02-03 جوامع الکلم المجلد الثانی – رسالة في جواب الآخوند ملاعلي ـ مقابله

رسالة فی جواب الآخوند ملاعلی

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 128 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و صلّي الله علي محمد و آله الطاهرين.

قال العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائي قد ارسل اليّ جناب المولي المحترم و العامل المكرم جناب الفاضل الاخوند الملا علي اصلح الله احواله و بلّغه آماله في مبدئه و مآله بجاه محمد و آله صلي الله عليه و آله بعض السؤالات المشيرة الي دليل عنوانات الصواب و برهان دقيق الخطاب بما لايحويه كتاب و لايتضمنه جواب من بعض اسرار الاعتقاد الذي عزّ فيه طريق الرشاد ممّا يضيق به الفؤاد و قلبي غير مقبلٍ و لا فارغ من الاشتغال و تشويش البال فكتبتُ علي غير اقبالٍ من شدّة البلبال و اختلاط الاحوال ما يحضر من المقال و الي الله المرجع و المآل.

قال سلّمه الله تعالي:  بسم الله الرحمن الرحيم و الصلوة علي انبياء الله و اوصيائه ثم المسؤول من ذلك الجناب من دون ملاحظة للسائل لتهذيب الكلام و تنقيح المرام يعني انه سلمه الله غير ملاحظ في عبارة السؤال لتهذيب الكلام و تنقيح المرام اي المقصد و المطلوب و فضل تأمل اي زيادة تأمل لانكشاف المعضل من ذلك سؤال بل اقتصرت علي السؤال تسهيلاً لادراك المطلوب و سبب ذلك عدم التمكن لضيق الوقت و المجال مع ان غاية ما يتأدي اليه فكر امثالي صلة لما ذكر من العلة لان مثل هذه الامور البعيدة عن مدارك العقول لم‌يكن لها ذكر و لم‌يجر فيها بحث ليراجع و يتأمل فيه علي فرض التأدي فان الصعوبة المشار اليها انما تكون اذا فرض امكان الادراك و الا فهي متعذّرة لان الاسرار اذا لم‌يبحث عنها و لم‌يرد فيها قول و لا خبر بظاهره تكون وراء طور العقول بل مع البحث و ورود الاخبار ادراكها كاد ان يكون متعذّرا او متعسّرا و لله درّ عبدالله بن القاسم السهروردي في قصيدته التي في صفة سير السالكين و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 129 *»

سيرة الواصلين قال مشيراً الي نبي الله موسي الكليم علي نبينا و آله و عليه و عليهم السلام قال:

جاءها من عرفت يبغي اقتباساً‌ و له البسط و المني و السُّؤُلُ
فتعالَـت عـن المُنـالِ و عـزَّت عـن دُنُوٍّ اليـه و هـو رســولُ

تنقية مس سؤالي خبر غاية و المس باللغة الفارسية النحاس و لعلّ عدوله ايده الله عن العربية مع ان عبارته كلها كذلك للايهام او المغايرة بين حالتي الصفر فان النحاس في العمل المكتوم يستعمل في المياه المصفّاة قبل تشبيبها و بعده و لهذا

قال ايده الله: و صيرورته نحاسا علي اصطلاح ارباب المعادن اي اصحاب الميزان او اصحاب الاكاسير ان النحاس يطلق علي الاحمر من دون ظل اي بعد تصفيته عن وسخه و عن يبوسته و تفتّته و عن تلزّزه بعض التلزّز حتي يساوي بندقته بندقة الفضّة و لايكفي ذلك في صيرورته بالغاً مبلغ الاستحقاق في المسكوكية ديناراً او درهماً الا بالقاء اكسير لحاظ ذلك الجناب يعني بعد تصفيته و متأهّله للبياض لايبلغ رتبة الدرهم و بعد تبييضه بمبلّغ رتبة الدرهم لايبلغ رتبة الدينار بالقاء اكسير البياض في الاول و الحمرة في الثاني و هو هنا كناية عن تقرير المسؤول علي ما فهمه السائل كأن يقول الامر كما قلتم او يعدّله علي وقوع خلل فيه كما هو شأن الاكسير او بالجمع بين تلك الاجسام الناقصة المنقاة بتنقية الفكر أي او بالاجتماع في مجلس الحضور الجسمي و المشافهة فيما يراد او الحضور الروحاني بمعونة الامداد و التلقي من الدعاء لرب العباد او بتنقية الفكر بالقاء بعد القواعد الهادية الي سبيل الرشاد بميزان التعديل الذي لايوجد العلم به مجتمعاً في دفتر و لا كتاب و ذلك من قوله تعالي و زنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير و احسن تأويلاً و ذلك بان تكون التعريف من دليل اهل الاعراف عليهم السلام اِما بخصوص الدليل او بعمومه فخصوصه معروف و عمومه ما وضع الشارع من القواعد التي ينفتح من كل باب الف باب مثل قوله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 130 *»

قوله تعالي و تلك الامثال نضربها للناس و ما يعقلها الا العالمون و قوله تعالي و كأين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون، و قول امير المؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه و قوله:

اتحسب انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر

و قول الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبيّة اصيب في العبودية الحديث، و قول الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان ما هنالك لايُعلم الا بما هيهنا هـ ، و امثال ذلك فهذه و امثالها و ان وجدت في الكتب و علي السن الناقلين و لكن استخراج ما في بواطنها من الجواهر بعيد جدّا و ما هو الا كما قال البوصيري في قصيدته الهمزية في مدح النبي صلي الله عليه و اله:

انّما مثّلوا صِفاتِك للنا سِ كما مثّل النجومَ الماءُ

فكيفيّة الاستنباط و ما ارادوا عليهم‌السلام لايعلمه احد الا بتعليمٍ خاصٍّ منهم عليهم السلام و لهذا القائلون كثيرون و المصيب كالكبريت الاحمر و لكن اكثر الناس لايعلمون و لكن اكثرهم يجهلون و لكن اكثرهم لايعقلون

و ذلك الجناب هو الموئل و المرجع لكشفه بين الاصحاب اللهم لاتؤاخذني بما يقولون و اجعلني خيرا ممّا يظنّون و اغفر لي ما لايعلمون ان القيامة الكبري الواقعة في باطن باطن الزمان اذ هي الغاية يسئلونك عن الساعة ايان مرساها فيم انت من ذكراها الي ربك منتهاها فهي وراء الوراء ينبغي ان‌تكون قائمة اعلم ان الساعة التي هي القيامة الكبري في القوس الصعودي محاذية لعالم الذر في القوس النزولي فهي في التمثيل باعتبار قيامها في مكانها من الوجود الممكن و ما يقابلها من محاذيها مثل هذه الدائرة المرسومة فرقم الالف عند بدئها في النزول و الغين عند عودها في الصعود فتدبر في هذه الدائرة لتري رتبتها من الوجود الامكاني

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 131 *»

و هي هذه:

فاول دائرة النزول عقل الكل في رتبة الالف اللينة و اول مراتب القرار من الجنّة الرضوان في رتبة الغين في قوس العود و عالم الرقائق تحت العقل في النزول و ارض الزعفران في مقابل الرقائق في الصعود و نفس الكل تحت الرقائق في النزول و الرفرف الاخضر في مقابلة نفس الكل و عالم الذر الذي وقع فيه التكليف الاول حين قال ألست بربكم في مدة خمسين الف سنة مما تعدّون في رتبة النزول و القيامة‌ الكبري في مقابلة‌عالم الذر في يوم كان مقداره خمسين الف سنة مما تعدون و طبيعة الكل اربعمائة سنة تحت عالم الذر في رتبة النزول و مابين النفختين في مقابلة طبيعة الكل مدة اربعمائة سنة و عالم الهباء و المثال و الاجسام الي النطف مائة الف سنة في رتبة النزول و الممات و هو البرزخ مابين الدنيا و الاخرة‌ مقابلة في رتبة الصعود مائة الف سنة و بالجملة فالقيامة الكبري في مقام التفصيل محاذية لعالم الذر في مقام الاجمال فقوله سلمه الله تعالي الواقعة في باطن باطن الزمان، يريد ان القيامة الكبري في باطن البرزخ و البرزخ في باطن الدنيا المكني عنها بظاهر الزمان و كثيفه و قوله اذ هي الغاية، أي غاية التكاليف و مجمع سرّ قوله تعالي ان الساعة اتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي لان السؤال عنها لايحسن لعدم حسن الجواب فان في اخفائه يظهر لك سرّ لتجزي كل نفس بما تسعي و ليميز الله الخبيث من

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 132 *»

 الطيب و سرّ ام حسبتم ان‌تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء و الضرآء الآية، الي غير ذلك فقد ثبت انها قائمة موجودة بما اشرنا اليه من ان اهل الجنّة انّما نزلوا الي الدنيا منها و اليها يعودون و هي اصلهم فكيف يوجد الفرع قبل وجود الاصل و كذلك النار.

قال ايده الله تعالي: اذ هي محيطة بالزمان القائم المنقسم بالنسبة الي ما يقع فيه الي الحال و الماضي و الاستقبال.

اقول: تفهّم السر من الاشارة لئلا يطول المقال مع ضيق المجال قال تعالي سنريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم و بهذا و بما تقدم من الادلّة هذا الجسد الانساني كجسد زيد هو بعينه جسد الدنيا و هو بعينه جسد الاخرة و هو بعينه جسد البرزخ و هو بعينه هو الذي نزل من اصله الجنة او النار من قوله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزآئنه و ما ننزله الا بقدر معلوم فجسد زيد هو الجسد السابق في عالم الانوار ثم نزل الي الاجسام بطور الجسمية و كان في الدنيا بطور البشرية و ينتقل الي البرزخ و منه الي القيامة و منها الي الجنة او النار و كل شيء بهذا المعني فالجنّة اول مخلوق ثم خلق منها اهلها من اعلي عليين ثم خلق النار من اسفل السافلين من كتاب سجين و كلّ نزل من اصله و اليه يعود فاصله بكل احواله سابق عليه و جنّة الدنيا موجودة اتفاقا و هي بعينها جنّة الخلد كما ان جسد الدنيا الآن موجود و هو بعينه جسد الاخرة فحكم الانتقال لكل شيء و كذلك النار قال تعالي في حق الجنّة بمعني ما قلنا فاولئك يدخلون الجنة و لايظلمون شيئا جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب انه كان وعده مأتيا لايسمعون فيها لغوا الا سلاماً و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيّا تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقيّا فقوله تعالي بكرة و عشيّا هي جنان الدنيا و قوله تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيّا هي جنان الاخرة و هي واحدة في اليومين الدنيا و الاخرة كما ان جسدك واحد في اليومين الدنيا و الاخرة و قال تعالي في حق النار بمعني ما قلنا و حاق بال فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدُوّا و عشيّا و يوم تقوم الساعة فقوله غدوّا و عشيّا هذه النار الدنيا و قولهو

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 133 *»

 يوم تقوم الساعة هذه النار الاخرة و قد اجمع المفسرون و القرّاء علي الوقف علي و يوم تقوم الساعة و الابتداء بقوله ادخلوا ال فرعون اشدّ العذاب، فهذه النار واحدة في اليومين الدنيا و الاخرة كما ان جسد زيدٍ واحدٌ في اليومين في الدنيا و الاخرة فالجنة و النار موجودتان جنان الدنيا و الاخرة و نيران الدنيا و الاخرة و المراد من كون غرسها سبحان الله الاستحقاق فالاشياء في الجنان الأن كلها موجودة بغير تشخيص الاستحقاق و المستحق فاذا عمل استحقّ و تعينّ الاستحقاق كالرمّان الموجود في السوق و لكن لم‌يخلق لك الا بعد العمل اي لم‌تستحق شيئا منها الا بعد اعطاء الثمن فاذا اعطيت الثمن خلق لك أي استحقاقه فافهم و كذلك النار نعوذ بالله منها فاذا عرفت ان جسد زيد هو الموجود في الكون الاول ثم نزل الي هذه الدار بعينه فهو ح جسد الدنيا ثم يموت فهو جسد البرزخ ثم يبعث فهو جسد الاخرة لم‌يتغيّر الا انه يكسر و يصفّي و يصاغ الصيغة التي لايحتمل الفساد و لم‌يتبدّل منه شيء عرفتَ الجنة و النار و وجودهما في الكون السابق ثم نزلا في الدنيا بعينهما ثم يعودان يوم القيمة بعينهما من غير تغيير و لا تبديل و اذا عرفت هذا عرفت انّ الزمان في عالم الجبروت أي العقول و عالم النفوس أي الملكوت هو بعينه الدهر الذي يقولون انه وعاء المجرّدات و الثبات الباتّ فنزل مع الاجسام زماناً و حين كان الدهر في الجبروت ظرفاً للمجردات كان الزمان في الملك ظرفاً للاجسام و الماديّات و يعود كما بدأكم تعودون حرفا بحرف.

قال سلمه الله: لا انها تقع بعد قد بيّنّا وجودها بالدليل القطعي البديهي بما لايجري في خطاب و لايوجد في كتاب، ان في ذلك لعبرة لاولي الالباب.

قال سلّمه الله، و معني بعديّتها و ترقّب حضورها اذن بالقياس بالقياس الي من لم‌ينسلخ بعد عن اهاب الزمان فاتيانها بمعني اتيان الخارج عن مطمورة الزمان و الزمانيات علي التدريج بسرعة او بطء علي تفاوت مراتب السائرين في السير اليها لا اتيانهما اليهم لانها قارة بخلافهم.

اعلم ان الازمنة الخافتة انهار تجري بالناس في سُفن اعمالهم فهم يسيرون

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 134 *»

اليها حتي يقدموا عليها و هي تسير اليهم و ما اسرع الملتقي كما قال علي بن الحسين عليه السلام علي ما رواه الاربلي علي بن عيسي في كشف الغمّة قال عليه‌السلام:

و هنّ المنايا ايَّ واد سلكتُه عليها طريقي او عليّ طريقها

و اعلم انه ليس في عالم الكون شيء قارّ الا الواحد القهار فكل الخلق يسيرون الي ما منه بدئوا لافرق بين الاشياء الاعيان و المعاني.

قال ايده الله تعالي: نعم لاتُضَايق من القول بعدم افتتاقها قبل افتتاق ظاهر الوجود بالايمان و العمل الصالح كالركوع و السجود بل من القول بان امر الميزان و الجنان و النيران ايضا كذلك هي اعمالكم ترد اليكم غراسها سبحان الله.

اقول ان وجودات الاعمال هي باطن الوجود و هي علل العاملين و باعمالهم خلقوا و باعمالهم خلق لهم ما اعدّ لهم من نعيم و عذاب مقيم و انتم الان سائرون في قوس الصعود عائدون الي ما منه بُدئتم و لاتقدمون الا علي ما هو موجود قبل قدومكم و ما بالفعل قبل ما بالقوّة في كل شيء لان ما بالفعل كان اوّلا ثم كلّف الخلق في غدير خم بين مكة و المدينة في التكليف الثالث لانهم كلفوا عند حجر الاسود بألست بربكم و محمد نبيّكم و في غدير خم و عليّ وليكم و امامكم و ذلك في عالم الذر الاول ثم اُرجعوا الي الطين فكانوا بالقوّة في الطبائع و المواد و الصور و الافلاك و الاشعة و السحب و الامطار و النبات و النّطف و العلق و المُضَغ و العظام و التخليق ثم كانوا بالفعل منذ ولجتهم الارواح فهم عائدون فيما بالفعل و كلّما صعِدوا قوي ما بالفعل حتي تصلوا الي يقظة لا غفلة فيها فكلّما تقدمون عليه فقد سبق كونه وجوداتكم هذه و امّا قوله (ع) انما هي اعمالكم تردّ عليكم، فاعلم ان الاعمال صور الثواب و العقاب و الاوامر و النواهي موادها باعتبار الامتثال اكوان طيّبة و باعتبار المخالفة اكوان خبيثة و ارواحها و حياتها من الكريم الوهّاب و معني تردّ عليكم، انها منكم

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 135 *»

بُدئت ففي عالم الاسرار بها ذُكِرتُم ثم بكم ذكرت و في عالم الانوار منكم بدئت و في رتب الاطوار لكم تشخّصت و تحصّصت ثم بعد فيكم استجنّت و بافعالكم في هذه الدار صنعتم بامر الله صورها و تعودون بصور ما خلِقت بكم حقائقها التي بها كُوِّنتم و علي مقتضياتها قُدِّرتم و بحدودها تعيّنتم.

قال سلمه الله، فاذاً يصحّ الحكم بامكان قيامها علي بعضٍ و طيّه البرازخ و وصوله الي جنّة المأوي و استقراره في مقعد صدق عند مليك مقتدر كما ورد ما يمكن تطبيقه عليه مما حاصله ان الجنّة لم تخل منذ خلقت من ارواح السعداء و كذا النار من ارواح الاشقيا‌ء و اليه يشير كشف الحارثة و حكايته للنبي صلي الله عليه و آله كأنّي اري عرش الرحمن و اهل الجنّة و اهل النار الي اخر ما تضمّنه الحديث المشار اليه بعنوان الحاصل.

اقول: قوله فاِذَنْ يصح الحكم الخ، لو اريد بصحة الامكان الاحتمال العقلي فلا بأس بل هو الاعتقاد لان الله سبحانه علي كل شيء قدير و امّا بمقتضي الحكمة فبالعلم و التصور جائز و ممكن و امّا بالاتصال الحقيقي و الدخول الذّاتي الذي هو عبارة عن دخول الشخص في الجنّة بجسمه البشري مع روحه كحالته في هذه النشأة كما هو حال دخول المؤمنين الجنّة يوم القيمة لانه لو دخلها الان او بعد موته قبل يوم القيمة لما كان من اهل الجمع و المحشر و ذلك لان الجنّة التي هي جنّة الخلد من دخلها لم‌يخرج منها و لاتجري عليه اختلاف الاحوال من الموت و التغير و الهموم و الاحزان فلايصل اليه شيء يكرهه و لايفوته شيء يحبّه كما اخبر سبحانه بقوله و ما هم منها بمخرجين و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون و لهم فيها ما يشآؤن و فيها ما تشتهيه الانفس و تلذّ الاعين و غير ذلك هذا مايستفاد من النّقل و امّا بطريق العقل فلان العود كالبدء و كان قد بدأ مجرّدا عن الاعراض الخارجة لانّ الاعراض و الكثافات المانعة من البقاء و الخلود و الدّوام الاستمراري الي غير النهاية انّما لَحِقتْهُ من المراتب النزولية لانّها احكامها و اثار الاقتران بها و الحلول فيها و المرور عليها و قد لحقته بالتدريج كل اثرٍ عند محلِّ عروضه من الوجود و مقتضي الحكمة ان

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 136 *»

يكون اللبس كهيئة الخلع في التدريج و الترتيب و اللزوم و المهلة و غير ذلك و لانعني بالانتظار بالتجرّد ليوم القيامة الا هذا و امّا الطيّ المشار اليه فهو ممكن في شأن من ربّاه اللطف الالهي و العناية السرمدية لمن كان واسعاً لشمول جميع الشؤون الالهية المشار اليه بقوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن صلي الله عليه و آله و الشؤون الالهيّة اذا اريد بها الكل كانت في السرمد الكوني بكله بجميع انحائه و الدهري الجبروتي بكله بجميع انحائه و الملكوتي الدهري بكله ايضا كك و البرزخي كذلك و الجسماني و الجسمي التي هي عبارة عن جميع شؤن الله الكونيّة و من كان واسعاً لجميع ذلك لابد و ان‌يكون هو بحقيقته جامعاً لما تفرّق منها في اماكن حدودها و اوقات وجودها لانه خلق علي حقيقة الخلع و التجرّد و انما يلبس لما دونه لانه له ما دونه فيلبس ما شاء و يخلع ما شاء ليس لاقتضاء الاقتران و الحلول و المرور ليكون متدرّجاً في الاستعداد بل لحقيقة ما هو اهله قال تعالي و انك لعلي خلق عظيم و سراجا منيرا و سراجا وهّاجا و كل ما اشير اليه فهو لذاته حكم سرمدي و حصولٌ فعليّ فيدخل الجنّة الحقيقية بما هو عليه في هذه الدار لان الاستعداد المشروط لدخول غيره الجنّة انما هو جزء من اربعة الاف جزء و تسعمائة جزء من ظاهر استعداده الذاتي الذي استعظمَهُ الجبّار العظيم لقوله و انك لعلي خلق عظيم و هذا هو مقام قول اميرالمؤمنين عليه‌السلام في وصف النبي صلي الله عليه و آله علي ما رواه الشيخ في المصباح الكبير في خطبته يوم الغدير و يوم الجمعة بقوله في ذكره صلي الله عليه و آله قال (ع) و اشهد ان محمدا صلي الله عليه و آله عبده و رسوله استخلصه في القدم علي سائر الامم علي علمٍ منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس و انتجبه آمراً و ناهياً عنه اقامه في سائر عالمه في الاداء مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار الخطبة، فقوله عليه السلام اقامه في ساير عالمه في الاداء مقامه، يشير الي ما ذكرنا فالطيّ المشار اليه علي نحو ما فصّلنا من دخوله جنّة الخلد في الدنيا او قبل يوم الجمع و خروجه من لزوم مانع و لا مخالفة لمقتضي الحكمة يجري

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 137 *»

في حق من هو كما وصفنا صلي الله عليه و آله كما وقع منه ليلة المعراج صلي الله عليه و آله و امّا من سواه فلايصح في حقه بمقتضي فطرته و اصل خلقته و استعداد قابليته مادام هو ايّاه الا ان يغيّره الله سبحانه الي هذا المقام و هو علي كل شيء قدير و امّا اهل بيته الثلاثة عشر عليهم السلام فهم به يقدرون علي ذلك بمقتضي فطرتهم الا انّه به صلي الله عليه و آله اي بواسطته فافهم نعم لو اريد مطلق الطيّ في الجملة يراد من الجنّة جنّة الدنيا و جنّة الاخرة في ضمنها كما ان جسدك هذا جسد الدنيا و جسد الاخرة في ضمنه فلايصح الحكم بامكان ذلك الا علي النحو الذي ذكرنا او للشخص المخصوص صلي الله عليه و اله و امّا الاحاديث الدالّة علي عدم خلوّ الجنّة و النار من ارواح اهلهما فالمراد منها انّ الارواح التي خلقت من الجنّة مثلا لم‌تخرج بذاتها و انّما تعلّقت بابدانها بالاشراق و البدلية الشبحيّة كما تعلّق شعاع الشمس بالارض بالاشراق و لم‌ينزل جرم الشمس الي الارض و ليس المراد ان الارواح بعد ان‌خرجت من جنان الخلد عادت اليها قبل القيامة و لا انها دائما تتصل بها بل المراد ان الاصل القيّومي لايفارقه اصل فرعه و انما يكون فيه من ذلك الاصل نفس الشّبَح و المثال و الحقيقة ثابتة في رتبتها و ذلك الاصل هو وجه الشيء الذي لايهلك بهلاكه كما في قوله كل شيء هالك الا وجهَهُ اي الا وجه ذلك الشيء لانه محفوظ في الكتاب الحفيظ اي المحفوظ كما قال تعالي قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ، قال علمها عند ربي في كتاب لايضلّربي و لاينسي و لو اريد به الخروج لخلت الاصول القيّومية من وجوه فروعها و ذلك باطل و مثاله اذا كنت عالماً بقيام زيد ثم استخبرك شخص عنه فاخبرته لو كان علمك ينتقل منك الي المستخبر لكنت جاهلاً به بعد الاخبار لخروج العلم منك اليه كما لو اعطيته درهما فانّك قد خلوتَ منه و ذلك ظاهر البطلان فافهم.

قال سلمه الله تعالي: و انّما عبّر بكأنّ لانه لم‌تكن بصيرته منكشفة كما هي بعد و لم‌يكن من اعالي ارباب عين اليقين المتجاوز رتبته عن رتبة علم اليقين او كان من اهاليه بل لعله كان ممسوساً بحق اليقين الذي لا تحويه عبارة

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 138 *»

لكن لم‌يتمكن من التعبير عن الحقيقة علي الحقيقة فاتي بلفظة كأن او كان حين الحكاية نازلا عن المحكي فكان في حجاب و اقتضي الكون الكذائي التعبير عن مقامه الذي هو الوجه بالوجه.

(اقول ظ): انّما عبرّ بكأن لانه حال الاخبار ليس حال المشاهدة ليقول هذا مثلا بالاشارة الي الحاضر لديه لان لهم حالاتٍ كما قال الصادق عليه السلام لنامع الله حالات هو فيها نحن و نحن هو الا انه هو هو و نحن نحن، فحالة الحضور و المعاينة حالة من تلك الحالات و حال الاخبار ليست منها فعبر عن كل حال بمايناسبها و هاتان الحالتان اختلافهما باعتبار اختلاف مكان الرؤية مع مكان الاخبار او باعتبار اختلاف وقتيهما او مراعاة لحال السائل فانه قد لايحتمل الا اسند الي العلم لا الي العيانو لا الي اتّحاد الشاهد و المشهود و المشاهدة التي حق اليقين و امّا قول انه لم‌يتمكن فلايحسن لمقام المعصوم عليه‌السلام لان من عرف شيئا و لم‌يقدر علي التعبير عنه فقد قالوا انه علامة عدم الاذن  في الاخبار و التعليم و لو اذن له في ذلك لاُعطِيَ العبارة عنه و اذا لم يكن المعصوم عليه‌السلام مأذونا لم يتكلّم لانه لاينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و ايضاً لايكون لله حجة يُسأل فيقول لا‌ادري لان الله سبحانه قد اعطي الامام عليه‌السلام القدرة علي التعبير عن كل ما علّمه و ان فرض ان المانع من جهة عدم احتمال السائل فهو صحيح الا انه داخل في الفرض الاول و اما فرض انه كان نازلاً من المحكي فداخل في الاول باعتبار مكانه الا انه لايقال كان نازلا بل يقال كان متنزّلا و ان كان الامر في هذا و امثاله سهلاً.

قال سلمه الله تعالي: فاذن لا يأبي ارجاع ما ذكره بعض ائمتنا الصادقين عليهم صلوات المصلين ابد الابدين من اِنشاءِ الله تعالي بعد القيمة خلقا اخر الي هؤلاء الخلائق المتلاحقين مرور الدهور ليرتفع الاشكال الوارد لولا المراد بالخلق هؤلاء بل كان المراد من الخلق خلقا اخر بعد هلاك هؤلاء باجمعهم بان هذا الخلق ان كان في غير الدنيا النازلة بل في بعض المعارج و البرازخ كهورقليا لزم التعطيل و القول بمغلولية يَدَي ذي الجلال و الجمال و التبجيل و التكمل و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 139 *»

سدّ باب الجود مع بقاء الاستعداد للطبيعة المولدة لتوليد المولّدات و المواليد المترقية الي الانسان الذي هو جامع النشآت و ان كان في الدنيا لزم بمقتضي الحكمة البالغة المخرجة‌ لذرات الوجود المتدرجة في مراتب الظلمة و النور اخراجهم من الظلماتالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور ببعث الانبياء لئلا يكون للناس علي الله حجّة بعد الرسل و اللازم محكوم بالانتفاء في الشريعة بختم النبوة و انقطاعها بعد نبوّة خاتم الانبياء عليه و علي خاتم الاوصياء و سيّدها و سائر الاوصياء ما لايحصي من التحيّة و الثناء.

اقول: نعم الدليل النقلي و العقلي يأباه امّا النقلي فلأن الخبر الذي هو مستند هذا اعني ما رواه الصدوق في آخر كتابه الخصال هو في تفسير قوله تعالي أفعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد عن جابر بن يزيد قال سألت اباجعفر عليه السلام من قول الله عزوجل افعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد فقال يا جابر تأويل ذلك ان الله عزوجل اذا افني هذا الخلق و هذا العالم و اسكن اهل الجنّة الجنّة و اهل النار النار جدّد الله عزوجل عالماً من غير فحولة و لا اناث يعبدونه و يوحدونه و خلق لهم ارضا غير هذه الارض تحملهم و سماءً غير هذه السماء تظلّهم لعلّك تري ان الله عزوجل انما خلق هذا العالم الواحد و تري ان الله عزوجل لم يخلُق بشراً غيركم بلي واللهِ لقد خلق الله تبارك و تعالي الفَ الفِ عالم و الفَ الفِ آدم انت في اخر تلك العوالم و اولئك الادميين هـ ، فتدبّر اوّلا في الاية قوله بالخلق الاول و قوله بل هم في لبسٍ من خلق جديد و اللاحقون ليسوا خلقاً جديداً و قوله عليه‌السلام اذا افني الله هذا الخلق و هذا العالم، فان المفهوم منه و المتبادر كله و كذا قوله و اسكن اهل الجنّة الجنّةَ و اهل النار النار، فان المتجدد غير اهل هذا العالم كلهم و قوله عليه‌السلام جدّد الله عزوجل من غير فحولة و لا اناث و هذا بخلاف اللاحقين فانهم من ابائهم و امهاتهم و قوله و خلق لهم ارضا غير هذه الارض تحملهم و سماء غير هذه السماء تظلهم، و اللاحقون في هذه الارض و تحت هذا السماء و كذا باقي الحديث و كذا قول امير المؤمنين عليه السلام تخفّفوا

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 140 *»

 تلحقوا فانما ينتظر باولكم آخركم و هذا صريح بان حشر السابقين موقوف حتي يلحق الاخرون و مع هذا فاجماع المسلمين علي خلاف تلك الدعوي تدل علي بطلانها و كذلك قوله تعالي يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن و قوله و عرضوا علي ربّك صفّا و قوله تعالي و يوم نحشرُهم جميعاً و غير ذلك من الايات و في بعض الاخبار ما معناه لم‌يخلق منها عالم من التراب غير عالمكم هذا و هو صريح في المغايرة و هؤلاء اللاحقون كلهم من التراب و الاخبار المتواترة معني علي انّ جميع الخلائق يحشرون في صعيد واحدٍ و الحاصل كأن هذا لايحسن فيه الاحتمال فرضا عن الوقوع و امّا العقلي فمن وجوه كثيرة لا فائدة في ذكرها ‌منها لو جاز هذا لكان الحسين عليه‌السلام سيد السابقين قد دخل الجنّة و قاتِلوه لعنهم الله لا شكّ في عدم وقوع الانتقام منهم لانه في الاخرة كما قال تعالي يوم نبطش البطشة الكبري انا منتقمون و ذلك يوم القيمة الاتي و الحسين عليه‌السلام يَنْتَقِم منهم بيده و لابد من حضور الجميع في صعيد واحدٍ و ايضا المعلوم من الدليل النقلي الذي هو مستند الارجاع المدّعي ان الخلق المجدّد يعبدونه و يوحدونه و يلزم من العمل به عدم وقوع شركٍ من احدٍ من اللاحقين لكن اللازم باطل و ايضاً يلزم من القول به مغايرة النّوع السَّابق للاحق لكِنّ اللازم باطل بالاجماع الي غير ذلك من صريح الاخبار و الايات و الاعتبار و قوله لزم التّعطيل، انما يلزم التعطيل اذا كانت الارضون موجودة و الافلاك تدور امّا اذا لم‌تكن الارض موجودة او كانت موجودة و الافلاك ساكنة كمثل مابين النّفختَيْنِ فانه لايلزم التّعطيل لان السّلب انّما هو لعدم الموضوع و مهما انتفي القابل انتفي تأثير الفاعل و لايلزم منه المغلولية كما نقوله فيما قبل الخلق لعدم القابل و المقبول و الا لزم القول بالايجاب اذا اعتبر عدم انفكاك التأثير و اللازم باطل و امّا سدّ باب الجود مع بقاء الاستعداد الخ، فانما يلزم مع وجود اسباب المقبول و القابل و هو السّرّ في ايجاد اقوات الارض قبل فَتْق السموات و ان كانت من حيث الذات قبل الارض لئلا تنبعث المؤثرات قبل القوابل فتبطل الحكمة و النظام و قوله و ان كانت في الدنيا الخ، هؤلاء الخلق

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 141 *»

المجدّد في دنياهم لانّ دنيانا انتهي اجلُ وجودها لان كلّ شيء من الخلق فهو مؤجّل الكون مضبوط المدّة اوّلاً و آخِراً فهؤلاء امثال لنا و دنياهم مثل دنيانا و ذلك من قوله تعالي الا امم امثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء ثم الي ربهم يحشرون، و امّا اخراجهم من النور الي الظلمات فهو واجب في الحكمة لانه لازم الايجاد بل الايجاد لازم له أي للتكليف و الحكم بانتفائه في الشريعة بختم النبوّة منتفٍ لوجود الاداء و التبليغ عن الله في كل ذرّة غير متوقّف علي بعثٍ ابتدائي لانّ الله تعالي يبعث اليهم منذرين بواسطة محمد صلي الله عليه و آله بشريعته كما في قصّة نفر الجنّ في قوله تعالي و اذ صرفنا اليك نفرا من الجنّ يستمعون القرءان فلمّا حضروه قالوا انصِتوا فلمّا قُضِي ولّوا الي قومهم منذرين قالوا يا قومنا انّا سمعنا كتابا انزل من بعد موسي الاية، فانَّ النّذر من الدرّة اي عالم العقل الكلّي الي الذَّرّة أي الثري و ما تحت الثري من الرقائق المنكوسة قبل المكلّفين و مع المكلّفين و بعد المكلّفين كلّها تبلِّغُ عن الله بواسطة محمّد صلّي الله عليمحمّد و اله ظاهراً او باطناً و اختلاف الشرائع من شريعة واحدةٍ انّما هو لاختلاف الموضوعات و تغيّر الاوقات و الخلق المجدّد كلّهم تاتيهم النذر و المبلّغون عن الله سبحانه بما يريد منهم بشريعة خاتم النبيّين صلّي الله عليه و آله و لايلزم كونهم انبياء مخبرين عن الله تعالي بغير واسطةٍ من البشر بل قد يكونون انبياء جزئيّة لنبيٍّ كلّي كما في رسل سورة يس الثلاثة اذ ارسلنا اليهم اثنين فكذّبوهما فعززنا بثالث و هم رسل عيسي عليه السلام بَعثهم عن الله تعالي و قد يكونون غير انبياء كما في جنّ نَصيبين او بني الشيصبان و هم النَفر الجن الذين يستمعون القرآن وَ من المبلّغين عن الله العلماء في هذا الزمان و الايات الدالة علي انّ كل شيء من الخلق فهم مكلفون و تاتيهم النذر عن الله سبحانه لافرق بين الانسان و بين سائر الحيوان و النباتات و الجمادات و الاخبار عنهم عليهم السلام كثيرة جدّاً فمن الايات قوله تعالي و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا اممٌ امثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء ثم الي ربّهم يحشرون، فدلّت الاية الشريفة عن ان كل شيء اممٌ امثال بني‌ادم فكل نوع من

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 142 *»

انواع الخلق امّة و قال تعالي و ان من امّة الا خلا فيها نذير و دلّت هذه الاية علي ان كل نوع من انْواع الخلق مضي فيها نذير و قال تعالي يا معشر الجن و الانس ألم ياتكم رسل منكم يقصّون عليكم الاية، و دلّت هذه الاية الشريفة انّ رسل كل امةٍ منهم بمعونةِ قوله تعالي و ما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم و دلت هذه الاية ان رسول كل امة ارسل بلغة قومه فاذا كان كل امة فيها نذير و كل شيء امم امثال بني‌ادم و كل رسول بعث بلغة قومه ليبين لهم و ان نُذُرَهم منهم كان قوله و القول بان الخلق الجديد بعد فناء الدنيا و هلاك اهلها بالمرة مكلفون بشريعة خاتم الانبياء السالفة من دون بعث مذكر للخلق متوسط بينهم و بين الخالق كانه بَيّن الانتفاء بالعقل و النقل، امّا دليل العقل فما ثبت من بطلان الطفرة في الوجود فانه اذا قيل ان النمل امة كما هو معلوم بالكتاب و السنة يكون تكليف النمل يتوقف علي رسول من البشر بينهم و بين الله سبحانه بغير توسط نذير من النمل يلزم الفطرة في الوجود الممنوع منها عقلاً و اما النقل فكثير و منه ما ذكر بعضه من الايات الدالة علي صحة ذلك.

قال سلمه الله تعالي: و اللازم من قيام القيمة في عالمها المستمرّ الوجود في الظاهر و اللحوق من الظاهر الي الباطن قيام النشأة الظاهرة علي الاستمرار اللحوقي علي بني ابينا و امّنا آدم و حوّا مع تبديل السابقين باللاحقين و الاباء و الامّهات بالذراري و الاصول بالفروع في الاعصار لافناء الكل دفعة و في عصر و زمان لكن الاستمرار اللحوقي علي هذا الوجه كانه مخالف للاثار و الاخبار القطعية بل مذاهب اهل الاديان.

اقول: قد سبق بيان عدم قيام القيامة في عالمها علي اهلها لان الثابت في نفس الامر و في الباطن ما اخبرت به الشريعة الغراء علي ما هو ظاهر الحال من غير تأويلٍ و اما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تاويله الا الله و الراسخون في العلم و علي فرض قيامها في عالمها علي اهلها لايلزم اللحوق من الظاهر الي الباطن لجواز صدور ذلك

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 143 *»

لعوارض لحقت لخصوص بعض المراتب فلعله خاص بالظاهر فلايتمشي الي الباطن فان دقائق الامور الجزئية من القيمة كالانتقام ببعض المعاصي في الدنيا و مايجري علي المكلّفين من البلايا و النّعم المتعلقة بمجازاة الدنيا و البرزخ فانها من احوال القيمة مع عدم استمرار ما في الدنيا الي البرزخ و ما في البرزخ الي الاخرة فلايلزم من وقوع الدنياوية و البرزخية كل في عالمه الاستمرار في الوجود و اللحوق من ظاهر الي باطن و علي فرض القيام و الاستمرار و اللحوق بقاء النشأة الظاهرة علي الاستمرار كما يقوله الطبيعيون و الدهريون فان الاستمرار اللحوقي مركب من نسب الافراد المتجددة المتقضّيَةِ و المركب من الامور المتناهية متناهٍ مع انه ليس لادم اب و لا ام فيكون اول سلسلته و اللاحق منتهٍ اليه و ما له انتهاء له ابتداء و لو صح الدوام لكان بمقتضي الطبيعة و مقتضاها لايختلف فبمقتضاها يكون لادم و حوا اب و ام فان كان لادم و حوا اب و ام صح تبديل اللاحقين بالسابقين فيكون الاباء و الامهات الذين هم ذراري يتبدّلون بالذراري الذين هم آباء و امهات و من قال نعم اثبت لادم و حوا اب و ام، او يقول لا و الفروع بالاصول يصحّ اذا تولّد الاغصان من اغصان و الورق من ورق و الواقع الورق من الغصون و الغصون من الشجر و ذلك مانع من الاستمرار الطبيعي و انما فعل المختار بالاوضاع المخالفة لمقتضي الطبيعة ليبين لطالبي اليقين بقاطع البراهين الا ان البرهان الاصطلاحي لايؤدي هذه المطالب ما لم‌تتقوم بدليل الحكمة و لو كان العقل لطبيعة واحدة لم‌يكن لبعض كليات مفاعيلها ابتداء فلم‌يكن لها انتهاء فحينئذ يلزم التدريج في الكل علي نمطٍ واحد فيكون هيئة تجدّد الافراد كهيئة تقضّيها متشابهة متناسقة فيكون التقضي تدريجيّا لافناء الكل دفعة كما كان التجدد تدريجياً لكن لمّا كان لها ابتداء و لم‌يكن الابتداء كغيره كان ايجادها دفعة باعتبار الابتداء اذ لم‌يكن لها اصل قبل الابتداء تفرّعت عليه كان تقضّيها دفعة نعم المراد الواقع من التقضي دفعة هي دفعة الاتصال كتقضّي حَلَق السلسلة اذا جذبتها تمرّ بك الاولي ثم الثانية ثم الثالثة و هكذا حتي تفني ففناؤها تدريجي باعتبار و دفعة باعتبار و كان اولها

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 144 *»

ليس مسبوقا و اخرها ليس ملحوقا فكذلك هذا العالم اوله ادم ابونا عليه السلام و ليس مسبوقاً و اخره ادم نبيّنا محمد صلي الله عليه و آله و ليس ملحوقا فقد فني العالم دفعة بهذا النمط من الدفعات و كذلك فناؤه بنفخة الصعق فان لها مبتدأ و لها منتهي الا انه موت تدريجي بين افراده من المدد في التقضّي كما بينها من المدد في التجدد و هذا مما لا شك فيه باعتبار ظاهرية حاله كما هو صريح الاخبار.

قال سلمه الله تعالي: و في نهج البلاغة الشريفة في جملة كلام له عليه و علي اخيه و آلهما السلام و انه يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده لا‌شيء معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلاوقت و لامكان و لاحين و لازمان عُدمت عند ذلك الاجال و الاوقات و زالت السنون و الساعات فلاشيء الا الواحد القهار الذي اليه مصير جميع الامور الي اخر ما ذكره عليه و علي اخيه و الهما السلام و فيه تصريح بالفناء الكلي الاجتماعي لا علي الوجه اللحوقي التبادلي.

اقول: قوله عليه السلام يعود بعد فناء الدنيا، اعلم انه قد تكاثرت الاخبار عن الائمة الاطهار ان كلامهم و حديثهم و امرهم صعب مستصعب اجرد ذكوان ثقيل مقنّع لايحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان قيل فمن يحتمله قال نحن و في رواية من شئنا وفي اخري او مدينة حصينة و ما اشبه ذلك مما ورد في هذا المعني و هو كثير فاذا عرفت هذا عرفت ان كلامه معناه صعب و انما يعرف بتعريفهم و بيان هذا انه عليه السلام قال ثم يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده لاشيء معه كماكان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها، و علي ظاهر هذا القول متي يكون هذا ان كان بعد نفخة الصعق يعني بين النفختين فمامعني قوله تعالي لمن الملك اليوم لله الواحد القهار كما هو متواتر بين الفريقين انه تعالي بعد ان‌تهلك كل ذي روح ينادي لمن يا ارض اين ساكنوك اين الجبّارون اين المتكبرون اين من اكل رزقي و عبد غيري لمن الملك اليوم فلايجيبه احدٌ فيردّ علي نفسه فيقول لله الواحد

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 145 *»

 القهار و السموات موجودة و الارض موجودة و لم‌يفن من العالم الا كل ذي روح و اهل الجنة موجودون و الطين بكسر الطاء و فتح الياء موجودة في مواضع الحفر و لو فنِيت الخلائق علي هذا المعني المشار اليه لما كانت القيمة و لا الحشر اصلاً لان الفائدة في القيمة انما هو بعث الخلائق للمجازاة كما قال حكاية عن منكري البعث و اقسموا بالله جهد ايمانهم لايبعث الله من يموت بلي وعداً عليه حقا و لكن اكثر الناس لايعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه و ليعلم الذين كفروا انهم كانوا كاذبين، فاذا فنيت الخلائق علي ذلك المعني من الفناء لم‌يكن بعثهم عودا بل بدءا فيخرج الخلائق كلهم و لا ثواب لاحد و لا عقاب علي احدٍ لان العائد غير الاول و قد ضرب الشارع (ع) لهذا مثلا في الاحكام الشرعية كما اذا تنجس ماء البئر بحيث حكم عليه بالنجاسة ثم غار الماء ثم عاد بعد غوره فان العائد ظاهر (طاهر ظ) لانه في الظاهر غير النجس و لو كان الامر كذلك لبطل النظام لبطلان الحكمة و لو قيل انها تعود باعادة جميع اسبابها لكان تعود الدنيا وتعود هذه الحال بعينها من جملة المشخصات التي تعتبر في العود و ح يرجعون علي التكليف الاول و لو جاز هذا جاز فيما بعده فتبقي الخلائق تدور في هذا العالم الاول كالثاني بلاجنّة و لا نار و هذا المعني لا شك في بطلانه و لانهم منذ وصلوا عالم النطف هم في قوس الصعود و الترقي كما اشرنا اليه في الدائرة و الايات و الامثال الدالّة علي العود من اصل بان لاتكاد تحصي و منها نبات الاشجار التي نبتت في العالم الماضي بعد موتها اذا وقع عليها المطر نبتت بعينها في العالم الماضي هذه من بذرها الذي بقي في الارض فلمّا اصابه المطر نبت كالاول بل هو الاول كذلك طينتهم التي هي اصلهم و منها خلقوا تبقي في قبورهم مستديرة فاذا نزل عليها المطر الذي من بحر صاد نبتت و هو قوله تعالي كذلك النشور و كذلك تخرجون، و اما ما اراد عليه السلام في الخطبة فهو بيان صفة تعلق فعله بمفعولاته فانه قبل التعلق هكذا صفته و بعد الايجاد هكذا صفته مثل صفة الكتابة فان المداد في الدواة و القلم ملقي في موضعه و لم‌يكن للكتابة ذكر و لا حال من الاحوال و حين الكتابة

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 146 *»

يأخذ الكاتب بالقلم مدادا و يكتب به ما اراد و بعد ان‌فرغ القي القلم في موضعه و المداد باقٍ في الدواة كالحال الاولي و الكاتب ح غير متحرك الاصابع كحاله قبل الكتابة فيصح ان الكاتب رجع بعد فراغه من الكتابة علي حاله الاولي فهذا معني الخطبة و قد دلت الاخبار علي ان الطينة تبقي في القبر مستديرة كسحالة الذهب في دكان الصائغ حتي يعاد منها و قوله تعالي كما بدأكم تعودون يراد منه ان كيفية ايجادكم في العود مثل ذلك في البدء فلايدل شيء مما ذكر في الخطبة علي الفناء الكلي الاجتماعي و انّما يدل بمعونة الادلة الاخر لان احاديثهم عليهم السلام يفسّر بعضها بعضا علي الوجه اللحوقي التبدلي نعم هو كلي اجتماعي الا انه عرفي في كليته و في اجتماعيته لان الادلة ناطقة ببقاء اشياء لم‌يجر عليها الفناء و هو عندنا قطعي و دليله قطعي و الاشارة‌الي الباقي و الي دليله علي جهة النبذ الذي اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلام بقوله ان حديثنا صعب مستصعب خشن مخشوش فانبذوا الي الناس نبذا فمن عرف فزيدوه و من انكر فامسكوا لايحتمله الا ثلثة ملك مقرب او نبي مرسل او عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، فالاشارة بذلك النبذ في الباقي و في الدليل اما الباقي فقوله كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و اخبارهم صلي الله عليهم قد بيّنَت ذلك الوجه الباقي و امّا الدليل فهو العقلي لان النقلي مثل ما ذكر في الاية و العقلي قد ثبت بقاء السموات و الارض و اصول الاشياء بين النفختين الذي فيه الكلام مدة اربعمائة سنة عندنا و اربعين عند غيرنا و ثبوت ذلك باجماع المسلمين قاطبة و لاشك ان علتها القيومية التي بها وجودها و بها قوامها هو ذلك الوجه الباقي المشار اليه و هي باقية ببقاء قيوميته لها كبقاء الصورة في المرءاة ببقاء مقابلة الشاخص لها فافهم.

قال سلمه الله تعالي: فحينئذ يعود سؤال لزوم التعطيل لو انسدّ باب الوجود الحدوثي و الحدوث الشهودي او منافاة الحكمة لو لم‌يبعث الرسل او عدم انقطاع النبوة الا ان‌يقال ان انقطاع النبوة قبل قيام القيامة الي ان‌تقوم لاينافي دوران رحاها بعدها بعد الوقوف قبلها.

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 147 *»

اقول: لوقيل بالفناء الكلّي لم يلزم التعطيل لان القول بلزوم التعطيل يستلزم عدم الفناء الكلّي فان من فرض الفناء الكلي لزمه القول بعدم فرض التعطيل لانه انما يكون مع وجود الاسباب و الدواعي بلاوجوب ما تتعلق به و مع فرض الفناء الكلي لم‌يبق الا الذات البحت و قد كان في الازل وحده يمتنع فرض ماسواه و هو الآن في ازله علي ما كان لايجوز غير هذا و انما فرض التعطيل مع وجود الاسباب الحادثة و الدواعي الامكانية فانها تطلب مسبباتها و متعلقاتها فلايرد سؤال التعطيل و لاسدّ باب الجود فانه كذلك في الازل و هو الأن علي ما كان و انما هذه احكام الممكنات اذا وجدت طلبت احكامها و علي فرض وجودها ينتفي الفناء الكلي فافهم و اما قول ان انقطاع النبوة فاعلم ان النبوة في الكون لاتنقطع في حال فهي قبل كون ماسواها و معه و بعده و انما المراد بانقطاعها انقطاع متعلقها كالشمس اذا لم‌يكن كثيفٌ يشرق نورها عليه فانه لايضيء مع انها في نفسها مضيئة فكلما وجد القابل ظهر الاثر المقبول و اذا فني القابل فني المقبول و هو الواقع عي القابل لا اصله فانه باقٍ فاذا انقطع تعلّق المقبول لاجل فناء القابل بقي مستعدا للاتصال و اذا وجد القابل اتصل به المقبول.

قال سلمه الله: فحينئذ يرد سؤال الفحص عن لمَ فناء الدنيا بظاهرها مع ان اقامة النشأة الباطنة و عمارتها لاتتوقّف علي خراب الظاهر و فتح باب الجود مع استعداد الطبيعة القابلة للصور الفائضة عليها علي بدل لا الي نهاية مقتضٍ لاقامة مراسم الجود علي سكان اصقاع نشآت الوجود.

اقول: ان علة فناء الدنيا ان الظاهر هو الارض التي يغرس فيها اغصان المركب اي المياه الالهية بعد وزنها و هذه المياه مثال للنشأة الباطنة و هي لاتقوم بدون جسدها لانه علة ثباتها و بقائها و حفظها و الجسد لما‌ تعلقت به الاوساخ و الاعراض التي هي منشأ الفساد فيه و في المياه لانها علّة الفناء و التغير و العامل يريد بمركّبه البقاء و الثبات و علم التغيير و الصلاح الاستمراري فوجب علي الحكيم نقضه و تطهيره من تلك الاوساخ و الاعراض ليخلص لثبات المياه و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 148 *»

اصلاحها لما‌ يراد منها و انّما كان الجسد مشحوناً بالاوساخ و الموانع ليحفظ به الاسرار عن الاشرار كذلك هذه الاجساد و الدنيا و ما فيها لمّا كانت داراً للتكليف و المشقة لطف سبحانه بعباده فلم‌يجعلها باقية لئلا تدوم عليهم المشقة و التكليف و جعلها مشحونة باسباب الفراق و دواعي الفناء ليسرع بهم الي النقل الي دار البقاء و لو نقلهم علي ما هو الظاهر عليه الي الاخرة لكان الاخرة دار فناء و تكليف لوجود الاسباب الموجبة لذلك و انما هذا التكليف نوع من انواع التخليص و التطهير و التّصفية للمياه التي هي مثال للانفس و العقول المكتسبة و الارواح و تطهيراً لما يعرشون لان في الاجسام دواعي و ارتباطات بالنفوس لها تأثير في اصلاح النفوس و افسادها و هي مواضع تعلّق النفوس بالابدان و اقترانها بها فان النفوس و ان‌كانت مفارقة في ذواتها الا انها مقارنة للاجسام بافعالها فموضع تعلقها منها و النفوس في انفسها طهارتها بالتكليف و ظواهر الابدان طهارتها بالدفن في الارض الي ان تأكل الارض ما فيها من الاعراض و الاغراض و الاوساخ فاذا صفت ردّت الارواح اليها فتعلّقت بها تعلّق اشتياق و وفاقٍ فلايجري عليها التغيير ابداً فتصلح حينئذٍ للبقاء و ما احسن ما اجاب به ارسطوطاليس حين سأله الدهري عن لمَ خلق العالم فقال الكرم و الجود فقال الدهري اذا كان علة وجود العالم الكرم و الجود أليس اذا ابطله و افناه قد ابطل كرمه فقال ارسطوطاليس انما كسره ليصوغه الصيغة التي لاتحتمل الفساد هـ ، و هو جواب مليح صحيح فلمّا كانت الظواهر علة لحفظ البواطن و بقائها و ثباتها و كانت قد مازجتها علل الفناء و التغيير و الانتقال لاجل التخفيف علي العباد بقصر البقاء في دار المشقة كسر هذه الظواهر ليصفّيها لتخلص للثبات و البقاء و الحفظ من غير شائبة مناف لذلك فلذلك وجب في الحكمة خراب الظاهر لاجل اصلاحه كما يصفّي الذهب الممزوج بالنحاس و غيره بالمياه الحلالة و بالروباس لاجل تنقيته ليجمعه مع الصافي منه ارادة لاصلاحه و محبّة له لا كراهة له و حين الكسر تبطل بواعث الاستعدادات القابلة للصور و الاستعدادات المقيضة لها لا فناء الاستعدادات من اصلها بل تبقي باقية الافراد

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 149 *»

غير مؤلفة علي الوضع الطبيعي، مثاله كالساعة الافرنجية فانها اذا كوّكت مع تمام آلاتها بقيت تعمل و تدور علي حسب التقدير فاذا فكّت آلاتها و فرّق تركيبها سكنت و لم‌تعمل و الالات موجودة لم‌يختلف منها الا التركيب فاذا ركّبها علي ما كانت عليه و كوكها دارت علي ما كانت عليه و في الاصطلاح الشرعي او اللغة الشرعية يعبّر عن هذا بالبطلان لا الفناء يعني بطلان التركيب و هذا حكم الارواح فانها بعد قبض ملك الموت تبقي في حياتها ساهرة كما قال الصادق عليه السلام في تأويل قوله تعالي فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهرة قال (ع) تبقي الارواح ساهرة لاتنام، و ذلك الي نفخة الصور نفخة الصعق فتبطل الارواح و تتفكك و كذلك الاجساد تتفكك و تبقي الطينة الاصلية في القبر كسحالة الذهب في دكان الصائغ فاذا صفيها رجعت كما هي و ليس في الحق شيء من الباطل و ليس في البيان شيء من الاشكال.

قال سلمه الله: هذا ما تيسر لي ثبته في سويعات مع تشتت الحال بين الملأ و الحامل في سرعة الاستعجال و لهذا لم اتمكن من اشباع الكلام في شقوق السؤال و المرجو من شيخنا المحقق القمقام بسط القول فيما يقتضيه المقام حتي في ميزان التعديل في تراكيب الاجساد الناقصة علي ما تضمنه صدر السؤال اذا ريم بلوغها مبلغ احد القطبين و ان‌ كان الشيخ القمري اتي بكشف ما في التنقية و التركيب في الجملة و السلام عليكم و علي من يحضر لديكم.

اقول: اما بيان ميزان التعديل فلم‌اكن حافظا له علي ظهر القلب و يحتاج فيه الي مراجعة و ليس لي قوّة في مراجعة شيء لا هذا و لا غيره مع علمي بعدم الفائدة لان كمال العلم انما يحصل بالعلم العملي و انا لم اصل اليه و امّا مطلق العلم فالذي عندي لو راجعت لم‌يزد علي ما قرّرواو ان‌كان ما قرروه مفرّقا و انا ربّما يمكنني جمعه و لكن ليس لي قوّة  لضعف بدني و كثرة تشتيت بالي و خاطري بكثرة الواردات المانعة من امور الدنيا و من امور الاخرة و من امور الناس في حوائجهم التي تضرّني و قد لاينتفعون بها و انّما اقتصرت علي ما كتبت لاجل هذا مع اني مشغول بكتابة مسائل ترد عليّ من النواحي ما اقدر علي

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 150 *»

ردّ كلها و منها اني مشغول بشرح مشاعر الملاصدرا و غيره و الي الله سبحانه ترجع الامور فغاية همّي في هذه الاوقات الاقتصار علي اقل ما يمكن و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و كتب العبد المسكين احمد بن زيد الدين الاحسائي الهجري في الليلة الثانية و العشرين من شهر ربيع المولود (ص) سنة 1232 اثنتين و ثلاثين و مائتين و الف من الهجرة النبوية علي مهاجرها و آله افضل الصلوة و السلام. تمت