02-02 جوامع الکلم المجلد الثانی – جواب الشيخ عبدالله القطيفي ـ مقابله

رسالة فی جواب الشیخ عبدالله بن مبارک القطیفی

فی معنی القدر فی افعال العباد والاشارة الی

المنزلة بین المنزلتین وبیان السبب

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 120 *»

بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين

الحمد لله ربّ العالمين و صلّي الله علي محمد و آله الطاهرين.

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائي انه قد التمس مني الشيخ الاواه الشيخ عبدالله بن الشيخ مبارك بن علي الجارودي القطيفي ان اكتب بعض الكلمات في كشف القدر في افعال العباد و بيان الاشارة الي المنزلة بين المنزلتين و بيان السبب علي سبيل الاختصار فكتبت هذه الكلمات علي الفور امتثالا للامر و اغتناما للذكر.

و اعلم (و هو اعلم خ‌ل) ان الله تعالي خلق الانسان من نوره و هو الوجود فلما خلقه انعكس انفعال الوجود عند فعل (فاعل خ‌ل) القادر سبحانه ظلا منكوسا و هو الماهية فالوجود من الله و الماهية من الوجود لانها انفعاله و الانسان عبارة عنهما و مركب منهما و كل منهما له نهايات مقدرة كالسراج مثلا فان له اشعة مقدرة تنبعث عنه و هي نهاياته و كذلك للاشعة اشعة و هي نهايات النهايات و هكذا حتي تفني فجعل للوجود بابا تخرج منه اشعة النور الثابتة و هو العقل و جعل للماهية بابا تخرج منه (اليه خ‌ل) اشعة الفقر و الحاجة المجتثة و هو النفس ثم لما كان الانسان عبارة عن الوجود و الماهية ذواتي النهايات المقدرة ركب فيه شوة كمالاته لتمام ذاته فركب في الوجود شهوة كمالاته و تمام نهاياته الثابتة و ركب في الماهية شهوة كمالاتها و تمام نهاياتها المجتثة فتركب (فتركبت‌ خ‌ل) في الانسان الشهوة المركبة الاختيارية لصلوحها للنور أي الطاعة من جهة الوجود و للظلمة أي المعصية من جهة‌ الماهية و انما قلنا بلزوم الماهية للوجود لان الوجود مصنوع و المصنوع يلزمه الانفعال و الا لم‌يكن مصنوعا هذا خلف فدل هذا اللزوم علي ان مشية الله (مشية الله للوجود و لبابه و لكمالاته استلزمت مشية اللهخ‌ل) للماهية و لكمالاتها و بابها فمشية كل استلزمت مشية‌ مقابلها العام لكون الماهية و ما لها من النهايات من تمام قابلية

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 121 *»

الوجود و ما له من النهايات للايجاد فتكون المشية لها للوجود لا لها فتكون مشية (مشية‌ اللهخ‌ل) لها بالعرض لكونها غير مقصودة لنفسها بل للوجود فتكون مشية العبد لبعض كمالات الوجود من مشية الله الذاتية لها بالذات و مشية العبد لبعض كمالات الماهية بالذات من مشية الله لها بالعرض فاذا تحركت الشهوة المركبة في الانسان لشيء من نهايات الوجود التي هي الطاعات مثلا تحركت لضده (لضدخ‌ل) العام من نهايات الماهية التي هي المعاصي لكون الشهوة في الاصل مركبة لانها اقتضاء الانسان المركب فاذا غلبت شهوة احد النهايتين لمعونة او خذلان اراد و مصدر الداعيين من البابين العقل و النفس و علي كل باب منهما داع من الرحمن فعلي العقل ملك مؤيد يلقي اليه المعونة من الله و هو صورة الراس الخاص من العقل الاول المنطبعة في المرآة اليمني من قلب الانسان و نعني بها العقل و ذلك الملك يسمع من اذن القلب اليمني و علي النفس شيطان مقيض يلقي اليه الخذلان بالله لا منه و هو صورة الرأس المنكوس الخاص من الجهل الاول المنطبعة في المرءاة الشمال من قلب الانسان و نعني بها النفس و ذلك الشيطان يسمع (يستمع خ‌ل) من اذن القلب اليسري فالانسان بين آمر و ناه و اعان الملك بجنود الالطاف و الايقان و امد الشيطان بجنود الخذلان و جعل سبحانه للعبد الآلة و الصحة و هي التي يكون العبد بها متحركا مستطيعا للفعل مددا و اعانة علي الطاعة لكنه سبحانه جعلها صالحة للمعصية لان ذلك الصلوح من تمام الطاعة اذ لو لم‌تصلح للمعصية (علي المعصية خ‌ل) لم‌يقدر عليها و اذا لم‌يقدر عليها كان مضطرا الي الطاعة فلايكون مطيعا اذ الطاعة لاتتحقق حتي يقدر علي ضدها و يفعل الطاعة مختارا فاذا تحركت الشهوة من جانب (الجانب خ‌ل) الايمن و المراد بها ميل الوجود الي بعض كمالاته ظهرت المشية من بابه و هو العقل و اقتضي الطاعة فلما كان الوجود من مشية الله بالذات كما مر و مشية العبد للطاعة التي هي من كمالات الوجود بالذات من مشية الله لها بالذات و الله سبحانه السابق لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و ظهرت تلك الآثار بالعبد المختار

 

 

«* جوامع الکلم جلد 2 صفحه 122 *»

كان الله اولي بالحسنات من العبد و انما نسبت الطاعة الي العبد و استحق عليها الثواب كما نسب نور الشمس الي الجدار الذي اشرقت عليه و استحق الاضاءة بذلك اذ لولا الجدار و كثافته لم‌يظهر النور و ان كانت (و الا كانت خ‌ل) الشمس اولي بذلك منه و اذا تحركت الشهوة من الجانب الشمال أي ميل الماهية الي بعض كمالاتها ظهرت المشية من بابها و هو النفس الامارة و اقتضت المعصية و لما كانت الماهية من الوجود و اليه و بالله، لا منه و لا اليه و مشية‌ العبد للمعصية التي هي من كمالات الماهية بالذات ايضا من مشية الله لها بالعرض لرجوعها الي الماهية كما مر مكررا و الله السابق كذلك ام حسب الذين يعملون السيئات ان‌يسبقونا و ظهرت تلك الآثار من العبد المختار بالله القهار كان العبد اولي بالسيئات من الله و يقال ان السيئة‌ من العبد و بالله لا منه كما يقال ان ظل الجدار اذا اشرقت عليه الشمس من الجدار و بالشمس لا منها و لكنه لايتحقق و لايعقل الا بها ثم جعلنا الشمس عليه دليلا فالظل من الجدار و اليه يعود و لكنه ظهر بالشمس و اعلم وفقك الله ان هذه الاشياء المذكورة المفصلة كلها مذكورة في الكتاب و السنة و روي ما من شيء الا و فيه كتاب و سنة و لكن بعض ادلتها مذكور بلفظه و بعض بالاشارة و الايماء و جميع ذلك يطول به الكلام و لايحتمله المقام و من طلب وجد و لايسعني ايراد ذلك مع ما انا فيه من الاشتغال و تشتت البال و انما اكتب ما اكتب بلا مراجعة و لا تذكر و لا مطالعة و الله سبحانه الهادي سواء السبيل و حسبنا الله و نعم الوكيل و الحمدلله رب العالمين كتبها منشئها في السنة الثامنة بعد المائتين و الالف من الهجرة النبوية و صلي الله علي محمد و آله خير البرية (و صلي الله علي خير البرية محمد و آله الطاهرين خ‌ل) و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و الحمد لله اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا. تمت.