02-01 مکارم الابرار المجلد الثانی ـ رسالة کشف المراد في علم المعاد ـ مقابله

رسالة  کشف المراد في علم المعاد

 

من مصنفات

العالم الرباني و الحکيم الصمداني

مولانا المرحوم حاج محمد کريم الکرماني

اعلي‌الله‌مقامه

 

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 5 *»

 

f

 

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين.

و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابراهيم اني لما رأيت كتاب شرح العرشية للشيخ الاوحد اعلي الله مقامه و رفع في العالمين اعلامه رأيته كانه اجل الله شأنه بني فيه علي محض ابطال الباطل و تمييز المحلي عن العاطل و اثبات ان عقايد الماتن علي خلاف الكتاب و السنة و لم‌يعزم علي كشف اللثام عن حقيقة المرام و اكتفي ببعض الاشارات لاهل الدرايات هذا مع ان مسئلة المعاد مسئلة غامضة و تحتاج الي علوم كثيرة و لو بني فيه علي الامرين لاقتضي رسم كتاب كبير فاقتنع فيه اعلي الله مقامه علي صرف اظهار بطلان عقايد الماتن ردعا لمقلديه عن اتباعها و اني و ان كنت قليل البضاعة و كثير الاضاعة و كتبت في الفطرة السليمة تفصيل مسئلة المعاد بقدر الميسور احببت ان اكتب كتابا منفردا في علم المعاد و اكتفي فيه بمحض بيان مر الحق علي ما فهمته من الكتاب و السنة ببركة الاستاد اعلي الله مقامه و لا اتعرض فيه لذكر الاقوال و نقدها ولكن اكتفي فيه بما يمكن بيانه في هذه الاعصار و اقتنع ببيان الصواب من وراء الحجاب لئلا يحرم عن الحقيقة ابناء الحكمة و يحتجب عن الوقوع في ايدي الجهلة و جعلت ترتيب المسائل علي حسب ترتيب العرشية و ان كان علي حسب ما عندنا علي خلاف الحكمة و الصواب و ان احتجت الي زيادة عنوان زدت عنوانا بين العنوانات لتوقف بيان الحق في البواقي عليه و انما ذلك لاجل اني طالعته علي ترتيبه و كتبت لكل عنوان ما عندي من الحق و في الحقيقة من لايطلع علي كتابي هذا لاينتفع من الشرح المذكور الا بقدر ابطال الباطل و اما فهم حقيقة المسائل فلا و ابيك فانه اعلي الله مقامه لم‌يتصد لبيانها الا من وراء حجب كثيرة و هذا الكتاب حقيقة نعمة من الله علي اخواننا في الدين و هداية لخلاننا الي اليقين و يعلمون به ان آل محمد عليهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 6 *»

السلام لم‌يريدوا بالفاظهم و احاديثهم صرف التحذير و التخويف كما يزعمه اهل التأويل و التحريف و يعلمون به انهم عبروا بها عن حقيقة الواقع بلاتغيير و لا تصحيف و ان الفاظهم ادل الالفاظ علي الواقع و ان كان يزعم الجهال ان الفاظ الحكماء اظهر عند البارع و سميت هذا الكتاب بكشف المراد في علم المعاد و فيه ابواب .

الباب الاول

في معرفة النفس و فيه قواعد

قاعدة

اعلم ان معرفة النفس هي آية معرفة الله سبحانه اذ هي وصف الله نفسه لعبده لان الله سبحانه لما تعالي عن ان يمكن معرفته لغيره من نحو ذاته و احب ان يعرفه عبده وصف نفسه لعبده وصف تعريف و تعرف و جعل ذلك الوصف حقيقة عبده و هي المشار اليها في حديث كميل حيث سأل اميرالمؤمنين7 فقال يا مولاي ما الحقيقة قال7 مالك و الحقيقة يا كميل فقال كميل اولست صاحب سرك قال بلي ولكن يرشح عليك ما يطفح مني فقال او مثلك يخيب سائلا قال7 الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير اشاره قال زدني بيانا قال7 محو الموهوم و صحو المعلوم قال زدني بيانا فقال7 هتك الستر لغلبة السر قال زدني بيانا فقال7 جذب الاحدية لصفة التوحيد قال زدني بيانا فقال7 نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره قال زدني بيانا فقال7 اطفئ السراج فقد طلع الصبح انتهي. فمن توجه الي ذاته بذاته فاقدا لجميع ما سواها من فعل او حال او وضع او نسبة او قران او اضافة او ملك او انفعال و اشباه ذلك فقد عرفها مكشوفة السبحات من غير اشارة و وجدها ليس كمثله شيء فعرف بها ربه لان من عرف الصفة عرف الموصوف في الصفة و هو غاية جهد المخلوق.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 7 *»

قاعدة كلية

اعلم ان كل شيء من ذوي المحال المتقلبة المستقلة قبل حلول الصورة حقيقته الصورة التي تحل علي تلك المادة و ترحل فالكوز كوز بالصورة الكوزية و الكاس كاس بالصورة الكاسية و لذلك لو زالت الصورة لم‌يسم بذلك الاسم مع ان المحل اي الطين باق و لذلك تري كل واحدة من الصورة و المادة اعم من الاخري و بينهما عموم من وجه فالطين اعم من الكوز و الكوز اعم من الطين فالكوز غير الطين و ليس المحل جزء الموضوع له يقينا اذ ليس من شرط صدق الاسم الاتري ان الخشب ليس من شرط صدق السرير علي السرير و يصدق السرير علي سرير من الحديد ايضا و لو كان الخشب بعض الموضوع له لكان الباب بعض السرير و صورة الباب و السرير بعض الباب و صورة السرير الاتري انه لو كان السرير غير مصنوع تقول ان السرير معدوم مع ان الخشب موجود و ليس بعض السرير موجودا و اذا وجد صورة السرير تقول وجد السرير و هكذا ألا تري ان الخمر خمر بصورتها الخمرية و مادام الصورة باقية هي نجس و حرام فاذا زال الصورة و تصورت بصورة الخل طهر و حل مع ان المحل باق علي حاله و لذلك روي انما سمي الخمر خمرا لعاقبتها فما كان عاقبته خمرا فهو خمر الا تري ان الالف اثر الكاتب لا المداد و المداد اثر صانعه و الاتدري ان المفعول به غير المفعول و اثر الفاعل المفعول لا المفعول به و الاتدري ان الاثر قائم بمؤثره تام في كونه غير محتاج في كونه الي غير مؤثره فالكوز اثر صانع الكوز و الطين اثر صانع الطين و ليس اثر فاعل جزء اثر فاعل آخر فاثر صانع الكوز هو الكوز و الكوز ما احدثه و ما احدثه صورة الكوزية و الطين مفعول به و مرآة و مظهر لتلك الصورة نعم اصل الطين و مرادي به المادة التي يظهر عليه الصورة الصناعية له مادة و صورة في رتبته ذاتيتان مادته اثر صنعه سبحانه و تعالي و صورته من نفس تلك المادة اي تلك المادة يد الله في احداث تلك الصورة و ذلك حال كل اثر عند مؤثره و اما كل صورة هي اثر صنع غير صنع المادة فليست مخلوقة بتلك المادة و لا بصنع المادة و انما هي اثر صنع آخر قائم به قيام صدور و ان كان ظاهرا بتلك المادة كنور الشمس و الجدار نعم اذا وقع الصورة من صانعها علي المادة يحصل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 8 *»

للمادة تكمل بتلك الصورة و تتبع تلك الصورة ما دامت عليها و هي متكملة بها فاذا رفعت الصورة و زال التكمل عادت الي ما كانت من الصلوح فللمادة تصور و هو قبولها عن فعل المصور و لابد ابدا من قيام الصورة و تصوير المصور عليها لان الصورة حادثة و باقية بابقاء المصور و تصور المادة فرع التصوير كالانكسار الذي هو صورة الكسر و ما يري من بقاء الخط بعد الكاتب و الكسر بعد الكاسر فلاجل ان مثال الكاتب باق في الدهر و هذه الحصص المدادية متوجهة الي الكتابة التي هي اثر الكاتب في الدهر فيقع فيها صورتها كما يقع المثال في المرآة فلو زالت المواجهة زالت الصورة و هي لجمودها لايزول مواجهتها ما لم‌يغيرها مغير و علي هذه فقس ما سواها فهذه الصورة ليست من امكانات هذه المادة و انما هي اثر صانع خارج كالكاتب مثلا و الذي في امكان المادة صلوح التصور و قبول الصور فلو قيل ان المداد صالح للصور الحرفية فانما يراد به انه صالح للتصور بها و انما ذلك لاجل ان المحل ليس مادة ذاتية لتلك الصورة و انما هي مادة عرضية تصلح لعروض صور متخالفة و المادة الذاتية لتلك الصورة هي قائمة بفعل المصور للكوز مثلا لا صانع الطين و هي ما لايصلح لغير صورتها و ذلك ان الصانع جل شأنه لاتعين في فعله و لاتخصص فلو كانت المادة ايضا لاتخصص لها بصورة لزم من تصويرها بصورة خاصة الترجيح بلاترجح و هو لايصدر من الحكيم الغني جل شأنه فلابد و ان تكون المادة فيها مبادي الصورة أ لاتري ان النور مادته ما صدر من الشمس و صورته من نفس تلك المادة و لايصلح مادة النور لغير النور و كذلك مادة الظلمة خاصة بها لاتصلح لغيرها فمادة الجنس لابد و ان يكون فيها مبادي الجنسية و مادة النوع لابد و ان يكون فيها مبادي النوعية و مادة الشخص لابد و ان يكون فيها مبادي الشخصية و ذلك لاجل ان الصورة نهايات المادة الذاتية و تمثلاتها و ذلك محقق في علم الفلسفة فلايمكن تصوير مادة الروح بصورة النفس و لاتصوير مادة النفس بصورة الجسد و كذلك لايمكن تصوير مادة زيد بصورة عمرو و لاتصوير مادة المؤمن بصورة الكافر و انما الصلوح للنوع للافراد لا للنوعية و لا لمادة فرد لصورة فرد آخر و ما يري من صلوح المداد مثلا لكل حرف

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 9 *»

فانما هو في المداد النوعي لكل فرد شخصي و فهم ذلك دقيق جدا و مع ذلك كل نوع يخص افرادا معينة لاجل خصوصية المادة النوعية ايضا بتلك الافراد فلايصلح مادة الفرس للبس الصورة الانسانية بالجملة المادة الذاتية هي ما يخص بالصورة الخاصة لايصلح لغيرها و لذلك يلحقها احكام الصورة و لذلك يستحق المؤمن الجنة بمادته و صورته و يستحق الكافر النار بمادته و صورته فالكوز هو الصورة الكوزية و الطين محل ظهورها و تلك الصورة صادرة من مؤثرها قائمة به قيام صدور و قائمة بالمحل قيام ظهور و لها من حيث الصدور مادة و صورة نوعيتان و تختص حصة منهما بسبب المحل كما ان النور الصادر من الشمس نوعي و يتشخص بسبب المرآة و يتعين باستقامتها و اعوجاجها و اصباغها و صفائها و كدورتها و كذلك الصيقل الحاذق مثلا يصدر من فعله صورة السيف النوعي فان وقعت علي حديد ذكر هندي يقع سيف حديد حسن و ان وقعت علي حديد انثي لين متقشر رخو متخلخل يظهر سيف كال سيء و الصانع واحد و صنعه واحد بحذقه و كذلك جميع ما تري في هذا العالم و السيف اسم لتلك الصورة له خلقان خلق اول نوعي و هو ما يصدر من فعل الصيقل و خلق ثان شخصي و هو ما يظهر علي الحديد و هذه الصورة هي مبدء جميع الاثار و الافاعيل و الخواص و موضوعة الاحكام و هي قائمة بمبدئها صدورا و استمرارا و بمحلها ظهورا فاذا اخذ عنها المحل بقيت الصورة قائمة بمؤثرها غاية الامر انها غير ظاهرة في عرصة ذلك المحل و زالت شخصيتها لان ممد الشخصية و مبدأها ذلك المحل فاذا فني العلة فني المعلول ألاتري ان نور الشمس صادر منها كان جدار يظهر عليه او لم‌يكن فان وجد جدار ظهر عليه النور في عرصة‌ الكثائف و الا بقي صادرا من الشمس قائما بها في عالم المثال مستمرا باستمرار انارة الشمس و كذلك جميع الصور التي ظهرت علي المواد المستقلة قبل الصور كلها قائمة بمؤثرها ظاهرة علي المواد فاذا كانت المادة مواجهة لتلك الصورة ظهرت عليها و اذا ما انحرفت رفعت الصورة عنها و قامت بمؤثرها فان قابلتها بمرآة خيالك ظهرت عليها و لو قابلها نبي بمادة خارجية اعجازا عادت عليها سواء كانت مادتها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 10 *»

الاولي ام غيرها فانها عرضية و من ذلك علم ان تلك الصورة ليست من ماهية هذه المادة و ليست هذه المادة واسطة خلقها بخلاف المادة الذاتية نعم لهذه المحال في مقامها مواد و صور ذاتيتان بهما قوامها و هما دهريتان ليس يوجد احديهما بدون الاخري فالمادة ‌هي المادة الجسمانية و الصورة هي صورة هذه البسائط العبيطة الاصلية فهي محل جميع صور المواليد تعرض عليها و تلك الصور قائمة بمؤثرها صدورا و بذلك المحل ظهورا و بينهما عموم و خصوص من وجه كما عرفت.

فاذا عرفت ذلك فاعلم ان تلك الصورة هي الشيء و تمام الشيء و نفس الشيء و مبدأ آثار الشيء و افعاله و خواصه و موضوعة احكامه في الدنيا و الاخرة فنفس هذا العرش صورته و نفس هذا الكرسي صورته و نفوس هذه الافلاك صورها و نفوس هذه العناصر صورها و كذلك نفوس الجماد و النبات و الحيوان و الانسان جميعا صورها و هي كلها و حقيقتها و مبدأ آثارها و افعالها و مصداق اسمائها و موضوعة احكامها في الدنيا و الاخرة و المثاب و المعاقب و هي اجسام لها مواد و صور و هي المشار اليها بقوله7 صور عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر منها افعاله. فالجماد هو ما تألف من هذه البسائط المحسوسة تألفا صناعيا و قد خلقت البسائط قبله في الزمان ثم الفت في زمان و حصل لها صورة تأليفية كصورة الياقوت مثلا ثم ينزع عنها تلك الصورة في زمان و يعود البسائط الي حالها ثم تؤلف تأليفا آخر و يلبس عليها صورة اخري و هكذا فالصورة الياقوتية هي حقيقة الياقوت و هي قائمة بمؤثرها ظاهرة علي مرآة البسائط لها مادة نوعية قائمة بفعل مؤثرها و تشخصها بتلك الحصص من البسائط الخاصة فما دامت مرآتها مواجهة الي فعل المؤثر تكون الصورة متشخصة ظاهرة في الزمان فاذا انحرفت عنه بالتفرق عدم التشخص و بقي المادة النوعية قائمة بمؤثرها فلا ذكر للياقوت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 11 *»

الشخصي الا في عرصة الزمان اذ ذكر تشخصه ربه في تلك العرصة و لا خزانة له فوقها فالياقوت الشخصي من الكائنات الزمانية نعم هو مرسوم في ذلك الجزء من الزمان حسب و ذلك الياقوت الشخصي و زمانه مذكوران لربهما في لوح علمه سبحانه لا لنفسهما و لو كان لك ياقوت فكلسته و حللته و بخرته و جعلته هواءا و افنيته و شاء نبي ان يعيد ياقوتك اعاده علي ذلك المحل ان شاء او علي غيره و هو هو و كذلك حال النبات حرفا بحرف الا ان بسائط النبات صوافي البسائط و بسائط الجماد غلائظها و اما الحيوان فهو مؤلف من البسائط الجوهرية الفلكية الحيوانية الكامنة في البسائط الطبيعية العنصرية قد تألف من كل جوهر جزءا و من البرودة جزئين و حصل لها صورة فلكية و تلك الصورة هي حقيقة الحيوان و هي قائمة بمؤثرها لها مادة نوعية صادرة من فعله و تشخص من مرآة تلك البسائط الحيوانية و تلك ايضا مرتبطة بالبسائط الطبيعية فاذا تفرق اجزاء المرآة و انحرفت عن فعل المؤثر عادت المادة النوعية الي مؤثرها بلا تعين فتلك الحقيقة ايضا ليست بمذكورة الا في رتبة الفلك و هو ايضا زماني فاذا تفرق اجزاؤه فني في تلك الرتبة اذ لا خزانة لتلك الصورة الشخصية فوق رتبة الفلك فهو ايضا من الكائنات الزمانية نعم هو و زمانه مذكوران لربهما في محلهما ابدا لالنفسهما و يمدهما الله سبحانه بكرمه قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و لو شاء نبي ان يعيد فرسك بعد موته و تفسخه في الارض و تفرق عناصره في الاصول لفعل كما ذكرنا سواء اعاده علي محله الاول او الثاني و في طيور ابراهيم و حمار عزير و احياء تلك العظام النخرة عبرة لمن اراد ان يعتبر و يعلم ان الحقيقة ما هي و ما الذي يعاد فافهم.

و اما النفس الظلية فهي مؤلفة من بسائط برزخية اعلاها دهرية مرتبط بالدهر صدورا و اسفلها زمانية مرتبط بالافلاك و العناصر الجوهرية الزمانية و تلك البسائط صور اشراقية قائمة بفعل النفس الكلية صدورا و قائمة بجواهر الافلاك ظهورا فهي صدورا نوعية و ظهورا متشخصة فلما تعلقت بالعرش صارت نفس العرش و لما تعلقت بالكرسي صارت نفس الكرسي و لما تعلقت بالافلاك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 12 *»

صارت نفوسها و لما تعلقت بالعناصر البسيطة صارت نفوسها فتشخصها من حيث ما اكتسبت من مرآة المظاهر و الا فهي صدورا نوعية فاذا اخذ من تلك النفوس الظلية حصص و الفت علي صورة حصل عليها صورة شخصية و هي النفس الظلية الشخصية مرتبطة من حيث الصدور بفعل مؤثرها و هي نوعية و من حيث الظهور بتلك البسائط الظلية التي هي العقل و النفس و التعقل و العلم و الوهم و الوجود و الخيال و الفكر و الحيوة و نفوس العناصر الجامدة شخصية و قد اخذ من هذه النفوس حصص و البست صورة وحدانية تأليفية و تلك الصورة كما عرفت صدورا نوعية و ظهورا متميزة بتلك المشاعر و الاعمال فصورة النفس الظلية الشخصية هي العلم و العمل فاذا تفرقت الجمادية‌ و النباتية و الحيوانية في اسفل الزمان بقيت النفس الظلية الشخصية في اعلاه ما بقيت البسايط اي الافلاك و العناصر فانها مشخصة لنفوسها ما بقيت و تلك الحصص تشخصها ليست من الحيوانية و النباتية‌ و الجمادية و انما تشخصها بادراكاتها فان كانت قوية كانت شديدة التشخص متعينة بعد الموت و ان كانت ضعيفة بمخالطة الاعراض انتظر بها زوالها و النفس الظلية مركبة من تلك النفوس نعم اذا خربت البسائط و تفرقت تفرقت مع الزمان و تفرقت نفوسها و بطلت عند ذلك بخلاف الحيوانية و النباتية و الجمادية فانها تتفرق اجزاؤها في الزمان الا ان الحيوانية لها بقاء ما بعد خراب البدن بقدر ما لها من المشاعر الدراكة للصور المنفصلة عن المواد الزمانية لكن لا دوام له لعدم مفارقتها الوجدانية عن الماديات الزمانية كثيرا و لذا خص اميرالمؤمنين7 قواها بالحواس الخمس الظاهرة و حصر الصادق7 ادراكها بالطبيعيات و سلب الرؤية عنها و ذلك المقدار من البقاء هو محشرها فافهم. و اما النفوس الظلية فهي مفارقة عن المواد الزمانية مفارقة برزخية و ليست مفارقة عن المواد البرزخية اي البسائط المجردة فلذلك تفني اذا فنيت البسايط المجردة و لاجل ذلك يقدر النبي علي احياء الموتي و اعادة نفوسها الظلية اليها حتي لاتنكر من نفسها شيئا علي محالها او غير محالها و هذا غاية تحرير المسئلة علي نهج الاختصار.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 13 *»

و اما النفس الناطقة الدهرية فهي حقيقة وحدانية قد تألفت من بسائط حقيقة متشاكلة متحدة دهرية و تلك البسائط هي حقيقة هذه البسائط الظلية كما كانت البسائط الظلية هي حقيقة البسائط الجوهرية و نسبة كل حقيقة الي ما دونها نسبة الجسم المطلق الي الاجسام الجزئية فالبسائط الاخروية بسائط متشاكلة صفة كل بسيط في كل بسيط بالفعل فعرشها ذو فعلية كرسية و فلكية و عنصرية و كرسيها ذو فعلية عرشية و فلكية و عنصرية و فلكها ذو فعلية عرشية و كرسية و عنصرية و عنصرها ذو فعلية عرشية و كرسية و فلكية فهذه البسائط بسائط ركنية قد تألف منها النفس الناطقة الكونية علي صورة الدراكية المطلقة و هي قائمة بمؤثرها قيام صدورها و بمادتها و صورتها قيام ركن و مادتها قائمة بصورتها قيام ظهور و صورتها قائمة بمادتها قيام تحقق اذ المادة و الصورة ذاتيتان لها و هي هي النفس الناطقة الكونية صاحبة جميع المشاعر الظلية التي هي من حيث الصدور منها متحدة و من حيث الظهور علي البسائط الجوهرية متعددة فهي صدورا دهرية و ظهورا برزخية فتلك النفس الناطقة الكونية تميزها بتلك الصورة المتحدة المطلقة النوعية بالنسبة الصالحة لان تتعين بعلوم حقيقية دينية الهية او تتعين بعلوم باطلة شيطانية و ذلك ان دراكيتها المطلقة في الدهر او في المشاعر الظلية بعينها كالعين الباصرة المطلقة فاما ان تنظر بها الي الكعبة او الي الامام او الي العالم او الي الافاق و الانفس للعبرة و اما ان تنظر بها الي غير محرم او الي الشطرنج او الملاهي او غيرها من المحرمات أ لا تري ان خيالك في نفسه مطلق لاتعين له و هو صالح لان تتصور به محرما او محللا فكذلك النفس الدراكة المطلقة صالحة لان تتوجه الي عبادة و نور او معصية و ظلمة و نسبتها الي المشاعر الظلية نسبة الروح الحيواني الي حواسها الاتري انه بصير بكله سميع بكله شام بكله ذائق بكله و هكذا فكذلك النفس هي عاقلة بكلها عالمة بكلها متوهمة بكلها و هكذا فالنفس الناطقة الكونية هي الحقيقة الوحدانية المؤلفة من البسائط الاخروية و لها صورة دراكية و عاملية مطلقة و هي لها وجود و ماهية مطلقة و هي لها وجود و ماهية فان عملت بمقتضي وجودها و توجهت الي الكلية الالهية وقع عليها شعاعها و ذلك الشعاع صدورا نوعي و ظهورا عليها يتشخص و يتعين فتستمد بمقتضي وجودها و يضعف ماهيتها و ان عملت بمقتضي ماهيتها و توجهت الي الجهل الكلي وقع عليها ظله و هو صدورا نوعي و ظهورا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 14 *»

عليها يتشخص و يتعين فتستمد بمقتضي ماهيتها و يضعف وجودها فذلك النور الممد به هو النفس الناطقة الانسانية و ذلك الظل الممد به هو النفس الامارة بالسوء و تتصور حينئذ اما بصورة الشياطين او الحيوانات او النباتات او الجمادات لانها تكتسب الصور من الاسفل و مما ذكرنا علم ان النفس الكونية مشخصة كونا لكنه تشخص كلي و تتعين بالصور الشرعية التي هي من امداد وجودها او ماهيتها فالنفس الكونية هي التي تسعد بالصورة الشخصية او تشقي و هي التي تنعم و يري في وجهها نضرة النعيم او تعذب و وجهها باسر تلفحه النار نعوذ بالله بالجملة اذا كان الشيء مركبا من اجزاء مستقلة قبل التركيب فالصورة العارضة عليها هي نفس ذلك الشيء و حقيقته و هي قائمة بمصورها قيام صدور و علي تلك الاجزاء قيام ظهور و ليست تلك الاجزاء مادة ذاتية له و ان كان مركبا من اجزاء ركنية غير موجودة قبل التركيب فحقيقته مجموع ذلك المركب و المادة له اب و الصورة له ام و هما معا قائمتان بمؤثرهما قيام صدور و مادته قائمة بصورته قيام ظهور و صورته قائمة بمادته قيام تحقق و لايوجد احديهما بدون الاخري اللهم الا في الذهن عند الوجدان.

و اما النفس الكلية فهي حقيقة جميع الافلاك و العناصر الظلية التي وصفنا و هي فيها كجسم الكل في الاجسام فهي حقيقة الجسم الكل فهي الجسم الحقيقي الكلي و ذلك تأويل قوله تعالي انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها و جميع النفوس الجزئية مثلها و اشعتها و انوارها و تلك المثل مذكورة حيث ذكرها الله و ذكرت الله باقية لانفسها و لربها الا انها بالنسبة الي النفس الكلية عائدة عود ممازجة حيث انها مبهمة فيها متلاشية لاتعين لها بالجملة النفس في كل مقام هي ما به الشيء ذلك الشيء الخاص و هي قائمة بالمؤثر قيام صدور باقية محفوظة بابقائه و حفظه فان واجهها مرآة سواء كانت مادية شهادية او ظلية برزخية ظهرت فيها و ان انحرفت خفيت عنها و ان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 15 *»

اعيدت الي التوجه عاد الظهور و لو عاد الف مرة و تخيل النفوس الميتة هي دليل البعث و الاعادة لو كنتم تعلمون و انما خلق الله الرؤيا ليتمكن الناس من فهم امكان البعث و المعاد كما روي فافهم و كذلك يحيون الموتي بالاعجاز و في الرجعة و كذلك اعاد علي7 الوقت و صلي اداءا حيث اعاد الشمس و صلي العصر و ذلك علي الله يسير و كيف ينكر العود من يشاهد علي الدوام و تحلل مرآته و ايجاد مرآة اخري في بدنه و هو هو دائما و لقد علمتم النشأة الاولي فلولا تذكرون بل هم في لبس من خلق جديد خذها اليك قاعدة كلية ينحل بها اكثر كليات مسائل المعاد و الرؤيا لاتجدها في كتاب و لاتسمعها من خطاب و لا قوة الا بالله  الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و لا حول و لا قوة الابالله العلي العظيم.

قاعدة

اعلم ان النفس الانسانية كما عرفها اميرالمؤمنين7 هي قوة‌ لاهوتية بدؤ ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية سبب فراقها تحلل الالات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود مجاورة لا عود ممازجة و قال7 لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بالنفوس الملكية و لها خاصيتان النزاهة و الحكمة انتهي.

اعلم ان حقيقة النفس الناطقة مثال فعل الله و صورته كما قال علي7 في صفة العالم العلوي صور عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر منها افعاله انتهي. و ذلك المثال نفس الهوية اي هو الملقي و الملقي فيها لقوله7 تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها و هي للمشية كالصورة في المرآة و مرآتها نفسها و كالنور للمنير

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 16 *»

و الكلام للمتكلم و هي جوهرة اصلها صورة علمية لله سبحانه ابرزتها المشية بواسطة العقل و هي كالزناد و قابليتها كالحجر و هي كالنار الحاصلة بينهما و مقرها ارض العلوم اي ذرات الوجود الذاتية اذ كل في رتبته علم بتلك الرتبة و هي ارض الحيوة الذاتية و هي منبعثها و لا منبعث لها من الاراضي المادية موادها ما يرد عليها من العقل و صورتها خصوص العلوم و اذا عادت بعد تفرق آلات البدن و انكسار المرايا العرضية عادت عود مجاورة لان تشخصها من العلوم لا من الابدان العرضية و محلها في وسط الدهر فوق جسدها في عالم الزمان و هما معا و هي مقدمة علي جسدها باربعة آلاف سنة مؤخرة عنه باربعة آلاف سنة و بينهما اسباب متصلة معهما و قد انزلها الله في تلك الاسباب فكسرها في الطبايع ثم حصصها في المواد ثم صورها في الاظلة ثم انزلها الي العرش ثم الي الكرسي ثم الي فلك الشمس ثم الي الافلاك الستة ثم العناصر حتي انتهي بها الي التراب و كونها في العرش آية كونها في العقل الكلي ذكرا و كونها في الكرسي مظهر كونها في مقامها في وسط الدهر و كونها في الشمس مظهر كسرها في الطبع و تحصيصها في الهباء و كونها في الافلاك مظهر كونها في الاظلة و تجليها بافعالها و كونها في العناصر آية كونها في الطبايع ثانيا و كونها في حصص منها آية كونها في المادة و كونها في صور الاشخاص آية كونها في الاظلة و جميع ذوي الايات تلك قائمة فوق الايات هذه و خلقتا معا و ذلك صفة نزولها الي منتهاها بتنزلاتها و لم‌تخل عنها درجة فتنزل بنفسها الي درجة بل هي و الجسد و الاسباب جميعا موجودة في رتبها و هي نازلة مادة يعني المادة الدنيا غليظ المادة العليا و صاعدة صورة يعني الصورة العليا لطيف الصورة الدنيا فالمبدء اولي بالمادة الوحدانية فهي نازلة و المنتهي اولي بالصورة المتكثرة فهي صاعدة و درجات الصعود بازاء درجات النزول و كما لاينزل بنفسها درجة لايصعد بنفسها درجة و لكل منا مقام معلوم.

قاعدة

اعلم ان دون هذه النفس الناطقة الانسانية الذاتية نفسا ناطقة ظلية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 17 *»

برزخية و هي شعاع الناطقة القدسية و نورها الذي تعلق بالاجسام فهي صورة مثالية تكون صدورا من النفس الناطقة القدسية نوعية و تتشخص في الاجسام الجزئية فتختص بها فلذلك اعلاها دهري و اسفلها مرتبط بالاجسام الزمانية ففي العالم الكبير بين نفسه الكلية و بين هذه الاجسام عالم ظلي و هو ظل النفس الكلية و مثالها قد تعلق بهذه الاجسام فذلك العالم صدورا من النفس نوعية لاتشخص فيه و ظهورا علي مرايا الالاجسام يتعين و يتشخص و هو النفوس الخاصة المتعلقة بهذه البسائط المقتضية للاقتضاءات الخاصة و هي نفس العرش المحركة له و نفس الكرسي و نفوس الافلاك المحركة لها و نفوس العناصر التي بها تتحرك الي حيزاتها و تلك النفوس صدورا متحدة و هي نفس كلية ظلية محلها الجسم الكلي و تلك النفوس صور مجردة عن المواد و المدد الزمانية مقارنة بها و هي الصورة‌ العرشية  و الكرسية و الفلكية و العنصرية التي بها تسمي باسمائها و هي نفوسها و حقائقها كما عرفت و هي منشأ آثارها و مبدأ قواها و كذلك مثل جميع ما بدأ من تلك البسائط من المواليد صورها هي مثلها وهي من ذلك العالم و كل مادة تفككت يبقي مثاله في ذلك العالم و لاجل ذلك له عرش و كرسي و افلاك و كواكب و عناصر و مواليد و نهار و ليل و آفاق كهذا العالم بعينه الا انها فيه صور مجردة عن المواد و المدد الا انها سفلياتها باقية ببقاء الاجسام السفلية مفتقرة في تشخصها اليها فما دام الشجر موجودا في الدنيا يكون مثاله موجودا في عالم المثال فاذا فني فني عن عالم المثال و كتب في لوح العلم الدهري فتلك المثل لربها موجودة ابدا و في نفسها تعدم و علوياتها باقية ببقاء الاجسام العلوية مفتقرة في تشخصها اليها فما دام الجسم السماوي موجودا كان مثاله موجودا و اذا مارت و تفككت و هو عند نفخ الصور تفكك مثالها و ذلك ان ظل النفس الكلية لاتشخص له الا في مرآة الجسم الزماني فهذه الافلاك لكونها مركبة من عناصر جوهرية و شديدة التشاكل مصونة عن الزوال الا عند نفخ الصور و اما العناصر فلاختلاف اجزائها و عدم تشاكلها سريع الزوال فما بقيت بقي مثلها في عالم المثال و اذا ذهبت ذهبت و كذلك فيها جميع اللذات و جميع الالام و جميع الامداد النازلة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 18 *»

من السماء و المثل الصاعدة الي السماء بالجملة ذلك العالم عالم مجرد عن المواد لكنه مقارن بالاجسام كما عرفت و هي شرط تعينه و تشخصه و اما زيد مثلا فلكل جزء من اجزائه حكم مثله يعني حكم اجزائه الجمادية حكم الجمادات و حكم اجزائه النباتية حكم النباتات فهما ما دامتا مؤلفتين مثالاهما باقيان عليهما فاذا تفرقتا تفرق مثالاهما و ذهبا الي الكتاب المحفوظ و حكم اجزائه الحيوانية الجوهرية كذلك و ادوم منهما في الجملة فان محل المثال الحيواني الجسم الفلكي الا انه لاختلاطه بالعنصريات و تشخصه بها يفني بفناء البدن و يذهب عن عالم المثال الي الكتاب المحفوظ و حكم اجزائه الظلية الفلكية الجوهرية ان تبقي بقاء العالم و ليست فلكيات زيد تفني بفناء العنصريات لشدة تشاكل اجزائها و اندماج بعضها في بعضها و مفارقتها الوجداني حتي عبر الحكماء عن شدة تركيبها بالياقوت و هي مستمسكة بعد فناء البدن لانها مفارقة و لا انبعاث لها من البدن العنصري و لايستمد منه و انما استمداده من الاعلي و الحافظ لها عن التفرق مع انها دخان نفوسها الوحدانية كما تحفظ النفوس و الحرارة الغريزية ساير المركبات و اليه الاشارة بقوله7 ان الله يمسك الاشياء باظلتها و هي سر الوحدانية و لابدع ان يحفظ الاشياء ان الله يمسك السموات و الارض ان تزولا و لئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده.

و اما ما في العناصر البسيطة الجوهرية من الاظلة اي عناصر بدن زيد فان تلك الاظلة تتبدد و تتفرق بتفرق العناصر البسيطة باختلاطها بالاعراض فتلك الاظلة المتبددة تبقي في قبر الطبايع في غيب هذه الاعراض كما ينحل البسائط في الطبايع و ان جرت البسائط في المركبات بجريان اعراضها و تألف منها مؤلفات آخر طيبات او خبيثات و تلك الاظلة لاتصير جزء مولود آخر و لاتهضم في هاضمة مولود آخر فان الهاضمة من الاعراض و تلك الاظلة فوق الاعراض و هي الاجزاء الاصلية التي تبقي مستديرة في القبر فكلما يتلاشي البدن في قبر الدنيا و يلحق عناصره باصولها يفارقها الاظلة المتعلقة بها و هي قائمة بمبدئها و لها تعين علمي و عملي علي حسب شعورها فتبقي في عرض الطبايع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 19 *»

الظلية و ارضها و معني استدارتها كون كل جزء منها في محلها و به تدور علي قطبها علي التوالي دوران استمداد فتلك الاظلة هي ارض عالم الاظلة و هي غيب النباتات اي لطائف هذه العناصر و صوافيها و بسائطها و هي و ان كانت في غيب هذه الطبايع الا انها رتبة فوق محدب العرش و هي ارض هورقليا و اما من لم‌يفارق اظلته الفلكية وجدانا و لم‌يصح شعوره فانه يبقي روحه مع جسده في قبره الي ان يصحو فهو مستضعف فلايحس بشيء في البرزخ اذ ليس روحه متوجها الي عليين فيتصور بعلوم حقة و اعمال صالحة و لا متوجها الي سجين فيتصور بعلوم باطلة و اعمال طالحة فيبقي في قبره جامدا الي ان ينفخ في الصور فيزول عنه الاعراض و يصحو شعوره خذها اليك فانك لاتجد هذه المطالب بهذا الوضوح في كتاب و لاتسمعه من خطاب و المشايخ اعلي الله مقامهم ستروها باستار لمصالح راعوها في ازمنتهم.

بقي بعض المطالب و هي ان النفس الكلية اثر العقل الكلي فشابهته في كونها دراكة الا انه دراك لما سواه بالاحاطة و الكلية الاطلاقية و صلوح التجلي كما عرفه اميرالمؤمنين7 جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشيء قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية‌ المطالب انتهي.

و هي دراكة بذاتها بتأييد العقل ما فيها من وجوه الاشياء فهي مقام اللوح و العقل مقام القلم و لتلك الوجوه من اجل كمالها انوار و آثار يشرق بها هياكل التوحيد فما في النفس الكلية من تلك الوجوه علل الموجودات و هي رؤس العقل الذي هو علة العلل و اما النفوس الجزئية فهي بالنسبة الي آثارها و افعالها فكذلك و هي الواح جزئية تحت اقلام ظهورات العقل لها بواسطة النفس الكلية و درك بعضها لبعض بالانطباع و دركها ما دونها مما ليس من آثارها بتنزلاتها في عرصاتها فبتنزلها بظل الي عرصة الاظلة تدرك الاظلة بالانطباع و بجسم الي عرصة الاجسام تدرك الاجسام بالانطباع ففي عالم الاظلة خلق الله لها ظلا هو قائم بها صدورا و ببدن مؤلف من الجواهر الفلكية و العنصرية ظهورا فاشتعل ذلك البدن بذلك الاشراق كما يشتعل ظاهر الدخان بباطنه فظهر اشراقها فيما له من حصة عرشية فادركت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 20 *»

بها المعاني الكلية المجردة المفارقة بمقتضي عالم الاظلة و في ما له من حصة كرسية فادركت بها الصور الكلية المجردة المفارقة و فيما له من حصة شمسية فادركت الحقايق الثانية المفارقة و في ما له من حصة زحلية فتعلقت بها المعاني الكلية المجردة المقارنة و في ما له من حصة مشترية فادركت بها الصور الكلية المجردة المقارنة و فيما له من حصة مريخية فادركت بها المعاني الجزئية المجردة المقارنة و فيما له من حصة زهرية فادركت بها الصور المجردة المقارنة و فيما له من حصة‌ عطاردية فادركت بها النسب التصديقية الحكمية و فيما له من حصة قمرية فاحست بها الصور البرزخية المقارنة و فيما له من نار فادركت بها الاضواء و فيما له من هواء فادركت بها الاصوات و فيما له من ماء باخر فادركت بها الروايح و فيما له من تراب منحل سائل فادركت بها الطعوم و في المجموع المركب فادركت به الكيفيات المركبة كلها بنسبة‌ عالم الاظلة و لما تنزلت الي عالم الاجسام خلق لها صورة‌ مثالية هي قائمة بها صدورا ظاهر ببدن مؤلف من بسائط هذا العالم الدنياوي و بعد انتضاجها و صفائها ظهر عنها افعالها بواسطة الاظلة و هي قائمة فوقها في البرزخ و النفس قائمة فوقها في اوسط الدهر فهي تدرك النفسانيات بالانطباع في نفسها و المثاليات بانطباع اشباحها في مرايا اظلتها و الجسمانيات بانطباع اشباحها في مرايا جسمها و اما القوي المشار اليها في الخبر فالحكمة بحصتها العرشية و النزاهة بحصتها الكرسية و الحلم بحصتها الزحلية و العلم بحصتها المشترية و النباهة بحصتها المريخية و الذكر بحصتها الزهرية و الفكر بحصتها العطاردية و لايخفي وجوهها و قد سميها الحكماء بالعقل و العلم و التعقل و التعلم و التوهم و التخيل و التفكر و لبعضهم اصطلاحات غير ذلك مذكورة في كتب القوم ثم اعلم ان عالم الاظلة لارتباطه بعالم الماديات من حيث الاسفل يكون علي حسب هذا العالم باق ببقاء هذا العالم و هو تدريجي الحدوث مثل هذا العالم له عرش و كرسي و افلاك و نجوم و عناصر و طلوع و غروب و ايام و اسابيع و شهور و سنون و يسمي ارضه بالاقليم الثامن و ملك آخر و بالسريانية بهورقليا و فيه مدينتان عظيمتان جابرسا في جانب المشرق اي الاعلي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 21 *»

فيه مثل الامداد النازلة من السماء و جابلقا في جانب المغرب اي الاسفل فيه مثل القوابل الصاعدة تلتقيان في الفضاء و قال شيخنا اعلي الله مقامه من توجه في مكان خال ليس فيه صوت من الدنيا يسمع اصوات مكالماتهم و لهم لغات عديدة و هم كلهم من اعوان القائم ينتظرون خروجه مطيعون منقادون له يسلطهم علي من يشاء من اعدائه و فيه جنة في المغرب فيها مثل كل محبوب في الدنيا و نار في المشرق فيها مثل كل مكروه.

قاعدة

اعلم ان دون النفس الظلية نفسا حيوانية و هي كما عرفها اميرالمؤمنين7 قوة فلكية و حرارة غريزية اصلها الافلاك بدؤ ايجادها عند الولادة الجسمانية فعلها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية مقرها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يضمحل تركيبها و قال7 و الحسية ‌الحيوانية لها خمس قوي سمع و بصر و شم و ذوق و لمس و لها خاصيتان الرضا و الغضب و انبعاثها من القلب و هي اشبه الاشياء بانفس الاناسي الخبر.

اعلم ان صفة تكون هذه النفس ان الدم الاصفر الذي هو خلاصة الاغذية و مصفاها عن العكرات و الطراطير مرتين تصفية هبائية و تصفية طبيعية هو جسم خارج عن الطبايع العنصرية اذ هو رحمانيتها المستوية علي عرشها و هو مركب من الطبايع الاربع الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و هو بمنزلة الدهن للسراج فيصعد عنه بخار هو لطايف رطوباته و اهبية فيه من كل طبيعة جزء و من البرودة جزءان فيقع عليه اشعة الكواكب و اثارها فتنضجه نضجا معتدلا فتحل يبوسته في رطوبته و تعقد رطوبته في يبوسته حتي تجعله شيئا واحدا متشاكل الاجزاء خارجا عن صفة العناصر مستعدا لقبول تأثيرات النفوس الفلكية فتقوي تلك الاشعة ما فيه مستجن من الفلكية فبعد ترقيق حجاب ظاهره و اعداده يشتعل ظاهره بباطنه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 22 *»

اي يظهر باطنه من ظاهره منصبغا بصبغ ظاهره و هو الاشتعال فيشتعل ذلك البخار بنفوس الافلاك فيحيي بنار الحيوة و هي الحرارة الغريزية الفلكية و ذلك البخار بمنزلة ‌الدخان الساطع عن الدهن في الشعلة و الحافظ له جزء من العلقة مقارن لذلك الدخان فحرارة الحيوة في الدخان تبخر الدم و ينفعل البخار اللاحق من البخار السابق شيئا بعد شيء كما يؤثر نار الشعلة في الدهن المجاور للبخار فاذا اشتعل تحرك بالانبساط لما فيه من نار و هواء صاعدين و الانقباض لما فيه من تراب و ماء هابطين فظهر فيه الحركة و الانتقال فالنفس الحيوانية هي صورة‌ عارضة علي مادة البخار المعتدل الذي هو الجسم المركب من العناصر الجوهرية و يساوي جسم فلك القمر في اللطافة فالصورة العارضة علي ذلك الجسم هي صورة‌ الشعلية و الصورة الفلكية و النفس الفلكية و النفس الحيوانية و هي الحرارة‌ الغريزية اي الطبيعية و قوة‌ فلكية ظهرت علي ذلك البخار بتعديل قوي الافلاك اياه و تعديل حيوة الام فانبعاثها من القلب و هو مقرها و فيه مددها من الدم المجاور كما قال ابوعبدالله7 الروح مادته من الدم بالجملة اذا صعد ذلك البخار صعد كفلك القمر في تجرده عن العناصر فينفعل بالمشاكلة بالحركة و الارادة و الشعور عن شعلات الكواكب الحاملة لآثار نفوسها و ذلك البخار ما دام في القلب كثير الرطوبة لقربة من الدم كما ان اسفل الشعلة اخضر لكثرة الرطوبة و كثرة رطوبته تحجب سائر قواه فهي في القلب بالقوة و كلما صعد الي الدماغ جفت الرطوبات و ظهر باطنه اكثر فصار ما في كمونه بالفعل. فاول ما يبدو فيه الارادة و المراد منها الميل الاختياري و هو ناشيء عن خروجه عن الطبايع الاضطرارية ظاهرا فليس بمقهور في حركة الحرارة و سكون التراب مثلا بل هو ميهمن عليهما فان مال الي الحركة قوي جانب النار و شايعها الباقي و ان مال الي السكون قوي جانب التراب و شايعه الباقي و يحدث الميل من جهة المناسبة مع ما يميل اليه ثم يبدو فيه الشعور و هو وجدان الشيء الوارد بانفعاله. و تصوره بصورته مع وحدته و تجرده عن التعينات الخاصة و المتكثر لا شعور له لان كل جزء غير واجد للجزء الاخر في ذاته فلايطلع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 23 *»

عليه و الاسم للمجموع و مجموع الوارد وارد علي مجموع المورود فشعوره في ذاته وحداني بسيط و اما بفعله و ظله غيره فعلي حسب مظاهر الفعل المصاقعة للمشعور به فاول ما يحدث فيه اللامسة الظاهرة في جميع بدنه فان مبني كيانه علي الاعتدال و كلما وصله مما ينافي اعتداله افاده صورة اخري فوجده و لو ورد عليه ما يساويه في الاعتدال لم‌يدركه و جعل الله لها من حكمته بابا و سببا فبابها الجلد و سببها اتصاله بجسم الملموس و لسريانه في كل البدن صار كل البدن لامسا الا ان الاعضاء لعدم اعتدال اكثرها تحجب حسه كما ينبغي و الانامل لاسيما انملة السبابة اوفق شيء به فادراكه منها اظهر و صفة ادراكه للملموس وصول كيفية الملموس الي الجسد و تكميلها اياه و وصولها بواسطته الي الروح البخاري و تكمله بما ينافي اعتداله و وصولها الي ذلك الاشتعال الذي هو الحيوة و هيهنا لم‌يدرك الا الملموس و لم‌يتحرك الا بالانقباض و الانبساط ثم يصعد الي الدماغ و يصير دخانا الطف كما قال سبحانه ثم استوي الي السماء و هي دخان و يصير احكي لظل النفس فيصحو شعوره و ادراكه اكثر فاول ما يظهر عليه هناك قوة الذوق و جعل الله لها من حكمته بابا من الجسد و سببا فبابه اللسان و سببه اللعاب فيتخلل المذوق و يتكيف بكيفيته بالتكميل او ينحل لطائفه فيه ثم يدخل اللسان فيصل الي الدخان الذي في اعصابه فيكمله علي صفة المذوق فيجدها ثم يشتد لطافته و حكايته فيظهر عليه قوة الشم و جعل الله من حكمته له بابا و سببا فبابه المنخر و سببه الهواء فيصل الكيفية علي نحو ما مر في الذوق الي الدخان فيجده ثم يشتد لطافته و حكايته فيظهر عليه قوة السمع و جعل الله من حكمته له بابا و سببا فبابه الاذن و سببه الهواء فيتهيأ باثر قلع جسم عن جسم او قرعه اياه او ضغط جسم فيقع منها الاثر في الهواء فيتهيأ الهواء بهيئته و يتموج الي ان يصل الي طبل الاذن فيقرعه فيتموج البخار الذي من وراء الطبل فيجده ثم يشتد لطافته و حكايته فيظهر عليه قوة‌ البصر و جعل الله له من حكمته بابا و سببا فبابه العين و سببه الفصل بين الرائي و المرئي ليتخلل بينهما الضوء بقدر و مدركه هنا مثل الانوار المنصبغة بصبغ الاجسام المتهيئة بهيئتها فيقع تلك المثل علي العين فينصبغ العين بصبغها ثم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 24 *»

يقع مثال ما في العين الي البخار فينصبغ بصبغه فيجده و المدرك من هذه الابخرة ظل النفس الذي بكله يلمس و يذوق و يشم و يسمع و يبصر كما ان النفس كذلك في جميع ادراكاتها و انما يتشخص قواه في درجات البخار نعم للنفس الظلية اختلاف في المشاعر الباطنية بحسب درجات افلاكها و اما النفس فلا اختلاف فيها لتلك المشاعر الباطنية فهي بكلها تعقل و تعلم و تتعقل و تتعلم و تتوهم و تتخيل و تتفكر و صفة ‌وصول المدرك الي النفس ان المرئي مثلا اذا قابل العين وقع مثاله في العين و جسم المرئي حافظ له ممد يعني ما دام الجسم مقابلا للعين يكون مثاله في العين كما في الشاخص و المرآة و اذا انطبع في العين انطبع منها في البخار ثم انطبع منه في الحس المشترك اي النفس الحيوانية و لان الحس المشترك اسفله مقارن للماديات فمن حيث الاسفل يحتاج في درك المثال الي حفظ المادة له و اعلاه مرتبط بالدهر فاعلاه يتوجه الي ما في اسفله لا من حيث اقترانه بالمادة لان اعلاه دهري و يقدر ان يتوجه الي المثال من حيث صدوره من المؤثر مع مراعاة التشخص فاذا يقدر من حيث اعلاه ان يتوجه الي المثال المكتوب في لوح الدهر و ان زالت المادة ولكنه قليل الحفظ جدا لارتباط اسفله بالمادة فيدرك المثال بعد زوال المادة هنيئة ثم ينمحي عن لوحه لعدم حافظ له و عدم تمحضه في الدهر و اما الخيال فهو مجرد عن المواد لكنه مقارن بها فاذا نظر الي اعلي الحسن ينظر الي المثال المجرد الدهري المقارن و ينطبع فيه من حيث دهريته و صدوره من المبدأ لكن متشخصا بالمقارنة فيكون اكثر حفظا و قادرا علي استحضار المثال و ان لم‌يكن المادة حافظة خارجا ولكن لكونه مقارنا لابد و ان يكون استنباطه من الحس المشترك من العين اول مرة و ما لم‌يدركه العين من الاضواء المنصبغة لايدركه الخيال ابدا و لذا الاعمي بالولادة لايقدر علي تخيل لون ابدا و كذلك في ساير المحسوسات و هذا دليل علي مقارنته مع تجرده و كذلك حال الفكر في الصور و صفة تخيل الخيال صورة بعد زوال المادة ان الحس المشترك يلقي مثالا و العين تلقي مثالا و الجسم الخارج يلقي مثالا و هذه المثل متقابلة في لوح الارتسام ابدا فالخيال متي ما شاء ادراك صورة توجه الي مثال الحس المقابل مع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 25 *»

مثال العين المقابل مع مثال الجسم الخارجي فيقع فيه المثال كما وقع اول مرة و يكون المثال مادة نوعية و تتشخص في الخيال بصبغ الخيال و ان لم‌يكن صبغ له و لا للوسائط ظهر فيه مطابقا للخارج و الا تغير علي حسب اصباغ المرايا ثم يواجه الخيال العالمة التي هي فعل النفس في درك الصور المجردة الظلية فتنظر فيه و الي المثال الذي فيه فتدركه من حيث كونه دهريا و ان كان متعينا بالخيال لكنه نوعي عالم الاظلة فلاتحتاج الي المادة الخارجية و يكفي في دركها مقابلة‌ الخيال الي مثال المادة في لوح الارتسام فيكون اشد تجردا و امحض في الدهرية و مع ذلك يكون له ارتباط بالمواد علي ما سمعت و ان قابل الخيال الواهمة التي هي فعل العقل و النفس ينطبع فيها معني ما في الخيال علي الجزئية كادراك معني المحبة الخاصة من حنين الشاة الي ولدها و معني الخوف الخاص من فرارها من الذئب و هكذا و هذا المعني و ان كان معني بالنسبة الي ما في الخيال الا انه صورة بالنسبة الي المعني الكلي الذي يدركه التعقل مما في الواهمة لانه فعل العقل في درك المعني الظلي فالواهمة مركبة من فعل العقل و به تدرك المعني و من فعل النفس و به تدرك جزئيته فاذا قابلت الواهمة التعقل و توجه اليها ادرك منها معني كليا علي مقتضي عالم الاظلة و جميع هذه المشاعر ظلية و هي افعال النفس المتعلقة بالماديات و مدركاتها مثل ظلية للمواد ثم يعرض العقل الظلي ما تحصل له علي النفس الدهرية فيحصل لها صورة مجردة مفارقة عن المواد و المدد الزمانية و الظلية البرزخية و اذا حصلت لها وجدتها و لم‌تحتج في بقائها لها الي تلك المواد و المثل و ان تحصلتها منها و تلك الصورة هي تشخصها و تعينها و لولاها لكانت نفسا نوعية قائمة بالنفس الكلية الالهية و سر عدم حاجتها الي المدد انها تنظر الي نفسانية تلك المثل اي وجوهها الدهرية التي هي علة المدركات ان كانت آثارها او تنظر اليها من حيث الصدور من النفس الكلية ان كانت انفعالاتها بالجملة جري ذكر ذلك استطرادا و لم‌نكن بصدد بيانه.

قاعدة

اعلم ان دون النفس الحيوانية نفسا نباتية و هي كما عرفها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 26 *»

اميرالمؤمنين7 قوة اصلها الطبايع الاربع بدؤ ايجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد مادتها من لطائف الاغذية فعلها النمو و الزيادة سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة و قال7 لها خمس قوي ماسكة و جاذبة و هاضمة و دافعة و مربية و لها خاصيتان الزيادة و النقصان و انبعاثها من الكبد و هي اشبه الاشياء بانفس الحيوانات الخبر. و هي تتكون من امتزاج العناصر و معناه استحالة النار الي الهواء الراكد فكانا مائا فجمدت الثلثة في التراب السائل فيها مع بقاء كيفياتها فكرت عليها عبيطات العناصر اي في كلها كل عنصر و الطبائع الفاعلة و القابلة حتي اتحدت في دورين دور جمادي و دور نباتي و اعتدلت فكانت غذاء معتدلا فوقع عليه اشعة الكواكب ذوات الحركة و الارادة و الشعور فلم‌يحكها كما هي فتحرك و نما و ظهر عليه ظلها و مقرها الكبد لتخلصها هنالك عن الاعراض و خروجها عن قوة العناصر هناك و مددها من لطائف الاغذية بعد الكيموس او الكيلوس في الحيوان و في النباتات العروق و يكتفي فيها بالكيلوس او الكيموس علي اختلاف التفسير فان المترجمين المتأخرين ترجموا علي عكس المتقدمين و قالوا ان في اليونانية الكيموس في المعدة و الكيلوس في الكبد و علي هذا ليس للنباتات تصفية كيلوسية طبيعية و انما فيها تصفية هبائية و هضم كيموسي بقوة الهواء بمعونة عبيطات العناصر و اما النامية البرزخية فلا كيموس لها كاملا فلاجل ذلك لايبدو فيها نماء كامل بالجملة ان النبات لغلظة مادته و عدم زوال كيفيات عناصره و عدم الاتحاد الطبيعي حيي كل عنصر منها علي حسبه غاية الامر انه شايعه الاخر للمشاكلة الصورية و حيي ناره فجذبت و صعدت و هواؤه فهضم و انتشر و ماؤه فدفع و لان و ترابه فمسك و استمسك و الهيئة التركيبية فاربت و حصل منها الزيادة اذا قويت و النقصان اذا ضعفت و من هذه العلة قلنا ان حركة العناصر الي حيزاتها بفضل اشعة الافلاك فيتحرك كل واحد الي حيزه لاختلاف طبائعها فصبغت الحركة الحيوانية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 27 *»

الارادية باصباغها و غلظتها بغلظتها و عينتها بتعيينها فصارت تتحرك الي حيزاتها كل واحد الي حيز معين و مبدء ظهور هذه النفس في الانسان من مبدأ كونه نطفة لانها دم روحاني يأتي من الدماغ الي اوعيتها و في الاغذية بعد الكيموس فالنفس النباتية في الانسان هي صورة ظهرت علي مرآة الدم يعني صورة‌ و مثال لفعل صانع النبات ظهرت علي الدم و في النباتات هي صورة الغذاء الكيلوسي المعتدل لها مادة صادرة من صنع الصانع و صورة نوعية خلقت من نفس تلك المادة و هذا النوع للدم كالشاخص للمرآة فيظهر مثاله علي الدم او الغذاء الكيلوسي فينصبغ بصبغه فيتشخص فيكون نباتا خاصا من عنب او رمان او تمر او غير ذلك ثم اعلم ان الدم الذي تولد في الكبد و صفي عن الاكدار هو اول مظهر للنفس النباتية ثم كلما يتلطف هذا الدم يشتد قوة النفس فيه و يظهر منه آثارها اكثر و لايتجاوز الطبائع العنصرية حد العناصر و لاتصير بالتلطيف فلكيا ابدا لان مبدأ اذكارها دوين الفلك نعم يتلطف ابدا و من تلطفه ان صار الي القلب و بخر و البخار هو الاجزاء الرشية من المايع قد صعدت بقوة الحرارة و انتشرت و لو اجتمعت عادت الي ذلك المايع كالماء الذي يبخر و يجتمع البخار بالبرد و يعود ماء فالبخار الذي في القلب هو الدم الباخر و الدم اللطيف و ان صعد الي الدماغ قلت رطوباته و صار دخانا ثم استوي الي السماء و هو دخان و الدخان ايضا هو اهبية المايع مع قليل رطوبة رابطة فهو ايضا دم و هو قول الصادق7 الروح اصله الدم اي الروح البخاري نعم اذا رق حجاب ظاهره قوي اثر النفس النباتية فيه و صار اسرع حركة الي الاقطار صالحا لظهور النفس الحيوانية عليه مطاوعا لها و ظهر منه ما في باطنه من الفلكية و هو الذي يتعلق به النفس الفلكي لا الدخان العنصري الذي اذا اجتمع صار دما جامدا نعم هو مرعاها و مرتعها و لباسها الذي به ظهرت في عرصة‌ العناصر و من ذلك يعلم ان السماء التي عبروا عليهم السلام عنها بانها بخار صعد من الزبد فصار الزبد ارضا و البخار سماءا و قالوا ان الارض مقدمة في الخلق علي السماء هي لطائف العناصر و هي من جنس النبات و غيبها مظهر النفس

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 28 *»

الحيوانية ففلك الحيوة غيب فلك القمر و افلاك عالم المثال غيب هذه الافلاك و هذه الافلاك تشارك العناصر في الجسمانية الا ان ظاهرها رقيق جدا و المراد بغيب الافلاك برزخيتها بين الدهر و الزمان فدهريتها ما هي سارية في جميع الاوقات الزمانية و زمانيتها ما يخص بوقت موجود و حالتها البرزخية بين هذين اسفلها يخص بالوقت الموجود و اعلاه يعم الاوقات فهي كالحس المشترك و مركبة من مادة رقيقة الاعلي غليظة الاسفل و صورة مختلفة المراتب علي حسب مراتب المادة و تلك الصورة هي صورة الحيوة و الفكر و الخيال و التوهم و العلم و التعقل و امثال ذلك و هذه الصور في العالم مطلقة و في الانسان مشخصة بما اكتسب منها و هذه هي غيب الافلاك و افلاك البرزخ و هي الجسم البرزخي فتبصر و اما ظواهر هذه الافلاك فهي من جنس هذه العناصر مادتها غليظ تلك المادة و صورتها غليظ تلك الصورة فهذه الصورة هي علم منجمد فتفهم فالروح البخاري من حيث البخارية مظهر النفس النباتية و هي في النباتات اغلظ و في الحيوانات الطف و في الانسان الطف و لها في بدنك المراتب الثلث لجامعيته و ما نسبة جميع البدن الي الروح الدخاني الا كنسبة الارمدة و الفضول المرمية الي الجوهر كما روي عن ابي عبدالله7 مثل روح المؤمن و بدنه كجوهر في صندوق اذا اخرجت الجوهرة منه طرح الصندوق و لم‌يعبأ به الخبر. و هذا الدخان عوده عود ممازجة لانه من العناصر فاذا عادت الي مبدئها انتزع عنها الروح الحيواني اي ما فيه من جنس نفس فلك القمر و عادت الي الافلاك عود ممازجة و بقيت الافلاك الظلية العلمية متعينة بعلومها و اعمالها كما يأتي.

قاعدة

اعلم ان للنفس الانسانية كينونة دهرية مستعلية علي البدن و ذلك الاستعلاء هو التقدم باربعة آلاف سنة و التأخر باربعة آلاف سنة و هي في الجسد كالمعني في اللفظ و لا معني ما لم‌يكن لفظ و لا لفظ ما لم‌يكن معني ثم انزلت في الاسباب الي الطبائع و شاعت فيها ثم لما اخذت حصص منها و ربيت و لطفت و صفيت و رققت حتي شفت حكت ما وراءها من النفس فلا تناسخ اذ

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 29 *»

التناسخ ان تظهر في بدن اصلي غير بدنها لا في عرض غير عرضها أ لاتري ان اعراض بدنك دائمة التبدل و انت انت دائما و قد اشرنا ان زيدا باق بحقيقته و هي صورة عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد و ان هذه الاعراض لها كالمرآة لنور الشمس و تلك الصورة هي مثال فعل الفاعل قائمة به قيام صدور و مهما وجد مرآة مقابلة لها ظهرت فيها و كذلك يحيي الله الموتي و يحيي الانبياء باعجازهم من يحيونه و كذا لايلزم من تقدمها علي البدن قدمها لانها حادثة بالذات مؤلفة من مادة و صورة و عرصتها نزولا تسمي بعالم الذر و فيها نزلت و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم ألست بربكم قالوا بلي و ما هيهنا آية ما هنالك و ما هنالك آية ما هيهنا لايتخلف شيء منها عن شيء منه فكما ان هيهنا يخلق الناس بعضهم من بعض و يتولد بعضهم من بعض كالضوء من الضوء علي نحو التكميل كذلك قامت النفوس فوقهم هناك و قد اخرج بعضهم من ظهر بعض و نثروا في ذلك العالم كالذر يدبون و كما انهم هنا يخلقون اول مرة اناسي كونية ليسوا بسعداء و لا باشقياء و هم عاقلون مختارون كذلك قامت نفوسهم فوقهم هنالك فهو ما يقال ان الله خلق الذر و جعل فيهم ما اذا سألهم اجابوا و حين قامت الدعاء هنا و دعوا الخلق الي الاعتراف بربوبية الله و رسالة رسله قامت نفوسهم هناك بين ظهراني العباد و دعا الدعاة الي الله عزوجل بقولهم ألست بربكم و لما كان بناء الاسلام علي الظاهر و دخلوا بالشهادتين في الاسلام و لم‌يبحث عن بواطنهم عبر عن الظاهر بالكعبة التي تجمع اهل القبلة و هي قلب الارض فقيل انه اخذ الميثاق عنهم عند الكعبة التي اتفقوا بالتوجه اليها و كان عند الركن العراقي الذي فيه الحجر الارضي الجسماني و اودع المواثيق الجسمانية فثبت مواثيقهم في لوح الاجسام و القم المك الموكل بها اياه فصار ابدانهم علي صورة‌ الاسلام التي هي الصورة الانسانية فقالوا بلي بالسنتهم عند قوله أ لست بربكم فصوروا علي الاسلام و عند قوله محمد نبيكم لاغراض شتي و لما يدخل الايمان في قلوبهم و وقفوا في قلوبهم فوقف الله في تصوير قلوبهم ثم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 30 *»

كشف لهم عن صور الطاعة و عليين بالهداية الي محاب الله و عن صور المعصية و سجين بالهداية الي مساخط الله و خيرهم بين التلبس بهما فلبس من شاء مما شاء هنا و هناك و لقد علمتم النشأة الاولي فلولا تذكرون و ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ثم اوقفهم الله في غدير خم هنا و هناك باختيار قلوبهم و هو باطن كعبة ظواهرهم فاخذ الميثاق بالولاية فقبل المؤمنون ظاهرا و باطنا و قال المنافقون بلي خوفا و استهزاءا و كفروا في قلوبهم قل استهزءوا ان الله مخرج ما كنتم تحذرون و الله يستهزيء بهم و يمدهم في طغيانهم يعمهون بالجملة في جميع هذه الاحوال كانت النفوس مستعلية علي الاجساد و ما في الاجساد تنزل ما في النفوس و هي مقدمة رتبة باربعة آلاف عام قبل آدم و قبل الان و قبل آخر الزمان و بعده و تلك العرصة ذر نزولا و قيمة صعودا كما بدأكم تعودون و سميت بالذر لاحتقارها في جنب عظمة الله ما انا و ما خطري انا مثل الذرة بل اقل او الذر بمعني الهباء و المراد به المادة الصالحة للصور الشخصية الشرعية الحاصلة من الامتثال و عدمه فكانوا قبل هذين اهبية اي مادة صالحة لصورة الطاعة و المعصية لا انهم ذر بمعني النمل او بصغر جثتها فافهم.

قاعدة

ان هذا الانسان المرئي المحسوس في الدنيا هو الانسان الجمادي المعدني قد تألف من فضول النبات و نماؤه بالمشايعة و حياته بالاشراق و يشارك المعادن في هذا البدن و ان كان اعدل و الطف منها و في جوفه الانسان النباتي الذي اعلاه الدخان و اسفله الدم و يشارك سائر النباتات في هذا البدن و ان كان الطف و انضج و نماؤه ذاتي و حيوته بالاشراق و في جوفه الانسان الحيواني الفلكي و هو الحيوة الحساسة الدراكة المختارة باستعلائها علي الطبائع المختصة المخصصة المضطرة و هي حية حساسة بالحواس الظاهرة بالذات و حساسة بالحواس الباطنية بالاشراق و قد اشتعل بها البدن النباتي فحيي بالاشراق و هي غيره كما مر مفصلا و الانسان يشارك الحيوانات في هذه الحيوة الا انها الطف من حيوة الحيوانات و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 31 *»

في جوفه انسان ظلي و هو الانسان البرزخي الساكن ارض الحيوة المستقر في دار العلم و هو احساسه للبرزخيات بالذات و للدهريات بالاشراق و يشارك الانسان الجن في هذا البدن و في جوفه الانسان الحقيقي الذي خلق من ظل النفس الكلية و هنالك ينفرد الانسان عن غيره و جميع ما سبق من الابدان عرضية بالنسبة الي الانسان و هو مخلوق من عشر قبضات تسعة من افلاك عالم الحقائق و واحدة من ارضها و جميعها متشاكلة يصدر من كل واحد ما يصدر من كل واحد مادته نور النفس الكلية صورته العلوم و الاعمال كما عرفت و نسبته الي ما دونه نسبة الجسم المطلق الي هذه البسائط و يجتمع فيه ما تفرق في البسايط فافهم.

قاعدة

ان ما سوي البسايط من هذه المخلوقات و ان اتحدت نوعا في الكون الدنياوي العنصري فانها جميعها عناصر تألفت علي تفاوت في الكم و الكيف الا انها ليست مشتركة في الصفايا النباتية الطبيعية فان الجماد مؤلف من ظواهر العناصر تألف تجاور او تفاعل ما و لم يحصل لها اتحاد فيه و رقة و لم‌يتألف فيه طبايع العناصر و لم يتصف عن الارمدة و الاعراض بخلاف النبات فانه مؤلف من صوافي الاغذية و قد صفيت عن الارمدة الهبائية و الطبيعية و لطفت طبائعه و رققت و ليست مشتركة في الحيوانية الفلكية لان النبات مؤلف من صوافي الاغذية الطبيعية و الحيوانية مؤلفة من عناصر جوهرية كانت في كمون هذه الطبايع و منها تألفت غيوب الافلاك اي الحيوة و العلوم و ليست مشتركة في الاظلة لان الحيوانية ليست مركبة من البسايط العلمية و الاظلة مركبة من البسايط العلمية و ليست مشتركة في النفوس القدسية فان الظلية مركبة من البسايط العلمية البرزخية و القدسية مؤلفة من البسايط الركنية الدهرية و ليست مشتركة في الروح من امر الله فان الانسان خلق من تراب ارض العلوم و هو مخلوق من ارض الزعفران و ليست مشتركة في روح القدس فان الروح من امر الله من ارض الزعفران و روح القدس من جنان الصاقورة و الكروبيون خلقوا من الروح من امر الله لا من روح القدس الذي كان كامنا في غيبه فلكل مخلوق من هذه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 32 *»

المراتب حقيقة لايشاركه فيها غيره ممن دونه نعم كل واحد شارك ما دونه في حقيقته عند نزوله اليها حتي اجتمعوا في هذا العالم و لكل واحد بدن جمادي و كذلك المؤمن و الكافر في كل رتبة لايشتركان في المادة و لا في الصورة فان المؤمن خلق من نور الله و صبغ في رحمة الله كما روي عن الصادق7  و الكافر خلق من الظملة و صبغ في النقمة و شرح ذلك ان الله خلق الاناسي مثلا من مادة كونية معراة عن السعادة و الشقاوة و جعل تلك المادة امكانا لهما صالحا لان يخرج عنها صورة السعادة اي امتثال الشرع بمكمل خارجي سعيد و ان يخرج عنها صورة‌ الشقاوة اي مخالفة الشرع بمكمل خارجي شقي و خلق المكملين و هيأ اسبابها و هذه الصورة هي الطينة المذكورة في الاخبار مركبة من ماء هو ظل الداعي الكامل المكمل و صورة هي اجابة ذلك الامكان فالمؤمن هو المتوجه الي الداعي الحق و يخلق له طينة من مادة النور و صورة‌ الرحمة و الكافر هو المتوجه الي الداعي الباطل و يخلق له طينة من مادة الظلمة و صورة النقمة فلايشتركان في المادة و لا الصورة و لايردان الي الامكان ابدا فيشتركا و لو انقلب المؤمن و توجه الي الداعي الباطل خلع عنه قميص الايمان و تلبس بسربال الكفر و كذلك العكس و هما روح الايمان و روح الكفر و ذلك ما روي لايزني الزاني و هو مؤمن فيفارقه روح الايمان و اذا قام رجع اليه و المعاد الانسان الكوني الذي مادته من غيب غيب الكرسي و صورته ما به امتيازه عما سواه المصور بصورة الايمان و الكفر كما كان في عالم الذر ذرا صالحا اولا ثم آمن او كفر.

قاعدة

اعلم ان النفس هي الحقيقة و جاء زيد نفسه يعني هو لا غيره فما الشيء به هو هو هو نفسه و كل ما هو غير نفسه فانما هو غيره خارج عن وجوده و عرض بالنسبة اليه فلو اضيف النفس الي ذلك العرض فانما هو علي نحو الملك كرب الدار و رباني السفينة و الا فنفس كل شيء ما هو به هو فالجماد هو نفسه و هو العناصر المعروفة المؤلفة لا غير و اما النبات فهو لطائف الاغذية و الامداد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 33 *»

العنصرية و تلك اللطائف هي كل النبات و نفسه و الاثفال ليست بجسده فان جسده مما هو به هو و انما هي اعراض مشايعة و اما الحيوان فهو قوة فلكية و هي نفسه و هي كله و ليس النبات و الجماد جسده و انما هما اعراض مشايعة و هذه الثلثة تحصل من الاجسام الدنياوية و هي عند النفس الناطقة الكونية بمنزلة ‌الجدار عند اشراق الشمس و كما انه ليس النور من الجدار و الي الجدار و انما هو من الشمس كذلك ليست النفس الناطقة من هذه الثلثة و ليس لها انبعاث من مراكزها و انما هي نور النفس الكلية صادرة منها فحينئذ اما تتوجه هذه الناطقة الي عليين فيشرق عليها النفس الكلية الالهية التي هي اللوح المحفوظ التي هي بنت العقل و من طينته و خليفته و وصيه و اما تتوجه الي سجين فيشرق عليها النفس الامارة الكلية التي هي كتاب الفجار لفي سجين و هي بنت الجهل و من طينته و خليفته و وصيه و النوران معا نفسان ناطقتان علي حذو قوله تعالي و مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة و لا محيص للنفوس القابلة عن التوجه الي احدي هاتين النفسين اللهم الا ان لايتصفين و لم‌يبلغن حد التوجه و الحكاية فظهورهما فيهن بالقوة فهن كما في المستضعفين فاما نور الكلية الالهية فهو الناطقة القدسية و النفس الانسانية و روح الايمان و اما ظل الامارة الكلية فهو الناطقة السجينية و النفس الشيطانية و روح الكفر و لما كانت الثلثة مركبا للناطقة الكونية و هي مركبة من وجود و ماهية كانت من حيث الوجود متوجهة الي الكلية الالهية و من حيث الماهية متوجهة الي الامارة ‌لامحالة فدائما احديهما فيها خفية و احديهما ظاهرة فلاتطيع الله الا عند ظهور الكلية الالهية عليها و لاتعصي الا عند ظهور الامارة عليها فاذا دامت الامارة خنست الكلية الالهية عنها و ظل الامارة ليست مصورة علي صورة الانسان التي هي تقويم العقل و هي منكوسة مستمدة من الجهل الواقع في منتهي الماهية اي الجماد فان وصلها المدد مع غلبة الجماد صارت مصداق ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة او مع غلبة النبات صارت مصداق كانهم خشب مسندة او مع غلبة الحيوان صارت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 34 *»

مصداق ان هم الا كالانعام بل هم اضل او مع غلبة شياطين الجن صارت مصداق شياطين الانس و الجن يوحي بعضهم الي بعض زخرف القول غرورا فهي ابدا متقلبة في هذه الصور علي ما عرفت.

و اما نور الكلية الالهية فهو علي صفة الكلية و هي علي صفة العقل و هو علي صفة المشية و هي علي صفة الله فان وصله المدد مع غلبة النفس تصور علي صورة النجباء او مع غلبة العقل فعلي صورة النقباء او مع غلبة المشية فعلي صفة لايحسن الافصاح بها او مع غلبة صفات الله فكذلك بالجملة ليس للكافر و المؤمن نفس واحدة فيكون اختلافهما بحسب الصورة نعم يشتركان في الجمادية و النباتية و الحيوانية و ان استقصيت ففي المثالية و الهبائية و الطبيعية و الانسانية الكونية الي النفس الدهرية فانها للمؤمن و الكافر بمنزلة المادة النوعية و هي المشار اليها بقوله كان الناس امة واحدة ايضا و اما في الناطقة القدسية فلا نعم هذه الامارة قد تمد بامداد الكلية قهرا فينكسر سورتها الي ان تصير متطبعة بطباع النور شيئا بعد شيء فتصير ملهمة او لوامة ثم لوامة او ملهمة فحينئذ تكون ككلب تعلم قليلا فتصيد مرة جيف الارض و مرة صيد السماء ولكن بهواها ثم تطمئن و تتعلم فلاتصيد الا من السماء و يكون صيدها حلالا ثم ترضي و تسر بصيدها و بمرسلها ثم يرضاها العقل فتدخل في العباد و تأمن شر الشيطان لانه لم يبق فيها داع يسكنه الشيطان و يزينه و ينميه و يقويه فاذا صارت كذلك دخلت الجنة الطيبة الطاهرة اذ طابت و طهرت و هي حينئذ اخت العقل في الدين و مولاته او اخت بنته من الرضاعة بالجملة بذلك يختلف الناس يوم القيامة في صورهم و درجاتهم و مقاماتهم سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم و روي عنه صلي الله عليه و آله يحشر الناس علي صور اعمالهم و روي نياتهم.

قاعدة

اعلم ان هذه العناصر الجسمانية مقام قوة و امكان لظهور النفس صعودا و كانت مقام المشية و الذكر الاول بالنسبة الي ظهورها كما ان لوجودها نزولا مقام امكان و مشية سابقة عليها و ذلك الامكان بازاء هذا الامكان و تلك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 35 *»

المشية بازاء هذه المشية من جهة المبدأ فاذا صفيت العناصر و لطفت و ظهر عليها آثار آثار النفس كان مقام الارادة بالنسبة الي ظهورها كما ان لوجودها مقام ارادة في عالم المعاني الذي فيه مبادي مبادي الصور النفسية و اذا انشيء خلقا آخر و ظهرت القوة الفلكية و ظهر آثار النفس كان مقام القدر لظهورها كما ان لوجودها مقام قدر في مقام الرقائق و اذا تولد فيه الناطقة و ظهر دخل في باب القضاء كما ان لوجودها مقام قضاء في مبدأ وجودها فاذا توجهت الي عليين و صورت بصورها او الي سجين و صورت بصورها فقد امضيت و ختم عليها و بنظر آخر هي في البسائط تحت المشية و في البدن الدنياوي تحت الارادة و في البرزخ تحت القدر و في نفخ الصور الثاني تحت القضاء و في الحشر تحت الامضاء و جميع المراتب الصعودية بازاء المراتب النزولية و مراتب النزول مقدمة رتبة و مؤخرة كما اشرنا اليه و كما ان المواد في النزول كلما تنزلت غلظت فكثفت صورها الي ان صارتا نفسا كذلك المواد صعودا كلما صعدت لطفت فلطفت صورها علي حسب المواد فليست صور الاعمال الابدان تلحق النفس بكثافتها و انما تلطف و تجرد الي ان تناسب مادة النفس فتتلبس بها و ذلك معني يحشر الناس علي صور اعمالهم و حشرهم علي صور الحيوانات و كذلك صور الجنة و ما فيها و النار و ما فيها بل و هكذا تلطف المواد و الصور الي ان تصلا مقام الرقائق ثم مقام العقول فتكونان معنويتين ثم مقام الفؤاد فتكونان متحدتين حقيقيتين و يتخلف في كل درجة تلطيف ما يخص تلك الرتبة اذ لايعقل صعود خواص الرتب فلايصير الجسم مثالا و لا المثال مادة و لا المادة طبعا و هكذا ابدا كما لم يصر الفؤاد عقلا و لا العقل روحا و لا الروح نفسا نزولا ابدا و الحركة الجوهرية باطلة و انما الحركة في خلع عرض بعد عرض لا صيرورة ذات ذاتا اخري بالجملة تشخص النفس من الصور الصاعدة من الدنيا التي هي مزرعة الاخرة و هي اما من عليين فتكون مراتبها ابواب النعيم و اما من سجين فتكون مراتبها ابواب الجحيم و ذلك انها في عالمها لها افلاك و عناصر فان كانت النفس نور الكلية الالهية كان كل فلك من افلاكها باب جنة قد فتح الي ظهور من ظهورات النفس الكلية ينصبغ فيه فيسمي باسم فعرشها باب

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 36 *»

جنة عدن و كرسيها باب جنة الفردوس و عاقلتها باب جنة العالية و عالمتها باب جنة النعيم و واهمتها باب جنة دار المقامة و خيالها باب جنة الخلد و فكرها باب جنة المأوي و حيوتها باب جنة دار السلام و ان كانت النفس ظل الجهل و الامارة الكلية كان كرسيها باب جهنم و فيها ثلث طبقات الفلق و هو جب و هي اشد النار عذابا و صعود و هو جبل من صفر من نار وسط جهنم و اثام واد من صفر مذاب يجري حول الجبل و ليس لها عاقلة لانها تكتسب بها الجنان و عالمتها باب السعير و اهمتها باب الهاوية و خيالها باب الحطمة و فكرها باب سقر و حيوتها باب لظي و ارضها باب الجحيم و لكل من هذه الابواب حظيرة تسمي باسم اصلها و هي ظلها و نورها و واقعة في عالم المثال فاما حظائر الجنان فيسكنها مؤمنوا الجن و مؤمنوا اولاد الزنا الي سبعة ابطن و المجنون الذي لم‌يقع عليه تكليف و الجنة‌ الثامنة لا حظيرة لها لشدة لطافتها و خفاء صورتها و اما حظائر النيران فهي للجن و عصاة المؤمنين الي ان يطهروا و اعلم ان متعلقات هذه المشاعر وجودات خارجية لها مواد و صور فاذا توجه اليها المشعر لشرائها و اكتسابها و تخصيصها بنفسه ادي الثمن من توجهه و سأل الله بلسانه ذلك فوقع شبحها في المشعر فكان مادة‌ شخصية صورتها من صفة المشعر و بها تخصصت به فمن ذلك يحصل نعيم الجنان بانواعه و صنوف العذاب باقسامها نعوذبالله و اعلم ان الجنان و حظايرها و النيران و حظايرها كلها من الامور المحسوسة و كلها من الزمان و كلها جسمانية و كلها حيوة و كلها مثالية و نفسانية و كلها عقلانية ففي جميعها صفات الاجسام الزمانية و البرزخية و النفوس و العقول و تدرك الاجسام في الجنة ما تدرك العقول و بالعكس و ذلك لشدة الاتحاد و التشاكل الحاصل بين اجزائها كما يأتي هذا مجمل القول و يأتي تفصيله ان‌شاءالله.

قاعدة

اعلم ان النفوس لما نزلت الي عالم الطبايع ثم دعيت الي الاقبال الي الله المتعال فمنهم من لم‌يتخلص عن الاعراض الخارجية و الداخلية و لم‌تصف مشاعره عن الاكدار الحاجبة فلم‌تعرف عليين ليتوجه اليه و لا سجين ليعرض

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 37 *»

عنه ففيه روح الحيوة و روح الشهوة و روح القوة بالفعل و لكن روح الايمان و روح الكفر بالقوة و منهم من صفت مشاعره و عرف الخير و اهله و صار فيه روح الايمان بالفعل اي ظهر عنه آثار روح الايمان الكاشفة عن وجودها فوق حيوانيته و منهم من صار فيه روح الكفر بالفعل و ظهر عنه آثار روح الكفر.

فالصنف الاول اذا تخلل ابدانهم النباتية و تفرق نفوسهم الحيوانية الفلكية بقيت فلكية مثلهم في ارضية مثلهم منجمدة مرتوقة و المراد بارضية المثل ما في غيب النباتية بالقوة من الافعال النفسية كما ان فلكية المثل ما في الافلاك بالفعل من القوي النفسية و ارضية مثلهم في الاعراض الدنيا منهمكة فاذا تفرقت الاعراض تفرق ارضية المثال و تفرق فلكيته معها كما يتقطع روح الحية بتقطيع بدنها فهؤلاء يبقي ارواحهم مع اجسادهم في قبورهم الي ان يتخلصوا و يصفوا مشاعرهم فيتفهموا الخير و الشر فاما الي الجنة و اما الي النار و ذلك ان الاعراض الطبيعية اذا كانت بحيث يعجز عن تخليصها الارادات اللطيفة ‌الانسانية لا تدبير لها الا ان تلطف بالتدابير الطبيعية الجبلية فاذا رق الاعراض بحيث تنفعل عن تحريكات النفس قام و دبره النفس بالجملة و متي ما تنبهوا قاموا من مراقدهم و ان كان لهم بعض اعمال صالحة يخد لهم خد الي الجنة او اعمال طالحة فيخد لهم خد الي النار و انتفاعهم بذلك الخد كانتفاع الاراضي الطيبة في الدنيا برحمة الله و كذا تأذيهم كتأذي الاراضي السبخة بغضب الله او اقوي فان الشعور مترام من لدن العقل الي التراب علي اختلاف الدرجات.

و اما الصنف الثاني فاذا تخلل ابدانهم النباتية و تفرق الحيوانية الفلكية فارق مثلهم الفلكية جسدهم الاصلية اي ارضية مثلهم اي ما في نباتيتهم من مثل النفس و ذلك ان النفس النباتية مظهر و ارض للمثل فهي بالنسبة الي الافلاك المثالية ارض و ان الدار الاخرة لهي الحيوان و هي غيب النباتية و هي ارض هورقليا التي فيها الجنتان المدهامتان و الحيوانات تشارك الانسان في الحيوانية دون المثالية و هي في اسفل مراتبها تغلظ حتي تكاد ان تكون كالعنصريات و في اعلي مراتبها تلطف حتي تكون كالمثاليات و هي الحس المشترك تأخذ من الماديات بواسطة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 38 *»

الحواس و تؤدي الي الخيال من حيث اعلاه فارض هورقليا هي اسفل الحس المشترك و هي غيب النباتية بالجملة يبقي جسدهم الهورقلياوي في قبر طبائعهم و يخد له خد الي الجنة بقدر شعوره و يذهب روحهم المثالي الي الجنة التي في مغرب شمس الطبيعة التي حرها من نار جهنم فيتنعمون بها علي تفصيل وردت في الاخبار و قد يأتون وادي السلام و اهاليهم و حفرهم و صفة ادراكهم انه ينطبع في مشاعرهم المثالية مثل الماديات المنفصلة كما تدرك انت بعينك تلك المثل الا انك لغلظة عينك تحتاج الي ان تراها علي كثيف غليظ حتي تكثف و تناسب عينك و هم لايحتاجون الي المادة الكثيفة في رؤيتها فيرون ما في المرآة بلا مرآة لانه ينطبع في اعينهم و عدم دركك لها الان بلاعين لعدم تخلص مثالك.

و اما الصنف الثالث فموتهم كالصنف الثاني الان ان ارواحهم لاترفع الي السماء و جنة المغرب لاخلادها في الارض فهم يذهبون الي نار عند مطلع شمس الطبيعة و يغلظ ارواحهم و يقطعها الدواعي الجاذبة من الاطراف و يعضها الكلاب و يلدغها الحيات و يلسعها العقارب كما هو في الاخبار و يخد لجسدهم خد الي النار بقدر شعوره و قد تجري ارواحهم في مثال وادي برهوت في بئر الكبريت و في مثل المركبات الخبيثات الملعونات تؤدي ذلك الفزع و الاهوال الي الابدان الملعونة الخبيثة تحت الثري في بقاع النار فهي بمنزلة النائم اذا رأي الاهوال فلاتزال تلك الابدان فزعة ذعرة و تلك الارواح معذبة بانواع العذاب في مثل المركبات المسخوطات لاتري روحا و لا راحة بالجملة النفوس بعد الموت علي هذه الصفة الي ان ينفخ في الصور و لافرق عندنا بين النفوس الكاملة و الناقصة و لكل درجات مما عملوا و كل مؤمن يصعد الي المكان الذي ذكر ربه فيه بطاعته و ذكره ربه فيه برحمته و كل كافر يهبط الي المكان الذي عصي الله فيه و غضبه الله فيه و اما المستضعف فينتظر به البلوغ و ليس بتعطيل كما ينتظر بالنطفة الي ان تبلغ.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 39 *»

الباب الثاني

في حقيقة المعاد و كيفية حشر الاجساد و فيه قواعد

قاعدة

اعلم ان الله سبحانه حي لا موت فيه و عالم لاجهل فيه يعتريه و قادر لا عجز يعتليه و مشيته اول ما خلقه و وصف نفسه به فهي مبدأ الحيوة و العلم و القدرة و خلق جميع ماسواها من نورها و اثرها و الاثر يشابه صفة مؤثره فلجميع آثارها حيوة و علم و قدرة الا انها تقوي في الاثار اذا قربت و تضعف اذا بعدت و لاجل ذلك وصف الله الارض بالعقل فقال اتينا طائعين و وصف الله كل شيء باداء التكليف و العلم و العقل فقال كل قد علم صلوته و تسبيحه و يسبح لله ما في السموات و ما في الارض و ان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم و قد خلق الله الخلق للبقاء في دار القرب و لايحصل ذلك لهم الا بالصعود و لا صعود الا بالدلالة و اللطف و هي التكليف و لهم اجور بحسب عملهم بالتكليف و حكم ثانوي بحسب مخالفتهم و الكل مشتركون في هذا السر فكما انه يجب حشر الارواح للمجازاة وجب حشر الاجساد ايضا و لابد من ان نذكر لتحقيق هذا المطلب اصولا يتفرع عليها فروع.

الاصل الاول: كل شخص يقوم بمادته و صورته الذاتيتين و ان كان تمايزه عن غيره بصورته الا انها نهايات مادته و مقتضيات جهات ماهيته و صورة عمله و هيئة قبول المادة تكميل المكمل فهي معلولة لحال المادة في صلوحها لصفة ما من فعل ربها و به تكون طيبة و لصفة ما منها اي من نفسها من حيث هي و به تكون خبيثة فالمثاب او المعاقب هما المادة في الصورة و المراد بالمادة هي المادة الذاتية لا العرضية و الفرق بينهما ان المادة العرضية كانت قبل الصورة في الخارج و تخلع الصورة و تلبس اخري و المادة الذاتية ليست كذلك و لي هيهنا كلام و هو انه قد شاع و ذاع ان المادة هي ما به اشتراك الافراد و الصورة هي ما به الامتياز و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 40 *»

المادة صالحة لكل فرد و الذي اري عيانا خلاف ذلك و هو ان المادة في الجنس الخاص مخصوصة بذلك الجنس لاتصلح لغيره و في النوع الخاص مخصوصة بذلك النوع فلاتصلح لغيره و في الشخص مخصوصة بذلك الشخص فلاتصلح لغيره و لما تحقق في الفلسفة ان المواد الجسدانية لاتلبس الصور الروحانية و لا العكس و المواد اللطيفة لاتلبس الصور الكثيفة الاتري ان الهواء لاينصبغ و الماء لاينكسر و التراب لايشف عما وراءه هذا و انت تري انك لو اعطيت الصيقل حديدا ذكرا صلبا هنديا صنعه سيفا حسنا حادا صقيلا و لو اعطيته حديدا انثي متقشرا صنعه سيفا سيئا كالا و الصيقل واحد و علمه و صنعه و قدرته واحدة و انت تعلم ان تكميل المكمل لاتخصص له باحد دون احد و لو كانت المواد ايضا لا خصوصية فيها لكان تصويرها ترجيحا بلا مرجح فمادة زيد لاتصلح ابدا لعمرو و لا مادة عمرو لبكر أ لاتري ان الشمس تشرق علي حد سواء و ينبت من ارض القتاد و من ارض الازهار فمن عرف سر الفلسفة عرف ان الصور ليست الا هيئات قبول المواد و ما لم‌تختلف المواد لم‌تختلف الصور فالشيء هو المادة و الصورة معا لا الصورة وحدها و لا المادة وحدها و ان كانت الصور في المواد بالقوة و في مقامها بالفعل كانسان له قوة التكلم فاذا تكلم صار كلامه بالفعل و المجزي هو المتكلم بكلامه فالاحكام المعلقة علي الصور منوطة بالمواد اولا و بالذات و بالصور ثانيا و بالعرض و التبع بقي شئ و هو انا قلنا ان المراد بالمواد المجزية الذاتية لا العرضية التي تتقلب في الف صورة فالمادة العرضية حقيقة مرآة قد واجهت مبادي العلل فسطع منها انوار او اظلة و لتلك الانوار و الاظلة مواد صادرة من المبادي و صور خلقت من نفس تلك المواد و انما احتاجت الي المرايا عند الظهور في عالم الاعراض و ليست شرط وجودها و لا منها و لا اليها و لربما تنصبغ فيها صبغا عرضيا و ذلك كعكسك في المرآة فانه مثال وجهك له مادة صادرة من ضوء وجهك و صورته و صورة من نفس المادة و هو صادر من صورة وجهك سواء كان مرآة ام لم‌تكن و هو في عرصة الاقليم الثامن لايري بالبصر الدنياوي و هو معك اينما كنت و ان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 41 *»

شئت رؤيته كثفته بمرآة كثيف و صبغته بكثافتها فرأي بالعين الجسمانية فليس مرادنا بالمادة المرآة الصالحة للتصور بكل صورة سعيدة او شقية و انما المادة هي مادة ذلك المثال فمادة مثال صورة زيد غير مادة مثال صورة عمرو و كذلك الشقي و السعيد فلكل واحد مادة جوهرية تخصه و صورة‌ و هما المعتمدتان لا المرآة الجمادية و النباتية و الحيوانية و المثالية و الهبائية و الطبعانية فانها عرضيات و قد نبهنا عليه في الباب الاول فعلي ما ذكرنا لكل شيء في مقامه مادة جوهرية هي اول صادر من فعل علته و صورة من نفس تلك المادة و ما يتقلب في كل شخص لاتخصص له بشخص حتي يحشر معه.

الاصل الثاني: اعلم ان المميزات الشخصية امور موجودة في الخارج علي موادها و هي ذاتية لها اذ هي هيئاتها و حدود صورتها و اركانها و هي كمها و كيفها و وقتها و مكانها و رتبتها و جهتها و هي الايام الستة التي يخلق الشيء فيها و لهذه الستة متممات و هي الوضع و النسبة و الاضافة و الاذن و الاجل و الكتاب فالصورة تتألف من هذه الاثني عشر و هي هيأت قبول المادة تصوير المصور قال تعالي خلقك فسويك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك فالصورة حقيقة هي المهية القابلة و تلك الاثناعشر مقومات المهية و حدودها فليس تشخص الشيء من نحو وجوده و انما هو من نحو ماهيته اي الوجود من حيث هو هو و ما يري من تبدل صورة زيد من اول عمره الي آخره في كل آن فانما يتغير و يتبدل ما ليس منه من اعراضه لا ما هو من ذاته و اما ما يذهب من ذاته و يمد بآخر فانما هو باخذ ما له منه و تلطيفه و رده اليه و بعبارة اخري ان ما اعطي يحل في حرارة التكليف و رطوبة ‌الامتثال فيؤخذ منه الرواسب و الارمدة غير القابلة للانحلال فيصفو و يزداد روحانية فيصعد درجة و يرد عليه تكليف آخر فيحل و يصفي فيصعد و بذلك يتضاعف علوه الي ما لا نهاية له و بعكس ذلك اذا هبط فهو في كل حال هو و هو غيره كما مثل الصادق7 باللبنة لقوله تعالي كلما نضجت جلودهم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 42 *»

 الاية بالجملة الشيء شيء بمادته الجوهرية و صورته الذاتية فان ذهبت المادة في الفرض القولي ذهبت الصورة لانها ظلها و ان ذهبت الصورة ذهب اختصاص المادة فاذا اطلقت عن قيد الصورة ظهر الصلوح الهيولاني الامكاني و ذلك عند ملاحظة المادة من حيث صدورها من الفعل المطلق و اما من حيث نفس المادة فهي مخصصة بماهيتها التي هي مبدأ جزئيات صورتها و لايكاد ينفك احديهما عن الاخري في الخارج لان الله تعالي لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته.

الاصل الثالث: الوجود الشخصي يجوز ان يشتد و يضعف لانه ان صفت قابليته بالاخلاص في الاعمال و الاستقامة علي بساط الانس و صحة الاعتقاد اشتد و قوي و ان كدرت بالشوب و الاعوجاج في المسلك و الاعتقاد ضعف بل ربما مات كما قال الله تعالي اموات غير احياء و ما انت بمسمع من في القبور و ليس اشتداد الشيء و ضعفه بجوهريته لان المقتضي للاشتداد ان كان ذاتيا للشيء فهو حاصل له بالفعل فجميع ما يقتضيه حاصل له في الحال الاول فلا تدرج في اشتداده و ضعفه فان اشتد علم انه لمقتض خارجي فلا معني للحركة الجوهرية كما زعمه قوم نعم يصعد الشيء باقدام اعماله الي درجات قرب مبدأه او يهبط الي دركات البعد و ذلك ان الحادث قد اخترعه صانعه لا من شيء و يتوقف ظهوره علي قابليته فيكون في قوته و ضعفه علي حسب قابليته و ذلك كنور الشمس علي الجدار و المرايا المختلفة مع ان ما من الشمس علي صفة واحدة و كاناء كسرته فانكسر و انما يظهر كسرك علي الاناء علي حسب قابليته في الرخاوة و الشدة و اختلاف اجزائه و القابلية هي مبدأ الانفعال لفعل الفاعل فالحركة انفعالية لا فعلية و ان قلت فما بال الافلاك لاتترقي بحركاتها الدائمة و الملائكة لايترقون بتسبيحهم الدائم قلت ان الذي لايترقي هو الفعلية البسيطة الذاتية و هو الله الاحد جل جلاله و كل ما سواه فانما هو مركب سواء كان ذاتا او صفة ذاتيا او عرضيا امكانا او كونا او عينا وجودا او ماهية لان جميع ما سوي الله جل و عز مخلوق بفعله سبحانه و له جهة من ربه و جهة من نفسه و يحتاج الي مدده سبحانه في كل حال و لابد و ان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 43 *»

يصعد الي ربه بلانهاية باقدام استمداده في درجات الامداد و ذلك حتم لا براح عنه سواء كان الشيء مجردا ام ماديا و لو لم‌يترق الافلاك لما وصلت الي البرزخ و لا الي الاخرة و لو لم‌يترق الملائكة لكان سؤالهم بلا جواب و لا بخل في المبدأ نعم كل فعلية بالنسبة الي قوته لايظهر فيه ترق و تنزل كما يظهران من القوة و لما كانت الافلاك بالنسبة‌ الي العناصر فعلية لم‌يظهر الترقي فيها علي نحو ترقيات العناصر و لما كانت الملائكة الذين هم اطراف الوجود فعليات لم‌يظهر فيها الترقي كالمركبات بالجملة كلما اشتد وجود الشيء ازداد وحدة و كلما ازداد وحدة ازداد انبساطا و كلما ازداد انبساطا ازداد جامعية و كلما ازداد جامعية ازداد قدرة علي اظهار كمالاته و كلما ازداد قدرة ازداد آثاره و تجلياته و ظهوراته و وجوداته فانتشر نوره و انبسط ظهوره علي حسب اشتداده و ذلك سر مبهم فافهم.

الاصل الرابع: اعلم ان الله جل و عز احد و مشيته صفة احديته و لم‌يجعل في حكمته ان يصدر منها الكثرات و لم‌يجعلها اولي بشيء من شيء فمبدؤ الكثرات هي القابليات الامكانية التي علمها الله سبحانه علي ما هي عليه قبل تكوينها و علمه تعالي اولي بحقيقة التصديق و كما ان علمه كماله تلك المعلومات التي هي من جهته علمه كمالاته فهي علي ما هي عليه كمالاته و مقتضي احديته التي وصف بها نفسه عدم تناهي كمالاته و مقتضي عدم تناهيها تجليه بكلها و علمها علي ما هي عليه فشاء كما علم و خلق كما شاء فجميع ما برز في الاكوان وجودات ما كمن في الامكان و جميع ما في الاكوان من الفعليات و ما في الامكان من القوي في علمه سبحانه بالفعل علي نحو الاحدية الطاوية و جميع ما في العلم صفته التي وصف بها نفسه ثم كل علة يجري هذا المجري علي حسب حكايته الاحدية فجميع معلولاته حدا و محدودا تابعة لفعله و فعله تابع للصور العلمية التي في نفسه و هي ظهورات المعاني الكلية التي في عقله و هي ظهور كمال حقيقته و جامعيته المستغنية بها عن غيره و الغني الحق هو الله الطاوي باحديته الوصفية ما سواه الممتنع مع ذاته غيره و اما ما سوي العلة‌ و هو ما في عرض صاحبه فعلمه به علي نحو الانطباع كائنا ما كان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 44 *»

فجميع ما في الخيال من صور غير المعلولات له صور قائمة بالمتخيل بالفتح قد انتزعها الخيال و المنتزعة بمنزلة النوع فوقعت في الخيال و تشخصت علي حسب صبغه و صفائه و اعوجاجه و استقامته كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم و ليست النفس خالفة ‌لما في الخيال و ليس قيامها بالخيال قيام صدور بل ظهور و صفة ‌نزع الخيال الصور علي انواع فان نزع من المواد فانما ينزع بواسطة‌ الحس المشترك و الحواس الظاهرة المقارنة للصور و ان نزع صور ما مضي فانما هو بالتفات النفس بمثال الخيال الملقي الي مثال الحس المشترك الملقي و مثل الحواس الظاهرة الملقاة المقابلة لمثال الشيء الملقي فزيد في حال يلقي مثالا و عينك الناظرة اليه و حسك المشترك المنطبعة فيه الصورة يلقيان مثالا و خيالك يلقي مثالا و نفسك بعد حين اذا شاءت تذكر ذلك التفتت الي مثال الخيال الملقي الي الحس الملقي و العين الملقي و زيد الملقي فرأته علي ترتيب رأته اول مرة و لو لم‌تره لم‌تقدر علي ذلك لانه لا سبيل اليه نعم ربما يتصور الانسان ما مضي مما لم‌يره او ما سيأتي فينزع خياله صورة من مصداق لفظ سمعه او دلالة قرينة دالة ادركها او لازم او ملزوم او متضائف او منسوب او شيء مما يحمل شيء شيء و قد ادركه قبل و الا فلا و لذلك ليس للاعمي بالولادة مدركات خيالية لونية و شكلية انتزاعية عن المواد و للاصم بالولادة مدركات خيالية صوتية كذلك و اما ما قد يراه النائم في منامه مما لم‌يدركه بحواسه الظاهرة ابدا فهو مما ينطبع في خياله من لوح القدر مما اطلع عليه او من لوح الامضاء من حملة اشباح ما مضي او انتزاعه من الامكان بعد تصوره بصورة نزعها من مكان آخر اما مثال الاول فانك اذا رأيت جلاوزة السلطان قد بدوا بالتحذير فانه ينطبع في خيالك مجيئ السلطان قبل ان يجيء و مثال الثاني انك اذا رأيت حمي زيد ينطبع في خيالك عدم توقيه البرد امس اليوم و اما مثال الثالث كان تنزع صورة رؤس و تصور خيالك بصورة الف رأس ثم تقابل به امكان الرجل فتتصور انسانا له الف رأس مثلا و علي هذه فقس ما سواها فليس في الخيال شيء لم‌ينتزع من المواد بواسطة او غير واسطة في الحال او في السابق و لذلك لاتكاد تجد فيه ما لم‌تدركه بشخصه او نوعه في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 45 *»

العالم الجسماني الزماني و لذلك نقول ان عرصة‌ البرزخ لها بكرة و عشي و ايام و شهور و سنون مثل هذه الدنيا مع ان شمسنا هذه تطلع من دونهم و تغرب من دونهم و اما صفة‌ درك الارواح ما في هذه الدنيا بعد تجردها عن المواد و موت الابدان فاعلم ان الروح و ان تجرد بالموت عن التعلق بالاجسام العرضية لم‌تتجرد عن المثل و الاجسام البرزخية التي هي برزخيات هذه الاجسام و كما ان الجسم يقترن بجسم المثال ايضا يقترن بمثال فيقترن الروح المثالي بمثل هذه الدنيا و اذا خلع الاجسام مثلها خلع الروح ايضا مثاله فان الروح البرزخي يمر عليه الانات و في عالم البرزخ بكرة و عشي و ايام و ليال و اسابيع و شهور و سنين مثل هذه الدنيا فالروح يقارن مثل الزمانيات الموجودة و يخلع معها المثال مقارنا بها و كما ان نفسك يدرك بخيالك المقارن بمثال ملقي في لوح العلم ذلك المثال كذلك تدرك بالمثال الموجود للروح ما يقارنه من مثل الزمانيات ولكن لا من حيث اقترانها بالمادة‌ الزمانية فانه شأن الادراك بالعين انما تحد الادوات انفسها و تشير الالات الي نظائرها بل من حيث نفس المثال علي ما يلقي في لوح العلم و سر عدم ادراكك الان بخيالك لو سددت حواسك الظاهرة المثل المقارنة عدم تجرد خيالك كونا فاذا تجرد شاهد و بذلك يأتي الارواح وادي السلام و يزورون قبورهم و يرون من يزورهم و يحضرون غسل اجسادهم و حملها و دفنها و يزورون اهاليهم و يرون اعمالهم و يري الجن الناس و يقارنونهم و يتصرفون فيهم فان المثال الواقع علي المواد من جنسهم بالجملة ليس للخيال درك شيء لم‌يدركه بحواسه الظاهرة ما دام متعلقا بالاجسام و ما لم‌يقارنه بعد تجرده و ليس له شيء الا ما حصله بالانتزاعات اللاحقة و السابقة و لذلك تراه لايقدر علي تصور ما لم‌ير نوعه في الدنيا.

الاصل الخامس: اعلم ان زيدا له حقيقة هو بها زيد لاتتوقف في كونها هي هي الي ضم ضميمة و هي التي خلقه الله عليها في عالم الذر فكلفه بما كلفه ثم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 46 *»

صوره علي ما صوره من صورة ايمان او كفر و هي بدؤه و كما بدأكم تعودون و لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة فيكون عوده علي بدئه ثم انزله الله الي عالم الطبايع لان جميع مراتب القوابل مستنير علي حسبه بنور مشية الله جل جلاله فانحل فيها مع غيره لانه امكان عالم الشهادة فامتزج معه و حصل له خلط و لطخ طبيعي فاذا اخذ منها حصة و لبست صورة‌ تصورت علي مقتضي ذلك اللطخ و الخلط و تغير صورته عن صورته الاولية علي ما تري و لما كان لزيد في ذاتيته جميع المراتب التي يفتقر الاثر في كونه اثرا تاما اليها و كان شهادته علي حذو غيبه حصل له جسمان و جسدان و ذلك ان له في ذاتيته مقام فلكي يحكي جهات الفعل و مقام عنصري هو مقام مفعوليته فبذلك كان له جسم فلكي و جسد عنصري و هما ذاتيان له و لما نزل الي عالم الشهادة خلطه اعراض جسدية و حصل له منها جسد مشوب و بين عالم الغيب و الشهادة روابط برزخية بها يتعلق الغيب بالشهادة و بها يمكن الشهادة لحكاية الغيب و لولاها لم‌يرتبطا و منزلتها منزلة الافلاك السبعة بين الكرسي و العناصر و ذلك ان الكرسي باب من ابواب الغيب كما ان العرش منها الا ان العرش اغيب من الكرسي و العناصر مقام عالم الشهادة و الافلاك هي الروابط بينهما و الممكنة للعناصر لحكاية ‌الكرسي و تلك الروابط ايضا خارجة عن ذات الحقيقة و حصل لها في ظهورها بتلك الروابط ايضا اعراض رابطية برزخية الا انها عرضت جسمه و حصل لها في تلك الرتبة جسم مشوب فبذلك حصل له جسمان و جسدان فالجسد الاول هو ما في الدنيا من العناصر السفلية الدائر دوراته المكملة للقابلية و هي الجمادية و المعدنية و النباتية ذائبة ‌و جامدة لطيفة و كثيفة المشارك معه فيه سائر النباتات غاية الامر انه اكملها فهذا الجسد يتلاشي في قبره شيئا فشيئا و كلما تحلل منه شيء لحق باصله من العناصر و طبايع عالم الشهادة سواء في ذلك غلائظه و رقائقه البخارية و الدخانية فاذا تحلل البدن بقيت الاشعة الرابطية التي كانت صادرة من الحقيقة ظاهرة متعلقة بالجسد في الساهرة كما انك اذا كسرت المرآة بقي شبح وجهك صادرا عن وجهك و لكن غير ظاهر ضرورة ان المرآة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 47 *»

مظهرتها لا موجدتها فتلك الاشعة الرابطية البرزخية هي المثال مثال الحقيقة الملقي في مرآة الجسد و له مادة برزخية و طبع برزخي و هو الادراك المبهم و حصة من ذلك الادراك المبهم حين تعينت بتعقل او علم او وهم فهي المادة البرزخية و ذلك المثال و ان كان قائما بالحقيقة الا انه غير مستغن عن الجسد لانه وجود رابطي و لذلك ليس له دائما الا ما استفاده من المواد ولو بعد الموت و لذلك لعرصته بكرة و عشي و عرصته شبيهة بهذه الدنيا من حيث الاسفل بالجملة ينسل ذلك المثال من الجسد عند الموت و فيه جميع المراتب العالية و يبقي في طول البرزخ حيا ساهرا اما في النعيم و اما في الجحيم و اما الجسد الثاني فهو الجسد الاصلي الحقيقي و هو يبقي في قبر الطبايع الجوهرية ما دامت باقية كما لبث فيها مدة حال نزوله الي ان خرج في هذه الدنيا و لايمازج العناصر لانه ليس في عرصتها بل تلك الاجزاء في اللطافة كالجسم المطلق و هو الطف من محدب العرش بسبعين مرة و كذلك يكون طول عالم البرزخ الي ان يخلص من الاعراض الطبيعية المميتة له المبطلة لحسه و انما يطول علي الجسد زمان التخليص لجموده و يبسه و شدة تعلقه بالاعراض و ربطه بالطبايع العرضية و انهماكه فيها و اخلاده و لعل الناس يختلفون في سرعة التخلص و بطؤه الا ان التخلص النوعي في المحشر الكلي بالجملة كذلك يكون الامثلة و الاجساد الثانية الي ان ينفخ في الصور نفخة الفزع فينسل المواد من الامثلة فيتحلل الامثلة في الطبايع الجوهرية و يبقي في بيتها من الصور و ينسل منها الطبايع فتتحلل في بيتها و ينسل منها النفوس فتتحلل في بيتها و ينسل منها الارواح فتتحلل في بيتها و ينسل منها العقول فتتحلل في بيتها  و يصرف الله وجهه عنها فتتحلل في بيتها و ذلك ان العالي اذا نزل الي الداني صار فيه بالقوة اولا ثم يتعين بالفعل ثانيا كحبة تتفسخ في التراب اولا ثم تنبت و تنعقد حبا ثانيا فاذا عاد علي بدئه يعود الحب الي التراب و يتفسخ ثم ينسل من التراب كما كان اولا و المثال تقريبي فما دام المثال منعقدا موجودا كانت الاعالي فيه ظاهرة فاذا انكسر و عاد الي الطبايع رجع المادة الي طبايعها و الطبع الخاص الي طبايعها و النفس الي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 48 *»

طبايعها و الروح الي طبايعها و العقل الي طبايعه و المراد بهذه المراتب المراتب الظلية الحاملة للمراتب الحقيقية فان الحقيقة فوق الصور و مقام الصور مقام العرش من حيث الظاهر الذي هو آية‌ الرقيقة البرزخية الكلية التي جميع الارواح من نوره و ملك الروح هو اسرافيل و صور عرش عالم الاظلة علي فمه فالمراتب هي المراتب الظلية و البيوت هي الكرسي و الافلاك فتفهم و الله اعلم بطول مدة النفخ و الذي روي لايحصي كثرة و هو مذكور في البحار تركناه خوف الطول فاذا تم النفخ بقي كل مرتبة في بيته من الصور و اعراضه تمازج الاصول و ذاتياته تجاور و سبب تفتت كل مرتبة ذاتية بالنفخ تعلقه بما دونه و لولا التعلق لما تفتت و نفخ في الصور فصعق من في السماوات و الارض الا من شاء الله و هم الذين يملكون الصور و النفخ بامرهم و اعراض قلبهم عما دونهم بالجملة كذلك يتفتت المراتب و يبقون اربعمائة سنة و كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذوالجلال و الاكرام و يأتي تفصيل المقام و الغرض في هذا الاصل ان القالب المثالي الرابطي يبقي بعد تلاشي البدن و ليس يتلاشي بموت البدن بل يقوي في وجوده و يشتد قوة مداركه و تلذذه اكثر بسبعين مرة و تعذبه اكثر بسبعين مرة و يصل اليه سكرات الموت بشدة تعلقه بهذا البدن و انتزاعه بقوة ملك الموت و تختلف في اقسام الخلق و لو مات الانسان موتا طبيعيا ينسل شيئا فشيئا و لايحس و ان مات فجاءة يكون تعذبه اكثر و ان قتل فهو اسهل من الفجاءة للمباغتة و غفلة الطبع و المقتول صبرا اصعب عليه من المقتول بغتة و في النوم اسهل من اليقظة و في الامراض الدماغية اسهل من الامراض البدنية و مع طول المرض اسهل من قصره و لكثير الذكر للموت المستأنس به اسهل من الغافل عنه و لاهل البلاء اسهل من اهل السلامة و للزهاد اسهل من الراغبين اعاننا الله علي الموت بفضله و علي ما بعد الموت انه بعباده رحيم كريم.

الاصل السادس: و هو من تمام الاصل السابق و هو ان الله سبحانه اذا اراد خلق زيد مثلا في هذه الدنيا المحسوسة اخذ حصصا من الماء و التراب و قد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 49 *»

استجن فيهما النار و الهواء و مزج بعضها ببعض بقوة اشعة الكواكب المطروحة علي الارض المثيرة بقوة حرارتها العناصر ففي الدور الاول حصل الجماد ثم دارت عليها و صعدتها و نزلتها حتي اركدت نارها و جعلتها كالهواء و جمدتها فجعلتهما كالماء ثم اسالت ترابها فجعلته كالماء و طبختها و نضجتها و اخذت بطول التصعيدات ارمدتها حتي احدثت لها وحدة ما مشاكلة الاجزاء في الجملة معتدلة ما فظهر عليها سر الرحمانية الجامعة لها فاستوي علي عرشها فذلك السر هو جسم طبيعي نوعي سار في جميع العناصر الا انه ليس علي كمال التجرد عن طبايع العناصر لعدم حصول الاعتدال و الصفاء  الحقيقي بالجملة ذلك السر فيه وحدة ما و مشاكلة ما مع الحيوة الحيوانية فظهر عليه آثار الحيوة و مثالها الذي هو النفس النباتية و انصبغ ذلك المثال فيه فظهر منه بعض الحركات و القوي بواسطة اركان عرشه و تلك القوي كانت فيه مجملة فتفصلت في الاركان و ذلك الجسم الطبيعي مركب من الطبايع الركنية لا العنصرية اي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة ثم صفت ايدي التقدير بحسن التقدير النفس النباتية و عدلتها اكثر و نضجتها و رققتها و لطفتها حتي جعلتها دخانا رقيقا لطيفا طبيعيا مركبا من خمسة اجزاء طبيعية جوهرية من كل طبع جزء و من البرودة جزءان فساوي فلك القمر و هو مع النفس النباتية من جنس واحد الا انه الطف منها و ارق و قد شاكل باعتداله و رقته و توحده الحاصل له النفس الحيوانية التي هي سر الرحمانية بين الطبايع الجوهرية  و الحد المشترك النوعي بينها يعني كل طبع منها حي فانه من ظهور النفس في جهته كما ان النار مثلا جسم طبيعي خاص بجهتها فاذا اجتمعت الطبايع معتدلة صافية و توحدت توحدا ظهر عليها سر رحمانية‌ الحيوة فصارت حية حاكية لاطراف الحيوة و هي مركبة من طبايع جوهرية ملكوتية يحفظها اركان الطبايع العنصرية فاظهرت قويها من اركان تلك الطبايع و تلك الرحمانية هي الحس المشترك البرزخ بين الاجسام الملكية و الملكوت اسفلها مرتبط بالطبايع المرتبطة بالعناصر الزمانية و اعلاها مرتبط بالنفوس الملكوتية الدهرية ثم عملت ايدي التقدير في تلك الحيوانية حتي عدلتها و رققتها حتي شابهت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 50 *»

النفس الملكوتية في الوحدة و الرقة و الصفاء فظهر عليها سر الرحمانية السارية في اقطار جهاتها و طبايعها الجوهرية و هذه الطبايع هي طبايع يعود اليها المثل عند نفخ الصور و هي ارض عالم المحشر و تلك الرحمانية هي النفس الملكوتية و يحكي كل طبع جهة من جهاتها كما مر فاذا ائتلفت في المكون و حصل لها صورة واحدية حكي جميع جهات النفس الملكوتية الكلية الالهية و اشتعل ذلك المكون بنور النفس و تلك الشعلة هي النفس الناطقة الخاصة بذلك المكون دون غيره فهي شعاع النفس الكلية و آيتها في كل مكون و هي دهرية صادرة من النفس الكلية ظاهرة من الطبايع و عليها و الله انبتكم من الارض اي ارض الطبايع نباتا منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة اخري. فاذا اختل العناصر الحافظة للنفس النباتية تفرقت فتفرق الصوافي ايضا و تبدد الجسم الطبيعي المهيمن عليها فعادت النباتية الي اصلها عود ممازجة اي انقطع اجلها في الزمان و بتبدد النفس النباتية الطبيعية تبدد الروح الحيوانية الحسية لانه اذا تبدد الدخان تبدد الاشتعال و عادت الي الافلاك عود ممازجة و انقطع اجله في البرزخ لانه برزخي فاذا تفرق عاد الي الطبايع الجوهرية و يبقي مثال النفس الكلية في الساهرة لاينام و هو دائم في النعيم او العذاب الاليم لان تشخصه بالعلوم و منبته ارض العلوم و ان كانت مرتبطة بالاجسام الزمانية الي ان ينقطع اجله و ينقضي مدته بنفخ الصور فيعود عود ممازجة الي اصولها الجوهرية و يبقي النفس الناطقة الدهرية و هي لاينقطع اجلها لانها دهرية ثابتة منه بدئت و اليه عادت و في حيزه استقرت و ليس مرادي ببقاء النفس بعد البدن البعد الزماني بل البعد الدهري فهي مذكورة ابدا حيث ذكرها الله و ذكرت الله فيه و قد انقطع الظلية في مددها و الحيوانية في مددها و النباتية في مددها و لو نظرت الي الحيوانية و النباتية بنظر دهري لرأيت انهما ايضا لم تنقطعا و لم تمازجا غيرهما و انما الممازجة كانت في السير الزماني و البرزخي و تعودان يوم القيامة علي ما هما عليه و ليس المراد ببقاء نفس زيد بعد موته انه يمر عليها السنون فزيد الذي قد مات خمسون سنة قبل هذا لم‌يمر علي نفسه خمسون سنة‌ بل هي الان حيث هي من وقتها يوم اول و لم‌يمر عليها شيء و هي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 51 *»

واقفة فوق اظلتها و حيوانيتها البرزخية و نباتيتها الدنياوية بالجملة نفسه الدهرية عالم بكله عرش و بكله كرسي و بكله افلاك و بكله عناصر و بكله جماد و بكله نبات و حيوان و انسان و بكله زمان و بكله برزخي و بكله دهري

ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات

و اعلم ان نباتية بدن الانسان ليست اثر نفسه و الا لما وجدت قبل وجودها و كذلك حيوانيته فانها توجد قبل وجود نفسه و انما هما من آثار المطلقات الكلية كما ان نفسه من آثار النفس الكلية و بعد ما تحقق نفس زيد تشرق علي حيوانية بدنه و تستعملها في حوائجها و كذا تشرق علي النباتية بواسطة الحيوانية فتستعملها في حوايجها فيحصل لهما باستعمالها صورة شرعية كما يحصل لنفسها بواسطة اقبالها الي الدعاة و امتثالها صورة شرعية كما يأتي.

الاصل السابع: اعلم ان القاعدة المسلمة ان كل شيء يدرك ما يجانسه لان الادراك في المتصاقعين انفعال من قبيل التألم و مالم‌يكن الشيء في عرصة الشيء لم‌يحصل بينهما الاتصال و الفعل و الانفعال فان كان المدرك بالفتح الطف نفذ عن المدرك بالكسر فلم ينصدم منه فلم‌يتأثر المدرك في الحالين فلم‌يحصل فيه حالة غير ما هو عليه حتي يجد شيئا غير نفسه فلاجل ذلك لم‌يدرك الحواس الظاهرة شيئا من الروحانيات و لم‌يدرك الارواح شيئا من المحسوسات الظاهرة بدون توسط الحواس الظاهرة و لاشك ان المدرك الحقيقي الاولي هو الفؤاد و هو بنفسه لايجد الا نفسه ولكن بفعله يجد الحقايق و يدرك المعاني الكلية بواسطة العقل علي ان العقل اشتعل بنور الفؤاد اي مادته النوعية هي الفؤاد بمادته و صورته و ظهورهما هو مادة العقل و صورتها المعاني الكلية فتصورت تلك المادة الهبائية الشخصية بصورة‌ المعاني فكانتا عقلا طبعانيا فلما كان مادته الشخصية ظهور الفؤاد و فعله و صورته المعاني الكلية و مشاكلة لها و الفؤاد هو الرحمانية المستوية علي عرشه اشتعلت بظهور الفؤاد و اتصل بذلك العقل بالفؤاد و تعلق الفؤاد به فالقي في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 52 *»

هويته مثاله فاظهر عنه افعاله فادرك الفؤاد بالعقل المعاني الكلية يعني ان المعاني انطبع شبحها في العقل فادركها بفعله الذي هو التعقل و لذلك قد يدرك و قد لايدرك و هو هو و العقل بالنسبة اليها كالمادة النوعية فتشخصت بتلك المعاني و حصل العقل الخاص المكتسب فان كانت المعاني عليينية حصل العقل الذي يعبد به الرحمان و الا فالشيطنة و النكراء و يترقي العقل بسيرها الي الفؤاد باقدام ادراك المعاني الحقة حتي يكون عقلا مستفادا ثم عقلا بالفعل و قد كان قبل الاكتساب عقلا طبعانيا له قوة الاكتساب فاذا اكتسب ما اكتسب يلبس كلمة الله ذلك العقل الطبعاني باذن الله تلك الصورة و هما كونيان فان كانت مرضية و قابلا باطن الكلمة نفخت فيهما من روح باطنه اي الرحمة و وهبتهما روح الايمان فيستوي عليهما يهديهم ربهم بايمانهم و ان قابلا ظاهر الكلمة نفخت فيهما من روح ظاهره العذاب و القت عليها روح الكفر و بكفرهم لعناهم فيستوي عليهما و علي اي حال هما جسد لايستغني عن روح و سر وحدانية حافظ له عن الزوال و يدرك الفؤاد الصور الرقيقة بواسطة العقل ثم الروح و ذلك ان الروح مادته من ظهور العقل و العقل بمادته و صورته له خلق نوعي صالح للظهور بالروح و صار ظهوره و فعله مادة شخصية للروح و صورتها الرقائق و هو ايضا في اكتساباته علي حذو العقل حرفا بحرف.

و يدرك الفؤاد الصور المجردة بواسطتهما و واسطة النفس اذ الروح هو الرحمانية المستوية علي عرش النفس و مادة نوعية و ظهوره و فعله المادة الشخصية لها كما ان ظهور الخشب النوعي مادة للسرير و ليس حصة من نفس الخشب مادة للسرير فان النوع لايتحصص بذاته و الا لم‌يكن كل حصة خشبا فمادة السرير من ظهور الخشب كما ان ما في المرايا من ظهور الشمس بالجملة لما كان مادة النفس من ظهور الروح و شاكلته صورتها اشتعل بمس الروح الذي هو ظهوره و فعله فادرك بذلك الفؤاد الصور المجردة كما مر و كذلك المثال بالنسبة الي النفس و كذلك الجسم بالنسبة الي المثال فان الجسم له خلقان اولي و هو المثال اذ المراد هنا المثال الجوهري اي البرزخ بين النفس و الجسم لا صورة الجسم و مقاديره فله مادة دهرية هي من ظهور النفس و فعلها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 53 *»

و صورة نوعية غليظة مجردة‌ مقارنة و هو في الشهادة آية الروح في الملكوت فلو جردت الجسم عن مقاديره و نظرت اليه من حيث الحقيقة السارية في جميع اطواره و اوقاته و امكنته فهو المثال الذي نعنيه هنا و خلق ثانوي هو من ظهور المثال و المقادير الجسمية فتحقق بذلك شخص الجسم و لما ناسب مقادير الجسم المثال اشتعل به و لما كان مادته فعل المثال و ظهوره ادرك المثال بالجسم المحسوسات و بتلك الوسائط المتقدمة ادرك الفؤاد المحسوسات فاذا قابل الجسم جسم آخر انطبع مثاله فيه و ادركه بابصاره مثاله فانطبع منه الي الحس المشترك لان اسفله جسماني مشاكل و لرقة مادته يرق المثال و منه ينطبع في الخيال و لرقة مادته يرق المثال و يصير دهريا و منه ينطبع في النفس و لرقة مادتها و تجردها يرق في غاية الرقة و التجرد و وجه صعود المثال الي هناك نزوله من هناك ثم ينطبع منه رقيقا في الروح و يشتد رقته حتي يصير برزخا بين الصورة و المعني ثم ينطبع منه في العقل معني و هو رقيق الرقيقة و انما رق لاجل رقة المادة ثم ينطبع منه في الفؤاد حقيقة و يتحد مع المادة هناك فيكونان حقيقة واحدة كما بدأكم تعودون و ذلك ان مادة الجسم غليظ مادة الفؤاد و صورته غليظ صورته فالنفس في الدنيا و الاخرة لاتدرك صورة لم‌تنتزعها من المواد الجسمانية فان كانت المادة حاضرة تدرك صورتها بآلاتها كما مر و ان كانت غائبة تدركها بواسطة مثل الالات المقارنة لها حين كانت مقارنة اول مرة ليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري و ما تجزون الا ما كنتم تعملون سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم و لايمر علي النفس اوقات حتي تقترح في الان الثاني ما لم‌يكن لها و تستفيد ما لم‌تستفد من آلاتها المقارنة بالاوقات و بذلك مخلدة في النعيم الذي كسبته او العذاب الذي اكتسبته نعم لدي الله لها مزيد بالترقيات و انبساط ما كان لها لما تسقي دائما بالماء الالهي و الامداد فتنحل بها و يزول عنها الارمدة المبعدة لها فتترقي و تنبسط و تتسع و يتسع ملكه و يزداد بذلك نعيمه و لها فيه ما تشاء و ما تشاء الا ما فيها له مقتض و ليس فيها مقتضي ما لم‌تكسبه و الدنيا مزرعة الاخرة و ما لم‌تزرع لم‌تحصد و السلام.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 54 *»

الاصل الثامن: ان الانسان الموجود قوامه بنفسه و هي السلطان الامر الناهي في بدنه و يظهر منه آثار في الدنيا و لكل اثر مبدأ ينتهي ذلك الاثر اليه و لايتجاوزه و ان كان ذلك المؤثر يوجده بفضل النفس كما ان الصفرة و الخراطة و اللمعان في المرآة اثر الشعلة المرئية و هي مؤثرة لها و تنتهي اليها لا الي النار و ان كان تأثيرها بالنار فالرؤية اثر للنفس و مبدؤها العين لاتتجاوزها و ان كانت تري بالعين و السمع مبدؤه الاذن و الشم مبدؤه الانف و الذوق مبدؤه اللسان و اللمس مبدؤه الجلد فلايتجاوز هذه القوي هذه المبادي و ان كان كلها يدرك بالنفس الحسية الا ان مباديها الخاصة في تلك الاعضاء و اما الحسية فهي بكلها بصيرة و بكلها سميعة شامة ذائقة لامسة و كذلك الخيال مبدؤه المتخيلة و الفكر المتفكرة و الوهم المتوهمة و العلم العالمة و التعقل العاقلة فهذه الاثار الخاصة تنتهي الي هذه المبادي الخاصة لاتتجاوزها و النفس بكلها متخيلة متفكرة متوهمة عالمة عاقلة و كذلك بكلها سميعة بصيرة شامة ذائقة لامسة لا تعين فيها و المتعينات لاتنتهي اليها و كذلك لا تعين في الاثر الصادر من النفس الا في بطون المشاعر كما انه لا تعين في الاثر الصادر من الحسية الا في بطون الاعضاء الحاسة و كذلك في الاخلاق فلكل خلق مبدأ ينتهي اليه فالغضب من اخلاق الحيوانية و ينتهي الي غيب الدم اي الحرارة و الرطوبة الجوهريتين الحافظ المظهر لهما الدم الظاهر و لايتجاوزهما و الرضا ينتهي الي غيب البلغم اي البرودة و الرطوبة الجوهريتين الحافظ المظهر لهما البلغم الظاهر و لايتجاوزهما و في نفس الحيوانية لاتعين لهما و انما بكلها تغضب اذا غضبت و تعينه في الدم و بكلها ترضي اذا رضيت و تعينه في البلغم و علي هذه فقس ما سواها و كذلك الزهد من اخلاق الناطقة لكنه يتعين في البرودة و اليبوسة الجوهريتين الحافظ لهما و المظهر الخلط السوداء فينتهي اليهما و لايتجاوزهما و الرغبة تتعين في الحرارة و الرطوبة الجوهريتين الحافظ لهما و المظهر خلط الدم فتنتهي اليهما و لاتتجاوزهما و اما النفس فهي بكلها زاهدة و تظهره في السوداء و بكلها راغبة و تظهرها في الدم و علي هذه فقس ما سواها و كذلك تجتمع المراتب في النفس فهي بكلها جسم و بكلها مثال و بكلها مادة و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 55 *»

بكلها طبع و بكلها نفس و بكلها روح و بكلها عقل و بكلها فؤاد كما ان روحك الحيواني الحسي بكله رأس و بكله عين و اذن و انف و لسان و بكله قلب و بكله صدر و بكله يد و بكله رجل فقد علم اولوالالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فالنفس بكلها جمادية و بكلها نباتية و بكلها حيوانية و بكلها انسانية اي انها تفعل ما تفعل حينما تفعل بكلها ثم تظهر كل فعل من موضعها كما ان جميع افعالك حركة الا انك تضرب بالسيف و تطعن بالرمح و ترشق بالنبل و تكتب بالقلم و هكذا.

و اعلم ان النفس مفارقة بذاتها عن الماديات و البرزخيات و اما بفعلها فهي مقارنة لاتستغني عن المواد الدنياوية و البرزخية فما ينبغي ان‌تدركه بفعلها لابد و ان‌يظهر فعلها اما بصورة الخيال في مشعر الخيال او الفكر في مشعر الفكر و هكذا و لولا ظهوره في مشعر متعين لكان الفعل مبهما كابهام النفس فهو درك مطلق مثلا فلايفيد لها شيئا كما ان فعل الحيوانية درك محض لاتعين فيه بالرؤية لولا العين و لايفيد لها فهم المرئي فالنفس لولا الالات لم‌تدرك شيئا معينا و لم‌تتخلق بخلق معين و لم‌تعمل عملا معينا و لو توجهت بذاتها الي ساير المدركات دونها لاحترقت كلها من سبحات وجهها و انحلت و ذابت و عدمت بل هي دائما كذلك قبل الاكتسابات و بعدها و انما الفرق في تعلق الفعل و عدمه و حضور ما كسبت في ملكها و عدم حضوره لديها و اما في ذات نفسها فليس الا حقيقة ما كسبت علي وجه الوحدة فاما تترقي بما كسبت الي المبدء او تتنزل الي المنتهي فهي بكلها تتعين بحقيقة الصلوة و بحقيقة الصوم و بحقيقة العقايد و بحقيقة العلوم بحيث لاتمايز فيها و بتلك الحقائق تزداد انبساطا و رقة و بذلك الانبساط و الرقة تزداد قوة و ينتشر فعله اكثر و يلطف و ينفذ اكثر فبالحكمة يستخرج غور العقل و بالعقل يستخرج غور الحكمة و بذلك تصعد و تنزل و اما درك النفس غيرها فلايمكن دركها غيرها بذات ذلك الغير لعدم الاحاطة عليه و الاتحاد معه فلابد و ان‌تدركه بصفته فتدرك صفته بفعله المقارن معها كما ان الجسم بذاته لايدرك جسما آخر بذاته و انما يدركه بصفته فيدركها بفعله و لذلك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 56 *»

يتوجه فيدرك و يغفل فلايدرك و لو كان يدركه بذاته لكانت واجدة له ابدا ما دامت ذاته باقية فان ما بالذات بالفعل دائما و لو تغيرت الذات لفنيت الاولي و الثانية غيرها و تغير المنفعلات مع بقاء الاسم في الاعراض الخارجة عن الذات و هي الظهورات فالنفس تدرك ما سواها من النفوس بفعلها و فعلها باثره في حضورها دائما و معينات فعلها ما مر من المشاعر فتدرك نفس زيد نفس عمرو بصورة اعمالها و افعالها و عقايدها و علومها التي هي معيناتها و مشخصاتها و تدرك هذه الصور بفعلها و مرآة خيالها الدهري بل عينها لا ذاتها.

قاعدة

اعلم ان كل حادث له خزائن عند العزيز الحكيم ينزل منها الي منتهي ادباره و سيعود الي بدئه كما بدأكم تعودون و العائد هو الذي بدئ و نزل و قد ذكرنا ان الشيء شيء بمادته و صورته و ان الصورة هي هيئة المادة و اطرافها و نهاياتها و ان الشيء في نزوله في خزائنه يلحقه اعراض و يتبعها تغير صورة بحسبها فاذا عاد الي بدئه كلما زال عنه عرض تغير صورته بقدر زوال العرض و حسبه الي ان‌يصل الي مبدئه فيظهر بنهايات مادته الاصلية الجوهرية فتكونان ذاتيتين له و من الاشياء الانسان خلقه الله في الملكوت فانزله الي عالم الطبايع فلحقه اعراضها ثم الي عالم الهباء ثم الي عالم المثال ثم الي عالم الحيوة ثم الي عالم النبات ثم الي عالم الجماد و لحقه في كل عالم اعراض و تبعها صور في كل رتبة الي ان دعاه الله الي الاقبال فيصعد صاعدا و يلقي اعراضه في كل درجة و يتصور بصورة اخري كما انه القي صورة الكيلوسية عند تخلص مادته عن اعراضه و تصور بصورة الكيموسية ثم القي اعراضها و تصور بصورة الدم ثم القي اعراضه و تصور بصورة النطفة ثم القي اعراضها و تصور بصورة العلقة ثم القي اعراضها و تصور بصورة المضغة ثم العظام ثم كسوة اللحم و جري دمه في قلبه و بخر و تجرد عن اعراض بدنه و دمه فتصور بصورة‌ البخار ثم القي اعراضه و تصور بصورة الدخان ثم يلقي اعراضه بالكلية و يتصور بصورة الحيوة ثم يلقي اعراضه و يتصور بصورة المثال ثم يلقي اعراضه و يتصور بصورة الهباء ثم يلقي اعراضه فيتصور بصورة الطبع و هو

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 57 *»

صورة الادراك المطلق البرزخي ثم يلقي اعراضه و يتصور بصورة ذاته كما بديء اول مرة و صورته الذاتية صورة عقائده و علومه و اخلاقه و اعماله كما ذكرنا هنا و المادة في جميع ذلك واحدة و انما زادت اعراض و نقصت اعراض و لها اقتضاءات الا تري ان عرض الجمد له اقتضاء به يقبل الكسر و عدم السيلان فاذا زال عرضه لم‌يتصور بما كان يتصور فحينئذ يتصور بما يصلح له الماء من التموج و حمل الخشب و ما هو اخف منه علي ظهره فاذا زل عنه عرض السيلان و استحال بخارا لم‌يقبل صور الماء و تصور بصورة اخري و له خواص اخر مما يطول ذكره فاذا استحال هواء ذهب عنه صورة البخار و تصور بصورة‌ الهواء و له خواص اخر فاذا استحال نارا ذهب عنه صورة الهواء و تصور بصورة النار و لها خواص اخر و هكذا و المادة في كل ذلك واحدة و لاعراضها خواص من قبول صور مناسبة و كذلك حال البدن فالصورة الدنياوية من مقتضيات اعراض الدنيا فاذا زالت تصورت بصورة اخري علي حسب مقتضي المادة و بتغير الصورة و ان كان يتغير الاسم في الجملة لكن في الحقيقة هي هي لان الشيء شيء بمادته و صورته الذاتيتين لا بصورته العرضية كما قال الصادق7 في اللبنة المكسورة المعادة هي هي و هي غيرها و بذلك يشهد قوله تعالي كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها مع انه قال لاتزر وازرة وزر اخري و ليس الله بظلام للعبيد فهي هي بمادتها و صورتها الذاتيتين و هي غيرها بصورتها العرضية و لا ضير و من عرف ذلك ارتفع الاشكال عنده في معرفة المدد الجائي و المتحلل الذاهب فان كان الجائي غير الذاهب فيثاب و يعاقب من لايستحق و ان كان الجائي عين الذاهب فلاترقي و لاتنزل و لاتغير و لايعرف ذلك الا من عرف سر الصناعة الفلسفية و قد اشرنا اليه فيما سبق فالجائي هو الذاهب بمادته و غيره بصورته فانه صفي و القي عنه اعراضه فتصور بصورة الطف فلما امد به ترقي درجة او زيد في اعراضه فتصور بصورة اكثف فلما امد به نزل درجة و لاتزر وازرة وزر اخري و بذلك يرتفع الاشكال عن المسئلة المشهورة من صلوة اميرالمؤمنين7 بعد رد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 58 *»

الشمس هل كانت قضاءاً او اداءاً و ذلك ان الوقت له مادة و صورة قائمتان بمؤثرهما كما عرفت و لهما تعين في قالب كون الشمس في المواضع فاذا زالت الشمس عن موضعها زال ذلك التعين فاذا ردت علي خلاف العادة في ذلك الموضع تعينت مادة الزمان في تلك الهيئة و عادت كما مر فهو هو و هو غيره فكانت اداءا كما ان اللبنة الثانية هي اللبنة الاولي و ان تغيرت صورتها العرضية بالجملة المعاد هو هذا البدن المحسوس الملموس و روحه البخاري الا انهما يكسران و يصاغان فيكسران اولا في الدنيا فيعود ما لحقهما من الاعراض الخارجية العنصرية الي العناصر كل الي شكله عود ممازجة زمانية فيبطل صورتهما اللتان كانتا زمانيتين يعني يأتي عليهما زمان هما فيه متفتتان و عائدتان الي العناصر فلاشيء في ذلك الزمان الا العناصر كما كانت قبل تكونهما و الجسد الاصلي رتبته فوق محدد الجهات فلايمر عليه هذه الازمان فلاشيء يبقي في الزمان بعد تفتته لا مستطيلا و لامستديرا و انما الباقي فوق الزمان و علي ايام تألف الجسد و هو الجسم الطبيعي المؤلف من الجواهر الطبيعية اي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة الجوهرية التي تألف منها الجسم المطلق فالجسد الاصلي مساوق للجسم المطلق الذي فوق محدب العرش رتبة لا مكانا فانه ليس وراءه ضيق و لا سعة و جسد اصلي كل احد بالنسبة الي حالاته الزمانية نسبة الجسم المطلق الي البسايط و حالاتها و ذلك ما تراه اذا نظرت الي بدن زيد في صباه و صغره و شبابه و كهولته و هرمه و هو جسد زيد في جميع هذه الاحوال كما تري الجسم في العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر في سابق الايام و الحال و لاحقها فذلك البدن الاصلي لزيد رتبته فوق محدد الجهات و هو مركب من اجزاء جوهرية و هو ظل النفس المنجمد في عناصر البدن الذي لم‌يتنبه بعد و انما يتنبه يوم القيمة و اذا تفتت الجسد بقي هو في قبر طبايعه مستديرا علي قطب قلبه في الاستمداد فيبقي جسده الاصلي في قبر بدنه لجموده كما يبقي روح المستضعف في قبره و يؤخذ منه روحه الحيواني الفلكي المتنبه و يتبدد ايضا فانه اذا تبدد روحه الدخاني تبدد اشتعاله بالحيوة و لحق بالافلاك و يبقي ما كنت تراه في حيوته من حين تولده

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 59 *»

الي موته من النفس المتفكرة المتخيلة المتوهمة العالمة العاقلة و هذه النفس لكونها ظل الاعلي و اشراقه و قد تنبه و تيقظ في الدنيا يبقي فلايتبدد بتبدد الجسد و هي قبضته الشمسية البرزخية صاحب الوجود الثاني و الطبيعة الجوهرية فانك تراه من يوم تولد الي يوم موته مبدأ جميع هذه القوي و خياله في جميع الاوقات واحد و ان ترقي و تصفي و فكره و وهمه و جميع قواه هي ما كان له من يوم تولد كما ان عينه و اذنه تلك العين و الاذن اللتان تولد بهما و ان تصفتا و ترقتا فتلك النفس الدراكة التي تراها فيه دائما هي مثاله الدهري و تلك القوي قواه و ما له من فلك زحل عقله و ما له من فلك المشتري نفسه و ما له من فلك المريخ طبعه و ماله من فلك القمر صفة عقله و ما له من فلك عطارد صفة نفسه و ما له من فلك زهرة صفة طبعه فاذا مات زيد بقي تلك النفس المثالية الشمسية فوق الزمان علي ايام تألف البدن فهي تخلف البدن بعد موته فوق البدن في اسفل الدهر فوق محدد الجهات لا في الزمان و قد خلصت عن الاعراض الدنيوية حين انحل الدخان في العناصر فلم‌يبق لها محل و مرآة تظهر فيها فاستقلت في اسفل الدهر و قد كانت هناك بدءا فتكون هناك عودا و من البين ان الجسد الاصلي يفارقه الروح حين يموت الانسان فانك تري بدن زيد في الجسد المسجي عيانا و لذلك تصلي عليه و تلقنه فمادام مؤلفا يكون الجسد الاصلي عليه قائما كما كان و اذا تفرق و تبدد تبدد الجسد الاصلي لجموده الذي كان سبب اختلاطه بالاعراض اختلاط تعلق و مثله جمود روح الحية و تفتته بتفتت الجسد مع انه من الملكوت فيتبدد الجسد الاصلي و يبقي مستديرا في قبره و يخد له خد من الجنة و يدخل عليه الروح و يلتذ مما يراه روحه كما يلتذ بدن النائم و تلك الاجزاء محفوظة عند من احصي كل شيء عددا فاذا صارت هذه الاتربة في بدن غير زيد كانت الاجزاء الاصلية فيه بالعرض لا بالذات فان ذاتية ما كان له قبل اكله اياه و كان به هو هو قبل اكله اياه و بعد خروجه عنه و يبقي ذلك الروح في فسحته و الجسد في قبره الي منتهي اجلهما البرزخي فينفخ في الصور فيكسر تلك النفس المثالية و تتفتت و تعود الي الطبايع الجوهرية و كذلك ذلك الجسد ينحل في الطبايع الجوهرية و يبقي الروح

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 60 *»

الاصلي الملكوتي و اجزاء الجسد الاصلية الملكوتية لاتمازجان الطبايع الجوهرية و هما ما تراه الان من دهريتهما الثابتة المتحدة السارية في جميع فلكياته و جسده من الامر الوحداني القائم فوق الزمان علي تألف جسده و بذلك نقول ان حقيقة زيد كله روح و كله جسد و من عرف الفلسفة و عرف سر تجسد الارواح و تروح الاجساد و عرف سر التشكيل و التأليف عرف كيفية اتحاد الروح و الجسد الاصليين و انما قلنا بتفرق العالي يتفرق الداني مع انه ليس في صقع الداني عند علوه لاجل ان العالي في بدو الظهور زماني منهمك في الزمان كزبد منتشر في اللبن تقريبا فيجري عليه ما يجري علي اللبن و اما اذا انفصل و فارق و اجتمع فلايجري عليه ما جري علي اللبن و كذلك البخار المتولد من الدم ما دام مشوبا باعراض الدم يجري عليه ما يجري علي الدم و اما اذا ارتفع و صعد عنه فلايجري عليه ما جري علي الدم فكذلك النفس الحسية ما دامت كامنة في الدم او البخار غير المنتضج فلانفس له و لو نظرت اليه لم‌تر منه آثارها و لا وجود لها في الواقع و ليس بحيوان فيجري عليها ما يجري عليه و اذا انتضج قليلا ظهر عليه حيوة مجسمة تتقطع كالاجسام كحيوة الحشرات و ليس حيوتها في عالم الحيوة ايضا اوحد و الطف من ذلك فدهرية حيوتها ايضا كثيفة اذ دهريتها هي هي مع قطع النظر عن المتممات الشخصية و كلما يكمل نضجه و يتوحد طباعه و يتلطف و يتوحد روحه ويتلطف في الدهر ايضا و امثل لك مثالا و هو ان الفضة مركبة من بخار و دخان و هما حال كونهما بخارا و دخانا اذ نظرت اليهما مع قطع النظر عن المتممات الشخصية الزمانية وجدت نوع البخار الدهري في الدهر و نوع الدخان الدهري في الدهر فاذا اختلطا هنا و حصل بينهما تفاعل و اتحاد ما و نظرت اليه حينئذ و قطعت النظر عن المتممات وجدت نوع مركب دهري و لا فضة في الدهر بالفعل فيكون موجودا في الدهر و لم‌يظهر في الزمان بل لا فضة و انما هو نوع مركب فاذا توارد عليه الكيفيات الفاعلية و كر عليه الافلاك و نضجته و عدلته بالميزان الكمي و الكيفي الي ان جعلته فضة نية غير بالغة حد الفضية فهي في الدهر فضة نية فلو اخرجته قد اخرجته و لا فضة في الدهر الا النية غير الناضجة لانك لو قطعت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 61 *»

النظر عن المتممات لم‌تر نوعها الا كذلك و اذا تركتها حتي نضجت و بلغت و نظرت اليها و قطعت النظر عن المتممات الشخصية وجدت نوع الفضة و وجدت هذا الفرد فردا من افراد الفضة فمن ذلك تبصر امرك في جميع الدهريات و سر ذلك كله ان ما من الله عطاء و ما من المادة الزمانية سؤال و لايعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فعلي حسب السؤال و مقداره يكون العطاء و العطاء هو حقيقة المعطي صادر من الاعطاء و قائم به قيام صدور و ظاهر علي المادة الزمانية قيام ظهور كما مر فاذا نظرت الي البخار غير الناضج لم‌تر عليه حيوة دهرية فلا حيوة فلو سقط الولد في تلك الحال لم يحشر حيوانا و اذا نضج البخار و ظهر منه بعض آثار الحيوة و نظرت اليه وجدت فيه حيوة كحيوة الحشرات فلو سقط و مات حشر كذلك و اذا بلغ نضجه الكمال و ظهر عليه آثار الحيوة الكاملة و نظرت اليه وجدت حيوانا كاملا فلو سقط و مات حشر حيوانا البتة و المنظور اليه في الحيوان ليس البخار من حيث هو بخار فان دهريته بخار لا غير و انما المنظور الحس و الحركة الارادية و هما حال التعلق بالمحسوسات الخاصة متممات شخصية زمانية فاذا قطعت النظر عنها وجدت حاسا مطلقا و متحركا مطلقا اي مادة مطلقة موصوفة بحس مطلق و حركة‌ ارادية مطلقة كما اذا نظرت الي جسم احمر لم‌تر منه الا الحمرة و مع ذلك تجد فيها احمر مطلقا نوعيا اي مادة نوعية موصوفة بحمرة مطلقة نوعية قد تشخص ذلك النوع بالمتممات الشخصية فوجدت شخصا احمر في مكان معين و زمان معين فكذلك تشاهد الحيوان الدهري في الحس و الحركة الارادية و ان كانا ظهورين للحيوان فاذا تولد الانسان تعلق به نفس ناطقة غير ناضجة بقدر ما تري منه من صفات النفس من العلم و الحلم و الذكر و الفكر الكوني و مقدارها كمقدار حيوة‌ الحيوان في اول تكون البخار فلو مات حينئذ ليس له نفس الا بذلك الضعف المشهود و ليس له نفس ناطقة‌كاملة ثم كلما يشتد تلك الاثار يشتد النفس و ليس المنظور اليه بدنه من حيث انه بدن و لا البخار من حيث انه بخار و لا النفس الحسية من حيث انها نفس حسية فان دهرياتها مثلها بل المنظور اليه هو تلك الاثار كما مر فهكذا تشتد النفس كلما تشتد الاثار كما تستدل علي اشتداد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 62 *»

الشعلة كلما اشتد الانوار بالجملة اذا قطعت النظر عن متممات تلك الاثار الشخصية وجدت نفسا دهرية ‌علانية فما دام الانسان في الدنيا و وجدت تلك الاثار متعلقة بالمواد مرتبطة بها تجد دهرية النفس مرتبطة بالمواد و مثلها بالفعل فلو مات ليس له نفس مجردة‌ مفارقة غير مرتبطة بالماديات البته فالباقي بعد الموت هو نفس متعلقة بمثل الماديات مجردة بالفعل مقارنة بها البته فبذلك تحقق البرزخ و لانعني بالبرزخ غير ذلك و ليس له في وسط الدهر نفس مفارقة ‌بالفعل و لو كانت كانت تجد نفسها في عرصة القيامة و ان الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي . يسألونك عن الساعة ايان مرسيها فيم انت من ذكريها الي ربك منتهاها. و كذلك لو كان لزيد في الدنيا نفس مفارقة في الدهر موجودة لوجد نفسه في عرصة القيامة و شاهدها و رأي الجنة و النار عيانا و المشهود خلافه و لايري في زيد غير نفس متعلقة بالمواد بالفعل وجودا و اما النفس المجردة فتري فيه وجدانا كما لاتري من شخص فضة الا الفضة و من شخص نبات الا النبات و من شخص حيوان الا الحيوان ثم لما مات الانسان في الدنيا بقي نفسه المتعلقة بالمثل المجردة وجودا بعد ان كانت في الدنيا وجدانا و يري منه النفس المفارقة وجدانا الي ان يموت فاذا مات في البرزخ بقي نفس مجردة عن المواد و المدد الزمانية و البرزخية مفارقة ‌عنها وجودا فان بموته في البرزخ تنقطع المواد و المدد و تنحل في الطبايع و تتحد الارض بالسماء و تنكسر المثل و تعود الي امكان الطبايع و تتحد الحرارة بالبرودة و الرطوبة باليبوسة فيبقي بحر متشاكل الاجزاء و يعود العرش علي الماء فاذا نظرت الي تلك الطبيعة الكلية المطلقة الجوهرية وجدت لها نفسا متحدة مفارقة عن المواد و المدد قد اتحد روحها بجسدها و جسدها بروحها و جميع سمواتها بارضها و ارضها بسماواتها فهنالك يتحقق نفس مجردة‌ مفارقة ملكوتية غنية عن المواد و المدد قد اتحد روحها بجسدها و جسدها بروحها و جميع سمواتها بارضها و ارضها بسمواتها فهنالك يتحقق نفس مجردة مفارقة ملكوتية غنية عن المواد و المدد الزمانية و البرزخية و انت لو وجدت الان نفسا كذلك في زيد فانما هي وجدانية لا وجودية و هنالك تكون وجودية و مع مفارقتها لاتستغني عن الطبيعة الجوهرية اي الركن الاحمر و الاسفل الايسر من العرش فانها من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 63 *»

تمام النفس و جسدها الاخروي الا انها تتحد مع النفس و تتروح و لاتستغني عنها النفس كما لاتستغني المشية عن الحقيقة المحمدية فتلحق بعالم الامر لاجل ذلك كما يلحق طبيعة ‌عالم الزمان اي الجسم المطلق بعالم الدهر الا تري انها مجردة عن المواد و المدد الزمانية و البرزخية و كذلك الطبيعة الزمانية مجردة عن المواد و المدد الزمانية فهي دهرية فافهم ان‌شاءالله.

قاعدة

اعلم ان المولدات الدنياوية التي تتولد من اجزاء موجودة في الدنيا بوجود شخصي كسكنجبين معين مشخص تركب من مقدار خل مشخص و عسل مشخص لا وجود لها فوق الزمان و اول خزائنها الزمان منه و فيه بدؤ كونها و فيه فسادها و لا دهرية لها فتعود في الزمان الي اصولها عود ممازجة كما كانت قبل تركيبها و بهذا التركيب تركب الجمادات و المعادن و النباتات فانها مركبات من حصص مشخصة من الاجزاء الزمانية تألفت اياما ثم تفرقت كرجال اجتمعوا في مجلس و سميتهم رهطا ثم تفرقوا فلاتسميهم رهطا و اما الحيوان فهو و ان كان من الطبايع الجوهرية الا انه اشراقي الي مستشرق مباين كاشراق الشمس علي المرآة و تعينه و تشخصه من مرآة قابلية النبات فبها يكون اسدا و بهيمة و فرسا لا من ذات نفسه لانه لا علم له و لا عمل يستقل بهما بعد المفارقة فاذا انكسر المرآة ذهبت الاسدية و البهيمية و الفرسية و عاد الحيوة الي مشرقها و مبدئها كما يلحق نور الشمس بالشمس و لايلحق له ما اكتسب من النبات من الصبغ لان ما لحقه مبدأه و منشأه النبات فاذا عدم النبات عدم ذلك الصبغ كما اذا انكسر المرآة ذهب الصبغ عن نور الشمس و عاد كما كان فذلك ايضا عوده عود ممازجة كما اخبر اميرالمؤمنين7 عنهما و ما يعود عود ممازجة مستمد من الله لمبدئه لا لنفسه و لذلك يمده مبدأه بمدده و ما تركب من الموجودات من اجزاء غير مستقلة قبل التركيب محتاج بعضها الي بعض في الوجود الخارجي فذلك الذي له دهرية و منه بدئ و اليه يعود و يبقي بعد فناء الشخصيات الزمانية و ذلك في كل شيء له نوعية بالنسبة الي الزمانيات فما وجدته يمكن ان يوجد في كل زمان و كل مكان

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 64 *»

و كل كم و كل كيف و كل جهة و كل رتبة و كل وضع و كل اضافة و كل نسبة و هو هو محفوظا في جميع هذه الحالات فهو الذي يثبت له دهرية مثلا طاقة ريحان تألف من اجزاء خاصة زمانية لايمكن ان توجد الا في حدها فلا دهرية لتلك الطاقة و اما الريحان المطلق الذي يمكن ان يوجد في كل زمان و كل مكان و كل حد فهو الدهري الاتي من الدهر و العائد اليه و علي هذه فقس ما سواها فبذلك تجد عرشا دهريا و كرسيا دهريا و افلاكا دهرية و عناصر دهرية و جمادا دهريا و نباتا دهريا و حيوانا دهريا و انسانا دهريا و كذلك جميع اللذات و الالام و الامور العامة تجد لها دهرية ثابتة و ان كان لجميع ذلك تركيب زماني لايعود الي الدهر ايضا كما عرفت فدهرية هذه الاشياء مع بقاء الخصوصيات بان يكون العرش عرشا ممتازا عن غيره و الكرسي كرسيا كذلك و الافلاك و العناصر و المواليد كذلك هي دهرية مثالية مجردة مقارنة و هي عرصة‌ البرزخ اسفل الدهر و اسفله مقترن بالزمانيات الجزئية فلاجل ذلك يكون فيها بكرة و عشي مع ان شمسنا تطلع من دون مشرقهم و تغرب من دون مغربهم و جميع لذات الدنيا لذات جنتهم و جميع الالام آلام نيرانهم نعوذ بالله و ان الذرة منها توازي آلام اول الزمان الي آخره و كذلك لذتهم و اما اذا نظرت الي تلك المثل و عرفت انها اشراقات و روابط بين الحقيقة الجامعة الكلية و بين هذه المظاهر الدنياوية و انها هي لازمة مراتب وجودها و بدؤها منها و عودها اليها كما ان نور الشمس الواقع علي الجدار ليس بدؤه من الشمس و لا عوده اليها و انما بدؤه من ظهورها له به و هو هو و عوده الي محله عرفت ان تلك المثل ايضا لا وجود لها فوق عالم البرزخ و ينقطع وجودها دون الدهر و ان كانت هي في محال وجودها محفوظة عندالله جل ذكره كما ان مرادنا من فناء الزمانيات و عودها عود ممازجة انها منقطعة دون عالم البرزخ لا ذكر لها هناك و يأتي زمان يفسد ما كون في الزمان و الا فجميعها عند من ذكرها في مواقع شهودها محفوظ لايضل ربي و لاينسي و لايمحي من عرصة علمه شيء و كذلك تلك المثل فانها بدؤها من عالم البرزخ و عودها اليه و تنقطع دون الدهر و لا ذكر لها في الدهر و انما هو مذكور عند ربها حيث ذكرته و لايمحي رسمها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 65 *»

من عرصة العلم البرزخي و لاتمازج غيرها ابدا و كذلك الزمانيات لاتمازج بهذا الاعتبار بالجملة المثل ايضا لا دهرية لها و لا ذكر لها الا في مواضع وجودها و ماتري فيها من الامر الساري في جميع اوقاتها و امكنتها و حدودها من نوعية فذلك هو الحقيقة الدهرية الثابتة و ذلك ان تلك المثل ليست الا فعليات تلك الحقيقة و ظهوراتها المتعلقة بالمواد الدنياوية فالعرش المثالي هو نفس هذا العرش الدنياوي و هو ظهور تلك الحقيقة الدهرية للعرش الدنياوي و فيه و الكرسي المثالي هو نفس الكرسي الدنياوي و هو ظهور تلك الحقيقة و هكذا ساير نفوس اجزاء هذا العالم علي ما وصفنا جميعها ظهور النفس الكلية الدهرية و حقيقة جميع تلك الظهورات هو النفس الكلية الدهرية و لايتجاوز تلك الظهورات مواضع وجودها و اما تلك الحقيقة فهي حقيقة واحدة دهرية و هي عرصة القيامة و هي النفس الكلية الالهية لها عرش و كرسي و افلاك و عناصر هي حقايق هذه الدنيا وهي المحسوسة في جميعها لمن يري و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون كلا لوتعلمون علم اليقين لترون الجحيم و هي في غاية الاتحاد الوجودية و اجزاؤها ركنية و ارواحها متجسدة و اجسادها متروحة و سماؤها ارضية و ارضها سماوية يصدر اثر كل جزء من كل جزء و حكم بعضها حكم كلها كالمولود الفلسفي البالغ مبلغ الكمال و الانسانية و كذلك حكم الاناسي حرفا بحرف فان لزيد بدنا مؤلفا من اجزاء شخصية دنياوية عرضية فهو موضع بدئه معاده و له حيوة فلكية اشراقية مبدؤها من الافلاك و عودها اليها كما عرفت و سمعت من النص و له نفس مثالية قد تعلق به من نفسه الدهرية و تلك النفس المثالية هي المتفكرة المتخيلة المتوهمة العالمة العاقلة فهي ايضا تعود عود ممازجة بعد نفخ الصور و مبدأها من البرزخ و عودها اليه و ان كان بدنه الدنياوي و نفسه الحيوانية و المثالية جميعها محفوظة مجاورة عند ربها الا انها في نفسها في عرضها ممازجة و عند ربها مجاورة و يحشر كلها الي معادها كل الينا راجعون ثم الي ربهم يحشرون و لا تعطيل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 66 *»

لمقاماته في كل مكان و وجد الله عنده فوفيه حسابه و اما حقيقة زيد فهي دهرية ثابتة محفوظة باقية الي يوم القيامة و هي التي تجاور غيرها في جميع حالات فناء البدن و فناء الامثلة و هي الاجزاء الاصلية و هي زيد بحقيقة الزيدية لايتخلله غيره و هي المثابة المعاقبة و هي لها عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و جسم و قبضات فلكية و عنصرية الا انها في غاية التشاكل و الاتحاد الفلسفي الصناعي و لكل جزء منها حكم كل جزء و حكم البعض حكم الكل و هذه النفس بالنسبة الي كلية الدهر كتصور من تصوراتك في عرصة خيالك و نسبتها الي بدنها الزماني نسبة تصورك كتابتك بالنسبة الي كتابتك فهي وجه هذا البدن غير الهالك كما قال تعالي كل شيء هالك الا وجهه و هي وجه الرب اليه في قوله تعالي كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي كل الينا راجعون و ان الينا ايابهم ثم ان علينا حسابهم و الا الي الله تصير الامور و كل شيء احصيناه كتابا فتلك النفوس منها كلمات مكتوبة في باطن ذلك الكتاب المبين و هو كتاب مرقوم يشهده المقربون و منها ما هي كلمات مكتوبة في ظاهر ذلك الكتاب و هو كتاب مرقوم يشهده المبعدون عن الرحمة و ذلك الكتاب هو الكتاب الذي كان قبل خلق البرزخ و الزمان و قبل برئها و هو عرصة عالم الذر المشار اليه و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم و قد اخرج بعضهم من ظهر بعض كما انك تتصور زيدا ثم تتصور ولده الخارج من ظهره ثم ولد ولده و هكذا فاخرجهم الله اولا كذلك في عالم الذر ثم خلقهم في الدنيا كما علمهم في عالم الذر و كذلك يعودون الي ذلك الكتاب و الي ربهم يحشرون فهم يعودون عود مجاورة بالنسبة الي انفسهم لايمازج بعضهم بعضا الا انهم بالنسبة الي حقيقة الدهر ينقطعون و منقطعون فان الدهر منقطع عند السرمد البتة و لكنهم عند انفسهم مجاورون بخلاف الزماني و البرزخي فانهما في مددهما منقطعان دون الدهر فافهم الاشارات فانه ما حان ان ابين ازيد مما بان.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 67 *»

قاعدة

ان ما يشاهده الانسان في الاخرة و يراه من انواع النعيم او العذاب الاليم امور خارجة عن ذات النفس كما يشهد به الكتاب و السنة و الجنة و النار موجودتان الان في غيب هذا العالم كما ان جسدك الاصلي في غيب هذا الجسد و شرح حقيقتهما ان هذه الدنيا هي تنزل الاخرة و ظاهرها و الاخرة هي ترقي الدنيا و باطنها فهذه السماوات هي سماوات الاخرة و هذه الارض هي ارض الاخرة و ما بينهما من خير هو خير الاخرة او شر فهو شر الاخرة و الاناسي هم الذين يأتون الاخرة الا ان الكل كما سمعت يصفي من اعراض الدنيا و البرزخ و لعلك تدري ان كل شيء مركب من جهة الي ربه و جهة الي نفسه و المراد من جهة الرب جهة مبدء الخير و اما الرب القديم جل شأنه فالكل بالنسبة اليه سواء فلما كان المبدء الذي هو آية الله هو النور الذي لا ظلمة فيه و الخير الذي لا شر فيه و الكمال الذي لا نقص فيه و الدوام الذي لا زوال له و هكذا كان مبدأ كل خير و حق و كمال و نور و كان مقابله في البعد الابعد اي جهة نفس الكل بعكس ذلك اي كان مبدء كل شر و باطل و نقص و ظلمة و سائر الاشياء بينهما له جهتان جهة الي مبدء الخير و جهة الي مبدء الشر و الا فالرب الذي امتنع الاشياء معه و الكل من كماله في محله لا تفاوت بين الجهات و المراتب بالنسبة اليه و نسمي هذين المبدئين بمبدأي التشريع كما ان المشية المطلقة مبدأ التكوين للكل و سجد له هناك سواد الليل و ضياء النهار و المؤمن بايمانه و الكافر بكفره و لذلك نقول ان الوجود و الماهية بمعني جهة الرب و جهة النفس في الخلق الثاني الشخصي و هذان المبدءان كمالان من ذلك المبدء الواحد و ظهوران له فكل شيء بين هذين المبدئين غلب عليه جهة الرب كان آثاره كلها خيرا و نورا و كمالا و كل شيء غلب عليه جهة النفس كان آثاره كلها شرا و ظلمة و نقصا و ما بينهما بين بين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و تلك الاثار هي آثار المبدء في كل فريق القي في هويته مثاله فاظهر عنه افعاله فمبدأ الخير له انوار ساطعة هي فعلياته و ظهوراته و كمالاته و آثار شئوناته الذاتية و جهاته الحقيقية و لها مادة هي جهة صدورها من المبدء و صورة هي حيث نفسها الا انهما في غاية التشاكل و الاتحاد لانهما آية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 68 *»

مبدئهما فهي نور واحد له مادة نوعية لوجوه الخيرات و هي الحد المشترك بينها و هي حقيقة جميع ما امر الله بالاخذ به و صورة علي حسب انواع المأمور به و اشخاصها و جزئياتها الا انها في غاية التشاكل و لذلك يجد المؤمن من كل نعمة او فاكهة طعم جميع الفواكه و النعم و تلك الصور هي ظهورات شئون ذلك المبدء الذاتية فانه اصل الكل و عنده وجه الكل و ان كانت في غاية التشاكل فذلك النور يقع في مراتب المكلف الممتثل القابل فيشرق به ذاته و صفاته و افعاله و اقواله الكونية المطلقة و جميع مراتبه من مبدئه الي منتهاه و يعبر عنه بصل و صم و زك و حج و امثال ذلك فاذا برز ذلك النور من تلك المراتب و الجهات علي ما وقع يقال صلي و صام و زكي و حج و امثال ذلك و ذلك النور هو شجرة طوبي اصلها في بيت اميرالمؤمنين7 و في دار كل مؤمن منه غصن و في كل بيت منه فن و في كل زاوية منه ورق مثلا و هكذا فمن تعلق بخير فقد تعلق بغصن او ورق من شجرة طوبي فذلك النور الساطع من المبدأ الذي هو حقيقة كل خير هو اصل الجنة و هو دعوة عامة لجميع الملكلفين و هو موجود دائما علي غير وجه التخصص باحد دون احد كنور ساطع من الشمس فكل مؤمن امتثل و توجه بمرآة قابليته نحو ذلك النور يستنير فعمله ذلك صورة الثواب و العقاب اي صورة تخصص الثواب و العقاب به فمعني ان الملائكة يغرسون شجرة لمن قال لا اله الا الله او يضعون به لبنة في قصره انهم يغرسونه في ارض الشخصية و النسبة اليه لا انهم يحدثونها بعمله فان عمله هو ما له اجر معين و ذلك الاجر موجود لمن عمل و بذلك العمل يحدث الصورة الشخصية لذلك الثواب النوعي و ينتسب الي العامل فالعمل كالثمن و النعيم كمتاع السوق و هو لرب السوق فمن ذهب بالثمن يتخصص به و يحلف انه له بعد ذلك فهذا معني ان الاعمال صور الثواب و العقاب و هذا معني ما يقال ان الله خلق الذر بحيث اذا سألهم اجابوا يعني مختارين شاعرين ثم كشف لهم عن عليين اي انوار باطن النفس الكلية اي آثار وجودها و جهتها الي ربها التي هي من تأييدات العقل الذي يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان و اريهم صور طاعته كما بينا ثم كشف لهم عن سجين اي اظلال ظاهر النفس الكية اي آثار ماهيتها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 69 *»

و جهتها الي نفسها التي هي من مد الجهل الذي يكفر به الرب ثم خيرهم بين التلبس باحدي تلك الصور فمن اختار صور عليين خلق الله له من ماء عذب نور باطن النفس الكلية المركب من رطوبة ‌الرحمة و يبوستها و تراب امتثاله طينة و هي طين الجنة و نفخ فيها من روحه اي روح الايمان و هو الروح الامدادي العقلي بمشيته المحبوبة فكان مؤمنا و من اختار صور سجين خلق الله له من ماء اجاج ظل ظاهر النفس الكلية المركب من رطوبة النقمة و يبوستها و تراب مخالفته طينة خبيثة و هي طينة خيال و نفخ فيها من روح الخذلان اي روح الكفر و هي الروح المدية الجهلية بمشيته المبغوضة فكان كافرا.

بالجملة ما تري في خلق الرحمان من تفاوت و هذا العالم هو تنزل ذلك العالم و غليظه بحيث اذا غلظت ذلك العالم حصل هذا العالم مجردا عن الاعراض و لو لطفت هذا العالم مجردا عن الاعراض حصل ذلك العالم فلاجل ذلك حكم النشأتين واحد و جميع ما في هذه الدنيا من الخير و النور و الكمال الاصلية هو جنة الدنيا و جميعه من نور باطن الجسم الكلي الذي هو تنزل النفس الكلية و جميع ما في هذه الدنيا من المكاره الاصلية هو نيران الدنيا و جميعه من ظل ظاهر الجسم المطلق و غيب تلك اللذات جنة‌ الاخرة و غيب تلك الالام نيران الاخرة و لقد علمتم النشأة الاولي فلولا تذكرون و هذا العالم لو خلص عن الاعراض الخاصة برتبتها كان الاقليم الثامن و هورقليا و هو مقام كل شيء منه هو هو خالصا فان ادركت العرش الخالص و الكرسي الخالص و الافلاك و العناصر الخالصة و المواليد الخالصة ادركت هورقليا و شهدته وجدانا و تلك الخوالص اشعة النفس الكلية المتعلقة بهذه الاعراض الظاهرة فيها و لتلك الاشعة مادة هبائية دهرية و صورة مكتسبة من الاعراض فلزيد جمادية مؤلفة من غلايظ العناصر العرضية و نباتية مؤلفة من لطايفها و حيوانية مشرقة من نفس فلك القمر و هي تعود الي ما تألف منه كما عرفت و له نفس مثالية هي زيد الخالص الدنياوي و له ارواح فلكية من الافلاك الخالصة و جسد خالص من الارض الخالصة اي من ظهور النفس الدهرية في الافلاك العرضية و الارض العرضية و هو يبقي مدي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 70 *»

البرزخ و لاجل ذلك سمي جنة البرزخ جنة ‌الدنيا فانها خالصة لذات الدنيا و تعين موضعها بمغرب الدنيا الخالص و وادي السلام الخالص و يسمي نيران البرزخ بنيران الدنيا فانها خالصة مكاره الدنيا و يعين موضعها ببرهوت و حضرموت و عيون بقر و مشرق الدنيا الخالصة و المراد من المغرب مغرب شمس الطبيعة الدنياوية و من المشرق مطلع شمس الطبيعة فهما من وراء هذا المشرق و هذا المغرب و فيهما جابلسا و جابلقا و هما بلدان فيهما مثل الامداد النازلة من السماء و مثل المستمدات الصاعدة من الارض و هي كلها منقادة للولي ناصرة له صادرة من امره و حكمه منتظرون لحكمه و منها الكباسة التي امرها اميرالمؤمنين7 ان لا تقرب وليا و ارض هورقليا فوق محدب العرش رتبة لا مكانا اذ لا مكان هناك فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم بالجملة الجنان و النيران في غيب هذه اللذات و المكاره كما ان الجسد الاصلي في غيب جسد زيد و كما انه لايظهر الجسد الاصلي الا بعد الموت كذلك لاتظهران الا بعد الموت و اما في الدنيا فيمكن رؤيتهما بالوجدان لا بالوجود و كذلك جنة الاخرة و نارها فهما ايضا في غيب جنة الدنيا و نارها لاتظهران للناس الا بعد الموت و بعد ظهور الجسد الاخروي لهم و اما ظهورهما في الدنيا فوجداني و عدم ظهورهما لايدل علي عدم وجودهما نعم وجودهما الشخصي الانتسابي لايتحقق الا بعد العمل الذي هو صورتهما.

واعلم انهما كما عرفت موجودان بوجود خارجي مباين و ان المكلف يتوجه اليهما بمرآة خاطره و خياله بطلبهما و حبهما و الميل اليهما و يمشي باقدام عمله الذي هو ظهور طلبه اليهما فيقع شبحهما في تلك المرآة فينصبغ فيها علي حسبها و ذلك الصبغ هو الصورة الشخصية لهما و الصورة الانتسابية الخاصة ثم يعمل الانسان باعضائه و جوارحه بمقتضي ذلك المأمور به و هو تنزل توجه خاطره اليهما فذلك التوجه عمله الباطني و ذلك العمل هو توجهه الظاهر و في المقامين العمل صورة شخصية لهما تخصصهما بالمكلف الخاص و مثل ذلك التصور و الوجود الخارجي لهما تصورك اصفهان حين غيبتك عنه مع انه موجود في عالمك كذلك الجنة موجودة في عالمك و انت الان تصورها

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 71 *»

فاذا اتيتها عرفت المطابقة ان تصورتها علي ما وصفه الشارع و الجنان و ان كانت رتبتها كغيب الكرسي هذا الا ان كل جنان فوق سماء اي في جهة ربها في خلال العليا فان جهة اعلي الدنيا من تنزلات العليا و المشعر الذي من جنسها بابه الذي به يتوصل اليه و الجنة الثامنة فوق الكرسي و هي جنة عدن مخصوصة بمحمد و آل محمد عليهم السلام لايشاركهم فيها احد و اما النيران فهي تحت كل ارض من الاراضي السبعة لانها في جهة الارض الي الجهل و الي المنتهي و ان كانت من حيث الرتبة تحت الارض السابعة الان و الابواب التي يتوصل بها الي هذه الدور الجسد و الحيوة و الفكر و الخيال و الوهم و العلم و العاقلة الا ان العاقلة عاقلة اذا كانت باب الجنة و الا كانت شقاوة و جهالة و نفسا امارة بالسوء والجنة الثامنة لا عكس لها في السجين لضعف جهة الماهية فيها و صفائها.

قاعدة

فيها مطالب يقتضي الحال الاشارة اليها:

منها انه لا فرق بين الاجساد في الدنيا و الاخرة في الحيوة فانها حية في الدارين الا ان حيوة اجساد الدنيا ضعيفة لبعدها عن المبدء و حيوة اجساد الاخرة قوية لقربها فاني وجدت الله سبحانه يقول و ان من شيء الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و قوله و ان الدار الاخرة لهي الحيوان لقوة ظهور الحيوة فيها و ان المؤمن لبلوغه مقام اطعني اجعلك مثلي تقول للشيء كن فيكون اذا شاء ظهور حيوتها بالنطق كالمته باللسان العربي المبين و لربما نطقت لحكمة اخري من اظهار فضل رب العالمين عليه او غيره كما ان النبي صلي الله عليه و آله يكمل الحصاة بفضل نوره حتي تنطق او يكلمه ضب او بعير او يحن اليه جذع او غير ذلك.

و منها ان الاجساد في الدنيا و الاخرة باقية بابقاء الله و بامداده الا ان في الاخرة يمدها الله بلافصل علي ما كان و لايتوقف علي شروط و لايمنع عنه مانع و اذا جني المؤمن من شجرة شيئا نبت مكانه في الفور بلافصل مثله و هو تأويل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 72 *»

كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اتوا به متشابها.

و منها ان الاجسام في الدنيا و الاخرة قوابل للنفوس و النفوس مقبولة فيهما و لا فرق في الدارين الا في التباين و التشاكل يعني ان في الاخرة لغاية التشاكل النفوس جسدانية و الاجساد نفسانية و في الدنيا بينهما بينونة لمخالطة الاعراض و لذلك تتفارقان فاذا صفيتا تشاكلتا فتعانقتا تعانق خلود.

و منها ان في الدارين النفوس في مقام الفعلية تنزل الي الاجساد فتكون فيها بالقوة ثم تخرج عنها بنداء اقبل فتكون ثانيا بالفعل والثانية عين الاولي الا ان مقامها في النزول فعل مقدم و الملحوظ حيث المادة و الوجود و في الصعود فعل مؤخر و الملحوظ الماهية و الصورة و ان كان جميع ما في المنتهي من الصور و الحدود ايضا نزلت من مقام النفوس حقيقة لقوله و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ما ننزله الا بقدر معلوم.

و منها ان الفعل في الدنيا والاخرة اشرف من القوة لانه اثر المشية التي هي بالفعل و هي اثر الذات التي لا قوة فيها و هو الفاعل نزولا و الغاية صعودا و لا فرق في الدارين في ذلك.

و منها ان الاجسام في الدنيا و الاخرة متناهية الا ان التناهي يختلف باختلاف الموارد في اللطافة و الكثافة و امتياز اهل الجنة و النار و نعيم الجنان و آلام النيران كلها من جهة امتياز اجسام الاخرة نعم لاجسام الاخرة من جهة تجردها عن المواد و المدد الزمانية كثير من احكام المجردات فلاتزاحم بينها و لاتضايق و يمكن لكل واحد ان يسكن في مكان الاخر كما يسكن النور في النور بلاتزاحم و يدرك الجسم ما يدرك العقل و بالعكس و لايحتاج العقل في ادراك الجسمانيات الي استعمال الجسم الا من باب التكرم و التعزز و انما ذلك لانقياد كل شيء لتلك المراتب و تشاكلها و تماثلها و لكل واحد من اهل الاخرة عالم برأسه بقدر قوة ايمانه لايزاحمه فيه غيره و سر ذلك ان كل واحد منهم يتوجه بمرآة خياله الي مثال من المثل التي اعدها الله لهم في جنة‌ نور الولي مثلا اذا كان من اهل الحق ساير اليه طالبا له فينطبع فيها شبحه فيختص به كما مر و اذا توجه الف رجل الي ذلك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 73 *»

المثال انطبع في مرايا خيالاتهم الف صورة فيختص بكل واحد ما تصوره و ما عند كل واحد خلق من خلق الله خلقه في خلق نوعي من مادة و صورة نوعية و خلق شخصي من حصة من ذلك النوع اي من شبحه و صورة شخصية من طلب الشخص و ميله و محتاج الي مدد الله النوعي و الشخصي و كذلك لهم ما يشاؤن فيها و الجنة المخصوصة بكل واحد علي ما وصفنا فلكل واحد عالم برأسه من غير مزاحمة الغير و ان كان بجنبه وسعة عالمه بقدر وسعة مادة خياله و لطافتها بسبب اعماله و لايلزم من ذلك ان يكون الجنة مثلا خيالية لاتأصل لها في الخارج لانها في الخارج موجودة و انما يتعلق بك منها ما طلبته كما انك تلتذ في الدنيا من اللذات علي حسب شبحها الحاصل في مشاعرك لا غير و ليس لك منها الا ما ادركت منها بمشاعرك حرفا بحرف ألاتري انك لو اكلت طعاما لايصلك منه لذة الا ما ادركت منه بذوقك و هو شبح طعمه في ذائقتك و مادة المأكول في الدنيا عارضة في بدنك و تخرج منك و اما في الاخرة تكون مددا ذاتيا لك لايصل الي غيرك فان شبح ذلك المثال قد تخصص بك بانطباعه في مرآة خيالك و صار مادة طينة شرعية لروحك الايماني تعرف في وجوههم نضرة النعيم و صورة كل شخص عمله و ما تجزون الا ما كنتم تعملون سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم.

قاعدة

في الباقي من اجزاء بدن الانسان و ما يحشر به و نحن و ان ذكرنا في القواعد السابقة منها شيئا الا ان فهم هذا المطلب علي نهج الحقيقة مشكل جدا كجميع المطالب و كل مطلب سهل فهمه فانما هو لما تسومح فيه و لم‌يستقص فيه و لم‌يتعمق البتة فاقول اعلم ان هذه العناصر هي طبيعة يؤخذ عنها حصص مواد و يلبس عليها صور المواليد فهي امكان للمواليد فيه قوة جميع المواليد علي نحو عدم التناهي بحيث يكون حصة منه صالحة لان تتصور بصورة كل مولود الي غير النهاية بل كل مولود منها صالح لان يصير غيره الي ما لا نهاية له فاذا اخذت حصة من العناصر و مثلت علي صورة و حصل مولود رسم في اللوح المحفوظ الذي هو لوح الامضاء بمداد مادته و صورة مثاله الذاتيين في محل وجوده و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 74 *»

وقته فلايمحي منه ابدا لانه لايضل ربي و لاينسي فالمرسوم في ذلك المحل لايمازج غيره ابدا سواء في ذلك الجماد و النبات و الحيوان و الانسان و النبي و غيرها فالعائد بالممازجة هو المكتوب في لوح المحو و الاثبات لا لوح الامضاء كالسرير اذا صنعته فهو من حيث كونه صالحا للكسر مرسوم في لوح المحو و الاثبات فانه يجوز ان يمحي عن لوح الزمان فيعدم في الزمان و لكن من حيث كونه مرسوما في لوح الامضاء فلايمحي ابدا ألاتري انك متي ما توجهت الي ذلك الوقت و المكان رأيته فيه و كيف يجوز محوه و هو كلمة من لوح علم الله سبحانه فاذا كل مرسوم في لوح المحو و الاثبات يعود عود ممازجة و كل مرسوم في لوح الامضاء يعود عود مجارة فعلي ذلك الجمادات و النباتات لكونها مؤلفة من الاجزاء الزمانية اي لكون مراياها مرايا مؤلفة من اجزاء مستقلة و يمر عليها الازمنة عودها بهذا اللحاظ عود ممازجة كما تشاهد و تري و لايحتاج الي برهان بعد العيان.

و اما الحيوان اي النفس الحيوانية فهي لكونها مركبة من طبايع جوهرية و يمر عليها اعلي الزمان فكذلك فانها ايضا جسمانية و مركبة من الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة الجوهرية التي تألفت منها الافلاك و هي كامنة في غيب العناصر الزمانية و تستخرج منها و تؤلف علي حسب الاعتدال علي خمسة اجزاء من البرودة جزءان و من البواقي من كل جزء و تصفيها و تنضجها يد التقدير علي حسب التدبير فهي في العناصر العرضية كالنار في الدهن التي تستخرج وتشتعل في الدهن و تتصور بصورته و تتشخص بهيئته فكذلك تلك الطبايع اذا استخرجت معتدلة مصفاة اشتعلت في العناصر العرضية بعد ترقيقها و تصفيتها و تعديلها و صيرورتها بخارا صافيا و تشخصت بهيئته فهي ايضا غيب هذه العناصر و زمانية و مثبتة في لوح المحو و الاثبات و تعود عود ممازجة اذا تفرق البخار و تفرقت الطبايع و هي ادني دهري تعلق بالمواد الدنياوية و انهمك فيها و منزلتها منزلة الحس المشترك يرتبط من حيث الاسفل بالمواد و من حيث الاعلي بالدهر و كذلك النفس المثالية حرفا بحرف فان الحيوانية من فلك القمر و المثالية من ساير الافلاك الا ان الحيوانية اشد انهماكا في المواد من المثالية و المثالية اشد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 75 *»

ارتباطا بالدهر من الحيوانية و الحيوانية تتفرق بتفرق العناصر و المثالية تبقي مدة اذا كانت متمحضة مفارقة في الجملة مصورة بصورة شرعية من ايمان او كفر فانها بالشرع تنقطع عن المواد الدنياوية في الجملة و يغلب عليها جهة النفس الدهرية الا انها سوف تتفرق و تمحي عن لوح اعلي الزمان ايضا و تعود عود ممازجة كالحيوانية و ان كانت مستضعفة منهمكة في الحيوانية و النباتية تتفرق كالحيوانية.

و اما الانسانية فانها ليست من عالم الزمان لا من اسفله و لا من اعلاه و انما هي بنفسها دهرية و ليست من كلمات لوح المحو و الاثبات اولا و آخرا فهي في حقيقتها كحقيقة الجماد و النبات و الحيوان من حيث لوح الامضاء الا ان الجماد الممضي و النبات لا شعور لهما و لا حيوة و لو في لوح الامضاء و الحيوان لا شعور لها و لا دراية الا الحواس الظاهرة و شيء ضعيف من ساير المشاعر و لو في الدهر و اما الانسان فهو كلمة من لوح الامضاء اولا و آخرا و هو ناطق دراك مكلف يليق بالخطاب و الثواب و العقاب فما تري في الانسان من زمانية و برزخية فهو لجماديته و نباتيته و حيوانيته و اما انسانيته فلايمر عليها وقت زماني و لا برزخي و هي قائمة فوق زيد الدنياوي و البرزخي و لايمر عليها هذه الاوقات فهي لاتبقي بعد موت زيد في الزمان فيمر عليها الاوقات و السنين و انما هي فوق الزمان علي كون زيد فلعله مات بدن زيد منذ ثلثين سنة و لايجوز ان تقول فارق نفس زيد بدنها منذ ثلثين سنة اذ لا سنة و ان جاز ان تقول فارق بدن زيد نفسه منذ ثلثين سنة و تلك الانسانية لها مراتب ثمانية و جسدها هو الجسد الاصلي الذي يبقي في القبر مستديرا الي ان يحشر و ذلك الجسد في غاية ‌المشاكلة مع الارواح حتي انه يصدر منه ما يصدر من العقل كما ان من عقله يصدر ما يصدر من جسده و ذلك بسر المشاكلة و تلك النفس دهرية الحصة‌ الكرسية التي في جسد الانسان اذ ما دونها من الحصص دهرياتها ظلية لنفس الكرسي و ليس لها وحدانية و قوة شعور كالانسان يكلف بها بتكليف الانسان و تلك الحصة هي الروح الدخاني الذي يحصل في الدماغ بعد دورانه في جميع التجاويف و استكمال جميع المشاعر بالفعل فدهريتها من حيث الادراك هي النفس لا من حيث المشاعر و من حيث

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 76 *»

البخار و تلك النفس تختلف بحسب اختلاف مراتب الدخان فان دهرية قليل الشعور قليلة الشعور و الدهرية متوسطته متوسطة الشعور و دهرية كثيرته كثيرة الشعور و لاجل ذلك دهرية المستضعفين مستضعفة يبقي روحهم مع جسدهم في قبر طبايعهم مدة ايام البرزخ و يلهي عنهم و تحتاج الي تنبيه و تذكير جديد في ايام البرزخ يعني ان المستضعف في ايام البرزخ قد يصفي و يحصل له دهرية صافية متذكرة كما تحصل لمن تصفي في الدنيا و اما من لم‌يتصف في البرزخ فيحصل له تصف فيما بين النفختين اذ تراب الروحانيين الدهريين لايمازج غيره فيما بين النفختين غاية‌الامر انه يحصل له تفكك فيكون اجزاؤه صالحة للتركيب الخالد و التوحد فينشرون يوم القيامة و يكلفون لصفاء مشاعرهم و امكان تكليفهم فاما شاكرين و اما كافرين و اما من لم‌يتخلص بين النفختين فانه يجدد له التكليف بعد حشره و تخلصه في عرصات القيامة و صلوحه للتكليف فيوقد لهم نار الفلق التي هي صورة دهرية الشريعة المقدسة و يكلفون بدخولها فمنهم من يقبل و يلقي نفسه فيها فتكون عليه بردا و سلاما كما كانت الشريعة للمؤمنين في الدنيا سهلا و منهم من يهابها فلايدخل فيكون عاصيا كفورا بالجملة التكليف فرع صفاء العقل و فعليته و خلوصه فان صفا في الدنيا و صار بالفعل يكلف في الدنيا و ان صفا و خلص و صار بالفعل في البرزخ يكلف و الا فيكلف في الاخرة بعد صفائه و خلوصه عن الشوائب و الكدورات الحاجبة لصلوح الامر و النهي انما يتذكر اولوالالباب ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب لتنذر من كان حيا و ما انت بمسمع من في القبور بقي شيء و هو ان دهرية هذا العالم الكلي النفس الكلية كما ان دهرية الانسان الجامع لجميع حصص هذا العالم نفسه الجزئية و النفس الكلية حقيقة هذا العالم كما ان النفس الجزئية حقيقة الانسان و ما لم‌يزل اعراض الدنيا و البرزخ لم‌يصل العالم الكلي الي مقام القيامة الكبري و لايزول اعراض الاناسي الدنياوية و البرزخية عن الاناسي حتي يشاهد القيامة و العالم منذ نزل الي غاية ادباره و هي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 77 *»

الدنيا صاعد الي بدئه و سيصل الي مبدئه و نفس العالم الكلي بالفعل ابدا لفعلية الكرسي و العرش فيه و ان لم‌تكن ظاهرة بالفعل من عناصره و افلاكه لان عناصره لغلظته حاجبة للحيوة الحيوانية و فلك القمر حاجب للحيوة المثالية و باقي افلاكه حاجبة للنفس و انما هي بالفعل في الكرسي فما صنع من حصص عنصرية فلا نفس لها حيوانية و انما بدؤها من العناصر و عودها اليها و ما صنع من حصة قمرية فلا نفس لها مثالية و بدؤها من فلك القمر و عودها اليه و ما صنع من حصص فلكية فلا نفس لها دهرية و بدؤها من الافلاك و عودها اليها و لكن ما صنع من حصة كرسية فلها نفس دهرية فهي بدؤها من الدهر و عودها اليه فما سوي الانسان من النبات و الحيوان و البدن المثالي عوده مجاورة باعتبار دهريته في حده و مقامه و ممازجة بالنسبة الي الاعلي و اما الانسان فعوده مجاورة بالنسبة الي الدهر لكنه ايضا بالنسبة الي النفس الكلية الالهية عوده ممازجة لانه ينقطع عنده فلا تعين له و ان قلت فاذا جميع الاشياء عودها بالنسبة الي نفسها مجاورة و بالنسبة الي الاعلي ممازجة فما الفرق؟ قلت الفرق انقطاع النبات دون الحيوان و الحيوان دون المثال و المثال دون النفس الانسانية فلاتحشر في محشر الانسان و مع ذلك لا شعور لها كالانسان و لا تكليف لها كتكليفه و لا ثواب و لا عقاب لها كثوابه و عقابه و محط النظر محشر الانسان و جنته و ناره و الكلام في قيامته فلاجل ذلك نقول انها لاتعود عود مجاورة بل ممازجة هذا و انها لها اوقات عرضية هي في وقت كائنة و في وقت فاسدة عائدة عود ممازجة و ان حصل لها علي وقت كونها حقيقة دهرية علي حسبها لاتمازج غيرها ابدا فللدهر درجات دهرية النبات هي حقيقة العناصر و دهرية الحيوان هي حقيقة فلك القمر و دهرية المثل هي حقيقة الافلاك و دهرية الكرسي هي حقيقة الكرسي و دهرية العرش هي حقيقة العرش فكذلك لعنصرية زيد اي نباتية جسده حقيقة دهرية هي عرض زيد الانساني و لقمريته حقيقة دهرية و لفلكيته حقيقة دهرية هما عرضا زيد كل منها ينتهي الي حده و يتخلص زيد الانساني في اعلي الدهر و هو هو.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 78 *»

الباب الثالث

في احوال تعرض الانسان من حين فراقه الدنيا الي عرصة القيامة

و فيــه قواعــد

قاعدة

اعلم ان كل مولود اكتسب الحيوة من الغير اي حيوته اشراقية لابد و ان يموت قال الله تعالي انك ميت و انهم ميتون و قال كل نفس ذائقة الموت و سبب الموت علي طريقتنا ان الله سبحانه لايفعل فعلا بمقتضي ذاته و لا مقتضي لها و لو فعل بمقتضي ذاته فرضا و لايعقل لما اوجد الا شيئا واحدا اذا لا اختلاف فيه و لا تعدد و انما فعل ما فعل اجابة لسؤال القوابل الامكانية العلمية بها و هي سبب التعدد و الاختلاف و التكثر و ان قلت ان القوابل ان كانت قديمة تعددت القدماء و ان كانت حادثة فهي من فعل الله و لزم المحذور قلت يلزم المحذور اذا فرضنا ان الله كان و لا خلق ثم خلق و بينهما امد ممتد و مكان ممهد او فرض ان القوابل كانت مدة مديدة بلا مقبولات فسألت بعد حين المقبولات فافيضت عليها و هذا الفرض سبب تحير العقول و ليس الامر كذلك بل الله جل و عز احد و ظهر بالاحدية لا بحركة بعد سكون و لا بنطق بعد سكوت بل هو كمال قائم و نور دائم و الظهور بالاحدية من حيث هو يتحقق بعدم التناهي و عدم التناهي يتحقق بطي جميع مراتب التناهي بما لايتناهي فحصل بذلك لذلك الظهور جهتان جهة احدية و جهة عدم تناهيها من حيث نفسها و لما كان ذلك الظهور كماله جل و علا غير المتناهي و علمه الظهوري كان في علمه جميع المعلومات غير المتناهية علي وجه لاتتناهي و من معلوماته امكانات الاشياء علي وجه كلي لاتتناهي في الامكان يعني كان امكان كل شيء امكان كل شيء فامكان زيد صالح لان يكون منه عمرو و بكر و خالد و هكذا الي ما لا نهاية له بل زيد فيه صالح لان يكون بكرا و خالدا و ارضا و سماءا و هكذا الي ما لا نهاية له كما تري من حال الف في المداد فان المداد امكان الالف و صالح لان يصاغ منه الباء و الجيم و الدال و غير ذلك و الالف فيه صالحة لان تكون باءا و جيما و دالا و هكذا بالجملة ان القوابل غير المتناهية حصلت لاجل عدم تناهي الظهور فلما ظهر الله بالاحدية غير المتناهية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 79 *»

بها حدثت القوابل باحداث الله سبحانه اياها بها ثم لما اراد الله اظهار ما في علمه الي الكيان اظهر ما في علمه كما علمه و علمه اولي بحقيقة التصديق و خلق كما علم فانخلق ما خلق كما خلق فكان ما كان علي ما كان و لسنا بصدد بيان ازيد مما بان بالجملة ما من الله اولا في النزول اذن لسؤال القوابل فلما سألت ما سألت استجاب الله لها في الصعود علي حسب دعواتها و البدن هو من جهة قابلية الروح و انما يفاض عليه الروح علي حسب سؤاله و لذلك لو كان علي صورة انسان يفاض عليه روح انسان و لو كان علي صورة كلب يفاض عليه روح كلب و لو لم‌يكن مستعدا مشاكلا مع الروح في اللطافة لما تعلق به الروح كما في النطفة و اذا استعد تعلق به كما عند الحيوة فمهما كان البدن مرتبط الاجزاء صالح الالات و الادوات جاري الدم يبخر في القلب يتعلق به الروح علي حسبه و اذا تخلل الالات و الادوات او انفصل الاجزاء او جمد الدم فلم‌يبخر و امثال ذلك من العوارض رفع الروح تعلقه عن البدن اي لم‌يحكه كجدار بنيته في الشمس فاشرقت عليه و اضاء بها ثم هدمته فرفع الضوء عنه و كدخان صالح مستضيء بالنار فاذا غلب عليه رطوبة الدهن او نفد رفع الضوء عنه و انقطع عنه النار و لذلك قال اميرالمؤمنين7 في النفس الحيوانية سبب فراقها اختلاف المتولدات وقال في النفس الناطقة سبب فراقها تحلل الالات الجسمانية فليس الموت بشدة تجوهر النفس و الحيوة بعدم تخلصها اذ الولي الكامل يبقي سنين و الجاهل الغافل يموت بل مناط وجود الضياء في البيت وجود المرآة في مقابلة الشمس و مهما انكسرت انقطع الضوء عن البيت فلو فرض ان بدنا لن يصيبه آفة ابدا بقي حيا ابدا و لكن الله سبحانه قدر الفناء لكل خلق مركب من جزئين شخصيين و قال كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و هو غير مركب من جزئين شخصيين بل من ركنيين فكل حي حيوته اشراقية يموت و يعود هو و حيوته عود ممازجة و كل حي حيوته ذاتية اي ذاته حيوة يبقي بابقاء الله سبحانه و مدده و وجه تقدير الفناء تخالف الكثرات و تواردها و تصادمها و تعارضها و منها الاسباب السماوية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 80 *»

وتوارد الحوادث و اختلاف العناصر فيفسد كون البدن و ينقطع عنه الروح القائم فوق البدن في الدهر فلو ركب البدن ثانيا مستعدا له اشرق عليه كما كان اول مرة لاينكر من نفسه شيئا كما في الرجعة كالجدار في الشمس اذا بنيته ثانيا علي الهيئة الاولي يظهر الضوء كما ظهر في الاولي بل البدن في كل آن من آنات كونه في التبديل و يتجدد جماديته و نباتيته و حيوانيته بواسطة تحلل الاجزاء و جريان البدل و لما كان المدد الثاني من نوع المدد الاول في الامداد العرضية و يتصور بصورته يتعلق به نفس الاول و هو هو في الاول و الاخر بل هم في لبس من خلق جديد. و لقد علمتم النشأة الاولي فلولا تذكرون الاتري انك لو صغت خاتما من فضة ظهر عليه نفس الخاتم و صورته و اذا كسرته و صغته ثانيا ظهر عليه الخاتم ثانيا و كذلك لو خلطت مثقال برادة ذهب بمن من طين و صنعته علي هيئة ابل ثم اذا كسرته و زدت عليه طينا او نقصت من طينه او بدلت طينه و صنعته علي هيئة ابل لكان قيمته كالاول بلا تفاوت فالنفس و ان كانت تستنبط من هذه الاعراض الا انها اذا صارت بالفعل سكنت دار الثبات و هي متعلقة بتلك الاعراض و اذا كسرت الاعراض ارتفع تعلقها و اذا صنعت بدنا ثانيا علي كم الاولي و كيفه بعينها كان متوجها الي تلك النفس بعينها سائلا اياها من الله فيضعها الله فيه.

و ان قلت لم‌لايستخرج من ذلك البدن نفس اخري كالاول؟ قلت اما النفس الشخصية الزمانية فلا شك ان الثانية غير الاولي كما ان شعلة السراج في كل آن غير ما في الان السابق و اما النفس النوعية الدهرية فان كان البدن كالاول لاتتوجه الا الي مركز البدن الاول و قطبه كبدن زيد في اوقات عمره فنفس الاخر هي نفس الاول نوعا دهريا و ان كان غير الاولي شخصا زمانيا و تعدد الاشخاص الزمانية لاتنافي وحدة النوع و الشخص الدهري في ظهوراته الزمانية كالنوع من الاشخاص و كما هو في كل آن كذلك فلاتناسخ و لا تعدد بل الثاني هو الاول و بذلك يتحقق لك معني رجعة المؤمنين في آخر الزمان و حيوة الاموات علي يد الحجج عليهم السلام و اعادة وقت الصلوة و مجيء الاوقات يوم القيامة و لو شاء نبي ان يعيد كل جماد و نبات

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 81 *»

و حيوان اعادها كذلك و انظر الي حمارك كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ثم ادعهن يأتينك سعيا و اعلم ان الله علي كل شيء قدير فتدبر.

قاعدة

اعلم ان الاعمال صور الثواب و العقاب و هيئاتها هيئاتهما فكل احد يأتي يوم القيامة بصورة علمه و عمله سواء تمحض عمله عليه و غلب ام لا فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره و ذلك بمن يعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه و ييسر لكل احد ما يقتضيه ما هو عليه كما قال تعالي و اما من اعطي و اتقي و صدق بالحسني فسنيسره لليسري و اما من بخل و استغني و كذب بالحسني فسنيسره للعسري فيصل كل من الفريقين الي مقتضي ميله و شهوته بتيسير الله سبحانه بمن جعلهم الله اعضادا لخلقه و ذوادا عن حوضه قال تعالي قل كل يعمل علي شاكلته فربكم اعلم بمن هو اهدي سبيلا و علمه السابق بكل شيء اولي بحقيقة التصديق فهم سلام الله عليهم القادة يقودون كل احد الي غاية مسعاه و هم الناشرون الحاشرون و يحشرون كل احد مع مشاكله كما قال تعالي احشروا الذين ظلموا و ازواجهم فيحشرون كل احد مع مشاكله في طبعه او تطبعه و في عمله و علمه حتي انه لو احب رجل حجرا حشره الله معه و قولي كل احد يأتي بصورة عمله فالعمل يغير الصورة اذا صدرت من الذات لا من الاعراض الخارجة و الذات اذا كانت مبدأ عمل يتكرر عنه ذلك العمل لان الذات فعلية و اذا كانت مبدأ عمل يدوم ذلك العمل و ان منع مانع عن ظهوره لايمنع مانع عن نيته و لاجل ذلك يخلدون بنياتهم فما قيل ان تكرر الافاعيل يوجب الملكات هو من باب النظر من الاسفل الي الاعلي و لو عكسوا النظر لرأوا ان الملكات النفسانية هي سبب تكرر الافاعيل و صدورها من الشخص من غير قصد اللهم الا ان يراد منها الملكات التطبعية التي هي الطبيعة الثانية فان القاسر لو قسر شيئا علي عمل كرات عديدة استأنس المقسور بذلك شيئا بعد شيء حتي يسكن عنده فيقر ثم يستقر ثم يطمئن ثم يميل ثم يتطبع حتي يشتاق الي ذلك العمل و يصدر منه عن

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 82 *»

غير حاجة الي قصد جديد ولكن ذلك خارج عن ذاته و لابد و ان يزول في مواضع التفتين فان العارضي زائل و الذاتي مستقر و لايدوم العارضي في القيامة و لايفيد العرض طبعا بل تطبعا بالجملة الانسان يوم القيامة مصور بصورة عمله الذاتي فمنهم من يأتي علي صورة الانسان و منهم من يأتي علي صورة‌الحيوان و المراد بالانسان الانسان الظاهري و الا فالناطقة القدسية لاتتصور بصورة الحيوان ابدا اذ المراد بالنفس الناطقة هو نور يشرق من النفس الكلية الالهية علي نفس الشخص الكونية كما ان المراد بالامارة هي ظلمة تظل من الجهل الكلي و النفس الكلية الشيطانية علي نفس الشخص الكونية و الا فالنفس الكونية من حيث هي لا سعادة فيها و لا شقاوة  و القدسية و الامارة نفسان شرعيتان فالناطقة القدسية ابدا لاتتصور بصورة الحيوان ولكنها تنزع اذا نزعت و تفارق الشخص و تلحق بالكرسي ثم العرش و تبقي الامارة و النفس الشيطانية و لها تقلبات في الصور الشيطانية و الحيوانية اذ هي كلية في الانسان لا فصل لها لجامعيتها و شدة اختيارها و شدة اعتدالها و صفائها بالنسبة الي ساير الشياطين كما ان حيوانيته لا فصل لها و كذا نباتيته و جماديته بخلاف ساير الحيوانات مثلا فان للاسد مثلا فصلا لايتجاوزه و لايقدر علي التصور بصورة غيره لانهماكه في طبعه الخاص و تعينه الطبيعي و اما حيوانية الانسان فانها قريب المفارقة عن الطبائع ليست بمقيدة بطبع خاص فهي كالمطلقة فلاجل ذلك تصلح لان تتصور بجميع صور الحيوانات و كذلك نفسه الامارة فهي كالمطلقة عن جميع صور الشياطين و الحيوانات فلاجل ذلك تصلح للتصور بصور جميعها نعوذبالله كما ان نفسه الناطقة مطلقة عن صور الملائكة جميعا و تقدر ان تتصور بصور ملائكة القيام و القعود و الركوع و السجود و هكذا الا انهم من جهة غلبة جهة الوحدة عليهم كثيروا التناسب و التشاكل فالنفس الكونية نفس صالحة و اليها يأول قوله تعالي كان الناس امة واحدة و فطرة الله التي فطر الناس عليها ثم يختلف الدعاة الي الحق و الباطل عليها فاما ان تقبل الي دعاة الحق و تستنير فالنور الحاصل له مادة صادرة من المبدء و صورة من قبول تلك الكونية و لهذا النور

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 83 *»

آثار و اعمال من الحسنات ثم تلك الحسنات صور الثواب للمؤمن فان الثواب هو شعاع المبدء و نوره له مادة و صورة نوعية فاذا اقبل المؤمن عليه استشرق و تصور ذلك الثواب النوعي بصورة شخصية خاصة به علي حسب عمله فالاعمال صور الثواب الشخصية الا ان ذات ذلك الثواب و حقيقته تحصل لذاته في ذاته و ظل تلك الحقيقة و الذات يحصل له في مقام ملكه و جنته و دوره و قصوره كما يأتي.

و اما ما قلنا من ان الملكات النفسية هي سبب تكرر الافاعيل فيحتاج الي زيادة شرح و هي ان النفس و ان كانت دهرا مقدمة علي البدن ولكنها زمانا مؤخرة عن البدن علي معني ان نطفة زيد لا نفس لها دهرية ابدا و لو سقطت لم‌تحشر اذ لا نفس لها و لا حقيقة و انما بدؤها من الزمان و عودها اليه و امااذا تولد حصل له نفس دهرية في الدهر فبعد ما تولد و حصل له نفس دهرية كان نفسه مقدمة عليه باربعة آلاف عام قائمة فوقه ابدا لايمر عليها من الوقت ما يمر علي بدنها و تلك النفس هي جهة رب البدن و البدن جهة نفسها فالبدن هو القابلية السائلة و النفس هي المقبولة المسؤلة فالله سبحانه وان اذن للبدن بالسؤال بالنفس الا انه بعد ما سأل استجاب له بالنفس ما سأل فصورة النفس علي حسب صورة البدن و سؤاله و كذا يتعين افاعيل النفس في البدن الاتري انها تبصر بالعين و تسمع بالاذن و تنطق باللسان و هكذا و كذلك تغضب بالدم و تحلم بالبلغم و تتكبر بالصفراء و تتذلل بالسوداء و هكذا تتخيل بالمتخيلة و تتفكر بالمتفكرة و هكذا و الغرض ان النفس لتوحدها و تفردها و تخلصها عن التعينات البدنية و المثالية تتصور افعالها بالصور الخاصة في البدن فصورها تابعة للبدن ظهورا و ان كانت مبدأ صورة البدن نزولا فافهم ذلك ان كنت تفهم.

قاعدة

في النفختين و معرفتهما علي الحقيقة ايضا من المشكلات. اعلم ان الاشياء منذ وصلت الي غاية البعد اخذت في الصعود و لاتصعد الاشياء الا بجذب المبدء بالبداهة كما انه لاتصعد الاجزاء الارضية الي السماء الا بقوة جذب الافلاك الصادرة من اشعتها التي هي منها و اليها فاذا اختلطت بالاجزاء الارضية لطفتها و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 84 *»

قوت ما في كمونها من الفلكية المائلة الي حيزها فبذلك تصعد الواصل الي غاية البعد فلا صعود للهابط طبعا الا بقوة جذب جاذب خارجي فاذا تعلق الجذب بالروح المناسب للريح عبر عنه بالنفس المنجذب الي الجوف حيث يدخل الهواء و ما فيه الي جوفك و عبر عن الالة الجاذبة للريح بالصور و فسر بقرن من النور و من البين ان النفس ينجذب الي الجوف الي القلب فلما كان الارواح مبدؤها الروح الكلية الساكنة في القلب الكلي و هو الجاذب حقيقة و الريح ينجذب الي القلب فالقلب هو آلة الجذب و هو صنوبري فعبر عنه بالقرن و لما كان مادته من النور قيل هو قرن من نور و رأس منه ادق و رأس منه اغلظ فالقلب الكلي هو الصور و مظهره العرش و قلب المؤمن عرش الرحمان و العرش الصنوبري محدبه ارق و الطف و مقعره اغلظ و اكثف و حقيقة مقعر العرش ما في الافلاك و الارض من عرشية غليظة كامنة فلجانب اغلظه طرفان طرف الي السماوات و طرف الي الارض و هما اذنان للقلب يستمع باحديهما من الملكوت و باحديهما من الملك او هما ثقبتان له يخرج من احديهما صوت الجذب و الدفع لاهل السماء و من احديهما لاهل الارض بالجملة كما بدئت الارواح نزولا من العقل الكلي الذي هو باطن القلب تعود صعودا اليه و الثقبة التي للصور الي اهل الارض هي ثقبة كلية لها ثقب جزئية بعدد الارواح الجزئية الارضية و كذلك الثقبة التي الي اهل السماء فاذا جذب الحي الكلي الذي هو مبدء الارواح نفسه الي فوق ينجذب كل روح الي ثقبته و كما بدأ اولا في النزول بالسماء و ختم بالارض يبدء صعودا بالارض و يختم بالسماء و يبدأ في النفخة الاخري التي هي كالبدء باهل السماء و يختم باهل الارض و في كل ثقبة ستة مخازن فاذا جذب الجاذب نفسه الي فوق خرج الحيوة من بدن المثال و هي اشراق المادة‌ فمات المثال و تفرق اجزاؤه و بقيت في حيزها و هو المخزن الاول ثم خرج الحيوة من بدن المادة و هي اشراق الطبع فتفرق اجزاؤها و بقيت في حيزها و هي المخزن الثاني ثم خرج الحيوة من بدن الطبع وهي من اشراق النفس فتفرق اجزاء الطبع و بقيت اجزاؤه في حيزها و هي المخزن الثالث ثم خرج الحيوة من النفس علي ما مر و بقيت في المخزن الثالث ثم خرج الحيوة من النفس علي ما مر و بقيت في المخزن الرابع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 85 *»

ثم خرج الحيوة من الروح الملكوتية علي ما مر و بقيت في المخزن الخامس ثم خرجت الحيوة من العقل الجبروتي و بقيت في المخزن السادس و لاتمازج شيء من الاجزاء المذكورة غيرها بل تجاور و سبب مفارقة الحيوة وجود الاعراض و التنافر في الاجزاء فاذا زالت الاعراض و عاد كل شيء الي اصله خلصت الاجزاء و تشاكلت التأمت علي ما سيأتي و درك هذا التفصيل مشكل جدا و لم‌يسطر في كتاب و لم‌يجر في خطاب و بيانه ان الاجزاء الاصلية من هذه المراتب هي الاجزاء الركنية من حقيقة زيد و هي ما بها زيد زيد لا غيره و هي اجزاء الخلق الاول لزيد و تلك الحقيقة لما تبلغ حد الامضاء و الفعلية و انما هي بالقوة في الطبايع الدنياوية و البرزخية كما ان الحديد مثلا كامن في العناصر و مادام العناصر غير مؤلفة علي الصفة الحديدية ليس الحديد في حد الفعلية فاذا صفيت العناصر عن الاعراض المانعة عن ظهور الحديد و تألفت علي ميزان الحديد ظهر عليها الحديد و صار بالفعل و وجد عليها في الدهر الحديد فافهم المثل و كذلك مادام الانسان في الدنيا ليس له نفس مفارقة خالصة بالفعل بل الموجود عليه في الدهر نفس مشوبة البتة و لذلك يكون نفس المستضعف مستضعفة و نفس الماحض ماحضة و هكذا فالانسان المشوب في الدنيا نفسه مشوبة البتة و كذلك جميع ارواحه من فؤاده الي مثاله فاذا مات في الدنيا و عادت الاعراض الدنياوية الي اصولها تخلص المثال عنها و له اعراضه و ليس نفسه بالفعل واذا مات في البرزخ مثلا عادت اعراضه الي اصولها و ليس نفسه بالفعل و اذا مات في البرزخ مثلا عادت اعراضه الي اصولها فثم صارت النفس مجردة و بالفعل و علي هذه فقس ما سواها فما لم‌يمت كل رتبة دنيا لم‌يتخلص الرتبة العليا عن شوائب اعراضه البتة فحين نزل الفؤاد الي العقل حصل له اعراض عقلية و حين نزل العقل الي الروح حصل له اعراض روحية و هكذا الي ان نزل المثال الي الجسم حصل له اعراض جسمية فمادام الانسان في الحيوة الدنيا ثابت له الاعراض و ما لم‌يمت فيها لم‌تزل تلك الاعراض عن العليا كما شاهدت ان فهمت و اصل وجود الاعراض هو سبب عدم تألف الاجزاء الركنية ما تتخللها و موت كل دان و جذب العالي الداني و نداؤه اقبل هو لازالة الاعراض حتي يتألف الاجزاء الركنية تألف خلود فكل نفس ذات

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 86 *»

اعراض ذائقة الموت و كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذوالجلال و الاكرام و بهذا الاقبال يتحقق العود الي ما بدئ منه فاذا مات كل رتبة دنيا تخلص العليا عن اعراضها و صارت بالفعل فاذا تخلص جميع الاجزاء الركنية لحقيقة الشيء انجذب بعضها الي بعض لسر التشاكل فتألفت تركيب خلود كما هو مشهود في الفلسفة فاذا تألفت تألف خلود لغاية المشاكلة صار حكم البعض حكم الكل و اثر كل جزء ككل جزء و حدث من كل جزء ما يحدث من كل جزء فادرك العقل ما يدرك الجسم و بالعكس و فعل ما يفعله و بالعكس فهو حينئذ واحد حقيقي لاحقي و هو هو خلق واحد ليس معه غيره فيثاب بثوابه و يعاقب بعقابه و صفة التألف نزولا ان يتعلق الفؤاد بعد صيرورته بالفعل بالعقل فيحييه و لغاية المشاكلة حينئذ لايلحقه عرض ثم ينزل الي الروح فيحييه و هكذا الي ان ينزل الي الجسد فيحييه و اما صعودا فاذا تصفي اجزاء الجسد انجذب بعضه الي بعض فتألف فسأل بلسان تألفه مثالا صافيا فاعطيه و سأل المثال مادة صافية فاعطيها و هكذا الي ان سأل العقل الصافي فؤادا صافيا فاعطيه كما سأل المراتب في الدنيا حين تألف البدن علي هيئة البدن و يعبر عن كيفية التأْلف انه يمطر من بحر الوجود المطلق و الفؤاد المسمي بالصاد الذي هو تحت عرش المشية مطر اربعين يوما و هو المادة النازلة من المبدأ و جهة الانسان الي ربه فيقع علي الارض حتي يصير وجه الارض بحرا واحدا لاتحاد الكل في المادة فيغوص ذلك الماء في قبور الطبايع و لحق الاجزاء الاصلية لكل جسد و تعينها هي جهتها الي نفسها فاذا اقترن الجهتان ارتبطت الاجزاء فتألفت كما ان الاجزاء العنصرية في الدنيا ترتبط بواسطة ماء المادة التي هي مبدء الاتحاد فاذا تألف البدن فما دام في القبر يتألف نباتيته و ينبت لحمه و عظمه و الله انبتكم من الارض نباتا ثم يحيي بالحيوة الحيوانية في الارض فيخرج من الارض فيتعلق به المثال ثم المادة ثم الطبع ثم النفس ثم الروح ثم العقل ثم الفؤاد و هو النشور ثم يحشرون الي مقام العرض الاكبر.

بقي حكم ما بين النفختين، اعلم ان مبدأ كل رتبة امكان ما فيها و طبيعته ثم يؤخذ منها حصة و تسمي بالمادة و تصور بالصورة و هي المثال و المركب منهما

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 87 *»

هو الشخص الكائن الموجود المميز فالاشخاص في الدنيا اذا كسروا محيت صورها الصناعية و ردت موادها الي العناصر و هي الطبايع و هذا حال كل كسر و ذوب في كل رتبة الا ان ما يرد الي طبايع الدنيا من اعراضها يعود عود ممازجة و كذلك ما يعود الي طبايع البرزخ من اعراضه و اما الاجزاء الاصلية فلاتعود في الدنيا الي طبايعها و لا في البرزخ الي طبايعها عود ممازجة اذ هي دهرية و فوقهما لايعقل ممازجته معهما نعم تتفكك لتخلل الاعراض بينها و الفرق بين التفككين ان الدنياوية تتفكك في آن بعد آن التركيب في عرضه و البرزخية قريب من ذلك و اما الدهرية فتفككها في درجة فوق درجة و في الانات الرتبية فتفكك في الدرجة الدنيا لوجود الاعراض و تتألف في الدرجة العليا لتصفيها عن الاعراض و كلما يصعد صاعدا يشتد تألفه و خلوده و يتخلف في كل رتبة اعراضه التي هي سبب ضعف الخلود و التألف فالتفكك الدهري نسبي بالنسبة الي الدرجة العليا و ان كان تألفا بالنسبة الي ادني منه ففي الدهر في الحقيقة لا موت الا بمعني الصعود عن الدنيا الي العليا بقي شيء و هو ان حقيقة محمد و آل محمد عليهم السلام كما شرحناه في ساير كتبنا ملحقة بعالم الامر و ان بدء عالم الخلق هو عقلهم و هو باطن الصور و مبدأه و النفخ هو جذبه الارواح و دفعه فحقيقتهم فوق الصور و النفخ و النافخ فلايجري عليهم الصعق كما قال الله تعالي فصعق من في السماوات و الارض الا من شاء الله فهم المستثنون و نفخة الصعق من آياتهم و صعق الكل باعراضهم نعم يجري علي ظواهرهم التي بها ظهروا للمراتب الدانية فافهم فقد شرحنا جميع اطراف المسئلة و الحمدلله.

قاعدة

في القيامتين الصغري و الكبري اما الصغري فلها ظاهر و تأويل اما الظاهر فمن مات بالموت الطبيعي قامت قيامته فانه عالم صغير انقضي اجله الدنياوي و خرج روحه من بدنه و شاهد ما

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 88 *»

له و ما عليه و هو قوله تعالي و جاءت سكرة الموت بالحق اي اتت بما ثبت علي نفسه من صورة علمه و عمله حتي شاهدها عليها و انما ذلك في الماحضين و اما المستضعفون فلم‌يتحقق لهم حق اي امر ثابت و لم‌يتصور نفوسهم بصورة ثابتة لهم فهم موقوفون و اما التأويل فمن امات نفسه علي ما امره الله فلم‌يبق لها و لقواها و مشاعرها و طبايعها و شهواتها و عاداتها اقتضاء بتركه العمل بمقتضياتها و فارق روح ايمانه مقتضياتها و خرج عن تحت سلطانها و رجع الي ربه بالتوبة و مار سموات مشاعره و سير جبال ارض انيته و طبيعته و شهوته و صارت قاعا صفصفا لاتري فيها عوجا و لا امتا من تعيناته المبدلة المغيرة و بدلت ارضه بارض لم‌يعص عليها بارزة و سمواته فقد قامت قيامته و شاهد ما له مشاهدة كشفية وجدانية الي ان يموت بالموت الطبيعي فيشاهد مشاهدة وجودية و قد تطلق و يراد منها الرجعة خاصة و هي يوم نحشر من كل امة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون. او يراد منها ايام ظهور دولتهم لقيام بعض الاموات عند ظهور القائم بين جمادي و رجب و هو اولي استعمالاتها.

و اما الكبري فهي عود الارواح الي الابدان بعد اجتماعها بعد تفرقها و لها ميعاد لايطلع عليه علي وجه التوقيت الحتمي الا الله عزوجل فانها مما لم‌يقع و تحتمل البداء و انما علمها عند ربي لايجليها لوقتها الا هو ثقلت في السموات و الارض لا تأتيكم الا بغتة و ان الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي و سر ذلك ان جميع ما سوي الله جل و عز من عرصة الامكان و ما لم‌يمض في عرصة الاكوان يكون تحت المشية و الارادة و القدر و القضاء و يحتمل المحو و عدم الامضاء و القيامة لما تقع وجودا عند الخلق فتحتمل المحو عندهم و ان قلت فما معني علمهم بما كان و ما يكون علم مشاهدة لا علم اخبار؟ قلت اما علمهم بما كان فهو علمهم بما امضي و لا شك في ذلك و اما علمهم بما يكون فمنه ما وصل اليهم ولكن ما برز عنهم لعدم استعداد القوابل و متي ما حصل الاستعداد يظهر منهم اولا يحصل و لايظهر فهم يعلمونه بوجهه عندهم و اما في عالم الزمان فقبل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 89 *»

وجوده فلا و منه ما لم‌يصل اليهم كونا اي لم يفض اليهم وجهه فهو علم امكاني لا كوني اذ لما يمكن ما سيكون بعد في عرصة الكون عند الخلق نعم متي ما اراد الله ايجاده بدأ بهم فاوقفهم علي وجهه و اوجده في اي مقام من مقامات الوجود شاء بهم و اما ما سيكون فهو كائن عند الله جل و عز في علمه الازلي و ان قلت فما معني كون ما سيكون موجودا في حده؟ قلت ما سيكون فهو موجود في العلم الازلي الذي لايتغير و لايتبدل بتفصيله بلاشك و اما في السرمد فموجود علي نحو الامكان الراجح و اما في الوجود المقيد فموجود علي نحو الامكان الجايز و اما في الجبروت فموجود علي نحو الكلية الجبروتية و عدم التعين الجزئي و اما في النفوس فموجود علي نحو الكلية الدهرية و بالوجوه الدهرية و اما في الاظلة فهي موجودة نزولا قبل التعين الجسماني علي نحو الابهام و صعودا علي نحو التعين فهو بعد الامضاء الجسماني فكل ما امضي في عرصة الاجسام تشخص مثاله في عرصة الاظلة فوقه لاغير و القيامة امر صعودي لا نزولي و لما يصعد الاشياء اليها و اما في النزول فيقابلها عالم الذر و هو لا تعين له ما لم‌يتعين في الاجسام فاذا تعين في الاجسام تعين في عالم الذر فوقها بالف سنة علي ان المقبول تعينه من جانب القابل و ان كان المقبول مبدأ تعين القابل كما شرحناه في هذه الرسالة و لهذا جاءت الرسل في عالم الاجسام و دعت الدعاة و ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل فما في الاعلي علة ما في الاسفل نزولا و تابع لما في الاسفل صعودا فافهم ان كنت تفهم فانه دقيق جدا فهم سلام الله عليهم في كل رتبة يعلمون ما في تلك الرتبة بمشعر يناسب تلك الرتبة و المشعر الاعلي لايدرك ما في الادني الا بالادني و ما يدركه بمشعر ذاته احدي بالنسبة الي كثرات الادني فلايعلمون ما سيكون علي سبيل البت و التحديد الشخصي الامضائي الا بعد وقوعه و هو قول علي7 لميثم التمار لولا آية في كتاب الله و هو قوله يمحو الله ما يشاء و يثبت لاخبرتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيامة نعم يمكن علمهم بما لم‌يكن علم اخبار خاص و قد عرفت ان علم القيامة عند ربي لايجليها لوقتها الا هو و قال تعالي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 90 *»

فيم انت من ذكريها انما انت منذر من يخشيها و انه لعلم للساعة اذ هو الساعة و اعلم ان آية معرفة القيامة ما اخبر الله به في كتابه حيث قال و لقد علمتم النشأة الاولي فلولا تذكرون و قال يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة و نقر في الارحام ما نشاء الي اجل مسمي ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم و منكم من يتوفي و منكم من يرد الي ارذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا و تري الارض هامدة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت و ربت و انبتت من كل زوج بهيج ذلك بان الله هو الحق و انه يحيي الموتي و انه علي كل شيء قدير و ان الساعة آتية لاريب فيها و ان الله يبعث من في القبور. و الاشارة الي طريق الاستدلال ان النطفة و العلقة و المضغة و العظام و اللحم في بطن الام موات و الروح الحيواني فيها بالقوة ثم ينشيها الله خلقا آخر فيسل منها الروح الحيواني و يمضيه و يجعله بالفعل و هو آية خروج الروح من البدن عند الموت فان الروح المثالي يخرج من البدن اي يرفع تعلقه من البدن و يستقل بالفعل و يمضي في البرزخ مجردا عن اعراض الدنيا الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا فالمخلقة آية البرزخ و اخراج الطفل و سل النفس الناطقة من الحيوانية بعد ان كانت فيها بالقوة و امضاؤها انسانا آية سل الناطقة يوم القيامة عن الروح المثالي البرزخي فتولد الروح الحيواني من البدن و تولد الناطقة من ذلك الروح آية انسلال المثال عن البدن الدنياوي و انسلال الناطقة عن الروح الحيواني. و اما كيفية الاحياء اي كيفية تركيب البدن ثانيا يوم القيامة فآيتها ما ذكرها الله عزوجل و تري الارض هامدة اي يابسة و هي آية ارض القبور و انزال الماء هو آية مطر المطر من بحر صاد و اهتزاز الارض تحرك اجزاء الابدان و رباها بحدوث النامية فيها كما خلقها اول مرة و في مطر الصاد الذي هو نطفة الرجل قوة عاقدة و فاعلة و في تلك الاجزاء التي هي صفايا الارض و هي نطفة المرأة قوة الانعقاد و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 91 *»

الانفعال و الانبات آية نماء البدن و تولده بعد ان كان متفرقا في ساير التراب الذي هو آية الرحم ذلك بان الله هو الحق الخ. بالجملة باب معرفة القيامة و حالاتها و آيتها معرفة النفس فمن لم‌يعرفها كان عن معرفتها بواد سحيق و لدركها غير حقيق و من شاهد حشر جميع القوي الانسانية مع اختلافها في الظاهر و الباطن الي حضرة النفس و وقوفها في مواقفها عند النفس في رتبة افعالها و عدم اتحادها معها ابدا عرف ان الخلق لايعود الي الخالق و لايتحد به مع ما فيه من بطلان الثواب و العقاب و انقطاع الجنة و النار بل يعود الي امره و فعله و لايتجاوز حده و مقامه ابدا و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و في الدعاء كل شيء سواك راجع الي امرك و امورهم آيلة الي حكمك الدعاء. و كون النفس باصرة سامعة ذائقة شامة لامسة بذاتها بكلها لايدل علي عود القوي اليه بل هي في محالها ثابتة و في النفس مباديها متحدة فانها تبصر بالذي تسمع و تسمع بالذي تبصر و كذلك الله ربنا و فوق ما نقول و لايدرك صفاته الذاتية كما لاتدرك ذاته و لا كثرة فيها كما لا كثرة لذاته.

اعدة

في ارض المحشر و هي هذه الارض مادة دهرية و انما تبدل صورتها كما قال الله تعالي يوم تبدل الارض غير الارض و السموات كما ان العالم الصغير يعود ارض جسده بمادته الدهرية و انما تبدل صورته الدنياوية الي صورة علمه و عمله ما تري في خلق الرحمان من تفاوت و درك المادة الدهرية عسير و باب دركه ان تفرق بين المادة الدنياوية و الدهرية فالمادة الدنياوية هي اهبية اجتمعت علي صورة تأليفية شخصية دنياوية كحصيات مثلا نضدتها علي الارض علي هيئة جمل ثم جمعتها و نضدتها علي صورة جمل آخر فتلك الحصيات هي مادة صورتها علي اي صورة شئت قال تعالي في اي صورة ما شاء ركبك و اما المادة الدهرية فهي المادة الحجرية التي في تلك الحصيات و هي مادة‌

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 92 *»

نوعية لها صورة حجرية نوعية و هما موجودتان في جميع الحصيات مادة لها و يصدق علي كل حصاة انها حجر فانت لو اخذت الحصة الحجرية التي في الجمل و صورتها بصورة جمل آخر او غيره يصدق عليه انه هو هو و هو غيره كما مثل الصادق7 باللبنة ومثال آخر لو خلطت مثقالا من برادة الذهب باتربة و صورتها علي صورة جمل ثم غسلت عنها الاتربة و صغتها علي صورة الجمل فهو هو و هو غيره و كذلك لو عقدت اللبن و جعلته علي هيئة ثم اخرجت منه الزبد فجعلته علي تلك الهيئة هو هو و هو غيره فتبصر.

و كذلك هذه الارض مؤلفة من اجزاء هبائية هي المادة الدنياوية لها قد تألفت علي هذه الهيئة و لتلك الاهبية مادة نوعية لو اخذت و صيغت صيغة اخري هي هي و هي غيرها و تلك المادة هي التراب المطلق الدهري الذي ظهرت بالاهبية الارضية من لدن اول الزمان الي آخره و في جميع اوضاع تلك الاهبية و انضادها و هي في الاهبية كالمداد في الحروف و الاهبية في الارض كالحروف في الكلمة فتلك المادة الدهرية التي هي التراب المطلق هي المعادة و هي التي كانت في الدنيا علي هذه الهيئة فتكسر و تصاغ يوم القيامة علي صورة تناسبها كما ان لبدن زيد مادة دنياوية و هي الاهبية الدنياوية و مادة دهرية هي السارية في تلك الاهبية و هي السارية فيها في جميع حالات الاهبية و هي التي تكسر صورتها الدنياوية ثم تصاغ علي صورة تناسب الاخرة و هي الصورة العملية و العلمية وكذلك تصاغ الارض علي صورة فضة بيضاء نقية لانها ارض حيوة و علي صورة الخبز يأكل منها اهل المحشر حتي يفرغوا من الحساب و ذلك ان اجساد اهل المحشر من صفايا ارضه و نباتيته و تحتاج الي المدد من جنسها و هي الارض ولكن هنا دقيقة و هي ان ابدان الاناسي فيها اعراض من نبات الدنيا و عناصرها و من حيوان الدنيا و افلاكها و هما ليسا من الانسان و لا الي الانسان و ليس مادته الدهرية سارية فيهما سريان المطلق و انما المراد الانسان الذاتي لا العرضي و الانسان هو الناطق المدرك الذي قواه الحلم و العلم و الذكر و الفكر و النباهة و خاصته النزاهة و الحكمة و هي التي عودها عود مجاورة لا ممازجة كما قال علي7 فالانسان في هذا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 93 *»

البدن الحيواني و النباتي هو بدن علي حسب تلك القوي و المشاعر ليس مواده من العناصر و الافلاك العرضية لا من غلايظها و لا من لطايفها و انما تلبست مادته بهذه الاعراض حين نزلت من شجرة المزن و نزلت الي هذه الدنيا و وقعت علي اشجارها و اكلها الوالدان حتي تحولت نطفة فعلقة فمضغة فعظاما فلحما ثم روحا حيوانيا ثم خرجت روحا حيوانية فلكية ثم خرج من ذلك الروح الانسان العليم الحليم الذكور الفكور النبيه و مادته من ارض العلم فتلك المادة تصورت في الدنيا بعد مخالطة الاعراض بهذه الصورة فاذا زالت الاعراض و كسرت و تخلصت ظهرت بصورة علمه و عمله الاخروية فافهم ذلك و اعرف المذهب الحق الذي لايمكن ان‌يعترض عليه و تلك المادة هي التي في القبور و هي المادة الدهرية للعظم الرميم و اللحم و الدم الا انه اختلطت بها اعراض و تصورت بهذه الصورة المرئية فاذا كسرت و زال عنها الاعراض و الصورة الدنياوية عادت بصورة علم زيد و عمله و هي اما موافقة للفطرة الالهية التي فطر الناس عليها و علي طبق عليين و المشية المحبوبة و اما مخالفة لها و علي طبق سجين و المشية الخذلانية و كذلك ارض الاخرة فانها فوق الارض العنصرية الدنياوية و الطبيعية الفلكية الدنياوية بل هي الطف من محدب العرش و هي حقيقة هذه الارض و اجزاؤها الاصلية الدهرية و هي التي تمد مد الاديم العكاظي و تبسط و تسع جميع الخلايق و لكن ليس بسطها و مدها بسطا و مدا مقداريا دنياويا ليس المراد بسعتها الخلائق و هم وقوف بعضهم في جنب بعض بل المراد انها تصفي عن الاعراض كما تصفي الارض الجديدة و تفرغ عن القوم الجبارين ثم تتحمل كل ما سقي من الماء الالهي ولو الي ما لا نهاية له فكذلك اذا صفيت الارض عن الاعراض الدنياوية و عادت صافية دهرية كالنوعية وقفت في حد الجسم المطلق الذي يسع الماء الالهي النفساني و لو سقي الي ما لا نهاية له فيقف زيد في ارض المحشر و يقف عمرو فيه و في موقفه و بكر فيهما في الموقف و خالد فيهم في الموقف و هكذا و زيد زيد و عمرو عمرو و بكر بكر كما اذا اشعلت سراجا في بيت فمليء بنوره ثم اشعلت سراجا آخر فمليء ايضا بنوره و هكذا و لو اتيت بالف الف سراج في بيت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 94 *»

يمتليء البيت من نور كل واحد بلا مزاحمة و يخص كل نور بمنيره و لو ذهبت بسراج ذهب نوره الخاص به معه و لو حركت سراجا و سكنت الباقي تحرك نوره الخاص به و انوار البواقي ساكنة و كذلك اهل المحشر يقفون علي ارض المحشر و سعيدهم في راحة و ظل و شقيهم في تعب و ضحي و المحشورين في المحشر كوجوه اعمالك و اقوالك في نفسك ففي نفسك وجوه لاكلك و شربك و قيامك و قعودك و جميع ما تفعله الي ما لا نهاية له بلا مزاحمة و تضايق من نفسك ثم تنزل تلك الوجوه الي خيالك ثم الي حسك ثم الي قلبك ثم الي اعضائك فالاكل الدنياوي آية بدنك الدنياوي و الاكل الخيالي آية بدنك البرزخي و وجهه في نفسك آية بدنك الاخروي و نسبته الي نفسك نسبة بدنك الي ارض المحشر و يختلف سعة النفس و ضيقها بحسب هبوطها و ميلها الي المبدء و المنتهي فان كانت صاعدة فهي في فسحة عليين و الا ففي مضيق سجين.

و اعلم انه كما يتحد بدن الانسان في الاخرة مع مراتبه العالية في المنظر و يصدر من كل واحدة اثر كل واحدة كذلك يتحد ارض الاخرة مع سماواتها و كرسيها و عرشها فهي ككرات متداخلة حادة‌ متحدة في المنظر و يصدر من كل واحدة اثر كل واحدة فالكل امر واحد دهري و هو حقيقة هذا العالم و الابدان و النفوس الجزئية وجوه في تلك الحقيقة و انوار بعضها في بعض بلامزاحمة كانوار السرج المذكورة فهي بارزة يوم القيمة و تبلي السراير و ينكشف الكل للكل نعوذبالله و هو يوم الخزي و الافتضاح الا من ستره الله بستره و يجتمع في المحشر جميع الخلايق من كل ذي روح نباتية عنصرية او حيوان فلكي طبيعي او ذي روح ظرفي كارواح الامكنة و الازمنة او عرضي كالمرض و اللون و الحركات و السكنات و المقادير و الهيئات و الاحوال و الاقوال و النبيون من ذوي الارواح الكروبية و الشهداء من ذوي الارواح النورانية و الصالحون من ذوي الارواح الجوهرية و قلنا روح عرضي لان الاعراض ايضا امم امثالكم فيها ذكر و انثي و سعيد و شقي و تناكح و توالد و هكذا بنسبة حالها حتي انه لو ظهر لك سرور زيد بصورته الاخروية لرأيته علي صورة زيد بحيث لايكاد يفرق بينه و بين زيد الا انه اذا تكلم زيد تكلم عن نفسه و اذا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 95 *»

تكلم سروره روي عنه و سر ذلك ان الاثر يشابه صفة مؤثره و وجه الاثر ايضا علي صفة المؤثر بطريق اولي فلو اتت الاعراض الاخرة اتت بوجوهها التي في نفس ذيها فكانت علي صفتها و دركه عسير و قد اوضحت و شرحت لو فهمت فافهم و يحضر فيها الكتب و هي صفايح البسة الاناسي اي ماهياتهم او صفاتهم فلكل احد كتاب و له صفايح فصفحة مكتوب فيها اعماله العقلية و صفحة مكتوب فيها اعماله الروحية و صفحة مكتوب فيها اعماله النفسية و كذا صفحة لاعماله المثالية و صفحة لاعماله الجسمية و الاعمال نقوش و رسوم و صور متممة قد كتبت علي ماهيته التي هي لباس وجوده في كل رتبة و هو مصور بتلك الصور و تلك الصور علي حسب المادة الدهرية الاخروية في اللطافة و الصفاء و الاتحاد و تلك الكتب هي طائرهم الملزم اعناقهم و هي غير الالواح الزمانية و البرزخية و مكتوباتها غير مكتوبات الالواح الاخروية و ان كانت حقايقها و قد بلغك انه اذا مات الانسان و لحد في قبره و شرج عليه اللبن اتاه رومان فتان القبور و يأمره حتي يكتب اعماله باصبع قدرته و ريق مداده علي كفن ماهيته و يذكره بتوجيه خياله الي اعماله في اوقاتها و امكنتها و احضارها عند خياله لان خياله تخلص عن الاوقات الدنياوية و موادها و مددها فقدر علي استحضار ما مضي و التوجه اليها علي معني يأتي ثم يطوق ذلك الكتاب في عنقه كما قال تعالي و كل انسان الزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا و يأتيه من امامه و يقع علي يمينه ان كان اعماله عليينية او من ورائه و يخرق ظهره و يخرج من صدره و يقع علي شماله ان كان اعماله سجينية ثم يقول كتاب الله الناطق كلمة واحدة من حيث صدورها منه فتقع في آذان الخلائق متكثرة علي تفصيل ما في كتبهم من الاعمال لان موادهم من نور النبي و صورهم من نور الولي من باطنه او ظاهره فاعمال الخلائق تفاصيل ولاية الولي ظاهرة او باطنة و هو قوله تعالي هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون اي كنا نستنسخ اعمالكم في كتبكم من الكتاب الذي عندنا نزولا او نستنسخ من كتبكم في كتابنا صعودا فافهم و هو تأويل قوله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 96 *»

تعالي قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و كذا تحضر الموازين المختلفة لكل شخص علي حسب جهات صفاته كما يأتي و كذا تحضر الصراط وا لفصل بالحق بين الخلق فينطبق الحق المستقيم علي كل من المستقيمين و المعوجين علي حسبهم يهديهم ربهم بايمانهم و بكفرهم لعناهم.

قاعدة

في الصراط و هو لغة الطريق و المراد منه هنا هو الطريق الي المبدء اي طريق كل احد الي مبدئه و باعتبار الظاهر و التأويل و الباطن و باطن الباطن يختلف ظاهرا معناه ففي الظاهر هو جسر ممدود علي جهنم ادق من الشعر و احد من السيف فيه عقبة كؤد طولها ثلثة آلاف عام الف عام هبوط و الف عام شوك و حسك و عقارب و حيات و الف عام صعود لايمر عليها بسهولة الا محمد و آل محمد: و هذا لا شك فيه الا ان جميع ما اخبر به عما بعد الموت من امور الاخرة انه كذا و كذا فالمراد حقيقة ذلك الشيء و علي صفته لا الصورة الدنياوية التي هي تابعة للمواد الدنياوية مثلا في الجنة شجر لاشك ان في الجنة شجرا لكن لا بكثافة شجر الدنيا و ما يلزم كثافته في الدنيا و لكن ما هنالك حقيقة‌ الشجر و الشجر الحقيقي و يقال علي صفة‌ الشجر و ليس المراد علي صفة شجر الدنيا و كذلك البواقي و منها الصراط و ليس المراد انه كالجسور الممدودة علي الانهار في الدنيا و ادق من شعر الدنيا و احد من سيفها فان المواد الكثيفة تقتضي صورا كثيفة و المواد اللطيفة تقتضي صورا لطيفة علي حسبها اذا الصور اطراف ماهية كل وجود و تختلف الماهيات بحسب مراتب الوجودات فالصراط يوم القيمة هو مسير النفس من منتهاها الي مبدئها و هو علي الطبيعة التي هي حفرة جهنم و هي علي صفة البعير في هيبتها و شدة‌ حقدها علي اعداء الله و ذلوليتها للولي و خشونتها و جميع الخلق يسيرون في تلك الطريق الي مبدئهم اما الي الجنة و اما الي النار و هم مختلفون في السرعة ‌و البطء و الاستقامة و الانحناء و ذلك المسير هو عملك و علمك و معرفتك و انت تسير في هذا المسير باقدام اعمالك و نظر علمك و معرفتك و هو ادق من الشعر اي يمور و يضطرب بالساير عليه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 97 *»

الا من ثبته الله او انه طريق الي الاحد جل شأنه فمن انحرف بقدر ذرة انحرف عن الصراط السوي و هوي في النار و الاخلاص لله الواحد الاحد جل شأنه ادق من الشعر و هو احد من السيف يشق اقدام المشاعر شقتين شقة الحق و الباطل و مع ذلك منهم من يمشي عليه كالبرق الخاطف آمنا لايعرضه خطرة في نيته و لا وسوسة ‌في علمه و معرفته و لا ميل في عمله بجذب شهوة او غضب او طبيعة او غير ذلك و منهم من يمشي كعدو الفرس و منهم من يمشي كالانسان و منهم من يمشي حبوا و منهم من يميل تارة و يستقيم اخري و منهم من يمشي متعلقا و يأخذه النار من الاسفل و منهم من يقع في الاواخر او في الاواسط او في الاوائل نعوذ بالله هذا ظاهر الصراط، و له تأويل و هو كون المراد به النفس من منتهي بعدها عن المبدء الي غاية‌ قربها بواسطة الاعمال الشرعية و العلوم الدينية و كيفية ذلك ان كل شيء امكاني امكان لكمالات هي فيه بالقوة و علي السواء لا تمايز بينها فيه و القوة حقيقة هي العدم الامكاني فتلك الكمالات فيه معدومة لا رجحان لاحدها علي الاخر و لايجوز ان يخرج واحد منها الي الفعلية بذات نفسه و لا بذات ذلك الامكان ابدا لتساوي نسبته و تساويها في ذاتها. فعلي ذلك لايجوز ان يخرج شيء من تلك الكمالات الا بمرجحات خارجية و اسباب بادية و بذلك يحتاج كل حادث الي محدث غيره فلايعقل الحركة الجوهرية علي ما قالوا اللهم الا ان يحرك ذلك الجوهر غيره محرك مكمل له و لابد في ذلك الغير من فضل كمال يطرحه علي ذلك الامكان و يكمله و يصوره علي صورة كماله و من الاشياء النفس فلاتتحرك من مقامها الا بمكمل خارجي فان صعدت تحتاج الي مصعد و ان نزلت تحتاج الي منزل فان كل حركة تحدث عليها و تبرز عنها تحتاج الي محرك ففي السعادة تحتاج الي سعيد كامل قوي يطرح نور سعادته عيلها و يأخذ بناصيتها و يقودها الي مبدئها و يخرج في كل آن من كمونها الي البروز حركة الي جهة المبدء و قبولها هو عملها و انقيادها و امتثالها و بذلك العمل و الامتثال تترقي الي جهة المبدء و تقبل الي ربها و ان كانت هي محدثة لعملها احداث انفعال فكلما تعمل عملا تزداد تقربا و كلما تزداد تقربا تزداد انفعالا و انقيادا و قوة علي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 98 *»

العمل فبالعمل تزداد صعودا و بالصعود تزداد عملا كما روي بالعقل استخرج غور الحكمة و بالحكمة استخرج غور العقل. فتبين ان حركة ‌النفس الي المبدء ليست من ذاتها و انما هي بقائدها و هاديها نزولا و بعملها و علمها صعودا يعني ان النفس تمشي في طريق مبدئها و سبيل ربها باقدام اعمالها و انظار علمها او تمشي في ظلماء تلك الطريق بنور العلم و قدم العمل و كذلك كلما تعمل تزداد علما و بصيرة و ينكشف لها ما لم‌يمكن منكشفا مع ان العلم روح العمل ولكن ليس كلما تزداد علما تزداد عملا و لاجل ذلك قد يتقرب العامل بغير علم و لايتقرب العالم بغير عمل كالشيطان العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل و العلم الحاصل من العمل انكشافي و العلم بغير عمل وصفي فالسلوك العملي روح شرعي للسلوك العلمي يعني ان العلم يسعد و يطيب و يحيي بالعمل و الا فهو شقي و خبيث و ميت و العمل هو العلة الغائية للعلم و هي مقدمة وجودا علي ذيها.

بالجملة النفوس صراطات الي مبدئها و ان كانت هي ايضا سائرة الا انها من حيث سائرة و من حيث درجات كمالاتها صراط و مسير تسير الي نحو مبدأها اما صاعدة و اما نازلة و هي ممدودة علي جهنم طبيعتها فانها حارة يابسة و منها من يمشي علي ذلك الصراط الي ان يقرع باب الجنة و منها من تقع في حفرة الطبيعة و تنهمك فيها و تهوي به الريح في مكان سحيق و لو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث.

و اما باطن الصراط فهو الولي7 فانه السبيل الاعظم و الصراط الاقوم الممدود بين الله و بين خلقه من اراد السلوك اليه فلابد و ان يسلك في درجات معرفته و كل ما يصل من الله الي الخلق فانما يأتي في ذلك الطريق و هم السبيل الي الله في جميع الجهات الخلقية اذ هم العلل الاربع لجميع ما سواهم و بهم ينزل مدد الخلق و الرزق و الحيوة و الموت الي جميع ما سواهم صلوات الله عليهم.

اما انهم العلة الفاعلية فانهم اوكار المشية و القي الله في هويتهم مثاله و اظهر عنهم افعاله فهم لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون.

و اما انهم العلة المادية و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 99 *»

الصورية فان الله خلق الخلق من انوارهم و علي هيئة صفاتهم الباطنة المحبوبة او صفات مخالفتهم الظاهرة المسخوطة و هم اولي بانوارهم منها او يقال هم العلة المادية من باب ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و ما في الديار سواه لابس مغفر.

و اما انهم العلة الغائية فانهم الغاية الباعثة للفاعل علي الفعل قال تعالي في القدسي: كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف و قال7: ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عزوجل و معرفة الله عزوجل معرفتي و اما نزول امداد جميع اطراف الخلق بهم فانهم الرحمانية المستوية علي عرش الوجود و روح العرش و حيث اسميته لله عزوجل نحن و الله الاسماء الحسني التي امر الله ان تدعوه بها فجميع اركان العرش متحركة بهم بكم سكنت السواكن و تحركت المتحركات. فهم طريق جميع ما سواهم الي الله في جميع جهات الكون و كذا الشرع فانهم الادلاء الي الله بصفاتهم و افعالهم و اقوالهم و احوالهم و هم الدالون علي الله بجميع انحاء الدلالة فالكل من جميع الجهات عارفون بالله بهم عابدون لله بهم سالكون الي الله تعالي بهم صلوات الله عليهم فهم السبيل الاعظم و الصراط الاقوم و الصراط المستقيم الي الله تعالي فهم سايرون في طريق معرفة الله بهم و في طريق التقرب اليه بالتقرب اليهم و كذلك من عرفهم و سلم لامرهم و اقتدي بهم فهو يمر علي الصراط الذي هو جسر جهنم و ان جسر جهنم تمثل ولايتهم و الايتمام بهم و الايمان بهم صلوات الله عليهم ولذا روي ان الصراط هو الطريق الي معرفة الله عزوجل و هما صراطان صراط في الدنيا و صراط في الاخرة اما الصراط في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا و اقتدي بهداه مر علي الصراط الذي هو جسر علي جهنم في الاخرة و من لم‌يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الاخرة فتردي في نار جهنم.

و اما باطن باطن الصراط فعلي سبيل الاشارة ان الذي طوي بوحدته القاصد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 100 *»

و القصد و المقصود و السالك و السلوك و المسلك و المسلوك اليه لا مسلك اليه و لا سلوك فلاسالك و انما يسلك السالك الي مسلوك اليه في مسلكه الممتد بين السالك و المسلوك اليه فالمسلوك اليه للكل هو الواحد و جميع الاعداد يسلكون في طريق ما بينهم و بين الواحد لا غير فهو المقصود و المقصد و الصراط صراطه و هو الاعداد الفاصلة و السالك يسلك فيه بقصد الواحد فيها و الاستمداد منه منها و لكل منا مقام معلوم و انا لنحن الصافون و من رام غير ذلك فقد سلك سبل الردي و تردي في جهنم و هوي. الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. و لاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله فافهم و تفهم ان كتب لك و الا فذره في سنبله حتي يأتي اوانه و علي اي معني اخذت ان النفس سائرة في صراطها الي مبدئها فاما ان تسير الي مبدء النور و الكمال و صراطها مستقيم و اما ان تسير الي مبدء الظلمة و النقص و صراطها معوج و ان ندبت الي الصراط المستقيم و اقدامها لا اعمالها فان عملت بمقتضي الشرع الباطن الذي هو العقل او العقل الظاهر الذي هو الشرع مشت مستقيما و صراطها مستقيم و الا فمعوج و الاشارة الي تفصيل ذلك ان في الانسان نفسا نباتية و لها قوي خمس و خاصيتان و نفسا حيوانية و لها قوي خمس و خاصيتان و نفسا ناطقة كونية علي الفطرة و عقلا و هو علي وفق مشية الله و هو محلها و لسان ترجمانها و بعيثه و رسوله الي الخلق و النفسان الاوليان هابطتان غير قابلتين للخطابات الانسانية و هما عاملتان علي مقتضي طباعهما و الناطقة قابلة للخطاب و الامر و النهي الانسانيين و قد امرها الله سبحانه باتباع العقل و امتثال امره و نهيه و بمخالفة النفسين الاوليين و الاعراض عنهما و عصيانهما فان اطاعت النفسين الاوليين دعتاها الي مقتضي طباعهما و الطبع ذو جهة واحدة فاما تدعوانها الي جهة التفريط ان كانتا قاصرتين و اما تدعوانها الي جهة الافراط ان كانتا قويتين فتنصبغ باصباغهما و تمشي علي وجهها من غير روية و ان اطاعت العقل الخارج عن الطبايع المستوي علي عرشها فتعمل برؤيته و يستعمل كل طبع في محله و هذا هو الاعتدال و الاستقامة لا ان يكون الطبع من الصفراء و البلغم بميزان الاعتدال مثلا فان السكنجبين لايظهر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 101 *»

منه الحموضة القوية و الحلاوة القوية بل طعمه دائما بين الطعمين و هو ايضا غير مطلوب من المؤمن فان المطلوب ان يغضب مثلا في غاية الغضب عند حكم الله به و يشتهي في غاية الشهوة عند حكم الله بها و يتوسط عند حكم الله به فليس معني الاعتدال ان يكون الانسان مركبا من طبعين علي ميزان الاعتدال فانه ميزان اعتدال طبعاني مذموم لايتمشي منه غير التوسط ولكن المقصود من الاعتدال ان تكون النفس مطيعة للعقل الخارج عن حدود الطبايع و تقف عند امره و نهيه نعم يجب ان تكون طباعها معتدلة يعني يجب ان يكون فيها صفراء صافية كاملة تستعملها عند الحاجة و بقدر الحاجة و بلغم صاف كامل تستعمله عند الحاجة و بقدرها فلو لم‌يكن فيه بلغم صاف كامل او كان مقهورا ضعيفا لايقوم بالخدمة علي ما امر و هو ناقص منحرف خارج عن الاعتدال البتة فاعتدال المزاج وجود جميع الطبايع علي نحو الصفا من غير غلبة واحدة و مغلوبية اخري لاالتركيب بحيث يكسر كل واحدة سورة الاخري و يبطلها و الطبايع كلها ظلمانية و المركب من الظلمات ظلمة و المطلوب استنارة‌ النفس بنور العقل فافهم و لما كانت النباتات لا حيوة لها ظاهرا و هي ميتة ظاهرا تعد الطبايع في اجزاء البدن و يقال ان الارواح الداعية للنفس الناطقة الحاملة اياها علي الانحراف ثلثة روح الحيوان و هو الاصل و يقال له روح البدن به يدب الانسان و يدرج و روح الشهوة و هو خاصيته الرضائية و روح القوة و هو خاصيته الغضبية و هما حركتان من الحيوان بالميل و الاعراض عند المناسبة و المنافرة فهما قوتان من الروح الحيوانية و جميع خصالها من فروع هاتين و اذا مالت الناطقة الي الحيوانية تنصبغ اراداتها و روياتها و علومها و اعمالها كلا في هاتين و ذلك الصبغ و تلك الصورة هي النفس الامارة و هي طينة سجين و خبال و كمالها ان تكون في جميع ذلك مطيعة للعقل و تستعمل هاتين في طاعته و ذلك الصبغ الحاصل لها من نور العقل و طاعته هو النفس القدسية و طينة عليين و طينة الجنة و هما نفسان شرعيتان و محلهما و مرآتهما النفس الكونية و هي امكان لهما و هما كونان استخرجا من ذلك الامكان بقوة داعي الحق و العقل الباطن و الظاهر و بقوة داعي الباطل و الجهل الباطن و الظاهر فان اطاع الانسان داعي الحق

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 102 *»

تضعف النفس الامارة و يزول سوادها شيئا بعد شيء حتي تكون شحمة بيضاء نقية‌ و حمامة بيضاء و يزول عنها ريش الغراب فان تابوا و اقاموا الصلوة فاخوانكم في الدين و مواليكم و ان اطاع الانسان داعي الباطل تفر القدسية و تلحق بمبدئها و لاتطيع الجهل و لاتعصي و لاجل ذلك لاتتصور بصور الحيوانات ابدا بخلاف الامارة فانها لا فصل لها من ذاتها و يمكن ان تتصور بصورة الانسان و لو بالعرض ان اسرها القدسية و حملتها علي الطاعة كما يأتي في محله ان‌شاءالله.

قاعدة

في نشر الكتب و الصحائف و هو مسئلة صعبة مشكلة قد رمزها المشايخ و لابد من شرحها ان‌شاءالله اعلم ان الانسان له مراتب و لكل مرتبة اعمال هي افعاله في تلك المرتبة و الفاعل لكل تلك الافعال هو حقيقته في لحاظ و مشية الله جل قدره في لحاظ اذ لا فاعل في الوجود الا الله و الله خلقكم و ما تعملون قل الله خالق كل شيء و ما من شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن كان يزعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرك الا ان اثر فعله سبحانه يقع في مرايا القوابل فان كانت صافية حكت اثر المشية علي ما هو عليه و هو مطابق للمشية و هي محبة الله فيكون ما يظهر من تلك القابلية علي حسب محبته و ان كانت كدرة غيرت اثر المشية علي حسبها فكان ما يظهر منها علي خلاف محبة الله فتبين ان ما اصابك من حسنة فمن الله و هو اولي به و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و انت اولي به و اما نفس القوابل فقد خلقها الله علي حسب سابق علمه بها و علمه اولي بحقيقة التصديق اذ علمه حق صدق مطابق للواقع فمن علمه سعيدا في سابق علمه خلقه سعيدا و من علمه شقيا خلقه شقيا و هيأ للفريقين ما يتمكنون به من اظهار مقتضي ما هم عليه و لولا ذلك لم‌يقدر احد علي اظهار مقتضيات سجيته و من تلك الاسباب الامر و النهي فامر و نهي فاطاع المطيع و اهتدي و عصي العاصي و هوي و تردي بالجملة الحركة الايجادية من الله سبحانه و الخلق كلهم متحركون بتلك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 103 *»

الحركة و تحركهم انفعالهم عند فعل الفاعل و خروج ما في قوتهم الي الفعلية اما مطابقا لكمال الكامل المكمل و اما مخالفا فالحقايق فعلها المعرفة او الانكار و المحبة او العداوة و العقول الكونية فعلها درك المعاني الكلية و الرجاء اول القنوط و النفوس فعلها درك صور العلوم و الخوف او الجرأة و الحواس فعلها درك الصور الظلية و الرضا و الغضب و الجسم فعله الافعال الظاهرة من انواع الحركة و السكون و امثال ذلك و كل مرتبة من المراتب خرج من قوته الي الفعلية قبول فعل ظهر عليه صفة المشية و لها مادة من نور المشية و اثرها و صورة من نفس القابلية ذلك العامل و لما كان مادتها من نور المشية الكاملة كان لها كمال و فضل الا ان ذلك الكمال يظهر منه علي حسبه كما يظهر نور الشمس من الزجاجات المختلفة علي حسبها و ذلك النور كمال النور الواقع عليها المتصف بصفتها و لاجل ذلك يكون علي حسبها صورة و علي حسبه مادة فمن اجل ذلك لكل ذي فعلية اثر و شعاع و مثال يقع علي مرآة المقابل فالاجسام مثلا اذا تهيأت بهيئة يقع عنها مثل في مرايا ما يقابلها من الواح السماوات و الارض و مرايا حواس الحاضرين و مشاعرهم من الاناسي و الجن و الملائكة و الانبياء و غيرهم و ينتقش تلك المثل في تلك الالواح بقوة ‌الملائكة الكتبة يكتبون تلك المثل بقوة ما فيهم من ظل امر الله عزوجل في تلك الالواح و الواح السماوات و الارض نفوس ملائكتها و اما نفس تلك الصفات فقد ذكرنا انها من مادة هي نور المشية و صورة هي صفة القابلية فما دامت القابلية التي هي ذلك الجسم مواجهة للمشية يقع نورها فيه و يبقي الصفة بابقاء الله و امداده فاذا انحرفت و زالت المقابلة محي تلك الصفظ عنها فاذا محيت قامت مادة تلك الصفة بمبدئها كما يقوم نور الشمس بالشمس بعد زوال مقابلة المرآة و صورتها ايضا يقوم بمبدئها و هو المشية ‌الانفعالية من الله سبحانه اي الارادة و الاشارة الي ذلك ان الشمس مثلا تشرق بمشية‌الله و لولاها لم‌يخرج من قوتها الي الفعلية هذا الفعل فهي مشرقة بمشية الله و كذلك الجدار مستشرق بمشية الله عزوجل و لايخرج من قوته الانفعال الي الفعلية‌ الا بمشية‌الله لان الانفعال منه فعل و الفعل حركة و لا محرك في الوجود الا الله و لايخرج الشيء من العدم الي الوجود

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 104 *»

الا الله فالنور علي الجدار مادته من اشراق الشمس بالله عزوجل و صورته من صفة الجدار القائمة بامر الله عزوجل و ذلك ان الجدارية ايضا فعلية خرجت من قوة‌ التراب و الماء و لاتخرج تلك القوة الي الفعلية الا بمكمل خارجي هو رأس من رؤس المشية فهي قائمة بذلك الرأس و هي قابلية للنور المشرق عليه من رأس آخر من رؤس المشية و ذلك النور مادة ‌ما علي الجدار و صفة ‌الجدار صورته فهما قائمتان بامر الله عزوجل فاذا زالت مقابلة الطين علي ذلك الرأس و زال الجدار عن مقابلة الشمس قام النور الذي كان عليه مادة برأس من رؤس المشية و صورته برأس و هو باق في محل وجوده و حده قائما بامر الله عزوجل و كذلك بدن زيد اذا ظهر عليه القيام فالقيام قائم بامر الله عزوجل مادة و ببدن زيد صورة و بدن زيد بنفسه قائم برأس من رؤس المشية و صورة القيام قائمة بصفة ذلك الرأس و كذلك اصل بدن زيد فان البدنية صورة استخرجت من كمون الطين و قوته و كانت معدومة لاتخرج بنفسها و انما تخرج بتكميل رأس من رؤس المشية كما بينا فلها مادة هي من من نور رأس المشية المكملة و صورة من قابلية الطين و هكذا يصعد المتكملات صاعدة الي ان تبلغ المادة الاولي اي الماء الذي منه كل شيء فهو ايضا مركب من مادة هي نور المشية و صورة هي نفس ذلك النور القائمة بالارادة و هي اي تلك النفس ما علمها الله عليه و لم‌تكن مكونة قبل ان يكون النور فهما معا كالكسر و الانكسار فافهم بالجملة ذكرت ما ذكرت استطرادا و لم‌اكن بصدده و الغرض ان كل ذي‌صفة اذا فارق تلك الصفة بقي تلك الصفة في محل وجودها و انتقش مثلها في كل ما يقابلها من الالواح و هي تابعة لتلك الصفة منتزعة عنها فلصفات كل ذي صفة مثل مكتوبة في الواح السماوات و الارض اي نفوس ملئكتها و نفوس الحاضرين من الجن و الانس و نفس صاحب تلك الصفة و لها مبادي نزولا في نفس العامل و آثار صعودا فيها و لها اكتسابات منها لاحقة بنفسه و هي صورة النفس و هي طائرها الملزم عنقها يلزمها اياه الملك الموكل بذلك و هو رومان فتان القبور فاذا مات الانسان خرج ظله عن البدن و هو مصور بما اكتسب من عمله و اذا قام في القيامة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 105 *»

قام نفسه مصورة بصورته.

و اما الكتاب المنشور فهو لوح كتب عليه نفس اعماله فما دام في الدنيا يكتب عليه عمله في ذلك الكتاب و هو منسوب اليه لان مبدء ذلك العمل منه و اكتسب منه و اذا مات فهو مكتوب عليه في محله منسوب اليه لان مبدأه منه و عوده اليه و اذا حشر فهو مكتوب عليه في محله منسوب اليه لما مر و اما اذا ندم الانسان علي عمله تبرأ نفسه من ذلك العمل و تبين انه لم‌يكن مبدأ العمل منه و لم‌يكتسب منه فبقي العمل مكتوبا في محله ولكن منسوبا الي مبدئه من عليين او سجين اي العرض الذي كان ملحقا به فان كان مبدأه عرضه الدنياوي يتبرأ منه اذا مات و ان كان مبدأه عرضه الظلي يبقي منسوبا اليه في البرزخ معذبا عليه و جاء يوم القيامة بريئا من ذلك و يستر الله ذلك العمل عليه فيراه اهل الجمع بريئا من ذلك العمل كما اذا كان تائبا في الدنيا من قبيح عمله و علمت بتوبته بعد علمك بقبح عمله فتراه بريئا من ذلك القبيح ليس مبدءا لذلك العمل و لا مكتسبا منه و لايعود اليه اولئك الذين يبدل الله سيئائهم حسنات و لايطلع علي سيئاتهم في المحشر الا الله المحيط بجميع خلقه و يسترها بستره و يخفيها عن اعين خلقه يا من اظهر الجميل و ستر القبيح استر قبيح عملي بسترك فاني ابرأ اليك منها و اتوب اليك انك انت التواب الرحيم. بالجملة الكتب هي محال ثبت نفس الاعمال و نشرها ظهورها يوم القيامة و مثال الشخص المقارن لكل عمل متلبس به و هي اما في عليين فيؤتاها المؤمن بيمينه ان كانت الاعمال علي وفق محبة الله و رضاه و اما في السجين فيؤتاها الكافر بشماله ان كانت علي خلاف رضاه و الزام الطاير الزامه مقتضاه في ذاته و اتصافه بما اكتسب منه اذا كان ملكة راسخة في نفسه يصدر منه من غير كلفة و عزم جديد و ما زعمه قوم من ان تلك الملكات هي الملئكة و الشياطين الواردة في الشرع خطاء فانهم نفوس علي حدة ذوات شعور و تكليف و اختيار واقعون بين امر الله سبحانه و المخلوق بذلك الامر و فهم ذلك عسير جدا و هو ان كل شيء في محله و مقامه مخلوق بنفسه بالنسبة الي مؤثره القريب فله اعتبار فعلية هي فعل الله عزوجل لاينسب الا اليه و اعتبار مفعولية هي مفعول الله عزوجل و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 106 *»

مخلوقه و هما اعتباران واقعيان خارجيان كل واحد منهما غير الاخر فالفعل دائر علي مبدأه و المفعول من حيث نفسه دائر علي مبدأه من نفسه و لابد بينهما من واسطة يتلقي اثر الفعل منه بالمناسبة و يؤدي الي المفعول بالمناسبة و لابد من تلك الواسطة بين كل فعل و مفعول و تلك الواسطة هي الملك ان كان بين المشية الشرعية المحبوبة و بين المشاء و شيطان ان كان بين المشية المبغوضة الشرعية و بين المشاء و اما الواسطة بين المشية الكونية و المشاء فكلها ملئكة لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و تلك الواسطة كما عرفت غير الفعل و غير المفعول بل هي نفس مختارة الا انه يغلب عليها جهة الرب فلاتكون الا علي حسب رضاء الله سبحانه و مقامها في كل مكون مقام مادته الثانية الشخصية التي هي الواسطة بين حيث فعليته و مفعوليته فافهم ان كنت تفهم بالجملة تلك الملكات هي التي ثبتت علي الانسان في عالم الذر عند نزوله و سيعود اليها ثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه يوما ما و هي ثابتة علي نفسه في الدنيا ايضا الا ان عينه مغشية بغواشي الاجسام و الاعراض فلايراها فمن سبقت له من الله الحسني و اعرض عن الدنيا و تولي و توجه الي مبدأه الحسني وجد ما سوف يجده في الدنيا و قامت قيامته و عرف مفصوله و موصوله و الا فاذا مات قهرا و كشف غطاؤه الذي هو جسده حد بصره فشاهدها لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد.

قاعدة

في ظهور كيفية ظهور احوال تعرض يوم القيامة علي نحو الاشارة التي يستفاد منها حقايقها ان‌شاءالله فان بسطها يقتضي دفاتر عظيمة اعلم ان دار الاخرة في غيب هذه الدار سمواتها في سمواتها و ارضوها في ارضيها كبرادة الذهب في التراب و كالزجاج في الحجر و الزبد في اللبن فهي بالفعل موجودة عند الله مشوبة بالاعراض عند الخلق و ستطهر و ستصفي و تخلص و تظهر علي ما هي عليه وجودا و اما الان فليست تظهر لعارف الا وجدانا فاذا رفع العارف توجهه

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 107 *»

عن الدنيا و قطع علايقه عنها و صرف توجهه الي مبدأه حصل له تجرد علمي وجداني فعرف حال الاخرة وجدانا و ليست تظهر لاحد وجودا فانها لما تتخلص عن الاعراض وجودا و مثل ذلك انك تسمع بالهند و صفاته فتتصوره و تجده في ذهنك و لما تصل اليه فاذا وصلت اليه رأيته عيانا و ما لم‌تصل تعرفه وجدانا مع انه موجود في محله و رتبته و اما رؤية رسول الله9 الجنة و النار ليلة المعراج مع انهما لم‌تتخلصا بعد عن الاعراض فوجهها انهما في محلهما من كتاب العلم موجودتان بالفعل خالصتان عن الاعراض يعلمهما الله سبحانه خالصتين و انما تكونان مشوبتين في مقام الاكوان و رسول الله9 ليلة المعراج قد قطع جميع العوالم الخلقية و الامرية و سار في مقامات الآئية الي ما لا نهاية له فنظر بعين الله الي معلومات الله حين تدلي و شاهد كل شيء في مقامه و حده هذا و مقام القيامة مقام النفس الكلية و هي نفسه و انه لعلم الساعة و اياب الخلق اليكم و حسابهم عليكم و بعثت انا و الساعة كهاتين فافهم و اما في عرصات الاكوان الصالحة للمحو و الاثبات و الزيادة و النقصان فليستا بموجودتين خالصتين عن الاعراض وجودا كما ان نفسك الان ليست بخالصة وجودا و ليست بمفارقة لبدنك وجودا و ستخلص اذا سار العالم بسيره الطبيعي الي ان وصل الي مقام الاخرة فيخلص العالم كما تخلص نفسك فتخلص الجنة و النار وجودا و تظهران للحواس وجودا خالصتين و قد اشرنا الي ذلك سابقا بالجملة من سرع سيره و اجاب نداء اقبل قبل ان‌يجيب ساير اجزاء العالم فاقبل الي المبدء باقدام امتثال الاوامر و النواهي تقرب الي المبدء تقربا وجدانيا علميا و تخلص عن الاعراض تخلص الانقطاع التعلقي و الالتفاتي فلايلتفت الي الاعراض و يلتفت الي الله سبحانه دائما فيظهر علي بدنه سلطان عقله و يظهر له عرصات عقله فاذا بلغ هذا المبلغ فقد مات وجدانا و يظهر له البرزخ و الساهرة كما اذ نمت يظهر لك عالم المثال و اذا غلب عليك الفكر ظهر لك عالم المثال ثم اذا ادام الاقبال و تجاوز عن تلك الاحوال و قطع النظر عن الكثرات المثالية ظهر له

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 108 *»

عالم الهباء كذلك فاذا قطع النظر عن الروابط الهبائية ظهر له عالم الطبيعة فظهر له اسرافيل و صوره علي فمه و ينفخ فيه نفخة الجذب و يظهر له انكسار جميع المثل و تفرق الاهبية و رجوع الكل الي الطبيعة و الفنا و يري جميع العالم بحرا واحدا و يري انه دكت الارض دكا و بست الجبال بسا و كشطت السموات و كورت الشمس و القمر و انخسفت النجوم و فني الاشياء فلا حاس و لا محسوس و يمر اربعمائة سنة كذلك ثم يظهر له نفخة الصور نفخة الدفع فيري ان السموات بنيت بناء آخر و الارض وضعت بيضاء نقية و الابدان اعيدت علي صفة اعمالها و الجنة ازلفت و النار برزت و قام الناس لرب العالمين كل ذلك في السير الوجداني الالتفاتي فاذا كان ذلك مرة‌ يسمي حالا و اذا تمكن من نفسه فكانت في الاغلب في هذه الحالة تسمي ملكة و هو من اهل الاخرة و الفؤاد و ساكن تلك البلاد و لايطلع علي هذه الحالات من لم‌يصل اليها و اما اذا سار العالم سيره الوجودي كذلك و بلغ مقام الاخرة تبلي السرائر و يكشف غطاء الاعراض عن عامة الابصار فيشاهد جميع الديار عيانا نعوذ بالله من الخزي و الافتضاح يومئذ و يشاهد يوم القيامة نار جهنم محيطة بالكافرين و كيفية احراقها و استيقادها بالناس و الحجارة و لها مراتب علي حسب مراتب الكافر و لجميع تلك المراتب و وجوه كل رتبة‌ مظاهر في الدنيا مشوبة بالاعراض و هي جميع مكاره الدنيا من الاجسام المنافرة لجسم الانسان و الاعراض المنافرة لاعراضه سواء كانت جسمانية او روحانية و جميع المنافرات في الدنيا تقدرت بقدر لشوبها بالموافق كما ان الحر يتقدر بقدر بشوب البرد فلولا البرد الممازج معه لما كان للحر حد يوقف عليه فاذا كان يوم القيامة تخلص كل شيء عن شوب غيره كما يتخلص زيد عن لطخ غيره و كانت المنافرات لك هي شؤون عذاب جهنم نعوذبالله فيرد علي الكافر حر غير مقدر و برد غير مقدر و سيلان غير مقدر و يبس غير مقدر و هكذا هم غير مقدر و حزن غير مقدر و فقر غير مقدر و خوف غير مقدر بقدر نعوذبالله و هكذا جميع انحاء البلاء فان جهنم هي في جهة‌ البعد الذي لا قرب فيه و الظلمة التي لا نور فيها نعم هذا حكم النوع في اسفل جهنم و تختلف دركات جهنم لاختلاف الناس في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 109 *»

الاستحقاق و درجات البعد و كلما تصعد صاعدة يظهر فيها اثر النور الموافق للفطرة الاصلية فيخف به العذاب اي يقل بالنسبة الي الدرك الاسفل و تألم المتألمين جميعا لمنافرة تلك الواردات التي هي ثمرات الاعمال المخالفة للفطرة الالهية فكما ان الاعمال صادرة من الفطرة المغيرة المنافية للفطرة الاصلية يكون ثمرات تلك الاعمال ايضا منافية للفطرة الاصلية فتتألم دائما و اما قوله تعالي كلما خبت زدناهم سعيرا فخبوا النار بغفلة الفطرة عن الم او عمل معصية و اشتغالها بغيرهما و توجهها الي غيرهما اذ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه فاذا خبت اثر المعصية بسبب غفلة زدناهم سعيرا بسبب اعمالهم الباطلة التي يتوجهون اليها فانها تزيدهم قوة علي المعصية و تستمد من الامداد السجينية بسببها اكثر.

و اعلم انه كما يكون البدن الاخروي مجانسا للعقل و عقله مجانسا لبدنه و هكذا جميع مراتبه مجانس بعضها لبعض كذلك يؤثر عذاب بدنه في عقله و يتألم به نعوذبالله و عذاب عقله يؤثر في بدنه و يتأثر به و يجري عذاب كل مرتبة منه علي كل مرتبة نعوذبالله و جميع مراتب تلك النيران يتزايد علي مر الدهر لان المعذب بها معرض عن المبدأ مستمد من المنتهي و كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و كذلك يتزايد نعيم اهل الجنة علي مر الدهر لانهم مستمدون من المبدء دائما و المبدء جذاب دائما داع الي نفسه سرمدا و الحادث ممكن ذوقوة فلا وقوف فيتصاعد دائما و كذلك حال النازل و اما قوله7 اعوذ بك من نار يأكل بعضها بعضا و يصول بعضها علي بعضها فمثلها بذورها في الدنيا حيث يأكل الغضب الشهوة و يصول عليها و كل معصية اقوي يغلب الاضعف او ان كل نار لابد فيها من المدد و المدد الجائي اقوي من الماضي فهو اشد حرارة و الماضي له كالحطب يشتعل فيه النار و تتقوي به فالمدد الناري الثانوي يأكل الممدود الناري الاولي و يصول عليه نعوذبالله و مثله ان الانسان كلما يعصي يزداد حرصا علي المعصية و يأكل حرصه هذا حرصه الاول و يتقوي به.

و منها ان يوم القيامة يوم مجموع له الناس و يوم مشهود و تبلي السرائر و يخزي الكافر الفاجر و يحشر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 110 *»

الذين ظلموا و ازواجهم و شرح ذلك انه يحد كل اداة نفسها و يشير الي نظيرها فالفؤاد يدرك نفسه بنفسه و يدرك سائر الافئدة التي في عرضه بالانطباع فان لكل فؤاد مميزا عن غيره في رتبته و له مثل لاتنطبع الا في مرآة من جنس تلك المثل و هو فعل فؤادك و نوره فاذا انطبع مثال فؤاد آخر في مثال فؤادك يتصور به و يحضر تلك الصورة في محضر فؤادك و محضره عرصة فعله فيدرك الفؤاد الفؤاد الاخر بفعله و مثاله و كذلك العقل يدرك العقل الاخر بفعله و تعقله و يدرك نفسه بنفسه و يدرك الفؤاد عقله بفعله بنفس ذلك العقل و العقل الاخر بفعل عقله و هكذا في كل رتبة و مقام فيوم القيامة تجتمع نفوس جميع الاناسي و حقائقهم مصورات بصور اعمالها و يطلع كل نفس علي كل نفس و لايحتجب نفس عن نفس لعدم المانع الحاجب فذلك يوم مجموع له الناس و ذلك يوم مشهود و اما قوله تعالي لكل امرء يومئذ شأن يغنيه فمعناه ان كل انسان مشغول بنفسه و بما له و بما عليه لايلتفت الي غيره الا ان يتعلق شأن منه به من مطالبه بان يكون ظلمه او ظلمه هو او يشفعه او يستشفع به او يحبه او يحبه هو و اما قوله سبحانه احشروا الذين ظلموا و ازواجهم فالمعني انه يحشر كل انسان مع من يشاكله فالعشار من العشار و الحاكم مع الحاكم و العالم مع العالم فان هيئة العلماء تقتضي لهم درجة و مقاما و محشرا يجتمع كلهم في تلك الدرجة و ذلك المحشر و مع ذلك كلهم في صعيد واحد يشاهد بعضهم بعضا لو شاؤا و توجهوا و التفتوا و كذلك لو احب رجل حجرا حشره الله معه فان المحب يناسب المحبوب و يكون من نوعه و يقف معه في الدرجة و المقام و هو متوجه الي محبوبه مشتغل به.

و منها ان الله سبحانه خلق الدنيا دار فناء و زوال لحكمة الاختبار و الابتلاء فجعل جميع ما فيها من المواد و اعراضها و اسبابها و قراناتها و روابطها و ارتباطاتها في معرض الزوال و من ذلك تملكهم لما يملكون بحسب الظاهر حيوة الدنيا و الله هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه في الدنيا و الاخرة و يوم القيامة يزول تلك الارتباطات و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 111 *»

التملكات و يعرفون علانية ان الملك يومئذ لله و يكون جميع ما فيها باقيا بابقاء الله عزوجل علي حسب ما رأي من الحكمة و المصلحة و ليس باقيا بالذات و لا ببقاء الله سبحانه بل الدنيا و الاخرة كلتاهما باقيتان بابقاء الله قائمتان بامر الله و هو الذي سبب في الدنيا اسباب الفناء لحكمة الاختبار و سبب في الاخرة اسباب البقاء و جعلها دار القرار مع انهما في الحقيقة علي نهج واحد اي كلتاهما دار فناء و انما الباقي الذي لايتغير هو الله سبحانه ففي كلتيهما الشيء في الذهاب دائما و ليس بمستمسك بنفسه و يحتاج الي الامداد و التجديد الا ان الله سبحانه جعل امداد الماديات الي انقطاع كما قال و قدرنا بينكم الموت و ما نحن بمسبوقين علي ان نبدل امثالكم و ننشأكم فيما لاتعلمون و جعل امداد الاخرة علي الدوام فكلما يتحلل من الشيء فيها شيء يعيده الله عليه و يكن العائد اقوي و ادوم لتخلصه عن الارمدة كما هو محقق في علم الفلسفة فما تحلل تخلص عن التأليف و عاد الي الامكان الاعلي من المؤلف فاذا عاد عاد اصفي و اعلي حيزا و ادوم بقاءا و بذلك يشتد الاخرة دائما جدة و قوة و دواما فافهم.

و منها ان ما وراء هذه الدار ليس الا فضل او عدل خالصان لخلوص اهلهما فجميع من فيها اما اهل فضل و هم اصحاب اليمين و الباطن و الغالب عليهم جهة الرب و الوجود و النور و اما اهل عدل و هم اصحاب الشمال و الظاهر و الغالب عليهم جهة النفس و الماهية و الظلمة و المتعلق بكل من رحمة الله الواسعة ما يناسبه فكتب الله للمتقين الرحمة و للفاسقين النقمة و هنا دقيقة مشكلة و هو ان الله سبحانه غني قدوس عن الاقتضاء فلايفعل شيئا بمقتضي ذاته المقدسة و انما يفعل ما يفعل علي حسب قوابل الخلق و مسائلهم فان سميت عطاءه فضلا لان القابلية لاتوجب عليه شيئا فهو في الفريقين سواء و ان سميته عدلا لانه علي حسب القوابل ففي الفريقين سواء هذا و ان كان القابلية لاتوجب عليه شيئا فكل ما يعطي بلاموجب و سد الفاقة و جبر الكسر و عطاء السائل كلام قشري قلت لاشك ان الخلق مع الحق ممتنع فلايذكر معه و لايصدر منه و لايرجع اليه حتي يقال هل خلق باقتضاء منه او غيره فاذاً يرجع الكلام الي الخلق في الخلق ففي عرصة الخلق جري الخلق علي نهج الحكمة و الصواب

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 112 *»

فترتب المسببات بالاسباب و المعلولات بالعلل و المشروطات بالشروط و المقتضيات بالفتح بالمقتضيات بالكسر و هكذا لتدل علي وحدته جل شأنه لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا و من حكمة الخلق ان قد تركب من نور و ظلمة و لكل منهما مقتضيات بالفتح تلزمه و النور جهة وحدة الخلق المسماة بجهة الرب و لها مقتضيات ترجع الي الرب و تضاف اليه لا الي العبد فهي من فضل الرب و هو هنا البادي بالنعمة اذ لا عبد و لا حيث نفس هنا و الظلمة جهة كثرة الخلق المسماة بجهة العبد و لها مقتضيات ترجع الي العبد و تضاف اليه فهي تلزمه علي حسب العدل فجهة الفضل جهة الوجود و مقتضياته مقتضيات الفضل و جهة العدل جهة الماهية و مقتضياته مقتضيات العدل فلاينجو ناج الا بفضله و لايهلك هالك الا بعدله و الكل عند الذات علي حد الامتناع علي السواء و ليس شيء معه حتي يقال انه اولي به من شيء آخر بالجملة الدنيا و الاخرة في هذين علي السواء الا انهما في الدنيا مشوبان و في الاخرة يخلصان فاهل العدل الذاتي في النيران السبع و اهل العدل العرضي في حظائرها السبع و تسمي بالضحضاح  ايضا و اهل الفضل الذاتي في الجنان الثمان و اهل الفضل العرضي في الحظائر السبع و الثامنة لا حظيرة لها كما يأتي ان‌شاءالله و في الدنيا قد ينال اهل العدل فضل و اهل الفضل عدل لمكان اللطخ و الخلط.

و منها ان يوم القيامة يوم الجمع يجتمع جميع الخلائق فيه لانه يوم الجزاء و التزييل كما قال فزيلنا بينهم و لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا و ذلك يوم مشهود و يوم تبلي السرائر و تفصيل ذلك ان الله علم بسابق علمه جميع ما يمكن ان‌يكون علي ما يمكن ان‌يكون و علم ان كل ممكن اذا كان كيف ينبغي ان‌يكون و بم هو هو و مما ينبغي ان‌يكون الممكن عليه ان‌يكون مركبا من وجود هو نور و رحمة و ماهية هي ظلمة و نقمة اذ يمتنع تعقل وجود ممكن بسيط قائم بنفسه دون غيره اذ هو الوجوب لا الامكان فاذ وجب ان‌يكون قائما بغيره وجب ان‌يكون له جهتان جهة الي ذلك الغير يصدق عليه اسمه و حده و جهة الي نفسه يمتاز بها عن غيره

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 113 *»

الاتري ان التراب مثلا لما قام بالجسم علي الاطلاق حصل له جهتان جهة جسمية يطلق عليه فيها الجسم و يصدق عليه و جهة نفسانية يمتاز فيها عن الماء و الهواء فكذلك كل ممكن له جهة الي الاحد فوقه يقع عليه اسمه و جهة الي نفسه بها يمتاز عن غيره و جهته الي الاحد فوقه هي صفة الاحد نفسه له به و آيته و عنوانه لا ذاته فكل ممكن زوج تركيبي من هاتين الجهتين و يعبر عنهما بالوجود و الماهية و النور و الظلمة و الرحمة و النقمة و هما علي ما حققناه في محله كالمثلثين المتداخلين فقاعدة الرحمة في اعلي درجات الامكان و قاعدة‌ النقمة في اسفل مقاماته و هما اخلصا ما في الامكان من الاختلاط لاضمحلال الضد فيهما لا انهما بسيطتان و اما ما بينهما فيظهر فيه آثار الاختلاط يعني يظهر من الحصة فيما بينهما اثرا الجهتين و قد خلق الله كل مخلوق علي ما علمه في سابق علمه الذي هو اولي بحقيقة التصديق و هو ما هو به هو و لولا ان خلقه عليه لخلقه علي غير ما هو به هو و علي غير ما سأل ربه ان‌يخلقه عليه و لا اقتضاء لذلك لا من نفسه و لا من خلقه فجعل في كل مخلوق من الجهتين ما له منهما و ما به هو هو فهنالك امتاز الشقي من السعيد و الكافر من المؤمن و العاصي من المطيع و الدني من العلي و تفرقوا كل التفرق و هو في الخلق الاول الذي منه البدء و اليه العود لايتجاوزونه الي اجتماع ابدا و لايضل ربي و لاينسي و تلك عرصة الحقيقة و عرصة العدل الربوبي و اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه و عرصة الذر و موقف المحشر ثم كسرهم و جمع بينهم للنشأة الثانية حتي يزيل بينهم ثانيا و تحقيق ذلك ان تلك الحقايق المميزة في النشأة الاولي اي الخلق الاول كانت علي نهج الكلية و الواحدية الجامعة و لها كمالات تفصيلية في مقام الافعال و الظهورات لابد من وجودها فان الفعل تمام القوة و الظهور تمام البطون و ما لم‌يكن الشيء تاما في ظهوره تاما في بطونه كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و الله الاحد اجل من ذلك فالنشأة الثانية نشأة ظهورات تلك الحقايق و افعالها الشخصية الجزئية و لها مرتبتان مرتبة الشخصيات الروحية و مرتبة الشخصيات النفسية فبهاتين المرتبتين حصلت الدنيا و البرزخ و يسبقهما مقام امكان ظهوري يكون تلك الشخصيات و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 114 *»

الظهورات فيه علي نحو القوة و الابهام الامكاني فنزلت تلك الحقايق الكلية اولا في ذلك الامكان  و احتجبت به ثم اخرجهم منها اولا ذرا يدبون بين يديه و جعل فيهم ما اذا سألهم اجابوا فكانوا اشخاصا مميزة كونية ثم زيل بينهم بواسطة‌ الدعاة‌ الي الحق و الباطل فتفرقوا سعداء و اشقياء و مؤمنين و كافرين و مطيعين و عاصين فهنالك ايضا ثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه يوما ما و كذلك صنع باجسادهم في الدنيا حرفا بحرف فبذلك تمت المراتب و عمرت الدنيا و ظهر جلال الجبار و يعودون الي ما بدؤا منه و يصعدون كما نزلوا و لابد و ان‌يعودوا الي ما بدؤا منه من العالم الاول فيجتمعون في ذلك العالم لظهور عدله سبحانه و اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه و اخذ ما لكل احد علي كل احد من الحقوق و لايتحقق مشاهدة ذلك العدل عيانا للناس الا في ذلك اليوم اللهم الا لاوحدي الزمان الذي قد مات قبل ان‌يموت و قامت قيامته و حاسب نفسه و اقام الموازين القسط ليوم قيامته و شاهد الحقايق علي ما هي عليه و اما غيره فلايصل الي ذلك الا مع سير العالم الكلي بالجملة ذلك اليوم يوم تبلي السراير و لايحتجب نفس عن نفس بشيء و كلهم علي صعيد واحد حقيقي لاتمانع بينهم و لاتصادم و لا احتجاب لغلبة جهة البساطة و الرب عليهم و ضعف الجهات المميزة و الشخصيات المتصادمة اللهم الا ان لاتشتغل نفس بغيرها و بغير ما لها و ما عليها من باب لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه.

و كذلك هو يوم الفصل لانه مقتضي العدل و اعطاء كل ذي حق حقه و رد كل شيء الي سنخه و لاينافي ذلك الجمع كما قال تعالي هذا يوم الفصل جمعناكم و الاولين و قال و يوم يقوم الساعة يومئذ يتفرقون فيفصل بينهم بان‌يقضي لكل احد ما له و عليه ما عليه فيكون فريق في الجنة و فريق في السعير و قد اشرنا آنفا ان سر الفصل اظهار مقتضي العدل الذي اجري الله الخلق اولا عليه ثم جمعهم في الخلق الثاني ثم ميز بينهم و حصل بينهم اللطخ و الخلط فاشتبه الامر و احتيج الي الافتتان كما قال احسب الناس ان‌يتركوا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 115 *»

 ان‌يقولوا آمنا و هم لايفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين ثم ارسل الرسل و انزل الكتب ليميز الله الخبيث من الطيب و يعرفهم مقتضيات عدله و يحصل لهم كمال هذه المعرفة يوم القيامة و قل من يحصل له هذه المعرفة قبلها هذا ظاهر الامر المنبيء عن الباطن.

و اما باللسان العلمي فاعلم ان الله الاحد جل شأنه اول ما تجلي تجلي بمشيته الواحدة خلقها بنفسها و هي كاملة لها ظهور هو تفصيل تلك الوحدة علي نهج الكلية لكن علي طبق تلك الوحدة من الدوران علي نفسه فتفصل ظهورها علي جهات فعلية و جهات مفعولية فحصل بذلك ظهور كينونة المشية فدارت الجهات الفعلية علي الجهات المفعولية علي اختلاف اجزائها في الانفعال و الاجابة دوران المكمل الكوني فتفرقت الاجزاء و الحصص و حصلت افراد مختلفة علي حسب اختلاف قوابلها فتم ظهور كينونة المشية ذاتا و صفة فمنها ما غلب عليه جهة الفعل و منها ما غلب عليه جهة المفعول علي اختلافها فكانت تلك الافراد تفاصيل ذلك الظهور الكلي و علي طبقه لكن علي النهج الجزئي التفصيلي فحصل ثانيا لها افراد فعلية و افراد مفعولية فاجري الافراد الفعلية علي الافراد المفعولية جريان المكمل الشرعي علي المتكمل علي النحو البراني العرضي حتي استخرج من كمونها مقتضيات الغالب علي كل فرد فتقوي كل فرد بمشاكله و ظهر من الافراد مقتضيات وجوداتهم او ماهياتهم من الصفات فكمل بذلك ظهور تلك المشية الواحدة كونا و شرعا علي مقتضي الحكمة فظهر في عرصة الفعلية ما الحكمة ظهوره و بقي في القوة ما الحكمة بقاؤه فيها فالظهور الاول الكوني مقام اجتماع الخلق و اشتراكهم في الوجود و الماهية النوعية‌ و لاجل الاجتماع كان بينها لطخ و خلط يعني ذاتي و عرضي و لم‌يفصل بينهما الا بواسطة تلك الافراد الفعلية التي هي علي قسمين توفيقي و خذلاني فبهاتين اليدين ميز الله بين الافراد المفعولية و اظهر مقتضيات جهتيها فبهذا الجمع و الفصل ظهر الفضل و العدل اللذان هما وجها الرحمة‌ الواسعة التي هي المشية المحيطة النافذة في الكل.

و منها ان الناس من حين كونهم كيلوسا يصعدون الي الله سبحانه و يسيرون اليه فساع سريع نجا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 116 *»

و متأخر بطيء رجا فمنهم من يقطع مسافة الدنيا و البرزخ و الاخرة وجدانا و علما في الدنيا و منهم من يقطع الدنيا و البرزخ في الدنيا و الاخرة في البرزخ و منهم من يقطع الدنيا في الدنيا و البرزخ في البرزخ و الآخرة في الاخرة مع اختلاف سيرهم في السرعة و البطء و طول يوم القيامة خمسون الف سنة لمن يتخلص شيئا بعد شيء عن القيود و التعلقات حتي يصل الي غايته من جنة او نار و منهم من يتخلص في طرفة عين و الباقون بين ذلك علي اختلاف سيرهم و من تخلص عن القيود في الدنيا يسرع سيره في الاخرة و هو قوله فاذا هم من الاجداث الي ربهم ينسلون اي يسرعون و مهطعين الي الداع و كذلك المتخلصون عن الاعراض النورية يسرعون الي جهنم نعوذبالله بالجملة تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب و الكل سايرون الا انهم في الدنيا يظنون انفسهم ساكنين و يرونها في الاخرة‌ سايرين.

و منها ان الدار الاخرة هي الحيوان و الموت الذي هو عبارة عن هلاك الروح الحيواني بتخلل آلات جسده و خروج الروح البخاري عن الاعتدال ليس يجري علي احياء الاخرة فيصور يوم القيامة علي صورة كبش ذليل املح لانه كان يجري علي المؤمنين نورا و علي الكافرين ظلمة فيذبح بسكين الحيوة فينادي المنادي الا حيوة و لا موت فيشتد حسرة اهل النار و سرور اهل الجنة و ظهور الموت لاهل الجنة و النار لانه كان مشعورا في مشاعرهم معلوما لهم و ذلك العلم حاصل لهم بتوجه نفوسهم الي الموت في عرصة الحيوة الحيوانية البرزخية فيرون الموت حقيقة علي صفة كبش املح كما قلنا لا كصورة كبش من اكباش الدنيا كما يرون جهنم بارزة علي صورة بعير لشدة‌ حقدها تقاد بالف زمام آخذا بكل زمام مائة الف ملك من الغلاظ الشداد لها حدة و زفير و شهيق يخرج منها عنق فيحيط بالخلايق و يوضع عليها الصراط نعوذبالله و ليست علي صورة بعير من بعران الدنيا و لكنها علي صفة البعير يرونها الخلائق كلهم بارزة ظاهرة نعوذبالله من حرها و شرها.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 117 *»

قاعدة

في العرض و الحساب و اخذ الكتب و وضع الموازين المراد بالعرض احضار الخلق بين يدي الولي ليقضي بينهم بالحق فيحضر الخلق عنده صلوات الله عليه كما يحضر الصور الخيالية عند المتخيل الا ان المتخيل الجزئي يتخيل صورة‌ بعد صورة و الولي يستحضر الكل دفعة واحدة بوجود خارجي بلاتمانع لانه كلي و الكل ظهوره و نوره حاضر لديه و اليه ايابهم و عليه حسابهم و جميعهم في حال العرض علي صعيد واحد و ساهرة مستوية يشهد كل احد كل احد مع اعماله و ما له و ما عليه و عقائده و نياته كلها بارزة ظاهرة مبلية كما قال تعالي يوم تبلي السرائر فيحشر كل احد متلبسا بصورة عمله و نيته و عقيدته مثلا يحشر المؤمن بصورة صلوة‌ الجمعة في المسجد الجامع في الزاوية المعينة في يوم الجمعة غرة شهر جمادي الثانية سنة فلان علي صفة المثال المطروح في غيب الامكنة و الاوقات الذي تراه في حده كلما توجهت اليه بخيالك و ذلك المثال المحدود بنفسه مكتوب في لوح مكانه و هو دهري الا انه ليس علي ظاهره علي ما يفهمه المبتدي فان مثل اعراض زيد لايلحق زيدا و لايتلبس به و انما هي من الاعراض و الي الاعراض كما انه مشي فرس زيد لايلحق زيدا و زيد الراكب قد سار من المدينة الي مكة و سار فرسه من المدينة الي مكة و سير زيد غير سير فرسه و قد كتب زيد بقلمه و كتب قلمه و كتب زيد غير كتب قلمه و صلي زيد و صلي اعراضه و صلوة زيد غير صلوة‌ اعراضه فافهم و لايتلبس زيد بمثال اعمال اعراضه و انما يتلبس بمثال صلوته الصادرة منه و هي علي صورة‌ زيد فانها اثره و الاثر يشابه صفة مؤثره و لافرق بينهما في الصورة الا ان زيدا اذا تكلم تكلم عن نفسه و هي اذا تكلمت روت عن زيد كما ان شبح وجهك مدع و مؤسس و الذي في المرآة حاك و مؤكد فالذي تراه بعين خيالك مثال اعراضه و هو يحشر في محشر الاعراض اذ هناك محشر الاعراض فما ذكرنا من امر المثال فانما هو مثال تقريب فلايباعدك عن الحقيقة و ان قلت فكيف يحضر الامكنة و الاوقات قلت ان المحشور من الامكنة و الاوقات في يوم القيامة حقيقتهما و الامكنة و الاوقات مشهودتان للاعراض و لم‌يكن فيهما زيد حتي يحشر فيهما و انما يحشر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 118 *»

اعراضه فيهما مثلا المسجد الجامع المشهود قد دخله جسمك النباتي و صلي فيه في يوم الجمعة و لم‌تدخله انت بذاتيتك و انما دخلت انت بذاتيتك في حقيقة هذا المسجد التي يمكن لذاتك دخولها و الايواء فيها و هي مسجد مطهر عن الاعراض الدنياوية و البرزخية كما ان السماء تبدل و الارض تبدل فالمسجد ايضا يبدل ألم‌تسمع ان مسجد الكوفة يأتي علي صورة محرم و الحاير قطعة من اعلي روضات الجنة و كذلك يزين اربعة اعياد كالعروس فتأتي يوم القيامة و رمضان يأتي و يقف علي تل و علي هذه فقس ما سواها فمثال هذا المسجد علي ما تري و مثال الارض علي ما تري محشر بدنك النباتي و ساير النباتات و كذلك للحيوانات محشر مخصوص بها و كلاهما في الزمان و ان‌كان لزيد ايضا مسحة من الاعراض قد لحقت ذاته و هي ايضا غير تلك الاعراض بالجملة كل نفس يأتي متلبسا بمثل اعماله الصادرة منه و نياته و عقائده الخاصة به و جميعهم في ساهرة واحدة يشاهد كل احد كل احد و لو كانت تعرض هذه المثل لحجب بعضها بعضا كما هي في الدنيا فافهم ذلك فقد اوقفتك علي مر الحق المستور و المقصود من عرض الجميع مشاهدة كل كلا و شهادة الاعضاء والجوارح و الشهود علي الاعمال فيعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي و الاقدام نعوذبالله.

و اما الحساب فهو لغة‌ العد و المراد من الحساب يوم القيامة ضبط اعداد الصفات و الاعمال و كمها و كيفها و نهاياتها و صحتها و فسادها و رتبها ليعرف فذلكتها و مقادير جزائها بحيث لايبقي فيه خفاء لاحد و لايتعلل متعلل او يعتذر معتذر و يظهر العدل الحقيقي الحق و تجزي كل نفس بما تسعي و هذا الحساب بالنسبة الي الله سبحانه لحظة واحدة و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و هو اسرع الحاسبين و لكن بالنسبة الي الخلق و التفاتهم الي عمل عمل و شيء بعد شيء بايقاف الله سبحانه و الخروج من عهدة كل واحد و المرور علي كل واحد واحد يطول الي خمسين الف سنة من سني الدنيا كما كان عالم الذر خمسين الف سنة و كان فيه التكليف و يوم القيامة يوم جزاء ذلك التكليف فيكون بطوله واقعا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 119 *»

من حيث الخلق و ان كان من حيث الرب طرفة عين و هو اسرع الحاسبين كما ان الامر من الله قول كن و هو واحدة و لكن مدد المخلوقات لا نهاية لها و طول الدنيا مائة الف سنة فكذلك طول يوم القيامة خمسون الف سنة لانه من الصبح الي الزوال كما كان عالم الذر من الزوال الي الليل فهما معا يوم ليل الدنيا و مثال ذلك الشجرة الموجودة عليها جميع اوراقها فان نظرت اليها جملة رأيت جميع اوراقها في آن واحد و اما ان نظرت الي ورق بعد ورق يطول عليك المدة فلابد من طول وقت القيامة حتي ينظر المكلف الي عمل عمل و جميع ما له و ما عليه شيئا بعد شيء و يطول ذلك عليه خمسين الف سنة مما تعدون و ان كان عمره في الدنيا عشرين سنة مثلا لان بسط صفاته في الدهر اكثر من بسط اعماله في الدنيا الاتري ان الكافر قد عصي مثلا عشر سنين و من نيته ان لو عاش عمر الدنيا عصي فجميع اعماله في الدهر مبسوط بسط الدهر اليس انه يعذب بزنائه مخلدا و بكذبه مخلدا و باذيته المسلم مخلدا و بقوله الكفر مخلدا و هكذا فطول حسابه و علي ما عمل في عشر سنين خمسون الف سنة لانه مركب من قبضات عشر و كل قبضة كان مكلفا بالتلبس بمراتب التوحيد الخمس علي حسبه فذلك خمسون مقاما يمر علي ما في كل مقام الف سنة فان كل مقام له نهار وجود و ليل ماهية‌ و ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون.

و اما اخذ الكتب فاعلم ان الكتب كما كررنا في هذا الكتاب عبارة عن صفحات الواح الامكنة و الاوقات الذاتية للاعمال التي هي اوراق اللوح المحفوظ و المكتوب فيها مثل الاعمال الحسنة و السيئة و مثل النيات و العقايد المرسومة في غيب الامكنة و الاوقات بالعرض كما مثلنا به مكررا مما تلتفت اليه بخيالك و تراه من مثال زيد علي ما رأيته علي عمل صالح او سيئة فمتي ما التفتت اليه بخيالك رأيته في مكانه و وقته علي ما رأيته مادام ثابتا عليه فان اعرض عنه رأيت ذلك المثال في مكانه و وقته لكن منقطعا عنه غير متعلق به و تلك الصفحات الذاتية اما صفحات عليين او صفحات سجين فانها اما محال الاعمال الصادرة من جهة العقل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 120 *»

و الوجود و اما محال الاعمال الصادرة من جهة النفس الامارة و الماهية فمحال الاعمال العقلية صفحات عليين و محال الاعمال النفسية صفحات سجين و مرادي بالامكنة الذاتية و العرضية ان مثال صلوة زيد في مثال المسجد مثلا كونه في مثال المسجد عرضي و لكن كونه في محل وجوده الذاتي الذي هو مشخصه الذاتي و من حدود ماهيته و انيته و به يمتاز عن غيره ذاتي كما ان زيدا له محل عرضي يقعد فيه فاذا قام عنه و خرج قعد غيره في مكانه و اما مكانه الذاتي فهو الذي لايخرج منه مادام هو هو و لايسع غيره و كذلك المثال له مكان ذاتي من الامكان لايسع غيره و هو يقترن بهذه الامكنة العرضية كما يقترن بمثال آخر فالكتاب الذي يؤتي به يوم القيامة هو محل رسم مثل الاعمال و النيات و العقايد فان كانت من جانب العقل كانت الكتب عليينية و تأتي من جانب اليمين من امامه و يأخذها الانسان بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه اني ظننت اني ملاق حسابيه و ان كانت من جانب النفس الامارة تأتي من وراء ظهره و تخرج ظهره و تقع علي يساره نعوذبالله فسوف يدعو ثبورا و يصلي سعيرا و الكتاب مرسوم لكل احد من مؤمن و مسلم و كافر و مشرك و منافق فان كل احد عامل بعمل اما من جانب وجوده و اما من جانب ماهيته و جميع الاعمال محفوظ عند العليم الخبير و كل انسان الزمناه طائره في عنقه و تخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا.

و اما الموازين الموضوعة فاعلم ان الميزان آلة يستعلم بها الراجح من المرجوح و يشترط فيها ان‌تكون مناسبة للموزون و لما كان للشيء الواحد جهات عديدة يحتاج الي موازين عديدة مثلا ميزان لكمه و ميزان لكيفه و ميزان لجهته و ميزان لرتبته و ميزان لمكانه و ميزان لوقته و ميزان لوضعه و هكذا لكل نوع من انواع صفاته يحتاج الي ميزان و موازين الدنيا و الاخرة علي حد سواء و التفاوت في الشدة و الضعف و يشير الي ذلك قوله تعالي ما تري في خلق الرحمن من تفاوت و قوله انظر كيف فضلنا بعضهم علي بعض و للاخرة اكبر درجات و اكبر تفضيلا فموازين الدنيا و الاخرة علي حد سواء كما ان اجسام الدنيا و الاخرة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 121 *»

علي حد سواء و انما التفاوت في اللطافة و الكثافة و التجرد و الشوب و مثل ذلك يداك المعلومتان في الدنيا في توزينك شيئا و يداك بمعني قدرتك فانك تصنع ما تصنع بيدي قدرتك فافهم ان كنت تفهم و علي هذه فقس ما سواها.

و اما الموزون فهو نفس الاعمال و الصفات و النيات و العقائد لا صحائفها كما زعم بعضهم اذ ليس يتعلق التقويم الا بها و لايجازي الا هي و قد قدمنا ان صفة كتبها في الصحائف رسم مثلها في غيب الامكنة و الاوقات فيوزن كل عمل مع ما يقابله حتي يعرف الراجح من المرجوح و لعلك تتنبه من ذلك ان الوزن بهذا المعني لمن خلط عملا صالحا و آخر سيئا و اما من ليس لعمله مقابل كالمؤمنين الكاملين او الكافرين و المشركين فلاينصب لهم ميزان اذ لا مقابل لاعمالهم.

و اما صفة التوزين بالنسبة الي العالي فاعلم ان الشارع هو المتصف بصفة مشية الله المحبوبة علي نهج الكمال و له نور قد ظهر في عالم الاقوال بالامر و النهي فذلك النور هو الشرع و السبيل و السنة و الطريق الي المبدأ ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قل هذه سبيلي ادعو الي الله علي بصيرة انا و من اتبعني فتلك الاوامر و النواهي هي الشريعة المقدسة و هي تعبير عن ذلك النور و المكلفون مأمورون بالاستنارة من ذلك النور و المشي في ذلك السبيل و الارتقاء في درجاته باقدام الامتثال فهم مختلفون في طور الامتثال انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا لنبلوهم ايهم احسن عملا و احسن اولئك عملا من امتثل ما امر به علي حسب ما امر و علي ما يوافق صفة‌ المنير و رضاء الشارع و ذلك لا غاية له و لا نهاية يعني كلما يجيد المكلف العمل ليس يطابق صفة المنير علي ما هو عليه لان المكلف له انية‌ صباغة روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و صفة المنير هي الميزان القسط يقاس علي عمل العامل المكلف به هل يطابقه ام يخالفه و ما مقدار المخالفة و جهة المخالفة و عمله هذا اوفق مع صفة المنير او عمله ذاك و عمل زيد اوفق او عمل عمرو ليعرف قيمته و جزاؤه و تقدير الجزاء للاصباغ فلو كان موافقا تاما و لن‌يوافق عمل عامل ما يليق بحق الله لكان جزاؤه غير مقدر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 122 *»

بفضله جل و عز انما يوفي الصابرون اجرهم بغير حساب فالاعمال لها مادة و صورة مادتها ذلك النور المستطير النوعي و صورتها امتثال العاملين و التفاوت في الصورة كما ان الخشب الواحد يصنع منه سرير بالف دينار و سرير بعشرة دنانير لاختلاف الصورة و اما المعاصي فمادتها ظل الداعي الي الباطل و هو ضد ذلك النور و يعبر عنه بخلاف النور و صورها من امتثال دعوة ذلك الداعي و يعبر عنه بمخالفة الشارع الحق و الميزان هو ذلك النور و له جهات عديدة و كل جهة ميزان لجهة من العمل فذلك النور من حيث الكلية هو الميزان و من حيث جهاته الموازين و لكل ميزان كفتان و الكفة ما يحيط بالموزون من الجهات الخمس و الخفيف الصاعد لايحتاج الي تحت و الثقيل الهابط لايحتاج الي فوق و ذلك النور من كل جهة كفة و تلك الظلمة التي هي مخالفة النور من كل جهة كفة مثلا ذلك النور من حيث الاخلاص كفة و تلك الظلمة من جهة الريا كفة فعمل المرائي يوضع في كفة الريا فيكون خفيفا لاتأصل له و عمل المخلص يوضع في كفة الاخلاص فيكون ثقيلا فيوضع حسنات الرجل في كفة الحسنات و السيئات في كفة السيئات فيعرف الراجح من المرجوح فالشارع هو الميزان القسط و لو قيل ان الميزان له كفتان كفة هي جهة‌ امر الشارع فيوضع فيه الامر و هي جهة المادة و كفة يوضع فيه عمل المكلف و امتثاله و هي جهة الصورة فيوزن العمل بصنج الامر فيعرف به مقدار الموافقة و المخالفة فله وجه وجيه كما مر فكل عمل وافق الامر نوعا فهو مقبول و ثقيل و يقوم علي حسبه و يجازي بحسبه و كل عمل خالف الامر نوعا فهو مردود و خفيف فيجازي بحسبه و انما قلنا نوعا لان احدا لايقدر ان يمتثل امر الشارع كما امر و يؤدي حقه و في الحقيقة كل عمل خفيف دون امره و لايستحق العامل شيئا فكل احسانه تفضل و كل نعمه ابتداء و شاهد ذلك قول السجاد7 في السجود بعد الثماني من صلوة الليل الهي و عزتك و جلالك لو انني منذ بدعت فطرتي من اول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين سرمد الابد بحمد الخلايق و شكرهم اجمعين لكنت مقصرا في بلوغ

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 123 *»

 اداء شكر خفي نعمة من نعمك علي و لو انني يا الهي كربت معادن حديد الدنيا بانيابي و حرثت ارضها باشفار عيني و بكيت من خشيتك مثل بحور السموات و الارض دما و صديدا لكان ذلك قليلا في كثير ما يجب من حقك علي و لو انك يا الهي بعد ذلك عذبتني بعذاب الخلائق اجمعين و عظمت للنار خلقي و جسمي و ملأت جهنم و طبقاتها مني حتي لايكون في النار معذب غيري و لا لجهنم حطب سواي لكان ذلك بعدلك قليلا في كثير ما استوجب من عقوبتك انتهي. انظر الي موازنته اعماله صلي الله عليه مع رضاء ربه و امره و اظهار خفة اعماله دون ثقل رضاه فما ظنك بغيره و من وازن عمله في الدنيا يرجي ان لايناقش في الاخرة و يتقبل الله منه عمله و يجازيه باحسانه الابتدائي بالجملة هذا احد وجوه التوزين فكما انه يوزن الشعر بالعروض فيوضع العروض في كفة‌ و الشعر في كفة‌ ثم يقاس و يوضع النحو في كفة و الكلام في كفة ثم يوزن به و يقاس كذلك يوضع امر الشارع في كفة و العمل في كفة ثم يقاس به و يعرف الخفة و الثقل بالمقايسة النوعية كما اشرنا اليه و ان اريد موازنة‌ الحسنات و السيئات فيوضع الحسنات في كفة‌الموافقة و السيئات في كفة المخالفة كما مر فالكفة محل العمل اي مكان وجوده كما اشرنا اليه آنفا فكفة الحسنات من امكنة‌ عليين و كفة‌ السيئات من امكنة‌ سجين و لايحتاج الاعمال الي نقل و تحويل الي الميزان بل وضعت في كفتيها حين صدرت من عاملها و ابدا في كفتيها و هما معلقان بشاهين مشية‌ الله المعلقة بيد الله و الحاكم هو علم الله و عين الله الناظرة بهما فيري الثقيل ثقيلا و الخفيف خفيفا و يحكم بما يري و ما اعجب ما روي خير الميزان ما كان له لسان.

قاعدة

في الجنة و النار اعلم ان الناس اختلفوا في الجنة و النار هل هما اليوم موجودتان كما عليه عامة المسلمين ام لا و انما توجدان في الاخرة كما ذهب اليه شرذمة من المعتزلة ام هما موجودتان بلاتعينات النعيم و العذاب و ان الملائكة تصنع فيهما المنازل و الدرجات و الدركات فتوجدان في اوقات الدنيا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 124 *»

بالتدريج و منشأ الاختلاف اختلاف ظواهر الايات و الروايات و المعروف من المذهب انهما اليوم موجودتان و انما دخل الجنة رسول الله9 ليلة المعراج و رأي النار و وجودهما في اخبارنا كالمتواتر المعنوي و روي اللعن علي من يقول انهما ليستا بموجودتين الان و روي عن ابي جعفر7 والله ما خلت الجنة من ارواح المؤمنين منذ خلقها و لا خلت النار من ارواح الكفار العصاة منذ خلقها عزوجل انتهي. و شرح صفة وجودهما انه قد تبين مما قدمنا ان اجسام الدنيا هي اجسام البرزخ و هي اجسام الاخرة يعني ان سماء الدنيا هي سماء البرزخ و هي سماء الاخرة و ارض الدنيا هي ارض البرزخ و هي ارض الاخرة و المواليد الدنياوية هي مواليد البرزخ و هي مواليد الاخرة و الاعراض الدنياوية هي اعراض البرزخ و هي اعراض الاخرة و لذات الدنيا هي لذات البرزخ و هي لذات الاخرة و آلام الدنيا هي آلام البرزخ و هي آلام الاخرة فاللذات هي جنة الدنيا و هي جنة البرزخ و هي جنة الاخرة و الالام هي نار الدنيا و هي نار البرزخ و نار الاخرة‌ الا انها في الدنيا مشوبة بالاعراض الغريبة و اضدادها و في البرزخ تطهر عن تلك الاعراض و يبقي عليها الاعراض البرزخية و في الاخرة تصفو فيصفو كل شيء و يصير صرفا خالصا فيما هو به هو فيكون اللذة لذة خالصة لانغص فيها و الالم الما خالصا لا راحة فيها نعوذبالله فجنة الاخرة هي صرف جنة البرزخ و هي مطهرة جنة الدنيا و نار الاخرة هي صرف نار البرزخ و هي مطهرة نار الدنيا قال الله سبحانه فاولئك يدخلون الجنة و لايظلمون شيئا جنات عدن التي وعد الرحمان عباده بالغيب انه كان وعده مأتيا لايسمعون فيها لغوا الا سلاما و لهم رزقهم فيها بكرة‌ و عشيا تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا. و لاشك ان البكرة و العشي في جنة البرزخ و الدنيا و الجنة المورثة للاتقياء هي جنة الاخرة و قال تعالي و حاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا و عشيا و يوم يقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب و عن القراء الاتفاق علي الوقف علي الساعة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 125 *»

و عرض الغدو و العشي في البرزخ و عرض القيامة يوم يقوم الساعة و النار واحدة بالجملة كما ان جسم الاخرة هو جسم البرزخ و جسم الدنيا كذلك جنة الاخرة هي جنة البرزخ و جنة الدنيا و كذا نارها و ان ما في الدنيا يطهر سبعين مرة حتي يكون برزخيا و ما في البرزخ يطهر سبعين مرة حتي يكون اخرويا.

و لما كان معرفة ذلك من مشكلات الفن يحتاج الي بسط المقال و ان كان يتجاوز في الجملة مناسبة الحال اعلم ان كل شيء لايتم قابليته لكمال الاجابة الا في حلين و عقدين كما ثبت في الفلسفة فالحل الاول في الماء الاول عند اذابته لقبول الماهية التي تسمي بالصورة النوعية و الامتزاج و كون الاجزاء شيئا واحدا و تحصيصه حصصا مبهمة في العقل و التخلق و النمو في الروح و تمام العقد في النفس فهيهنا يتم الخلق النوعي للشيء و يكمل ثم يكسر للخلق الثاني و يحل في الطبايع و يمتزج في جوهر الهباء و يبدأ الانعقاد في المثال و يتم في الجسم و هذا هو الخلق الثاني الشخصي و تمام اكسير الاجابة لدعوة الداعي و الخلق الثاني تمام الخلق الاول و ظاهره و ما لم‌يكن كليات الحكمة تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم فبالخلق الشخصي كمال تجلي المتجلي و ظهور الظاهر و كمال الاجابة لدعوة الداعي عند التكليف الكوني كما ان الجسم النوعي لا ظهور له و لا تمثل و لا وجود الا في الاجسام الشخصية فاعتبر و للاكسير حل ثالث عند القائه علي المعدن الناقص القابل و ذوبانه معه و امتزاج و غوص و بداية‌ انعقاد معه و حصول القطبين علي اكمل وجه و كذلك للانسان مثلا انحلال بالدفن في التراب و تفرق لاجزائه الاصلية بمجاورة الاعراض ثم امتزاج عند نزول المطر من بحر الصاد ثم بداية عقد عند اجتماعها في قبره ثم تمام تركيب عند النشر ليحصل له الحيوة‌ الابدية و لسنا الان بصدد بيان ذلك و الغرض ان الجسم الدنياوي الزماني هو الاثر الشخصي الصادر عن امر الله قد نزل من الخزائن العليا العندية و هو في تركيبه زماني و اما اذا لاحظت انه مركب من مثال و مادة هي حصة من الطبيعة فاجزاؤه دهرية و المثال من تلك الاجزاء برزخية بين الدهر و الزمان والمادة و الطبيعة متمحضتان في الدهرية فالمثال اعلاه دهري لانه هو نهايات المادة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 126 *»

الدهرية و اسفله مرتبط بالاجسام الزمانية الدائرة علي المحور و منه ما تري في المرآة من الشبح فلاجل ذلك اسفله علي صفة عالم الزمان له افلاك و عناصر و فيه طلوع و غروب مثل ما في هذه الدنيا و هو عالم البرزخ المشار اليه في الكتاب و السنة قال الله تعالي و من ورائهم برزخ الي يوم يبعثون و عالم الاظلة المشار اليه في الاخبار. بالجملة الجسم له مراتب اعلاه في عرصة الاخرة و اوسطه في عالم البرزخ و اسفله في الدنيا و وقته في المراتب الثلث الزمان و محله المكان و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي اولم يروا انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها قال7 يعني بموت العلماء و قد اجمع المسلمون علي ان المعاد جسماني و الفرق بين هذه المراتب ان الجسم في الاخرة خالص عن جميع الشوائب و الاعراض البرزخية و الدنياوية و في البرزخ خالص عن شوائب الدنيا الا انه مشوب بالاعراض البرزخية و المراد بها ما يحصل لكل شيء هناك من تعاكس الامثلة و اللطخ و الخلط المثالي الفلكي و في الدنيا مشوب بالاعراض الدنياوية و المراد بها ما يحصل من اختلاط الطبايع الدنياوية بعضها ببعض فالجمادات هي مولودات حصلت من اختلاط غلايظ هذه الاعراض الدنياوية و النباتات هي مولودات حصلت من صفايا الاغذية العرضية الدنياوية و منها هذه الافلاك الظاهرة لانها في هذا العالم بمنزلة ‌الروح البخاري و الدخاني في الانسان ثم استوي الي السماء و هي دخان و قد روي انها حدثت من بخار الزبد الذي منه الارض و الحيوانات هي مولودات حدثت من الجسم الفلكي لا ظاهره فانه نباتي بل باطنه و غيبه و المراد بغيب الفلك ما خلص من جسمه عن النباتية لا امر روحاني كما ان صفايا الاغذية اي النفس النباتية هي من غيب الجماد فاذا صفي هذه الافلاك ورد ما في كل واحد عن كل واحد الي كل واحد و خلصت عن الاعراض التي منها النبات هي عناصر الحيوان و اصوله و منها النفس الحيوانية و هي ايضا جسم مركب من طبايع جوهرية و الانسان الظلي اي الحيوان الناطق فهو مولود حدث من غيب غيب الافلاك يعني اذا صفيت مرة اخري عن الاعراض الغيبية الحيوانية التي هي الطبايع

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 127 *»

الجوهرية كما ان الروح النفساني في الانسان يستخرج من الروح الحيواني و هو مركب من العناصر الجوهرية الظلية المثالية فاذا صفي مرة اخري استخرج منه النفس الناطقة القدسية الدهرية و هي الجسم الحقيقي له مادة و صورة و مدته الزمان الحقيقي و محله المكان الحقيقي و هو مركب من طبايع ركنية  دهرية فجسم الانسان الحقيقي مخبوء في جسم الانسان الظلي و جسم الانسان الظلي مخبوء في جسم الانسان الحيواني و جسم الانسان الحيواني مخبوء في جسم الانسان النباتي و جسم الانسان النباتي مخبوء في جسم الانسان الجمادي و ما سوي الانسان الحقيقي عرضي قد تألف من اعراض صالحة لكل احد اي لان تكون اعراض زيد او عمرو او نبي او غير نبي او سعيد او شقي و هكذا الا ان الاعراض حاملة لذلك الجوهر الانساني اذ هو النطفة التي نزلت من بحر صاد الوجود الذي هو تحت عرش المشية و وقعت علي شجرة مزن النفوس و نزلت منها الي العرش و الكرسي و الافلاك و السحاب ثم علي الارض و النبات ثم صعدت و تصفت شيئا بعد شيء حتي عادت الي ما منه بدئت و صارت بالفعل بعد ما صارت بالقوة فجسم زيد في الدنيا هو جسمه في البرزخ و لكن يتصفي سبعين مرة و هو جسمه في الاخرة و لكن يتصفي اربعة آلاف و تسعمائة مرة و هو جسمه الحقيقي و في التصفي يعود كل ما ليس منه و لا اليه الا انه كان حاملا له الي جوهره و لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة و كما بدأكم تعودون و كلهم آتيه يوم القيامة فردا و كذلك هذا العالم بعينه يعني سماواته هي سماوات البرزخ و الاخرة و ارضوه ارضوا البرزخ و الاخرة الا انها تتصفي في البرزخ سبعين مرة و في الاخرة اربعة آلاف و تسعمائة مرة يوم تبدل الارض غير الارض و السموات و برزوا لله الواحد القهار و كذلك اللذات الدنيوية هي هي اللذات البرزخية و هي اللذات الاخروية الا انها في الدنيا مشوبة بالمكاره و تصفي في البرزخ سبعين مرة و في الاخرة اربعة آلاف و تسعمائة مرة كما سمعت يعني لذة زيد في الدنيا بما يناسبه و يشتد المناسبة بين المناسبات في البرزخ سبعين مرة لتخلص الاجسام

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 128 *»

فيشتد التذاذه بها و كذلك يتصفي البرزخي في الاخرة سبعين مرة فيشتد التذاذه به في الاخرة سبعين مرة فلايلتذ الانسان في الدنيا و الاخرة‌ الا مما يناسبه و كلما يشتد المناسبة يشتد الالتذاذ و كذلك مكاره الدنيا بعينها هي مكاره البرزخ و هي بعينها مكاره الاخرة و كلما يشتد المنافرة يشتد التألم نعوذبالله ألاتري ان الحرارة‌ التي لا برودة‌ فيها اشد تنافرا عن البرودة التي لا حرارة فيها مما اذا كانتا مشوبتين اذ بقدر الشوب تتناسبان فتبين من ذلك ان جنة‌ الاخرة هي جنة‌ البرزخ و جنة‌ البرزخ هي جنة‌ الدنيا و نار الاخرة هي نار البرزخ و نار البرزخ هي نار الدنيا نعوذبالله و كلتاهما جسمانيتان بحقيقة الجسمانية و وقتهما الزمان الحقيقي و محلهما المكان الحقيقي الا ان ذلك الجسم و وقته و مكانه كلها حضور في الدهر و الزمان و المكان لازمان الجسم فالحمدلله علي ما عرفنا حقيقة‌ ما اتي به حججه سلام الله عليهم و بصرنا بحقيقة صدق اقوالهم و ان عرفت ما من الله به علينا و عليك عرفت ان الجنة و النار موجودتان اليوم كما ان الجسم الحقيقي موجود الان و لولا الجسم الحقيقي لم‌يقم الجسم العرضي في محله و كذلك لولا الجنة الان لم‌يقم لذة في الدنيا و لولا النار لم‌يقم الم في الدنيا و وجود الجنة في اللذات و النار في الالام و الجسم في الاجسام العرضية ليس علي نحو القوة في الامكان فانها عدم و لا علي نحو الزبد في اللبن و ان كنا نمثل به احيانا للتقريب فانهما في صقع واحد و لا علي نحو الشجرة في النواة بل هي موجودة بالفعل في غيب هذا العالم و بوجودها قامت الدنيا و ما فيها و رتبة الجنة غيب الكرسي و سقفها عرش الرحمان و رتبة النار غيب الصخرة التي تحت الارضين السبع تحت قدمي الملك الحامل لها فقد روي ان الجنة تحت العرش في الاخرة و ان النار تحت الارض السابعة السفلي و لكل منهما مراتب بازاء كل مرتبة من مراتب من يدخلهما و في كل مرتبة نعيم او عذاب من جنس تلك المرتبة و لا تفاوت في ذلك بين المقربين و اصحاب اليمين فان لكل منهما مراتب و لكل منهما جسم محسوس و مراتب غيبية روحانية الا ان قوة النعيم لكل واحد يتفاوت و مراتب الجنان المحسوسة في غيب الافلاك لقوله تعالي لاتفتح لهم ابواب السماء و لايدخلون ففوق كل سماء في خلال الاعلي جنة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 129 *»

الي ان الثامنة فوق الكرسي في خلال العرش و اما الجنان المعقولة ففي عالم الجبروت و اعاليها تنتهي الي عالم اللاهوت اي السرمد و للجنان المحسوسة في كل سماء ارض لقوله تعالي الحمد لله الذي صدقنا وعده و اورثنا الارض نتبوء منها حيث نشاء و روي ان الجنة ارضها الكرسي و سقفها عرش الرحمان و المراد بهذا الخبر ان الجنة الثامنة التي هي قطب الجنان و مبدؤها في الكرسي او ان ارض الجنة الكرسي و ما يضاف اليه فان الافلاك تفاصيل الكرسي بالجملة و كذلك بعكس ذلك امر النار و للجنة و النار المحسوستين مظاهر في هذه الدنيا كما قد ظهر باصرة الروح في العين و سامعته في الاذن و هكذا و هي كل ارض طيبة و كل طيب و كل ملائم محبوب للجنة و عكسها للنار فانها اذا صفيت كانت جنة او نارا كما سمعت و كذا الجنان المعنوية و النار المعنوية لهما مظاهر كالاقبال الي الله و مناجاته و برد القلب و الالهام و المعرفة و المحبة و امثالها و كالهموم و الغموم و الكفر و وسوسة الشياطين و الانضجار و امثالها كلها اذا صفيت كانت جنة‌ او نارا اخروية و ما روي من ان الانهار الاربعة اي الفرات و النيل و سيحان و جيحان يجرين من الجنة فمعناه ان الفرات مظهر الماء الذي في الجنة و النيل مظهر الخمر و جيحان مظهر العسل و سيحان مظهر اللبن و هي انهار اربعة في الجنة فالماء مظهر العقل و العسل مظهر الروح و اللبن مظهر النفس و الخمر مظهر الطبع و هي في الجنان المعنوية معنوية و في المحسوسة محسوسة يغترفها الملائكة و يلقيها علي العرش فتجري من اركانها الي الكرسي الي الافلاك الي السحاب الي المطر الي الارض فيسلكه الله ينابيع في الارض و يجري بها الاودية فاذا صفيت كانت انهارا في الجنة و كذلك برهوت انه واد من اودية جهنم في حضرموت من اليمن و فيه عين تسمي بلهوت و هي احر ماء علي وجه الارض و امثالها من عيون بقر و بئر النار في بادكوبة و جبال النيران و امثالها فانها كلها مظاهر النيران و جهنم علي حذو ما سمعت و اما ما روي ان ان الجنة في المغرب و النار في المشرق فليس المراد جهتهما فانهما فوق محدب العرش رتبة فيراد من المغرب مغرب شمس

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 130 *»

الطبايع و من المشرق موضع شروقها و الشمس حرها من جهنم و نورها من الكرسي فانه لا مشرق و لا مغرب حقيقيين في الدنيا مع كرية الارض و استدارة السماء.

قاعدة

اعلم ان الله سبحانه خلق الخلق في اكوانهم الظاهرة من مادة و صورة كونية و ميز بينهم بتمييزات كونية و لم‌يكونوا مصورين بصورة طاعة و لا معصية و اكوانهم امكان الصور الشرعية و اكوانها كما تري من ان العين مثلا صالحة لان تنظر بها الي غير محرم و ان تنظر بها الي القرآن و اليد صالحة لان تلطم بها وجه اليتيم و ان تتصدق بها و هكذا و ليس في هذه العرصة شقي و سعيد و جنة و نار و عليون و سجين ثم وجه المشية التشريعية الي هذا الامكان ليختبرهم فاشرق منها نور علي صفة تلك المشية يحمله الامر و النهي و هما ظهوراه في عالم الالفاظ فوقعا علي ارض ذلك الامكان فاختلف اجزاؤها في القبول و سرعة الاجابة و تأخرها و عدمه و كيفيتهما و حدث هيهنا الكون الشرعي مركبا من مادة هي ذلك النور و صورة هي قبول الملكف و عدمه و تلك الصورة التي هي العمل اما توافق الامر و النهي فتكون علي حسب محبة الله و اما تخالف فتكون مبغوضة لله سبحانه و تلك المادة معراة عن الموافقة و المخالفة اذ هما صفتان للعمل لا النور الصادر من المشية ففي عرصة الاعمال يحصل الجنة المحبوبة‌ و النار المبغوضة و عليون و سجين و السعادة و الشقاوة و الحسن و القبح و الطيب و الخبث و لذا روي الاعمال صور الثواب و العقاب فالجنة مادتها ذلك النور الصادر من المشية و صورتها اعمال العالمين و الي ذلك يأول قوله ان الجنة قاع صفصف فاكثروا فيها الغراس و النار مادتها ذلك النور اذ هي علي صفة محبة الله ايضا و صورتها اعمال العالمين فما تجزون الا ما كنتم تعملون ليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري انما هي اعمالكم ترد اليكم فالاعمال الحسنة في الدنيا اعمال بدنية او عزيمات قلبية و اما في الاخرة فهي تظهر بصور القصور و الاشجار و الطيور و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 131 *»

الانهار و الحور و الثمار علي حسب مقتضي ذلك العالم لا هذا العالم و كذا النار بعكس ذلك بالجملة الاكوان الشرعية قد ظهرت في الدنيا علي صورة الصفة للوجودات الكونية و استخرجت من امكانها و تدخرها عنها مع كونها العلة الغائية تدل علي تقدمها و هي كانت كحبة زرعت في الوجودات الكونية ثم اضمحلت فيها و صارت بالقوة ثم خرجت منها كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة و الله يضاعف لمن يشاء فالوجودات الشرعية هي مقدمة علي الوجودات الكونية و هي العلة الغائية من الايجاد و خلق الله تلك الوجودات الشرعية علي حسب علمه بها و علمه بها اولي بحقيقة التصديق فمن علمه الله سعيدا خلقه سعيدا فانزله في الوجودات الكونية ثم هيأ اسبابا استخرجه بها منها غضا طريا و من علمه شقيا خلقه شقيا ثم انزله في الوجودات الكونية ثم هيأ اسبابا استخرجه بها منها غضا طريا و ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل فانقطع الاعذار و قامت حجة الجبار و اما في الظاهر فخلق كونا صالحا للاجابة و الانكار و اقام الدعاة الي الجنة و النار فتفرق الاخيار من الاشرار و لا حجة لاحد عليه في الغيب و الشهادة و له الحجة علي الاشرار و المن علي الاخيار لا اله الا هو الملك القهار و ليس هيهنا مقام اكثر من هذا المقدار فلما كانت الوجودات الشرعية علي صورة الصفة للوجودات الكونية انقلبت تلك الوجودات في بطون تلك الصور و الصفات فمن كان عمله خيرا انقلبت مادته في بطنها نورا و من كان عمله شرا انقلبت مادته في بطنها ظلمة و ان اريد بالوجودات الكونية هذه الاعراض الدنياوية و البرزخية فانها عند التصفية تعود الي جواهرها و يبقي الانسان الشرعي مصورا بصورة عمله اما مخلوقا من طينة عليين و الجنة و اما من طينة سجين و النار له مادة من نور الشارع و صورة من عمله و لذلك يقال ليس وراء دنياكم هذه الا جنة او نار و ذلك الوجود الشرعي هو العلة الغائية و الصورة‌ العلوية المشار اليها في شرح العالم العلوي صور عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد و انما هي معراة عن المواد العرضية و مددها لا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 132 *»

عن مطلق المادة و ليس مرادي من بقاء الانسان الشرعي ان المحشور هو الانسان الشرعي و لا كوني له بل المحشور هو الانسان الكوني الذاتي المصور بالصورة‌ الشرعية كما كانوا في عالم الذر اولا اكوانا ثم كلفوا و صوروا بصور اجاباتهم نعم بعد ما نزلوا الي هذه الدار حصل لهم اعراض كونية ايضا ليس منهم و لا اليهم و ذلك حين ماتوا في عالم الذر و دفنوا في ارض الطبايع و حصل لهم هنالك لطخ و خلط فافهم.

قاعدة

اعلم ان النار خلق عظيم اعاذنا الله منها بحق محمد و آل محمد: لانها من غضب الله جل جلاله و غضب الله جل جلاله هو مقتضي الاعمال التي تخالف امر الله و نهيه و النار لها مادة و صورة مادتها نور الشارع الذي حامله الامر و النهي كما اشرنا اليه و صورتها مخالفة المكلف الامر و النهي كما اشرنا اليه سابقا و بتلك الصورة يكون ذلك النور نارا و تختص بالمكلف و لها مراتب علي حسب المراتب و مخالفة المكلف فيها و ذلك ان للمكلف جسما عنصريا و حيوة و فكرا و خيالا و وهما و علما و نفسا و هذه المراتب صالحة لان يطيع بها الانسان اوامر الشارع و نواهيه و ان‌يعصيه فيها فهي اما ابواب الجنة بها يتوصل اليها و اما ابواب النار بها يصل اليها نعوذبالله و للجنة باب ثامن و هو العقل و لايصلح هذا الباب للمعاصي فان العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان فلاجل ذلك يكون الجنان ثماني و النيران سبعا فالباب الاول باب الجسم هو الجحيم يقوم اهلها علي الصفاء منها يغلي ادمغتهم كغلي القدور بما فيها و باب الحيوة لظي نزاعة للشوي تدعو من ادبر و تولي و جمع فاوعي و باب الفكر سقر لاتبقي و لاتذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر و باب الخيال الحطمة و منها يثور شرر كالقصر كانه جمالات صفر تدق من صار اليها مثل الكحل فلاتموت الروح كلما صاروا مثل الكحل عادوا.

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 133 *»

و باب الوهم الهاوية فيها ملوك يدعون يا مالك اغثنا فاذا اغاثهم جعل لهم آنية من صفر من نار فيه صديد ما يسيل من جلودهم كانه مهل فاذا رفعوه ليشربوا منه تساقط لحم وجوههم من شدة حرها و هو قوله و ان يستغيثوا يغاثوا الاية و من هوي فيها هوي سبعين عاما في النار كلما احترق جلده بدل جلدا غيره و باب العلم السعير فيها ثلاثمائة سرادق من نار في كل سرادق ثلاثمائة قصر من نار في كل قصر ثلاثمائة بيت من نار في كل بيت ثلاثمائة لون من عذاب النار و فيها حيات و عقارب و جوامع و سلاسل و هو قوله انا اعتدنا للكافرين سلاسل و اغلالا و سعيرا و باب النفس جهنم فيها ثلث طبقات الفلق و هو جب في جهنم اذا فتح سعر النار سعيرا و هو اشد النار عذابا و صعود و هو جبل من صفر من نار وسط جهنم و اثام واد من صفر مذاب يجري حول الجبل فهو اشد النار عذابا نعوذبالله من جميعها فاذا عصي الله الانسان بتلك المراتب كانت ابوابا لهذه الدركات تؤدي صاحبها الي تلك الدركات و الدركات هي صورتها نفس تلك المعاصي و موادها ظل الشارع اذ هو رحمة الله علي الابرار بباطنه الذي هو الطاعات و نقمته علي الفجار بظاهره الذي هو المعاصي و الانسان المتصف بالعصيان اي الانسان الكوني المستحيل كينونته في العصيان ظلمة و شرا يحترق في تلك النار و يتألم دائما لثبات كينونته في الدهر في تلك الصفة الثابتة في الدهر المكتوبة في لوح محلها الاتري انك كلما التفت اليها تجدها فتلك الكينونة مخلدة في تلك الصفة التي هي صورة‌ العقاب و شرح سر التنعم و التألم ان تلك الكينونة اثر مشية الله و علي حسب صفتها و هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها و كل مولود يولد علي الفطرة اذا عرض عليها الحق و الباطل عرفهما و تلك الكينونة مستمدة من الله سبحانه و يمدها الله بجنسها و بقاؤها بذلك المدد فاذا اطاع الانسان امده الله من جنس ذلك المدد فانه بلسان عمله يسأل ربه المدد من جنس الطاعة و الطاعة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 134 *»

تكون طاعة‌ لموافقتها امر الشارع و نهيه و مناسبتها للفطرة بالذات فان الفطرة علي حسب المشية و المشية علي حسب صفات الله و انما مكنت الفطرة من المعصية بالعرض لتمام تحقق الطاعة فاذا اطاع الانسان و جاءه المدد من جنسها ناسب الفطرة بالذات فتنعمت و سكنت بها و استقرت في جميع مراتبها و هي العقل و النفس و التعقل و العلم و الوهم و الوجود و الخيال و الفكر و الحيوة و الجسد لانها خلقت للطاعة بالذات فكتبت الواحدة عشرا في الالواح العشرة واذا عصي امده الله من جنس ذلك العصيان فانه بلسان عمله يسأل ربه المدد من جنسه و المعصية‌ تنافي تلك الفطرة بالذات و ان كانت صالحة للمعصية ايضا بالعرض فتتألم تلك الفطرة من ذلك المدد المنافي لها بالذات و يحصل للفطرة طبيعتان طبيعة اولية هي علي حسب هيئة المشية و طبيعة ثانية تطبعية فان امدت بمقتضي التطبع تألم الطبيعة الاولي و ان لم‌تمد تألمت ايضا فانها محتاجة الي المدد و لا مدد لها غيره قال الله تعالي ان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل و ان لم‌يغثوا استغاثوا لشدة عطشهم و احتياجهم الي المدد و كذلك ليس يسكن المهية بذلك المدد فانها قائمة بالوجود فاذا اضطرب الوجود اضطرب المهية بالتبع فاذا عصت تكتب واحدة لانها تمر بنفسه و علمه و وهمه و خياله و فكره و حيوته و جسمه و لاتستقر فيها لانها لم‌تخلق لها و لم‌تكن من طبعها و تحتاج الي تكلف و لذا قال الله تعالي لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت و الاكتساب فيه تكلف ليس في الكسب فلاتستقر فيها حتي تصدر من الجسد ثم تنعكس منه عليها فان لم‌تدفعها بفطرتها الاصلية ثبتت علي الجسد فيؤجل العاصي سبع ساعات حتي يتم الانعكاس علي كل رتبة فان لم‌يتب و تمكنت فيه كتبت واحدة و هي ما صدر من الجسد و ما في البواقي عكوسها و ليس لها فيها تأصل و لذلك يكتب نية الخير و ان لم‌يعمل بجسده و لايكتب نية‌ الشر حتي يعمل بجسده فانه اصل الماهية و مبدأها فتدبر.

ثم اعلم ان جهنم تشتمل علي انواع الالام في اكمل مراتبها و اشد صرافاتها بمعني ان كل الم في الدنيا اذا بلغ حد القتل في لحظة اذا شدد اربعة آلاف و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 135 *»

تسعمائة مرة تساوي آلام النار نعوذبالله كما سمعت انه تصفي الاجساد كذلك و كذلك كل لذة‌ في الدنيا للجنة ففي النار آلام محسوسة متضادة و آلام معنوية متنافرة علي حسب ما مر.

ثم اعلم انه قد حقق في محله ان الجان خلقوا من ظل الاناسي فالجنان الاصلية هي طاعات الاناسي و محلها افلاك الاناسي كما عرفت و هي درجات الاناسي و اما الجن فهم في حظاير تلك الجنان بين السماء و الارض و هي اشعة السماوات و انوارها التي بين السماء و الارض لان كينونتهم ظل كينونة الاناسي و طاعاتهم ظل طاعات الاناسي و كذلك حال مراتب النار فعصاة الجن يسكنون الضحضاح و هي ادخنة صاعدة من النيران الاصلية فوق الارض علي طبع كل درك نعوذبالله و عصاة الاناسي يسكنون النيران الاصلية نستجير بالله و اما اولاد الزنا فالي سبعة ابطن فان عصوا فمع الاناسي و ان اطاعوا فمع الجن لقوة استعدادهم في العصيان و ضعفه في الطاعة و اما المجانين فيجدد لهم التكليف فان اطاعوا او عصوا فمع الجن اللهم الا ان‌يرفهم شفاعة الشافعين و اعلم ان الطاعة الخالصة هي كلمة النجاة فان كانت تامة الحروف ترفع صاحبها الي الجنان فان كانت ناقصة او ضعيفة تقصر عن رفع صاحبها فان اشرق عليها نور شفيع اتم الكلمة او قويها فرفعت بصاحبها الي درجة تقتضيها و الا فيبقي في محله و ذلك هو سر نفع الاعمال لحي او ميت.

قاعدة

اعلم ان الله سبحانه خلق الانسان كلمة‌ تامة انموذج العالم فجعل فيه من كل جزء من اجزاء العالم قبضة تدل علي بيدر العالم فجعل فيه من العرش قبضة فخلق منها قلبه و هو مظهر عقله و من الكرسي قبضة فخلق منها صدره و جعله مظهر نفسه و من السماء السابعة قبضة و جعلها تعقله و من السادسة قبضة و جعلها علمه و هما ظهوران من باطن العرش و الكرسي فالتعقل فعل العقل و تأييده و العلم فعل النفس الملكوتية و تأييدها و من الخامسة الوهم و هو مركب من اثر الفلكين فمعنويته من اثر التعقل و جزئيته من اثر العلم و من الرابعة وجوده الثاني

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 136 *»

و مادته و طبيعته و من الثالثة الخيال و هو ظاهر الوهم و من الثانية الفكر و هو ظاهر العلم و من الاولي قبضة خلق منها حيوته و من الارض اي ارض الطبايع حصة و قبضة خلق منها جسده و جعل فيه من النار عينه و من الهواء اذنه و من الماء شمه و من التراب ذوقه و من المجموع لمسه. و كل واحدة من هذه القبضات مركبة من مادة و صورة بحسب رتبتها و لطافتها و كثافتها بعضها فوق بعض درجة و المراد بهذه القبضات القبضات الذاتية لا العرضية و هي كلها صالحة لان‌يطيع الله الانسان بها و لان‌يعصي علي ما تقدم الا انه اذا اطاع يطيع بمقتضي وجوداتها و اذا عصي يعصي بمقتضي ماهياتها و الطاعة هي امتثالها لامر الشارع و نهيه اللذين هما حاملا نوره و شعاعه المنبث علي القوابل و المعصية هي امتناعها عن الامتثال و مخالفتها فعليها من ذلك النور و الامتثال او المخالفة وجود شرعي هي به مؤمنة او كافرة و هذا الوجود الشرعي هو العلة‌ الغائية للوجود الكوني مقدم عليه وجودا و مؤخر عنه ظهورا ذاتي متقدما عليه و وصفي متأخرا عنه نظيره كون الماهية موجودة فالوجود مقدم عليها و متذوت متقدما و ظاهر عليها علي الوصفية.

بالجملة ذلك الوجود الشرعي هو الجنة و النار و ذلك الوجود الكوني بطاعته في الجنة و بعصيانه في النار و للطاعة درجات بحسب تلك المراتب المذكورة فانه ان اطاع يطيع الله بعقله و نفسه و تعقله و علمه و وهمه و طبعه و خياله و فكره و حيوته و تلك الطاعات هي مراتب الجنان فكل جنة‌ فوق سماء و في خلال الاعلي كما مر و قال الله سبحانه لاتفتح لهم ابواب السماء و لايدخلون الجنة و الجنة‌ الثامنة فوق الكرسي في خلال العرش و هي جنة‌ عدن و هي التي ارضها الكرسي و سقفها عرش الرحمن و جميع هذه الجنان مظاهر رحمة‌ الرحمن و هي حقيقتها و اذا عصي نعوذ بالله بهذه المراتب فكل رتبة‌ من وجوده الكوني يتصور بصورة‌ عصيانه و هي الوجود الشرعي علي ما وصفت و ذلك الوجود الشرعي هو النار و لها مراتب اوليها في الارض الاولي ارض الموت و ثانيتها في الارض الثانية ارض العادات و ثالثتها في ارض الطبايع و رابعتها في ارض الشهوة و خامستها في

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 137 *»

ارض الغضب و سادستها في ارض الالحاد و سابعتها في ارض الشقاوة و ذلك ان النار بجميع طبقاتها في الارض و الظاهر ان الابواب السبعة لكل طبقة و قد يراد بها الحواس الخمس و الجسد و النفس و لو قيل الحواس الخمس و البطن و الفرج لم‌يكن بعيدا بل هو اولي و قيل الحواس الخمس و الخيال و الوهم و لااعرف خصوصيتهما الا انهما في الحيوانات اقوي من ساير المشاعر و قد يراد بها النفس و العلم و الوهم و الخيال و الفكر و الحيوة‌ و الجسد فهذه ابواب يتوصل الانسان بها الي النار اي اهل كل طبقة يتوصل بها الي النار و الي الجنة اي اهل كل درجة يتوصل بها الي الجنة و قد يقال ان الابواب هي الطبقات و ذلك ان النفس بقول مطلق لها علم و وهم و خيال و فكر و روح و جسد فهذه الستة ستة صالحة للطاعة و المعصية فان اطاعت فصورتها الشرعية جنة و عليون و ان عصت فنار و سجين و اما السابعة فهي النفس و هي اعظم الابواب و اكبرها و اسفلها في النار و اعلاها في الجنة و للمطيع تعقل زايد علي السبع و هو يطيع و لايعصي فهو باب للجنة فالجنان ثمان و النار سبع و اما الوجود الثاني فمقامه مقام المادة ليس فيها طاعة و لا معصية فتدبر و ذلك العقل هو طريق الجنة و هو الصراط الممدود علي النار و هو ادق من الشعر و احد من السيف لايسلكه الا العقلاء جعلنا الله منهم و هم المطيعون لله فيما امر و نهي فالمتقون الذين ليس لهم ذلك العقل الدقيق ففيهم تجسم العقل و غليظه و هو الطاعات فلكل منهم مقام معلوم.

قاعدة

في الاشارة الي ملئكة الجنة و النار و عدد الزبانية و هم الذين قال الله فيهم عليها تسعة عشر . و ما جعلنا اصحاب النار الا ملئكة و ما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا اعلم ان الحكماء في الملئكة علي اقوال ناشئة عن خرص و تخمين فمنهم من زعم ان الملئكة نفوس السعداء كما ان الشياطين نفوس الاشقياء و منهم من زعم ان الملئكة هم القوي و اما المتشرعة فهم يقولون بظواهر الكتاب و السنة‌ انهم خلق مستقلون لهم نفوس و ابدان و اجنحة مثني و ثلث و رباع و يزيد الله في الخلق ما يشاء و الحق معهم الا انهم لايعرفون رتبتهم و مقامهم و معرفتهم حقيقة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 138 *»

من المشكلات و هم اعلي اجناس و المقصود بيانه هنا الذي هو المشكل جنس الحفظة و الكتبة و المدبرة و المقدرة و امثالهم كجبرئيل و اعوانه و ميكائيل و اسرافيل و عزرائيل و اسمعيل و اعوانهم.

اعلم ان هذا الجنس من الملائكة هم الوسائط بين الآمر و المأمور و احتيج اليها لنقصان المأمور عن التلقي عن الآمر و كون الآمر من عالم السرمد او الدهر و كون المأمور من عالم الدهر او الزمان و منزلتهم منزلة الباء في مررت بزيد فان اثر الفعل بسبها  يتعلق بالفعل و ذلك كما انه قد يكون الجسد بسبب كثافته غير قابل للتأثير عن الاكسير اما لشدة كثافته و اما لشدة لطافة الاكسير فيوضع بينهما ما يلايم الاكسير و يتأثر به تأثرا فاضلا ثم يؤثر في الجسد بالملائمة فلاجل ذلك احتيج في الايجاد الي رابط و بهذا المعني ايضا يصح اطلاق الملائكة‌ علي العالين لانهم وسائط بين الله و بين خلقه و علي الملائكة الكروبين لانهم وسائط بين العالين و ساير الخلق و علي الشيعة كما هو باطن قوله تعالي و ما جعلنا اصحاب النار الا ملائكة لانهم الوسائط بين الحجج و ساير الرعية و هكذا كل واسطة بين عال و دان و نمثل لك في خلق زيد الي رتبة الملائكة حتي تعتبر به في ساير الوارد.

اعلم ان لزيد خلقين خلقا اوليا و خلقا ثانويا اما الخلق الاولي فهو جهته الفعلية و اما خلقه الثانوي فهو جهته المفعولية و الملائكة من رتبة المفعول و واسطة بين الفعل و المفعول فاذا نظرنا الي مقام مفعوليته رأينا اول مراتبه مقام المادة و وجدناها مرتبطة بعالم الغيب و مقام الفعل باعلاها الذي هو الطبيعة و مرتبطة بعالم الشهادة الذي هو المثال و الجسم و الجسم هو تمام المثال فالمادة هي مقام الملائكة و هي شبيهة في تجردها بالاعلي و في غلظتها و اقترانها بالادني و هي تتلقي الامداد من الفعل و تؤدي الي المفعول و هي التي ترسم آثار الامر العالي في لوح المفعول و هي خلق مستقلة بالنسبة الي المفعول الذي هو الجسم و ان كان من اجزاء عالم زيد كما ان الملائكة من اجزاء العالم الكبير و ان كان وجودهم مستقلا بالنسبة الي ما وكلت به فافهم و ليس شرط استقلاله خروجه عن عرصة ما وكل به فملك النار ناري و ملك الهواء هوائي و ملك الماء مائي و ملك التراب ترابي و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 139 *»

ملائكة زيد زيديون كما ان ملائكة الجسم جسمانيون و الروح روحانيون و هكذا و في جميع المقامات الملك خلق مستقل غير ما وكل به و هذه النسبة التي ذكرنا يجري في كل مرتبة و كل شيء ففي كل مرتبة و كل شيء يكون الملك المادة التي في الخلق الثاني بالنسبة اليه و هي ملك له اجنحة بها يسير الي مبدئه و يستمد و تلك الاجنحة جهات طبايعه و هي علي الوان مختلفة بحسب تلك الجهات و بعدد تلك الجهات و هو غير ما وكل به و ان كان من اجزاء عالمه و هو ضعيف الاختيار جدا لانه وجود منفرد و ان كان له انية ضعيفة من المادية لايعبأ بها بالجملة هذا العالم مركب من جهات فعلية و جهات مفعولية اما جهات فعليته فالسموات و اما جهات مفعوليته فالعناصر و الطبايع فالملائكة السفلية الطبيعية هي المواد المأخوذة من الطبايع و هم طبيعيون و اما الملائكة العلوية فهم في السموات فان لها في رتبتها ايضا مقام مفعولية فالشمس هي مقام الطبيعة و المادة و الافلاك الستة مقام المثال و الجسم فاذا مقام الملائكة الفلك الرابع و فيه البيت المعمور له اركان اربعة و قد وكل بها الملائكة الاربعة ميكائيل و اسرافيل و عزرائيل و جبرائيل فهؤلاء ملائكة الامداد لما دونهم و الاستمداد من العرش و الكرسي اللذين هما بالنسبة الي الافلاك الخلق الاول و مقام الفعل فهؤلاء الملائكة لايتجاوزون البيت المعمور و لايصلون الي سدرة‌ المنتهي التي هي في الكرسي و تنتهي اليها اعمال الخلق اي وجوه الاعمال هي في الكرسي التي هي اللوح المحفوظ  و كذلك اذا نظرت الي العرش و الكرسي في مقامهما فالعرش له مقام الفعلية و الكرسي له مقام المفعولية ففي الكرسي ملائكة سفلية بالنسبة استمدادية من العرش و امدادية لما دونه و في العرش ايضا ملائكة‌ في مقام مفعوليته بنفسه في مقام مادته الثانية و له ايضا اربعة اركان و لكل ركن ملك فعلي امدادي لمن دونه و استمدادي من حيث نفسه اذ خلق بنفسه في حده و هم الملائكة العالون و حملة العرش و علي هذه فقس ماسواها في جميع العوالم.

ففي الكرسي بروج اثناعشر و الافلاك دونه سبعة و لكل ملك موكل بتدبيره و اجرائه مجراه و ادارته علي حسب ماشاء الله و هذه الملائكة‌ التسعة عشر هي كليات مدبرات العالم و ما

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 140 *»

يجري في السفليات من مرادات الله و امداداته و هم الذين يهيئون اسباب الطاعة للمطيعين و اسباب المعصية للعاصين لان الله سبحانه علم الخلق علي ما هم عليه في سابق علمه و علمه اولي بحقيقة التصديق و هو غير متهم في علمه فخلق الخلق كما علم و اخرجهم من المواد السفلية العرضية و هيأ للمطيعين اسباب الطاعة و وفقهم للامتثال لما علم انهم اهل الطاعة و لولا ذلك لم‌يقدروا علي طاعة و هيأ للعاصين اسباب المعصية و خلي لهم السرب و مكنهم من المعصية اذ لولا ذلك لم‌يقدروا علي معصية فبنعمته قوي اهل الطاعة علي طاعتهم و بقوته قوي اهل المعصية علي معصيتهم و ذلك امر مبهم علي غير اهله و سر منمنم و ذلك تقدير العزيز العليم فالملائكة التسعة عشر لتهيئة الاسباب للعاصين هم زبانية جهنم و الزبانية جمع زبني مأخوذ من الزبن بمعني الدفع قال في المعيار الزبانية كالعلانية عند العرب الشرط كغرف و سمي بذلك بعض الملائكة لدفعهم اهل النار اليها و هم تسعة عشر و هو قوله تعالي عليها تسعة عشر قال بعضهم واحدها زباني و قال آخر زبنية كسلسلة و العرب لاتكاد تعرف هذا و تجعله من الجمع الذي لا واحد له كابابيل و عباديد الي ان قال او واحدها زبني كجسم بياء النسبة انتهي.

و الشاهد علي ان هذه النجوم مدبرات ما روي عن ابي‌عبدالله7 قال ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لم‌يخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه عليه فاذا اراد امرا القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به انتهي. فروح القدس بنفسه موكل بالعرش فيلقي اليه الامر من الله سبحانه و هو يلقي الي اولئك الملائكة و هم يديرون النجوم علي حسب ما امر الله سبحانه بالجملة‌ هذا في العالم الكبير و اما في العالم الصغير اي الانسان ففيه ايضا عمره سنة واحدة فيه استكمال نفسه من بدو ظهورها الي كمالها و له فصول اربعة كل فصل ثلثون سنة في الاكثر و قد يكون اقل علي حسب اختلاف البني و لكل فصل اول و اوسط و آخر و عندي علي الاصح سن الهرم شتاء و قيل خريف و سن الكهولة الشتاء و انما عبرنا بفصول الجسد عن فصول النفس لخفائها في النفس و المقصود فصول

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 141 *»

النفس لانها الكرسي في الانسان الذي هو العالم الصغير و له عقل و علم و وهم و وجود الحسي و خياله و فكره و حياته و علي كل من هذه التسعة عشر ملك موكل جزئي فاما يكون الشخص علي الفطرة فهذه الملائكة يديرون امره و يسوقونه الي الجنة و اما يكون علي الفطرة المبدلة فهذه الملائكة يسوقونه و يزبنونه الي النار فلكل شخص زبانية تسعة عشر هم اعوان الملائكة الكلية التي في العالم الكبير كما سمعت و لو قال قائل انهم الموكلون بالعناصر الاربعة و القوي الخمسة النباتية و القوي الخمسة الحيوانية و القوي الخمسة المثالية لكان له وجها وجيها فان هذه الملائكة هم الذين يزبنون المغيرين للفطر الي النار و في العالم الكبير هم الموكلون باخراج ما في قوي العالم الي الفعلية و في العالم الصغير في كل نفس منهم اعوان فمن كان علي الفطرة و كان طيب الطينة يخرجون من كمونه الي شهوده فعليات هي صور الثواب و من كان مغيرا مبدلا و كان خبيث الطينة يخرجون من كمونه الي شهوده فعليات هي صور العقاب فهم زبانية جهنم لقوم و سدنة الجنان لاخرين.

واعلم ان السدنة يسوقون المؤمنين الي الجنة في الدنيا و البرزخ و الاخرة و الزبانية يزبنون الكافرين الي النار في الدنيا و البرزخ و الاخرة و هم في الاجسام كالروح في الجسد و المعني في اللفظ و الناس ماداموا في الدنيا يشهدون الاجسام و لايشهدون ارواحها كمن يسمع اللفظ و لايعرفون المعني قال الله سبحانه مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لايسمع الا دعاء و نداء صم بكم عمي فهم لايعقلون فلاجل ذلك لايرون الملائكة و سوقهم و زبنهم و لما كان الجنة في الدنيا ايضا علي صورة الحسنات و النار علي صورة‌ السيئات و الطبايع متغيرة علي حسب الاختلاف و الطاعات منافرة للطبيعة المتغيرة مولمة و ملايمة للطبيعة الاصلية و المعاصي منافرة للطبيعة الاصلية ملائمة للطبيعة المتغيرة و لربما يشاب الطاعة بمنافر للفطرة و يشاب المعصية بمنافر للطبيعة المغيرة فيشتبه الامر علي المطيعين و العاصين و لشوبهم مداركهم بالحق و الباطل و بالاعراض و الامراض لايحسون بالملايم و المنافر كما ينبغي فاذا تخلصوا عن هذه الاعراض و التغيرات او رقت و اضمحلت بالمجاهدات شاهدوا ما يلايم الفطرة فيلتذون منها و ما ينافر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 142 *»

فيتألمون منها و شاهدوا اولئك الملائكة الذين مكنوهم من الطاعات و ساقوهم الي الجنان و اولئك الملائكة الذين  مكنوهم من المعاصي و زبنوهم الي النيران فان الملائكة في عالم الشهادة غيب اذ هم كالارواح للاجسام و النفوس الناقصة لما تتجرد و لما تفارق الاجسام فهم منهمكون في الاجسام و لايشاهدون الارواح و اذا فارقت الاجسام قسرا او اختيارا شاهدت و يوم يرون الملائكة لابشري يومئذ للمجرمين فانهم يدركونهم زابنين لهم الي جهنم باجراء الاعمال غير الملائمة للفطرة الالهية فيعذبون فيها بوصول غير الملايمات الصرفة نعوذبالله.

قاعدة

في الاعراف المشار اليه في الاية و علي الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم اعلم ان الاعراف لغة جمع عرف كقفل و اقفال و العرف هو الشعر النابت علي رقبة الفرس و الجود و المعروف و الرفق و الاحسان و الرمل المرتفع و المكان المرتفع و ظهر الرمل المشرف و التتابع و منه و المرسلات عرفا و اعلي الريح او العرف بالكسر كجسم و اجسام بمعني الصبر او العريف بمعني الرئيس و النقيب كشريف و اشراف و روي عن الصادق7 الاعراف كثبان بين الجنة و النار و هو يناسب عرف الفرس و الرمل المرتفع و ظهر الرمل و اعلي الريح و عن اميرالمؤمنين7 نحن الاعراف نعرف انصارنا بسيماهم و الظاهر انه جمع عريف كشريف و اشراف و هو رئيس القوم و النقيب يسمي بذلك لانه يعرف درجة كل احد و مقامه و عنه7 نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و هذا المعني يناسب العريف بمعني الرئيس و سمي بذلك لانه المعروف و عنه7 نحن الاعراف يوقفنا الله عزوجل يوم القيامة علي الصراط فلايدخل الجنة الا من عرفنا و عرفناه و لايدخل النار الا من انكرنا و انكرناه و هذا المعني يناسب العريف بمعنييه و في البصاير

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 143 *»

عن الباقر7 ان الاعراف صراط بين الجنة و النار فقوله تعالي و علي الاعراف رجال يعني علي الصراط و علي رواية انها كثبان يعني علي ذلك الكثبان و لاتنافي بين الروايتين لامكان ان يكون الكثبان علي الصراط كما يكون عليه عقبة و المقصود مكان مرتفع علي الصراط عليها الرجال يشاهدون المارين علي الصراط و لك ان‌تقول لاتنافي بين هاتين و بين انها هم لما روي عن اميرالمؤمنين7 نحن الاعراف نوقف يوم القيامة بين الجنة و النار فلايدخل الجنة الا من عرفنا و عرفناه و لايدخل النار الا من انكرنا و انكرناه و ذلك بان الله تبارك و تعالي لو شاء عرف الناس نفسه حتي يعرفوا حده و يأتوه من بابه و لكنا جعلنا ابوابه و صراطه و سبيله و بابه الذي يؤتي منه انتهي. فهم الاعراف و هم الابواب و هم الصراط و السبيل فلاتنافي و اما ما رواه في الكنز انه سئل الباقر عن اصحاب الاعراف فقال انهم قوم استوت حسناتهم و سيئاتهم فان ادخلهم النار فبذنوبهم و ان ادخلهم الجنة فبرحمته فلاتنافي بينها و بين ما سبق فان الاعراف هم الائمة و هم الصراط و هم الكثبان و اصحاب الاعراف شيعتهم و اصحابهم و هم الذين بقوا بعد ما دخل اهل الجنة الجنة و اهل النار النار فلم‌يكن لهم حسنة راجحة تجرهم الي الجنة و لا سيئة راجحة تجرهم الي النار فبقوا مع الائمة: حتي يحكموا فيهم بحكمهم و هم الذين يشير الرجال اليهم فيقولون أهؤلاء الذين اقسمتم لاينالهم الله برحمة و يتوجهون الي المشار اليهم و يقولون ادخلوا الجنة فتبين مما ذكرنا ان للاعراف اطلاقات و كلها تجتمع في آل محمد: و لنعم ما قال الشاعر:

ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات

فالاعراف حقيقة هي هم صلوات الله عليهم و لاينافي ان‌تكون ايضا كثبانا بين الجنة و النار فان ذلك الكثبان ظهور شأن من شئونهم و هو شأن اشرافهم علي الفريقين و علو مقامهم علي الدارين و وقوفهم علي الطتنجين فتمثل شأنهم ذلك

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 144 *»

بالكثبان و تمثل شأن كونهم سبيل الله و صراطه بصراط بين الجنة و النار يميز عليه المؤمن و الكافر و يعرف.

بالجملة تحقيق هذا المقام يحتاج الي بسط المرام و هو ان الله سبحانه خلق العقل الكلي الذي هو علة العلل اول شيء و هو نور و خير و كمال و له انوار ساطعة و اشراقات لامعة قد عبق القوابل الامكانية بحيث لم‌يحرم عن نوره شيء لان التكليف غاية الخلق و مناطه العقل الا ان ذلك النور كلما كان اقرب الي العقل الكلي كان اقوي و اشد و ابسط و اوحد و كلما ترامي الي البعد ضعف و انكسر سورته فكان في التمثيل بالسطوح كالمثلث قاعدته عند العقل و رأس الزاوية المقابلة في غاية البعد و خلق الجهل في الطرف المقابل فصعد منه ابخرة و انتشر منه ظلمات و ترامي الي عند العقل و لكن كلما كانت الظلمة اقرب الي الجهل كانت اقوي و اشد سوادا و كلما بعد كان اضعف فكان قاعدة مثلثها عند الجهل و رأسه عند العقل و المثلثان متداخلان و ليس جزء من نور العقل الا و معه ظلمة الجهل فهما عند التمثيل من وجه كما في الهامش فمنتصف المثلثين مقام تساوي النور و الظلمة و كلما يصعد صاعدا يزداد النور و ينقص الظلمة و كلما ينزل نازلا فعلي العكس فمن خلق من النصف الاعلي و نوره اكثر من ظلمته طاعته التي هي مقتضاة عقله اكثر و كفة‌ طاعاته اثقل و هو من اهل عليين و الجنة و الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكري للذاكرين و سيصعد الي الجنة و من خلق من النصف الادني و ظلمته اكثر معصيته التي هي مقتضاة جهله اكثر و كفة معاصيه اثقل و هو من اهل سجين و النار و سيهبط اليها و لذا شبه بالحجر الثقيل الهابط ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة‌ او اشد قسوة و من كان من اهل الوسط و خلق منه ليس له مزيد طاعة يجره الي الجنة و لا مزيد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 145 *»

معصية‌ يجره الي النار فهم قوم استوت حسناتهم و سيئاتهم فهم علي الصراط بين الجنة و النار فنادوا اصحاب الجنة ان سلام عليكم لم‌يدخلوها و هم يطمعون و اذا صرفت ابصارهم تلقاء اصحاب النار قالوا ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين و اما الرجال صلوات الله عليهم فهم المحيطون علي القاعدتين المشرفون علي اهل الجنة و النار و الاعراف فاهل الجنة يجدونهم حيث يحبون و اهل النار يجدونهم حيث يكرهون و اهل الاعراف يجدونهم حيث يتحيرون فيخاطب الرجال اهل النار مشيرين الي اصحاب الاعراف هؤلاء الذين اقسمتم لاينالهم الله برحمة فيخاطبون اصحاب الاعراف ادخلوا الجنة لا خوف عليكم و لا انتم تحزنون فيدخلون الجنة لتأصل النور و اضمحلال الظلمة في جنبه و سبق الرحمة الغضب و كون الله اهل التقوي و اهل المغفرة و تثقيل عناية الرجال جانب الطاعة فالرجال قائمون علي كل نفس بما كسبت.

و لا بأس بان تأول الاية بان المراد من الرجال هم الكاملون القائمون علي الاعراف جمع عرف بمعني المعروف فهم الكاملون في المعروف في العلم و العمل العارفون بالله و صفاته و افعاله و عبادته و رسله و حججه و شرايعه المتقربون الي الله بالنوافل حتي كان الله سمعهم و بصرهم و يدهم فيبصرون بالله و يسمعون به و صدق عليهم تأويل قوله تعالي قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و قوله9 اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و صاروا من اهل التوسم و اهل علم اليقين و صدق عليهم قول امامهم ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا فهؤلاء ينظرون الي من نجي و يعرفون بم نجوا و الي من هلك و يعرفون بم هلكوا فيعرفون اهل الجنة و اهل النار فهؤلاء في الدنيا ينادون بلسان اعمالهم و اخلاقهم اهل الجنة ان سلام عليكم لم‌يدخلوها بعد في الدنيا و هم يطمعون ان‌يدخلوها اذا ماتوا دخولا وجوديا و اذا صرفت ابصارهم تلقاء اصحاب النار قالوا ربنا لاتجعلنا مع القوم الظالمين فهم ماداموا في الدنيا واقفون بين الجنة و النار و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 146 *»

يعلمون انهم ان دخلوا الجنة فبفضل الله لانهم لايؤدون حق الربوبية و ان دخلوا النار فبعدل الله و مقتضي سيئاتهم و نادي اصحاب الاعراف و اصحاب الامر و اصحاب كل معروف و خير و هم ائمتهم و حججهم الذين قام اولئك العلماء معهم علي مواقف المعرفة كما في الدعاء اللهم اجعلني مع محمد و آل محمد في كل عافية و بلاء و اجعلني مع محمد و آل محمد في كل مثوي و منقلب اللهم اجعل محياي محياهم و مماتي مماتهم و اجعلني معهم في المواطن كلها و لاتفرق بيني و بينهم انك علي كل شيء قدير فنادي ائمتهم الذين معهم رجالا من اهل النار يعرفونهم بسيماهم بالتوسم كما قال تعالي ان في ذلك لآيات للمتوسمين و قال يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي و الاقدم أهؤلاء مشيرين الي شيعتهم الذين هم عند المنافقين شرار خلق الله و لايدخلون الجنة الذين اقسمتم لاينالهم الله برحمته فخاطبوا شيعتهم ادخلوا الجنة‌ بعد موتهم لا خوف عليكم و لا انتم تحزنون و يؤيد هذا التأويل ان يوم القيامة تبلي السراير و كل احد يعرف المؤمن و الكافر و لا مدح في معرفتهما لرجال خاص و قوله ربنا دعاء و عمل و هما بالدنيا اولي و ان كانا في الاخرة ايضا علي حسبها و هذا التأويل لايمنع عن ساير المعاني كما ان الصراط في التأويل هذه الشريعة المقدسة في الدنيا و مع ذلك في الاخرة صراط كما وصفوه فافهم.

قاعدة

في شجرة طوبي قال في المعيار الطوبي بالضم و قصر الاخر بمعني الطيب بالكسر و الحسني و الخير و الخيرة و بغير الالف و اللام شجرة في الجنة الي ان قال او الجنة كطيبي كضيزي و اصل طوبي طيبي قلبت الياء واوا لمجانسة الضمة و طوبي لك و طوباك بالاضافة ايضا لغتان او طوباك لحن انتهي. فعن الصادق7 طوبي شجرة في الجنة اصلها في دار علي بن ابيطالبو ليس من مؤمن الا و في داره غصن من اغصانها و عن النبي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 147 *»

9طوبي شجرة في الجنة اصلها في داري و فرعها في دار علي7 فقيل له في ذلك فقال داري و دار علي في الجنة بمكان واحد و روي في الاخبار في صفتها لو ارسل طاير في اصلها ما دارها سبعمائة عام و روي ورقة‌ منها تستظل تحتها امة من الامم و روي طوبي شجرة في الجنة اصلها في دار النبي محمد9 و ليس من مؤمن الا و في داره غصن منها لاتخطر علي قلبه شهوة الا اتاه بها ذلك و لو ان راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منها و لو طار عن اسفلها غراب ما بلغ اعلاها حتي يسقط هرما و روي هي شجرة غرسها الله تبارك و تعالي بيده و نفخ فيها من روحه و ان اغصانها لتري من وراء سور الجنة تنبت بالحلي و الحلل و الثمار متدلية علي افواههم. و في حديث نثار فاطمة3 لقد امر الله طوبي فنثرت عليهم من حللها و سندسها و استبرقها و درها و زمردها و ياقوتها و عطرها فاخذوا منه حتي ما دروا ما يصنعون به و لقد نحل الله طوبي لمهر فاطمة فهي في دار علي بن ابيطالب7 الي غير ذلك من الاخبار الواردة في هذا المضمار.

اعلم انا قد قدمنا ان الجنة لها حقيقة اخروية و هي جنة البرزخ و هي جنة الدنيا و كذلك النار لها حقيقة اخروية و هي نار البرزخ و هي نار الدنيا كما ان زيدا له حقيقة اخروية و هو زيد في البرزخ و هو زيد في الدنيا و كذلك العرش و الكرسي و السماوات و الارض الا ان ما في الدنيا يصفي سبعين مرة فيكون برزخيا و ما في البرزخ يصفي سبعين مرة فيكون اخرويا فالجنة في الدنيا جميع ما يصل الي النفس من اللذات و الملايمات للفطرة الاصلية و منها جميع اعمال الخير و الصفات الحسنة و الاخلاق الزكية و العلوم الدينية الحقة و المعارف الحقيقية و هي اعلاها و اسفلها اللذات البدنية و لذا روي اسفلها اكل و شرب و اعلاها العلم و روي الاعمال صور الثواب و العقاب فالاعمال الصالحة و العلوم الحقة صور الجنة في الدنيا و الاعمال السيئة و العلوم الباطلة صور النار في الدنيا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 148 *»

و من البين ان الاعمال الصالحة و العلوم الحقة اصلها و منشأها محمد و آل محمد: كما تقرأ في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و فالحق معكم و فيكم و منكم و اليكم و انتم اهله و معدنه فالخير مطلقا شجرة اصلها في دار محمد9 و فرعها في دار علي و اولاده الطيبين و فاطمة الصديقة: و في دار كل نبي منها غصن و في دار كل مؤمن من تلك الاغصان غصن و لكل غصن بعدد الخيرات التي يصدر من ذلك النبي او المؤمن ورقة و هو حين عمله بذلك الخير متمسك بورقة من اوراق تلك الشجرة فهي في الدنيا بصورة‌ الخير و في البرزخ تظهر بصورة تناسبه و في الاخرة بصورة تناسبها و علي ذلك جميع نعيم الجنة فمن فتح الله عين بصيرته يشاهد الجنة في الدنيا قبل الاخرة و من استقام فطرته و خلصت عن الاعراض بقدر ما يمكن في الدنيا التذ من الاعمال الصالحة و العلوم الحقة غاية الالتذاذ بحيث لايبتغي عنها بدلا و لايشتهي عنها حولا و لايساوي لذتها شيء من لذات اهل الدنيا و اما التذاذ اهل المعاصي بمعاصيهم فانما هو التذاذ فطرتهم المبدلة و في حال غفلتهم عن الفطرة الاصلية و لذلك اذا رجع الي الحق تألم من اعماله غاية التألم و كذلك المؤمن يتألم من معصيته بقدر تخلصه و هو سر قوله7 من سرته حسنته و ساءته معصيته فهو مؤمن اي مستقيم الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها.

بالجملة الجنة في الدنيا هي الاعمال الصالحة و العلوم الحقة و اما النعيم الذي يصل الي المؤمن في الدنيا فهو انه لاجل عبوديته يتقوي فيه سر الربوبية و الهيمنة علي مادونه فينقاد له و ينساق اليه علي حسب ميله و شهوته و ارادته و ينجذب اليه ما يناسبه و يوافقه من الموجودات و ما يسأله بحاجة كينونته العرضية و فيها ما تشتهيه الانفس و تلذ الاعين اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشيء كن فيكون و ربما يهيأ له من غير ارادة ظاهرة لارادته الكلية و لانسياق الامور و اتباعها لسر وحدة الربوبية فيوفق له الاسباب كما يهيأ له في الاخرة و من نعيم الجنة شجرة طوبي و هي شجرة كلية تؤتي كل ثمر و كل حلي و حلل و كل نعيم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 149 *»

و جوهر و هي حقيقة جميع الاعمال و العلوم الحقة و الخيرات و اصلها مما يلي المبدأ و فروعها و اغصانها متدلية فان اشجار الجنة قطوفها دانية متدلية فاصلها في دار محمد و آل محمد: في جنة عدن في باطن الكرسي و اغصانها في ساير الجنات في غيوب السماوات و هي في البرزخ كذلك علي صورة الاظلة و في الدنيا كذلك علي صورة الخيرات و ليس عند احد من حق الا ما خرج من بين محمد و آل محمد:.

قاعدة

في دوام تألم اهل النار في النار و قد اختلف منتحلوا الحكمة في ذلك علي خلاف الكتاب و السنة و اجماع المسلمين و الادلة العقلية المطابقة لها لشبهات عرضت لهم و حذوا حذو اليهود في قولهم لن تمسنا النار الا اياما معدودة و كانهم لم‌يسمعوا قول الله سبحانه كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب و قوله و في العذاب هم خالدون و لا حاجة بنا الي ذكر شبهاتهم و ردها لانا اذا اوضحنا سبيل الحق عرف كل ناظر منصف ان ما سواه خطاء و حايد عن القصد.

اعلم ان الله سبحانه ذات بسيطة بحت بالفعل ليس فيها ترقب بوجه من الوجوه فلانهاية لها بوجه من الوجوه فبعدم تناهيها احدية و تجلت هذه الذات الاحدية غير المتناهية بالكينونة الازلية الاولية و هذه الكينونة هي اول ماتعرف الله به و لا فرق بينها و بينه الا انها عبده و خلقه فتقها و رتقها بيده بدأها منه و عودها اليه فهي الذات الظاهرة لها فعلية وصفية لايمكن تعقل ترقب فيه بوجه من الوجوه. ثم تجلت هذه الكينونة في المظهر الاول و التعين الاول اي القابلية الاولي و هذه القابلية هي تفصيل اجمال ظهور تلك الكينونة التي لانهاية لها و مجلاة تجليها و لخفاء الامر هنا نترك تفصيل الامر و سنشرحه ان‌شاءالله في الدرجة الاتية ثم تجلي هذا التعين الاول المسمي بالوجود المطلق و الامر الفعلي بالخلق الاول اي العقل و تفصل في مظهره جميع فعليات الامر الفعلي فحصل في العقل نسبتان نسبة حضوره عند الامر فهو في هذه النسبة بالفعل سرمدي لانهاية

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 150 *»

له اذ تمثل به جميع الامر ليس له تمثل غيره و نسبة بعض فعلياته الي بعض فهو في هذه النسبة جبروتي له امتداد جبروتي و له آنات جبروتية و كل آن منه مظهر فعلية من فعليات الامر الاعلي  و كمال من كمالاته و الظاهر من كل آن منه هو ذلك الوجود فانت اذا نظرت في كل مظهر اي في كل آن رأيت الظاهر فيه ذلك الوجود المطلق و وجدته صالحا لان يظهر في جميع تلك المظاهر و الانات فذلك الوجود المطلق في هذا اللحاظ امكان تلك المظاهر و صلوح الظهور في تلك المظاهر و اما من حيث نفسه فهو وجود فعلي لايلحظ فيه صلوح الظهور في تلك المظاهر كالحيوان مثلا فانك اذا نظرت اليه من حيث هو هو وجدته حيوانا بالفعل و اذا نظرت اليه من حيث الظهور في الناطق و الصاهل و الناعق و امثالها وجدته امكان هذه الفصول اي يمكن ان يظهر بالناطق و الصاهل و الناعق و امثالها فالحيوان امكان بالنسبة الي المظاهر لا بالنسبة الي نفسه فانه كون بالنسبة الي نفسه و وجود بالفعل كذلك الوجود المطلق امكان بالنسبة الي آثاره و ظهوراته و اما بالنسبة الي نفسه فهو وجود بالفعل فح كذلك اقول في الوجود المطلق ان له تدرجات سرمدية في التزييل الفؤادي و تلك التدرجات مظاهر لكمالات الكينونة العليا يظهر فيها كمالاتها و اذا نظرت في كل آن سرمدي و لا آن تجد في كل آن تلك الكينونة ظاهرة و جميع تلك التدرجات و لا تدرج بالنسبة الي الكينونة ازلية موجودة بالفعل بلاانتظار فهي فوق مالانهاية له بما لانهاية له و لايطلق علي تلك الكينونة امكان لعدم تدرجات في الوجود المطلق حقيقة فلو كانت لكانت الكينونة امكانها و اذ ليس فليس فهي آية الوجوب و بدء الامكان من الوجود المطلق بالنسبة‌ الي مادونه و اما بالنسبة الي نفسه فمأخذ امكانيته دقيق جدا و هو انه مخلوق بنفسه و له من حيث المخلوقية تدرجات تزييلية و من حيث نفسه فعلية فحيث نفسه الفعلية من حيث ظهوره في حيث مخلوقيته المتدرجة في التزييل امكان فحيث مخلوقيته مسبوق بالامكان كما ان العقل مسبوق بالامكان الراجح و هو تزييله فتدقق فانه دقيق جدا فالوجود المطلق من الامكان و هو الامكان الراجح فانه مخلوق بنفسه لايتوقف وجوده علي غيره و هو هو فنفس المشية ‌امكان لها و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 151 *»

هي مسبوقة‌ بالامكان في التزييل الفؤادي الا انها في الوجود مساوقة مع الامكان لايعقل تقدم احدهما علي الاخر و اما كونها امكان مادونها فهو الامكان المقيد و ذلك ان الامكان المقيد هو نفس الوجود المقيد و الوجود المقيد هو من تمام المشية و المشية مشية به لا من حيث نفسها في نفسها اذ هي من حيث نفسها وجود مطلق لا مشية و المشية‌ اسم يقع علي الوجود المطلق من حيث ظهوره في المشاء اي العقل و حيث ظهوره هو ذلك الوجود المقيد و به يكون المشية مشية و كما ان الشيء شيء لانه مشاء المشية ايضا مشية عند تعلقها بالشيء فالوجود المقيد هو حيث ظهور الوجود المطلق في المظاهر العقلية و آناتها و هو آية الوجود المطلق و ظهوره و نوره و هو ما اعطاه الوجود المطلق المظاهر من اسمه و مثاله ان الحيوان لو فرض كونه مخلوقا بنفسه فنفسه امكان الحيوان و الحيوان وجود مطلق ظاهر من ذلك الامكان و الحيوان من حيث ظهوره في الصاهل و الناعق و الناطق امكان مقيد و حيث الظهور هذا غير الحيوان بلحاظ نفسه من غير ملاحظة ظهوره فيما دونه بل حيث الظهور يقع مادة للصاهل و الناهق و هو حيث اشتراكهما فكذلك لنفس الحيوان التي خلق بها ظهور في الحيوان فهو امكان مادي شخصي ثانوي في الخلق الثاني بالنسبة اليه فللوجود المطلق خلقان خلق اولي في مقام نفسه و لها اعتباران و خلق ثانوي له ايضا اعتباران فاذا تم خلقه كان بمجموعه خلقا اوليا نوعيا للعقل و للعقل خلق ثانوي له مادة هي الوجود المقيد و صورة هي عقليته و خصوصيته و شخصيته و لذلك نقول ان مادة‌ الافراد ليست من حصص ذاتيه للنوع و انما هي من حصص هي ظهور النوع و شعاعه و كذلك يترامي الامر هكذا الي ان‌ينتهي الي الجسم فالجسم المطلق مخلوق بنفسه بالنسبة الي هذه البسايط المحسوسة فالجسم المطلق هو الخلق الاول النوعي له مادة نوعية هي ظهور نفسه به و صورة‌ نوعية هي الجسمية و بهما يتحقق الجسم المطلق و هو من حيث ظهوره بالبسايط امكان مقيد للبسايط و مادة شخصية و لها صورة‌ هي صور البسايط فافهم فانه دقيق دقيق و بالتوجه اليه و امعان النظر فيه حقيق حقيق و ما كنا بصدد بيان هذا السر العظيم و انما ذكرناه استطرادا و المطلب المنظور ان كل حادث مركب من

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 152 *»

مادة و صورة مادته جهته الي مبدأه و صورته جهة قبول تلك المادة كما عرفت و قد ظهر سره و الحمدلله.

ثم ان الله سبحانه خلق الخلق لظهور سر التوحيد و بروز حقيقة التفريد و هو العلة الغائية كما قال كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف فخلق الخلق علي فطرة‌ يمكن ان‌يظهر منه ذلك السر و هي الفطرة‌ التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله و النفي بمعني النهي نحو لارفث و لافسوق و لاجدال في الحج و خلقهم بحيث يمكنهم العبادة التي هي ظهور تلك الغاية كما قال ما خلقت الجن و الانس الا ليعبدون و لايتحقق العبادة الا بالتمكن من المخالفة و المعصية‌ فمكنهم من المعصية‌ بالعرض فحصل لبعض الخلق بسبب الاقترانات اعراض بها تغيرات تغيرت فطرهم و هو قوله تعالي حكاية عن ابليس و لآمرنهم فليغيرن خلق الله فاجابوا دعوة ابليس حتي غيروا فطرهم و صارت الفطرة المتغيرة لهم فطرة ثانية فالطاعات تناسب الفطرة الاصلية و هي تستلذ منها و تستبشع المعاصي و تكرهها و تتألم منها و لذا روي من سرته حسنته و ساءته معصيته فهو مؤمن اي علي الفطرة‌ المستقيمة الموافقة لامر الله المحبوب الاصلي و الطاعات تنافي الفطرة المتغيرة و تستشبعها و تكرهها و تتألم منها و تحب المعصية و تستلذ منها و تتقوي بها و ربما يغفل صاحبها عن الفطرة‌ المتغيرة و يتألم من المعصية و ربما يلتفت الي المغيرة فتستأنس و تسر بها كما بكي يزيد علي الذرية الطاهرة حين غفلته عن الفطرة المغيرة علي الفطرة الاصلية و اما عند تذكر العداوة فلم‌يك يبكي و كما قد يسر المؤمن عند الغفلة‌ عن المعصية و اذا تذكر تألم و استغفر و مثل الفطرتين ان الله خلق بدن الانسان بحيث يستكره كل نتن و خبيث و قذر اذا كان صحيح المزاج و يتنفر عنها و لربما يمرض و يحصل في بدنه اخلاط فاسدة فيستلذ من بعض المنتنات و البشعات و المرارات كالخمر و غيرها و ربما يشتهي التراب و الخزف و الحجر و رأيت امرأة كانت تأكل الفحم و تتوق نفسها اليه و لاشك ان هذا المزاج مزاج مغير فاسد و يصعد من تلك الاخلاط ابخرة فاسدة تخالط

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 153 *»

الروح و تصور له بعض الخيالات الفاسدة و تزين له بعض الاشياء الكريهة فيميل روحه الي جنس تلك الاخلاط و اذا زال مرضه يكره تلك الخبائث البتة و يعود الي الصحة و اري جميع ما يستحسنه المرء من غير ما استحسنه الشارع المعتدل الباقي علي فطرة‌ الله من فساد المزاج و الارواح و قل من يخلو عن تغير الفطرة فلاجل ذلك لاعبرة‌ بالعقول المتغيرة بالعادات و الطبايع و الشهوات و الغضب و الالحاد و الشقاوة و احتيج الي القسطاس المستقيم قال الله تعالي وضع الميزان ان لاتطغوا في الميزان و اقيموا الوزن بالقسط و لاتخسروا الميزان و قال و زنوا بالقسطاس المستقيم بالجملة كذلك قد يتغير الفطرة و يلتذ بالمعاصي و الاباطيل نعوذبالله فيكتسب اعمالا تناسبها و يلتذ في الدنيا من تلك الاعمال حال غفلته عن الفطرة‌ الاصلية فاذا مات و زال عنه الاعراض الدنياوية المغطية لعين فطرته المفسدة لحواسه تألم بفطرته الاصلية من تلك القبايح و تلك الاعمال لتدهرها ثابتة له لازمة لعنقه قال تعالي و كل انسان الزمناه طائره في عنقه فلتدهر تلك الاعمال و لزومها عنقه و مخالفتها الدائم مع الفطرة الاصلية يتدهر تألمه و يدوم بدوام الدهر نعم اذا كان العمل السييء من اعراضه الدنيوية و لم‌يلزم عنقه ينقطع عذابه في الدنيا فان الله عدل لايجور و اذا كان من اعراضه البرزخية يدوم له طول البرزخ ثم ينقطع و يحشر و ليس عليه ذنب و اما اذا كانت المعصية من اعراضه الذاتية‌ فهي لازمة عنقه و ذلك ان زيدا له حقيقة و له اعراض حيوانية و اعراض نباتية و اعراض جمادية ليست منه و لا اليه و هذه الاعراض لها حالتان حالة فطرة مستقيمة علي الوضع الالهي و حالة فطرة مغيرة و كذلك لحقيقة زيد حالتان حالة فطرة الهية علي مقتضي مشية الله المحبوبة و حالة‌ فطرة مغيرة مكتسبة من الاعراض فما صدر من اعراضه الدانية من طاعة او معصية فبدؤهما منها و عودهما اليها و ما صدر من حقيقة زيد من فطرته الاصلية او المغيرة فهي دهرية‌ لازمة لعنقه يحشر فيها فاذا حشر في الطاعات كانت الطاعات دهرية و مناسبة‌ لفطرته الاصلية فتلتذ منها التذاذا دائما و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 154 *»

ان حشر في المعاصي فهي صادرة من فطرته المغيرة و هي قائمة بفطرته الاصلية و انما هي فطرة‌ اصلية مريضة فاذا اضطرب الفطرة الاصلية اضطرب المريضة لقيامها بالاصلية ألاتري ان صاحب المزاج الفاسد يشتهي التراب و يأكله و هو مجانس للمزاج الفاسد و لكن يورث له الاستسقا و السدد و يقتله و يشتهي الخمر و يلتذ منها و تورث له امراضا عديدة و الضرر لمنافات الخبيث مع المزاج الاصلي هذا و المزاج الاصلي بنفسه مريض بالمزاج الفاسد و متألم و الخبيث المشتهي يقوي المزاج الفاسد الذي هو بنفسه مرض المزاج الاصلي فيشتد مرضه و فيه تألمه فكلما يتقوي المزاج الفاسد يكون اشراف الاصلي علي الهلاك اكثر لان الفساد ضد الصلاح و هلاكه و بواره فيه اذا بلغ منتهي التضاد فالمعصية و ان كانت من جنس الفطرة‌ المريضة المغيرة لكن الفطرة‌ المغيرة بنفسها مرض الاصلية و فيها هلاكها فبالمغيرة تشتهي المعصية و بالاصلية تتألم دائما ألم تسمع قوله تعالي و ان استغاثوا يغاثوا بماء كالمهل فيطلبون الماء من المالك مع علمهم بانه لايسقيهم الا الحميم و ليس في النار الا الحميم و يسقيهم ماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب و ساءت مرتفقا كالمريض الذي يشتهي التراب و كلما اكله ازداد سدة و مرضا و يمرض المزاج الاصلي لا الفاسد و الفاسد يتقوي علي حذو قول الشاعر:

مسئلة الدور جرت بيني و بين من‌احب

لولا مشيبي ما جفا لولا جفاه لم‌اشب

فبذلك يدوم تألم اهل النار و لما كانت المضادة وصفية لا ذاتية لايبلغ المرض الاعدام بالكلية فلايموت فيها و لايحيي كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها لبقاء الذات و كونها منشأ ظهوراتها بخلاف الامراض الدنياوية فان الوجود الدنياوي وجود وصفي تأليفي و مضادة المرض له مضادة تامة ألاتري ان التأليف ضده التفريق فالمرض الدنياوي ربما يؤدي الي الهلاك و الفناء الدنياوي و اما الوجود الدهري فلايضاده المرض الوصفي فلايعدمه و انما يزيل وصف صحته فهو دائما موجود مريض فيدوم مرضه و تألمه بذلك فافهم فانه دقيق لطيف قد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 155 *»

خفي سره علي كثير من منتحلي الحكمة‌ حتي اساطينهم و القول بان القسر الدائم محال قول سخيف فان علة‌ القسر اذا كانت دائمة دهرية دامت كما روي بنياتهم خلدوا و اما عدم تألم الانسان في الدنيا من معاصيه مع ما ذكرنا من السر في الاخرة ان الفطرة الاصلية لغفلتها و التهائها بمقتضيات الفطرة المغيرة و احتجابها بحجب الاعراض الحيوانية و النباتية‌ و الجمادية و كدورة حواسها و اشتباهها في ان المعاصي مناسبة‌ او منافرة لجهلها و اختلاط كل منافر بمناسب و هو سبب الاشتباه و تمسك الشيطان به و لبسه علي الانسان ليست تحس و تتألم الاتري انها اذا تذكرت تألمت و لذلك تلك الكدورات ليست تلتذ من الطاعات كما تلتذ من المعاصي فاذا كشف عنها الاغطية و صفي حواسها و زال اعراضها و خلصت في الانسانية و صرفت المعاصي و الطاعات و زال الاشتباهات و تفرقت الاضغاث اشتد تلذذه و تألمه قال علي7 لو خلص الحق لم‌يخف علي ذي حجي و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيأتيان جميعا و قال الله تعالي فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد بل لايلتذ امرء بشيء قبيح الا و يعيره محاسن او ينظر الي ما فيه من اضغاث المحاسن فيلتذ بها و يسكن فطرته اليها فاذا خلصت الاشياء ظهرت المنافرة التامة و حصل التألم الشديد نعوذبالله و كذلك يتألم مما فرط من فارق الاعراض وجدانا و حصل له تخلص علمي و من مات فقد قامت قيامته و موتوا قبل ان‌تموتوا كلا لوتعلمون علم اليقين لترون الجحيم فتدبر و انصف واحمد الله علي ما منحك من هذا البيان الواضح الرشيق الدقيق و الحمدلله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله.

و اعلم ان اهل النار لايكادون يألفون النار و لايستحيلون الي النار ابدا فان الفطرة الاصلية قائمة بمشية الله محفوظة‌ و قد عريها عرض فغيرها بخذلان الله في الدنيا و لولا بقاء الاصل لما بقي الفطرة المغيرة فانها لاتقع محل العناية و لاتخلق و المرض يحتاج الي المريض و الاخرة دهرية ما في الدنيا فلو فرض الاستحالة لكان اللازم ان لايعذب الانسان ابدا في الاخرة و ان‌يكون الفطرة المغيرة متعلقة

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 156 *»

المشية و هذا كلام من علمه مأخوذ من المحسوسات فزعم ان الفطرة الاصلية تستحيل كما يستحيل الخمر خلا و هو اشتباه محض فان الخلية و الخمرية وصفان متضادان يزول احدهما بمجيء الاخر الاتري ان الخلية لايزيل الجسمية فكذلك الفطرة الاصلية الذاتية‌ لاتستحيل الي العرض المغير للوصف نعم ان الاصلية كان لها بمعاشرة المستقيمين اعراض مستقيمة تناسب ذاتها القائمة‌ بالمشية المحبوبة فاذا عاشر المنحرفين زال عنه تلك الاعراض و لحقته اعراض منحرفة تنافي ذاته و ذلك ان الله سبحانه خلق الفطرة الاصلية فطرة صالحة لان يستخرج منها صور محبوبة باسباب بالذات و صالحة لان يستخرج منها صور مبغوضة باسباب بالعرض لتحقق الطاعة و الاعراض المغيرة يزيل الصور المحبوبة الموافقة لامر الله و لاتفني اصل الفطرة‌ الكونية و ذلك ان السعادة و الشقاوة صورتان تعرضان الفطرة الاصلية الا ان السعادة تناسب الامر المحبوب و تناسب ما خلقت الفطرة له بالذات و الشقاوة تخالف الامر و ما خلقت الفطرة له بالذات و ان‌كانت صالحة للشقاوة بالعرض لتمام الاختيار و حصول الطاعة فاهل النار لاتستحيل فطرتهم الاصلية فتكون مخلوقة للشقاء بالذات فصورة الشقاوة تنافر ذاتيتها ابدا فتتألم ابدا بل كلما يبقي العاصي في النار يشتد عذابه لشدة تمحض العصيان في المخالفة و شدة تخلص النفس شيئا بعد شيء و يشتد ذكاء حواسها بصعودها الي مبدئها و لو راجعت الي ادلة‌ القوم بعد ما ذكرنا لوجدتها ادلة قشرية ظاهرية و هي اوهن من بيت العنكبوت.

قاعدة

في معني تجسم الاعمال و هيهنا اصل شريف يتفرع عليه فروع کثيرة و هو ان الله سبحانه خلق الانسان کونا خلقة صالحة لاعمال الخير و اعمال الشر يعني ان يده مثلا صالحة لان يلطم بها وجه اليتيم مثلا و ان‌يتصدق بها و عينه صالحة لان ينظر بها الي غير محرم و ان‌ينظر بها الي المصحف و الکعبة و هکذا جميع اعضائه و جوارحه و جلده و لحمه و عظمه و عصبه و عروقه و جميع حرکاته و سکناته و ميوله و شهواته و طبايعه و غضبه و جميع مشاعره الظاهرة و الباطنة و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 157 *»

نفسه و روحه و عقله و حقيقته فجميع ذلک منه صالح لان يفعل به طاعة و معصية بالبداهة و الاحساس و ليس في شيء منها تعين طاعة و تعين معصية و بذلک خلقه الله مختارا قادرا علي الطاعة و المعصية فالانسان الکوني يمکن ان‌يصدر منه طاعة و ان‌يصدر منه معصية و ان‌يؤمن و ان‌يکفر فهو بالنسبة الي السعادة و الشقاوة کالامکان او هو الامکان و بمنزلة المادة النوعية و هو مرکب في نوعيته من مادة و صورة نوعيتين و هو للسعادة و الشقاوة کالخشب للضريح و الصنم فما يظهر منه من صورة سعادة ليست من مقتضيات مادته و مايظهر منه من صورة شقاوة ليست من مقتضيات صورته فان المادة و الصورة امران طبيعيان ليستا منشأ سعادة و شقاوة و ان کان مادته اکثر توحدا و استقلالا و صورته اکثر تکثرا و اضمحلالا و ما وجدت في کلمات المشايخ ان منشأهما الوجود و الماهية فانما يريدون بهما جهة الرب و النفس بالجملة الانسان الکوني شيء مرکب من مادة و صورة في کل عالم بحسبه من اي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره و قال خلقک فسواک فعدلک في اي صورة ماشاء رکبک و قد خلق هذا الانسان الکوني في خلقين خلق اولي نوعي و خلق ثانوي شخصي و کل خلق منهما مرکب من مادة و صورة فالخلق النوعي له مادة اولية نوعية و صورة نوعية هي اصل الماهية ثم هما معا الهيولي القابلة للصورة و المعروف ان حصة منه مادة شخصية ثانية في الخلق الثاني و قد حققنا ان النوع لايتحصص لان التحصص في الکم المقدر و لا کم له مقدرا فالحصص في کل الافراد لا کلي الافراد و انما الحق المشاهد عندنا ان المادة الشخصية هي ظهور النوع لا حصة من ذاته فيصدق علي الفرد بعض النوع بالجملة الانسان الشخصي مرکب من حلين ماديين و عقدين صوريين کما برهن عليه في محله و هاتان المادتان لادخل لهما في طاعة و لا لهاتين الصورتين في معصية و مايصدر منها حرکات و سکنات کونية لاتورثان سعادة و لاشقاوة و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 158 *»

انما هما کمنشأهما من الکونية و هو قوله تعالي کان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين نعم ان الله خلقه للطاعة بالذات اي خلق وجوده علي حذو مشيته و مکنه من المعصية بالعرض لحصول الطاعة اي خلق له ماهية لقوام الوجود لا لاجل نفسها و هما فيه بالقوة فوجه الله اليه مشيته الشرعية و الوصفية کما وجه الي ارض الامکان مشيته الکونية في خلقه فسطع منها نور هو علي صفة المشية الشرعية و يعبر عن ذلک النور بالماء العذب الفرات السائغ شرابه اذ من الماء کل شيء حي فاشرق بذلک النور بدن الانسان الکوني و بلغه الحجة و وصله الدعوة فان امتثل و طاوع ظهر عليه صفة خاصة شخصية مادتها اثر مشية الله الشرعية و صورتها من امتثال الامکان اي زيد الکوني کما ان ما في المرآة من شبح له مادة من اثر الشاخص و صورة من قبول المرآة و ذلک الامتثال و القبول هو طينة عليين قد عجنت بذلک الماء العذب الفرات و هما معا الصورة الشخصية و العملية التي خرجت الي البروز من الکمون و ذلک النور هو الجنة الموعودة و الحبة المزروعة في ارض الامکان اي وجود زيد و بالاعمال تتخصص بزيد او عمرو و اعمالهم ثمن نعيم الجنة العام المطلق و مخصصة ذلک الاطلاق بزيد و عمرو و سنبلة مازرع فيهما من نور الشارع و ظله ففي الحقيقة عامل جميع اعمال الخير هو تلک المشية ان ذکر الخير کنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه الزيارة. و معني قوله7 الاعمال صور الثواب و العقاب اي الامتثالات مخصصات اطلاق الثواب و العقاب و هذه الصورة هي الصورة الشرعية و العلة الغائية التي اظهرها الله علي الکون بعد تمام خلقه و هي اي العلة الغائية مقدمة وجودا و مؤخرة ظهورا فلابد من تقدم حقيقة هذه الصورة الشرعية علي هذا الکون البتة و حقيقة الشرايع کلا هو التوحيد و المعرفة لقوله تعالي خلقت الخلق لکي اعرف فذلک التوحيد الذي هو الحقيقة و العلة الغائية يظهر في کل مرتبة من المراتب بصورة تناسب تلک الرتبة فانه غاية خلق کل شيء و سابق علي کل شيء و ظاهر بعد وجود کل شيء فيظهر بعد خلقة العقل علي العقل صفة العقل

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 159 *»

الشرعي الذي يعبد به الرحمن و يکتسب به الجنان فالعقل الشرعي مرکب من ظهور تلک الغاية و قبول العقل کما سمعت و سمينا الکوني بالعقل علي الظاهر المتعارف و الا العقل هو ظل الفؤاد و قبول مرآة المشعر المدرک للمعاني بالجملة و تظهر تلک الغاية في مرآة الروح فتکون روحا علي ملئکة الحجب و روح الله و في مرآة النفس فتکون نفسا ناطقة قدسية و بالاخلاق الحسنة و الصفات الحميدة و العلوم الحقة و في مرآة الطبع فتکون طبعا عليينيا و في الاهبية فتکون مادة صالحة و في المثال فتکون ظلا نورانيا سعيدا طيبا و باخلاق زکية و صفات علية و في الجسد فتکون صلوة و صوما و حجا مثلا و الغرض ان هذه الصفات في هذه المراتب جميعا مرکبة من نور الشارع و قبول المحل و هي الصورة الشرعية و هي المؤخرة ظهورا و هي المقدمة وجودا و هي الحبة التي زرعت في ارض الکون في اي رتبة و سقيت بماء الامر و النهي و ربتها شمس وجود الشارع فنبت النبات الشرعي و هو المصلي مثلا و هو صورة التوحيد في کل رتبة بحسبه و المفرط فيها مفرط فيه لما عرفت و ان شئت فسم الغاية الولاية فان الله سبحانه امر الخلق بالتوحيد ليستکملوا في امر الولاية لآل محمد: فمن وحد الله کما ينبغي هو الولي الحق و من والي آل محمد: کما ينبغي هو الموحد الحق و علي ذلک جميع الحق ظهور الحق، الحق معکم و فيکم و منکم و اليکم فلو قال العلة الغائية انا صلوة المؤمنين و صيامهم لما قالت شططا و صدقت فيما قالت لانهما ظهورها و علي هذه فقس المعاصي فانها ايضا مرکبة من ماء ملح اجاج هو دعوة اصل الباطل الي نفسه و من تراب امتثال زيد لامره علي حذو ما سمعت و ان شئت قلت ان الهالک انما يهلک بمخالفة شارع الحق و المادة علي اي حال من ظل الشارع و الصورة من الامتثال و المخالفة و السعادة و الشقاوة و الحسن و القبح في الامتثال و المخالفة فذلک النور کصورة وجهک في المرآة و لکن قد يستقيم المرآة فتري وجهک علي صفته و قد تنصبغ و تعوج بحيث تتبرأ من الصورة التي فيها و تقطعها عن نفسک و ان کانت قائمة بمثالک فکذلک ظل الشارع رحمة الله

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 160 *»

علي الابرار في بطن امتثالهم و نقمته علي الفجار في بطن مخالفتهم فذلک الظل يمد مادة النار لهم و يمد مادة الجنة و لاتنافي هذا المعني و ذلک المعني فان رؤساء الضلالة بمخالفتهم للشارع بلغوا هذا المبلغ فالمرجع ظله و نوره فهو رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و ان شئت قلت ذلک النور هو القاع الصفصف الذي يجب ان‌يغرس فيه الاشجار و من لايغرس الصالحات فهو موتور في الجنة لا مأوي له يسکن فيه و لا شجر يستظل به.

و صفة وقوع نور الشارع علي زيد و اخراج المصلي مثلا عنه بعينه هو وقوع حر سراج علي الدهن و اخراج شعلة عنه و ذلک ان الدهن سيال فيه اجزاء حارة رطبة و يابسة و اجزاء باردة رطبة و يابسة فانه مرکب من الطبايع و ليس فيه البرودة و الرطوبة غالبة کالماء و الا لأطفأ النار او فر منها بالکلية فاذا جئت بنار الي الدهن وقع مثال النار علي الدهن و غاص في اعماقه و قوي ما فيه من الحرارة و اليبوسة و بدد ما فيه من الرطوبة و البرودة حتي کلس الدهن دخانا و صعد به و لزمه حتي قوي الحرارة و اليبوسة اللتان منها الانتشار و الضياء في الدخان و حمي الدخان حتي احمر و اشتعل و خفي صفات الدخان و ظهر صفات النار فالشعلة المرئية لها مادة و صورة مادتها من مثال النار المکملة و صورتها من قبول الدهن و قبول الدهن فعل الدهن و تابع لصفته فيکون علي حسبه فتکون الشعلة خضراء و صفراء و حمراء علي حسب قابلية الدهن فمادة الشعلة صفة النار و صورتها صفة الدهن و قد غرس مثال النار في ارض الدهن و نبت منها نبات الشعلة علي ماتري و کذلک صفة اشتعال دهن وجود زيد و کونه بنار العلة الغائية.

و اما صفة التجسم اعلم انا قد ذکرنا ان للشيء خزائن هي مظاهر حقيقته و منازل ظهوره و لها في کل منزل ظهور علي حسبه ففي منزل المعاني تظهر علي صفة المعاني و في منزل الرقائق تظهر علي الرقيقة و في منزل الصور المجردة تظهر علي صورة مجردة و في منزل الاظلة تظهر علي صورة ظلية و في المواد الزمانية تظهر علي صفة المواد و ذلک ان تلک المنازل مرايا تجلي تلک الحقيقة فالتجلي علي صفة الحقيقة و لکن الظهور علي صفة المرايا من توحد و تکثر

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 161 *»

و کدورة و صفاء و اقتران و تجرد و امثال ذلک فحقيقة الجنة التي هي الرحمة المکتوبة الرحيمية بلحاظ التخصص و الرحمة الواسعة الرحمانية بلحاظ العموم قد ظهرت في المواد الزمانية علي صفة الصلوة و الصوم و البر و في الاظلة تظهر علي صور تقتضيها الاتري ان العلم في الدنيا علي ماتري و في الاظلة علي صورة اللبن و الزوجة في الدنيا زوجة و في الاظلة علي صورة النعلين و الحزن في الدنيا علي ماتري و في الاظلة علي صورة الصفرة و النقود في الدنيا علي ماتري و في الاظلة علي صورة العذرة و هکذا لکل شيء صورة هنا و صورة هناک و من عرف تناسب الصور عرف علم التأويل و تناسب الصور شيء عجيب و سأمثل لک مثالا حتي تعتبر به انظر في الحرارة مثلا فانها تقتضي في الالوان الحمرة و في الاوزان الخفة و في الکم المتصل الطول و في الهيئات الدقة و في الرتب الرفعة و في النسب التفرق و في الکم المنفصل التفرد و في السن الشباب و في الاخلاق حب الشهرة و في المشاعر الجربزة و في الخصال الشجاعة مع التهور و في الاصوات الرفيع الدقيق و في الوقايع الدفعي و هکذا فمن عرف اقتضاء الشيء في ذاته و اقتضاءه مع اقتضاء قابله عرف کيفية صورة الحقيقة في المنازل فکما ان السفر في الدنيا سفر و في الاظلة صلوة کذلک الصلوة هنا صلوة و في الاظلة لها صورة خاصة من النعيم الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا و کذلک في الآخرة للحقيقة صورة تناسب دهريتها و تجردها و الشارع الکامل المشاهد يراها فيقول ان جهنم لمحيطة بالکافرين و يقول الذين يأکلون اموال اليتامي ظلما انما ياکلون في بطونهم نارا و يقول لاترکنوا الي الذين ظلموا فتمسکم النار و يقول ان هم الا کالانعام بل هم اضل و يقول و امرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد و غيره لايري تلک الصور و يتعجب فالحقيقة تظهر في کل عالم بصورة کما عرفت فتلک الصور متناسبة لانها صور حقيقة واحدة و ان کانت بحسب الصورة مختلفة کما مثلنا بصور الحرارة و کل عالية من تلک الصور ترقي الصورة الدنيا و کل دان منها تنزل الصورة العليا فهذه الاعمال تترقي الي عرصة النفوس و تکون فيها علي

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 162 *»

حسب عالم النفوس من الصورية و التجرد و الدهرية و الدوام و عدم الدثور و الاستمداد المستمر لکن علي حسب قابلية النفس و جهاتها و شهواتها و طبايعها و مشاعرها يعني ان الرحمة المکتوبة اي نور الشارع و ظله اذا توجهت الي زيد و امتثل بجميع جهات نفسه مثلا تظهر تلک الرحمة في مرايا شهواته و طبايعه و مراداته علي حسبها فان شاءت حورية فهي حورية و ان شاءت تفاحة فهي تفاحة و ان شاءت طيرا فهي طير و ان شاءت نهرا فهي نهر او قصرا فهي قصر و هکذا مثال ذلک مرآة تصنع بحيث اذا واجهت بها الجدار رأيت فيها کلبا مثلا و کذلک مرآة تري فيها شاة و هکذا و النفس الانسانية مشاعرها باختيارها کما ان جسدها باختيارها فاذا هيأت مشاعرها بهيئة الحورية و واجهت بها الرحمة المکتوبة ظهرت لصاحبها فيها الحورية او الشجر ظهر له الشجر او القصر ظهر له القصر و هکذا و فيها ماتشتهيه الانفس و تلذ الاعين الا ان عالم النفس دهرية و ليست تشتهي اذا خليت و طبعها الا ما تقتضيه طبايعها و بقدر همتها و سعتها و احاطتها و ملکاتها و عاداتها فنفس الکافر لاتتصور بصورة الخير لانها ماتصورت بصورة الخير و ليس للانسان الا ماسعي و ان سعيه سوف يري ثم يجزاه الجزاء الاوفي و ماتجزون الا ما کنتم تعملون و هي منکوسة الي الغضب کما کانت في الدنيا و لها بجميع صورها التي حصلتها في الدنيا صورة من الغضب محيطة بها من حية و عقرب و سبع و شيطان قرين و نار و حميم و غيرها فالکافر يعطش و يتصور بصورة الماء و يتوجه الي الغضب قهرا فيظهر في مرآته الحميم بمقتضي طبعه و يتصور بصورة الرفيق فيقرنه شيطان و يجوع و يتصور بصورة الاکل فيؤتي بالزقوم لکثافة مرآته و خباثته قال الله تعالي ذوقوا فتنتکم و قال ان هذا ما کنتم به تمترون و امثال ذلک من الآيات و لاتزعم ان جميع ذلک تصورات فاولا ليس لک من الدنيا و ما فيها حظ الا صور في مشاعرک و ثانيا ان الرحمة في الخارج موجودة واقعا و هي رحمة الرحيم و الغضب في الخارج موجود و هل هما موجودان علي جهة الاطلاق من جميع انواع النعيم و العذاب فهما رحمة صرفة و غضب صرف

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 163 *»

ليس فيهما مبادي الجزئيات او في الرحمة مبادي انواع النعيم و اصنافه و افراده و في الغضب مبادي انواع العذاب و اصنافه و افراده مقتضي الکتاب و السنة ان فيهما جميع الافراد موجودة بتفاصيلها علي العموم و بالاعمال تختص بکل احد و سره ان النفس الکلية الشارعة هي علة جميع افراد النفوس و جميع الافراد شعاعها و نورها و وجوه جميع الآثار فيها و لکن علي نحو لاينافي توحدها و امثل لک مثالا و هو ان روحک البخاري سميع بصير ذائق شام و لامس و معط و ماش و انما يظهر سمعه في الاذن و بصره في العين و ذوقه في اللسان و شمه في الانف و لمسه في الجلد و اعطاؤه في اليد و مشيه في الرجل و لو لم‌يکن فيه مبدأ الابصار لما ابصر بالعين و لو لم‌يکن فيه مبدأ السمع لماسمع بالاذن و هکذا تلک الرحمة فيها مبدأ جميع الخيرات و تظهر في جهات مشتهيات نفوس الناس علي حسبها فلو لم‌تکن فيها تلک المبادي لماظهرت في النفوس علي ما اشتهت و ليس کل مادة صالحة لکل صورة و ليس مادة الموج مثلا التي هي الماء صالحة للسيف و ليس الفرق بينهما في الصورة خاصة بل و في المادة و انما الصور الشخصية افراد نوع صورة المادة فالباصرة و السامعة و الشامة افراد صورة الروح البخاري و هو له صورة هو بها سميع بصير ذائق شام لامس فلو لم‌يکن له تلک الصورة لما تشخص بالباصرة في العين و السامعة في السمع و کذلک الرحمة حور بکلها قصور بکلها انهار بکلها اشجار بکلها و هکذا و لو لم‌تکن کذا لماظهرت في النفوس علي ما اشتهت من الخيرات و هذا سر ان اشجار الجنة تحمل کل ثمر و تفيد کل لذة و کل علم و حکمة و الانسان في عين نکاح الحورية يجد کل لذة مأکل و مشرب و تستفيد کل علم يعني اذا تناول الانسان مثلا تفاحة و اراد الرمانة تفيد له طعم الرمان و اذا اراد العنب تفيد له طعم العنب و هکذا و اذا اراد علما افادته علما و هکذا کما يکون الروح البخاري سميعا بصيرا ذائقا شاما لامسا علي ما شرحت فليس الکافر الخبيث النفس المنکوستها يقدر علي تصوير صورة نعيم و تحصيله فلو کان ما من المبدأ مادة صرفة صالحة للکل لقدر الکافر علي تصور الرحمة و تحصيلها و انما هو ذو ملکة في الشر و هي دهرية و ليس له غيرها فلايتصور الا صورا خبيثة و لايتوجه الا

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 164 *»

الي الغضب و لايصل اليه الا الغضب فافهم و الحاصل ان الاعمال هي صور شخصية للثواب مخصصة بالعامل و هي في الدنيا علي هذه الصور و في الآخرة علي صورة دهرية دائمة خالدة و علي حسب مشتهي النفوس اذ يحصل لها بالاعمال ملکة تقدر ان‌تصور مشاعرها علي ماتحب و تقابل بها الرحمة مثلا فيحصل له نعمة ارادها نعم تلک القدرة علي حسب الاعمال و الملکات فلاکل احد تقدر علي کل تمن و انما القدرة علي حسب ما اکتسب من الملکات و الکمال مثل ما في الدنيا و لايشتهي غير مايليق به و غير مايمکن في حقه في تلک الرتبة و هذا معني تجسم الاعمال و موادها و صورها علي نحو الاختصار و ظني اني جمعت لک في هذه القاعدة جميع اطراف المسئلة فتدبر فيها و اغتنم.

قاعدة

في حشر صنوف الخلق، اعلم ان الايجاد هو التکليف انما امره اذا اراد شيئا ان‌يقول له کن فيکون «فکن» منه تکليف و الانوجاد هو العمل و العبادة فلايقوم الخلق في اي عالم الا بالتکليف و الامتثال غاية الامر ان في بعض العوالم التکليف و الامتثال ذاتيان و في بعضها عرضيان و لاتکليف الا بالبيان و لابيان الا بمبين و لاتبيين الا برسول من جنس المکلف و الشرع هو صفات ذلک الرسول التي هي تفاصيل کمالاته الذاتية الوحدانية و ظهوراتها لانه الکامل المکمل فان من شيء دخل عرصة الوجود الا و هو مکلف و له شرع و رسول و غاية التکليف الجزاء و السبب الي الجزاء العمل و الامتثال و الجزاء هو ذلک التکليف الا انه تکليف نزولا و جزاء صعودا الاتري انه قال اذکروني اذکرکم فجعل ذکره للعبد جزاء مع ان ذکره للعبد مقدم علي ذکر العبد له فما لم‌يذکر الله جل جلاله العبد بالتوفيق لم‌يذکره العبد بالطاعة الاتري انک ما لم‌تنظر الي المرآة لاينظر الشبح اليک فنظرک اليه نزولا تکليف له بان انظر الي فاذا نظر اليک نظرک اليه اخيرا جزاء نظره و ما من الله مقدم ابدا علي ما من العبد فالتکليف اي نور الشارع هو تکليف

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 165 *»

نزولا يحمله قول افعل و لاتفعل و هو الجزاء صعودا و دار الانوجاد هو دار العمل و يعقبها دار الجزاء فالعود علي البدء کما بدأکم تعودون و الجزاء علي حسب العمل و لقد علمتم النشأة الاولي فلولا تذکرون فتعلق بک الايجاد کما انوجدت فعلي ذلک لکل من دخل عرصة الوجود دار عمل و دار جزاء و انما يجزون في دار کلفوا فيها فمن حيث انها دار جزاء آخرة و قيامة و من حيث انها دار تکليف عالم ذر سابق و لابد و ان‌يعود کل مخلوق الي ربه حيث ذکره و بدأه فان هناک دار جزائه و غاية ايجاده فمن بدأه الله من الدنيا يعود اليها و يجزي فيها فان عود کل کائن الي حيث هو هو بدأ لا الي حيث يعدم مثلا في الجماد الياقوت لابد و ان‌يعود الي حيث بدئ ياقوتا فيکون في معاده ياقوتا کما کان في بدئه ياقوتا و في دار عمله ياقوتا و لايکون ياقوتا الا في الدنيا فمعاد الياقوت في اوقات کونه ياقوتا و لابد و ان‌يجزي في اوقات کونه ياقوتا بعمله الياقوتي فان الياقوت اما مطيع او عاص و اما اذا تفرق و اختلط بالعناصر فقد عدم و عاد عود ممازجة لاتعين له فمعاده للجزاء في اوقات کونه ياقوتا کما روي في تمرة فيها سواد ان الملک يضربها بمنقاره لانها ترکت ذکر الله فجوزيت في اوقات کونها تمرة لا بعد فسادها و عودها الي العناصر فمعاد الجماد و النبات الدنيا اذ بدؤهما فيها و هي حينئذ دار تکليفهما فعودهما فيها و هي محشرهما و ثوابهما و عقابهما فيها و کذلک هناک دار عملهما لانها دار امتثالهما و قبولهما و اما الحيوان فبدنه الجمادي و النباتي العرضيان فکذلک و اما نفسه الحيوانية فهي من غيب الافلاک اي مادتها من غيب جوزهر القمر و صورتها الشخصية من قبول النفس النباتية فاذا تفرق النباتية بطلت صورة الحيوانية الشخصية و عادت المادة النوعية الي غيب الافلاک عود ممازجة و مرادي بغيب الافلاک نفسها و حقيقتها التي بها هي هي فمحشر الحيوان ايضا الدنيا الا انه في رتبة فلک القمر فانه بعد تفرق بدنه يعود بعد حين عود ممازجة لانه له خيال ضعيف و وهم ضعيف و بقدر قوة خياله و وهمه يبقي و هو يوم حشره فيقتص للجماء من القرناء ثم يموت

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 166 *»

الحيوان و يعود عود ممازجة لانه تعينه من طبعه فاذا تفرق الطبايع زالت الشخصية کما انه اذا تفرق الدخان زالت الخراطة و الصفرة و لحق النار بکرتها عود ممازجة او استهلکت في الطبايع و قوام الشعلة بالدخان و کذلک اذا اعتدلت النفس النباتية التي هي البخار و ساوي جسم فلک القمر اشتعل فيه نور فلک القمر و حيوته متعينا بتعينه فکان سبعا او بهيمة علي حسب البخار فاذا تفرق البخار بقي الاسد و الغنم مثلا قليلا بقدر قوة مشعرهما الباطني ثم يفني و لحق الحيوة النوعية بکله بالجملة محشر الحيوان ايضا غيب هذه الدنيا مادام هو هو قبل ان‌يتفکک و يبطل.

و اما النفس الظلية الانسانية و حقيقتها التي بها هي هي و بها تکون انسانا دون ان‌تکون حيوانا فهي ليست تابعة للجسد في التعين بحيث لولا الجسد لکان مادة نوعية بل هي متشخصة بما تحصلت من العلوم و الاعمال اعني ان المادة النوعية الظلية الناشئة من النفس الکلية المتعلقة ببدن زيد قد تحصلت في بدن زيد علوما و اعمالا قد تعينت بها بحيث تعرف في عالمها بتلک العلوم و الاعمال فاذا تخلل البدن بقيت تلک الحصة من المادة بصورة تلک العلوم و الاعمال باقية الترکيب في البرزخ فيحشر هناک و يجزي هناک لانه نودي من هناک و بدئ من هناک و يعود الي هناک و قولنا الناشئة من النفس الکلية فيه اشارة خفية و هي ان الابدان العرضية جزء من اجزاء العالم الکلي الذي هو ظهور النفس الکلية و ليست تنزل سکنتها و لاتعود اليها کبدن زيد العنصري النباتي الدنياوي العرضي فانه ليس تنزل زيد و ليس بجسمه و انما هو اجزاء من بسايط العالم قد تألفت بيتا سکن فيه نفس اياما و ستفارقه و يسکن فيه غيرها بعد ما رم و ليس بتنزل نفسه و لايعود اليها و لايثاب عليها و لايعاقب عليها و کذلک البدن المثالي لزيد فليس تنزل نفس زيد و لو کان تنزل نفس زيد لما عاد عود ممازجة و لما فني في البرزخ و کان من الآخرة و الي الآخرة و لکنه حصص من بسايط الاظلة التي هي تنزل النفس الکلية قد تألفت بدنا مثاليا و سکن فيه نفس زيد و اشتعاله بزيد اشتعال عرضي کاشتعال المرآة بشبح الشمس فافهم فمثل حصص من الافلاک قد تألفت لبدن زيد فکانت بدنا مثاليا علي هيئة علوم زيد و اعماله يسکن فيه نفس زيد نعم يسکن عقل زيد

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 167 *»

في عرشه و نفسه في کرسيه و مشاعره في افلاکه و طبايعه في طبايعه کسکني النار في دخان الشعلة فاذا بطلت الحيوانية بقيت المثالية مدة البرزخ لشدة اعتدالها و انتضاجها فاذا نفخ في صور الصور نفخة الصعق و جذب عنها المواد تفککت المثل و لحقت ببسايطها الکلية.

و اما النفس الانسانية فهي قد بدئت مرکبة و حيوتها رکنية و لم‌تبدأ من بسايط مستقلة قبل الترکيب و هي اصلها من تأييد العقل و عرصتها وسط الدهر و وقتها ثابتة دائمة و بدؤها من الدهر و عودها اليه و قد ذکرها الله هنالک و ستعود اليه هنالک و تجزي هنالک کما دعيت هنالک و اجابت هنالک و هي حقيقة زيد و حقيقة الانسان المبدوءة المکلفة الممتثلة العاصية المثابة و المعاقبة و لما کان بدؤها مرکبا في الدهر يکون عودها اليه و ليس يتفکک ترکيبها و تجزي باقية الترکيب و يکون جزاؤها خالدا لکونه دهريا.

بقي شيء و هو اني ذکرت سابقا ان الايجاد هو التکليف و الانوجاد هو العمل و الامتثال و يعبر عن الوجود المفاض من الايجاد بالست بربکم لانه هو الذي به عرف الله نفسه له و هو صفة تعريفه نفسه لعبده و هو حقيقة جميع ما کلف به و عبر عنه بالست بربکم لانه ليس علي نحو الالزام بل علي نحو الاختيار لانه موقوف علي القبول و الامتثال و الانوجاد و يعبر عن الانوجاد ببلي ففي الکون الايجاد هو التکليف و الوجود هو المکلف به و الشريعة نزولا و الانوجاد هو العمل انما امره اذا اراد شيئا ان‌يقول له کن فيکون فکن هو التکليف و الکون هو المکلف به و يکون هو العمل فاذا انوجد و کان اثيب بالوجود و الکون و هو التوحيد المفاض عليه و ما عرف الله نفسه له به و هو الغاية فانه اذا وصل اليه فاز بالغاية التي هي الدوام الابدي و الهيمنة علي جميع ماسواه من آثاره و القدرة الکاملة و العلم الکامل و الحيوة الابدية و الربوبية المستعلية بالنسبة الي آثاره و هو الربح المشار اليه في القدسي خلقتکم لتربحوا علي و ماخلقتکم لاربح عليکم نقلته بالمعني و هو الجنة الموعودة يا نعيمي و جنتي و يا دنياي و آخرتي و بهذا الثواب

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 168 *»

قد وصل کل من دخل عرصة الوجود لانه لم‌يعصه احد و لم‌يخالف امره موجود سبحان من دانت له السموات و الارض بالعبودية و اقرت له بالوحدانية و شهدت له بالربوبية و ان من شيء الا يسبح بحمده و لکن لاتفقهون تسبيحهم کل قد علم صلوته و تسبيحه و لما عمرت الديار و عبد الجبار في جميع الاقطار حصل بين الخلق نسبة اخري و هي نسبة الاداني الي الاعالي و نسبة الناقصين الي الکاملين و ذلک ان في الکائنين صلوحات ثانية يجب ان‌يظهر بها الجبار لئلايخلو مظهر من المظاهر من ظهور الله الاحد غير المتناهي جل جلاله و لابد لاستخراج تلک الصلوحات و القوي من اسباب مصاقعة فجعل الله الاعالي اکمام ايدي ارادته و اخبي ارادته فيها و انصبغت فيها و خرجت عنها ارادة وصفية و هي المشية الشرعية و هي هي المشية الکونية الظاهرة في الاعمال ان الله جعل قلوب اوليائه وکرا لارادته ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليکم و في بيوتکم الصادر عما فصل من احکام العباد فنور اولئک الاعالي هو الشرع و هو الوجود الوصفي الشرعي و الکون الشرعي و قول الست بربکم و هو شبح منفصل من تلک المشية الشرعية و نور اشرق من صبح الازل فلاح علي هياکل التوحيد آثاره و يحمل ذلک النور الاوامر و النواهي الشرعية فبلغهما الله آذان قلوب الکاينات و هيهنا اختلفوا فمنهم من قال بلي و امتثل و اجاب فظهر ذلک النور في کل رتبة منه علي حسبه ففي فؤاده بالمعرفة و المحبة و في عقله باليقين و الرجاء و في نفسه بالعلم و الخوف و في جسده بالاعمال و منهم من قال نعم علي تفصيل ذکر في محله و لسنا الآن بصدد بيانه فبذلک التکليف و الهداية استخرج الله من قوي تلک الکاينات صورا شرعية و تلک الصور هي امتثال الکاينات و ذلک النور هو الجزاء النوعي و بذلک الامتثال يتخصص بالمکلف فالاعمال صور شخصية للثواب فاذا عمل المکلف بالاوامر و کمل المقتضي و اجتنب النواهي و ارتفع الموانع ملک ذلک النور فاثيب به و ذلک النور هو المحمدية الغراء و العلوية البيضاء و الجنة و التوحيد الکامل الشرعي و

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 169 *»

الحيوة الابدية و الاستيلاء و الهيمنة و القدرة علي مايشاء و ما لاعين رأت و مالا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر و ماکتمه في الصدور اولي من رسمه في السطور کما کانت تلک الصفات ثابتة لتلک المشية الشرعية فاذا دار جزاء کل احد و معاده حيث ذکره ربه و جزاؤه ذکر الرب اياه و لابد من ان‌يکون باقي العين في دار جزائه و لما کان الجمادات و النباتات من الترکيبات الدنيوية اي تتفتت في الدنيا کما کانت متفرقة الاجزاء قبل ترکيبها في وقت يکون دار جزائها الدنيا فمعادها في الدنيا حيث تجازي و اما النفوس الحيوانية فلما کان بدؤ ايجادها من الافلاک کان عودها اليها و محشرها عند جوزهر القمر ثم تموت و تتفتت و تکون ترابا و تلحق باصولها الفلکية و اما النفوس المثالية البرزخية فليست مرکبة في الدنيا و لا من غيبها و لم‌يکن لها اجزاء مستقلة في الدنيا قبل ترکيبها و ليست تتفتت في الدنيا فهي تبقي بعد خراب البدن في البرزخ فان المراد منها الصورة المثالية الافلاکية القائمة بالمادة الدهرية و اما النفوس الدهرية الانسانية فهي خلقت مرکبة في الدهر و لم‌تکن مسبوقة باجزاء مستقلة و لايلحقها التفتت و التحلل فهي ابدا باقية و دار تکوينها و تکونها و جزائها الدهر و علي ما عرفت لابد من مصاقعة دار التکليف و العمل و الجزاء و ما کان يقال ان الدنيا دار تکليف و الآخرة دار جزاء فذلک کلام ظاهري و في الحقيقة لابد من المصاقعة فالاعمال الدنياوية جزاؤها في الدنيا و البرزخية في البرزخ و الاخروية في الآخرة و ان کانت الاعمال الثلثة تصدر من الانسان في الدنيا بحسب مراتبه و اما الجن فنفوسهم نفوس ظلية مثالية لانهم خلقوا من مارج من نار حصلت من الشجر الاخضر النابت من التراب الذي خلق منه الانسان و نفوسهم ظل نفوس الاناسي فمحشرهم تحت محشر الاناسي و جزاؤهم ظل جزاء الاناسي سعداؤهم في حظاير الجنان بين السماء و الارض و اشقياؤهم في ضحضاح جهنم فوق الارض و الاناسي هم في السموات و نسبتهم الي الاناسي نسبة انوار الکواکب بالنسبة الي الکواکب فنفوسهم شعاع نفوس الاناسي تظهر و تتعين بحصص ارضية طبيعية کما يتعين الحيوانية بالنباتية و الفرق بينهم و بين الحيوان ان الحيوان تألفه دنياوي يفني و تألف الجن دهري يبقي و هم

 

«* مکارم الابرار عربي جلد 2 صفحه 170 *»

برازخ بين النفس القدسية و الحيوانية اسافلهم اکثر شبها بالحيوان و اعاليهم اکثر شبها بالانسان و هم ملحقون بالدهر دون رتبة الاناسي فلا انقراض لوجودهم و يخلدون في الحظاير و الضحضاح و اما الملائکة فرتبتهم دون رتبة الجن في عالم الهباء حصص من ارض المحشر و هي ايضا دهرية باقية ثابتة و هذه الملائکة خدم و سفلية في الدهر و هم غير سکنة الجنان و سدنتها المعاشرين مع الاناسي في درجاتهم.

بقي شيء و هو ان کل ما دخل عرصة الوجود و کتب اسمه في اللوح فلا فناء له و لا زوال عند ربه لربه و هو موجود ابدا حيث ذکره ربه علي ما ذکره مجزي بجزاء عمله في محل ذکره الا ان الجماد و المعدن و النبات و الحيوان و الظل يفنون في انفسهم في الامتدادات الدنيوية و يبقون لربهم و اما الانسان و الجن فهم باقون لربهم سرمدا بل ازلا و في انفسهم دهرا و کذلک کل ذي حيوة اشراقي فان عند مشرقه من انسان او غيره و ان کان في نفسه ثابتا حيث کتب و قد اتينا و الحمد لله علي ما اردنا ايراده في هذه الرسالة الشريفة من احقاق حق ما ذکره الملاصدرا عليه الرحمة في رسالته العرشية و قد کتبنا المسائل علي نحو ترتيبها و ان کان ترتيبه علي خلاف مانراه من ترتب مسائل الحکمة فلايتعرضن علينا متعرض و وقع الفراغ من تصنيفها في ليلة الاحد لليلة بقيت من شهر رجب المرجب من شهور سنة السبع و السبعين من المائة الثالثة عشر حامدا مصليا مستغفرا.