02-04 مکارم الابرار المجلد الثانی ـ رسالة الشمس المنيرة (السراج المنير) ـ مقابله

رسالة الشمس المنيرة

 

من مصنفات

العالم الرباني و الحکيم الصمداني

مولانا المرحوم حاج محمد کريم الکرماني

اعلي‌الله‌مقامه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 321 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي النبي الامين محمد و آله الطيبين الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين

و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابراهيم ان الذي يعبر عنه عند الحكماء بالوجود ثلثة احدها الوجود الحق و يعبر بهذا اللفظ عن ما عرف الله جل قدسه به نفسه لعباده اذ ليس للخلق ذكر فوق مبدئهم و ليس لهم مدرك فوق مراتب وجوداتهم و انما تحد الادوات انفسها و تشير الالات الي نظائرها و لا تعبير لهم عما لايدركون فمن عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة و تلك هي النفس التي من عرفها فقد عرف ربه كما روي من عرف نفسه فقد عرف ربه  و قد روي كل ما عبرته الالسن او عملته الايدي فهو مخلوق ما خلا الله فالوجود الحق هو تلك النفس لا من حيث انها نفس الانسان بل من حيث انها آية الله سبحانه لا من حيث انها آية مضافة معروفة بالائية بل حين كشفت السبحات و قطعت الاشارات و محوت الموهومات و هتكت الاستار و ازلت الاغيار و لم‌تر الا الجبار ثم الوجود المطلق و مرادي بهذا المطلق المطلق عن القيود الاثباتية اعني به انه ليس بشيء و لا لشيء و لا من شيء و لا علي شيء دونه و هو مأخوذ فيه نفي ما سواه فيه بالفعل و اما المطلق عن القيود بمعني صرف الوجود بقول مطلق فهو الوجود الاول و هو الوجود العام الشامل الساري النافذ في جميع ما دخل في عرصة الوجود من ذات او صفة او نسبة او حيث او اعتبار او فرض او اثبات او نفي او مدرك بالذات او بالاضافة او غير مدرك و اما المطلق بمعني غير المقيد بما سواه فهو الوجود بشرط لا كما ان الوجود الاول لابشرط و هذا الوجود ليس بقائم بنفسه لنفسه بل قائم بنفسه لغيره الظاهر له به بالمالكية و جميع ما سواه فيه مذكور

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 322 *»

بالنفي بخلاف الوجود الاولي فانه كان ذكر الغير فيه ممتنعا فهو مطلق عن جميع القيود غير نفسه و يعبر به عن المشية و له وقت يعبر عنه بالسرمد و مكان يعبر عنه بالامكان الراجح و الثلثة في الوجود الخارجي متحدة لا تمايز بينها الا من حيث ما يري في آثارها و هو التجلي الاول للوجود الحق و تعريف له بالواحدية و الوصف من حيث انه وصف ثم الوجود المقيد و هو الذي قائم بغيره لغيره و يشترط في تحققه اشياء اقلها سبعة الغاية و الفاعل و الفعل و تعلقه و المادة و الصورة و تلازمهما و حدود صورتها ستة: الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان و ان كانت تختلف مراتبها في اللطافة و الكثافة بحسب رقة المادة و غلظتها كما هو محقق في محله فهذا الوجود مقيد بهذه الامور و كل امر منها غير الاخر نوعا و ان لم‌يكن غيره من حيث الوجود المطلق فجميعها ينحل في بحر الوجود المطلق و لايبقي فصل و لا مفصول و انما هي متمايزة بفصولها في محالها و هذا الوجود اعلي مراتبه العقل الذي هو اول ما خلق الله كما روي في احاديث مستفيضة و لا نهاية لآخره اذ هو كمال الكامل و لا غاية لكماله و لا نهاية و ليس جميع مراتبه من نوع واحد تختلف بالصور الشخصية كما هو الحق الظاهر من دقايق الاخبار و لمح الاثار و ان كان ظواهرها تؤذن بكونها من نوع واحد الا انه بعد تعميق النظر فيها يعرف الحكيم ان ظواهرها جارية في مقامات القطبية و ظواهر الاعالي في الاداني و بواطنها تجري في حقايق المراتب كما حقق في محله و لما كانت الاداني ظهورات الاعالي و صفات تعريفها و تعرفها و آيات توصيفها صارت معرفتها صفة استدلال علي الاعالي و من احاط بها خبرا عرف العالي من حيث التعريف و لذا قال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال الصادق7 العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية و قال الرضا7 قد علم اولوالالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا.

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 323 *»

 و من اوضح تلك الايات الدالة علي اختلاف مراتب انواع الوجود و نسبة بعضها الي بعض و كيفية ترتبها السراج الذي يتكون من الدهن بمس النار و يري بدؤه و ختمه و له اشعة و انوار و لقد مثل الله سبحانه به لنوره الاول حيث قال مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كانها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية و لاغربية يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و قال يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فرأيت ان اضع و لا قوة الا بالله رسالة منفردة في علم تكون الشعلة و صدور الاشعة عنها و كيفية ترتبها و نسبها و منها يعرف حقيقة مراتب الوجود الثلث و نسبها و كيفية حدوث بعضها من بعض بل منها يعرف اكثر مسائل الحكمة بل من عرفها عرف اسرار الوجود بحذافيرها و هي رسالة جليلة لايعرف قدرها الا الحكيم الرباني و العارف الصمداني و ذلك من فضل الله علينا و علي الناس و لكن اكثر الناس لايشكرون فاعرف قدرها و اغل مهرها فانها حسناء لم‌يكشف الي الان لثامها و محجوبة لم‌يفض ختامها و سميتها بالسراج المنير و ان شئت سمها بالشمس المنيرة اذ مآلهما واحد و فيها مقدمة و فصول:

المقدمة

في ذكر بعض آيات الكتاب و بعض الاخبار المتعلقة بالباب التي منها البدء و اليها الاياب فمن ذلك قوله تعالي يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و وصف السراج بالمنير كما قال في وصف النبي و سراجا منيرا و قال و الشمس و ضحيها و قال جعل الشمس ضياء و القمر نورا و قال جعل القمر فيهن نورا و جعل الشمس سراجا و في حديث عمران قال7 لايقال للسراج هو ساكت لاينطق و لا يقال للسراج ليضيء فيما يريد ان يفعل بنا لان الضوء من السراج ليس بفعل منه و لا كون و انما هو ليس

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 324 *»

 شيء غيره فلما استضاء لنا قلنا قد اضاء لنا حتي استضأنا به فبهذا تستبصر امرك و عن تفسير الامام يا عباد الله ان آدم لما رأي النور ساطعا من صلبه اذ كان تعالي قد نقل اشباحنا من ذروة العرش الي ظهره رأي النور و لم‌يتبين الاشباح قال يا رب ما هذه الانوار قال الله عزوجل انوار اشباح نقلتهم من اشرف بقاع عرشي الي ظهرك و لذلك امرت الملائكة بالسجود لك اذ كنت وعاء لتلك الاشباح فقال آدم يا رب لو بينتها لي فقال الله تعالي عزوجل  انظر يا آدم الي ذروة العرش فنظر آدم7 و وقع انوار اشباحنا من ظهر آدم علي ذروة العرش فانطبع فيه صور انوار اشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الانسان في المرآة الصافية فرأي اشباحنا فقال ما هذه الاشباح يا رب قال الله تعالي يا آدم هذه اشباح افضل خلايقي و برياتي الحديث. و منها ما رواه في المشارق عن ابي‌حمزة الثمالي عن ابي‌جعفر7  في حديث ذكر بدء خلقهم الي ان قال ثم خلق شيعتنا و انما سموا شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا و في رواية يفصل نورنا من نور ربنا كما يفصل نور الشمس من الشمس و روي في امر الخنثي انه تقابل عورته بمرآة و ينظر العدول فيها فيرون الشبح و لم‌يحضرني اصل الخبر لانقله بلفظه و في ما ذكرنا كفاية و بلاغ.

فصل

في بعض المجملات البديهية يجب التنبيه عليها لان تلتفت اليها فمنها ان الشعاع و النور علي الجدار شيء يوجد عليه بواسطة السراج و يعدم بعدمه بلا مهلة و ان حال شيء بينهما عدم النور و اظلم الجدار و ان رفع الحائل عاد النور و ان تحرك السراج تحرك النور و ان سكن سكن النور و ذلك بديهي و يظهر من ذلك ان بينهما ارتباطا و نسبة ‌لامحالة‌ و منكر ذلك مكابر للعقل المكتسب من البديهيات و انكاره سفسطة ان انكر، و منها ان النور علي هيئة السراج و لونه و طبعه فانا نري في المرآة التي لا لون لها و لا شكل ان نور السراج علي هيئته و شكله و هو حار و نور الشمس فيها

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 325 *»

علي هيئتها و لونها و طبعها و نور القمر علي هيئته و شكله و طبعه و هكذا نور كل نير و ذلك ايضا بديهي لا يمكن انكاره مع ارادة تفهم الحق، و منها ان النور يتغير علي حسب المرآة لونا و شكلا و طبعا كما تري من ان المرآة اذا كانت ذات تقعر طولا و اخذ طولها علي طول السراج يطول الشبح فيها كثيرا و اذا اخذت علي العرض يعرض الشبح كثيرا و كذا يتغير لون الشبح بحسب لونها بالبداهة و يتغير طبعها ايضا فان القمر كالمرآة عند الشمس و يشهد بذلك اختلاف حالات القمر في طول الشهر و نوره من نور الشمس كما اخبر الله تعالي عنه و قال جعل الشمس ضياء و القمر نورا و جعل القمر فيهن نورا و جعل الشمس سراجا و قال قدره منازل اي لنور الشمس يستنير كل يوم جهة منه من الشمس و مع ذلك نور القمر بارد ابيض و نور الشمس حار اصفر و منها ان الكثيف سبب ظهور النور لا صدوره فان النور تابع للمنير و مرتبط به علانية و ليس وجوده صادرا من الكثيف بالبداهة فانك اذا اذهبت السراج و الجدار قائم ذهب النور معه ثم لا نور فيحكم العقل ان النور من السراج لا من الجدار و ظهر علي الجدار و به لا بالسراج فانك اذا ذهبت بالكثيف لم‌تر نورا و ان كان عجالة وجه كون النور موجودا من السراج و ظاهرا بالجدار خفيا فانا نعلم ان المنير اولي بالنور من الجدار و ان الجدار اولي بالظل من المنير و هذا ايضا مما يحكم به العقل مجملا بالبداهة و منها ان النور كلما قرب من المنير كان انور و اقوي و كلما بعد عنه كان اظلم و اضعف و ان صار اقرب الي الجدار فهو من متعلقات المنير و مضافاته لا مضافات الجدار و منها ان ما في المرايا العديدة من سراج واحد مركب من ما به الاشتراك و هو النور الوحداني الذي هو علي حسب السراج الواحد و مما به الامتياز الحاصل من المرايا علي حسب اختلاف لونها و شكلها فليكن ما به الاشتراك هو مادتها كالخشب الوحداني الذي اتخذ منه آلات عديدة علي صور عديدة و ما به الامتياز هو صورتها كصور تلك الالات فما يري في المرآة موجود له مادة و هي من

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 326 *»

الشاخص و تابعة له و صورة و هي ما من المرآة فيه و ذلك ايضا بديهي فمادة ‌ذلك الموجود مرتبطة بالسراج موجودة بوجوده معدومة بعدمه بادئة منه عائدة اليه و صورة ذلك الموجود مرتبطة بالمرآة موجودة بوجودها معدومة‌ بعدمها بادئة منها عائدة اليها و منها ان النور من المنير وجودا و بالجدار ظهورا و الظل من الجدار وجودا و بالمنير ظهورا فانا علمنا ان المنير هو اولي بالنور اذ النور يوجد بوجوده و يعدم بعدمه و الجدار اولي بالظل و يوجد الظل بوجوده و يعدم بعدمه و منها ان ما في المرآة غير السراج الخارجي يعني ان ما في المرآة ليس من زيت مكلس مدخن مشتعل و ان كان منه و اليه لكنه موجود غير ذلك الوجود و السراج محدود موجود بوجود خاص خارجا و الذي في المرآة او علي الجدار موجود بوجود خاص خارجا فليس مادة النور من مادة السراج و لا صورته من صورته و يأتي ان‌شاءالله في الفصل الاتي ما يعرفك مادة السراج و صورته و لكن ذلك معلوم بالجملة بداهة لان السراج بنفسه محدود واقع في جهة و مكان خاص به و النور محدود واقع في جهة اخري و مكان خاص به و منها ان السراج مستضيء بغلبة النار عليه و احمائها الدخان و اما الجدران فهي مستضيئة لا بغلبة النار و الاحماء و ذلك ايضا بديهي فنوع استضائتهما اثنان ليستا من باب واحد و منها ان النور ليس بمتصل بالسراج بحيث يكون اعلاه مستضيئا بالاحماء و ادناه مستضيئا بالتبع بل عرصة السراج تنقطع بانقطاع الدخان ثم ماورائه و هو عرصة الهواء عرصة النور و ان كان كل ما يقرب من الشعلة يكون احر لانا نري انه كلما يبعد يصير اقل حرا و النور باق علي حاله بل اذا ادنيت غير صقيل من السراج و ابعدت عنه صقيلا يكون الصقيل اضوء فليس ضوء عرصة الانوار من الاحماء و منها انه ليس يمكن ان يكون النور بطفرة من السراج بان لايكون نور في القرب موجودا و يكون موجودا في البعد فان النور شيء يأتي من عند السراج و ان كنا نري الهواء اقل ضوء من الجدار البعيد فانما ذلك للطافة الهواء فلايتبين فيه

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 327 *»

النور ألاتري انك اذا ادنيت الكثيف الي السراج و باعدته شيئا بعد شيء تجد عليه النور في كل درجة و اذا كان طباع المنير الانارة و محال الانوار انما هي لمحض الاظهار فلا معني لعدم وجود النور في القرب و وجوده في البعد و القرب و البعد معنيان في امكنة‌ الانوار المظهرة لها و ليس في معني النور من حيث هو هو قرب و لا بعد فهو موجود بصدوره عن السراج و وجوده به في كل الامكنة و الامكنة محال الظهور لا بواعث الوجود فافهم، منها انا نجد ان قوة ظهور النور و ضعفه يتفاوت كثيرا بواسطة القابل يعني كلما كان القابل اشد صقالة يكون انور و ان كان ابعد مكانا و كلما كان اقل صقالة يكون اقل نورا و ان كان اقرب فالقريب من السراج الذي يكون انور هو القابل الاصفي الاشد استعدادا و البعيد الذي يكون اظلم هو القابل الاكثف الاضعف استعدادا فلاتغفل و الذي يري من ضعف النور بسبب البعد المكاني فانما هو لتراكم الاهبية التي في الهواء المظلمة لما وراءها فيمازج تلك الظلمة‌ الانوار فتضعف و الا فالشبح من حيث نفسه لا قرب له و لا بعد و لا ضعف و لا شدة، منها ان الشبح و النور امر مثالي يعني يكون من عالم المثال و لايري بالعين الجسماني لولا المحل الجسماني المكثف له و لذلك ان كان المحل لطيفا لايري بالعين لايري عليه نور و لذلك لايري نور بين في الهواء و يري علي الجدار و ما يري من النور الضعيف في الهواء فانما هو لوجود الاهبية فلاتزعم ان النور الصادر من السراج يكون بضعفه بل النور الصادر قوي في غاية القوة حتي انه كالسراج منظرا و انما يكدره المحال التي يقع عليها و لو كان المحل في غاية الصقالة لكان النور في غاية القوة و ان شئت الاعتبار فادن مرآة من السراج و انظر الشبح فيها و ما تري من انك اذا ابعدت المرآة ضعف ما فيها فانما هو لحيلولة الاهبية و تراكمها و اظلالها فالنور من حيث نفسه لايري بالعين بل و كذلك النور الذي علي نفس السراج هو من عالم المثال و لايري و انما يري و يحجب ماوراءه لكثافة الدخان و لذلك اذا كان المحمي الطف كان ضوءه اخفي حتي انه لو احمي الهواء لم‌ير عليه ضوء و من هذا الباب تكون الاشباح خفية في الهواء و ان كانت موجودة الا اذا وقع

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 328 *»

واحد منها علي كثيف موافق معه في الصفة و لو كان مخالفا لاري الشبح الموافق له الذي في الهواء و الشبح الموافق ابدا شبح الشيء نفسه منها ان النور و السراج يريان بعين واحدة يعني هذه العين الجسمانية تري السراج بانطباعه فيها و تري النور ايضا بانطباعه فيها منها ان المحل الذي عليه شبح النار اي ضوء السراج مجانس للمحل الذي فيه النور اي كلاهما من المركبات العنصرية الجسمانية بلاشك منها ان جميع مراتب الانوار اي شبح السراج و شبح شبحه و شبح شبح شبحه و هكذا الي ما لا نهاية له كلها محالها متجانسة بل ربما تكون متحدة فانك اذا وضعت سراجا بين مرآتين تري في كل مرآة من الاشباح المترتبة الي ما لا نهاية له مع ان المرآة واحدة و كل ذلك ايضا بديهي منها ان محل النور لو كان دخانا صالحا و اديم السراج فيه حتي احماه لاشتعل كالسراج بعينه حتي لو كان مكان الهواء كله دخانا لاشتعل كله شعلة واحدة و انما ذلك بمس النار التي في السراج لا بمس نوره فان النور ليس بمحم لغيره و ان هو صبغ (الاصبغ ظ) براق و المحمي هو الحرارة المحمية التي فيه فيكمله بحرارته و كذا الهواء المقارب للشعلة ربما يحتمي و لكن لايشتعل كالدخان للطافته و حرارة الهواء تضعف كلما يبعد لممازجة البرودة التي في ساير الهواء و مسها له منها ان الاشياء التي تدرك بمشعر واحد متصاقعة بحكم انما تحد الادوات انفسها و تشير الالات الي نظائرها منها ان القوي المجانس اذا لاقي ضعيفا مجانسا كمله بفضل قوته و جعله مماثلا لنفسه و بلغه رتبته في القوة كل ذلك امور بديهية تعرف بلاتأمل او مع تأمل قليل فخذها كالاصول الموضوعة لما سيأتيك او كالمصادرات حتي يأتيك البيان و تعرف حقيقة الحال بعون الله المتعال.

فصل

اعلم ان الله سبحانه خلق كل شيء هو هو في حقيقته فلايكون هو

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 329 *»

غير هو فالحرارة مثلا حرارة ليست ببرودة و لو كانت برودة لكانت برودة لا حرارة فالحرارة حرارة بجعل الله اياها حرارة فانه لو لم‌يجعلها الله لم تكن اصلا و كانت معدومة منحلة في بحر الامكان بل لو لم‌يخلق الله امكانها في الامكان لكانت ممتنعة فالحرارة حرارة بعد ان جعلها اياها و تعلق بها المشية فان قلت ان الحرارة حرارة بالضرورة و ليست بمحتاجة الي الجعل لانها ضرورية قلت انك تنطق بما لاتعقل او بما تعقل فان كنت تنطق بما تعقل فهل معقولك هو الذات الاحدية او غيرها و لا ثالث فان كان غيرها فهل هو قديم و تعدد القدماء او حادث فهو حادث بجعل الله او بغير جعل الله ٭فاختر لنفسك ما يحلو٭ بالجملة الحرارة حرارة الان و هي بجعل الله قال الله سبحانه جعل الظلمات و النور و كذا البرودة برودة و كل شيء هو هو فهذا المقام مقام ذاتية الشيء و دهريته بل سرمديته النسبية و وجوده الاخروي عليه يحشر و يثاب و يعاقب و كل شيء غير ما هو به هو و غير مشروط في كونه هو هو مما يضاف اليه عرض و هو غير ذاته و لايصاقعه في ذاته بل هو دونه و هو مما يجب كشفه و هتكه عند ارادة الحقيقة و نسمي الشيء من حيث هو هو بالجوهر فالنار الجوهرية التي لاتكون الا نارا و هي الحرارة و اليبوسة الجوهريتان هي حقيقة دهرية ثابتة بعد ما خلقها الله في الدهر و هي غير مدركة بالحواس الدنياوية مكتوبة في الورقة الوسطي من اللوح المحفوظ و كذلك جوهرية كل شيء و لايقدر علي احالتها عن جوهريتها الي الجوهر الاخر الا الله سبحانه فيكسرها و يعيدها الي الامكان العام ثم يصوغ من الامكان شيئا آخر فيكون شيئا ابتدائيا فانه كساير الاشياء الابتدائية من الامكان فافهم. و تلك الحرارة و اليبوسة اي النار الجوهرية ليست محدودة‌ بحدود عالم الزمان بل هي مستوية علي عرشه و كذلك كل امر دهري حقيقي جوهري نسبته الي جميع اجزاء عالم الزمان علي السواء لان هذه الحدود العرضية ليست مأخوذة في كون شيء هو هو و انما هي امور خارجة عن الحقيقة أ‌لاتري انه ليس مأخوذا في نارية‌ النار ان تكون في المشرق او في المغرب او في الشمال او في الجنوب او عالية او دانية او مع شيء او علي شيء او في شيء او كذا او كذا فكلها غير ما به النار نار و هكذا

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 330 *»

كل شيء في جوهريته فجوهر كل شيء مبعد عنه الاقطار مبروء عن الحدود كما علمت فاذا كان نسبتها الي جميع اجزاء العالم العرضي علي السواء بقرب واحد و بعد واحد تظهر اين ما وجد قابل مواجه علي ما يأتي في السماء و الارض من دون تفاوت فلو صار جميع الاجسام مثلا قابلا للنار لصار كلها كرة واحدة نارا و كذا لو صار كلها قابلة‌ للماء تجلي في جميعها الماء و صارت كرة واحدة ماء و هكذا لو لم‌يكن قابل للنار الا مقدار ذرة تجلت فيها حسب فليس كبر القابل و صغره مناط كبر الحقيقة و صغرها بل ليس للحقيقة كبر و لا صغر الا في القابل فلو كان جميع الدنيا قابلا لروح زيد و علي طبعه و هيئته لصار جسد زيد بقدر هذه الدنيا و هو زيد هذا و كذا لو صغر جسده بقدر نملة لتجلي فيه روحه و هو هو كما تجلي جبرئيل الدهري الذي يعبر عنه بانه يملأ السماوات و الارض في صورة دحية او اعرابي و كذلك تقرؤ في الدعاء في وصف آل محمد: بهم ملأت سمائك و ارضك و هم يظهرون في هذا الجسد الصغير و لو شئت ان تري آيته في هذه الدنيا امكنك فانك اذا صنعت مرآة تتوجه بكلها الي نقطة واحدة ‌و هي لا‌تكون الا اذا كانت كرية و تكون بكبر الدنيا و وضعت في مركزها سراجا لاستضاء كلها و رأي فيها سراج كبير بكبر الدنيا و ان‌كانت اصغر فاصغر و ان كانت متوجهة اليه ببعضها كالمسطحة لظهر فيها سراج بقدره و ان‌كانت كرية حدبها الي السراج يصغر شبح فيها بقدر ما يواجه اليه منها و كلما كانت كرتها اصغر كان الشبح فيها اصغر و الشعلة في نفسها محدودة بحد معين فكذلك الجواهر الدهرية ليس فيها من حيث نفسها كبر و صغر كالاجسام الدنياوية و انما توصف بهما علي حسب قابلية القابل في كبره و صغره فليست الجواهر الدهرية في دهرها محدودة مقدرة باقدار الزمانيات بوجه من الوجوه لا من حيث الذات و لا من حيث الصفات و كلاهما فوق محدد الجهات و الزمانيات.

فصل

اعلم ان كل موجود من الموجودات الزمانية او غيرها مركب من خلقين خلق نوعي و خلق شخصي و كل واحد منهما مركب من مادة و صورة

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 331 *»

فالمادة فيهما مقام الانحلال، و الصورة منهما مقام الانعقاد و من ذلك كان يقال ان كل موجود يوجد في حلين و عقدين فالمحلول مطلقا مقام القوة و الصلوح و الامكان و تشاكل الاجزاء و الوحدة و الابهام و لاجل ذلك يعبر عنه بالبحر لانه مثله في الصفة و المعقود مطلقا مقام الفعلية و الكون و التعين فالصورة الشخصية مقام الوجود المقيد و الكون المعين المحدود الجايز الوجود و اما المادة الشخصية فهي مقام الامكان الجايز و صلوح الصور الشخصية و اما الصورة النوعية فهي مقام الوجود الراجح و التعين الاول و الوجود المطلق عن القيود الشخصية و اما المادة النوعية فهي مقام الامكان الراجح و صلوح الوجود المطلق فالشيء خلقه النوعي مقام الرجحان و الفعلية و الامرية لله سبحانه في خلقه و خلقه الشخصي مقام الجواز و المفعولية و المأمورية له سبحانه فخلقه الاول مخلوق بنفسه و خلقه الثاني مخلوق بالخلق الاول فالخلق الاول له حيثان حيث فعلية‌ لله سبحانه و حيث مفعولية فهو من حيث الفعلية يسمي بالمشية الامكانية لان الخلق الاول امكان نوعي للخلق الثاني و فيه صلوح ظهوره عنه و من حيث المفعول يسمي بالوجود الراجح المخلوق بنفسه و للخلق الثاني ايضا حيثان حيث فعلية لله سبحانه و يسمي بالمشية الكونية و حيث مفعولية و يسمي بالوجود الجايز و المشية الكونية هي رأس من رؤس المشية الامكانية و ظهور لها و نسبته اليها كالمصدر بالنسبة الي الفعل يقع تأكيده و يعمل عمله و هو آيته و ظهوره فالمصدر في الحقيقة امر مفعولي اشير اليه بقوله سبحانه و كان امر الله مفعولا و المشية الامكانية هي الامر الفعلي المشار اليه بقوله له الخلق و الامر و العمل حقيقة للفعل و هو حيوة المصدر و لا عمل له الا اذا رأي الفعل فيه و القي مثاله في هويته حتي يظهر منه آثاره فامره سبحانه واحدة و هو المشية يسمي بالامكاني اذا تعلق بالامكان بنفسه و بالكوني اذا تعلق بالكون بظله.

فصل

اذا عرفت ما قدمناه فاعلم ان النار تتعالي عن جميع صفاتها و ظهوراتها و فعلياتها التي هي الانارة و الاحراق و التفريق و التكليس و التلطيف

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 332 *»

و التصعيد و الترويق و التحليل و التذويب و امثال ذلك و كل ذلك فعلياتها و ظهوراتها التي قد طوتها النار باحديتها النسبية تعطيها اين ما بلغت اسمها وحدها مطلقة ‌عن قيودها متساوية النسبة معها و من تلك الفعليات الانارة التي هي محل الكلام في هذه الرسالة و هي اي النار من حيث النور تعطي جميع الانوار التي تحتها اسمها و حدها ألاتري ان الشعلة نور لانه الظاهر بنفسه في التعريف الظاهر و نورها اي نور الشعلة نور و نور نورها نور و هكذا الي ما لا نهاية له يصدق علي جميعها انها نور و انما ذلك لانها انطوت تحت نورية النار و كذلك حرارة الشعلة و يبوستها و حرارة النور و يبوسته و هكذا حرارة نور النور و يبوسته الي ما لا نهاية له تجتمع كلها تحت اطلاق الحرارة و اليبوسة فلذلك نقول ان النار الجوهرية التي هي الحرارة و اليبوسة الدهرية لها فعل و هي الحرارة و اليبوسة العرضية و تلك هي المثال الذي وقع منها في جسم النار العنصري الذي هو قابله و متوجه اليه و محله و وكره فتجلت النار لهذا الجسم فاشرق و طالعته فتلألأ فألقت في هويته مثالها فاظهرت عنه افعالها و ذلك المثال هو حقيقة تلك الكرة كما ستعرف من الشعلة فذلك المشتعل المتكمل باشراق النار له به هو مثال النار الملقي في حدود مكانه و وقته و كمه و كيفه و جهته و رتبته و وضعه و اجله و كتابه فذلك الجسم من حيث الاعلي مثال النار الجوهرية و انما صار مثال النار الجوهرية دون الماء الجوهري لحدوده التي كانت مشاكلة لصورة النار الجوهرية و لو كانت مشاكلة لصورة الماء لكان جسمه من حيث الاعلي مثال الماء الجوهري و ذلك ان النار العرضية ‌مركبة من مادة و صورة مادتها التي هي المثال فعلية مادة النار و صورتها فعلية صورة‌ النار و تكون المادة فعلية مادة النار بشرط ان‌تكون الصورة فعلية صورة النار و الا فتكون فعلية مادة غيرها و يظهر لك سر ذلك في ما بعد ان‌شاءالله فالنار الجوهرية لها فعل و هو النار العرضية و هي هذه الكرة العنصرية و سميناها بالعرضية لان نارية هذه الكرة صفة عارضة لها يمكن زوالها عنه كما يمكن زوال الشبح عن المرآة فالمراة حمراء و صفراء بالعرض بخلاف الشاخص فانه احمر بالنسبة اليها بالذات و ذلك ان هذه الكرة لها مادة صالحة للتصور بكل

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 333 *»

صورة فاذا تصورت بصورة توجهت بها الي باب وجود من الوجودات الدهرية و سالت بلسان حدودها و استعدادها وجودا من ذلك الباب من رب الارباب فافيض عليه الوجود و تقدر ذلك الوجود في تقاديره علي هيئة سؤاله و ذلك الباب الذي توجه اليه هو باب امكاني قد بناه الله في نفس تلك المادة بالقوة و هي خزانة الله التي لاتنفد و هي التي بين الكاف و النون اللتين هي محلهما فاذا تصورت بصورة و الصورة عرض قائم بمالها من تلك المادة سالت بلسان استعدادها ان يفرز الله سبحانه لها من تلك المادة حصة و يجعل تلك الحصة لها فيها بالفعل لتختص بها دون غيرها ففرز تلك الحصة و تخصيصها اجابة لها مع تصورها بصورة خاصة مساوقة لان ما يفاض عليها هو الاجابة من الله سبحانه لسؤالها و الاجابة لاتؤخر عن السؤال فانه ينافي كرم الكريم المتعال فمحال في الحكمة ان يحرم السائل الواقف علي باب خزانة لا نفاد لها قد فتحه الكريم الذي لا بخل له ابدا فان البخل نهاية و هو لا نهاية له فالمادة الغير المتعينة هي خزانة الامكان الواقعة بين كاف وجوده و نون صورته من حيث كونهما تجلي الرب لهما بهما و نوره و رحمته كما مر فالمادة هي خزانة الرحمة و ليست مخصوصة باحد ممنوعة عن احد صالحة لكل احد موجود فيها كل مسئول بالقوة فاذا حدثت صورة و وقفت علي بابها و رفعت انائها ملأه الله سبحانه من بحر تلك الخزانة فتقدر و تحصص و تخصص من تلك الخزانة و ذلك البحر علي حسبه و لولا ذلك الفيض لم‌يكن لتلك الصورة تحقق و اثر ألاتري انك لو جعلت المرآة علي هيئة و لم‌يكن هناك شبح يتهيأ بهيئتها لما كان فيها موجود يري و يلقي شبحا في مكان آخر فاذا وجد الشاخص و القي فيها الشبح حصل الموجود المركب من وجود و هو الشبح و ماهية و هي صورة المرآة و صار منشأ اثر و القي الشبح علي حسب هيئته في مكان آخر فالصورة و ان كانت سبب تقدير المقدر عطاءه لها و لكن في الحقيقة يكون العطاء سبب تحقق الصورة فان الصورة اي السؤال هي انية العطاء و قابليته المخلوقة من نفس العطاء و هي قائمة به قيام تحقق فكل نعمه  ابتداء و كل احسانه تفضل ‌فكما ان العطاء من المعطي السؤال ايضا منه و بتعليمه و تأييده و توفيقه و

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 334 *»

اذنه و الا لم‌يهتد احد الي سؤاله و تلك الاسؤلة حدود كمالاته و تقادير ظهوراته جل شأنه اذ ليس الا الله و صفاته و اسماؤه الا ان تلك الاسؤلة من حيث نسبة بعضها الي بعض حاجات حادثة‌ و دعوات مستحدثة يظهر الاجابة عليها بها بعدها صعودا و جميعها مع الاجابات يعني اذا قستها بها تكون ثابتة في اماكنها و اوقاتها مقرونة باجاباتها، اجاباتها اثر مادة‌ المشية و سؤالاتها اثر صورة المشية القائمة بتلك المادة القائمة بتلك الصورة قيام ظهور يعني هما محلها و وكرها و متعلقها و اذا قستها الي الله سبحانه تجدها اسماء و صفات له و شؤنا لكماله فموادها التجلي المطلق و الكينونة‌ الازلية الاولية و صورها حدود الاسماء الخاصة و الفعليات المتعينة بالجملة هذه النار الظاهرة‌ لها مادة نوعية ‌و هي قبل التعين بها الجسم الشايع بينها و بين ساير الاجسام و هو دهري فلما حصلت الصورة الخاصة النارية العنصرية التي هي مطابقة مع النار الجوهرية الكامنة في تلك المادة متقدرة علي حسب محبتها و ميلها تحصص فيها من ذلك الجسم حصة‌ هي المادة الشخصية و المسؤل المقدر و هي ظهور ذلك الجسم و حصل النار فالنار حقيقة هي تلك الصورة المتحققة بتلك المادة لا المادة الظاهرة بتلك الصورة كما قال تعالي شأنه: يكاد زيتها يضيء و هذا حال كل مسمي فالنار الجوهرية هي تلك الصورة المتحققة اذا لاحظتها بالنسبة الي الاعلي و النار العرضية هي ايضا تلك الصورة اذا  نسبتها الي مصاقعاتها و هي عرضية‌ لامكان ازالة تلك الصورة عن الجسم و لبس صورة اخري فيمحي تلك الصورة عن لوح ذلك الجسم الزماني و تثبت في الورقة الوسطي من اللوح المحفوظ في الدهر و يثبت هنا علي الجسم في الزمان صورة ‌اخري فيخصص تلك الحصة بها و تصير ماء مثلا فلاجل ذلك قلنا ان نارية هذا الجسم الخاص صورة عارضة له يمكن ان تزول و اما النار الجوهرية و هي الصورة‌ الفعلية النارية المكتوبة‌ في الورقة الوسطي من اللوح اي الدهر فتلك لاتكون غير تلك فهي مادام ملك الله نار و هي قبل سؤال هذه الكرة لم‌تكن و انما اوجدها الله بعده بسؤالها و كانت قبل في خزائن الله سبحانه غير متعينة فلولم‌يكن في الدنيا جسم علي هيئة‌النار لم‌تكن نار جوهرية ايضا في الدهر فلما كان كانت بعده و

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 335 *»

لكنها قبله بمائة الف سنة فالنار الجوهرية خلقت قبل هذه النار العرضية بمائة الف سنة مع انها لم‌تكن قبله فهي نفس تلك الفعلية من حيث نسبتها الي المادة ‌و ملاحظتها في حدها ابدا دهريا نعم لو نسبتها الي فعلية اخري كانت عرضية‌ فافهم هذه الكلمات العجيبة الغريبة الجارية من الغيب الي الشهادة مع قلة ‌بضاعتي و كثرة اضاعتي و تبلبل بالي و اختلال حالي فالنار الجوهرية هي المتعالية عن الاعراض و الاعراض صفتها و ظهورها في عالم الزمان فان لحاظ الشيء من حيث هو هو متقدم علي لحاظه مع ما يلحق به فنظرك الي الشيء الموضوع بين يديك من حيث هو هو متقدم علي نظرك اليه من حيث كونه علي هذا و في هذا و قبل هذا و بعد هذا و هكذا و دهريته حيث هو هو و زمانيته ساير الحيوث و ساير الحيوث هي التي تتبدل و تتغير و تجيء و تزول و الشيء هو هو في كل حال فالنار الجوهرية‌ هي الثابتة في كل حال و هي غير العرضية كلا و جمعا و هي هي ظهورا و عيانا فالجوهرية تتعالي عن هذه الاعراض بالبداهة و غنية عنها لانها قائمة ‌بموجدها و العرضية هي صفة من صفات الجوهرية و كمال من كمالاتها و نور من انوارها و فعل من فعلياتها و تجل من تجلياتها قائمة بها قيام صدور فانا لانعني بالصدور الا ما كان هكذا و الا فلايخرج شيء جوهري و لا عرضي من نفس الجوهر فيكون عرضا بل اذا كان شيء بالنسبة الي شيء هكذا قلنا انه اثره و شعاعه و نوره صادر عنه اذ المراد بالصدور عنه الصدور عن امره الذي هو هو فالداني صادر عن امر العالي الذي هو هو فهو مخلوق بنفسه لديه و التعبير بالصدور عنه لان الاثر ليس بشيء اصلا الا اذا لوحظ المؤثر وراءه كالخط في المنظرة فانه فقير محض ليس له شيئية الا بالمؤثر فان نظر الناظر الي المؤثر رآه فما رآه هو الاثر و ان قطع النظر عن المؤثر لم‌ير شيئا افهم ما اقوله لك و ان اردت الشاهد انظر الي الشعلة و لا شك ان الشعلة لاتدخل عينك و انما الذي يأتيك مثالها و نورها و ينطبع في عينك و تراه كما هو الحق و ذكرناه في رسالتنا في علم المناظر و المرايا فالذي في عينك من الشعلة نور الشعلة فحينئذ ما رأيت الشعلة و نظرت اليها رأيت نورها الذي في عينك لا غير و ان قطعت النظر عن الشعلة لم‌تر

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 336 *»

شيئا و لا نور في عينك و لاتزعم انك تري النور علي الجدار و لاتري الشمس فانك لو علمت علم المناظر و المرايا لعلمت انك لاتري الا الشمس و لاتواجه الا الي الشمس بصرافتها او منصبغة و لكن هنا ليس مقام التفصيل فلما كان النور موجودا بالمنير شيئا بالمنير قائما بالمنير آتيا من عنده و هو عنده لانك تراه في النور لا غير و النور نوران رأي المنير و الا فهو عدم محض قلنا ان النور صادر من المنير و الصفة من الموصوف و الفعل من الفاعل و كلها من باب واحد فالنار العرضية هي صفة‌ النار الجوهرية و فعلها و مثالها و نورها و لايري منها و فيها الا هي كما علمت و الغرض في هذا الفصل اثبات الجوهر و العرض و المنير و النور و المؤثر و الاثر و قد تم باوضح بيان لمن له عينان و لايجوز اوضح من ذلك لان للحيطان آذانا و ان كان الامر في بياننا واضحا لمن كان من اهله.

فصل: اعلم انه لما كان مقصود الحكيم الاستضاءة بالنار في عالم الاجسام و لابد فيه من ضوء يري و النار الجوهرية لاتري و لايري العين المركبة من الطبايع الا مركبا فدبر في حكمته تدبيرا يظهر به النار للانظار فاختار لذلك الدهن المركب من جزئين من الحرارة و جزئين من الرطوبة و جزء من اليبوسة و جزء من البرودة اما زيادة‌ الحرارة ليتعلق بها النار و تشيط فيها و اما زيادة الرطوبة لتكون صقيلا متداخل الاجزاء متحدها و سريع الانفعال و باقيا مرتبطا بعد عمل النار فيه ليمكن الانتفاع به و اما الجزءان الاخران فلحصول الرؤية و ذلك لايكون الا الدهن سواء كان مستخرجا خارجا قبل كالزيت او يكون في الشيء الدهني و يخرج حين العمل كالحطب مثلا فاختار الحكيم لاجل ذلك الدهن للاشعال و الاستضاءة فسلط عليه النار بتقريب النار العرضية التي هي كرسي استقرارها و عرش استواءها اليه و النار العرضية جسم كالدهن مركب حقيقة فادنيها منه فمازجت الدهن لتماثلهما في الجسمية و سيلان النار و حدتها و نفوذها فتخللت اجزاء الدهن فرققته و فرقت اجزاءه الهباءية و لطفتها و خففتها و صعدت بها بخارا فيه ثلثة من الحرارة و جزء من البرودة و جزء من اليبوسة و اربعة من الرطوبة ثم

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 337 *»

ادامت العمل عليها حتي جففت رطوباتها بتبديدها هوائها فجعلته دخانا صاعدا فيه اربعة اجزاء حرارة و جزؤ رطوبة و جزؤ يبوسة و جزؤ برودة فاحمي النار التراب المرتبط الاجزاء بما فيه من الماء الرقيق بما فيه من الهواء فصيرته ملتهبا محميا و سبب احمراره ان التراب الممزوج بالماء في نفسه اسود كدر متكاثف الاجزاء مظلم و النار في نفسها لا لون لها لكثرة لطافتها و انتشار اجزائها و رقتها و تشاكلها و تمازجها و اتحادها اي ارتباطها حتي انها اصقل شيء في الطبيعيات و اصفي شيء و لكن اذا عبر عن لونها عبر بالحمرة الرقيقة المشرقة البراقة اللماعة و انما يعبر عن لونها بالحمرة مع انها لاتري فان اليبوسة التي فيها تقتضي التكاثف في حد ذاتها و التراكم اذ كانت الاجزاء متشاكلة و في التكاثف و التراكم غلظة لللون البتة و كدرة و الحرارة تقتضي الانتشار و الانبساط فاذا ضمت هاتان الصفتان اقتضتا الحمرة فانها لون يفرق البصر مع كثافة له و لما كانت اي النار ارق الطبيعيات و اصفيها و احكاها لماورائها من المبدء الاحدي كانت مشرقة لامعة فكانت النار حمراء مشرقة في نفسها و ان كانت لاتري لللطافة فاذا تخللت اجزاء التراب الهوائية و عملت فيها و مازج التراب النار للمشاكلة الجسمانية و عمل فيها و وقعت بينهما الاحالة و الاستحالة و التفاعل حدث بينهما امر ثالث لونه مركب منهما فحدث شيء لونه حمرة كثيفة مرئية‌ مشرقة قليلا و هذا هو الاحتماء و كذلك يحتمي الحديدة و الجمرة و الدخان و غيرها فاذا كان الغالب علي المركب النار صار اشد اشراقا و لمعانا و اصفي لونا و حمرة و اذا كان الغالب التراب صار اقل لمعانا و اكدر لونا و حمرة و لما كان الدخان الغالب عليه النار و الهواء و كان فيه جزء من التراب و جزء من الماء صار اشد الجمرات و المحميات اشراقا و لمعانا و صفاء و اصفيها لونا و اكثرها بريقا و تلألؤا و جميع ذلك لرقة الدخان و تشاكل اجزائه و ارتباطها مادام فيها الرطوبة و صقالته و كلما لطف صار اضوء و المع الا ان للضياء حدا فاذا جاوزه خفي عن البصر و يحسب الانسان اذا لم‌يره ظلمة و لايسميه نورا و ضياء فالمشروط في الضوء ان يكون فيه كثافة تثبت النار في كتاب المعاينة و تظهرها للعين و حدد ذلك باربعة نار و واحد تراب

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 338 *»

اذ لو صار التراب اقل من ذلك لخفي و اضمحل و تفرق و استتر عن النظر و ذلك سر في جميع المقامات فالذي ترابه اقل من ذلك ليس بضوء و نور زماني يدرك بالابصار و عدم النور في عالم الزمان ظلمة فلا نور للنار نفسها و لا ضياء فوق مقام الشعلة فهي اي الشعلة هي مبدؤ النور و الانارة و اول مقام المنير افهم ذلك و حيث لا نور لا منير بالجملة كلما لطف الدخان في حدود العيان صار اشد بريقا و اصفي لونا و كلما كثف صار اكثف كما جربت من حال الشعلات و حاصل الفصل ان الشعلة هي دخان محمي كالحديدة المحماة و كالجمرة و التفاوت في الصفاء و الكدورة و احسن شيء دبر لذلك الدهن لما ذكرنا و ما كان اغلظ من الدهن كان اكدر و اقل بريقا اذ احتمي و ما كان ارق يستحيل هواء و لايري اذا احتمي و ما كان ابرد يقاتل برودته النار و تمنعها من الاحماء و ما كان اكثر حرارة يصير اكثر تبددا و خفاء فحد الاعتدال في هذا الباب الدهن و له ميدان من مبدئه الي منتهاه جميع مراتبه صالح في الجملة علي الاختلاف و لذلك اختار الله سبحانه في التمثيل الزيت و هو احسن الادهان و اشرفها حار في الثانية و فيه قليل يبوسة كما ينبغي و اجزاؤه متشاكلة و حرارته شبيهة بالحرارة الفلكية و لذلك تكون حافظة لقوته حتي قيل انه يبقي قوته اربعة آلاف سنة و انما ذلك كله لتشاكل اجزائه و شباهة حرارته للحرارة الفلكية و لذلك لايقرب آكله الشيطان اربعين يوما لانه مطرود من السماء و اختار الله سبحانه القسم به و قال و التين و الزيتون و كني بالتين عن رسول الله9 و بالزيتون عن علي7 اما التين فانه اشبه نبات بنبات الجنة كما روي و لايحتاج معه الي دواء كما روي و يقوي الحرارة الغريزية و يزيد في العقل و اما الزيت فلما ذكرنا من كماله.

فصل

اذا دنت النار العنصرية الدهن خالطته بالمشاكلة لانهما مركبان عنصريان فمازجته لاتحاد المادة فيهما فاتحدت المادة بالمادة و كان فعلية حصة

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 339 *»

الدهن الرطوبة و اللزوجة و الغلظة و الهبوط لغلبة صورة الماء و التراب العرضيين عليه و كان فعلية حصة النار الرقة و اللطافة و الصعود فلما غلب صورة النار علي صورة‌ الدهن فككت صورة الدهن و ازالته و ادخلته في مخبيء قوة المادة‌ و اخرجت منه ما يشاكلها كما ان حصة من الطين لها صورة مثلا هي كرية فاذا وضعتها في الملبنة و غمزتها غلبت صورة‌ الملبنة و الغمز علي الصورة الكرية و ادخلتها في مخبيء امكان الطين و اخرجت منه صورة‌ تربيع اللبنة كذلك اذا غلبت صورة النار علي صورة‌ الدهن ادخلت صورة‌ الدهن في امكانه و اخرجت ما في قوته من الصورة النارية و ان غلب صورة‌ الدهن علي النار ادخلت صورة‌ النار في امكانها و اخرجت ما فيه من صلوح الصورة‌ الدهنية و اطفأها و هذا معني الاحالة و الاستحالة و التفاعل في المتصاقعين و هو من باب التكميل و التربية و لما كان لكل فعلية كمال مّا ما لم‌يستهلك بالكلية فكما انه يعمل هذا في هذا يحصل العكس ايضا فكما ان النار تلطف الدهن و ترققه و تجففه و تصعد به كذلك الدهن يغلظها و يرطبها و يهبطها و يكثفها كما يقع التفاعل بين الخل و العسل فان كان لاحدهما غلبة‌ ما يظهر خصاله عليه اكثر فالشعلة المرئية هي المركب الحاصل بين الدهن و النار مع غلبة النار فهي نار حائلة و ارض سائلة و هواء راكد و ماء جامد و الغلبة للنار فصعدت كالنار و حميت و استضائت و تبرقت و هذا معني اشتعالها و لما كان اسفلها اكثر رطوبة و لما تتكلس و لما تحتم كما ينبغي ظهرت اقل ضوء و فيه زرقة الدخان بعد و كان اغلظ و اثخن فاذا عمل فيه النار اكثر صعدته اكثر و لطفته اكثر فصار اشد بريقا و لمعانا و ازالت سواد الدخان الذي مازج الضوء و صار ارق فصار اصفر و براقا و اقل حجما لانه بقوة النار يمتد صاعدا الي حيزها و سبب الصفرة ممازجة حمرة النار مع بقايا البرودة و الرطوبة اللتين فيه فاذا عملت النار فيه اكثر صعدته اكثر و دققته و اقلت حجمه لانها تمده الي حيزها و صار اشد حمرة لتقلل الرطوبة و هكذا الي ان بلغت الشعلة رأسها فكان ادق اجزائها و ارقها و احمر لفناء الرطوبة و بقاء الاهبية الترابية من الدخان الصاعدة بمشايعة النار فتصير حمراء كالجمرة قليل الضوء فاذا فنيت الرطوبة المؤلفة بين اجزاء الدخان و ارتباط

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 340 *»

بعضها ببعض تفرقت الاهبية و تخلل بين اجزائها الهواء فانقطع الشعلة و بردت تلك الاهبية باختلاط الهواء و تكميل برد الهواء اياها فاسودت و صارت توتجا و صعدت قليلا لبقايا النار التي فيها و تموج الهواء ثم نزلت الي الارض او تعلقت بحاجب حايل فهذا حقيقة امر الشعلة من اول تكونها الي آخرها فتدبر فيه تجده كما شرحنا و كذلك امر كل محماة الا ان النار في الجمرة و الحديدة‌ لم‌تغلب حدا تصعد بهما و لم تكن لهما تلك الرطوبة الرقيقة التي تجعلهما قابلتين لتكميل النار و عملها علي حسب ما تقتضيه و الغلبة فيهما للتراب و النار مع اغلبية النار فحمرتهما مع قليل اشراق بقدر ما تظهر انفسهما و ليس لمثالهما ذلك الكمال الذي يكمل الالوان ساير الاجسام و يبديهما نعم فيهما رطوبة متعلكة غليظة فما دامت باقية كانت اجزاؤها متصلة بعضها ببعض و هي ان فارقت النار تكون اسود فاذا غلبت النار بحيث افنتها فرقت اجزاءها الهبائية رمادا و سبب بياضها شدة تكلسها و تلطيف النار لها و ذلك ان الارض اذا كانت بسيطة لاتري و خفيت عن الابصار و البياض و ان كان من الالوان باعتبار و لكنه ليس بلون باعتبار آخر كما يظهر من الاخبار و الالوان الكثيفة المرئية الوان المركبات و السواد المحسوس في الارض حال تركيبها و حصول رطوبة فيها تربط بعض اجزائها ببعض كما تري من حال الارض اذا صب عليها قليل ماء تسود و الوحل بواسطة شدة تركيبه مع الماء يسود و يصير حمأة و اما الارض الخالصة فهي ابعد عن السواد و لونها آدم و ادمتها ايضا من الرطوبات المربطة بين اجزائها فاذا سلط عليها النار اخرجت ما فيها من النار و جففت ما فيها من الماء و صارت اقرب من البساطة فصار لونها اقرب الي البساطة فيبيض الارض في النار و تصير نورة بيضاء و لذلك كلما يشتد احتراق المحترقات تصير اشد بياضا و لاتخفي عن النظر لبقاء التركيب فيها في الجملة فذلك سر بياض المكلسات الذي لاتسمعه الا مني و لاقوة الا بالله و كل ما ذكروه فيه فهو خبط عشواء و قد ذكرنا اقوالهم في رسالتنا المسماة بالياقوتة الحمراء و كتبهم بها مشحونة و لاتجد لذة ما اقول انا في العلوم الا ان تكون فطنا و تراجع ساير كتب الناس ثم تراجع كتبي و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين.

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 341 *»

فصل

لما عرفت مما اسلفنا ان النار الجوهرية الاحدية بالنسبة السارية في كل نيران الدنيا التي ليس الا هي حيث هي مقامها الدهر و جميع نيران الدنيا فعلياتها و كمالاتها و صفاتها فالشعلة التي هي النار الظاهرة الدنياوية هي احد فعليات النار الدهرية و هي مركبة من مس النار اي مثالها و من صورة مكتسبة من الدخان اي الزيت المكلس و الدخان هو المفعول به و المظهر يعني ان الدخان الدنياوي من حيث انه دخان هو المفعول به و المظهر و هو من حيث الاشتعال هو المفعول المطلق بعينه و هو فعل النار الدهرية بعينه و هو مثال النار بعينه و لما كان هذا المطلب غامضا جدا و يظهر من شرحه اسرار و حقايق احب ان اشير اليه هنا.

اعلم ان النار الدهرية ليست في الدهر قبل ان تتكون نيران في الدنيا موجودة اذ وجودها اي تمثلها و شهودها هي نيران الدنيا بأسرها و شهودها و تمثلها هو انيتها و هويتها التي لولاها لم‌تكن لها وجود في الملك امثل لك في ذلك مثالا و هو انه لولا العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر لم‌يكن جسم مطلق دهري في الملك فاذا وجدت هذه الاجسام فالمعني المأخوذ لابشرط من هذه الجملة هو الجسم المطلق فهو هي وجودا و عيانا و تحققا في الخارج و ليس هي هو جمعا و لا احاطة و لا كلا و انما ذلك ان العرش ليس هو بالجسم المطلق و لو كان كذا لكان  الكرسي غير جسم فان الكرسي غير العرش و الكرسي ليس هو بالجسم المطلق فان الافلاك ايضا جسم و الكرسي غير الافلاك و هكذا و اما لو اخذت جميع الاجسام غير مقيدة بالقيود و الشروط و لاحظت ان جميع القيود هي مما به الجسم جسم فليس في العالم شيء غير الجسم لوجدت الجسم الدهري الذي لاخصوصية له بوقت دون وقت و لا بمكان دون مكان و لابكيف دون كيف و لا بكم دون كم و لا بجهة دون جهة و لا برتبة دون رتبة و لا بوضع دون وضع و لا بأجل دون اجل و لا بكتاب دون كتاب و لا بأذن دون اذن و انما ذلك لاجل ان كل وقت و مكان و كيف و كم و جهة و رتبة و وضع و اجل و كتاب و اذن هو مما به الجسم جسم و ليس كل وقت و كل مكان و كل جهة و كل رتبة و كل كم و كل كيف و هكذا البواقي مما به العرش عرش و مما به الكرسي كرسي و مما به

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 342 *»

الافلاك افلاك و مما به العناصر عناصر بل كل واحد هو هو بحدود خاصة له فكل واحد غير الاخر و ليس شيء غير الجسم فاذا نظرت الي شيء من هذه الافراد من حيث انه غير فرد آخر و قسته بغيره رأيت فردا زمانيا محدودا بحدوده ممتازا عن غيره مؤجلا بأجله مكتوبا في محله و اذا نظرت اليه مع قطع النظر عما سواه بالكلية حتي انك لم‌تجد غيره تقيسه به فلم‌تنظر اليه بانه علي م و في م و مم و الي م و لم و غير م و متصل بم و منفصل عم مضاد لم متحد مع م مخالف مع م خارج عم و داخل فيم و مرتبط بم و منسوب الي م و قبل م و بعد م و امام م و خلف م و يمين م و يسار م و هكذا و رأيت حقيقته مكشوفة السبحات مقطوعة الاشارات مهتوكة الاستار منقطعة الاغيار رأيت الجسم و كل جسم في هذا النظر جسم و لاتنافي بين الاشياء حينئذ فانها ليست بشيء غير ما به الجسم جسم فارتفع التعدد و جاء التوحد و هو الجسم الدهري المستوي علي عرش الزمان و ليس شيء اقرب اليه من شيء فهو ليس بشيء خارج عن هذه الاشياء كخروج شيء عن شيء و لا بشيء داخل في هذه الاشياء كدخول شيء في شيء و لايحده حدود هذه الاشياء و لايكنه امكنتها و لايوقته اوقاتها و لايكيفه كيوفها و لايعينه جهاتها و لايرتبه رتبها و الكل في بحره محلول مذاب متشاكل و هذا هو مقام آية الحق جل‌شأنه و ان اخذ ذلك الجسم من حيث انه مادة نوعية للاشياء و لوحظ صلوح ظهوره بساير الاشخاص فهو امكان الكل و مقام رجحانه و اطلاقه و الكل فيه بالقوة و منه بالفعل و الجسم جسم قبلها و معها و بعدها بلاتفاوت في حاله و قد اصاب الخطاء و اخطأ الصواب من زعم ان الجسم الكلي الذي هو قوة جميع الاجسام و امكانها و نفيها و اطلاقها هو آية الذات الازلية و ان الذات بالنسبة الي الخلق ايضا كذلك فان الجسم بهذا اللحاظ فيه النسبة و ذكر للغير و لو بالنفي و هو واحد و الله سبحانه احد حقيقي ليس فيه ذكر غيره و قوة ماسواه تعالي الله عمايقول الملحدون علوا كبيرا نعم اذا نظرت الي الجسم مع كشف سبحات القوي التي فيها و ابطلت مادته و صورته بالكلية و نظرت الي ما هما معا نوره و ظهوره من دون شعوره و التفات الي انهما نوره و له نور بل تلتفت اليه من حيث هو هو فانه

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 343 *»

حينئذ آية معرفته سبحانه في عالم الاجسام و وصفه الذي وصف نفسه به لتعريفه نفسه لعباده اي نفسه الظاهرة به و هو نفسه بعينه اذ ليس شيء اعرف للشيء من نفسه و ابين له منها و هو الوجود الحق الذي قدمناه سابقا في اول الرسالة و ليس لنا مشعر فوق ذلك اذ لايتجاوز شيء مبدأه و لايتعدي شيء حده و لايدرك شيء شيئا حيث لم‌يكن و نعرف مع ذلك انا و ما يرتبط بنا و يؤل الينا و لو بادق الاشارات عبيد مربوبون لانملك لانفسنا نفعا و لاضرا و لا حيوة‌ و لا نشورا فنحن لانعرفه و انما هو هو يعرف نفسه لاغير و نحن لانتجاوز مقام الايات و المقامات و العلامات و الصفات الظاهرة لنا بنا رجع من الوصف الي الوصف انتهي المخلوق الي مثله كل ما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم فمن عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة فالذي في ذات الله ممتنع كيف يعرف الله فلايعرفه سواه و لايصل اليه سواه و انما حظ ما سواه منه آياته هذا هو التوحيد الذي من تجاوزه غرق و من تخلف عنه زهق و من لزمه لحق شهد به الكتاب و السنة و الافاق و الانفس و العقل و النقل و الاجماع من الشيعة و كل مطلب ليس عبارته هذه فهو ضلال.

بالجملة فانت اذا نظرت الي نور السراج اي نور الشعلة و نور نوره و نور نور نوره و هكذا الي ما لانهاية له و قطعت النظر عن الخصوصيات المميزة تجد نورا مطلقا للنار قد انحل فيه جميع الانوار و هو النور الدهري الذي هو المؤثر في هذه الانوار و الظاهر بها و الكل من فعلياته و رأيت في ذلك النور و في ساير فعليات النار حقيقة النار صالحة لان تظهر بكل تلك الاثار و لو كشفت سبحة صلوحها لوجدتها آية الجبار التي بها تعرف للاغيار و احتجب عن الانظار تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها فالنار الدهرية هي هذا الدخان المشتعل من حيث هو اي نارية هذا الدخان اي ما به سميته نارا محرقة مضيئة و هي ما كان في قوة‌ الدخان من الاحراق و الاضاءة بل من الحرارة و اليبوسة فخرجت الي الفعلية فهذه الحرارة و اليبوسة التي ظهرت علي الدخان بالفعل و خرجت من قوة‌ الدخان

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 344 *»

و امكانه خرجت من امكان المادة من باب الدخان فهي فعلية من فعليات المادة‌ و النار تحتها فالنار اي الحرارة‌ و اليبوسة الخارجة من امكان الدخان عرضية ان لوحظت النسبة الزمانية و الحدود الشخصية و دهرية ان لوحظت من حيث هي هي كما بينا فهي ظاهرها صفة باطنها و فعلها و جلوتها فهي هي وجودا و ليست هي هي تجردا فالدخان المشتعل هو النار الدهرية ان اخذ بلاشرط و هو مس النار ان اخذ بشرط لا و هو ظهورها و اثرها ان اخذ بشرط شيء و ميز عن غيره من الشعلات و النيران فالنار هي آية الذات و لله المثل الاعلي في السماوات و الارضين و مس النار هو آية المشية و الزيت هو آية محل المشية و التكليس آية التمكين و الاشعال آية التكوين و الشعلة آية محمد9 و العقل الكل اول ما خلق الله و اول تجليات النار ليس لها ظهور قبلها فالزيت هو المفعول به و شعلته هي المفعول المطلق و اشتعاله انفعاله و المفعول المطلق مركب من مادة و صورة مادته ظهور النار الجوهرية و اثرها و صورته ما اكسبه الدخان اي الزيت المكلس و الفعل هو ذلك الظهور اذا اخذ بشرط لا فانه مخلوق بنفسه و الحق فيه اي آية الذات اي النار الجوهرية هو ذلك الظهور اذا اخذ لابشرط و ذلك الظهور هو فعلية من فعليات حصة الطبيعة المطلقة التي من فعلياتها الدخان و مرادي بالحصة هو مادة الدخان التي هي ظهور الطبيعة المطلقة اذ المطلق لايتحصص حقيقة فتزيل صورته و تلبس تلك الحصة من الطبيعة صورة الشعلة ثم تنزعها فتعود دخانا كما كانت و الصور المتواردة كلها من امكانات مادة واحدة في عرض واحد فصورة الشعلة و مادتها من فعليات الطبيعة المطلقة التي هي فوق النار و النار احدي صفاتها و جلواتها و هي اي الشعلة هي حافظة النار المطلقة و مسها و حقيقها (حقيتها ظ) و هي وجود الثلثة و شهودها و عيانها و اثباتها فمن اثبتها اثبت الثلثة و من نفيها نفي الثلثة و ان لم‌تكن هي زمانية هي النار المطلقة قدسا واحدية و بينونة و لا مس النار جمعا و كلا و احاطة كما عرفت احفظ المقامات تفز به النجاة.

فصل – يكفى فى ظهور المطلق فى عالم القيود مقيد واحد و لذا قلنا يكفى

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 345 *»

فى الامتثال للأوامر المطلقة الأتيان بفرد واحد و به يحصل الطاعة فلو ظهر فى عالم القيود مقيد واحد فى وقت واحد و مكان واحد يكفى فى أثبات المطلق فى عالم الأطلاق و اما ان لم يكن مقيد مطلقاً فى وقت بوجه من الوجوه فلا مطلق فى أطلاق و لا تقييد يعنى لامطلق ظهوراً و لا وجوداً فان الظهور هو انية الوجود و حيثه من نفسه و حيث انفعاله و قابليته فما لم يكن انفعال لايوجد فعل و انما ذلك فيما اذا كان الظهور هو من نفس الوجود كنفس النور من النور و اما ان كان من خارج فليس ذلك شرط وجود المطلق بل هو شرط ظهوره فى عالم الاعراض اذ ظهور النور عليه عرضى و ذلك كالمرآة و نور السراج فالاجسام المشهودة شرط وجود الجسم المطلق و اما البدن العنصرى مثلاً فهو شرط ظهور الحيوة الفلكية فلو لم يكن فى الملك ماء من اوله الى آخره لم يكن ماء مطلق لافى الدهر و لا فى الزمان و ان وجد و لو لحظة واحدة فى تمام الملك فى حد واحد ولو قطرة واحدة لكفى فى أثبات وجود ماء دهرى يسع السماوات و الارض لانه يثبت فى ذلك الموضع من الكتاب و لايزول و يثبت له الخزائن السرمدية و الدهرية فهو باق دهر الدهور و هو من حيث هو هو دهرى و لااختصاص له بحد فهو يسع جميع الحدود و ذلك انك اذا نسبت صفة الى صفة فتلك النسبة هى الزمان و اذا نسبت الصفة و نسبها الزمانية الى الذات و عرفت انها هى فعلياتها و مما به هى هى فتلك النسبة هى الدهر و اذا نظرت الى الذات المغيبة للصفات فلم‏تر الصفات على معنى النفى فهى السرمد او على معنى عدم الذكر المطلق لانفياً و لا اثباتاً فهى آية الازل جل شانه و ذلك يحصل فى مقيد واحد و لايتفاوت الدهر فى السعة والاحاطة و العظمة بواسطة قلة الظهور و كثرته و عظمه و صغره فلولم يخلق الله سبحانه الا نملة واحده لكانت كافية فى إثبات الخزائن العالية و دهرها و سرمدها و تعريف ذاته كيف و قد تجلى بجميع انحاء الكمالات حتى انه لايخطر ببال أحد شى‏ء الا و قد تجلى به كما روى فى العلل انه قيل للرضا7 لم خلق الله عزوجل الخلق على انواع شتى ولم يخلقه نوعاً واحداً قال لئلايقع فى الاوهام انه عاجز و لايقع صورة فى وهم ملحد الا و قد خلق الله عزوجل عليها خلقاً لئلا يقول قائل

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 346 *»

 هل يقدر الله عزوجل على ان‌يخلق صورة كذا و كذا لانه لايقول من ذلك شيئاً الا و هو موجد فى خلقه تبارك و تعالى فيعلم بالنظر الى أنواع خلقه انه على كل شى‏ء قدير انتهى و كيف و قد تجلى بتجليات غيرمتناهية و أوجد مخلوقات ليس لها غاية لتدل على كمالات له ليس لها نهاية و لتدل على ان صانعها مباين منها لايجرى عليه شى‏ء من صفات المخلوقات كما نبه عليه وليه و لسانه و ظاهره و أخبر به عن نفسه قال بتشعيره المشاعر عرف الا مشعر له و بمضادته بين الامور عرف الاضدله و بمقارنته بين الاشياء عرف ان لاقرين له الخطبه. فبين بأحداث أضداد لانهاية لها أحدية لنفسه لانهايه لها فأبى الناس الا ان يصفوه بصفة مخلوقاته فسبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين  والحمدلله رب العالمين.

فحاصل الفصل انه اذا وجد شخص واحد فى وقت ما من نوع يكفى فى اثبات نوعه و جنسه فى اللوح المحفوظ و الدهر و ان لم يوجد أصلاً لم يكن نوع و لا جنس فى الدهر و اذا أثبت بواسطة وجود الشخص فانما يثبت فوقه فى الدهر لاقبله من الدهور و لابعده مع ان الدهر مهيمن على جميع الزمان و ذلك أيضاً مسئلة معضلة ينبغى الاشارة الى شرحها و هى انك قد عرفت ان الزمان هو نسبة صفة الى صفة مصاقعة و الدهر هو نسبة الصفة الى الذات و السرمد هو مقام الذات فاذا نظرت الى الزمانيات رأيت كل شى‏ء فى حده و وقته و على الجميع دهر قائم يعنى لكل جزء منها دهرية قائمة فوقها لايلحظ فيها حدود الزمانيات و نسبتها الى كل الزمانيات على السواء و لا خصوصية لها بزمان دون زمان الا فى الزمان فالدهرى فى الدهر بلاخصوصية فى الدهر و انما خصوصيته بزمان دون زمان فى الزمان و اذا تخصص الدهرى بوقت فانما يتخصص بصفته و الزمانى صفته فدهرى زيد مخصوص بوقت زيد قائم فوق زيد بزيد و فى زيد لا فى نفسه فلاجل ذلك دهرى كل جزء زمانى قائم فوق ذلك الجزء لا فوق غيره فان لم يوجد زيد فى الدنيا ليس له نفس فى النفوس ولا روح فى الارواح و لا عقل فى العقول و لا فؤاد فى الافئده فإذا وجد زيد فى الدنيا حصل له فى الدهر نفس و روح و عقل

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 347 *»

و فؤاد فوقه فى الدهر قبل جسده بمائة ألف سنة و نسبة دهرياته الى جميع الازمنة على السواء فاذا مات زيد و محى جسده من الدنيا ليس بعد نفسه و روحه و عقله و فؤاده فوق الازمنة الآتية بل قائمة فوق زمانه و حده أبداً اذ هى روح و الزمانى جسد و الروح قاطن فى جسده لاخارجه و نسبتها الى جميع الازمنة على السواء مع انها مخصوصة بفوق وقت زيد و حده فان زمانى زيد انيتها و هويتها الحافظة لها فى مكان كتابها فافهم ذلك فانه دقيق دقيق و ان شئت المثل فى ذلك فاعتبر من نفسك و جسدك فانك تجد جسدك مخصوصاً بوقت كونه لا تجده قبل ان يتولد و لا بعد ان يتوفى بل محصور فى أجله و حدوده و اما اذا التفت الى نفسك لا تجد فيها خصوصية بوقت دون وقت تتوجه بها الى أزمنة قبل كونك و بعد كونك فتلتفت الى عصر آدم و حواء و أعصار الجان و الملئكة قبل آدم و تلتفت الى زمان الرجعة و القيمة و الجنة و النار و ينطبع أشباحها فى كتاب الرعاية و تنام وترى قبل كونك و بعد كونك جميعاً فلا خصوصية لنفسك بوقت دون وقت و اما جسدك فلا يرى قبله و لا بعده و انما يرى ما يساوقه فى الوقت و مع ذلك نفسك فى جسدك وجدت حين خرجت من بطن امك و ليس لها تعلق بالدنيا بعد ما توفيت و ليس لها تعلق بغير جسدك فى الاجساد و لا تحس من غيره و لا تتحرك من سوى جسدك و انما هى موجودة فى الدهر فوق جسدك ثابتة فيه من اول تولدك الى آخر وفاتك و ان فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار فتدبر فان نفس كل احد هكذا بالنسبة الى جسده فعلى كل زمانى دهر خاص فوقه و هو هو ان أخذ بشرط لا و هو مقدم على الزمانى لان الشى‏ء من حيث هو هو مقدم على حيث لحوق الاعراض به و تقدم هذا الحيث رتبى دهرى فافهم و اغتنم.

فصل – فاذ قد فرغنا على الاجمال من شرح احوال النار الجوهرية و مسّها و تولد الشعلة فلنعطف التوجه الى شرح أحوال الأنوار و صدورها عن الشعلة و هى مسئلة معضلة قد حار فيها الأحلام و ضل فيها الاعلام و أسأل اللَّه العلاّم أن يوقعنى على صواب المرام و فى الحقيقة يتوقف فهم ما سبق من المسائل على فهم هذا

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 348 *»

المقام إ‌علم انه لا شك فى مقدمتين و أصلين عليهما تبنى هذه المسئلة:

الاولى ان تعرف ان النار الجوهرية ليست بذات لون محسوس من أحمر او أصفر أو غيرهما و لا بذات شكل محسوس من مخروط او مربع او مثلث او غير ذلك فإنّها دهرية قد تعالت عن الالوان و الاشكال من حيث نفسها و الثانية ان الأنوار على هيئة الشعلة يعنى هى مخروطية صفراء ضيّئة مثلاً و ليس فوق مقام الشعلة هذا اللون و هذا الشكل فمبدؤ هذه الأنوار الشعلة لا النار منها بدئت و اليها عادت اليها ايابها و عليها حسابها ليست من النار و لا الى النار فإن النار ليست بصفراء و لا مخروطية و الأنوار ليست الا صفراء مخروطية فهى عائدة الى الشعلة كما هى بادئة منها فهى منسوبة اليها لا الى النار البريئة عن الألوان و ان نسبت الأنوار يوماً الى النار فانّما يعنى بها النار المنسوبة اليها و النار المنسوبة اليها اى التى تصح النسبة اليها هى الشعلة فهى اى الشعلة جهة كون النار منسوبة اليها و الشى‏ء انّما يضاف الى جهة كون الشيء مضافاً اليه لا الى ذاته كما أنّه يخاطب من حيث جهة كونه مخاطباً لا من حيث نفسه التى لا يلحظ معها غيرها فنحن اذا اضفنا الى ذات زيد شيئاً انما نضيفه الى جهة كونها مضافاً اليها و اذا خاطبناه نخاطب جهة مخاطبيّته و لا شك ان هذه الجهة غير الذات ألاترى أن الإشارة الحاضرة تقع على حيث حضور زيد و الغائبة على حيث غيابه و لو كانتا تقعان على الذات لكانت تصح الحاضرة للغائبة و الغائبة للحاضرة فإن الذات فى كل حال هى هى و فى هذا خلف ظاهر فالإضافات و الإشارات و الواقعات و المقارنات و اللاحقات بقول مطلق انما تقع على جهة خاصة من الذات تناسبها و تلك الجهة غير الذات و غير الذات خارج عن الذات و الخارج عن الذات ان كان تابعاً كان فعل الذات حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فجهات إضافات الذات أبداً صفات خارجة حادثه بها فالشعلة التى هى اوّل أفعال النار و صفاتها هى جهة إضافة الأنوار اليها و المضاف يبدو من المضاف اليه و يعود اليه و لا يتجاوزه فهى بادئة من الشعلة عائدة اليها و بدؤها منها بدؤها من النار اى من جهة مبدئية النار و عودها اليها عودها الى

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 349 *»

النار اى جهة مرجعية النار فالأنوار على الحقيقة المستعملة الشايعة بدؤها من النار و عودها اليها و هكذا يكون الشى‏ء مبدءاً و معاداً و انما ذلك كلّه لسر أن الشعلة ليست لغير النار و انما هى و شؤنها و صفاتها و ما منها و اليها و بها و لها و فيها كلها للنار فافهم و تدبّر فما يؤل اليها يؤل الى النّار بل حقّ معرفة الشعلة لكونها بكلّها للنار ان تعرف بان مرئيها مرأى النّار و مسمعها مسمع النّار و مسمائيتها مسمائية النار و مراديتها مرادية النار و لا ترى الشعلة شعلة فإنها ان رأيت شعلة على معنى غير النار فقد أبدت نفسها و ان أبدت نفسها فقد أخفت غيرها فإذا كانت لها لا لغيرها و الشعلة ليست لنفسها فالإضافة الحقّ أن تضيف كلما تضيف الى النّار لا اليها فعندها ترضى الشعلة عنك اذ رأتك عرفتها لغيرها و لم تدع عليها انها لنفسها و لم تفتر عليها و لم ترو عليها ما لم تقله فافهم فالأنوار أنوار النار و لكن فى مقام العلم لا بد من بيان مصدر كل شيء و مبدأه و مصدر الأنوار الشعلة منها بدأت و اليها تعود فالمنير اسم للشعلة و هى المنيرة لا غير و الأنارة فعلها لا غير فلا إنارة للنار غير هذه الإنارة و لا منيرية لها غير هذه المنيرية فالمنير للأنوار هو صاحب الإإارة و الإنارة فعل من النور أثره و صفته منه بدأ و اليه يعود و هو كما عرفت هو الشعلة فهى المنيرة و النور نورها و النار منّزهة عن الإسم و الرسم و التعبير إفهم ما أقوله و ضم جميع كلماتى بعضها ببعض فإن بعضها يفسّر بعضاً لا يجوز الأخذ ببعض دون بعض فالمنير هو الشعلة و لمنيريّتها و انارتها مقامان و ذلك أنه لا شك أن الشعلة بنفسها صفراء مخروطية و هى مادّته و النار ليست كذلك فليست النار موجدة الشعلة منيرتها بذاتها و انما اوجدتها بنفسها و أنارتها بنفسها يعنى هى انارة النار لنفسها يعنى انارة نفسها لنفسها و نفسها ليست لها بل للنار فهى انارة النار لنفسها يعنى انارة نفسها لنفسها و نفسها ليست لها بل للنار فهى انارة النار لها بها و  هى منيرية النار لها بها فالنار المنيرة بها انارتها بها و أنار فعل المنير لا غير فهى فى نفسها هى المنيرة و هى الانارة و هى المنار لان النار لا صفرة لها و ليست بمخروطية و انما هى هى البدؤ فى ذلك فهى بنفسها لا بغيرها و لما كانت كلمتى ان الشعلة بكلّها للنار كلمة مشكلة على الأحلام عالية عن الأفهام أحب شرحها للأعلام،

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 350 *»

اعلم أن النار الجوهرية الدهرية كما عرفت أحدية بالنسبة يعنى لا يجرى عليها شيء من الكثرات الزمانية و تعدداتها و هى غاية البغية فيها و اوّل ظاهر عنها اى اوّل فعل من أفعالها و اوّل صفة من صفاتها الشعلة و هى اى النار ليس لها من حيث نفسها ظاهر فأنّها ليست بباطنة و ليس لها فعل من حيث نفسها فانها ليست بقوة و ليس لها صفة فانها من حيث نفسها ليست بموصوفة و لا يضاف اليها شى‏ء فانها من حيث نفسها ليست بمضاف اليها و انما هى باطنة فى الشعلة من حيث أعلاها و قوة فيها و موصوفة فيها و يضاف اليها فيها و يشار اليها فيها اذ هى جهتها لجميع ذلك من حيث باطنها فكانت الشعلة ظاهرها و مضاف اليها الظاهر الذى هو ها فى الشعلة لأنّها اى الشعلة مرجعية النار للضمير فهى ظاهرها من حيث الظاهر و هى فعلها و صفتها و ليس لها قبل الشعلة ظاهر و لا فعل و لا صفة و لا ما يعبّر به عنها و الشعلة جهة تعبير النار بما يعبر به عنها فلأجل ذلك كانت لها بكلّها كيف لا و هى وجودها و عيانها و شهودها و مرجعيتها للضمير و مشار اليهيتّها للأشارة، ما أدرى ما أقول و ماذا تسمع و حرى بك أن تقول:

قد يطرب القمرى أسماعنا

و نحن لا نعرف ألحانه

فالشعلة منيرية النار لها و أنارتها لها و المنار بأنارتها بها فالأنارة لها و النار لا يضاف اليها أنارة لأنها ليست بصفراء و لا مخروطية و كذلك الأنوار ليست تعود الى النار كما عرفت و انما تعود الى الشعلة بما عرفت فالشعلة منيرة لها ثانياً و أنارتها بها ثانياً بعد أن وجدت بنفسها و صفة أنارة الشعلة لها اى للأنوار و أحداثها أيّاها انك قد عرفت أن الشعلة هى فعلية من فعليّات الطبيعة الظاهرة قبل بصورة الزيتية ثم الدخانية فجاءت النار العنصرية القوية الكاملة فأخفت الصورة الدخانية فى مخبئ الطبيعة و أخرجت عن قوتها الصورة الشعلية فالشعلية صورة من الصور التى كانت كامنة فى امكان طبيعة الدخان و تلك الصورة مثال للطبيعة قد لبسته و ظهرت به فصارت حصة الطبيعة اى ظهورها مادّة لها و صورة الشعلية صورة لها اى لتلك المادة فسميّت تلك الحصة باسم صورتها فان الطبيعة تكون ناراً اذا لبست صورة النارية و هواء اذا

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 351 *»

لبست صورة الهوائية و ماء اذا لبست صورة المائية و تراباً اذا لبست صورة الترابية ففى الشعلة كانت ناراً غليظة مرئية اذ لبست صورة نار حائلة غليظه فالنار فعلية من فعليات الطبيعة فهى عرض بالنسبة اليها زمانية و ان كانت بالنسبة الى مادونها جوهرية دهرية فان الزمان و الدهر أمران نسبيان فربّ شيء بالنسبة الى أعلى منه زمانى و بالنسبة الى أدنى منه دهرى و لذا تكون الدهور و الأزمان مختلفة فالسّكين المعيّن مثلاً فعلية و فرد بالنسبة الى السكين المطلق و السكين المطلق دهرى اذ لا خصوصية له بفرد دون فرد و بحدّ دون حد و اما السكين اذا قيس مع السيف و العلاة و المطرقة المطلقة و امثالها يكون من باب نسبة صفة الى صفة و نسبة فصل الى فصل فهو حينئذ زمانى بالنسبة الى الحديد مثلاً و الحديد دهرى اذ لا خصوصية له بفرد دون فرد و حدّ دون حدّ و اذا قيس الحديد الى الذهب و الفضة و اخوتهما صار من باب نسبة صفة بصفة و فصل بفصل اذ امتيازها بصورها الفصلية او النوعية فصار زمانياً بالنسبة الى المعدنى المنطرق و المعدنى المنطرق دهرى بالنسبة اليه لأنه لا يخص بفرد دون فرد و حدّ دون حدّ و اذا قيس المعدنى المنطرق بغير المنطرق صار زمانياً و المعدن المطلق بالنسبة اليهما دهرى و هكذ فالأزمان و الدهور متعددّة و كل شى‏ء له فعليات فيما دونه هى أزمانه و قوة بالنسبة الى مادونه و هو دهرى فتفطّن ذلك فأنه أصل. فالصورة الشعلية اى النارية الغليظة فعلية من فعليات الطبيعة فزمانية بالنسبة اليها و ان كانت بالنسبة الى آثارها جوهرية دهرية فالصورة الشعلية اى النارية الغليظة لما صارت متوحده لطيفة برّاقة شفّافة أحدية بالنسبة لكمالها تعالت عن خصوصيات أنوارها و أمثلتها و صارت ذات فعليات تلبسها خلع اسمها و حدها و لا ترى الاّ بها و لها و لا تفهم معنى كلامى الاّ بعد ان تقطع النظر عن امكنة الأنوار فأنها أمور خارجة عن النور الصادر عن الشعلة و انما هى مظاهر مفعول بها و مرادى من النور المفعول المطلق فاذا قطعت النظر عن الأمكنة و قربها و بعدها و لطافتها و كثافتها و صقالتها و كدورتها و نظرت الى محض النور الصادر عن الشعلة تفهم كلامى فذلك النور مثال للشعلة ألقته فى مرايا الأمكنة الغريبة الخارجة و كذلك

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 352 *»

الشعلة كما عرفت صرف ذلك المثال الخارج من قوة الطبيعة و هى اى الشعلة مثالية أظهرها كثافة مادة الدخان الباقيه الزمانية و ذلك أن طبيعة الدخان التى قلنا انها امكان الشعلة هى دهرية لا ترى بالعين و الذى يرى هو الدهن و الدخان فالدهن له مادة زمانية كثيفة و صورة زمانية هما من فعليات الطبيعة كما ان للعرش مادة زمانية و صورة زمانية هما من فعليات الجسم و لم تلبس الصورة العرشية على قطعة من الجسم المطلق و لا يتقطع فالصورة الدخانية لم تلبس على قطعة الطبيعة بل هى بمادتها و صورتها فعلية من فعليات الطبيعة فاذا جاءت الشعلية و هى فعلية أخرى للطبيعة كالدخانية أدخلت الدخانية فى قوة الطبيعة و ظهرت هى على تلك المادة الزمانية الكثيفة التى هى ظهور الطبيعة المبهمة المطلقة فتبينت ظاهرة للعين فذلك المثال الشعلى لما كان كاملاً لطيفته غالبة على هويته و هويته رقيقة شافة و حكت احدية الطبيعة المطلقة كان له احدية ما و نفوذ و انبساط و عدم تقيد بالقيود النورية و لتجرده عن القيود كان صالحاً للظهور بقيود اذ كل مجرد له قوة الظهور بالمقيدات دونه كما قدمنا و له فعليات بقدر تجرده و أحديته فكان للشعلة ظهور و نور على حسب قوته و أحديته و كماله و ذلك المثال و النور كما بينا ليس له تخصص بمكان دون مكان صدوراً و انما هو من عالم المثال و ان كان من أسفله و لا يرى الا اذا انطبع فى كثيف فذلك النور اى فعلية الشعلة و كماله صادر عن الشعلة تابع لوجودها أثر لها كما يكون قيامك و قعودك تابعاً لك أثراً لفعلك حرفاً بحرف فانها اى الشعلة أحدثته بفعلها الذى هو هو لأنه اول صادر عنها مخلوق بنفسه عندها و ان كان عند النار مخلوقاً بالشعلة فالشعلة تجلت له به و أحدثته به و هو ظهورها الاعظم و تجليها الأكرم و لكن لما كان ادراك نسبة الفعل الى القوة و خروجه عنها و نسبة الأثر الى المؤثر و الصفة الى الموصوف مما لم ينحل  سابقاً فى علم عالم من غير علماء آل محمد: فلا بد من شرحه فى هذا المقام و رسم فصل خاص فى المرام.

فصل – اعلم أن الاحد الحقيقى لاكلام عنه و لا تعبير و لا يدخل فى البيان

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 353 *»

فالأحد الذى يدرك و يفهم و يتكلم فيه و يعبّر عنه هو الأحد الاضافى او الذى لاكلام عنه ليس بمسمى اسم اذ كل ما عبرته الألسن او عملته الأيدى فهو مخلوق و من ذلك الأحد فالأحد الحقيقى صفته و آيته بها عرّف نفسه و صدق فى تعريفه فهو الذى تعالى عن الحدود و النهايات فلم يكن معه شيء يمتاز عنه بنهاية و حدّ فكل ما هو سواه دونه فانه الكائن الاول و الموجود بالذات الذى ليس فوقه ما يعبر عنه بلسان او يشار اليه بمشعر و آلة او يدرك بأدات و هو المقصود و المرام و ما يعبر عنه بكلام و هذا الكائن الأول لعدم تناهيه لم يتناه الى ذات و لا الى صفة و لا الى فعل و لا الى أثر و لا الى أثر أثر و لا الى نسبة و لا شيء من الأشياء فان التناهى الى شيء من ذلك هو صفة هذه المذكورات و امثالها كما شرحناه فى محله و المتعالى عن الحدود لا يجرى على الحدود، و الحدود هى عرصة الأعداد و الأحد فوق الأعداد فجميع ما يجوز فى الأعداد ممنوع فى الأحد من حيث أنه أحد بل ممتنع بالبداهة فجميع ما فى عرصة الكائنات المتعددة ممتنع فى عرصة الكائن الأول الأحدى الذى أعطى كل كائن اسمه و حدّه الذى لولاه لم يكن كائن بكائن كما أنه لولا مصداق الجسم بقول مطلق فى الملك لم يكن جسم فى الدنيا و كل جسم جسم بوجوده و كذلك الكائن بقول مطلق فانه لو لم يكن لم يكن كائن فى الخارج اذ كلّ كائن به كائن و ذلك مشروح فى محلّه من كتبنا فالكائن المطلق أحدى بالنسبة الى الكائنات المتكثرة المتعددة و هو غير محدود بحدود الكائنات غير موصوف بأوصافها غير متناه بنهاياتها فلا ينتهى الى ذواتها و لا صفاتها و لا أفعالها و لا آثارها و لا آثار آثارها و لا شى‏ء من ما يتعلق بها و ينتسب اليها بوجه من الوجوه فلما كان ذلك الكائن كذلك لم يوجد حيث هو موجود آخر و لو فرض لكانا اثنين و من الأعداد و عليهما أحد آخر لا محالة به سمّيا بما سمّيا و هو الذى تريده و غفلت عنه و هكذا كلما صعدت صعدنا و ان وقفت وقفنا فالأحد الأوّل اى الكائن الأوّل اى الذى ينتهى اليه كل كائن و يسمّى باسمه كل موجود هو الذى لا مبدء فوقه و لا غاية وراءه كما لم يكن وراء الشعلة مبدؤ و لا غاية فهو ليس معه سواه يعنى متفرّد بنفسه حيث هو بكل اعتبار فهو هو ليس غيره ديّار فلما كان كذلك كان

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 354 *»

صالحاً للتجلّى بكل كثرة و عدد وصفة و حدّ لأنّها منطوية تحت أحديته و كيف لا تكون منطوية تحت أحديته و هى لا تكون بشى‏ء الا اذا لوحظ هو فان لم‌يلحظ هو لم‌تكن بشيء و هي كالخط في المنظرة فانما هو هو اذا لوحظ الخط الخارجى على القرطاس و رأى و ان لم تنظر اليه و لم تره لم يكن الخط فى المنظرة بشى‏ء و كذلك منظرة كل هوية من الأعداد بينك و بين الكائن الأوّل فان رأيته ثبت هوية و منظرة و كائن عددى و الا فلا شى‏ء أبداً أبداً فاذ لم يكن وجود للكائنات الاّ عند رؤية الكائن الأوّل و الكائنات لا يحصى كثرتها و تضادّها و تخالفها و الكل فى عين تخالفها و تضادّها و تكثرها و جميع ما فيها و لها و منها و بها و اليها موجود ان رأى الكائن الأول فالكائن صالح للتجلى بجميع تلك الكثرات و لا ينافى شيئاً منها و كينونة كلها كينونته او كينونته كينونة كلها فكينونته من حيث الأحدية الاضافية او الواحدية الخارجة و هى الأطلاق صلوح للظهور بالكل و التجلّى به و كل هذه الكائنات ظهوره و صفاته و شؤنه و فعلياته و وجوداته و شهوداته و كينوناته و أنواره و ألطافه و تأييداته و رحمته و عنايته و امثال ذلك مما يؤدى هذا المعنى و ليس الكل الأوّل بمنزلة البحر و هذه الكاينات بمنزلة الأمواج نعوذ باللّه فان البحر اى مجمع الماء يتحصّص بحصص الأمواج و كل موج بعض البحر و البحر لا يعطى كل موج اسمه و حده و الأمواج و البحر فى صقع واحد فان البحر صورة اتصال و الأمواج صورة انفصال و المادة فيهما واحدة و تعالى الكائن الأوّل ان يكون كذلك بل مادة الكاين و الكائنات مباينتان غير متصاقعتين و لا متحدتين و كذلك صورتهما و ليست الكائنات من صافى مادّة الكائنه و لا من كدرها و فاضلها و لو كان كذلك لما كساها حلة اسمه و حدّه بل لها مادة مباينة ثانية تحتها مخترعة و ليس الكائن بمادّة الكاينات فتكون قد تحصّصت و استحالت فى الصور و اختلفت فيكون ما لهذا غير ما لذاك ألا ترى ان مادة الياقوت غير مادة الحجر الغاسق فان مادة الياقوت لطيفة و لذا قبلت الصورة اللطيفة و مادة الحجر كثيفة و لذا قبلت الصورة الكثيفة مع ان الياقوت جسم و الحجر جسم و مادّة الجماد جمادية غير معتدلة و مادة النبات نباتية لطيفة معتدلة و يسمى كل واحد باسمه و معذلك كلّها

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 355 *»

جسم فالكائن لا يتحصص و لا يتغير و لا يستحيل و لذا يعطى الكل اسمه و حدّه و انما الكائن وجود مباين مستعل على الكاينات برى عن الحدود و الصفات و اما الصفات فكما مر ليست بشيء الا اذا لوحظ هو فهى لحاظه و ليست بشى‏ء الا ان يعاين هو فهى عيانه فليست الا له و به و منه و اليه و ليس لها وجود مستقل آخر دونه تقوم به بل هى عرض قائم به و حقيقة معرفتها انّها ليست بشيء غير الكائن مباين معه او مشاكل ثان يقوم معه و الموجود الكائن هو الكائن الأول و هى وجود الكائن الأول و ليس الكائن الا فوقها محدوداً بها عندها اذا تجاوزتها وصلت اليه بل هو هى و هى هو و لكن على تفصيل أذكره لك و هو ان اكثر ما تسمع من التعبير عن عالم الغيب بألفاظ الشهادة لا يجوز حملها على مشاكل المعانى الشهادية و جلّ خطاء الخاطئين من ذلك و زعموا بذلك الرب كالعبد و الأمر كالخلق و الغيب كالشهادة فخبطوا فى المسائل خبط عشواء فلنفسر لك اول بعض الألفاظ التى نستعملها هنا على الأجمال فاعلم أنا اذا قلنا ان الكائن الأول أحد لا نريد أنه كأحد من الناس و أحد شخصى و اذا قلنا انه لا يتجزى لا نريد أنه جزء صغير لا يقبل التجزية لغاية صغره و ان قلنا انه لا يثنى فلا نريد منه انه شطر المثنى و بعضه و لا مثل له معه و ان قلنا انه فوق الآثار فلا نريد منه أن مقعره على محدّب الآثار و اذا قلنا انه نافذ فيما دونه فلا نريد أنه كالهواء النافذ فى كل ثقبة او كالماء النافذ فى الترب او النبات او كالروح النافذ فى البدن او كالفهم النافذ فى المفهوم و امثال ذلك بل المراد بأحدية الكاين العالى أنه لا صورة له تحدّده و تقسمه و تجزيه و تثنيه لا بمعنى انه مادة بلا صورة فان ما ليس له صورة ليست بمادة بل بمعنى أن كل شيء يمتازعن غيره و يمتاز بعضه عن بعض بصورة و الذى يعم المادة و الصورة  اى يطويهما لا يماثل و لا يجزى و لا يثنى فهكذا هو أحد لا انه جزء صغير و لا اعنى بعمومه المادّة و الصورة انه هما معاً فيكون المادة شطره و الصورة شطره الآخر بل بمعنى أنه ما يعطى اسمه الصورة كما يعطى اسمه المادة بلا تفاوت و هو فى صدقه عليهما معاً سواء لا بمعنى انه ما به اشتراكهما فيكون لهما شيء غيره به التمايز بل هو صادق

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 356 *»

على كل المادة و كل الصورة فلا شيء سواه و قولنا انه فوق الآثار ليس معناه انه على سطحها الأعلى بل بمعنى أن ثبوته من حيث نفسه مقدّم على ثبوته من حيث النسب الظهورية الزمانية فهو قبلها و فوقها و مقدم عليها و معنى نفوذه عدم شيء سواه فى مكان وجودى فاذا عرفت ذلك أقول ان الكائن الأحد يخلو منه مكان وجودى لعدم التناهى و لا شيء سواه بوجه و هو اذا كان هكذا يكون و الا فلا فجميع ما فى عرصة الكون هو مما به الكائن كائن بحيث لولا ذرة منها لم يكن الكائن بكائن و ليس معنى قولى ان جميع الصفات هو الكائن فيكون جملة كثرات و له أبعاض فان هذا حال البحر و الامواج و حال العشرة و الابعاض و مثل هذا و احد له صورة غير مادته بعضت أجزاءه و ذلك خطاء من القول و لا أنه وجودها قد شيب بالاعدام و النقايص و لا انه حقيقتها قد لحقها لوازم الرتب بل على ما قلت انه لامحدود و لا حد سواه و لا مقدور و لا قدر دونه فان قدرت أن تنظر الى المحدود و الحد بنظر تراهما متحداً تقدر على فهم ما أقول. و سأمثل لك فى ذلك فى عالم الشهاده مثلاً و هو أن الجسم معناه المادة التى لها طول و عرض و عمق اطلاقى و هذان معاً معنى الجسم المفرد الأحد بالاضافة و اذا نظرت الى العرش رأيته مادة لها أبعاد و الكرسى مادة لها أبعاد و كذا الافلاك و العناصر فهل العرش مركب من جسم و شى‏ء آخر او لا شى‏ء الا الجسم و كذا الكرسى و غيره فكل ما نظرت اليه جسم و لاترى من محدب العرش الى تخوم الارض شيئاً غير الجسم و لا تجد مركباً من الجسم و غيره و لم يلحق الجسم لوازم رتب و لا نقائص و أعدام و ليس الجسم بمجموع الثلث عشرة كرة فيكون كل واحدة جزوه بل كلها جسم و بعضها جسم فان الكل مادة لها صورة و البعض مادة لها صورة فلا شى‏ء سوى الجسم و ليس شى‏ء فى العالم ينافيه او يخالفه او يضاده و هذا هو الاحد الاضافى فى هذه الكثرات لايجزى بتجزيتها و لايثنى بتثنيتها و لايتكثر بتكثرها و لايتبعض بتبعضها و هو فوقها لان العقل يشهد ان هذه الكثرات تحته اى من فروعه و أتباعه و تفاصيله فهى تحته و هو فوقها فهذه الكثرات كما قلت معنى عدم تناهيه و وجود

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 357 *»

عدم تناهيه و نفس عدم تناهيه فلولم يكن واحدة منها بالقوة او بالفعل لكان متناهياً افرض العشرة الغير المتناهية فلو لم‌يكن واحد من أجزائها لكانت تسعة ناقصة عن كمال العشرة البتة ألاترى أن المداد ما يكتب به هذه الحروف و يصلح لها فلو فرض أنه لا يصلح لحرف و لا يمكن كتبه به لكان غير مداد و لم يكن له ذلك الميعان و السيلان و المد فهو مداد اذا امكن كتب كل حرف به فالكائن المطلق كائن مطلق أحدى اذا كان صفاته غير متناهية و يكون ما يقتضيه الحكمة ان يكون بالفعل بالفعل و ما يقتضيه الحكمة ان يكون بالقوة بالقوة فاذا كان كذلك فهوأحد قائم بنفسه غير مفتقر الى غيره و ان لم يكن كذلك فهو واحد قائم فى غيره و كل قائم فى سواه معلول مجزى مثنى مركب حادث انظر الى برمة أعشار فانها برمة واحدة اذا كانت أجزاؤها العشرة ثابتة موجودة موضوعة فى محالها فان كانت أزيد من عشرة بواحد فواحد منها بعض برمة أخرى و ان كان أنقص بواحد لكانت البرمة ناقصة غير برمته واحدة تامة و على أى حال تخرج عن الوحدة التامة الكاملة فارتباط أجزاء هذا العالم و قوام بعضه ببعض و استمساك بعضه ببعض و عدم حاجة الجملة الى شى‏ء خارج عنه و وجود جميع ما ينبغى له فيه دليل على الكائن الواحد القائم بنفسه الغنى عما سواه بالبداهة فانها هى هو وجوداً و عياناً و ظهوراً و شهوداً و ثبوتاً و اذا كان هكذا يكون الكائن كائناً واحداً تاماً و ان شئت أن اريك الوحدة مع هذه الكثرة بمعنى ان الكائن لايتقسّم كما ان البحر يتقسم و كل الامواج مندرجة فيه فأصغ لما أقول فأقول ان الشى‏ء انما يقسم اذا كان له مادة غير صورته و صورة غير مادته و تكون الصورة فى قوتها فتخرج الى الفعلية فتحدد المادة فتقسمها و أما ما لا صورة له لا يتقسم و ما لا يتقسم هو احد لايقبل التجزية و التثنية فالجسم المطلق الذى هو ذات هذه المادة الذات أبعاد هل يلحقه صورة أخرى مستخرجة من قوته فيصير الجسم على ما فسرنا بالنسبة اليها مادة و تتقسم بتلك الصورة ام لا؟ بل لا ليس يلحقها صورة أخرى تقسمها و قولى ذات أبعاد هو ذاتى الجسم الذى تريد ان تقسمه و يحتاج بعد تحققه الى صورة أخرى على مثل × ثبت العرش ثم انقش × بخلاف الأرض مثلاً فأنك تثبت الارض

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 358 *»

ثم تأتى بصورة أخرى تخرجها من قابلية الارض الثابتة فتقسمها و كل قسمة منها أرض و ليس لك فى ذات الجسم المطلق صورة تأتى بها فتقسم الجسم المطلق فتكون كل قسمة جسماً و صورة و اما عند صفاته فنعم تأتى بصورة فتقسم كل جسم افهم ما اقول فان مقام الاطلاق مقام ملاحظة ذات الشى‏ء من حيث هى هى لاسواها فهنالك لايلحق الشى‏ء صورة فان ذات كل شى‏ء فعلية محضة بالنسبة اليه لاقوة فيها بوجه و بها تحققه لابما قبلها فصورة الجسم الذاتية لاتقسّم الجسم و هى مقومته و المقسّمة هى المتممه و هى دونه بعد ثبوته و تفصيل المقومة و ظهورها لاغيره و هذا اى مقام الذات هو عالم السرمد و اما الدهر فهو كما ذكرنا ملاحظة الصفة للذات او ملاحظة الذات فى الصفات فتكون ثابتة مستقرة باستقرار الذات و ثبوتها ففى الدهر ثبوت التقسيم و استقراره لاحدوثه و اما الزمان فهو عرصة الصفات من حيث هى فهنا يحدث التقاسيم و لاحرج مثلاً اذا أخذت القرطاس فرأيت منه أنه غير هواء الاطراف و غير الفراش و له مادة من القطن و صورة نعامة و بياض و غيرذلك فان هذا القرطاس فيه امكان التقسم و قوته و يمكن ان تخرج من قوته صورة التجزى و التقسم فتقسمه به و لانكير عليه و اذا نظرت الى القرطاس و رأيت هذه الصورة الموجودة ثابتة فى مكانها و وقتها و رأيت جميع صور القرطاس و الصور المقسمة التى هى المتممة قبل القسمة فى مكانها و حال القسمة فى مكانها و بعد القسمة فى مكانها و رأيت جميع صوره من اول كونه الى آخر فساده ثابتة فى أوقاتها و أمكنتها قائمة بذات القرطاس قد كساها حلة اسمه و رسمه و عمر بنوره قوابل تلك الحدود و الامكنة فذلك هو الدهر اى ثبوت تلك الصور و دوامها و عدم محوها عن محلها و قيامها بمبدئها هو الدهر و الكتاب الدهرى و اللوح المحفوظ ففى الدهر أيضاً تقسيم و صور الا أنها غير محدثة بحدوث زمانى بل بحدوث ذاتى دهرى فالذات الظاهرة بمجموع تلك الصفات الثابتة بالفعل بلاترقب التى لاتتغير و لاتتحول و لاتزول او تلك الصفات القائمة بالذات هى الدهر فدهرية كل شى‏ء هكذا و أنت تقدر ان تنظر الى كل صورة زمانية هكذا و تراها ثابتة فى وقتها و محلها و لم تلاحظ النسبة بينها و بين غيرها من

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 359 *»

الصفات فان رأيتها كذا فقد رأيت الدهر و ذات هذه الصفات موصوفة بكل صفة فى محلها لافى غير محلها فاذا نظرت الى أى محل‏ترى الذات الموصوفة بها فيها حاضرة كالشمس فى المرايا العديدة هى حاضرة فى كل مرآة فتوصيفها بصفة فى آن دهرى لايمنع من توصيفها بصفة أخرى فى ذلك الآن بعينه بخلاف توصيف الذات فى زمان فانه يمنع من توصيفها بأخرى فى ذلك الزمان بعينه فالدهر يجمع التوصيفات الزمانية فى لمحة و اما الذات فاذا لاحظتها من حيث هى فعلية طوت الفعليات مع قطع النظر عن خصوصياتها حيث غيبت الصفات و حيث أنه لاشى‏ء الا هى كما أنه لا شى‏ء فى عرصة الاعداد الا الاحد فلم ترشيئاً من الصفات و ترى من كلها الذات الاحدية التى لاشى‏ء سواها كما يرى خط واحد من مناظر عديدة فهى فى السرمد و تلك الملاحظة هى فى السرمد و ذلك الثبات هو السرمد فالذات بهذا اللحاظ ليس يلحقها صورة أخرى تقسمها اذا الذات فعلية محضة ليس لها قوة و لايخرج منها خارج و لايدخل فيها داخل لان الله خلقها هى هى فلاتترقب ان تكون هى هى و لاتخرج عن ان تكون هى هى فيكون الشى‏ء غيره ففرض تغير الذات فرض عدمها و فنائها و محوها عن عرصة الوجود لاغير فان كانت الذات لاترقب فيها لاقوة فيها فاذ لاقوة ليس فيها قوة خروج صورة تقسمها نعم فى الذات قوى فى الزمان قد خرجت الى الفعلية و ثبتت فى لوح الدهر و اتحدت فى الذات فلازيادة فيها و لانقيصة عنها فالزمان دار القوة و الدهر دار الفعلية و السرمد دار الحقيقة و الهوية و يعبر عنها بأنها بالفعل فالتعبير فى الدهر و حدوثه فى الزمان فتبين مما ذكرنا أن الذات هى حقيقة الصفات فمن نظر الى الصفات من غير نسبة بعضها الى بعض و من غير نسبتها الى أعلى منها بل نظر اليها من حيث اتحادها فى معنى جامع بينها و بين كلها و بعضها و موادها و صورها و نسبها و قراناتها و جميع مالها و بها و منها و فيها و اليها عرف الذات بالفعلية الكاملة العظمى فيرى حينئذ أنه لاشى‏ء غيرها و هى هى أحدية المعنى لاتجزى و لاتثنى و لاتحول و لاتزول فليست هى بعينها و ليست بغيرها و ليست داخلة فيها و لاخارجة عنها لايجرى عليها شى‏ء من أحوالها،

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 360 *»

فصفاتها كمالاتها و فعلياتها و وجوداتها و شهوداتها و ليست بأبعاضها و لااجزاءها و ليست فيها و لم تخرج منها بل هى هى فان نظرت اليها بنظر الوحدة ليست الا الذات الممتنعة عن الصفات و ان نظرت اليها من حيث كثرتها ليست الا الصفات فليست الذات بلطايف الصفات و لاحقايقها و لاصفوها و لا أعلى مقاماتها و لا اول أذكارها و لا مبدئها فان الصفات فى الذات ممتنعة لاذكرلها فيها بنفى و لا أثبات فافهم ان كنت تفهم فأنه دقيق دقيق فنسمى مثل هذه الكثرات عند تلك الوحدة بالمثال و النور و الآية و الصفة و الكمال و الفعل و الاشراق و أمثال ذلك و هى أمر ثابت فى محله من حيث الوحدة الاحدية أزلية حقية و من حيث الوحدة الواحدية ازلية اولية اضافية و سرمدية و من حيث ثباتها فى محالها دهرية و من حيث ترتبها و نسبها زمانية فان قلت فعلى ذلك الذات حيث من حيوث الصفات و الصفات حيث من حيوث الذات قلت ليس كذلك و لم تفهم ما قلت فان حيث الشى‏ء صفة له وجهة من جهاته و ليست الذات صفة لشى‏ء دونها و لاجهة من جهاته و ما قلت من قولى من حيث الوحدة الاحدية لم ارد به ان الذات حيث من فعلها نعوذ بالله بل اردت التعبير عن انك اذا نظرت الى الصفات و قطعت الاشارات و رأيت شيئاً يطويها و يطوى حيوثها و جهاتها و موادّها و صورها و نسبها و جميع ما يعبر عنه او يشار اليه او يدرك منها فذلك هو الذات الاحدية التى أعطتها اسمها و حدّها فان قلت فعلى هذا الذات مجموع الصفات قلت حاشا مجموع الصفات كثرة بعض الصفات بعضها و لو كانت الذات مجموعها لكان بعضها بعضها و لم تكسها حلة كل اسمها فان قلت فعلى هذا غيرها قلت حاشا لوكانت غيرها لكانت محدودة مثلها و كانت مركبة من مادة مشتركة بينها و بين الصفات و من صورة مميزة و ان قلت ليس بين النفى و الاثبات منزلة و الشى‏ء ان لم يكن عين شى‏ء كان غيره قلت ان الذات فاقت النفى و الاثبات و القضية جارية فى الخلق الم تسمع من الاخبار انه ليس بقريب و لا بعيد و فى الخلق ان لم يكن الشى‏ء قريباً كان بعيداً و بالعكس و ليس بداخل و لا

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 361 *»

خارج و لادان ولاعال و عال و دان و داخل و خارج و قريب و بعيد و امثال ذلك و انما ذلك ان النفى و الاثبات معنيان و المنفى و المثبت صفتان و الذات علت على الصفات فتجمع النقيضين و لامانع و القول الحق ما قاله الصادق7 هى هو وجوداً و عياناً و اثباتاً و ليس هو هى جمعاً و لاكلاً و لااحاطة نقلته بالمعنى و لم يحضرنى الكتاب لانقله بلفظه و الفقرة فى حديث مفضل و هذه القضايا التى ذكرناها فى هذا الفصل لاتجرى فى ذات الحق جل و علا اذ لاعبارة عنه و لااشارة اليه كما بيناه فى اول الكتاب و اول الفصل و انما ذلك يجرى فى الاحاد الاضافية و المطلقات الخلقية فسبحانه من غيب لايعلمه الا هو و ليس كمثله شى‏ء فسبحان ربك رب العزة عما يصفون فاذا كان هذه التقديسات لخلقه كما شرحنا مما عايننا فما ظنك به و هو تعالى و تقدس و تنزه عن صفات خلقه و عن مشاعرهم و مايجوز فى خلقه يمتنع فيه تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

فصل – فاذ قد عرفت ان الصفات هى كمال تذوّت الذات و جمال توحدها و جلال تفردها و كلما يكون الذات أوحد يكون كمالاتها أكثر و أنوارها أشدّ و أقوى فاعلم أن الشعلة لما رققت انيتها فى جنب النار الجوهرية حتى اضمحلت و تلاشت و غلبت عليها جهة النار و استولت عليها و صارت حاكية لجلالها راوية لكمالها جميلة بجمالها حدث لها كمال و مثال و نور و جمال و عظمة و جلال و هو النور المثالى الذى أخبرنا عنه سابقاً و هو أمر مثالى محجوب عن الابصار كما أن النار محجوبة و الشعلة الدهرية محجوبة و كما انه ظهرت الشعلة الدهرية بواسطة الدخان الكثيف الزمانى ظهر النور المثالى بواسطة الجدار الكثيف الزمانى و كما ان المادة العنصرية فى الشعله أمر خارج عن مثال الشعلة كذلك الجدار أمر خارج عن مثال النور ألاترى انك لو سلبت النار عن الشعلة خمدت دخاناً ظلمانياً كذلك لو ذهبت بالنور عن الجدار لبقى جدار ظلمانى و قد قلنا سابقا أن الشعلة مثال كان كامناً فى طبيعة الدخان بالقوة فاخرجت بواسطة النار الخارجية فذلك

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 362 *»

المثال الخارج هو النار الجوهرية ان لاحظت دهريته و هو مس النار ان لاحظت خصوص الشعلية من بين اقسام النيران و اضمحلالها عندالنار و وصفيتها لها و هو الشعلة الدهرية بالنسبة الى مادونها ان لاحظت خصوص الشعلية من حيث كونها اول صادر عن النار و اول ظاهر لها و اول مخلوق لها و هو الشعلة الزمانية اذا لاحظت خصوص وقتها و حدّها و تقيدها بحصة من المادة العنصرية الزمانية فالشعلة على أى حال أمر مثالى كما أن النار أمر مثالى فالشعلة المثالية لتوحدها وتذوّتها الحاصلة لها باضمحلالها عند النار كان لها كمال هو هى عياناً و وجوداً و شهوداً و لذلك ليس المثال بشى‏ء ان لم يقع النظر على ذى المثال و لم يرذوالمثال و ليس هو هى جمعاً و كلاً و احاطة و توحداً و تقدساً و تذوتاً و كما أنه لم يظهر الشعلة المثالية الا بمحل لم يظهر النور الذى هو مثالها الا فى محل و لما كانت الشعلة بالنسبة الى النور ذاتاً و النور بالنسبة اليها صفة و لم تظهر الشعلة فى عالم الزمان الا على الدخان المعين فلم يظهر نورها التابع لوجودها فى عالم الزمان الا على مستقبل لها مواجه معها بلاحايل فان الشخص الزمانى باب أفاضة الشخص الدهرى لمن لم يقدر الاستفاضة من الشخص الدهرى فالجدار الذى لم يرتبط بالنار الجوهرية و لم يتكلس و لم يتجز و لم يتدخن و لم يصر شعلة تحكى من غير واسطة عن النار اذا اراد الاستفاضة عنها لابد و ان يتوجه الى جسم مثله عنصرى كثيف قد ارتبط بالنار و تعلم منها و هو قائم يترجم ما تعلم بلغة الاجسام الزمانية و يقول أنا جسم مثلكم عنصرى لافرق بينى و بينكم الا انى أفنيت نفسى فى سبيل النار و فررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى حكماً و علماً و جعلنى من المرسلين يوحى الى أنما النار مشرقة مضيئة محرقة مكلسة و انتم لاتسمعون الا كلامى و لاترون الا جمالى و لاتعرفون غيرى و انا بابها اليكم و سبيلها و ترجمانها و وجهها و جمالها و ضياؤها و بهاؤها و سناؤها و يدها و جنبها و جميع ما يرجع اليها اذ أنا مرجعيتها و ما يعبر به عنها فمن أجل ذلك لم يستنر الجدار الا بعد المواجهة للشعلة مع أن نور الشعلة أمر مثالى نسبته الى جميع الامكنة على السواء لكن عين الجدار لاتراه لأنه عنصرى و هو مثالى فأين ماتوجه لم يستنر الا

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 363 *»

أن يجى‏ء الى الشعلة التى هى‏ترى المثال و تقدر ان تراه و تسمعه لأنها جذبت أحديتها صفات و احديتها و رفعت اذنها و عينها حتى شاهدت المثال و تنزلت آثار المثال على مراتبها حتى واقفت الظاهر فحكت للجدار و المرايا بلغتها ذلك المثال ففهمت و استنارت على حسب فهمها و قابليتها و صفائها و كدورتها و لما كان هذا المثال أيضاً لتوحده و تذوته المكتسبة من الشعلة و اضمحلاله عندها له كمال و جمال كان له مثال و لما كان ذلك المثال تابعاً للمثال الاول و المثال الاول لم يفهمه الا من توجه الى الشعلة بلاواسطة و كل من لم يحضر حضرته لم يحط به و لم يدركه فلم ينتفع منها بلاواسطة الا الجدار الاول فلم يترجمه باللغة العنصرية الثانية الا الجدار الاول فالجدار الثانى الممنوع عن عالم المثال و عن الشعلة ذات الجلال افتقر الى ان يتوجه الى الجدار الاول المترجم عن المثال الاول فيتعلم منه و يسمع منه فيقول له هذا الجدار أيضاً أنا جدار مثلك الا انه تفضل على ربى و شرفنى بلقاء الشعلة فترجمت لى عن سمع و نطق و فهمتنيه و حدثتنيه فهى محدثة عن النار و أنا محدث عنها فحدثتنى أن النار محرقة مضيئة و أنت يا ايها الجدار الثانى اما ان تفوز بمثل ما فزت فتأخذ عن الشعلة و الا فأنى لسانها و وجهها و سبيلها و جنبها و ترجمانها و بابها و ظاهرها عندك فلاتقدر الا على الاخذ عنى و هكذا يترجم الوسائط لمن هو أدنى منها و يعبرون عما وعوا و يترجمون عما سمعوا و لانهاية لهذه الامثلة ان لم يغير الرواة الكلام و لم يحرفوا و لم يدخلوا فيه ظلمة و شائبة و انما يتناهى و ينقطع كل دين بتغيير المغيرين حتى لم يبق من الاصل أثر و لو لم يغيروا لبقى الى يوم القيمة اعتبر ذلك من حكاية الجدران و حكاية المرآتين اللتين بينهما شعلة و السلام.

فصل – اعلم ان كل مثال اذا وقع على كثيف سواء كان المثال الاول او الثانى او  غيرهما يكمل ذلك المثال ذلك الكثيف تكميلاً و يتكمل ذلك الكثيف من ذلك المثال تكملاً فان مثال السراج و مثال الكثيف متساوقان يمكن التكميل بينهما و هما مثالا مادة واحدة و يدا فاعل واحد حقيقة فمثال السراج يكمل مثال الكثيف

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 364 *»

و يشرقه و مثال الكثيف يتكمل بمثال السراج لكن على حسب قابليته و استعداده و بكثافته و غلظه يستنير قابلاً للرؤية فلاجل ذلك يرى النور على الاحمر أحمر و على الاصفر أصفر و هكذا و لاجل انفعال الجدار على حسب قابليته و تكمله من نور السراج يقع المثال الثانى على حسب هيئة مثال الجدار لاالمنير السابق فالنور الآتى لايصير كثيفاً مرئياً بالمحل لأنه مثال المنير الاول قائم به صادر عنه و زمام تغييره بيده لابيد غيره و اما مثال الكثيف الذى هو الظلمة فهو يتكمل بتكمل مبدئه و يصير نوراً مرئياً بيناً للناظرين فالمثال الآتى منبسط على مثال الكثيف كالماء على الاناء و كما أن الماء يشف عن الاناء و يرى الاناء من تحته كذلك يشف المثال بعد انبساطه على الجدار و لايحجب صبغ الجدار و يرى مثال الجدار من تحته و لولا كثافة الجدار لم يظهر و لولا النور لم يستنر الجدار × فكل الى كل مضاف و منسوب × فكما ان النار الجوهرية كانت محجوبة عن الانظار و كملت بمسها الدخان و أخرجت من قواته صورة الشعلية الضيئة فظهرت و الظاهرة هى صورة الدخان الى النار و كانت صورة الشعلة هى مثالها و آيتها الظاهرة كذلك نور الشعلة مسها فكملت بمسها اى نورها الجدار و أخرجت من قواته النور فظهر الجدار المستنير و الظاهر هو هو لا المثال و المثال دهرى بالنسبة على معنى مامر فالمثال السراج الظاهر هو استنارة الجدار من حيث الحكاية للسراج و اتباعه له فتكمل الجدار من حيث الانتساب الى الشعلة تكميل لها و اثر لها و ليس مثال آخر للسراج دون تكمل الجدار و الجدار من صقع الشعلة و قد تكمل بها و تكميل الشعلة أثرها لاتكمل الجدار و المرئى هو الجدار المستنير المتكمل كما أن المرئى فى الشعلة هو الدخان المستنير المتكمل و كذلك ينطبع الامثلة فى المرايا و كذلك يكون المثال الثانى نور المثال الاول و شعاعه و شيعته و كذلك افهم الاخبار و الايات التى رويناها فى اول الرسالة.

فصل – بقى توضيح شيء و هو أن الله سبحانه يقول يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار فأخبر أنه بعد مس النار يضيء الزيت و الزيت هو المضيء لا النار و

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 365 *»

قدبيّنا ذلك فى الفصول السابقة فالجدران المرتبة أيضاً بمنزلة الزيت لمس المثال السابق الذى هو بمنزلة النار فالمضيء للجدار الثانى الجدار الاول لان العبودية جوهرة كنهها الربوبية و ماترى فى خلق الرحمن من تفاوت فكما أنه كان مرجع المثال الاول الشعلة لانه كان على حسب هيئتها و لونها و طبعها كذلك مرجع المثال الثانى الجدار الاول لا المثال الاول الذى عليه على ما صدر من الشعلة فأنه أى المثال الثانى فى هيئته راجع الى الجدار المستنيرالاول و فى شكله و طبعه لا الى المثال و لذا قد لا يكون على هيئة الشعلة و لونها و يكون أبداً على هيئة الجدار و طبعه و لونه فالمضى‏ء للجدار الثانى هو الجدار الاول المستنير المتكمل بما وقع عليه من المثال لاالنور الواقع عليه فانه على طبع سابقه و هيئته و لونه فان قلت فعلى ذلك ليس ما على الجدار الثانى من السراج و نحن نرى انك لورفعت السراج ارتفعت الانوار عن كل الجدران قلت ان الحافظ لاستنارة كل جدار هو المثال الواقع عليه و ان الله يمسك الاشياء باظلتها و المثال هو ظله الممسك له و حيوة استنارته و روح جسده و قدر عمله و الفعل من النار ألم تسمع قوله ألقى فى هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله فذكر ان الافعال تظهر عنها فهى الفاعلة و مرجع الفعل و لكن بحفظ المثال الملقى كما أن العامل زيد لكن بحفظ القدر الذى فيه و الكاتب هو اليد لكن بالروح الذى فيها ألاترى ان الكتابة لاتحكى كرم روح زيد و شجاعته و انما تحكى كتابته الظاهرة فى يده و لو كانت حاكية روح زيد لحكت كل ماله فهى حاكية لجهة الكتابة و هى التى ظهرت فى اليد فالكاتب الحقيقى هو اليد و ينسب الى الروح لأن اليد جهة ظهوره بالكتابة و الذات غيبت الصفات و هو سر فكذلك نورالسراج لايحكى النار و لو كان حاكياً لها لحكى جميع خصال النار و انما يحكى جهة أشراقها الظاهرة فى الشعلة و كذلك نور الجدار الثانى يحكى جهة اشراق النور الاول و تبيّنه و ظهوره و هو استنارة الجدار فالجدار المستنير الاول كاليد الكاتبة و المثال الذى عليه كالروح و القدر فالمضيء للجدار الثاني الجدار الاول و المثال الذي عليه حيوته و حافظه فلو سلب الحيوة عنه لكان

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 366 *»

ظلمانياً لا انارة له و كذلك كل جدار فلو رفعت السراج ارتفعت الحيوة الاولى الحافظة للكل و بقى الكل مظلمة فان جميع الجدران حاكية جهات ظهور النار و صفاتها فاذا ذهبت الذات ذهبت الصفات و انما صارت حاكية صفات النار لانها لم تتكلس بنفسها و لم تتصل بالنار و لم تصر ناراً و كل ما هو خارج عن ذات الشيء لايرى و لايساور و لايشعر و لايعاشر الا صفات الشيء فكذلك كل ما سوى الزيت الاول المتحد بالنار الاولى التى هى الذات و ذات الذوات و الذات فى الذوات للذات لايحكى الا جهات ظهور تلك الذات و لم يتحد شيء منها مع الذات فلاجل ذلك لاحيوة لشيء منها من نفسها هو الحى لا اله الا هو و انك ميت وانهم ميتون و تحسبهم أيقاضاً و هم رقود قل كل من عند اللَّه فمالهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثاً فتبيّن مما قدمنا ماحاصله أن النار الجوهرية بذاتها ليست بمنيرة و مضيئة و لاينسب اليها فعل و لا أثر و انما أول مقامات النسبة والاضافة مقام الشعلة فهى المنيرة الاولى لنفسها بنفسها فى نفسها للنار الظاهرة لها بها فيها فهى المنسوبة و المنسوبة اليها للنار الظاهرة و هى هى ثم نور الجدار الاول هو المنيرة الثانية للشعلة يعنى هو صفة منيرية الشعلة و هى منيرة للجدار بالنور الذى عليه و النور الذى هو عليه هو مس الشعلة و فعلها قد مسّت لون الجدار به فأضاءه و كمله بذلك النور كما أضاءت النار لون الدخان فاستضاء لون الجدار بتكميل الشعلة و تكميلها فعلها و فعلها مثالها و مثالها نورها القائم عليه فتكمل لون الجدار كما تكمل لون الدخان و لأجل أن لون الدخان و لون الجدار من عرض واحد و قد تكملا بنهج واحد صارا يريان بعين واحدة هى من جنس الجدار و الدخان و ذلك لاجل قوله7 انما تحدّ الادوات أنفسها و تشير الالات الى نظائرها فلما تكمل لون الجدار الاول صار كالزيت المضيء فأضاء للجدار الثانى و هكذا فلون الجدار الاول كان عرض مادته و فى مادته صلوح الظهور بلون الجدار المظلم و باللون المستضى‏ء فلما ألقى عليه مثال الشعلة و هو مسها و هو أيضاً من مادته و

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 367 *»

هو مجانس معه أخرج ذلك المثال من قوة مادة لون الجدار الظهور و الاستضاءة و أخفى الاظلام فظهر مستضيئاً و هذه الاستضاءة لللون لما كانت من الخارج اى من الشعلة و ليست بذاتية تلك المادة بل هى عرضها الزمانى كانت باقية ببقاء المؤثر الخارجى كما ان استضاءة لون الدخان باقية ببقاء النار فمادام النار قائمة عليه كان ضيئاً فاذا فارقت عاد مظلماً دخاناً فكذلك لون الجدار مؤثره الشعلة بمثالها فمادام المثال باقياً كان مستضيئاً فاذا فارق عاد الى ما كان و كذلك كل جدار يستضيء بمثال الجدار السابق فمادام باقياً عليه هو مستضيء فأذا فارق فارق الاستضاءة و عاد الى ما كان فأثر السابق هو مثاله و نوره المعبّر عنه بفعل تكميله و المتكمل هو لون الدخان او الجدار و تكمله باق مادام فعل المكمل قائماً عليه و هذا شأن كل متكمل مع مكمله و ما يرى من بقاء الشعلة بعد شعلة أخرى فانما وجهه أن الشعلة الثانية تكملت بالاولى حتى صارت قابلة لأن يتعلق بها ما تعلّق بالاولى فلمّا تعلق بها ما تعلق بالاولى استقلت بما تعلق بها كما كان الاولى مستقلة فأذا استقلت بما تعلق بها و صار موجوداً فى آن كلست ما يليها من الدهن و كمّلته فلولم يلحقها مدد من الدهن فالشعلة انطفت من آنها فان الحرارة المحمية للاجزاء الترابية التى فى الدخان تصعد و تستحيل برداً ببرد الهواء و يبقى تلك الاجزاء مسودة فتبين ان المتكمل متكمل مادام المكمل قائماً عليه و المتكمل ليس الكمال بذاتى له لايزول و انما هو اثر من المؤثر الخارج عن ذاته فلافرق بين الشعلة و الجدار فالكمال الذى هو أثر المؤثر الخارج هو بمنزلة الروح بل هو الروح و المتكمل بمنزلة الجسد المحيى بتلك الحيوة فهو حى مادام فيه الحيوة فاذا فارقته خرّميّتاً لاحراك له فلاجل ذلك اذا رفعت الشعلة التى هى مبدء حيوة الجدران اظطلمت الكل و ان وضعتها حييت الكل و استنارت و هذا شأن كل شيء حيوته غير ذاتية فاذا حى الجدار الاول بمثال السراج صار لون الجدار هو الجسد المحيى و صار مؤثراً للجدار الثانى و الاثر للجسد لا للمثال الذى فيه فان الأثر على حسبه لاحسب المثال و ان كان يؤل الى المثال أخيراً و ان قلت فعلى ذلك يكون المتعلم اثر المعلم و الحال انهما من عرض

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 368 *»

واحد قلت لايشك أحد ان التعليم هو أثر المعلم و فعله و اما شخص المتعلم فرجل كالمعلم و اما التعلم فهو فعل المتعلم و اما وصف المتعلم فهو من حيث الحصول من تعليم المتعلم فهو ما لم يستقل مثاله كما ان الانكسار من حيث الكسر أثر الكاسر و لاضير ثم من المتكملات ما ليس فيه ما ينافى المتكمل فيكون على حسب رضاه و منها ما فيه ما ينافيه فيكون على خلاف رضاه على حذو شبحك فى المرآتين و كلاهما قائم بك فقل كل من عندالله و لكن لايرضى لعباده الكفر و ان تشكروا يرضه لكم فافهم و هذا غاية تحرير المسئلة فخذه مغتنماً و كن من الشاكرين و الحمدللَّه رب العالمين.

فصل – بقى هنا مسئلة فى بيان نسب تدرج النور فى الهواء او فى زجاجة بعد زجاجة اعلم انا ذكرنا سابقاً ان النور الصادر عن السراج مثالى و لايدرك بهذه الحواس العرضية الا ان يتعلق ذلك المثال بمادة كثيفة و يتكثف فيرى مضيئاً و الا فلا يرى و ما لا يرى خفى و ما هو خفى ظلمة و ليس بنور فلاجل ذلك اذا صدر النور عن المنير كالشعلة مثلاً و وقع على الهواء لايكاد يتكثف للطافة مادة الهواء فيبقى على لطافته المثالية فلاجل ذلك لايرى ضوء فى الهواء ولايستضيء الهواء و من ذلك الظلمة التى ترى فى الهواء و تسمى بالسماء فانما هى ظلمة الهوا الغير المستنير فلما لم يستضى‏ء الهواء المقارن للشعلة لم يكن ليضيء فيما يليه و كذلك ليس جزء من الهواء ليضيء الذى يليه فليس يضيء الهواء الجدار لانه بنفسه غير مضيء فمثال الشعلة يبقى فى الهواء على لطافته الى أن يقع على الجدار فيستضيء الجدار به و يتكمل لونه به فيضيء ما يواجهه ثانياً فالنور من لدن الشعلة الى الجدار باق على صرافته و انما يضعف شيئاً بعد شيء بواسطة الأهبية التى فى الهواء و أظلالها لما ورائها و كلما يكثر الأهبية يكثر سواد الظل و يمازج النور فيضعف فلأجل ذلك كلما يقرب من المنير يكون أنور و كلما يبعد يكون أضعف و كذلك اذا وقع على الجدار و تكمل لونه يكون هذا النور أضعف من الشعلة لممازجته

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 369 *»

كثافة لون الجدار فيكون الضوء الثانى أضعف من الاول و كذلك يصير الثالث أضعف من الثانى و هكذا كلما يتدرج يصير أضعف و كل هذا الضعف لممازجة الظلمة التى فى القوابل و الا فالمثال من حيث نفسه لاتفاوت فيه و أذا وضعت على الشعلة زجاجة فان كانت صافية لالون لها و لاكثافة أبداً فليست تستضيء لانها لالون لها و لا كثافة تتكمل و ترى النور كالهواء و ان كان لها كثافة ما و لون ما فانها تتكمل و تستضيء و ترى و تحيى بحيوة المثال فتصلح لان تحيى و تكمل ما ورائها ألاترى ان النور الذى وراءها يكون على صفتها و لونها و يرجع اليها لا الى المضيء السابق عليها فهى المنيرة المؤثرة لماوراءها كما كان المرآة و الجدار مؤثرة لما أمامها بلاتفاوت فالهواء لاتصال بعض أجزائه ببعض و عدم كثافة معينة لاجزائه كجسد واحد و حيوته حيوة واحدة سارية نافذة فيه و كذلك لوكان مكانه زجاجة تخينه لالون لها و لاشكل مرئياً و اما اذا كان لجزء منه او منها تعيّن و شخصية فذلك الجزء يتكمل و يكمل فافهم راشداً موفقاً و اما ساير المسائل المتعلقة بالمقام فمتكفل به كتابنا الموضوع فى علم المناظر و المرايا فان شئت فراجعه و فى ذلك الكتاب ذكرنا ماكتبنا هنا بالاجمال لانه جزء من ذلك الكتاب و مسئلة من مسائله و لم يمكننا الاستيفاء التام و اما هذا الكتاب فهو موضوع فى علم السراج خاصاً فلذلك استوفينا القول فيه و لنختم هذه الرسالة بفصل فى فضل من فضائل آل محمد: ليكون ختامها مسكاً و فى ذلك فليتنافس المتنافسون.

فصل – اذا عرفت ما بينا من أمر السراج و أنواره فاعلم ان اللَّه القديم الذى ليس كمثله شيء هو أجل و أعظم من ان ينسب اليه شيء او ينسب الى شيء او يرتبط به شيء او يرتبط بشى‏ء او يضاف الى شيء او يضاف اليه شيء او يصدر من شيء او يصدر منه شيء هو أحد صمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفؤاً أحد و انما جهة أضافته و نسبته هو تجليه الاوّل الاعظم الاكرم و هو محمد9

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 370 *»

بالكتاب و السنة و الاجماع و هو السراج المنير لنفسه و لجميع عالم الامكان فخلقه اللَّه سبحانه به و هو يده فى خلق نفسه فهو قائم بنفسه لنفسه التى هى بكلها للَّه سبحانه على ما شرحنا و اليه الاشارة بقوله: قل من بيده ملكوت كل شيء و هو يجير و لايجار عليه ان كنتم تعلمون سيقولون للَّه و بقوله الحمدللَّه رب العالمين. فلما خلقه اللَّه سبحانه به على ما شرحنا و هو أوحد ما فى الامكان و أشرفه و أكمله كان له أنوار و أمثلة و أشعة كالشعلة حرفاً بحرف فتلك الاشعة وقعت على القوابل الامكانية العلمية للَّه سبحانه فما استنارت منها الا قوابل الانبياء لانّها كانت مواجهة لها حسب و سائلة لصفته بلاواسطة كما لم يستنر من نور الشعلة الا الجدار الاول و لم يحى بتلك الحيوة اللطيفة الاّ تلك الاجساد اللطيفة فلما حييت بها و استنارت صدرت منها أشعة مثالية لم تكن ظاهرة بنفسها الاّ بعد ان وقعت على القوابل الامكانية العلمية فاستنار بها قوابل الاناسى المواجهة حسب و لم يحى بها احد سواهم و لم يسألها غيرهم فلما استنارت و استضاءت أشرقت بأشعة لم يحى بها احد الا القوابل الحيوانية فلما استنارت أشرقت على القوابل العلمية فلم يستشرق منها الاّ القوابل النباتية فلما استنارت و حييت بها أشرقت على القوابل العلمية فلم يستشرق منها الا القوابل الجمادية فحييت و صارت كماترى فهذه القوابل المستشرقة منها ما كانت متهيئة بهيئة العالى متصفة بصفاته فى التشريع عاملة بمقتضى المثال المفاض عليهم و ان كان فيها قليل كثافة مستشرقة منيرة و منها ما كانت متهيئة بعد الاستشراق الكونى بهيئات متغيرة متبدلة تغير المثال الذى وقع فيها عاملة بمقتضى أنياتها فما لم تغيّر و لم تبدل أدّت الامانة كما استؤمنت فكان المثال الذى فيها على الفطرة و كانت محبوبة و ما غيرت و بدلت لم تؤدّ الامانة كما استؤمنت و كانت مبغوضة و ان شئت اعتبار ذلك فانظر الى مرآة صافية معتدلة و مرآة ملونة معوجة فان الاولى تظهر شبحك كما هو و كما انت و تحبّ الشبح الذى فيها و تنسبه الى نفسك و اما الثانية فانها تغيّر شبحك و تبدل فلايكون مثلك و تبغضه و تكرهه و لاتنسبه الى نفسك ألم تسمع ان الافرنج صنعوا مرآة اذا نظر الانسان فيها ظهر عليها شبح خنزير فيتبرّؤ منه و يعاديه و حيوة

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 371 *»

المرآتين بمثال وجهك و لولا مثال وجهك لم يكن لاحديهما نور و حيوة و ليس شيء بموجود فيهما كلاً نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظوراً كل شيء سواك قائم بأمرك و من آياته ان تقوم السماء و الارض بأمره فالمؤمن حيوته من نور محمد و آل محمد: و هيئته على طبق هيئتهم و اما الكافر فحيوته بهم و هيئته على خلاف هيئتهم فليس منهم و لا اليهم فالمؤمن أبوه النور و أمه الرحمة و الكافر ابوه الظلمة و امه النقمة فانه غير النور فى بطن هيئته و صبغه على خلاف ما كان يقتضيه المنير فليس من شعائهم و شيعتهم و أتباعهم فهذا مختصر ظاهر المرام فان شئت أن أشير لك الى سرّه فاعلم انا قد أشرنا سابقاً ان مادة كل شيء امكانه النوعية امكانه النوعى الراجح و الشخصية امكانه الشخصى الجايز و الامكان هو خزانة اللَّه التى بين الكاف و النون التين هما هو من حيث الفعلية للَّه سبحانه فالامكان النوعى من حيث الفعلية هو المشية الامكانية و الامكان الشخصى من حيث الفعلية هو المشية الكونية و سميته بالامكان الشخصى لالاجل أنّه شخص معيّن فان الشخص المعيّن هو الكون لا الامكان بل المراد به الامكان  المقرون بالصورة الشخصية المتلبس بها من حيث هو لا من حيث هى فالامكان النوعى من حيث الرب فعل اللَّه و من حيث نفسه امكان و هو خزانة اللَّه و رحمته الواسعة التى وسعت كل شى‏ء و لا نفاد لها لانه لانهاية له و فيه من الامكانات مالانهاية له ولكنها على ترتبها يعنى ان الاشراق مثلاً مترتب على المشرق، و النور على المنير، و الصفة على الذات، و الماهية على الوجود، و هكذا و تلك الامكانات الغير المتناهية هى علم اللَّه سبحانه الحادث الامكانى فلايفوته علم شيء و لايؤده و يعلم كل شيء كما هو فيعلم السماء سماء و الارض أرضاً و الغيب غيباً و الشهادة شهادة و المنير منيراً و النور نوراً و الذات ذاتاً و الصفات صفات و هكذا يعلم كل شيء به كما هو على ما يقتضيه الامكان و يعلم ما من الحكمة بروزه الى الاكوان و ما ليس من الحكمة بروزه الى الاكوان بل من الحكمة خفاؤه فى

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 372 *»

الامكان فسأله باذنه ما من الحكمة بروزه فى عرصة الاكوان ابرازه على ما علمه اللَّه تعالى من الترتيب الحكمى فان الفعل تمام القوة و الكون تمام الامكان و الظهور تمام البطون و ما لم يكن كليات الحكمة تامة فى ظهورها تامة فى بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و اللَّه سبحانه كامل و الكمال فى فعلية القدرة و القوة فسأله الابراز ما الابراز كماله فأبرزه اللَّه و ألبس كل قابلية خلقه الوجود و القوابل من ذلك الامكان نفسه و المقبول الذى يعطيها اللَّه سبحانه أيضاً من ذلك الامكان لكن من حيث ربه يعنى ان المادة النوعية التى هى الامكان الراجح قبل أن يخرج قواتها الى الفعلية كانت من حيث هى مركّبة من صورة صلوحية للاعيان و من مادة صلوحية للاكوان و هى من حيث كونها تجلى الربّ جل شانه فعل اللَّه اذ خلقها بها فهى من حيث الفعلية أيضاً لها مادة هى الذكر الاول و المشية و لها صورة هى العزيمة و الارادة فخلق مادته بالمشية و صورته بالارادة فسألته تلك القوابل التى كانت فى صورة الامكان بالقوة و معلومة للَّه سبحانه بألسنة قوابلها الكونية ان يحكم اللَّه سبحانه لها من صفة كينونته و وجوده الذى هو المادة او صفة صفته او صفة صفة صفته و هكذا على حسب ما علم اللَّه من رتبتها اذ هى اى الصور بالمادة تتكوّن و تتحقق كما أن صورة المرآة بالمثال الواقع فيها تتكون و توجد فحكم اللَّه سبحانه لها من صفة كينونته التى هى تلك المادة او صفة صفتها او صفة صفة صفتها على حسب درجتها بفعله الكونى الذى هو تلك المادة من جهة الرب فتكوّنت و وجدت و ظهرت فى عرصة الكون بالفعل بعد أن كانت فى الامكان بالقوة فوجد كل شيء هو هو فما حكم لها هو المادة الشخصية لها و الامكان الجايز المسمى بالوجود الجايز و ذلك السؤال سؤال دائم و ذلك الحكم حكم دائم فكانت الاكوان الجايزة و أعيانها فى محالها ثابتة دائمة و هى الصور العلمية الكونية للَّه سبحانه و لم يكن اللَّه سبحانه جاهلاً بها أبداً و تلك القوابل و المقبولات كلمات كتبها اللَّه فى لوح أمكنتها بقلم مشيته الكونية التى هى هى فكانت على ما كتب لايخالف مقبولاتها مشيتّه و لاقوابلها ارادته فهى بمشيته دون قوله مؤتمرة و بارادته دون نهيه منزجرة.

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 373 *»

و من البيّن أنه كتب السبب الاول الاعظم بمشيته و المسبّب الاول بالسبب الاول و المسبب الثانى بالمسبب الاول و الانوار بالمنيرات و الصفات بالذوات والافعال بالفواعل و الاعراض بالجواهر و المعلولات بالعلل و هكذا فان كل قابلية تسأل مالها من صفة الكينونة اوصفة الصفة او صفة صفة الصفة و هكذا و يعطيها اللَّه ايّاه لتكون هى هى و لو حكم للكل بصفة واحدة او بغير ما سأل لم يكن كل شيء هو هو فالمنير الاول الذى هو الحقيقة المحمدية صلى اللَّه على صاحبها و آله سأل من صفة الكينونة الاولى بلاواسطة فحكم لها بها و نورها سأل من صفة الحقيقة فحكم له بها و صفة الصفة صفة كما قال بعض النحويين أن الرّحيم فى البسملة صفة الرحمن و صفة الصفة صفة و نور نورها سأل من صفة النور فحكم له بها و هكذا كما يسأل الجدار الاول من صفة الشعلة و الجدار الثانى من صفة الجدار الاول و الجدار الثالث من صفة الجدار الثانى و هكذا و لاشك ان هذه درجات قابلة و ألسنة سائلة و الامكان النوعى يسع ذلك كله فلابد و ان يحكم لها بما سألت فكل عال يد فى صنع الدانى و لسان فى الحكم له و قلم فى كتبه فى لوحه بفعله و اما الامكان الشخصى لكل طبقة فمخصوص بتلك الطبقة حادث بواسطة صورة الطبقة الاولى و تأييدها كما أن مادة استنارة كل جدار مثال الجدار السابق فهو مادة للطبقة الدنيا من حيث الاقتران بالصورة و امكان من حيث هى و فعل للطبقة العليا من حيث الرب و حيوة الكلّ بنار المشية الماسة للزيت الاول كما مرّ فى السراج فلامنير الاّ السراج الاول به تنور جميع طبقات القوابل و لا محرّك الا هو به تحركت المتحركات و سكنت السواكن و تلك الصور فى كل مرتبة و طبقة مخلوقة من نفس تلك المادة فمادة كل مرتبة من مادة فعل العالى و صورتها من صورته بقى شيء و هو أن ما ذكرنا هو حكم الوجودات الكونية و تشريعياتها و هى الفطرة التى فطر الناس عليها لاتبديل لخلق اللَّه و هى فطرة التوحيد المشار اليها بقوله: و اذ أخرج ربك من بنى آدم من ظهورهم ذرّيتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 374 *»

 بربكم قالوا بلى فلم ينكر ذلك احد منهم و هيهنا كل قد علم صلوته و تسبيحه و ان من شيء الا يسبح بحمده و يسبح اللَّه بأسمائه جميع خلقه فلما نزل العالى فى صقع الدانى ليقيم عليهم الحجة فى المشهد الثانى فأقام الحجة فمنهم من آمن و منهم من كفر. و هو قوله: كان الناس امة واحدة فبعث اللَّه النبيين مبشّرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب و الحكمة ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و ما اختلف فيه الاّ الذين اوتوه من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم. الايه و شرح ذلك أن قوابل كل مرتبة كانت مختلفة بينها من حيث هى تضاد و اختلاف و لايزالون مختلفين الاّ من رحم ربك و ان كانت كلها بالنسبة الى العالى مؤتلفه فى الانقياد لأمره متوجهة اليه اذ به كانوا و وجدوا فمن القوابل ساذقة @ساذجة ظ@ عن كل كثرة و صبغ و شكل فيحكى العالى فهو باطن العالى اذ هى باطن الدانى و منها مصبوغة مشكّلة فلاتحكى ما يحكيه المسازج@ فهى ظاهر العالى اذ هى ظاهر الدانى و الدانى كله فعلية العالى ظاهره ظاهره و باطنه باطنه و باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فلما حكى الحاكى ما حكى لم يقبله المصبوغ منه و قابله بالانكار لانه مقتضى صورته و كونه هو هو بالنسبة الى الحاكى و قبله غير المصبوغ فهيهنا اختلفوا فى الايمان و الكفر فمنهم من آمن و منهم من كفر و لو شاءاللَّه ما اختلفوا ولكن اللَّه يفعل ما يريد لايسأل عما يفعل و هم يسألون لانّه علم من كل واحد ما هو به هو و ما هو يختاره و يعمله فى العلم الامكانى و أعطاه ما سأل من صفة الكينونة من باطنها او ظاهرها فكان فى الكون هو هو عاملاً بمقتضى باطن الكينونة الذى هو المثال اى المادة او عاملاً بمقتضى ظاهر الكينونة الذى هو الصورة و الهوية فلايقال له لم علمت و لايقال له لم اعطيت ما سئلت و هم يسألون فله الحمد على ما انعم و لاحجة عليه للخلق فى كونه هو هو فما اصابه من حسنة الوجود و مقتضياته فمن اللَّه و ما اصابه من سيئة هويته و مقتضياتها فمن نفسه و كل من عند اللَّه فان هويته ليست بقديمة و انما هى ممكنة بمشية اللَّه و لكن اللَّه لما خلق الممكنات خلقها

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 375 *»

هى هى و لم يخلقها غير هى فانه لااقتضاء من نفسه و لاعدل فى جعل الشيء غير هو هو و ان قلت هل كان يقدر زيد أن لايكون هو هو أم لا قلت كونه هو هو عين ذاتيّته و انما يقال يقدر فلان ان يكون كذا و ان يكون كذا فى الاكوان الوصفية بعد ثبوت الكون الذاتى ذى القدرة فلامعنى لقول القائل هل تقدر الحمرة ان لا تكون حمرة و كذا لامعنى لقولك هل يقدر زيد ان لا يكون زيداً نعم يمكن السؤال هل يقدر زيد ان يكون كافراً او مؤمناً؟ فأقول نعم فانهما وصفان عارضان شرعيان و زيد الكونى امكان الصفات الشرعية لكونه مركباً من وجود و ماهية فان عمل بمقتضى وجوده كان مؤمناً و من أهل باطن السور او ماهيته فكان كافراً و من أهل ظاهر السور و وجوده مثال المشية المطابق لها و ماهيته حيث هى هى فى القدسى روحك من روحى و طبيعتك على خلاف كينونتى فلما أنكر الدانى المصبوغ بمقتضى صبغه قول العالى الساذج و لم يقبله بمقتضى الوجود المفاض عليه خلقه اللَّه كافراً بانكاره قال صرف اللَّه قلوبهم بأنهم قوم لايؤمنون (لايفقهون ظ) و قال بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية و قال فى الآخرين يهديهم ربهم بأيمانهم فكفر الكافر و ايمان المؤمن من حيث الآئيه و النسبة الى العالى مشية اللَّه الا أن الايمان مشية اللَّه المحبوبة و الكفر مشية اللَّه المبغوضة و هما من حيث هما صفتان للفاعل فمن علم اللَّه منه انه يؤمن أثبت بقلم أيمانه على لوح أفعاله و صفاته الايمان لانه مخلوق بنفسه لكون فاعله و من علم اللَّه منه أنه يكفر أثبت بقلم كفره على لوح أفعاله و صفاته لكونه الكفر كما أثبت كل كون على لوح وجوده بقلم ذلك الكون فان كونه مخلوق بنفسه للفاعل العالى فأى حجة على اللَّه سبحانه بعد ان أجرى فعله على كل مفعول على يديه و هذا هو سرّ سرّ القدر الذى ضل فيه كثير من الخلق و قد شرح اللَّه تعالى ذلك فى قوله لاولى الالباب انما أمره اذا أراد شيئاً ان يقول له كن فيكون حيث جعل فاعل فعله المفعول فتدبر تفهم فهذا آخر ما أردنا أيراده فى هذه الرسالة الشريفة و قد فرغ من تسويدها

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 376 *»

مصنفها كريم بن ابراهيم فى ليلة السبت الثالثة عشرة من شهر ذى الحجة الحرام من شهور سنة تسع و ستين بعد المأتين و الالف حامداً مصلياً مستغفراً.