هو وجوده لا في ذات الشمس و اين التراب و رب الارباب و هذه المقامات المتكثرة هي مصارع المحبين فهي تعرفات الحق لهم بهم فلا فناء في ذات الحق البحت و قوله و ان الذات الاحدية لاتخلو عن الصفات، فيه ان الذات الاحدية ان اراد بها الظاهر بالصفات فليس ذلك هو الذات البحت و ان اراد بها الذات البحت فليس ثم شيء غيره و انما هو هو بلا مغايرة و لا تكثر و لا تعدد بكل فرض و اعتبار و ليس الكشف المراد تجريد الذات عن الصفات باي نوع كان لان الشخص قد يتوهم ذاتا مع قطع النظر عن جميع صفاتها و مع ذلك هي متوهمة محدودة قد ميزها بوهمه و وضعها في موضع من وجدانه و باقي وجدانه خال منها يضع فيها متخيلاته و موهوماته التي هي سبحات وجوده بل الكشف المراد ان يمحو عن وجدانه جميع الاشياء من ذات و صفة و غيرهما حتي وجوده و محوه فهناك يظهر له الحق بحقيقة ظهوره له و حينئذ يعرف نفسه و لما كان كميل يتعلق قلبه بشيء ليس في جهة من وجدانه و لا هيئة له في اوهامه و انما تجول بصيرته في الصحاري و الاودية السحيقة يطلب حيث يرد فلايعرف كيف الوصول فبين عليه السلام له انك في هذه الحال تطلب المحال لانك ناظر بنظر و طالب بطلب و مطلوبك قد احتجب بك و بطلبك و نظرك عنك و انت حجاب كثيف غليظ اقام جدارك لحفظ كنزك فاذا اردت ان تستخرج الكنز و تحل الرمز فقض الجدار من غير اشارة فطلب منه زيادة البيان لوجدانه ذاته طالبة فكيف يطلب بغير طالب و لا طلب فقال عليه‌السلام محو الموهوم و صحو المعلوم يعني ما انت الا نقش فهواني قد اشار لك بك و لا ريب ان النقش موهوم لانه تمثيل فهواني اي تنبيهي تعريفي فانت موهوم و اشارتك صفتك فاذا كشف الموهوم يعني محي (كشف خ) و ازيل صحا المعلوم يعني ان

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 299 *»

المعلوم ليس مستورا و لا محتجبا فلايحتاج الي الاظهار و التبيين و انما انت حجاب نفسك فاذا ازلت الحجاب صحا لك المعلوم و في الحديث ان نبيا من انبياء الله قال يا رب كيف الوصول اليك فاوحي الله اليه الق نفسك و تعال الي و قول عبدالرزاق و ليس وجود العين في الحقيقة الا نقشا موهوما استقر و رسخ عليه باستيلاء الوهم و سلطان الشياطين يريد به انك في الحقيقة صورة منطبعة في مرآة كونك لا حقيقة لك الا ظهور موجدك و انما كانت تلك الحقيقة (لك حقيقة خ) عند نفسك لاجل استيلاء الشياطين علي قلبك فاشغلته عن ذكر الله الذي هو معرفة اظهريته من كل شيء فينظر الوهم الي نفسه استقرت لها حقيقة عنده لنسيانه ذكر الله و هو حق لانه لو كانت لها حقيقة غير النقش لكانت مستقلة مستغنية عن المدد فيكون كونها بنفسها و قيامها بذاتها و هو باطل و اذا ثبت انها لا حقيقة لها الا ظهور الحق بها لها كانت حقيقتها من نفسها وهما و سبحاتها من نفسها وهما من الموهوم و حقيقتها من ظهور الحق معلوما فالمعرفة الحقيقة المسؤول عنها محو حقيقتها من نفسها و محو سبحات حقيقتها من ظهور الحق فاذا محا ذلك من نظر الوجدان صحا حقيقتها من ظهور الحق الذي هو المعلوم لانه صفة الله و تعرفه لذلك العبد و الشيء انما يعرف بصفته و هذا المعلوم هو المعني لكل عارف بنسبة مقامه بقوله تعالي ليس كمثله شيء كما اشرنا اليه في الفائدة الثانية من الفوائد فقوله عليه‌السلام محو الموهوم و صحو المعلوم هو معني قوله عليه‌السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة فالمحو هو الكشف الا ان المحو اجلي و ابين لان الشيء قد يكشف عما ستره و هو باق بخلاف المحو و الموهوم هو السبحات من الذوات و الصفات و الافعال و النسب و الاضافات الا ان بيان كون وجودها موهوما ليس بصريح من الجواب الاول و المعلوم هو الجلال الا انه قد يحتمل ان الجلال هو حجاب المعلوم فبين عليه‌السلام في الجواب الثاني ان المراد بالجلال في الجواب الاول هو المعلوم في الثاني لانه بيانه فكان الثاني اخص من الاول فلهذا صلح لزيادة البيان فقول عبدالرزاق الكاشي فمن اخلصه الله تعالي من عباده محا عنه ذلك الوجود

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 300 *»

الموهوم الخ،في الحقيقة ظاهر و لا ريب ان كاشف سبحات الجلال و ماحي الموهوم هو الله تعالي و هو الذي يعرف نفسه عباده الا ان الظاهر من الحديث ان الكاشف و الماحي هو العبد العارف و ان كان في الواقع لا يكون الا بالله لكن لما كان يسأل كميل عن كيفية الوصول الي حقيقة المعرفة ناسب اسناد الكشف و المحو الي العبد و لهذا قال عليه‌السلام من غير اشارة و لايكون هذا التقييد الا اذا اسند الي العبد و قوله و اعتبار العقل بكثرة الصفات الخ، مبني علي طريقتهم من ان الموهوم هو الصفات و ان المعلوم هو الذات و ان الفناء فيه فناء في الذات و هذه الامور لاتصح علي نهج اهل العصمة عليهم‌السلام لان الصفات ان اريد بها صفات الذات فهي الذات فلا معني لكونها موهومة و ان اريد اعتبار تعددها او من حيث متعلقاتها من الحوادث فهي موهومة و لكن بكشفها لايحصل للكاشف صحو الذات البحت كما تقدم لان ما سواه لايحوم حول حماه و انما كلامه جار علي طريقة اهل التصوف القائلين بوحدة الوجود و ان الخلق عين الحق اذا قطعت النظر عن المشخصات الموهومة و لهذا قال من عرف الحق الاحدية بالطريق العلمي لم‌يخلص من حجب الصفات الي عين الذات الخ، يعني اذا محا الموهوم الذي هو حجب الصفات اتصل بعين الذات و هذه طريقة اهل الضلال و التصوف و قد قال شاعرهم:

جعلت نفسك في نفسي كما جعل الحمرة في ماء الزلال
و اذا سرك شيء سرني فاذا انت انا في كل حال‌‌

و قال مميت الدين الاعرابي في الفصوص:

فلولاه و لولانا لما كان الذي كانا
فانا نعبد(اعبد خ‌ل) حقا و انا (انخ‌ل) الله مولانا
و انا عينه فاعلم اذا ما قيل انسانا
فلاتحجب بانسان فقد اعطاك برهانا

 

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 301 *»

فكن خلقا و كن حقا تكن بالله رحمانا
و عد خلقه منه تكن روحا و ريحانا
فاعطيناه ما يبدو به فينا و اعطانا
فصار الامر مقسوما باياه و ايانا
و احياه الذي يدري به فينا و احيانا
و كنا فيه اعيانا و اكوانا و ازمانا
و ليس بدائم فينا و لكن كان احيانا

و الحاصل ان هذه الطايفة انكروا العيان و لبسوا في البيان حتي ضلوا و اضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء السبيل قال عبد الرزاق و لما نفي سلطان الوهم و العقل بطردها عن طريق الحق عرف السائل ان ذلك لايكون الا بظهور سلطان العشق و ذلك لايكون اختياريا و لا منوطا بسعي السالك و ارادته فاشكل ذلك عليه فطلب زيادة الوضوح فقال عليه‌السلام هتك الستر لغلبة السر، اقول ما ذكره من ان ادراك الحقيقة لا بالاختيار جار علي ظاهر الحال و اما في الحقيقة فهو بالاختيار و قد قررنا في الفوائد انه ليس في الوجود شيء يقع منه فعل الا باختيار فان الطلب من الشيء لا يكون الا بما يمكن في ذاته سواء كان الطلب بجميع الاسباب و المسببات من الشيء المقرونة بجميع القيود كما تري منه جواز الفعل و الترك ام ببعضها كما تجد من بعض الحيوانات و الجمادات ام بحقيقة الشيء من ربه كما يكون من العارف و من الاشياء المفتقرة الي مدبرها لان المراد من الطلب في كل مقام من كل شيء هو الافتقار الي الغني او الي جهة من الغني فهذا الميل الحقيقي هو الميل الانوجادي من القوابل الفواعل لافعال الفاعلين و لاريب في اختيارها و لهذا اتاهم الايجاد بصورة السؤال المشعر بطلب الاجابة و القابلية منهم حين قال الست بربكم ليجيبوه و يقبلوا منه باختيارهم و اول الشيء تكوينه بنفسه ثم تكوينه باسبابه و مسبباته و لانعني

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 302 *»

بالاختيار الا هذا و اذا نظرت بفؤادك جميع الاشياء وجدتها مختارة بنمط واحد و انما تختلف هيئات المختارين لاختلافهم في مراتب الاختيار من جهة الدواعي و العوائق و العاشق مختار و انما خفي ذلك فيه لشدة رغبته و محبته و اقباله علي مطلوبه حتي غلب ذلك منه علي التفاته الي ماسوي معشوقه و هذا معني ما قال عليه‌السلام لغلبة السر يعني ان السر الذي هو ذلك الميل و القابلية التي هو بها هو غلب علي كل حجاب بينه و بين معشوقه من كل ما سوي معشوقه بحيث لايلتفت الي ماسواه و ذلك لاينافي الاختيار و ان لم‌يشعر بنفسه بل شرط صدق الحب عدم الاشعار بما سوي المحبوب و من هنا قال الصادق عليه‌السلام ما معناه المحبة حجاب بين المحب و المحبوب و هو قد علل طلب الزيادة بما ذكرو الاقرب في نفسي انه انما طلب الزيادة في البيان لما وجد في نفسه من صعوبة الطريق حتي ظن العجز بدون اعانته بالبيان و دلالته علي اسباب التحصيل و الوصول قال عليه‌السلام له الحقيقة هتك الستر لغلبة السر اي لغلبة سرك الذي هو تصحيح الفقر الذي اشار اليه النبي صلي الله عليه و آله الفقر شعاري و به افتخر و هذا الفقر يحصل بالتدريج حتي لايشهد له و لا لجميع ما له و ما ينسب اليه اثرا في نظر الوجدان فاذا فقد عن وجدانه ما سوي معبوده الذي هو هتك الستر و الحجاب بينه و بينه ظهر له ان ما حصل له ذلك لتمام فقره و صحته الذي هو غلبة السر لانه حينئذ ليس هو و انما الموجود نور الله الذي تجلي به و تعرف به و هو هو بلامغايرة بوجه ما و اما ماذكره من تعليل طلب زيادة البيان فهو و ان كان قد يكون له وجه في الجملة لكنه قشري بخلاف ما ذكرنا و هذا التعريف ابين مما قبله و وجه صلوحه لزيادة البيان ان المحو للشيء الموهوم لايدل علي كونه حاجبا ساترا للمطلوب بخلاف هتك الستر فانه يدل علي ازالة الساتر فتكون ازالته ابلغ في ظهور المطلوب و اما غلبة السر فانه ادل علي المطلب الحق من صحو المعلوم لما في المعلوم من الابهام و الاجمال لجواز ان يفهم منه ارادة الذات البحت و هو باطل بخلاف غلبة السر فانه لايفهم منه ذلك و انما يفهم ان السر شيء غير الذات البحت و قد يفهم منه انه اذا هتك

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 303 *»

مايحجب عنه مطلوبه دل علي ان حصول ذلك له انما هو لغلبة السر و السر المراد هنا هو المعلوم و يدل عليه ما في بعض نسخ الحديث من ابدال اللام بالواو فيكون محو الموهوم و صحو المعلوم هو هتك الستر و غلبة السر و هذا السر هو سر الخليقة و هو الحقيقة و هو ظهور الحق لك بك كما قال علي عليه‌السلام تجلي لها بها و بها امتنع منها

قال عبدالرزاق و لايلزم من غلبة السر حصول الحقيقة كما قال احدهم:

شربت الحب كاسا بعد كاس فما نفد الشراب و ما رويتُ

فاستزاد البيان فعلم عليه‌السلام قوة استعداده فقال جذب الاحدية التي لا كثرة فيها لصفة التوحيد الي نهاية في غلبة السر قوة جذب الحضرة الاحدية التي لا اعتبار للكثرة فيها اصلا لصفة التوحيد المشعر بالكثرة الاعتبارية في الحضرة الواحدية التي هي منشأ الاسماء و الصفات و ذلك النور هو العين الكافوري الذي هو مشرب المقربين خاصة فلايبقي مع هذا الجذب و الشرب الحقاني لغير عين و لا اثر،

اقول قوله و لايلزممن غلبة السر حصول الحقيقة ليس بصحيح عندنا اما علي مذهبهم فهو صحيح عندهم لانهم يريدون بها الذات البحت و هذا عندنا باطل لان الذات البحت لم‌يكن معه غيره و لايكون غيره اياه و انما الحقيقة ظهور الذات باثر فعله فيه له و ايضا هو يريد ان الحقيقة لم‌تحصل بذلك فاستزاد البيان و هذا لايصح لانه يستزيد البيان و لايطلب الحقيقة طلبا اصليا غير الطلب الاول اذ من المعلوم انه عليه‌السلام قد اجابه في كل صورة بما يلزم منه حصول الحقيقة و قد علم كميل ذلك الا ان فيه اجمالا بالنسبة الي فهمه فلهذا انما طلب زيادة البيان لكن عبدالرزاق انما قال بعدم حصول الحقيقة بغلبة السر ليرتب علي ذلك استزادته للبيان و الذي يقتضيه التامل ان استزادة البيان فرع الحصول قبل ذلك فافهم و قوله فعلم عليه‌السلام قوة استعداده ليس بظاهر لان علمه عليه

 

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 304 *»

‌السلام باستعداد كميل فيما سبق من جوابه عليه‌السلام له اولي لان الجواب بما فيه الاجمال انسب بقوة الاستعداد من الجواب المشتمل علي البيان و الانسب عندي انه انما طلب زيادة البيان لقصور فهمه عن كمال ادراك المعني المراد من جوابه عليه‌السلام كما هو عادة‌ طالبي استزادة البيان فقال عليه‌السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد.

قال في الانسان الكامل الاحدية عبارة عن مجلي ذاتي ليس للاسماء و لا للصفات و لا لشيء من مؤثراتها فيه ظهور فهي اسم لصرافة الذات المجردة عن الاعتبارات الحقية و الخلقية و ليس لتجلي الاحدية في الاكوان مظهر اتم منك اذا استغرقت في ذاتك و نسيت اعتبارك و اخذت بك فيك عن خواطرك فكنت انت في انت من غير ان‌تنسب اليك شيئا مما تستحقه من الاوصاف الحقية او ما هولك من النعوت الخلقية فهذه الحالة للانسان اعم مظهر الاحدية في الاكوان فافهم،

اقول ما ذكره عبدالكريم في كتابه الانسان الكامل مبني علي وحدة الوجود لانه من كبار اهل التصوف من العامة و لهذا قال الاحدية عبارة عن مجلي ذاتي الي ان‌قال فهي اسم لصرافة الذات المجردة عن الاعتبارات الحقية و الخلقية فان جعل الاسم عين المسمي كما هو صريح كلامه هنا و في اكثر المواضع من كتابه لم‌يصح جعل الانسان المعروف عنده لاسيما ما يدعونه من ذلك لانفسهم اعلي مظاهر الذات لان اعلي مظاهر الذات اول صادر عنه و هو المشية و ان كانت عندنا هو الآدم الاول لكن لايريده و ايضا اذا اريد بالاحدية الذات فلامعني لتجرده عن الاعتبارات الحقية و ان اريد به غير الذات الواجب فلامعني لتجرده عن الاعتبارات الخلقية و قوله و ليس لتجلي الاحدية في الاكوان مظهر اتم منك الخ، ليس بصحيح لان اتم المظاهر وراء الاكوان و هو الفعل اذ لايظهر علي شيء الا بفعله فيكون فعله او مظاهره و اما فعله فيه فبه و قوله فكنت انت في انت الخ، ليس بصحيح لان كون انت في انت لايجري الا فيمن ماهيته بذاته و هو الغني عما سواه و اما من كان بغيره فلايكون هو في هو و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 305 *»

ان حصر نظر نفسه في نفسه كان مقتصرا علي سراب فهو في وجدانه و فقدانه فاقد بخلاف ما لو حصر نظر نفسه في ربه فانه في وجدانه و فقدانه واجد الحق ان الاحدية بكل اعتبار اعتبرها المخلوق لاتقع علي صرافة الذات البحت و انما يدرك المخلوق مخلوقا فلايعرف احد من الخلق من معني الاحدية الا معني محدثا و المعني المحدث لايقع الا علي معني محدث الا ان من المعاني المحدثة ما هو مختص بحيث لايصدق علي شيئين و ماكان كذلك كان ما يدل عليه من الاسماء كذلك و الا لم‌يدل عليه فاذا وجدت الالوهية لاتجوز لغيرالله دل علي اختصاصها به تعالي و كذلك معناها و لكن المعني الذي يقع عليه هذا اللفظ منها محدث و ان كان مختصا بالبحت و الاحدية دون الالوهية لان الاحدية صفة الاحد و الالوهية صفة الله لا العكس و الحاصل ان الاحدية و ان كانت جامعة لمراتب التوحيد الاربعة توحيد الذات و توحيد الصفات و توحيد الافعال و توحيد العبادة لكنها اخص شمولا من الالوهية التي هي الجامعة لصفات القدس و العزة و صفات الاضافة و النسبة و صفات الخلق و التربية فهي من صفات الالوهية فتقول الله احد فيحمل علي الله و لاتقول الاحد الله الا علي البدلية او علي نسبة البيانية و ما ذهب اليه اولئك من معناها ليس بصحيح و هو (هيخ) معني محدث ليس لغير المعبود بالحق و ان كان لها مراتب لايحصي عددها الا الله يطلق هذا اللفظ عليها من باب التشكيك و العارف اذا كشف سبحات الجلال من غير اشارة ظهرت الاحدية فيه و هي الجلال في الجواب الاول و المعلوم في الثاني و السر في الثالث و هي النفس في من عرف نفسه فقد عرف ربه و هي حقيقتك من ربك و انما قال عليه‌السلام جذب الاحدية لان الباقي بعد ازالة الفاني في الحقيقة هو الجاذب للفاني كما انه في الايجاد هو الدافع له و المعني ان الحقيقة في الايجاد يفيض عنها آثارها فهي تدفعها من كتم الامكان الي شهادة الاعيان و في الاعدام و الافناء هي تجذبها من شهادة الاعيان الي غيب الامكان فحقيقتك عنها ظهرت و فيها فنيت ففي حالة ايجادها هي دافعة و في حالة الافناء هي جاذبة فاذا فسرنا الاحدية بنسبة مقامها قلنا ان الصفة

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 306 *»

التوحيد هنا هي سبحات الجلال و هي الموهوم و هي الستر الحاجب و بيان كون السبحات المذكورة صفة التوحيد حتي يكون ضروريا يحتاج الي التطويل (تطويلخ) و اما علي سبيل الاشارة فالسبحات و هي شؤون الحقيقه و جميع ما لها من المتعلقات و الآثار و هي صفتها و الحقيقة هي التوحيد و الاحدية و صفتها هي صفة التوحيد و هي الواحدية لان الواحدية صفة الاحدية و لذلك قالوا هي حضرة الاسماء و الصفات التي هي السبحات و انما كان قوله عليه‌السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد صالحا لزيادة البيان لان ما تقدم لايدل علي معرفة المزيل للموانع و لا علي كيفية الازالة و لا علي نسبة المزال الي الباقي بحيث يتوقف ظهوره علي ازالته و هنا اشتمل علي ذلك كله مع انه بمعني ما تقدم فبين عليه‌السلام ان المزيل هو الاحدية التي هي الحقيقة لانك انت المزيل لنفسك و ما يرتبط بها و يدل علي هذا قوله تعالي في الحديث القدسي حين قال ذلك النبي عليه‌السلام يا رب كيف الوصول اليك فاوحي الله اليه الق نفسك و تعال الي و قد تقدم و ان كيفية الازالة و ان كانت بالتدريج لكن جذب تلك الاوصاف و الاضافات من الوجدان الي الفقدان اشعارا بان الاحدية بها قوام صفة التوحيد و ان صفة التوحيد انما تفقد فيها و انها الكتاب الحفيظ لصفة التوحيد و ان نسبة صفة التوحيد التي هي سبحات الجلال في الاول و الموهوم في الثاني و الستر في الثالث الي الاحدية التي هي الجلال في الاول و المعلوم في الثاني و السر في الثالث نسبة النور الي المنير و الصورة الي الشاخص و الحجاب الي المحتجب و الصفة الي الموصوف و في هذه الفقرات و ما ياتي اسرار كثيرة يعرف كثير منها مما كتبنا في رسائلنا و ذكرنا في مباحثاتنا.

قال عبدالرزاق و لما كان كميل عارفا بان مقام الوحدة في الفناء في الذات و ان كان مقام الولاية ليس كمالا تاما لان صاحبه لايصلح للهداية و التكميل ما لم‌يرجع من الجمع الي التفصيل و من الوحدة الي الكثرة و لم‌يصل الي مقام الصحو بعد السكر و لم‌يحصل له مقام الاستقامة المامور بها النبي صلي الله عليه و آله في قوله تعالي فاستقم كما امرت فاستوضح و استزاد البيان فقال

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 307 *»

نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره، اقول يجوز ان يكون ما ذكره علة لطلب زيادة البيان علي بعد و يجوز ان يكون المراد  منه قصوره عن نيل المراد فيطلب الزيادة في البيان مرة بعد اخري لا لاجل انه يطلب التفصيل و معرفة الرجوع من الوحدة الي الكثرة بدليل الجواب الاخير فانه علي النسق (نسقخ) الاول و ما بعده و لوكان كما قال لكان الاخير فيه تفصيل اشد مما قبله و اما ما ذكره من التفصيل و ذكر الوحدة في الكثرة فهو نوع من البيان و الجواب و الا فان جميع تعريف الحقيقة لايتحقق الا بانبساط (بانبساطهاخ) نظر البصيرة الي جميع اقطار الوجود و الوجدان فيتوجه الي الوحدة في الكثرة و الي الاولية في الآخرية و الي البطون في الظهور و الي البعد في القرب و الي الوصل في الفصل و الي الاتحاد و (في التعدد ظ) التعدد و الي المزايلة في الملاصقة (المواصلة خ) الي غير ذلك من جهات الوجدان فمهما بقي جهة او احتمال لشيء من الاشياء لم‌تسلكه بحيث لاتشهد كل شيء في كل شيء لم‌تكشف سبحات الجلال و لم‌تمح الموهوم و لم‌تهتك الستر و لم‌تجذب الاحدية لصفة التوحيد و لم‌تظهر لك الوحدة في الكثرة بحيث يغيب وجود الكثرة في ظهور الوحدة فظهر لمن نظر و اعتبر و ابصر ان مفاد الاجوبة واحد و انما اختلفت (اختلف خ) لاختلاف التبيين و بذلك ظهرت فوايد جمة لاتسع هذه الكلمات بيانها فقوله عليه السلام نور اشار به الي الجلال و المعلوم و السر و الاحدية كما تقدم و قوله عليه‌السلام اشرق يريد به بيان حدوثه كما اشرنا اليه سابقا لا ما توهموه من انه الذات البحت المجردة عن الاعتبارات الحقية و الخلقية بل هو حادث لانه اشرق من صبح الازل و الصبح هو المشية و الشمس التي لم‌تطلع بذاتها و انما طلعت بآثار فعلها هو الازل الذي لم‌يزل عزوجل فيلوح من ذلك النور المشرق من صبح الازل علي هياكل التوحيد آثاره و هياكل التوحيد لها مراتب تطلق و تعرف من مقام الاطلاق في الاستعمال مرتبة كل مقام و المراد بالهياكل الصور و المراد بالتوحيد هنا صفة ذلك النور المشرق و الهياكل صفة ذلك التوحيد و الآثار صفة تلك الهياكل يعني ان الحقيقة نور

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 308 *»

اشرق من مشية الله سبحانه و هو الوجود بدون القيود و الحدود لانها هي السبحات المكشوفة و هذا الوجود هو المعبر عنه بالحقيقة تارة و بالوجود بدون القيود اخري و بالنفس مرة و بنور الله اخري و بالفؤاد ايضا و هذا التوحيد صفته بمعني ان هذا النور ليس في مكان و لايحويه مكان و لايخلو منه مكان و ليس في جهة و لا قبل و لا بعد بل قبله عين بعده و اوله نفس آخره و ظاهره حقيقة باطنه و كل الجهات جهاته و لاتخلو منه جهة و ليس في زمان و لايقع عليه وصف و ليس كمثله شيء و كلما ميزته فهو غيره و كلما توهمته فهو بخلافه بريء من الحدود و الامكنة و الجهات و الاوقات و الانداد و الاضداد و الاشباه و الكثرة و الكلية و الجزئية و العموم و الخصوص و الاجمال و التقييد و الجمع و التفصيل و سائر صفات الخلق و هو معني قولنا ليس كمثله شيء و لوكان هذا النور الذي هو النفس المشار اليها في الحديث من عرف نفسه فقد عرف ربه له مثل لكان لو عرف نفسه بشيء من صفات الخلق لزم منه انه يعرف ربه بصفات الخلق و انه مخلوق تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فان قلت انك اذا وصفت نفسك بهذه الصفات كنت قد وصفتها بصفات الواجب و هذا باطل عقلا و نقلا قلت انك اذا جردت نفسك عن كل ما يغايرها لزمك ان‌تصفها بهذه الصفات فان قلت اني في مكان و المكان غيرك و الكون فيه غيرك و كونك ابنا او ابا غيرك و كونك مدركا او معلوما غيرك و مع و في و من و الي و عن كلها غيرك و اين غيرك و متي و حيث و كيف و لم و عند و اول و آخر و ظاهر و باطن غيرك و الاقتران و الاجتماع و الافتراق و الحركة و السكون غيرك و جميع ما ينسب اليك و ينفي عنك غيرك فاذا اخذت تجرد عنك هذه السبحات لم‌يبق الا وجود لايلتبس بشيء و ليس كمثله شيء لان الالتباس و المشابهة و الممائلة غيرك و هذه صفة الحق تعالي فمن عرف صفة الحق تعالي فقد عرفه لان الشيء لايعرف الا بصفته و هذه الاشارة كافية في بيان صحة هذا البيان لمن احب الله ان يعرفه نفسه و هذا التجريد صفة هذا النور و هذه الصفة هي التوحيد و للنور مظاهر لصفته هي هياكل التوحيد اي صوره و اعلاها اربعة عشر هيكلا و ليس

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 309 *»

معها في وجودها شيء و من دونها هياكل متعددة و من دون هذه المتعددة هياكل كثيرة و هكذا و معني هيكل التوحيد ان‌يظهر لذلك النور المشرق من صبح الازل صفة تفيد هذا التجريد الكامل بهيئتها كما تفيد الاشارة الي الشيء الدلالة عليه و الاشارة بالاقبال المجيء و بالادبار المضي فافهم و لذلك النور المشرق آثار صدرت من صفاته التي هي هياكل التوحيد تظهر و تلوح علي تلك لهياكل (الهياكل ظ) اي تظهر مشابهة لتلك الهياكل بمعني ان صفاتها بل ذواتها تشابه صفات عللها المؤثرة فان كل صفة تشابه صفة مؤثره و الاشارة الي بيان ذلك انك لو رأيت صفة كلامك لدل عليك بهيئته التي هي من هيئتك كما تدل عليك صورتك في المرآة و لو برز لك عقل زيد او علمه او كلامه او مشيه او حركته او حرارته او رطوبته او برودته او يبوسته او اشارته او فكره او خياله او شيء مما ينسب اليه لعرفته انه لزيد كما تعرف زيدا بصورته في المرآة بل تري كل واحد مما ذكرنا لك من كل ما ينسب اليه رجلا انت تعرف ان اسمه زيد و انه لزيد و ان كان ذلك لامرأة رأيته امرأة تسمي باسمها و هي لها لاتنكر شيئا من هذا لو رأيته قطعت به ضرورة كما تقطع بنفسك انك انت فاذا عرفت الاشارة ظهر لك ان تلك الآثار التي هي آثار ذلك النور ظهرت علي صورة صفات فعله التي هي هياكل التوحيد فقوله عليه‌السلام نور خبر لمبتدأ محذوف تقريره (تقديره ظ) الحقيقة نور فكان ذلك النور هو الحقيقة ثم انه عليه‌السلام بين ان كل ما ينسب اليه من صفة ذات كالتوحيد او صفة فعل كالهياكل او آثار فعل كالآثار المذكورة غير ذاته بل هي من سبحاته ليعرف فناؤها في بقائه بل انما هو ليس شيء غيره.

قال عبدالرزاق الكاشي بعد ان ذكر كلاما علي مذاقه لان المتصوفة كلامهم لايختلف تشابهت قلوبهم فانهم عيون كدرة يفرغ(يفرع خ‌ل) بعضها في بعض قال و عند ذلك غلب حال كميل فسكر و جذب الشوق عنان تماسكه فاستزاد البيان فقال عليه‌السلام اطفئ السراج فقد طلع الصبح، قال اي دع البيان العلمي و اترك الجدال العقلي،

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 310 *»

اقول كلامه متدافع بنفي بعضه بعضا لان قوله غلب حال كميل فسكر و جذب الشوق عنان تماسكه ينافي قوله في البيان اي دع البيان العلمي الخ، لان من غلب حاله حتي سكر لا جدال معه و لا بحث له بل اما ان يكون لم‌يعرف اصل المراد من الاجوبة او انه عرف و لايكون هذا خطابه و توجيهه بانه بين له حاله قبل السؤال او علي سبيل الترديد في المقال او تعريضا لغيره من الجهال بعيد لا ينال و انما كان حاله في ذلك كله انما طلب الجواب ليستدرك بالاستزادة ما فاته من فهم ما سبق اذ قد يحصل المطلوب بتلفيق المدركات من كل جواب فيكمل له من ابعاضها كل يتم له به المطلوب او يكون بالتكرار يتفطن في المراد فقوله عليه‌السلام اطفئ السراج المراد بالسراج النور العلمي و النور العقلي و النور البصري و السمعي و الشمي و الذوقي و اللمسي فانها هي المدركة لسبحات الجلال فنبه السائل علي معني عجيب يحسن لاستزادة البيان و هو ان السبحات المعروفة لاتكشف و لاتمحي و لايراد ذلك في ظهور الحقيقة و انما المراد ان‌لاينظر اليها و لايحصل ذلك الا بعدم استعمال الخيال و العقل و الحواس الخمس التي هي سراج الانسان في ظلمات الكثرات و التعددات المعبر عنه (عنهاخ) بالاطفاء فقال له ما معناه اذا لم‌تنظر بخيالك و علمك الذين لايدركان الا الصور المجردة عن المواد العنصرية و المدد الزمانية و لا بعقلك الذي لايدرك الا المعاني و لا ببصرك الذي لايدرك الا الالوان و الهيئات و لا بسمعك الذي لايدرك الا الاصوات و لا بشمك الذي لايدرك الا الروايح و لا بذوقك الذي لايدرك الا الطعوم و لا بلامستك التي لاتدرك الا الاجساد و لا سراج لك في هذه الظلمات الا هذا (هذه ظ) القوي الظاهرة و الباطنة فاذا لم‌تستعملها فيما خلقت له فقد اطفأتها و لايسعك اطفائها حتي تستغني عنها بنور اقوي منها مثل طلوع الصبح فانه يكشف جميع الظلمات بخلاف تلك السرج السبعة فانها انما تكشف بعض ظلمات ما توجهت اليه بنسبة قوة نورها فاذا ظهر ذلك النور الاعظم المشبه بطلوع الصبح الذي هو من نور الشمس الازل بطلت فائدة السرج لعدم الانتفاع بها في كشف ما تستعمل لكشفه و لان النور القوي

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 311 *»

اذا ظهر اقتضي ابطال الانوار الضعيفة فحيث كان مقتضيا لابطالها و لا انتفاع بها قال عليه‌السلاماطفئ السراج فقد طلع الصبح و في قوله عليه‌السلام فقد طلع الصبح اشارة الي سر مكتوم من اسرارهم عليهم السلام وضع الله عليه حجابا مسيرة سبعين عاما لو اذن ببيانه (في بيانه خ) لكتبه من اذن له ببيانه و حيث كان كل شيء مرهونا بوقته تركنا ذكره حتي ياتي وعدالله ان الله لايخلف الميعاد و الحمدلله رب العالمين.

قال  سلمه الله: الثالثة – ما الفرق بين القلب و الصدر و النفس و الوهم و الخيال و الفكر و ما الفرق بين ادراكاتها و مدركاتها و هل القلب و العقل بمعني (واحد ظ) فكيف جعلتهما اثنين في رسالة شرح احاديث الطينة و ان كانا متفاوتين فبينوا الفرق بينهما و هكذا هل المراد بالصدر و النفس واحد ام متعدد و علي الثاني فما الفرق بينهما و ما الفرق بين الصدر و العلم اذا اريد به النفس مع ان النفس ليست الا الصورة النفسية المجردة عن المادة‌ و المدة و العلم ليس الا الصورة النفسية‌كذلك و ما الفرق بين الخيال و الصدر فاذا كانا واحدا فلم جعلتهما في تلك الرسالة و غيرها اثنين و ما الفرق بين المتخيلة و المتفكرة و الحافظة و المأمول من جناب الاستاد الا يقهر اليتيم عن امامه و لاينهر السائل من بابه قال الله تعالي و اما اليتيم فلاتقهر و اما السائل فلاتنهر و اما بنعمة‌ربك فحدث.

اقول القلب هو اللب و هو وسط الشيء فالقلب هو العقل و سمي قلبا لانه يتقلب في معاني مدركاته او لانه الوسط و منه قلب النخلة و هو السعفة الوسطي من سعفها او قبل انتشار خوصه و هو ورق النخل او لانه تقلب فيه المعاني اي تفرغ او انه قالب المعاني لانطباعها فيه و هو في اطلاقات الشارع عليه‌السلام يراد به العقل و يراد به مقر اليقين و خزانة العقل فهو بمنزلة الحافظة للخيال و في المذهبة التي كتبها الرضا عليه‌السلام الي المامون قال عليه‌السلام فملك الجسد هو القلب و العمال هو العروق و الاوصال و الدماغ و بيت الملك هو قلبه و ارضه الجسد و الاعوان يداه و رجلاه و عيناه و شفتاه و لسانه و اذناه و خزانته معدته و بطنه و حجابه و صدره الخ، و المراد بالقلب الذي هو الملك هو النفس

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 312 *»

الناطقة علي ما قيل و المراد بالقلب الذي هو بيت ذلك القلب هو اللحم الصنوبري الكائن في وسط الصدر و المعروف من كلام بعضهم ان القلب الذي هو اللب بمنزلة الملك بكسر اللام و هو متعلق باللحم الصنوبري تعلق تدبير لانه ليس من عالم الجسمانيات التي في الزمان و انما هو من عالم الغيب و يؤيده ما روي كميل بن زياد عن علي عليه‌السلام قال عليه‌السلام و الناطقة القدسية لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بالنفس الملكية و لها خاصيتان النزاهة و الحكمة و في الرواية الاخري عنه عليه السلام قال عليه‌السلامقوة لاهوتية بدء ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية الذهنية موادها التاييدات العقلية فعلها المعارف الربانية الخ، و يؤيد انها تتعلق باللحم الصنوبري الذي في الصدر انك اذا التفت الي انيتك او اشرت اليك او اشار اليك احد انما تشير انت او غيرك الي صدرك و قيل هو العقل و لهذا قال بعضهم ان العقل في القلب الذي هو اللحم الصنوبري في الصدر و الذي يشهد به الوجدان ان العقل في الدماغ بمعني انه متعلق به تعلق التدبير او تعلق الظهور و الدليل علي الاول من الوجدان انك اذا اشرت الي المسمي بانا اشرت الي صدرك و اذا اشرت الي تعقلك اشرت الي راسك لان عين (عينيخ) بصيرتك في راسك و هذا قول الاكثر و هو الاصح و القلب هو مدرك المعاني و مقر اليقين و قد يطلق علي العقل في كثير من كلام اهل الشرع و كلام العلماء و بالعكس بمعني الاتحاد و قد يراد التعدد فيكون القلب بمنزلة المبصر و العقل بمنزلة البصر و قوة الادراك و ماخذ هذا وجداني فان القلب معلوم انه في اللحم الصنوبري المسمي بالقلب و سمي به لتعلقه به و اذا اردت ان تدرك شيئا و تتعقله فانك تجد محل ذلك الدماغ فان في الراس عينين يتعقل بهما الاشياء و يبصر بهما المعاني من مصدر واحد هو في جهة الدماغ كمثل العينين المبصرتين للمحسوسات من مصدر واحد و سمي ذلك المصدر عقلا لتعقله المعاني فتعرف نافعها من ضارها فيعقل صاحبه عن الضار اي يحبسه و يحبس النفس عن هواها و اللسان عن الكلام الذي لا نفع فيه و منه عقلت البعير

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 313 *»

اذا ربطت يده بالعقال و هو من الصوف او الشعر او الليف و التحقيق في الفرق بينهما ان القلب عبارة عن العقل و الروح و النفس و الطبيعة فهو مركب في الحقيقة من هذه الاربع (الاربعةخ) القوي التي هي قلب الانسان و لبه و العقل اعلي الاربعة و هو اعظم اركان القلب و وزير الملك و وليه علي اعوانه العينين و الاذنين و الانف و اللسان و الشفتين و اليدين و الرجلين فتعمل في مصالح الملك علي نظر الوزير و تدبيره هذا في الاصل و اما في الاستعمال و الاطلاق فيطلق احدهما علي الآخر.

و اما الصدر فالمراد صدر القلب و ظاهره و هو منه بمنزلة الفلك المكوكب من المحدد فان المحدد فيه جميع ما في المكوكب من الاحكام و الاسرار و المكوكب ظاهره و الي هذا الاشارة بقول الصادق عليه‌السلام في رواية حنان بن سدير قال سألت اباعبدالله عليه‌السلام عن العرش و الكرسي فقال ان للعرش صفات كثيرة مختلفة له في كل سبب وضع في القرآن صفة‌ علي حدة فقوله رب العرش العظيم يقول رب الملك العظيم و قوله الرحمن علي العرش استوي يقول علي الملك احتوي و هذا ملك الكيفوفة في الاشياء ثم العرش في الوصل منفرد عن الكرسي لانهما بابان من اكبر ابواب الغيوب و هما جميعا غيبان و هما في الغيب مقرونان لان الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منه الاشياء كلها و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحد و الاين و المشية و صفة‌ الارادة و علم الالفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدء فهما في العلم بابان مقرونان لان ملك العرش سوي ملك الكرسي و علم الغيب من علم الكرسي فمن ذلك قال رب العرش العظيم اي صفة اعظم من صفة الكرسي فهما في ذلك مقرونان قال جعلت فداك فلم صار في الفضل جار الكرسي قال عليه‌السلام انه صار جاره لان علم الكيفوفة فيه و فيه الظاهر من ابواب البداء و اينيتها و حد رتقها و فتقها فهذان جاران احدهما حمل صاحبه في الظرف الحديث، فالقلب هو الباطن و الصدر هو الظاهر و المراد ان القلب هو محل المعاني المجردة عن الصورة

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 314 *»

النفسانية و المثالية و المدة الزمانية و المادة‌ العنصرية و الصور النفسية هي ظاهر المعاني و المعاني باطنها و الصدر الذي هو الظاهر عبارة عن الذهن الذي ينتقش فيه صور المعلومات و هو مرادف النفس عندنا في اطلاق و هو الكتاب المسطور و هو اللوح المحفوظ في العالم الكبير.

و الوهم محل الصور الجزئية المتعلقة بالمحسوسات و قيل محل الصور المدركة بالاحساس و الاول هو المراد و بابه فلك المريخ و هو يستمد بواسطة الشمس من نفس الطبيعة الكلية طبيعة الكل.

و الخيال محل الصور الجزئية المتعلقة بالمحسوسات و بابه الزهرة و هو يستمد بواسطة الشمس من صفة طبيعة الكل و هما من مصدر واحد الا ان الوهم بارد الفؤاد مطمئن الباطن علي كرسي من ذهب ظاهر الغضب لابس ثياب القهر و الخيال منطو علي طرب و تزين لابس ثياب الذهب قاعد علي كرسي من دم.

و اما الفكر فانه يقلب الاشياء و يرتبها و يصنع منها آلات لمطالبه و يلتقط ما في الحس المشترك من صور المحسوسات و يضعها في خزانة‌ الخيال كما يلتقط من المثل الغيبية العلوية صورها و يضعها في الهمة (القمة خ) و يرتب الحاصلين من الجزئيات فيتولد منها الصور الكلية و يضعها في خزانة النفس الناطقة.

و اما الحكماء فقالوا القوي الباطنة مدركة فقط او مدركة و متصرفة و المدركة مدركة للصور الجزئية او المعاني الجزئية فالمدركة للصور الجزئية المحسوسة بالحواس الظاهرة تسمي الحس المشترك لاشتراكه في ادراكه بين الحواس الظاهرة و بين المتخيلة فهو واسطة بين النهرين و يسمي هذا الحس في اللغة اليونانية بنطاسيا و خزانته الخيال و هو الحافظة للصور الجزئية بعد زوالها و انفصالها عن الحس المشترك و اما المدركة للمعاني الجزئية القائمة بالمحسوسات ككون هذا الشخص صديقا و الآخر عدوا فهي الوهم و خزانته الحافظة و هي التي تحفظ المعاني الجزئية قالوا و اما المدركة و المتصرفة فهي

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 315 *»

التي تتصرف في المدركات المخزونة في الخزانتين اللتين للحس المشترك و الوهم بالتركيب و التخليل فتركب انسانا له راسان و بحرا من زيبق و هي عند استعمال العقل تسمي مفكرة و عند استعمال الوهم تسمي متخيلة و قالوا الحس المشترك هي القوة المرتبة في مقدم الدماغ و هو المنبت الذي تنبت منه اعصاب الحواس الظاهرة تجتمع عندها مثل جميع المحسوسات الظاهرة فتدركها علي سبيل المشاهدة فتكون الصور المأخوذة من خارج منطبعة‌فيها ما دامت النسبة‌ بينها و بين المبصر او المسموع او غيرهما محفوظة او قريبة العهد فاذا غاب المبصر او غيره انمحت الصورة‌ عنها و لم‌تثبت زمانا معتبرا و مهما كانت الصورة في الحس المشترك فهي محسوسة فقط فاذا انطبع فيها صورة كاذبة كما للممرورين احسته فاذا انتقلت الصورة الي الخيال تصير متخيلة لا محسوسة اقول قولهم محسوسة فقط فيه انه لو كان محسوسا فقط لاحتيج الي واسطة بينه و بين الخيال و لكنه برزخ بين المحسوس و المتخيل فان النقطة‌ النازلة من العلو يدركها الحس المشترك خطا مستقيما و النقطة الدائرة بسرعة‌يراها خطا مستديرا و البصر الحسي يري الجسم في محله و لايراه في المحل المنتقل عنه الا بالتخيل فمدرك الدائرة من النقطة الدايرة و الخط المستقيم من النقطة النازلة مركب من البصر و الخيال و هو الحس المشترك اعلاه تحت الخيال و اسفله فوق البصر فهو برزخ بينهما بحيث لايكون بين احد منهما و بينه فصل ينبغي ان‌يكون برزخا و الحس المشترك غير البصر و غير الخيال فيدرك ما يدركه البصر و ما لايدركه البصر لان النقطة اذا دارت عند وصولها الي مكان مقابل للبصر ترتسم فيه نقطة ثم تزول عنه بزوال المقابلة لانها حين الاستدارة لاتحصل في آن يحيط به زمانان لاتحصل فيهما فحافظ الارتسامات مع الانتقالات و اختلاف المقابلات ليس هو البصر و ليست الارتسامات تجتمع في البصر بمحض الزمان و انما هو الحس المشترك و هو المركب من الحس و الخيال و هذا هو معني المشترك و لهذا قال بعض المتاخرين ان الحس المشترك من جملة المرايا التي للنفس تظهر فيه الامور الغريبة العجيبة.

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 316 *»

و الخيال قالوا و يسمي بالمصورة و هي مرتبة في آخر التجويف الاول يجتمع عنده مثل جميع المحسوسات بعد غيبتها عن الحواس و عن الحس المشترك فتدركها و هي خزانة الحس المشترك يؤدي اليه علي سبيل الاستخزان و قد يخزن ما ليس مأخوذا عن الحس المشترك بل عن المفكرة كما اذا تصرفت في الصورة التي فيها بالتحليل و التركيب فركبت صورة منها او فصلتها استحفظتها في هذه الخزانة.

و الوهم قالوا و هو القوة التي يدرك بها الحيوان المعاني الجزئية الموجودة الغير المحسوسة بالحواس الظاهرة التي لم‌يتأد اليها من الحواس كادراك الشاة معني في الذئب موجبا للهرب و هي العداوة و ادراك زيد معني في عمرو موجب للطلب و هو المحبة و الصداقة و الموافقة و امثالها من المعاني الجزئية الموجودة‌ في المحسوسات و اذا لم‌تكن للحواس الظاهرة و لا لحس المشترك و الخيال قوة ادراكها فلابد من اثبات قوة‌ اخري غيرها تدركها و هي القوة الوهمية و ايضا فكون المعاني المدركة بها لم تتأد اليها من الحواس الظاهرة دليل علي مغايرتها للحس المشترك و الخيال و كون القوة الوهمية موجودة في الحيوانات العجم يدل علي مغايرتها للنفس الناطقة و ايضا فانها قد تخوف من شيء لاتخوف منه النفس الناطقة كالبيات عند الموتي فان النفس الناطقة تؤمنه من ذلك الخوف و تعلم بالضرورة ان الذي يؤمن غير الذي يخوف.

و المتخيلة و تسمي المتصرفة و هي قوة من شأنها التركيب و التفصيل فتركب الصور مع المعاني التي في الخيال و الحافظة بعضها من بعض فتجمع بين المختلفات المتباينة و تفرق بين المتباينات المجتمعة و تمثل امورا لاتوجد في الخارج و مثال تركيبها الصور الخيالية بعضها من بعض انها تدرك انسانا له الف رأس او له جناحان يطير بهما و جبلا من ياقوت و بحرا من زيبق و امثال ذلك و مثال تركيبها الصور الخيالية بالمعاني الوهمية كحكمها بان هذا الشخص صديق و الآخر عدو.

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 317 *»

اقول الوهم و الخيال و الصدر و النفس يراد منها في الجملة معني واحد و هو الصور المجردة عن المادة العنصرية و المدة الزمانية و ان كانت مراتبها من حيث المصادر مختلفة فالصدر من المشتري و النفس من المكوكب و الخيال من الزهرة و الوهم من المريخ و قد يقال الصدر من المكوكب فهو النفس و اما التوهم و التخيل فهو فعل الوهم و الخيال من الادراك و الانطباع و الفكر يحصل لها من المعاني و الصور نقوشها النسبة الكلية و اما الحافظة فقالوا و تسمي الذاكرة و هي قوة مرتبة في التجويف الآخر من الدماغ من شأنها ان تحفظ احكام الوهم كما كان الخيال خزانة الحس المشترك و هذه القوة الحافظة سريعة الطاعة للقوة الناطقة في التذكير و يتأتي للروية بسببها ان تستخرج عن امور معهودة امورا منسية كانت مصاحبة لها فهذه القوة بعينها هل هي المتذكرة المسترجعة لما غاب عن الحفظ او غيرها.

اقول القوي خمس و ان جعلت الحافظة مغايرة للمتذكرة كانت ستا كما قال بعضهم معللا ان الحافظة امساك و المتذكرة استرجاع فهي غيرها و قال في الشفا انهما واحدة الا انهما تسمي حافظة و متذكرة باعتبار الخ، و الذي يقوي في نفسي ان القوي خمس و ان الحافظة غير الذاكرة لان الذاكرة تحصل ما فات من الحافظة و تخزنه و تقيده في الحافظة فاذا اردت بيان هذا فانظر ما في الحافظة من اين اتاها فانك تجده من المتوهمة و المتخيلة و هذه هي المتذكرة الا انك سميتها باسم فعلها فان المتخيلة مثلا اذا استحدثت شيئا تسمي متخيلة لتخيلها ذلك بمعونة الفكر فاذا خزنته في الحافظة و نسيته الحافظة طلبته المتخيلة و استعانت بالمفكرة فاذا وجدته وضعته في الحافظة و سميت متذكرة لتحصيلها الشيء المنسي و هذا المعني هو مراد الشيخ في الشفا فالقوي خمس لا ست لان الدماغ له ثلاثة بطون فمقدم الدماغ في خارجه الحس المشترك و داخله الخيال و هما عندهم للتصور الجزئي و مؤخر الدماغ في آخره الحافظة و قبله الوهم و هما عندهم للتصديق الجزئي و وسط الدماغ للادراك و التصرف و هي المتصرفة و المتخيلة و علي راي الاشراقيين (اهل الاشراق خ) و المتألهين هي

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 318 *»

قوة واحدة تسمي بالاسماء المختلفة باعتبار اختلاف الافعال في الآلات اقول الحق ان القوي الظاهرة ايضا كذلك من حيث الادراك و التمييز و انما سمي بالاسماء المختلفة من مبصرة و سامعة و لامسة و شامة و ذائقة باعتبار افعال فتسمي كل قوة باسم محل من آلاتها التي تعالج بها المحسوسات و بها تسمي القوي الظاهرة كما ان القوة الباطنة تسمي بكل اسم من اسماء آلاتها التي تعالج بها الغائبات و بها تسمي القوة الباطنة فاذا عرفت ذلك فاعلم ان لنا في بعض الاحوال اطلاقات لبعض هذه الامور غير ما يريدون منها الحكماء المشاؤون و الاشراقيون تفصيل ذلك و ضبط علاماته لايسعها الوقت الا انها تعلم من سياق كلامنا فتدبره و السلام خير ختام و كتب العبد المسكين احمد بن زين الدين في ليلة الثالثة عشر من شهر ربيع المولود صلي الله علي محمد و آله حامدا مصليا مستغفرا.