01-18-1 جوامع الکلم المجلد الاول – شرح الفوائد ـ مقابله – الجزء الاول

شرح الفوائد – الجزء الاول

فی جواب الآخوند الملا مشهد‌بن حسین علی

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 278 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الأحسائي انّ جناب الموفّق المسدّد و الأكرم الممجّد جناب الاخوند الاوحد الملّامشهد ابن المقدس العلي المبرور حسينعلي سلك الله به رضاه و بلّغه ما يتمناه من امر آخرته و دنياه قد التمس منّي اثبات بعض الكلمات في بيان معني ما ذكرته و اشرت اليه في الرسالة التي سمّيتُها بالفواۤئد و هي مشتملة علي اثنتي‌عشرة فاۤئدة لأنّها لما كانت مشتملةً علي معانٍ لم‌يذكرها احدٌ من العلماۤء و لم‌يعثر عليها شخص من الحكماء حتي كانت مع تأصّلها في اليقين و ابتناۤء الحقّ عليها في الدين غريبة مجهولة اذ لم‌تجرِ علي الخواطر و لم‌تكتب في الدفاتر و انما نبّهوا عليها ائمة الهدي في الاخبار المروية عنهم عليهم‌السلام و فيما فسّروه من كتاب الله تعالي فاشار اليَّ سلّمه الله و بلّغه كل ما يتمناه من امور دنياه و عقباه ان ابيّن ذلك بياناً يفهم منه عبارة تلك الرسالة و يحصل منه صريح الدلالة و ان لم‌يذكر الدليل لانّ الغاية معرفة عباراتها و الوقوف علي اشاراتها و كان ذلك الالتماس منه في طريق سفرنا مع جنابه المحترم الي مكّة المشرّفة و معلوم انّ في مثل تلك الحال لايتمكن الانسان من اثبات الاستدلال لكثرة الاشتغال (الاشغال خ‌ل) و الملال و غاية التشويش و الاستعجال بالحلّ و الارتحال و ذكر لي ايّده الله تعالي انّ هذا امر واجب لتوقف الانتفاع بها و فهم عباراتها عليه فحيث كان ذلك عندي معلوماً لعدم الأُنس بها و لم‌تكن تلك المعاني مذكورة في كتاب و لا جارية (طارية خ‌ل) في سؤال و لا جواب ليراجع الطالب ذلك الكلام ليفهم منه المراد و انما هي اشياۤء بالنسبة الي ما ذكره العلماۤء و الحكماۤء غريبة مبتكرة و ان كانت بين ائمة الهدي (ع‌) و بين خواص شيعتهم مذكورة مشهورة ( مشتهرة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 279 *»

خ‌ل ) و كان سلّمه الله علي ما التزمت ( الزمت نسخه . م . ص )نفسي من حقّه ملتمساً لذلك اوجبت ذلك الالتماس عليَّ الّا انّي آتٍ بما يسهل الاتيان به لأنّ هذا منّي في مثلِ هذه الحال غاية المقدور و لايسقط الميسور بالمعسور مستعيناً بالله علي الأداۤء و سائلاً منه عز و جل الرضا انّه علي كل شئ قدير و صدّرت المتن بقولي قلتُ و البيان بقولي اقول ليتبين من ذلك الفروع و الاصول.

قلت انّي لمّا رأيتُ كثيرا من الطّلبة يتعمّقون في المعارف الالهية.

اقول و ذلك لشدّة تحقيقاتهم و كثرة تدقيقاتهم و ايراداتهم للاشكالات و اثباتهم للاعتراضات حتي لاتكاد تجد شخصين متوافقين و ذلك لاختلاف افهامهم و انظارهم و تغاير مذاقاتهم و اعتباراتهم و السبب في ذلك انهم يقولون انّ الاعتقادات امور عقلية و لايجوز التقليد فيها و يلزم من هذا انّ كل واحد يثبت ما يفهمه و حيث يفهمه كان الظاهر تابعاً للباطن و دليلاً عليه كما قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا ه‍ ، و انت اذا نظرت الي صور اجسامهم و كلامهم و افعالهم الطبيعية رأيتها كلها مختلفة و هي صفة بواطنهم و اذا ( فاذا خ‌ل ) جري كل واحد منهم علي مقتضي طبيعته (طبيعة خ‌ل) خاصّة كما هو معني قولهم ان الاعتقادات امور عقلية لايجوز فيها التقليد وجب ان يختلفوا و لايتفقوا بخلاف الذين يعتقدون بعقولهم بما يفهمونه من شئ واحد بان يكون كل واحد منهم طالباً للمراد ( طالب المراد خ‌ل ) من ذلك الشئ الواحد فانهم لايختلفون لاجتماعهم عليه ، مثاله اذا نظر جماعة الي شخص حاضر عندهم فانهم لايختلفون في وصفه اختلافاً كثيرا لأنّ افهامهم في ادراك صفاته تابعة لأبصارهم فيفهمون مما رأوا و هؤلاۤء مثال العلماۤء الذين يعتقدون بعقولهم بما علّمهم الله تعالي و اخبرهم نبيّه صلي الله عليه و آله

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 280 *»

و اوصياءه عليهم السلام فانّهم لايكادون يختلفون لأنّ كلام الله و كلام نبيّه و اهل بيته عليهم السلام يجمعهم و امّا الذين يعتقدون ما يخطر علي خواطرهم من غير امر جامع ترجع تلك الخواطر اليه بل كل واحد منفرد عن غيره فانهم كما كانوا مختلفين في الصور لاتجد اثنين علي صورة واحدة كذلك هم في اعتقاداتهم.

قلت و يتوهمون انهم تعمّقوا في المعني المقصود.

اقول المراد انهم يتوهمون انّ تدقيقاتهم انما هي في تحقيق الحق الذي هو المقصود و ليس كذلك لانّ المعني المقصود هو معرفة الله كما وصف نفسه علي السنة اولياۤئه لا علي السنة المتكلمين و الحكماۤء فاذا كان تعالي اكمل الدين لنبيّه صلي الله عليه و آله و نبيه قد استحفظه كله عند اوصياۤئه ( اولياۤئه خ‌ل ) عليهم السلام قال الله اليوم اكملت لكم دينكم فمن اراد ان يعرف الله بعقله فليعرفه بما وصف به نفسه و لاوصف نفسه الّا علي اَلْسنة اولياۤئه فالواجب ان ينظر فيما قالوا و يفهم ما ارادوا و امّا من لم‌ينظر في ذلك و يريد ان يعرف الله سبحانه فانه لايقع فهمه الّا علي الباطل لانّه ماوصل الي الأزل و لم‌يره ليصف ما رأي و العقول لاتدرك تلك الأمور المقدّسة عن الادراك فكيف يعرف الله من لم‌يأخذ عن الله سبحانه.

قلت و هو تعمّق في الالفاظ لا غير.

اقول لأنّهم اذا لم‌يصلوا الي القديم تعالي و لم‌ينزل اليهم كان ما يعرفون ما يدلّهم اللفظ عليه و لهذا قالوا ان الوجود يطلق علي الله تعالي سبحانه و علي المخلوق بالاشتراك المعنوي لأنهم يقولون ان المفهوم منه هو المعني المصدري الرابطيّ او النسبيّ او البسيط المعبّر عنه بالفارسية بـ هَسْت و هذا عندهم هو حقيقة الشئ سواۤءاً كان واجباً ام ممكنا فيلزمهم ان يكون الخالق عزوجل و المخلوق من سنخ واحد فيلتزمون به و لا شك ان من كان كذلك فهو مشابه لغيره و يلزم منه القول بالحدوث في الواجب تعالي و لو انهم رجعوا في تعقّلهم و فهمهم الي ما وصف به نفسه لاستقام اعتقادهم مثل قوله تعالي ليس

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 281 *»

كمثله شئ فان من صدّق بما انزل في كتابه بانه تعالي ليس كمثله شئ لم‌يقل بان الوجود يصدق علي الرب و العبد حقيقة بطريق الاشتراك المعنوي لاستلزام ذلك المساواة التي هي اشدّ من المماثلة و من قال بالاشتراك المعنوي فانه انما عوّل علي مدلولات الألفاظ فانّ وجود الله تعالي وجود في الحقيقة و وجود العبد المخلوق الفاني وجود في الحقيقة و هذا هو معني قولي و هو تعمّق في الألفاظ لا غير.

قلت رأيتُ انه يجب عليّ اَن اروّعهم بعجائبَ من المطالب.

اقول انّي لمّا اردت هداية من سبقت له العناية بالنجاة لايمكن ذلك منّي في حق من عنده علم بشئ خصوصاً من تسمّٰي نفسه بالعلم
فانه قد انس باشياۤء لاتقدر نفسه علي مفارقتها و لايقدر ان يقال فيه انه كان لايعلم حتي تعلّم فاذا سمع خلاف ما عنده ردّه بمثله من كلامهم فترضي نفسه بالبقاۤء علي الحالة الأُولٰي و امّا اذا ذكرت اشياۤء لم‌يسمع بها و لم‌تذكر قطّ فلايكون له سبيل الي فهمها فضلاً عن ردّها لأنّ نفسه ترتاع اذا سمع شيئاً غريباً فتطلب الاطلاع عليه مع الغفلة عن معارضته فيكون حينئذٍ قلبه فارغاً فيتمكّن من هذا الأمر الجديد الذي فيه نجاته و هذا معني قولي اَن اروّعهم بعجائبَ من المطالب.

قلت لم‌يذكر اكثرها في كتاب و لم‌يجر ذكرها في خطاب.

اقول لم‌يذكر اكثرها في كتاب يعني انه قد يذكر بعض منها الّا انه ليس علي هذا النحو من البيان او يذكر مجملاً مثل ما يأتي في ذكر الحصص ( حصص خ‌ل ) الحيوانية في الانسان و الفرس و الطير فانهم يذكرون انها من حقيقة واحدة هي الحيوان و انها متساوية و انما يميّزها الفصول و انا قد ذكرتها علي نحوٍ ماعثر عليه الحكماۤء و لاوقف عليه العلماۤء لأنّهم يأخذون تحقيقات علومهم بعض عن بعض و انا لما لم‌اسلك طريقهم و اخذتُ ( آخذ خ‌ل ) تحقيقات ما علمت عن ائمة الهدي عليهم السلام لم‌يتطرق علي كلماتي الخطاء لأنّي ما اثبتُّ

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 282 *»

في كتبي فهو عنهم و هم عليهم السلام معصومون عن الخطاۤء و الغفلة و الزلل و من اخذ عنهم لايخطي من حيث هو تابع و هو تأويل قوله تعالي سيروا فيها ليالي و اياماً آمنين و قولي و لم‌يجرِ ذكرها في خطاب يعني انّه لم‌يذكر في الأحاديث الا ( انّه انما يذكر في الأحاديث خ‌ل ) بالاشارة و التلويح لأهله و علي الله قصد السبيل.

قلت و يكون ذلك بدليل الحكمة.

اقول الحكمة قد تطلق و يراد بها الحكمة العلمية و قد يراد بها الحكمة العملية و نحن نريد بها الحكمة العلمية و العملية معا لأنّ دليل الحكمة هو الدليل الكشفيّ العياني الذي يخبر به المستدل بعد معاينة ما اراد من معاني الفاظه لا مجرّد الألفاظ و الكل يدعي ذلك و لكن الدعوي بغير شروط المدعي باطلة فنقول دليل الحكمة هو العلمية و العملية بشروطهما معا لأنّ احدهما لايكفي عن الآخر و ان كان بشروطه و شروط العلمية ان يجمع قلبه علي استماع المقصود و التوجه اليه من غير ان يريد العناد و الرّدّ لأنّه لواستمع و هو يريد الردّ و العناد كان مشتغلاً بغير ما هو بصدده فيتفرق قلبه و لايفهم المراد و ان لاتركن نفسه الي ما انست به فانّ حبّ الشي يعمي و يصمّ حتي انه يصعب عليه مفارقة ما عنده و ان ظهر له كونه مرجوحاً فيتكلف في الجواب عمّا يخالفه و ان لايعتمد علي مجرّد ما عنده من القواعد و الضوابط فانّ من اعتمد علي ذلك غالباً لايكاد يصيب الحق بل يري كل ما يوافق قواعده صحيحا و ان كان عند نفسه مرجوحا فاذا التفت الي مرجوحيته اغمض عنه اعتماداً علي قواعده و يري كل ما يخالفها باطلا و ان كان وجد في نفسه راجحيته او حقيّته اتّكالاً علي قواعده و لعلّ الغلط انما هو في قواعده ( القواعد خ‌ل ) اِمّا في اصل صحّتها او في عمومها فاذا ترك العناد و الركون و الأنس بالمسئلة و عدم الالتفات الي القواعد و انما ينظر فيما يرد عليه من الكتاب و السنة و فيما اراه الله تعالي ( سبحانه خ‌ل ) من آياته في الافاق و في نفسه يمحض فهمه و ذكاؤه بحيث يكون متعلّماً من الكتاب و السنة و آيات الله سبحانه قابلاً منها مصدّقاً لها فيكون تابعاً و لايكون مُأوّلاً للكتاب و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 283 *»

السنة و آيات الله سبحانه علي ما يلايم مراده و شهوته فيكون متبوعاً و هي تابعة له و شروط العملية ان يكون مخلصاً لله عز و جل في توحيده و عبادته بحيث لايكون له غرض الّا رضي الله سبحانه في كل شئ فاذا تمّت له شروط العلم و شروط العمل جميعاً علي الوجه المطابق للكتاب و السنّة حصل له دليل الحكمة الذي لايعرف الله الا به.

قلت لان الذي كانوا طلبوا به الغاية دليل المجادلة بالتي هي احسن.

اقول و اعني بدليل المجادلةِ ( بالتي هي احسن خ‌ل ) ما ذكره العلماۤء في كتبهم من البراهين و الأقيسة بكل انواعها كما هو مقرّر في المنطق و في علم الأصول و هذه الأدلّة انّما هي مستنبطة من ادراكات عقولهم و افهامهم و لو عرف بها الله تعالي لكان مدركاً بعقولهم ( لعقولهم خ‌ل ) و افهامهم ، تعالي الله عن ذلك علوّا كبيرا ، هذا اذا كانت المجادلة بالتي هي احسن بان يكون الدليل علي نحو ما قرّر في محله و امّا لو كان بخلاف ذلك لم‌ينتفع به و ان كان في غير معرفة الله سبحانه.

قلت و ذلك لايوصل الا الي عالم الصور او المعاني.

اقول يعني انّ دليل المجادلة بالتي هي احسن علي كمال ما ينبغي فيه لايوصل الا الي عالم الصور التي هي المحدودة بالأبعاد سواۤء كانت جوهرية كالنفوس او عرضية كالأشباح المثالية او الي المعاني التي هي الذوات الماديّة سواۤء كانت مادتها عنصرية ام نورية ام غيرهما كمعاني المصادر لأنّ المراد بها ما هو اعمّ من الذوات الاصطلاحية اعني ما وضعت الالفاظ بازاۤئها او ما ليس بجثّة و سواۤء كانت كلية ام جزئية لأنّ المراد منها حقايق الأشياۤء المطلقة سواۤء كانت الموادّ خاصة ام الأشياۤء المركبة منها و من الصور مع قطع النظر عن التركيب و الحاصل ان جميع ذلك اعني ما يكون مدركاً و متحصلاً بدليل المجادلة لاينفكّ عن الاشارة العقلية او الحسّية و كل ذلك مستلزم للحصر و الاحاطة و كل شئ من ذلك غير جايز في معرفة الذي لاتدركه الأبصار و لاتحويه خواطر الأفكار فلذا قلنا بان هذا الدليل لايوصل الا الي عالم الصور او

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 284 *»

المعاني و ما كان كذلك امتنع استعماله فيما ليس كذلك.

قلت و لايوصل الي معرفة الاشياۤء كما هي كما قال (ص‌) اللهم ارني الاشياۤء كما هي.

اقول انّ دليل الحكمة يوصل من استعمله الي معرفة حقايق الأشياۤء علي ما هي عليه في نفس الأمر و هي التي سألها صلي الله عليه و آله من ربّه ان يُريه ايّاها لأن الأشياۤء اذا نظرت اليها من حيث هي مع قطع النظر من مشخصاتها و مميّزاتها كانت مجردة عن كل ما سوٰي ذواتها و الشئ اذا نظرت اليه مع قطع النظر عن جميع مشخّصاته و مميّزاته خلص من جميع الجهات و الكيفيات و النسب و اذا خلص من ذلك كله تجرّد عن الاشارات و الهيئات و الأوضاع فلايكون معني و لا صورة لاستلزامهما الاشارة.

قلت و لايوصل الي ذلك الا دليل الحكمة.

اقول لأنّه يوصل الي معرفة الشئ معريً عن كل شئ حتي عن جهة التعرّي و التجرّد عن الكيف و الاشارة بخلاف غيره من دليل الموعظة الحسنة و دليل المجادلة بالتي هي احسن.

قلت و ارجو اللّه في ذلك ان يهدي به من التمس الهدي بهذا الدليل سواۤء السبيل و حسبنا الله و نعم الوكيل.

اقول و انما قلتُ من التمس الهدٰي بهذا الدليل لأنّ من كان كذلك لا بدّ ان يكون همّه رضي الله لا غير و من كان كذلك لايقصد العناد و لا الركون الي ما آنست به نفسه و ان تبيّن له انه مرجوح و لايرجع الي قواعده لا غير مع انّ ما خالفه ايضاً جارٍ علي قواعد تعارض قواعده و ربما تكون اصحّ منها و انما يطلب الحق و هو حينئذ محسن لعدم تقصيره و قد ضمن الله لمثل هذا ان يهديه الي الحق الذي يرضي به كما قال الله تعالي و الذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا و انّ الله لمع المحسنين و لايكون في الحقيقة مجاهداً في الله الا اذا وفق لاستعمال هذا الدليل و ذلك لأنّ الله سبحانه لايخلف وعده و لو ( فلو خ‌ل ) كان ما يدعونه يصدق باستعماله انه مجاهد في الله لكان كل من فعل ذلك وصل الي العلم

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 285 *»

الذوقي لضمان الله تعالي للمجاهد فيه ( للمجاهد فيه ان يهديه سبيله نسخه . م . ص ).

فلما لم‌يصل اولئك الي العلم العياني بمثل استعمال المجادلة بالتي هي احسن علم بان ذلك لاتتحقق به المجاهدة في الله و انما تتحقق باستعمال دليل الحكمة بشروطه التي يتحقق بها دليل الحكمة من مثل الشروط التي ذكرناها التي هي الصدق في العلم و العمل كما اشرنا اليه سابقا.

قلت : الفائدة الاولي في ذكر تفصيل الادلّة الثلاثة.

اقول يعني في ذكر بيان اقسامها و انها تنقسم باعتبار انواعها الي ثلاثة ادلة.

قلت و ذكر مستندها و شرطها.

اقول يعني في ذكر منشأها الذي تتحصل هي منه و شرطها الذي يتحقق ( تتحقق خ‌ل ) به علي كمال ما ينبغي.

قلت اعلم هداك اللّه ان الادلّة ثلاثة كما قال سبحانه لنبيه (ص‌) ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فالاول دليل الحكمة.

اقول يعني انّ قوله تعالي ادع الي سبيل ربك اي الي ما يريد الله سبحانه من عباده المكلفين باحد ادلّة ثلاثة لأنّ المدعوين من المكلّفين ثلاثة انواع فاِن كانوا من الحكماۤء العقلاۤء و العلماۤء النبلاۤء ادعهم الي الحق الذي يريد الله منهم من معرفته بدليل الحكمة يعني بالدليل الذوقي العياني الذي تلزم منه الضرورة و البداهة بالمستدل عليه لأنّه نوع من المعاينة مثل ما قلنا في كثير من كتبنا و مباحثاتنا لمن يقول انّ حقايق الأشياۤء كامنة في ذاته تعالي بنحوٍ اشرف ثمّ افاضها الخ ، قلنا ( بأن قلنا نسخه . م . ص )
لا بدّ و ان يكون لذاته تعالي قبل الافاضة حال مغاير لما بعد الافاضة سواۤء كان التغيّر في نفس الذات ام فيما هو في الذات لأنّه ان حصل

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 286 *»

التغيّر ( التغيير خ‌ل ) في الذات لزم حدوث الذات و ان حصل التغيّر ( التغيير خ‌ل ) فيما هو في الذات اعني حقايق الأشياۤء فقد كانت الذات محلاً للمتغير المختلف و يلزم حدوث الذات و هذا شئ قطعيّ ضروريّ من نوع دليل الحكمة و هو اشرف الأدلة و لهذا قدّمه الله سبحانه و قلنا فالأوّل دليل الحكمة.

قلت و هو آلة للمعارف الحقيّة.

اقول يعني ان دليل الحكمة آلة لتحصيل المعارف الألهيّة الحقيّة و به يعرف الله لا بغيره من الأدلة و الذين يطلبون معرفة الله بغيره مثل دليل الموعظة الحسنة كما ( الموعظة الحسنة لايحصل بهم معرفة الحقة و ذلك كما نسخه . م . ص ).

اذا قلت ان اعتقدت انّ لك صانعاً فلا شكّ في كونك ناجياً من عقوبته و ان لم‌تعتقد لم‌تقطع بنجاتك من عقوبته بل يجوز ان يعذّبك فلايحصل لك القطع بالنجاة الا مع اعتقاد وجوده تعالي فهذا مثل نحو دليل الموعظة الحسنة و مثل ذلك (و مثل هذا نسخه مص) لاتحصل به المعرفة الحقّة و انما هو بيان طريق السلامة و كذلك مثل دليل المجادلة بالتي هي احسن كما اذا قلت ان كان في الموجودات قديم خالق و ليس بمخلوق ثبت الواجب تعالي و الا فلابدّ لها من صانع اذ يستحيل ان توجد نفسها او توجد بغير موجد لها و كلا الوجهين محال و هذا مثل دليل المجادلة بالتي هي احسن و مثل هذا لاتحصل به المعرفة الحقّة و انما ( و انما هو نسخه . م . ص ). يقطع حجة المخالف بخلاف مثل دليل الحكمة كما اذا قلت انّ كل اثر يشابه صفة مؤثره و انّه قاۤئم به اي بفعله قيام صدور كالكلام فانه قاۤئم بالمتكلم قيام صدور و كالأشعة بالمنيرات و الصور في المرايا فالأشياۤء هي ظهور الواجب بها لها لأنّه تعالي لايظهر بذاته و الا لاختلفت حالتاه و لايكون شئ اشدّ ظهوراً و حضوراً و بياناً من الظاهر في ظهوره لأنّ الظاهر اظهر من ظهوره و ان كان لايمكن التوصل الي معرفته الا بظهوره مثل القيام و القعود فانّ القاۤئم

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 287 *»

اظهر في القيام من القيام و ان كان لايمكن التوصّل اليه الا بالقيام فتقول يا قاۤئم و يا قاعد فانت انما تعني القاۤئم لا القيام لأنّه بظهوره لك بالقيام غيّب عنك مشاهدة القيام اصلا الا ان تلتفت الي نفس القيام فيحتجب عنك القاۤئم بالقيام فبهذا الاستدلال الذي هو من دليل الحكمة يكون سبحانه عند العارف اظهر من كل شئ كما قال سيدالشهداء عليه السلام أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك ، و تحصل به المعرفة الحقّة و لاتحصل بغيره اصلا.

قلت و به يعرف الله سبحانه و يعرف ما سواه.

اقول يعني ان دليل الحكمة به يعرف الله و يعرف ما سواه اي ما سوي الله سبحانه مثل آياته الدالّة عليه تعالي كمعرفة النفس فانّك اذا عرفتها مجردة عن كل نسبة و اضافة و عن جميع العوارض و المشخصات بان تعتبرها مجردة عن جميع سبحاتها من غير اشارة عرفت الله تعالي لانّها حينئذٍ هي وصفه لنفسه تعالي لعبده فمن عرف وصفه لنفسه عرفه و هي حينئذٍ حقيقة ذلك الوصف.

قلت و مستنده الفؤاد و النقل.

اقول يعني انه ينشأ عن الفؤاد لأنّه انما يدرك بنظره و المراد بالفؤاد في كلام الأئمة عليهم السلام هو الوجود بالمعني الثاني الذي ذكرته في شرح مشاعر الملا صدرالدين الشيرازي اعني الشئ من حيث كونه اثراً لفعل الله تعالي فان الشئ له اعتباران اعتبارٌ من ربّه و هو انّه آية الله و اثر فعله و اعتبارٌ من نفسه و هو هويّته من حيث نفسه و هو الماهية الثانية و يحتمل ان يراد بالفؤاد ما ذكرناه بالمعني الأوّل و هو اول فاۤئض من فعل الله و هو عندنا هو المادة المطلقة و انفعاله عند فعل الله هو الماهية الأُولي التي هي قابليته و الحاصل ان الفؤاد هو الوجود و هو الذي يَعرف الله و به يُعرف الله و هو في الانسان بمنزلة المَلِكِ في المدينة و القلب بمنزلة الوزير و انما انحصر دليل الحكمة الاصطلاحي في ادراك الفؤاد لأنّه هو الذي يدرك الشئ مجرّداً عن جميع ما سوٰي محض وجود الشئ مع قطع النظر عن جميع عوارض الشئ الذاتية كاَركان القابلية و متمماتها و العارضية بلا اشارة و لا كيف و لايحصل من غير

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 288 *»

الفؤاد فلذا كان محل المعرفة و لذا قلنا مستنده الفؤاد و امّا النّقل و المراد به الكتاب و السنة و معني كونهما مستنداً ( مسندا خ‌ل ) لذلك الدليل انهما محل استنباطه لاشتمالهما علي الاحتجاج به علي وجهٍ لايحتمل الخطاۤء و الغفلة و سيأتي الاشارة الي بيان ذلك.

قلت اَمَّا النقل فهو الكتاب و السنّة.

اقول انما قدّمنا ذكر النقل علي ذكر الفؤاد لكونه اصلاً لاستنباط ذلك الدليل و متبوعاً للفؤاد و لأنّ الكلام في النقل قليل اذ لايراد بيان ذلك و انما المراد مجرد ذكره و اخّرنا الفؤاد في البيان لطول الكلام عليه بالنسبة الي النقل و المراد بمستنده منهما هو المحكم منهما لا المتشابه.

قلت و امّا الفؤاد فهو اعلي مشاعر الانسان.

اقول لأنّ مشاعر الانسان الصدر و المراد به الخيال و النفس الكلية التي هي محل الصور العلمية كلية او جزئية فهو محل العلم و يقابله الجهل و القلب و هو محل المعاني و اليقين بالنسب الحكمية و يقابله الشكّ و الريب و الفؤاد و هو محل المعارف الالٰهية المجرّدة عن جميع الصور و النسب و الأوضاع و الاشارات و الجهات و الأوقات و يقابله الانكار فهو اذن اعلي مشاعر الانسان.

قلت و هو نور اللّه الذي ذكره (ع‌) في قوله اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللّه.

اقول لأنّه عليه السلام يريد بهذا النور هو الفؤاد لأنّ الصادق عليه السلام ذكر ان ضياۤء المعرفة ينجلي في الفؤاد و ذكر عليه السلام في حديث آخر انه هو نور الله الذي خلق الله منه المؤمن و انه هو نور الله الذي هو الفراسة كما في الحديث.

قلت و هو الوجود لان الوجود هو الجهة العليا من الانسان يعني وجهه من جهة ربّه.

اقول يعني وجهه من ربّه كما ذكرنا قبل من انّ كل شئ له اعتباران اعتبارٌ من ربّه و هو الوجود و هو الفؤاد و له وزير يعينه علي ما يقتضيه من الطاعات و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 289 *»

هو العقل و اعتبارٌ من نفسه و هو الماهية و لها وزير يعينها علي ما تقتضيه من المعاصي و هو النفس الأمّارة بالسوء.

قلت لانّ الوجود لاينظر الي نفسه ابداً بل الي ربّه كما ان الماهية لاتنظر الي ربّها ابداً بل الي نفسها.

اقول يعني انّ الوجود اثر و صفة و الأثر و الصفة لاتتحقق و لو في التّعقل الا تابعاً متقوّماً بغيره بخلاف الماهية فانها هي هوية الشئ من حيث هو فهي لاتعقّل الا مستقلة و لهذا قيل انها عدمية الأصل كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار و قد اشار الصادق عليه السلام الي هذا المعني في تفسير قوله تعالي فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات باذن الله ، قال عليه السلام الظالم يحوم حول نفسه و المقتصد يحوم حول قلبه و السابق يحوم حول ربّه ، فالأوّل في هذا الحديث العامل بمقتضي ماهيته فانها ناظرة الي نفسها لا غير و الثاني فيه العامل بعقله فانه بمقتضاه ناظر الي قلبه لا غير و الثالث فيه العامل بفؤاده و وجوده فانه بمقتضاه ناظر الي ربّه لا غير.

قلت و امّا شرطه فاَن تُنْصِفَ ربَّك لانك حين تنظر بدليل الحكمة انت تحاكم ربّك و هو يحاكمك الي فؤادِك كما قال سيد الوصيين (ع‌) لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكَمهَا.

اقول و المراد من شرط دليل الحكمة ما يتوقف عليه فتح باب النور علي فؤادك لأنك اذا لم‌تُنْصِف ربّك لم‌يفتح باب النور و البصيرة مثلا هو تعالي قال أفمن يهدي الي الحق أحق ان يتبع أمن لايهدّي الا ان يهدي و قال ألم‌اعهد اليكم يا بنيٰ‌ادم ان لاتعبدوا الشيطان انّه لكم عدوّ مبين و ان اعبدوني هذا صراط مستقيم يعني انّ الشيطان يدعوكم الي النار و الله يدعوكم الي الجنة و المغفرة باذنه فاذا بيّن لك في نفسك شيئاً حقّاً فالله تعالي يحاكمك عند نفسك و يقول أفمن يهدي الي الحق احق ان يتّبع أمن لايهدّي الّا ان يهدي فما لكم كيف

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 290 *»

تحكمون فان قبلت منه فتح لك باب النور و الهدي و ان لم‌تقبل منه و اتبعت شهوة نفسك او ما تعودت به نفسك او ما يطابق قواعدك و هي بخلاف ما ظهر لك لم‌تنصف ربّك فاذا لم‌تنصفه بعد ما بيّن لك من الحق في نفسك حجب عنك نور الهدي و الفهم فلم‌تنتفع بما ظهر لك في نفسك فشرطه ان تنصف ربّك بان تتبع ما بيّن لك من الحق و معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام بل تجلّي لها بها يعني انه سبحانه لايظهر بذاته لخلقه و الا لتغيّرت احواله فانه لم‌يظهر ثم ظهر و متغيّر الأحوال حادث و انّما يظهر للشئ بصنعه له فاذا وجد المصنوع و نظر في نفسه انه مصنوع عرف انّ له صانعاً فقد ظهر له به و معني قوله و بها امتنع منها انه تعالي لما خلقها وجب ان تظهر متلبسة بصورة المصنوعية من التركيب و التأليف و الحاجة و العجز فاذا كانت كذلك لاتعرف الا ما هي عليه فلاتعرف الا ما كان مثلها فكان وجودها حجابا لها عن ادراك كنه عزّته.

قلت فربّك يخاصمك عندك.

اقول يعني انّه تعالي يقيم عليك الحجّة في نفسك حتي تعرف في نفسك صحّة ما يريد منك فان اجبته و اقررت بما عرّفك اقراراً لا بخصوص اللسان بل باللسان في الأقوال و بالجنان في الاعتقادات و بالاركان في الأعمال فقد انصفت ربّك و حينئذٍ ينفعك استدلالك بدليل الحكمة حتي تصل به الي عالم الأنوار و تقف به علي خفايا الأسرار و الّا فلا.

قلت فزِن بالقسطاس المستقيم ذلك خير و احسن تأويلاً.

اقول يعني انك تجتهد بدليل الحكمة في النظر في الافاق و في النفس مع اجتهادك في اخلاص النيّة في العلم و العمل و لاتسامح في كثير و لا قليل.

قلت و تقِفُ عند بيانك و تبيّنِك و تبيينك علي قوله تعالي و لاتقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 291 *»

اقول انك (يعني انك خ‌ل) تقف عند بيانك اي عند ما اثبتّ لنفسك من البيان في معارفك و اعتقاداتك و عند تبيّنك اي عند تحصيلك البيان و طلبك له و عند تبيينك اي عند تبيينك لغيرك ما خفي عليه تقف عند ذلك كله اي تكون حينئذٍ ذاكراً لقوله تعالي و لاتقف ما ليس لك به علم الآية ، ليكون ذلك زاجراً لك عن القول علي الله بغير علم فانك مسئول عمّا سمعتْه اذنك و رأتْه عينك و وعاه فؤادك.

قلت و تنظر في تلك الاحوال كلها بعينه تعالي لا بعينك لقوله تعالي و لاتمش في الارض مرحا انك لن‌تخرق الارض و لن‌تبلغ الجبال طولاً.

اقول تنظر في تقدير معارفك علي حسب احتمالك و احتمال من تعلّمه و في استماعك و ابصارك و افهامك (فهمك خ‌ل) فيما لك و لغيرك تنظر في تلك الأمور كلها بعينه تعالي اي العين التي هي وصف نفسه لك اعني وجودك من حيث كونه اثراً و نوراً و هو حالة معرفتك لنفسك اذا كشفت عنها جميع السبحات من غير اشارة فانها حينئذٍ عينٌ من الله سبحانه اعارك ايّاها لتعرفه بها اذ لايعرف الا بها لا بعينك التي هي انت من حيث انّك انت انت فانّك لاتعرف بهذه العين الا الحادثات المحتاجة الفانية فلاتمش في ارض قابليتك من حيث هي هي فانه هو المشي المرح لأنّه مشي في ظلمة الماهية فانّك حينئذٍ عاجزٌ ذليل ليس لك قدرة علي حال و لا‌استقلال فلاتقدر علي ان تثقب الأرض فتتصرف فيها بنوريتك التي من ذاتك اذ لا نورية لك الا من عطاۤء الله الذي لايناله الا الخاشعون العابدون و لا علي ان تبلغ طول الجبال من نفسك كذلك.

قلت فهذا نمط دليل الحكمة.

اقول يعني ان هذه الوصية بانّك لاتتساهل في تحقيق الأشياۤء بل تزنها بالقسطاس المستقيم و لاتتبع فيه ما ليس  لك به علم فلاتقل سمعت و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 292 *»

لم‌تسمع او رأيت و لم‌تر او فهمت و لم‌تفهم فانّك مسئول عن ذلك كله و اذا ادركت شيئاً فلاتنسب شيئاً من ذلك الي نفسك اذ لا حول لك و لا قوّة الا بالله فانّ هذه و امثالها من نوع دليل الحكمة.

قلت و اما دليل الموعظة الحسنة فهو آلةٌ لعلم الطريقة و تهذيب الاخلاق و علم اليقين و التقوي.

اقول و ذلك لأنّه طريق الاحتياط و ما فيه السلامة و النجاة و الظفر بالمطلوب و علم الطريقة اي علم طريق ( طريقة خ‌ل ) السلوك العملي الذي هو روح السلوك العلمي و ذلك بمعرفة تهذيب الأخلاق من تعديل احوال النفس بان تعرف التخلّق باخلاق الله و تتخلق بها علي نحو ما تخلّق بها الروحانيون من الدوام عليها و الملازمة لها بالأعمال و الأداۤء (و الاداب خ‌ل) بامتثال اخلاق الله من دوام الذكر و عدم الغفلة عنه تعالي و تجنّب ما فيه الضرر كالأخلاق الذميمة من الطمع و الحرص و البُخل و الشُّحّ و السرف و التبذير و الجُبن و التهوّر و البلادة و الجربزة و امثال ذلك و علم اليقين و الاستقامة علي الطاعات و الأعمال الصالحات و التقوي و الزهد حتي تتخلق باخلاق الروحانيين و انفع الأشياۤء لتحصيل هذه و امثالها دليل الموعظة الحسنة.

قلت و ان كانت تلك العلوم تستفاد من غيره.

اقول يعني انّ علم اليقين و التقوي و تهذيب الأخلاق قد تستفاد من غير هذا الدليل الذي هو دليل الموعظة الحسنة.

قلت و لكن بدون ملاحظة هذا الدليل لاتقف علي اليقين لانه اقل ما قسم الله بين العباد.

اقول يعني ان اليقين و الاطمينان الذي هو اصل علم الأخلاق لايكاد

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 293 *»

يتحقق الا بهذا الدليل لأنّه باعث علي العمل و مانع من الشّكّ و الريب فلا بدّ في حصول اليقين من ملاحظة هذا الدليل.

قلت و مستنده القلب و النقل.

اقول يعني انّ منشأه المرتب له و المقوّم لأركانه القلب لانّه مقرّ اليقين و دليل الموعظة الحسنة ثمرته اليقين و النّقل هو الكتاب و السنّة لأنّهما مستند كل شئ و مبدء كل خير.

قلت و شرطُه انصاف عقلك بمعني الّاتظلمه ما يستحقه و ما يريد منك من الحق.

اقول يعني انّ شرط صحته و صحّة الانتفاع به و تمام تأثيره انصاف عقلك بمعني انه اذا ورد عليك هذا الدليل فان مفاده الحق و النجاة و الاحتياط و العقل يحكم عليك بما يقتضي امثال ذلك فان انصفته اطعت عقلك بان تلتزم ما الزمك به من هذا الدليل لما بينهما من كمال المجانسة و الاتحاد و لما كان العقل اشدّ الأشياۤء صداقةً و نصحاً كان مستحقاً للقبول منه فاذا لم‌تقبل منه فقد ظلمت (ظلمته خ‌ل) ما يستحقه. قلت و مثاله قوله تعالي قل ارأيتم ان كان من عند اللّه ثم كفرتم به من اضلّ ممن هو في شقاق بعيد و قوله تعالي قل ارأيتم ان كان من عند الله و كفرتم به و شهد شاهد من بني‌اسراۤئيل علي مثله فٰامن و استكبرتم ان اللّه لايهدي القوم الظالمين و كقول الصادق عليه السلام لعبدالكريم بن ابي‌العوجاۤء حين انكر علي الطاۤئفين بالبيت الحرام قال (ع‌) ما معناه ان كان الامر كما تقولون و ليس كما تقولون فانتم و هم سواۤء و ان كان الامر كما يقولون و هو كما يقولون فقد نجوا و هلكتم .
اقول هذا و امثاله من نوع هذا الدليل المشار اليه و لهذا قلت: فهذا نَمطُ دليلِ الموعظة الحسنة.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 294 *»

اقول انما مثّلت بهذه الآيات ليعرف هذا النمط و هو كثير الأصناف في الاحتجاجات.

قلت و امّا دليل المجادلة بالّتي هي احسن.

اقول اما دليل المجادلة بالتي هي احسن فهو مشهور معروف بين العلماۤء بل ربما يقال ان الدليل منحصر فيه لأنه محل المناقشات و المعارضات و امّا الدليلان الأوّلان فليس فيهما مناقشة و لا معارضة لأنه لو استدل شخص باحد الدليلين الأولين و عارض فيه شخص آخر كانت المعارضة فيه ليست منه و انما هي من دليل المجادلة بالتي هي احسن لانه لما كان مبناه علي المقدمات و فيها حمل بالمتعارف الشايع و حمل اوّليّ و معانيها منها مفاهيم و منها معاني و منها مصاديق و منها معانٍ مصدرية و منها لغوية و منها اصطلاحية و منها مدلولات فيحصل في كثير من القضايا الاشتباه لبعضها ببعض علي ان تلك النسب انما ترتّب علي حسب افهامهم و افهامهم مختلفة فترد فيها الاشكالات و الاشتباهات بخلاف الدليلين الأوّلَيْن فانهما لم‌يبنيا (لم‌يبتنيا خ‌ل) علي شئ من ذلك فاذا اعترض عليهما معترض فقد اعترض فيهما بغيرهما.

قلت فهو آلةٌ لعلم الشريعة.

اقول يعني انّ هذا في الغالب اعظم منفعةً في الأحكام الشرعية الفرعية و الأصل في ذلك ان العلوم النافعة ثلاثة كما في الحديث النبوي صلي الله عليه و آله آية محكمة و فريضة عادلة و سنّة قائمة و ما خلا ذلك فهو فضل و الأدلة ثلاثة كما مرّ و معلوم عند اهل العلم العياني انّ دليل الحكمة للآية المحكمة اي علم التوحيد و ما يلحق به و دليل الموعظة الحسنة للفريضة العادلة اي علم الأخلاق و تهذيب النفس و دليل المجادلة بالتي هي احسن للسنة القائمة اي علم الشريعة و لأجل هذا اشرت الي التوزيع بان يكون كل دليل لعلم من العلوم الثلاثة.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 295 *»

قلت و مستنده العلم و النّقل.

اقول اي منشأ هذا الدليل العلم اعني حصول المعلوم به او بصورته و هو عبارة عن المكتوب في النفس كما انّ اليقين عبارة عن المجموع في القلب من المعاني اليقينية و انّ المعرفة عبارة عن انجلاۤء نور المعرفة في الفؤاد علي نحو ما اشرنا اليه و يأتي ان شاۤء الله كثير من بيان ذلك.

قلت و شرطه انصاف الخصم.

اقول بان يقيم الدليل علي النحو المقرّر في علم الميزان و قد ذكره العلماۤء في كتبهم الأصولية و الفروعية بل لايكاد يسمع منهم غير هذا الدليل و لو قرّر علي خصمه في اقامة الدليل علي المدّعي او علي ابطال دعوي خصمه بنوع من المغالطات فقد ظلم الخصم و ان كان مبطلا في دعواه و لاتكون المجادلة بالتي هي احسن بل تكون بالتي هي اسوء و لهذا قلت: و الّا لم‌تكن المجادلة بالّتي هي احسن و هو مثل ما قرّره اهل المنطق من المقدّمات و كيفية الدليل و ما ذكره اهل الاصول و غيرهم من الادلّة و كيفية الاستدلال علي نحوٍ لايكون فيه انكارُ حقٍّ و ان كان من خصْمك المبطل في مطلبه و لا استدلالٌ بباطلٍ علي حقٍّ و لا علي ابطال باطلٍ و لايحتاج هذا الي تمثيل لان الكتب مشحونة به بل لاتكاد تجد غيره الّا نادراً و ذلك لضعف المستدلّين و المستدَلِّ لهم و عليهم و لكن لاتغفل عن اخذِ حظٍّ من دليل الموعظة الحسنة فانه بشرطه طريق السلامة و الراحة في الدنيا و النجاة في الاخرة و هذا اذا لم‌تنل دليل الحكمة و الّا فخُذه و كن من الشاكرين فليس وَرَاۤءَ عَبّادان قرية و الله سبحانه يحفظ لك و عَليك.

اقول و هذه الكلمات معناها ظاهرة.

قلت : الفائدة الثانية في بيان معرفة الوجود.

اقول يعني في بيان تقسيم ما يسمّي بهذا الاسم عند الطالبين لمطلق معرفته و بيان رسمه سواۤء كان لذاته او لعنوانه.

قلت اعلم انّ الّذي يعبر عنه عند طلب معرفته بالوجود.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 296 *»

اقول يعني اذا اريد رسمه بشئ يعرف به عند الطلب سواۤء كان بحدّه او برسمه او بتعريف عنوانه كما في الواجب لأنّه المجهول المطلق و الواجب الحق و لايعرف الا بما وصف به نفسه و اذا وصف نفسه كان ذلك الوصف من جملة مخلوقاته و هو تعالي لايعرف بمخلوقاته و لا بشئ من صفاتهم.

قلت ثلاثة اقسام.

اقول وجه الحصر في الثلاثة انّ الشئ اِمّا صانع او صنع او مصنوع فالصانع هو الواجب تعالي و الصنع فعله و المصنوع ما سوي الله سبحانه من مصنوعاته.

قلت : القسم الاول الوجود الحقّ.

اقول نعني بالوجود الحق الوجود الواجب المقدّس عن كل ما سواه و من جملة ما هو مقدّس عنه اطلاق العبارة عليه فاذا اطلقت العبارة فانما تقع علي العنوان اعني الدليل عليه و هو ما اوجده الله تعالي من وصفه لعباده و هو اي ذلك العنوان الذي هو الوصف ليس كمثله شئ و لهذا يعرف به انه ليس كمثله شئ و لو كان لذلك الوصف الذي يعرف به مثلٌ لكان يعرف الله بان له مثلا فان قلت قد قال علي عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه و علي قولكم يلزم ان يكون النفس ليس كمثلها شئ و هو خلاف المعروف من مذهب اهل الاسلام قلت انما يعرف الله سبحانه بمعرفة النفس اذا جرّدت عن جميع السبحات حتي عن التجريد كما قال عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة ، و لا شكّ انّها حينئذٍ ليس كمثلها شئ لأنّك تجرّدها عن كل شئ حتي عن المماثلة لشئ من الأشياۤء و حينئذٍ تكون ليس كمثلها شئ فانها حينئذٍ تكون آية معرفته فاذا عرفت الله بها عرفت انه ليس كمثله شئ فافهم هذا و لاتفهم من هذا الكلام ما فهمه الصوفية فانهم يقولون اذا جرّدتها هكذا فهي الله و لهذا يقول قائلهم : انا الله بلا انا و هذا كفر صريح و لكن اذا جرّدتها تكون آية الله و علامة معرفته كما قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 297 *»

انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق و لم‌يقل سنريهم ذاتنا فافهم و اعتبر.

قلت و هذا الوجود لايدرك بعموم و لا خصوص و لا اطلاق و لا تقييد.

اقول يعني هذا الوجود الحق تعالي لايعرفه احد ممّن سواه من نحو ذاته و انما يعرف بما وصف به نفسه و هو قد وصف نفسه بما يدلّ عليه و كل ما فيه جهة من صفات الخلق لايعرف به فلايصف به نفسه و مما فيه جهة من صفات الخلق ما ذكرناه هنا و هو العموم و هو اشتمال لفظٍ او معنيً لأفراد غير متناهية يكون كل فرد منها مصداقاً لذلك العامّ المنتشر علي جهة البدلية من غير تعيين او بتعيين قيود و مشخصات و الخصوص و هو بعكس العموم و هما من احوال الخلق و الاطلاق و هو ان يكون للشئ اعتباران اعتبار لذاته بشرط لاشئ و اعتبار لما يلحقه بشرط شئ و هو التقييد فالعموم فرد له بالاعتبار الأوّل و الخصوص فرد له بالاعتبار الثاني و الأحوال الأربعة كلّها جهات الخلق و صفاتهم و كلها مستلزم للتركيب بالقوة او بالفعل.

قلت و لا كلٍّ و لا جزءٍ و لا كلّي و لا جزئي.

اقول لأنّ الكل له بعض و الجزء بعض منه و الكلي له افراد متعددة يوجد فيها و الجزئي فرد منها و كلّها صفات الخلق لايعرف بها الخالق تعالي لأنه هو اجراها و ابداها و لايجري عليه ما هو اجراه.

قلت و لا بمعني و لا لفظٍ و لا كمّ و لا كيف و لا برتبة و لا جهة.

اقول يعني و لايعرف تعالي بمعنيً لأن المعني ما وضع اللفظ بازاۤئه او ما تولد من دلالته او حلّ في المدركة له فالأول يلزمه الاقتران باللفظ و الثاني يلزمه مع كونه كان ناشئاً ( و الثاني مع ذلك كان ناشيا نسخه . م . ص ) من اللفظ و هو المفهوم كما قال الرضا عليه السلام لأنه لايؤلّف شيئاً من ثلاثة احرف او اربعة احرف او اكثر او اقل الا لمعني محدث

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 298 *»

لم‌يكن قبل ذلك الحديث ، فالمعني المفهوم متولد من دلالة اللفظ كما حقّق في محله و الثالث المجرد الذاتي الحالّ في الدهر و العرضي الحالّ في العقل فالأوّل مقترن باللفظ و الثاني متولد منه و الثالث الجوهري و العرضي الدهريان و الاقتران و التولد و الحلول صفات الحوادث و لايعرف بها الا الحادث و لايعرف بلفظ لأنّ اللفظ مؤلّف من الحروف و الأصوات المسموعة ( المصنوعة نسخه . م . ص )و الكل حادث و الكمّ مقدار متصل او منفصل او مقداري كالموزونة و المكيلة و المعدودة و الممسوحة و كلها حادث ( حادثة خ‌ل ) و الكيف كالهيئات و الألوان و هي حادثة مفتقرة الي الحوادث و الرتبة نسبة المسافة من المنتسبين ( بين المنتسبين نسخه . م . ص ) و الجهة مقصد الطالب من ناحية المطلوب سواۤء كانت من الجهات السّتّ الشهودية التي هي متعلق الاشارة الحسيّة ام من الجهات الغيبية التي هي متعلق الاشارة الخيالية او العقلية و كل ذلك صفات الحادثات.

قلت و لا وضع و لا اضافة و لا نسبة و لا ارتباطٍ.

اقول : الوضع بمعانيه الثلاثة حادث لافتقاره الي الحوادث فالأول في البسيط كالمحل للجوهر البسيط المجرد و الجوهر الفرد و الثاني ترتّب اجزاۤء الشئ بين بعضها الي بعض و الثالث ترتّب اجزاۤء الشئ بينها و بين الأجزاۤء الخارجة عنه و الاضافة فيما يتوقف تحققه علي ما يتوقف تحققه عليه علي نحو المعيّة و التساوق الذي به التحاوي كالأبوّة و البنوّة و ظهور الكسر و الانكسار و النسبة هي اعتبار حالّ الشئ في جهة شئ سواۤء كان علي جهة اللزوم او الاتفاق و سواۤء تحقق اللزوم من الطرفين ام من احدهما و سواۤء كان ذلك الاعتبار لذاتي كل من المنتسبين ام لعرضيّهما ام لذاتيّ احدهما و عرضيّ الآخر و الارتباط مطلق التعلق من الطرفين او من احدهما و كل ذلك من صفات الخلق التي لاتعتبر الا في الحادث لاستلزامها التركيب و الاحتياج.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 299 *»

قلت و لا في وقت و لا مكان و لا علي شئ و لا في شئ و لا فيه شئ و لا من شئ و لا لشئ و لا كشئ و لا عن شئ.

اقول يعني هو تعالي لايعرف بانه في وقت و لا في مكان و الا لكان محصوراً فيهما و لا علي شئ و الا لكان محمولا و حامله اقوي منه و لا في شئ و الا لكان ذلك الشئ محيطاً به و لا فيه شئ و الا لكان محلاً لغيره و غيره حادث و محل الحادث حادث و لا من شئ و الا لكان مولودا و لا لشئ و الا لكان معلّلاً و مسبوقا و لا كشئ و الا لكان شبيهاً لغيره و لا عن شئ و الا لكان متجاوزاً عنه منتقلاً زائلا و كل ذلك من صفات مخلوقاته.

قلت و لا بلطف و لا بغلظ و لا باستدارة و لا امتداد و لا حركة و لا سكون و لا استضاۤءة و لا ظلمة و لا بانتقال و لا بمكث و لا تغيّر و لا زوال.

اقول انه تعالي ايضا لايعرف بلطفٍ اي رقّة و دقّة و نعومة و ما اشبه ذلك فانها صفات الأجسام و لا بغلظٍ و هو عكس اللطف و لا استدارةٍ كالداۤئرة و الكرة و لا امتدادٍ و هو مطّ الشئ و يكون في الذوات ( الذات خ‌ل ) و الاوقات و الأمكنة و الصفات و الافعال و التأثيرات و ما اشبه ذلك و لا حركةٍ و لا سكونٍ لأنّهما من الأكوان الأربعة التي تلزم الحادث و لا استضاۤئةٍ و لا ظلمةٍ لأنّهما من نوع الحركة و السكون المعنويين و لا انتقالٍ ( بانتقالٍ خ‌ل ) كالحركة او ما يلزمها و لا بمكثٍ كالسكون او ما يلزمه و لا تغيّرٍ من حالٍ الي حال و لا زوالٍ كالانتقال و كل هذه احوال الخلق و صفاتهم فلايعرف بشئ منها و الا لعرف بخلقه فيكون مثلهم.

قلت و لايشبهه شي‌ء و لايخالفه شئ و لايوافقه شئ و لايعادله شئ و لايبرز من شئ و لايبرُز منه شي‌ء.

اقول و لايشابهه ( اقول لايشبهه نسخه . م . ص )شئ و الّا لكان حادثاً مثله و لايخالفه شئ و الّا لماصدر عن فعله و لايوافقه شئ و الّا لأَشبهه في جهة الموافقة و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 300 *»

لايعادله شئ و الا لكان ندّاً له او ضدّاً له فيكون حادثا و لايبرز من شئ و الا لكان مولودا و لايبرز منه شئ و الا لكان والدا و من كان مولوداً كان مشاركا و من كان والداً كان مورثاً ( موروثاً نسخه . م . ص )هالكا.

قلت و كل صفة او جهة او صورة او مثال او غير ذلك مما يمكن فرضه او وجوده او تمييزه او ابهامه فهو غيره.

اقول و كل صفة او جهة او صورة او مثالٍ لايعرف بها لأنّها فروع و توابع و لو عرف ( و لو عرف بها نسخه . م . ص ) كان معروفاً بمتبوعية غيره و تابعيته لغيره تعالي عن ذلك ، او غير ذلك مما ذكر مما يمكن فرضه لأنّه حادث اذ ما يعرف بالممكن ممكن او وجوده اي ما يمكن وجوده لأنّ ممكن الوجود حادث او تميّزه لأنّ ما يتميز فقد احاطت به حدود التّميّز ( احاطت به صور التمييز نسخه . م . ص ) و احصته مدارك التعيين فهو محدود معيّن و كل محدود معيّن فهو حادث تشخّص بالمشخصات او ابهامه لأنّ الابهام طالب للتعيين و التميّز فهو محتمل الزيادة و محتمل الزيادة محتمل النقصان فهو ممكن فهو غيره اي كل ما يلحقه الامكان و الفرض و التميّز و الابهام لايعرف به لأنّها صفات الحوادث.

قلت و لايدرك بشئ مما ذكر او غيره و لا بضدّه.

اقول هو تعالي لايعرف بشئ ممّا ذكرنا من هذه الأوصاف و الّا لكان مدركاً بها و المدرك بغيره حادث و لا بغير المذكورات مما يصدق عليها الغيريّة لأنّها حدود الحوادث و لا بضدّ ذلك و الا لكان حادثا لأنّ الغيريّة و الضدّيّة صفات الخلق كما يأتي.

قلت و لايعرف ما هو في سرّ و لا علانية و لا طريق الي معرفته بوجه لا بنفي و لا اثبات الّا بما وصف نفسَهُ.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 301 *»

اقول يعني لايعرف باشارة و تلويح و رمز و تصريح و بيان و لا طريق الي معرفته بوجهٍ من الوجوه نعم يعرف بما وصف به نفسه و ذلك لأنّ معرفة الشئ لاتمكن الا لمن احاط بالمعروف بالكنه بالعلم العياني او بدعوي الرؤية و السماع بالوصول الي الأزل ليشاهد ما هنالك و ينزل و يخبر عمّا عاين و رأي و اذا لم‌يكن احد وصل الي الأزل لا بعروج جسد و لا روح و لا بادراك خيال و لا عقل فكيف يمكن له ان يصفه نعم لما تعذّر ذلك علي الخلق و الحال انه تعالي يريد ذلك منهم وجب في الحكمة و اللطف بالعباد الضعفاۤء ان يصف نفسه لهم ليعرفوه بما وصف به نفسه و لما لم‌يجز ان تدركه الأبصار و لاتحويه خواطر الأفكار خلق خلقاً اقوياۤء يقدرون علي تلقي التعريف و الوحي منه و يبلغونه الي الضعفاء فارسل الرسل مبشرين و منذرين فتمّت كلمته و بلغت حجته و ما ربّك بظلام للعبيد.

قلت و لايدرك احد كنه صفته و انما يعرفه بما تَعرَّفَ لَهُ بِه۪.

اقول و هذا ان شاۤء الله بالغ الحجة ظاهر الدلالة.

قلت و لم‌يتعرف لاحدٍ بنحوِ ما عرَّفهُ من غيره و الا لشابَههُ سبحانه.

اقول انه تعرّف لك نفسه يعني وصف لك سبحانه نفسه و عرّفك نفسه و عرّفك غيره من خلقه و لكنه عزوجل لم‌يصف نفسه لاحدٍ بمثل ما وصف غيره له مثلاً عرّفه نفسه بانه ليس كمثله شئ و عرّفه غيره بانّ الزنجفر احمر و القرطاس ابيض و المداد اسود و الرمح طويل و النار حارّة و الماۤء بارد و امثال ذلك و لم‌يصف نفسه بشئ من تلك الأوصاف و الّا لشابَهَهُ فلو وصف نفسه بالحمرة لشابهه الزنجفر و لو وصف نفسه بالبياض لشابهه القرطاس فهو تعالي لم‌يصف نفسه بوصف يشابهه شئ من اوصاف الخلق فافهم و لهذا قلنا ان وصف نفسه ( قلنا ان وصفه لنفسه نسخه . م . ص )ليس كمثله شئ.

قلت فهو المعلوم و المجهول و الموجود و المفقود.

 

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 302 *»

اقول فهو تعالي المعلوم بما وصف به نفسه و المجهول بحقيقة كنهه لأنه لم‌يبين حقيقة كنهه لأحدٍ من خلقه فهو مجهول الكنه و الموجود بٰاياته و آثار صنعه فان الأثر يدل علي وجود مؤثر صنعه و المفقود بذاته لمن طلب حقيقة ذاته ، فانه تعالي ذاته تعالي ( فانه تعالي خ‌ل ) فات كل شئ من خلقه.

قلت فجهة معلوميته نفس مجهوليته و نفس مشهوديته عين مفقوديته.

اقول يعني انّه تعالي من حيث هو معلوم هو نفس من حيث هو مجهول لأنّك انما تعرفه بانه لايوصف و لايحاط به علما و انه ليس كمثله شئ و ان كل معلوم بنفسه مصنوع له و امثال هذا فلايعرف سبحانه الّا بمثل هذه الأوصاف و هذه الأوصاف هي الموجبة لكونه عز و جل مجهول الكنه و قولنا و نفس مشهوديته عين مفقوديته ، نريد به ان حقيقة مشاهدته ان كل ما يشاهد فهو صنعه و اثره المتقوّم بفعله قيام صدور مثل صوت الكلام فان كل شئ يدرك و يشاهد بالأبصار او البصاۤئر و جميع المدارك و المشاعر فانه اثر فعله بمنزلة صوت الكلام ( صوت المتكلم نسخه . م . ص )اذا سمعته من متكلم خلف الجدار مثلا و هو دالّ علي وجوده بذلك الصوت في حال غيبته فحال ادراكه انما هو اثره ( باثره خ‌ل ) مع غيبة ذاته فمشاهدته انما هي بٰاثار صنعه حال غيبته فوجدانه عين فقدانه.

قلت فهو لايعرف بغيره و غيره يُعرف به.

اقول انه تعالي لايعرف بغيره لأنّ كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيره يعرف به يعني ان غيره لما عرفته بنفسه دلّك علي انه مصنوع قد عرّفك ايّاه صانعه بانه مصنوعه و اثر فعله.

قلت امّا انه لايدرك بعموم و لا خصوص الخ ، فلانها جهات الخلق و صفاتهم و هي لاتحد الا انفسها و لايدرك بها الا مثلها.

اقول يعني ان كونه تعالي لايدرك بعموم الخ ، فلأنّ تلك الصفات من

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 303 *»

صفات الخلق و صفة الشئ لايعرف بها غيره مثلاً الأحمر صفة ( صفته نسخه . م . ص )الحمرة و لايعرف بالحمرة الأبيض لأنها غير صفته و الصفات انما تصدق علي موصوفاتها لا علي غيرها و لايدرك بها غيرها و انما يدرك بها مثلها و ذاته تعالي و صفاته مخالفة لذوات خلقه و صفاتهم فلايعرف بصفاتهم اذ لايعرف بصفاتهم الّا الحادث.

قلت و اما انه لايدرك بضدِّه فلانّ ضد الممكن ممكن اذ القديم لا ضدّ له و الّا لم‌يكن عنه شئ وَ لَشٰابَهَهَا في تضاۤدّها.

اقول يعني انه لايدرك بضدّ ( لايدرك بضده اذ لا ضد له نسخه . م . ص ) لأنّ الضدّ انما يعقل للشئ اذا كان في رتبته و هو الأزل و ليس في رتبته غيره و ما ليس في رتبته كالممكن لايكون ضدّاً للقديم و ايضاً يكون مشابهاً للمخلوقات التي لها ضدّ و الضدّ علي الأصح المشهور هو المعاكس في الصفات الذاتية مع الاتفاق في الرتبة مثلا يكونان ازليين هذا في الرتبة و يكون اذا حرّك احدهما شيئاً طلب الآخر تسكينه و ذلك بمقتضي الطبع الذاتي و مقتضي الرتبة ان يكون كل منهما نسبته الي كل شئ علي السواۤء فتساوي ( فيتساوي نسخه . م . ص )المقتضيان منهما الي كل شئ فلايصدر شئ عنهما و لا عن احدهما للتضاد المذكور فان وقع مقتضي احدهما دون الآخر لم‌يكن الآخر ضداً لنقض ضدّيّته في الرتبة او في الطبع الذاتي و قولي فلأنّ ضدّ الممكن و لم‌اقل فلأنّ ضدّ القديم، اريد به انّ القديم يستحيل فرض ضدّه في العقل و من تصوّر ضدّه فانما تصوّر ضدّ الممكن لأنه اذا تصوّر معه غيره فليس ذلك بقديم فمهما فرض وقع في الممكن و لذا قلت اذِ القديم لا ضدّ له.

قلت و لانه ان كان قديما لزم تعدّد القدماۤء.

اقول يعني ان الضدّ لو فرض و ان لم‌يصح الفرض لزم تعدّد القدماۤء المتفق

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 304 *»

علي بطلانه علي ما هو مقرّر في ادلة التوحيد.

قلت و لايمكن فرض ذلك لان الازل هو الذات البسيط البحت و لا مدخل فيه لان الازل صمد.

اقول لايمكن فرض الضدّ و الكثرة في الأزل مطلقا سواۤء كان ضدّاً او ندّاً لمنافات ذلك الأزل ( للازل خ‌ل ) و ذلك لأنّ الأزل هو الذات البحت البسيط الذي لا كثرة فيه بكل اعتبار و ما خرج عن تلك الذات البحت فهو ممكن و الذات البحت صمد لا مدخل فيه لأن من كان فيه مدخل لغيره فهو مؤلَّف محتاج و لهذا قلت: و الا فهو امكان.

اقول يعني اذا كان شئ بخلاف ما وصفنا بان يكون فيه مدخل لغيره او ليس ببسيط او انه كما يتوهمونه ظرف قد حلّ فيه الواجب الحق و فيه فضل ( فصل نسخه . م . ص )يسع ان يفرض فيه غيره كما هو شأن كل ظرف فهو ظاهر البطلان.

قلت و ان كان الضدّ ممكِناً لم‌يصح فرض كون الممكن ضدّاً للواجب لحدوثه به.

اقول و اذا فرض الضدّ ممكناً لم‌يصحّ كونه ضدّاً للواجب لتغاير الرتبة كما ذكرنا سابقا لأنه اذا فرض الضدّ ممكناً كان انّما وجد باحداث الواجب تعالي فكيف يحدث ما هو ضدّه و ما ذلك الا كمثل فرض ان النار من جهة كونها حارّة احدثت برودة بتأثيرها الحارّ.

قلت و انما قلنا ان ضد الممكن ممكن لان القديم و الممتنع لايصلحان لمطلق الضدّية و الّا لكانا ممكنين.

اقول لأنّ القديم لايعرف بالتعدد و الضديّة لأنهما من صفات الخلق فلايفرض كون القديم ضدّاً الا علي تحقق الامكان و اما الممتنع فليس شيئاً

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 305 *»

ليفرض كونه ضدّاً للشئ او كون شئ ضدّاً له و لهذا قلنا و الا لكانا ممكنين.

قلت اما في الواجب فلان الضد جهة المقابلة و طرفها و هو ممكن.

اقول يعني انما امتنع الضدّ من الواجب لأنّ الضدّ مأخوذ في مفهومه جهة ضدّه فلأجل الالتفات لم‌يصح ان يكون بسيطا و لذا يقولون ان الضدّ يحضر في الذهن عند ذكر ضدّه و الأصل فيه هذا اي انّه مأخوذ في مفهومه جهة مقابلة ضدّه.

قلت و اما في الممتنع فلان الضدّ ان لم‌يكن شيئا لم‌يكن ضدا و ان كان شيئا كان ممكنا.

اقول ان الممتنع ليس شيئاً لا في الخارج و لا في الذهن و لا في نفس الأمر فاذا لم‌يكن شيئاً لم‌يكن ضدّا فان وجد ضدّ فهو ممكن فلايعقل كونه ضدّا و من فرض ذلك فانما فرض ممكناً سمّاه بهذا الاسم و مجرد التسمية لايثبت الشئ و لايحققه في الواقع و لذا قال تعالي لمن يدّعي ان له شريكا قل سمّوهم ام تنبئونه بما لايعلم في الأرض ام بظاهر من القول و لو كانت التسمية تثبت الشئ و تجعل ما ليس ثابتاً ثابتا لماقال تعالي ام تنبئونه بما لايعلم في الأرض حين سمّوا اصنامهم شركاۤء لأنّهم لو ثبتوا بالتسمية لعلمهم و قد اخبر انه لايعلم ذلك.

قلت و لهذا لايصلح العدم لضدّية الوجود الّا مجازاً لان العدم الممكن وجود في الامكان لا في الاعيان و الي هذا اشار الصادق (ع‌) لمن سأله عن اختلاف زرارة و هشام بن الحكم في النفي هل هو شي‌ء ام لا فقال زرارة ليس بشئ و قال هشام النفي شئ فقال (ع‌) قل بقول هشام في هذه المسئلة.

اقول و لأجل انّ العدم ليس بشئ لايصلح لضدّيّة الوجود نعم الوجود الذي هو المعني البسيط المعبّر عنه بالفارسية بـ هَسْت يصلح العدم الذي هو عدم الكون لضدّيّته لأنّ هذا العدم شئ ممكن و لو اريد به المفهوم المطلق صلح مجازا لأنّ العدم الممكن وجود في الامكان لا في الأعيان فيكون من حيث تحقق الشيئية صلح لمطلق الضدّيّة و من حيث ان الشيئية مختلفة من حيث

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 306 *»

الامكان و الأعيان كان مجازاً لصحّة نفي الشيئية عن الممكن كما قال تعالي أولايذكر الانسان انا خلقناه من قبل و لم‌يك شيئا و اثباتها كما في قوله تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لم‌يكن شيئاً مذكورا قال الصادق عليه السلام كان مذكوراً في العلم و لم‌يكن مكوّنا ، فباعتبار تحقق الشيئية صلح للضدّيّة و باعتبار ان هذه الشيئية ليست في رتبة ضدّه في الواقع و انما هي في الاستعمال كانت مجازا و الآية الدالّة علي اثبات الشيئية للممكن شاهدة للحديث المذكور.

قلت و امّا الممتنع فليس بشئ و لا عبارة له و انما استعملت العبارة لجهة امكانه.

اقول انما ذكرنا الممتنع مرّتين لأن الأُولي في بيان عدم صلوحه للضدّيّة و الثانية لبيان عدم شيئيّته و معني هذا الكلام ان الممتنع المقصود ليس شيئاً اصلا و اذا عبّر عنه فانه انما تقع العبارة علي ما يتوهمه المخبر عنه و المتوهم و المتخيّل و المعقول كل منها ممكن موجود لأنّ ما في الذهن ان كان هو الذات المشار اليها بالامتناع فهي موجودة فلا معني لجعلها ممتنعة الوجود و ان كان صفة و الصفة لايوجد الا مترتبة علي الموصوف فيكون الممتنع عندهم علي الفرضين ممكنا.

قلت مثل لا شريك له لان النفي فرع الثبوت.

اقول اذا قلت لا شريك له فهذا نفي فان كان واقعاً علي ثابتٍ لزم ثبوت الشريك و ان لم‌يقع علي شئ لم‌يكن للنفي معني فلما ثبت صحّة النفي دلّ علي ثبوت الشريك و هو خلاف نفس الأمر مع انه تعالي قال أتنبؤن الله بما لايعلم في السموات و لا في الأرض سبحانه و تعالي عمّا يشركون اذ لو كان شئ لعلمه تعالي فلما نفي علمه به دلّ علي عدمه بكل اعتبار في جميع الأحوال و انت ايها المدعي ثبوت الشريك في الأذهان يلزمك انك علمت ما لم‌يعلمه الله و ليس كذلك لأنّ الذي تتصوره صورة منتزعة من احكام الأوهام حيث حكموا بكون هُبل مثلا شريكاً لله سبحانه و توهمت الأوهام مطلق الشريك و اخذ العلماۤء في

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 307 *»

محو ما في الأوهام بما يناسب ما فيها من العبارات حيث تصوّرت الشريك المنفي الممحو ففي الحقيقة ان العبارة واقعة علي ما خلقتْه الأوهام كما قال تعالي و تخلقون افكا و هو ممكن و تسميتهم له بالممتنع امر لفظي كما قال تعالي ام بظاهر من القول و مرادهم ان هذا المتوهم يمتنع كونه شريكا فالامتناع في كون هذا الممكن المحدث شريكا لا انه اي المشار اليه بنفي كونه شريكاً شئ ممكن لأنه لو كان كذلك لم‌يكن ممتنعا.

قلت و ذلك لان الاوهامَ تُصوّر شيئا و تسمّيه شريكا من جهة تجويزها ذلك او توهّم وجوده و اليه الاشارة بقوله تعالي و تخلقون افكاً.

اقول لما استعملوا اشياۤء اعتقدوا فيها بانها تنفع و تضرّ و سمّوها آلهة و هم يعرفون ان الخالق هو الله كما قال تعالي و لئن سئلتهم من خلق السموات و الأرض ليقولن الله سمّوها شركاۤء لله تعالي و شفعاۤء عند الله و السبب في التسمية تجويزهم ذلك او توهم كونه موجودا.

قلت فاتي بهذه العبارة مكنسةً لغبار الاوهام.

اقول يعني ( اتي خ‌ل ) بقوله لا اله الا الله و لا شريك له مكنسةً لغبار الأوهام اعني تجويزها الشريك و توهم وجوده.

قلت و هي عبارة حادثة واردة علي حادث.

اقول لأنّ اللفظ انما يوضع بازاۤء المعني الموجود في الخارج او في الذهن و لايصحّ ان يوضع لفظ علي لاشئ لأنّه لو وضع و لا شئ موضوع له لم‌يكن موضوعاً لشئ فلايدل علي شئ هف.

قلت و اما الممتنع فليس شيئا و لا عبارة عنه.

اقول هذا هو الموضع الثاني الذي ذكرناه قبل بانّ الأُولي في بيان عدم صلوحه للضدّيّة و المرّة الثانية هي ما هنا و هو بيان عدم شيئيّته في نفسه اصلا و ذكرناه ايضا هنالك و وجه آخر انا ذكرنا اوّلا لبيان عدميته و الثاني و هو ما هنا

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 308 *»

لعدميته ( لبيان عدميته خ‌ل ) و انه مع امتناعه فلم‌يعبّر عنه و العبارة انما تكون للممكن و لهذا قلت هنا و لا عبارة عنه ، فاذا وجدت العبارة فانما هي لغيره باعتبار التعبير عنه.

قلت و تعبيري بالعبارة لهذا العنوان المتوهم.

اقول يعني ان التعبير عنه بهذه العبارة مع ان العبارة لاتستعمل فيما ليس شيئا و الا لم‌تكن عبارة لشئ هف و لكن لما كان معني من المعاني بمعني انه لو كان شيئا لكان يقال فيه كذا و كذا فكانت العبارة للعنوان المتوهّم لأنّ العنوان الذي هو الدليل للأفهام علي ما ترد عليه العبارات لما لم‌يكن مدلوله هنا شيئاً اصلا من غير جهة يقصد منه المراد و انما يتوهّمه بعض الأوهام الناقصة لفرض شيئيته و ان كان علي ما تفهمه الأفهام الضعيفة و الا فانه في الأفهام القويّة ممتنع الفرض و التجويز و الاحتمال بكل وجه فلا عبارة له عندها الا مع مخاصمة الأوهام الضعيفة فيما تجري فيه فلما كان هذا العنوان انما هو بهذا النمط لعدم تحقق مدلوله بكل احتمال قلنا انه عنوان متوهم لانه لو كان حقيقيّاً لكان مدلوله ثابتا كما في عنوان الواجب.

قلت و هو حادث خلقه اللّه بمقتضي اوهامهم من باب الحكم الوضعي عند اهل الاصول.

اقول انّ هذا العنوان المتوهم و ان لم‌يكن له اصل يبتني ثبوته علي ثبوته الا انه لما توهمت الأوهام ثبوت اصله في محل التعقل من الذهن خلقه الله بمقتضي اوهامهم كما خلق الكفر في الكافر بكفره حين كفر خلقه بمقتضاه و كما خلق ابن الزنا الذي نهي عنه بمقتضي النطفة الموضوعة في الرحم و ان كانت وضعت بغير رضاه و خلق الزرع الذي كان بذره مغصوبا و ماؤه و ارضه كذلك و هو قد نهي عن ذلك لكنه حين خلق البذر و جعله صالحا لأن ينبت اذا وضع في الأرض و سقي بالماۤء ، و هو لم‌يكن ( و لم‌يكن هو خ‌ل ) سبحانه مُعينا للظالم علي ظلمه حين خلق بمقتضي تلك الأسباب ما يترتب عليها من عطيّته سبحانه و نظاۤئر ذلك كثيرة.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 309 *»

قلت لانه سبحانه اعطي كل شئ خلقه.

اقول انه عز و جل قد اعطي بكرمه كل شئ خلقه ما يقتضيه باسبابه فلايمنع عطيّته بسبب مخالفة امره بل ينالهم نصيبهم من الكتاب و عليه سبحانه الحساب و ليس ذلك جبراً و لا ظلما و سيأتي بيان ذلك.

قلت و ليس هذه العبارة عن هذا العنوان كالعبارة عن عنوان حكم الوجوب و ان كان لايدرك لذاته.

اقول يعني انّ التعبير عن عنوان الممتنع ليس كالتعبير عن عنوان الواجب تعالي لأنّ الواجب تعالي ثابت و ان كان لايدرك و انما يعرف عنوانه الذي جعله آية لمعرفته ليستدل به عليه و عنوان الممتنع وهميّ لا حقيقة له كما هو المراد منه اذ الممتنع ليس شيئا فكيف تكون آيته شيئا نعم لما كانت الاوهام الضعيفة تتوهمه وضع له عنوان نفيه و هو ايضاً وهميّ اذ الممتنع في الحقيقة مفاده العبارة اللفظية فكان عنوانه صورة نفي ذلك فهو موهوم لفظي.

قلت الّا ان العنوان لمظاهره و مقاماته التي لا تعطيل لها في كل مكانٍ.

اقول و ذلك كما قال الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب : فجعلتهم معادن لكلماتك و اركانا لتوحيدك و آياتك و علاماتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الدعاۤء ، فهذه العلامات التي هي عنوان الواجب و دليله التي لا فرق بينه و بينها يعني فيما ينسبه الخلق اليه من الصفات و التأثيرات مثل من اطاعهم فقد اطاع الله و من عصاهم فقد عصي الله و فعلهم فعل الله و قولهم قول الله و امرهم امر الله و نهيهم نهي الله ، الي غير ذلك في كل ما ينسبه الخلق اليه و مثال ذلك كالحديدة المحماة بالنار فان فعلها فعل النار من عرفها عرف النار و ان كانت في الحقيقة انما تحرق النار بفعلها الذي حلّ في الحديدة و ليس للحديدة شئ من التأثير كذلك المقامات لأنها محالّ فعله و مشيته فهي الدليل عليه بخلاف عنوان الممتنع فانه ليس شيئا فلايكون عنوانه شيئا لأنّ ثبوته فرع ثبوت اصله فافهم.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 310 *»

قلت و ليس للممتَنع مظاهر لان المظاهر فرع الثبوت.

اقول يعني انه انما كان العنوان متحققا للواجب تعالي لأنّ الواجب ثابت و الثابت تكون له مظاهر بخلاف الممتنع فانه لو كان ثابتاً كان عنوانه ثابتا فلما كان لاشئ لم‌تكن له مظاهر و العنوانات مظاهر للمستدل عليه فاذا تصوّر له مظاهر كانت موهومة.

قلت و انّما سمّيتم ممكناً بممتنعٍ كما لو سمّيتَ رجلاً بمعدوم.

اقول انّ الممتنع الذي يبحثون عنه ممكن و ان ارادوا به الممتنع فلأجل هذا كان له عنوان و انما سمّيناه موهوما لأنهم لايريدون منه الممكن ليكون متحققا.

قلت و ليس شئ الا اللّه و صفته (صفاته ظ) و اسماۤؤه.

اقول يعني انّ الممتنع ليس شيئا اذ الشئ لايكون الا ما هو المتحقق و ليس متحققا الا الله بذاته و صفاته و اسمائه تعالي.

قلت و امّا انه لايعرف الا بما وصف به نفسه فلانّ الازل ليس شيئا غيره و ما سواه فهو في الامكان و الازل لايخرج منه شئ و لايدخله شئ و لايصل اليه شئ فيخبر عما هناك و يصف ما فيه.

اقول يعني انه تعالي لما كان هو الأزل وجب ان يكون ما سواه غير الأزل و غير الأزل ممكن و لما ثبت انّ غيره لايساويه و لايصل اليه وجب ان لايعرفه غيره لذاته فاذا كان كذلك و اراد ان يعرفه عباده وصف نفسه لهم لأنّهم لم‌يصلوا اليه و لم‌يدركوه و لم‌يروه ليعرفوه و انما يعرفونه بذلك الوصف الذي وصف نفسه به لأنّه هو الذي يعرّف نفسه.

قلت و اذا كان كذلك لايعرفه احد الا بما وصف به نفسه.

اقول و ذلك لأنّه لايصل اليه غيره و لايصفه احد لعدم اطلاعه عليه الا بتعريفه نفسه له.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 311 *»

قلت و هو كما يقول لايدركه غيره فلايعرف كنهه الا هو لان علمه بنفسه عين نفسه.

اقول هذا هو العلّة و السبب في عدم ادراكه لأحد غيره و كون معرفته بذاته عين ذاته و لهذا امتنع معرفته بذاته لغيره.

قلت فاذا وصف نفسه كان وصف الحقّ للحق حَقّاً و يقع علينا وصفه خلقاً.

اقول يعني انّ وصفه نفسه بنفسه هو نفسه لعدم المغايرة هناك لاستلزامها الكثرة المستلزمة للحدوث فيكون وصف الحق للحق تعالي حقّا لأنه هو هو و ما وصل الينا من ذلك التعريف فهو حادث بحدوثنا فهو في الحقيقة ذواتنا و ذلك الوصف اثر من فعله لأنه فعله لنا لنعرفه به فهو آية فعله و فعله آية علمه الذي هو ذاته فلذا قلنا و يقع علينا وصفه خلقا ، لأنه هو حقاۤئقنا لأن انفسنا انموزج هيكل توحيده فتدل انفسنا بهيئتها علي ذلك الهيكل لأنه اثره و الأثر يشابه صفة المؤثر من جهة التأثير و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه يعني ان كل احد فنفسه دليل ربّه و آيته لأنه اثر فعله فمن عرفه اي عرف ذلك الوصف عرف الموصوف و هذا ظاهر.

قلت و نحن ذلك الوصف الواقع علينا بنا فقد تعرّف لنا بنا.

اقول يعني انّ نفوسنا اي ذواتنا و حقاۤئقنا هي ذلك الوصف لأنه لما اراد ان نعرفه خلقنا علي هيئة معرفته ، مثاله انك اذا اردت ان يعرف زيد شيئا طويلا بصفة طوله رسمت له خطا طويلاً علي هيئة طول ذلك الشئ المطلوب معرفته بطوله او معرفة طوله و لو كان المطلوب معرفته عريضاً رسمت لزيد شيئاً عريضاً علي هيئة عرض ذلك الشئ المطلوب معرفته بعرضه او معرفة عرضه و هذا معني قولنا فقد تعرّف لنا بنا ، و معني قولنا.

قلت: فكان وصفه الحق للخلق خلقاً.

اقول يعني انّ وصفه الحق بذاته لذاته يصل الينا اثره خلقا لأن القديم لايتغيّر عن حاله و لاينزل فاذا نزل او ظهر فانما يكون ذلك من الحادث اذ

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 312 *»

القديم حاله واحدة لايتغيّر و لايتبدّل.

قلت لانّ الخلقَ لايُدْرِكُ الا خلقاً انّما تحدّ الادوات انفسها و تشير (الالات ظ) الي نظاۤئرِها.

اقول هذا تعليل لما قلنا من انه تعالي لايعرف من نحو ذاته و انما يعرف بما وصف به نفسه فلذا قلنا ان الخلق لايدرك الا خلقا ، فلذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحدّ الأدوات انفسها و تشير الآلات الي نظاۤئرها ه‍ ، يريد عليه السلام ان الشئ لايدرك الا ما هو من جنسه او نوعه او صنفه.

قلت فلايدرك شئ الّا ما كان من جنسه.

اقول يعني انّ كل شئ لايدرك ما ليس من جنسه و لا من نوعه و لا من صنفه لأن كل مدرك انما ادراكه بنحو طبيعته فادراك الجسم بنحو طبيعة الجسمية لا بنحو طبيعة المجرّدات و ادراك المجرّد بنحو طبيعة المجرد لا بنحو طبيعة الجسمية فمن ثَمّ حكموا علي العقول بكونها مفارقات يعني انها لم‌تكن مقترنة بشئ من الماديّات فلاتدرك الا المعاني و اما غير المعاني فلاتدركها الا بتوسط ما هو من جنسها و النفوس كذلك يعني انها في ادراكها مثل نسبة ادراك العقول فهي مفارقة في ذاتها و مقارنة في فعلها فادراكها الذاتي انما هو للصور الجوهرية و الفعلي ما كان من نوع الجسمانيات.

قلت و معني انه لايتعرّف لاحدٍ بنحوِ ما عرّفَهُ من غيره انه سبحانه عرّف الخلق للخلق بما هم عليه.

اقول يعني هو سبحانه تعرّف للخلق بما تعرفه عليه من التحقق في الوصفية يعني علي حسب ما يقتضيه وصفه لنفسه من البيان و هذا بخلاف ما وصف خلقه به لخلقه فانه مثلا وصف نفسه لزيد بانه ليس كمثله شئ و ان كلّ ما ميّزه زيد في ادق معانيه فهو مثل زيد مخلوق مردود علي زيد اي منعطف عليه لانه صفة نفسه و وصف عمراً لزيد بانه مخلوق مركب متغيّر مختلف فلايمكن ان يوصف المخلوق الا بهذا النوع علي هذا النحو و لايمكن ان يصف الخالق نفسه الا بهذا النّحو المشار اليه في وصفه تعالي لنفسه.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 313 *»

قلت انّهم خلق و هو عرّف نفسه انّه ليس بخلق و لايشبه شيئا من الخلق.

اقول يعني انّ تعريف الشئ انما هو بوصفه علي ما هو عليه و ذلك في وصف الخلق انهم مركّبون مؤلّفون متشابهون محدودون محصورون محتاجون و امثال هذه الأوصاف و في وصفه تعالي لنفسه انه لايشابه شيئا من صفات خلقه.

قلت فلايدرك ما تعرّفَ لهم به بشئٍ من بَصاۤئرِهم و لا ابصارهم.

اقول لأن بصاۤئرهم و ابصارهم انما تدرك ما هو من نوعها و بينهما مشابهة و مقارنة و الا لما ادركته.

قلت و انّما يعرف ببَصرٍ منه قال عليه السلام اعرفوا اللّه باللّه و قال الشاعر:

اذا رام عاشقها نظرة و لم‌يستطِعْها فمِن لطفِها
اَعارَتْه طرفاً رءاها به فكان البصيرَ بها طرفُهٰا

اقول انما يعرف ببصرٍ منه لأن تلك البصيرة هي نور ما تجلي له به و الأشياۤء انما تدرك نظاۤئرها و لذا قال عليه السلام اعرفوا الله بالله يعني اعرفوا الله بما وصف نفسه به لكم و هو معرفته بما هو عليه بالنسبة الي ادراك العارفين فان الشئ انما يعرف بما هو عليه و لما كان تعالي ما هو عليه في ذاته ممتنعا علي ما سواه و كان قد وصف نفسه لخلقه ليعرفوه بذلك الوصف كان ما تعرّف به لهم هو ما وصف به نفسه لهم فهم يعرفونه بذلك الوصف الذي معرفته عليه مما وصف لهم و هذا هو معني انه اعار العارف عينا منه اي من تعريفه و توصيفه يعرفه بها.

قلت و معني فهو المعلوم و المجهول الخ ، انّه المعلوم بصنعه المجهول بكنهه الموجود باياتِه المفقود بذاته.

اقول يعني يستدل علي وجوده بصنعه لأن صنعه اثر فعله و الأثر يدلّ علي المؤثر و يستدل علي وصفه الذي تعرّف به لخلقه بما اظهره في صنعه من

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 314 *»

الآيات الدالّة علي ذلك كما قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انّه الحق فكما ان هيئة الكتابة تدلّ علي صفة حركة يد الكاتب كذلك صفات خلقه و هيئاتهم تدل علي صفة فعله تعالي لانها اثر فعله و الأثر يشابه صفة مؤثره التي بها صدر فمعلوميته بآثار فعله كما ان الدخان المرئي يدلّ علي وجود النار و مجهوليته من حيث كنهه لأن كل ما سواه مغايرٌ له من كل جهة و تلك المغايرة رسم لما سواه فهو موجود بآياته لأن كل من نظر وجد آيات تدلّ علي موجدها حيثما توجه و مفقود من حيث ذاته لكون كنهها تفريقا بينه و بين ما سواه فلايوجد من حيث ذاته و لايفقد من حيث آثار فعله.

قلت فظهر فلا شئ اظهر منه و انما ظهر كل شئ باثر ظهوره.

اقول يعني انّ كونه اظهر من كل شئ لأن ظهور كل ما سواه انما هو اثر ظهوره بذلك السواۤء يعني انه تعالي ظهر للمخلوق بذلك المخلوق اي بايجاده و هو عزوجل لم‌يتحول و لم‌يتغيّر عن ازليته فمعني ظهوره لزيد مثلا ظهوره بزيد اي احداثه فيكون لا ظهور لزيد الا ظهور الله سبحانه فالظهور لفعله تعالي فلايكون شئ اظهر منه و هذا معني قولي و انما ظهر كل شئ باثر ظهوره لأن ظهور الأشياۤء انما هو ظهور فعله بها فلا ظهور لها غير ظهور فعله بها لها.

قلت و بطن فلا شئ ابطن منه لانه لا شئ اظهر منه و انّما خفي لشدة ظهوره و استتر لعظم نوره.

اقول يعني انّ الشئ اذا ظهر كمال الظهور لنفسه او لغيره وصل في ظهوره الي نهاية لايحتاج ذلك الغير الي ازيد منها و يكون حينئذٍ ظهوره واقفا متناهيا فهو حينئذٍ ناقص الظهور يحتمل الزيادة بالنسبة الي آخر غير الأول الذي انتهي الظهور اليه فلايكون نهاية الظهور للأول نهاية بالنسبة الي الثاني بل يحتاج الثاني الي زيادة الظهور و الثاني لو وقف الظهور عنده عن الزيادة بالنسبة اليه جاز اَلّايقف عند ثالث عن الزيادة فمهما فرض للظهور نهاية فهو يحتمل الزيادة و ما يحتمل الزيادة يحتمل النقصان و ذلك حادث لأنه صفة الحادث المحتمل للزيادة و النقصان بخلاف صفة القديم سبحانه فانه لايتناهي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 315 *»

فلاتتناهي صفته فظهوره غير متناهٍ فاذا ظهر لخلق كان تجلّي ذلك الظهور و ظهوره غير واقف علي حدّ نسبة المتجلي له بل يكون مترامياً في الظهور و التجلي بلا نهاية فيتجاوز كل شئ محدث و كل شئ تجاوز الظهور ادراكه خرج بالنسبة اليه عن حدّ الظهور الي حدّ البطون و الخفاۤء فيبلغ الظهور في التجاوز الي حال خارج عن كل حدّ و ما تجاوز عنه الادراك هو عين البطون و الخفاۤء فبشدّة ظهوره و عدم تناهيها و وقوفها الي حدّ بطن بطونا لا نهاية له و خفي خفاۤء لا حدّ له فجهة ظهوره عين جهة بطونه و خفاۤئه و هو معني قولي و بطن فلا شئ ابطن منه ، لأنه لا شئ اظهر منه و معني قولي و انما خفي لشدة ظهوره و استتر لعظم نوره و اعلم انّي انما عبّرت المطلب بهذه العبارة للبيان و هي و ان كانت ناقصة عن تأدية المعني الّا انّ العارف يفهم من مدلولها المعني المراد و انما كانت ناقصة لعلّتين احديٰهما من قصوري اذ لم‌يؤذن لي في ازيد من ذلك فلم‌اعط العبارة اذ لو اذن لي لاعطيت العبارة و الثانية مني طلباً للاختصار و صوناً للأسرار اذ ليس كل ما يعلم يقال لقصور اكثر الأذهان عن فهم ذلك البيان لو كان ذلك و السلام.

قلت و معني جهة معلوميته نفس مجهوليته انّ الشئ لايعرف و لايعلم الا بما هو عليه.

اقول يعني انّه لما كان الشئ لايعلم الا بما هو عليه كان مقتضي الأزل ان يكون مجهولا لأن المعلومية للشئ تقتضي الاحاطة به و شأن الأزل اَلايكون محاطا به و ما هو عليه اَلايكون محاطا به فاذا ثبت ان الشئ لايعلم الا بما هو عليه ثبت انه لايعلم الا بان لايحاط به و هو معني ان جهة معلوميته نفس ( عين خ‌ل ) مجهوليته و معني قولي ان الشئ لايعرف و لايعلم الا بما هو عليه .
قلت فالطويل يعرف بطوله و العريض يعلم بعرضه و القصير يعرف بقصره و الابيض ببياضه و الاسود بسواده و ذو الهيئة بهيئته و ما لا مقدار له و لا لون و لا هيئة يعرف بذلك.

اقول هذا معني ما بيّنت لك من انّ الشئ لايعرف الا بما هو عليه من

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 316 *»

الجهة التي يتعلق بها التعرّف و التعريف فلو كان شئ احمر و طويلاً و كان المطلوب معرفته من جهة الحمرة عرف بالأحمر لا بالطويل و بالعكس، فمعني انه انما يعرف بما هو عليه من النحو الذي تتعلق به المعرفة منه و اذا كان عزوجل لايدرك من نحو ذاته اذ كل‌ما ميّزته الأوهام فهو مخلوق مثلها كان الذي هو عليه من النحو الذي يعرف به انه لايدرك و لايعلم لأحد فيعرف سبحانه بانه لايدرك و لايوصف و هذا المعني هو الذي هو عليه من جهة معرفته و لو كان طويلا يعرف بطوله الخ ، فلما لم‌يوصف بشئ من جهات الخلق مما يجري الامكان بادراكه عرف بذلك اي بانه لايعرف الا بانه لايعرف الا بما وصف به نفسه و هو سبحانه وصف نفسه بانه بخلاف ما تتوهمه الأوهام و ادركته العقول.

قلت فالواجب سبحانه يعرف بانه لا كيف له و لا شبه له و لا مثل له و انه لايدرك كنهه و لاتعلم صفته و لايُحٰاط به علماً و اَنّ كل مدرَكٍ فهو غيره فيعرف بانه لا سبيل الي اكتناهه و لا ادراك صفته فهو يعرف بالجهل به.

اقول هذا كله هو معني ما ذكرت لك ان من طلب معرفته بكنهه لم‌يجده و من طلب معرفته بآياته التي تعرّف بها وجده ظاهراً له بها محتجباً عنه بها.

قلت و ذلك ما تعرّف لنا به.

اقول يعني انّه لايعرف الا بٰاياته التي ليس لها مثل في خلقه يعني لاتصلح صفة لشئ من الخلق و لاتدلّ عليه و انما تدلّ علي الله سبحانه دلالة التعريف و الاستدلال عليه كدلالة الأثر علي المؤثر لا انها تدلّ عليه دلالة تكشف عن كنهه فهي مع انها ليس لها مثل و لا شبه لاتدلّ عليه الا دلالة الأثر علي المؤثر (علي مؤثره خ‌ل).

قلت فانّا لانعرف الا مثلنا.

اقول يعني لما كانت الأشياۤء لاتدرك الا نظاۤئرها وجب ان يكون ما تعرّف به لنا مخلوقا و الا لماامكن لنا ان ندركه و اذا كان مخلوقاً لم‌يدل علي كنه الذات

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 317 *»

دلالة تكشف عنه و انما يدل عليه تعالي دلالة الأثر علي المؤثر و الأثر يدلّ علي صفة مؤثره الأقرب فهو يشابه صفة فعله تعالي لا صفة ذاته تعالي الذي هو المؤثر الأبعد عند فرض المباشرة كالكتابة فانها تشابه صفة حركة يد الكاتب التي هي المؤثر الأقرب من حيث المباشرة و لاتشابه صفة الكاتب لأنه المؤثر الأبعد عند المباشرة نعم يدلّ ( تدلّ نسخه . م . ص )
علي وجوده اعني عنوان وجوده الذي هو ذاته و لاتدلّ علي وجوده الذي هو ذاته و الا لكان تعالي مشابهاً لها ، تعالي عن ذلك علوّاً كبيرا.

قلت فهو الواجب الحق و المجهول المطلق.

اقول هذا تفريع علي ما تقدّم من الاوصاف التي لاتجري للحوادث لأنه بمقتضي ما اشرنا اليه هو الواجب الحق الذي كلّ ما سواه ليس بشئ الا بفعله تعالي و هو المجهول المطلق الذي لا سبيل في الامكان مطلقا الي معرفة ذاته بوجه من الوجوه بل هو في الامكان مجهول من كل جهة فلايصدق المجهول المطلق في الحقيقة علي ما سواه.

قلت و هذا القسم يعبّر عنه بالذات البحت .

اقول يعني انّه ذات بسيط ليس له وجود غير ماهيته و لا ماهية غير وجوده و لا ذاته غير صفته و لا صفته غير ذاته لا في نفس الأمر اي الثابت بالدليل القطعي و لا في الخارج اي المقابل للذهني او الذي تترتب الآثار علي صفاته و لا في الذهن الذي هو عكس الخارج في المعنيين و لا في الامكان لأن الوجوب ليس في شئ منه امكان و لا في الفرض و الاعتبار لأنهما جهات الممكن فهو سبحانه ذات بحت احديّ المعني ليس فيه احتمال كثرة او تعدد بكل فرض و اعتبار.

قلت و مجهول النعت.

 

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 318 *»

اقول يعني انه ليس في الامكان سبيل الي نعته الا بما وصف به نفسه من آياته و آثار فعله فهو بالنسبة الي ما سواه مجهول النّعت.

قلت و عين الكافور.

اقول يعني انه انما يوجد بٰاثار فعله كالكافور الذي يوجد برايحته فيحتمل ان يراد بقولهم عين الكافور انه تعالي هو ذات الكافور و هذا علي مذهب القائلين بوحدة الوجود اي انّ الكافور المكنيّ به عن الروايح التي هي مثال الحوادث هو ذاته لأنه عندهم هو الفاعل و المفعول و هو المؤثر و الأثر و هذا عندنا باطل و القول به كفر و يحتمل ان يراد بقولهم عين الكافور انه هو العين التي تفوح منها الروايح اي هو مبدء الاشياۤء و هذا صحته و فساده تابعة لمقصود القائل به فان اراد به ان ذاته تعالي مبدء الأشياۤء فهو كالأوّل في الفساد و ان اراد ان فعله مبدء الأشياۤء فهو حق.

قلت و شمس الازل.

اقول مأخوذ من قول علي عليه السلام علي نحو من الاستنباط في قوله لكميل نور اشرق من صبح الأزل ، حيث شبّه المشية بصبح الأزل و الصبح نور الشمس اي شمس الأزل و الاضافة هنا بيانيّة .

قلت و منقطع الاشارات .

اقول ان الاشارات الحسّيّة و الخياليّة و الروحانيّة و العقليّة و السرمديّة كلها تنقطع دون عزّ جلاله امّا الأربع الأُول فظاهر و اما الخامسة فهي و ان لم‌تكن هناك اشارة لينسب اليها انقطاع الا ان المشية توصف بجهات تعلقاتها فوقوعها علي المشاۤء و تعلقها به تعتريه الاشارة عليه باعتبار المتعلق و التعلّق و ان لم‌تكن الاشارة لاحقة لنفس المشية لأنّها محدثة بها و لايجري عليها ما اجرته فافهم.

قلت و المجهول المطلق و الواجب الحق و اللَّاتعيّن .

اقول تقدّم بعض البيان للمجهول المطلق و الواجب الحق و اما اللّاتعيّن فالمراد منه معني المجهول المطلق و ذلك لأنه تعالي لايتعيّن عند ما سواه بجهة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 319 *»

من جهات التعيّن علي حالٍ من الأحوال .

قلت و الكنز المخفي .

اقول اشارة الي قوله تعالي كنت كنزاً مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف اي انه خلق الخلق ليعرف بخلقه و آثاره لا بذاته فهو كنز مخفي عمّا سواه مطلقا وجد ذلك السواۤء ام لم‌يوجد و به ظهر جواب ما استشكله بعضهم هنا فقال ما معني مخفي و ليس هناك شئ يختفي عنه و الجواب بهذا و هو انه مقتضي الأزل ذلك امّا مع عدم الغير فهي سالبة بانتفاۤء الموضوع و امّا مع وجود الغير فلعدم ادراكه له تعالي و يرد هنا ايضا اشكال و هو انّ الظاهر من الكلام انه قبل الخلق مخفي و امّا بعد ان خلق الخلق فلا و جوابه ان المراد بالخفاۤءِ الخفاۤءُ المطلق الصادق علي عدم المعرفة بالٰاثار و هذا هو المراد من الكنز المخفي فلما خلق الخلق عرف بما عرّف نفسه به .

قلت و المنقطع الوجداني .

اقول يعني ان كلّ مدرك سواه سبحانه ينقطع وجدانه لذاته تعالي فهو لايجده غيره بذاته و لايفقده بآياته فهو سبحانه المنقطع الوجداني لما سواه .

قلت و ذات ساذج و ذات بلا اعتبار و ما اشبه ذلك .

اقول ذات ساذج اي بحت خالص من التّعدّد و التّكثّر و التركيب لا في نفس الامر و لا في الخارج و لا في الذهن لا فرضاً و لا احتمالاً و تجويزاً و اعتباراً و ذات بلا اعتبار يعني مجرّدة عن كل قيد حتي عن التجريد و ما اشبه ذلك من الأسماۤء التي يطلقونها علي الوجود الحق عز و جل .

قلت و كلّها عبارات مخلوقة تقع علي مقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان .

اقول يعني ان هذه الألفاظ المذكورة مثل الذات البحت و المجهول النّعت الخ ، هي و معانيها التي تدلّ عليها مخلوقة خلقها الله سبحانه لعباده ليعرفوه بها لأنها تدلّ بصفة الاستدلال عليه لا بصفة الكشف له فاذا اطلقت هذه الألفاظ دلّت علي تلك المعاني التي هي العنوانات للذات و هذه العنوانات

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 320 *»

مظاهر له خلقها و جعلها محالّ افعاله و ارادته و هي ( فهي خ‌ل ) وجهه الي عباده يعرفه بها من عرفه كما تعرف النار اذا رأيت الحديدة المحماة بها لأنها اي الحديدة المحماة محل فعل النار و تأثيرها و تلك المقامات لاتفقد في حال كما قال تعالي فاينما تولّوا فثم وجه الله .

قلت و هي موضوع علمِ البيان و الذي يبحث فيه عنه هو المعاني و هي اركان التوحيد .

اقول هذه المقامات هي موضوع علم البيان اي التوحيد كما قاله اميرالمؤمنين عليه السلام يعني انّ علم التوحيد يبحث فيه عن عوارض هذه المقامات الذاتية و ليس موضوع علم التوحيد كما قاله المتكلمون انه ذات الله تعالي لأن ذات الله لاتدرك فكيف يبحث عن عوارضها الذاتية مع انه تعالي لا عوارض له الّا صفات هي عين ذاته بكل اعتبار او احكام المقامات التي هي عنوانه فاذا توجّهت العبارات المطلقة و الاعتقادات الصافية ( الصادقة خ‌ل ) وقعت علي العنوان ان كانت من اهل المعرفة و الايمان و الذي يبحث العارف فيه من المقامات هي المعاني اي اركان التوحيد و هو المستفاد من كلام اميرالمؤمنين عليه السلام و علي بن الحسين عليهما السلام لأن تلك المقامات عوارضها الذاتية هي المعاني اي اركان التوحيد و الي هذا اشاروا عليهم السلام بقولهم نحن الاعراف الذين لايعرف الله الّا بسبيل معرفتنا و لولانا لماعرف الله و من عرفنا عرف الله و من لم‌يعرفنا لم‌يعرف الله و يعرفك بها من عرفك و من اراد الله بدء بكم و من وحّده قبل عنكم و من قصده توجّه بكم و امثال ذلك من كلماتهم عليهم السلام.

قلت: الفاۤئدة الثالثة في الاشارة الي القسم الثاني و هو الوجود المطلق.

اقول لما جري الاصطلاح في التقسيم علي تسمية المقامات و العنوانات بالوجود الحق اذ لايعرف منه الا هي ناسب ان يجري هنا علي تسمية هذه الرتبة التي هي اول التعيّنات بالوجود المطلق يعني انّ هذا الوجود ليس هو الوجود الحق و لكنه غير مقيّد بشرط يتوقف عليه و لاينتظر به و ليس مرادنا بالاطلاق ما

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 321 *»

يقولونه من انّ المراد به الصادق علي الواجب و الممكن بل المراد من الاطلاق هذا المعني لأنه لما كان الأزل لا تعيّن فيه و كان الامكان اول التعيّن و لم‌يكن غيره هناك ليتوقف عليه كان تعيّنه في نفسه نفسَه و من جهة تعلّقه متعلّقه و التعلّق معنيً فعلي فتعيينه من ربّه بنفسه و تعيّنه بنفسه كان بالنسبة الي ما سواه من المفعولات التي يكون حصولها متوقفا علي شئ سواه مطلقا اي غير متوقف الحصول علي شئ غير نفسه.

قلت و التعين الاول.

اقول يراد منه اول صادر بنفسه و هو المشية و الارادة و الابداع كما قال الرضا عليه السلام المشية و الارادة و الابداع ثلاثة اسماۤء و معناها واحدة و انما يسمّي هذه الرتبة بهذا الاسم لمقابلته ( لمقابلة خ‌ل ) مرتبة الأزل المسمّاة باللّاتعيّن.

قلت و الرحمة الكلية.

اقول اشارة الي مبدء الكون المشتمل علي الفضل و العدل فانه صفة الرحمن العامة و هي التي استوي بها علي عرشه و هي التي وسعت كل شئ و الرحمة الخاصّة صفة الرحيم المختصة بالمؤمنين فالرحمة الكلية لها اطلاقان احدهما يراد منه الفعل و ( الفعل و هو نسخه . م . ص ) المشية كما هو هنا و ثانيهما يراد منه اول صادر عنه و هو الحقيقة المحمّديّة .

قلت و الشجرة الكلية .

اقول يراد بهذه الشجرة الكلية اذا اطلقت احد المعنيين السابقين و سمّيت بالشجرة لكثرة تطورها في مظاهرها و آثارها كالشجرة في تطورها الي اصل و لقاح و غصون و ورق و ثمر .

قلت و النفَس الرحماني الاولي .

اقول هذا ايضا يطلق علي المعنيين السابقين فمعني النّفَس الرحماني بفتح

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 322 *»

الفاۤء ان هذا الوجود تقوّمت به الوجودات الكونية تقوّم صدور اذا اريد بالنّفَس الرحماني المعني الأوّل اي المشية و الارادة و الابداع كما تقوّمت الحروف بحركة المتكلم بشفتيه و لسانه و اسنانه و لهاته و تقوّم ركنيّ ( و تقوّماً ركنيّاً نسخه . م . ص ) اذا اريد به المعني الثاني اي اوّل صادر عن المشية اعني الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله كما تقوّمت الحروف بالصوت الممتد من جوف المتكلّم الي الفضاۤء و اذا قيّد بالأُولي كما هو هيٰهنا احتمل ان يراد به المعني الأوّل خاصة و ان يراد به الرتبة الثانية منه عند اعتبار تزييله كما يأتي الّا انه هنا يكون الأنسب ان يراد به المعني الأوّل.

قلت و المشية و الكاف المستديرة علي نفسها و الارادة .

اقول المشية هي الذكر الأول يعني ان الفاعل اذا اراد صنع شئ اول ما يذكره و تتوجه اليه العناية هو المشية و اذا تأكّد ذلك العزم سمّي ارادة و هي ما روي يونس عن الرضا عليه السلام و سمّيت بالكاف لأنها هي امر الله المعبّر عنه بكُن فالكاف اشارة الي الكون و هو المشية او اثر المشية و النون اشارة الي العين و هي الارادة او اثر الارادة فسمّيت المشية بالكاف لأنها منشأ الكون و هو الوجود و سمّيت الارادة بالكاف بمعني المشية و بالنّون لأنها منشأ العين و بالمستديرة علي نفسها لأن المشية هي الكاف و خلقها الله بنفسها فهي في الاعتبار كافٌ خلقت بكاف و استدارتها في اعتبار كونها علة معاكسة لاستدارتها في اعتبار كونها معلولة لأن العلّة استدارتها استدارة فاعليّة و المعلول استدارته استدارة مفعوليّة فلذا قيل لها الكاف المستديرة علي نفسها لأنّها باعتبار كونها معلولة تدور علي نفسها باعتبار كونها علّة .

قلت و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر .

اقول مأخوذ من دعاۤء السمات للحجة عليه السلام و الكلمة هي المشية و المراد بها اِمّا الامكانية او الكونية او مطلقا و العمق الأكبر علي الأول هو الامكان

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 323 *»

الذي هو محل الوجود الراجح و متعلّقه الذي وقته السرمد و علي الثاني هو الممكنات كلها التي وقتها الدهر و الكلمة حينئذٍ كالأول وقتها السرمد و ان كان متعلّقها وقته الدهر و علي الثالث هو العمق الأكبر مطلقا اي سواۤء كان العمق الأكبر حقيقياً كالامكان ام اضافياً كالممكنات و انزجر اي انفعل و انقاد اي العمق الأكبر بمعناها الثلاث .

قلت و الابداع .

اقول الابداع هو الفعل و هو خلق ساكن لايدرك بالسكون كما قال الرضا عليه السلام يعني انه ساكن اي غير متغيّر لا انه ساكن بالسكون الذي هو ضدّ الحركة لأن هذا السكون محدث به و لايجري عليه ما هو اجراه .

قلت و الحقيقة المحمديّة .

اقول الحقيقة المحمديّة لها عندنا اطلاقان قد نطلقها و نريد بها المقامات التي هي اسم الفاعل كالقاۤئم الذي هو اسم فاعل القيام و القائم مركب في الحقيقة من فعل متقوّم بفاعله تقوّم صدور و من اثر فعل و هو القيام الذي هو الحدث و هذا المقام اعلي ما يحصل في الامكان الراجح و مثالها الحديدة المحماة بالنار فانه لا فرق بين النار في تأثيرها و بين الحديدة المحماة بها لأنها اذا اثّرت فتأثيرها انما هو تأثير النار بها اي جعلت النار فعلها في الحديدة و الحديدة محل فعلها و هذا الفعل احدثتْه النار به لا بفعل غيره فمجموع الفعل و اثره كالقاۤئم كالحديدة المحماة بالنار فهذه الرتبة اول التعيّنات و اعلاها و هو المَثَل الأعلي بفتح الثاۤء و المِثْل الذي ليس كمثله شئ بكسر الميم و سكون الثاۤء لأن الله سبحانه خلقه آية له لايدلّ علي غيره تعالي و لايدلّ علي نفسه و لو كان مثله شئ لدلّ عليه و لو دلّ علي غير الله تعالي لزم التشبيه و ارتفع التوحيد و هذا هو التوحيد الخالص و قد نطلقها و نريد بها اثر المشية الكونية و هو اول صادر من مشية الله و هو الوجود و هو الماۤء الذي جعل منه كل شئ حيّ و هو العنصر الأول لكل محدث و هو نور الأنوار و المادة الأولي التي خلق الله كل شئ من شعاعها و هي بمنزلة القيام فعلي المعني الأول لا اشكال اذ لم‌يكن قبل

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 324 *»

ذلك شئ و علي المعني الثاني فعلي حصر الاصطلاح لأقسام الوجود في الثلاثة الأقسام فهل يكون هذا النور الذي هو اول صادر عن الفعل لاحقا بالمطلق لعدم تقييده بشئ كما لايتقيّد الفعل ام لايكون لاحقا بل هو من المقيّد لانه متوقف علي قابليته و انفعاله و هو غيره فيه احتمالان و قد يستفاد من بعض الأخبار الحاقُه بالأوّل و الله سبحانه اعلم .

قلت و الولاية المطلقة .

اقول المراد بالولاية المطلقة السلطنة العامة لكل شئ دخل في ملك الله سبحانه في كل ما تتعلق به ارادة الله سبحانه و المعني فيها مثل ما قبلها لأن الحقيقة المحمديّة و الولاية المطلقة اسمان علي معني واحد عندنا و انما يختلف مفهومهما بالاعتبار .
قلت و الازلية الثانية .

اقول نريد ان هذه المرتبة ( الرتبة خ‌ل ) هي الرتبة الثانية عند ملاحظة التقسيم و حيث كانت الأولي هي الأزلية الأوّليّة كانت الثانية هي الأزلية الثانية و اما قول علي عليه السلام انا صاحب الأزلية الأوّلية ، فيحتمل ان يراد منه الأوّليّة الاضافيّة لأنّ الآزال كثيرة و كلها حادثة فاذا اطلق الأزل احتمل احدها بخلاف ما لو قيل ازل الآزال فانه لايراد منه الّا الواجب الحق عز و جل و ان يراد منه الأوّليّة الحقيقيّة و يكون المعني انا الذي ولايتي ولاية الله .

قلت و عالم فاحببت اَن اعرف .

اقول اشارة الي قوله تعالي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف ، فانه تعالي قبل التعريف كان كنزا مخفيا و قد تقدّم الكلام فيه فكان اول ما صدر في الامكان محبّته لأن يعرف فهذا مأخوذ من الحديث .

قلت و المحبّة الحقيقية .

اقول المراد بالمحبة الحقيقية هو عالم فاحببت ان اعرف ، لأن المحبة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 325 *»

تستعمل في الوجوب و هي ذاته و يعرف بالتقييد بالحقيّة و في الامكان الراجح و هي فعله و يعرف بالتقييد بالحقيقية كما هنا فالمحبّة الحقيّة ذاته المقدسة و المحبّة الحقيقيّة فعله و اول صادر عنه كما هنا .

قلت و حركةٌ بنفسِها .

اقول يراد به الفعل لأن معقوله انّه حركة ايجادية و كونه حركة بنفسها علي حدّ خلق الله المشية بنفسها .

قلت و الاسم الذي استقرّ في ظلّه فلايخرج منه الي غيره .

اقول مأخوذٌ من الدعاۤء عنهم عليهم السلام و المراد ان الفعل اسمه تعالي و معني استقرّ في ظلّه تعالي اي انه اقامه بنفسه فهو الاسم و هو الظلّ و الضمير في ظلّه يجوز ان يعود الي الله اي استقرّ في ظلّ الله تعالي و ظلّ الله هو ذلك الاسم و يجوز ان يعود الضمير الي ذلك الاسم و المراد من ظلّه نفسه كما في الحديث يمسك الأشياۤء باظلّتها و يكون المعني علي الاحتمالين واحداً و معني عدم خروجه منه الي غيره انه لاتتكون منه الأشياۤء كما ذهب اليه ضرار و اصحابه و كثير من الصوفية بان الأشياۤء مركّبةٌ من وجودٍ و هو مشية الله و من ماهيةٍ و هي الانيّة و لو كان كذلك لخرج منه الي غيره فافهم الاشارة .

قلت و هو المكنون المخزون عنده .

اقول مأخوذ من حديث حدوث الأسماۤء المروي في الكافي فانه هناك هو هذا و المعني هنا مثل المعني استقرّ في ظلّه .

قلت و صبح الازل .

اقول مأخوذ من قول علي عليه السلام لكميل في قوله نورٌ اشرق من صبح الأزل اي من المشيّة .

قلت و فعل بنفسه .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 326 *»

اقول معناها مثل خلق الله المشية بنفسها .

قلت و عالم الامر .

اقول عالم الأمر مقابلُ عالم الخلق من قوله تعالي الا له الخلق و الأمر تبارك الله ربّ العالمين و الأمر هنا في الآية يحتمل معناه الظاهري اي مردّ الأمور كلها في الغيب و الشهادة و الدنيا و الآخرة الي حكمه و يحتمل ان يراد به المشية و يحتمل ان يراد به الحقيقة المحمدية و قوله تعالي و من آياته ان تقوم السماۤء و الارض بامره و قول الصادق عليه السلام في الدعاء كل شئ سواك قام بامرك ، يحتمل الأمر فيهما الاحتمالين الأخيرين فان اريد به المشية كان قيام كل شئ به قياما صدوريّا و ان اريد به الحقيقة المحمديّة كان قيام كل شئ به قياماً ركنيّاً كما تقدّم .

قلت و ما اشبه ذلك .

اقول يعني من الأسماۤء التي يسمّي بها هذا الوجود كما اصطلحوا عليه .

قلت و صفة بدئه بنفسه .

اقول اي كيفية بدئه علي حسب ما تدركه الأفئدة المستنيرة بنور الله و هو في نفسه لا كيفية له و لا توصيف لأنهما انما وجدا به فاذا اطلقا تبادرا الي آيته و مثاله و عنوانه الذي في الأفئدة و مع هذا فلايتوجّه ذلك التوصيف اليه بذاته اذ لو صحّ ذلك في عنوانه صحّ فيه لانه انما يعرف به و انما يتوجه اليه من حيث متعلقه فانه تجري عليه الكيفية و التوصيف كما تعتبر الكثرة و التعدد في الحركة عند الكتابة باعتبار تعلّقها بالحروف و الا فهي في نفسها بسيطة و تسمّي جهات التّعلّق بالمتعلقات رؤساً و وجوها فلذلك نعتبر لها باعتبار تعلّق رؤسها ما يجري علي متعلقاتها .

قلت ان اللّه سبحانه قبض من رطوبة الرحمة بتلك الرطوبة نفسها بها .

اقول يعني انه تعالي قبض و قبض فعل منه من رطوبة الرحمة و هذه الرطوبة هي نفس قبض و لهذا قلت بتلك الرطوبة ، لأن قبض هذا هو الفعل المقبوض به ففسّرته بقولي بتلك الرطوبة و قولي من رطوبة الرحمة اعني

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 327 *»

المقبوض منه و فسّرته بقولي بتلك الرطوبة فقولي بتلك الرطوبة تفسير لقبض اعني المقبوض به و المقبوض منه فقبض فعل مقبوض به و مقبوض منه لأن قبض هو نفس تلك الرطوبة المقبوض بها و المقبوض منها و لما كانت العبارة ضيّقة ربما يتوهم ان مِنْ في قولي من رطوبة الرحمة للتبعيض او للابتداۤء فيلزم علي الحالين ثبوت رطوبة الرحمة قبل قبض و انا اريد ان رطوبة الرحمة هي نفس قبض رفعت ذلك التوهم بقولي بتلك الرطوبة نفسها و بيّنت ان المقبوض منها عين المقبوض بها بلا تغاير الا في التعبير لضيق الألفاظ عن ذلك المعني فبيّنتُه بتاكيدي بقولي بها ، لئلايتوهم انها في ذاتها باعتبار مأخوذ بها و باعتبار آخر مأخوذ منها او هي مأخوذة بل مرادي انها بلحاظ واحد و اعتبار واحد مأخوذ بها و مأخوذ منها و مأخوذة يعني قبضت بها فلم‌يكن لها تحقق و لا ثبوت و لا ذكر في مرتبة من مراتب الوجود مطلقا قبل قبضها بها فافهم.

قلت اربعة اجزاۤءٍ بها .

اقول مفعولٌ لقبض و ان المعني في هذا هو عين المعني الأول يعني ان الأربعة الأجزاۤء هي القبض و المقبوض و المقبوض به و المقبوض منه بلا تغاير حتي في الاعتبار و قولي بها اي بالأربعة الأجزاۤء التي هي حقيقة قبض اي رطوبة الرحمة فان قبض هو تلك الرطوبة و هو تلك الأربعة الأجزاۤء و لهذا قلتُ بها ، فكل هذه الألفاظ المتعددة معناها شئ واحد لذاته لا تعدّد فيه لا في نفس الأمر و لا في الخارج و لا في الذهن و انما توجّه الفؤاد في هذه الألفاظ المتعددة الي المعني البسيط باعتبار تعدّد تعلّقه فافهم .

قلت و من هباۤئها به جزءاً به .

اقول يعني انه قبض ذلك الفعل الذي به قبض الرطوبة المذكورة التي هي ذاته من هباۤء الرحمة اعني يبوستها و هي الرطوبة المذكورة بهذا المقبوض به و منه جزءاً بذلك الجزء الذي هو نفس الأربعة المذكورة سابقا فالرطوبة نفس اليبوسة و الأربعة عين الواحد و انما اختلفت ( اختلف خ‌ل ) اسماۤؤها باعتبار الآثار المختلفة و لايتوهم ( لاتتوهم خ‌ل ) ان هذا شئ ممتنع و لاتدركه العقول

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 328 *»

فانّك تسمّي زيداً عالماً و نجّاراً و خيّاطاً و كاتباً و ليست هذه الأسماۤء المختلفة واقعة علي متعدّد في ذاته لأنه هو العالم هو النّجّار هو الخيّاط هو الكاتب و ليس مرجع هو مختلفاً متعددا و لكن بالآثار تكثّرت اسماۤء صفاته و ليس تكثّر ذواتها ذواته و انما سمّي بها باعتبار آثارها و كذلك انت سميع انت بصير انت قدير و ليست القدرة فيك شيئاً متميّزاً غير البصر او هو غير السمع بل يقال انت و انت لست ( ليس نسخه . م . ص ) بصفة من صفاتك و انما هي لك فانت انت لا غيرك و سمّيت بها باعتبار الآثار و الي هذا المعني اشار علي عليه السلام بقوله و كمال توحيده نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انّها غير الموصوف الخ ، فمن فهم ما اشرت اليه فهم كلامه عليه السلام و الا فلا و ما اشرنا اليه من هذا النحو فان الوجود المطلق ليس شئ ( شيئاً خ‌ل ) في الامكان و لا من الممكنات ابسط منه اذ كل ما سواه منه ( فبه خ‌ل ) كان و عنه صدر فلايتعدد و لايتركب لأن التعدّد و التركيب محدثان به .

قلت فقدّرهما بهما في تعفين هاضِمتهما .

اقول فقدّر الجزئين اعني الأربعة الأجزاۤء الرطبة و الجزء اليابس بهما اي بذينك الجزئين لأنّهما هنا نفس قدّر الذي هو فعل التقدير علي نحو ما تقدّم و المراد بهذا التقدير هو تقدير الحدود الفعلية و الهندسة الايجادية و هي عين هذا المقدّر و قولي في تعفين هاضمتهما ، اريد به انه لما اجتمعت الرطوبة و اليبوسة التي هي منشأ الحرارة حصل بهما التعفين لأن كل مكوّن لا بدّ له من تعفين بنسبته و التعفين لايكون الا بالحرارة و الرطوبة فان كان المكوّن مركباً كالمفاعيل تعدّدت الجهات فيه و تكثّرت و ان كان بسيطاً مطلقاً كما في الفعل اتّحدت جهاته و احكام الجهات انما تطلق عليه باعتبار متعلقاته عند تعلقه بها كما مرّ و لما كان كل مكوّن لا بدّ له من التعفين كما برهن عليه في الحكمة الطبيعية و كان هذا التقدير مكوّناً بنفسه وجب ان يكون له تعفين يفرض سبقه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 329 *»

عليه بيّنت ذلك بقولي في تعفين هاضمتهما اعني انّ هاضمة تعفين هذا التقدير حين تحققت في نفسها تحققت بهذا التقدير لأنّها عينه بلا مغايرة و ان فرض سبقها عليه كما هو في متعلق الفعل من ساير المفعولات فقلت في تعفين هاضمتهما ، اريد انه قدّر فيها لأنها هو و المراد بهذه العبارة اذا كانت في المفعول ان اجزائه تنحل بعضها في بعض حتي تكون بطبخ الحرارة و الرطوبة شيئاً واحداً لا اختلاف فيه و الفعل لما كان شديد البساطة الحق احكام متعلقاته به في الاعتبار الفؤادي لا في الواقع الخارجي لشدّة بساطته فيه و انما ذكرت سابقاً ان الرطوبة اربعة اجزاۤء و اليبوسة جزءٌ واحد لأن الاجزاۤء الرطبة لو كانت اقل كان الغالب علي الماۤء الغلظة و لايصلح لاستعماله عبيطا فان الماۤء كما تحتاج اليه الاشياۤء في الأغذية التي هي مواد وجودها كذلك تحتاج اليه في الشرب الذي هو مزاج تلك الأغذية فلو قلّت الأجزاۤء الرطبة لم‌يكن ماء و لو زادت لم‌تحصل المشاكلة يعني انا نريد ان يكون بين الماۤء و التراب مشاكلة ليحصل التأليف للغذاۤء منهما و المشاكلة انما تحصل في الماۤء للتراب اذا انحلّ فيه شئ من التراب فانه اذا انحل فيه وافق التراب في تركيب الغذاۤء كما يأتي و الحالة المعتدلة في تركيب الماۤء ليشاكل التراب و لاينفرّ ( لاينفر نسخه . م . ص ) منه ان ينحلّ في الأربعة الأجزاۤء الرطبة جزء من التراب فاذا زادت الرطوبة ضعفت المشاكلة و ان نقصت ضعف جانب المائية و انما حصل الاعتدال في الأربعة لسرّ ظهر آثاره في الموجودات لايسهل بيانه الا بذكر اشياۤء لم‌تتم الا بذلك مثل الزوج له اربع نساۤء في الحال التام الذي يغلب فيه حصول العدل و لو زادت غلب عدم العدل و لهذا انما حصل الزايد عليهن في النبي صلي الله عليه و آله لعدم حصول حيف في طبيعته و مع هذا فاَعانه الله بقوله ترجي من تشاۤء منهن و تؤوي اليك من تشاۤء الآية ، و منع عنه الائمة عليهم السلام للمشاركة للرعية و مثل كون الأشياۤء اربعة للشئ الواحد فان الوجود يدور علي خلق و رزق و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 330 *»

حيوة و ممات و هو واحد و الانسان واحد و طباۤئعه اربع و العرش مربع و البيت المعمور مربع و الكعبة مربعة كما في الحديث و الكلمات التي بني عليها الاسلام اربع سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و احرف الاسم الأعظم اربعة التوحيد و النبوة و الامامة و الشيعة و البسملة التي فيها سرّ القرآن و فاتحة الكتاب اربعة الله و الرحمن و الرحيم و اسم و ان شئت قلت بسم الله الرحمن الرحيم و هي واحدة و الحاصل ربما تتوهم ان هذه الأمور انما هي مناسبات لايبتني عليها اسرار الخليقة و اقول ليس كذلك و لكن لما لم‌يمكن بيان السرّ في نفسه الذي حصل عنه الأربعة قيل انها مناسبات و هي حكم سترها الله سبحانه بحجب من الغيوب و اظهر آثارها في خلقه و جعل الآثار دالّة علي الأسرار قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الألباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا.

قلت فانحلّٰا بهما و انعقَدٰا بهما و تَراكمٰا بهِمَا .

اقول يعني انّ الأجزاۤء الرطبة و الجزء اليابس انحلا اي ذاب كل منهما بالآخر الذي هو نفسه حتي كان الاثنان واحدا علي فرض حكم المتعلق و انعقدا كذلك اي جمدا كناية عن قيامهما بانفسهما و تراكما كذلك اي اجتمع كل شئ منه بكل شئ منه ، مثاله كالهواۤء الذي جذبه من يريد الكلام الي جوفه فيجمعه في المخارج و هو كناية عن حلّه ثمّ يقطع الحروف و هو عبارة عن عقده ثم يركّب الكلام و هو عبارة عن تراكمه و الحاصل معني جميع ما سمعت هو انه احدث الفعل بنفسه بغير اعتبار تعدّد فاذا اردت تفصيله علي فرض ما لو كان مركبا فهو كما سمعت و علي لحاظ عدم تركيبه فكما عبّرنا به من اتحاد المقبوض به و المقبوض منه و القبض و هكذا الي آخره .

قلت و هذا هو المشِيّةُ و هو المسمّي بتلك الاسماۤء المتقدّمة .

اقول يعني هذا هو الوجود المطلق و هو الوجود الراجح و الامكان الراجح الذي ذكرنا كيفية بدء متعلقه و نسبناها له لما بين المتعلق و بين التعلق من المناسبة و لما بينهما و بين الفعل من مشابهة الصفة الفعلية فان كل اثر يشابه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 331 *»

صفة مؤثره التي عنها صدر .

قلت و لهذا المقام في تزييل الفؤاد اربع مراتب .

اقول لهذا المقام اي للوجود المطلق و الامكان الراجح و السرمد في تزييل الفؤاد اي في تمييزه و تقسيمه و تفريقه فان غير الفؤاد من المشاعر و المدارك لاتدرك شيئا و لا حالاً من نحو هذا المقام من السمع ( مثل السمع نسخه . م . ص ) و البصر و الخيال و العقل لأنها انما تدرك المكيّفية المحدودة بحدود الحسيّة ( انما تدرك المكيّفة المحدودة بحدودها الحسية نسخه . م . ) او الخيالية او العقلية بخلاف الفؤاد فانه يدرك الشئ مجرداً عن كل سبحاته و عوارضه الذاتية و العرضية و لهذا جاز استعماله في هذا المقام البسيط العاري عن كل ما سوي محض ذاته و انما قسّمه الي اربع مراتب باجراۤء احكام متعلقاته عليه كما مرّ فانه لما اعتبر آثاره التي تشابه حدود ذواتها صفته و تعريفه و وجدها خرجت في هذه الأربعة المراتب و قد قال عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق الخ الآية ، حكم علي هذا المقام بتلك الأحكام و ان كانت باعتبار متعلقاته لا باعتبار ذاته و ذلك لأنّه وجده كلمة من الفاعل و الكلمة اذا اعتبرها في نشوها و بدئها وجدها كذلك اي في هذه الأربع المراتب ( مراتب نسخه . م . ص ) فاجري عليها حكمها لأنه ( لأنها نسخه . م . ص ) آية تعريفها و هي ايضا كلمة الله فكما ان المتكلم يأخذ بحركة جوفه من الهواء اربعة اجزاۤء رطبة اي حبة ( حية نسخه . م . ص ) لصلوحها لصوغ الحروف و كونها اربعة لأنها هي نسبة المادة الأولي الي الصورة التي هي جزء واحد بالنسبة الي المادة يعني ان صورة الحروف من ترتيبها و حركاتها بالنسبة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 332 *»

الي مادتها واحد من اربعة كما اشرنا اليه سابقا مما يطول بيانه و يخفي برهانه و يصوغ ذلك الهواۤء المأخوذ حروفا بعد حلّه بتسهيله في المخارج و اعطائه الأصوات منه اي من الهواۤء بها اي بتلك الآلات الفاعل بها من حركة اللسان و الشفة و الأسنان و اللهاة ثم يركّبه كلمة فالمرتبة الأُولي الهواۤء المأخوذ الي الجوف و الثانية حلّه و مدّه الفا من الجوف الي الفضاۤء و هو المسمّي بالنَّفَس الرحماني في كل شئ بنسبته و الثالثة صوغه حروفا و الرابعة تركيبه كلمة تامة مفهمة فكما ان الكلمة اللفظية التي هي فعل منك لاتتم الا بهذه المراتب الأربعة كذلك الكلمة الفعلية التي هي قول من الله لاتتم الا بهذه الأربع المراتب فالكلمة اللفظية آية بيان الكلمة الفعلية.

قلت فالاولي الرحمة و النقطة و السرّ المستسرّ و السرّ المجلَّل بالسرّ.

اقول يعني فالمرتبة الأولي بالنسبة الي توصيف المشية الرحمة مأخوذ من قوله تعالي و هو الذي يرسل الرياح بشري بين يدي رحمته يعني ان الرحمة سابقة و الرياح علامة حصولها و بشري بين يديها فاوّل التعيّن و الذكر الرحمة السابقة التي هي علة الامكان و علة الأكوان و يسمّي ايضا بالنقطة بملاحظة كون الكتاب التدويني مطابقا للكتاب التكويني و بالعكس و الكتاب التدويني اول ما صدر منه بسم الله الرحمن الرحيم و اوّلها الباۤء و اول الباۤء النقطة لأن الكاتب اوّل ما يكتب ان يضع القلم علي القرطاس فتحدث به النقطة ثمّ يجرّ القلم فتحدث الباۤء و هذه النقطة صورتها النقطة تحت الباۤء و كونها تحت الباۤء كناية عن كونها حاملة للباۤء اي متقوّمة بها و اخذ لكل اصل اسم النقطة و من هذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا النقطة تحت الباۤء ، و السّرّ المستسر و السّرّ المجلل بالسّرّ ، مأخوذ من قول الصادق عليه السلام ان امرنا هو الحق و حق الحق و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السّرّ و سرّ السّرّ و سرّ مستسرّ بالسّرّ و سرّ مقنع بالسرّ و في رواية و سرّ مجلل بالسرّ و معني المجلل و المقنّع واحد و يراد بهما هذه الرتبة من الفعل فهذه الأسماۤء الأربعة لهذه الرتبة من الفعل.

قلت و الثانية الرياح و النفَسُ الرحماني الاوليّ بفتح الفاۤء المشار اليه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 333 *»

بالانحلالِ .

اقول يعني الرتبة الثانية تسمّٰي بالرياح من قوله تعالي و هو الذي يرسل الرياح بشري بين يدي رحمته و يسمّي النّفَس الرحماني بفتح الفاۤء الأوّلي لأن اطلاق النّفَس الرحماني في اصطلاحهم يختلف باختلاف اماكنه فالأوّلي هنا كالألف في التلفظ بالكلمة فانه يمتد من الجوف الي الفضاۤء و منه تقطع الحروف و هذا و ان لم‌يكن كذلك لأنّ الألف تقطع منه الحروف من ذاته او من صفات ذاته  علي الاحتمالين و لايصلح مثالاً للفعل لأن المفعولات لاتقطع من ذات الفعل و لا من صفة ذاته و انما يصلح الألف اللينية مثالا للنّفَس الرحماني الثانوي الذي هو الرتبة الثانية من اول صادر من الفعل اي الموجود ( الوجود نسخه . م . ص ) المعبّر عنه بالعنصر الذي منه خلق كل شئ و بالماۤء الذي منه كل شئ حيّ نعم اذا اراد ( اريد نسخه . م . ص ) بالحروف المصاغة من الألف الذي هو النّفَس الرحماني الأوّلي رؤس المشيّة و وجوهها المتعلقة بالمشاءات الجزئية صلح مثالا لذلك فالنّفَس الرحماني الساري في الأشياۤء بالقيومية الصدورية هو هذا و هو الأوّلي او الكلمة بعد اعتبار تمامها ( اتمامها خ‌ل ) او انه سارٍ في وجوهها بالقيّوميّة الركنية و اما النفَس الرحماني القاۤئم في الأشياۤء بالقيومية الركنية فهو الألف الثانوي الذي هو اول صادر من الفعل و قولي المشار اليه بالانحلال الأوّل ، اذا ( بالانحلال ، اذا نسخه . م . ص ) لاحظ فيه ما ثبت في العلم الطبيعي من انّ كل مكوّن لا بدّ فيه من حلّين و عقدين فالهواۤء المأخوذ للكلمة اللفظية يحلّ من الجوف الفاً ممتداً الي الفضاۤء ثمّ تقطع حروفا و هو العقد الأول ثمّ تبسط للتركيب و هو الحلّ الثاني لاعتبار مناسبة بعضها لبعض و ملايمتها له و عدم منافرتها ثمّ يركب هذا المحلول الثاني كلمة و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 334 *»

هو العقد الثاني كذلك في الكلمة الفعلية فاوّلها ( فاوّلهما خ‌ل ) الرحمة ثمّ يمتد الفا و هو الحلّ الأوّل و هو الرياح في الآية الشريفة و هو الذي يرسل الرياح كما مرّ ثمّ تقطع حروفا و هو السحاب المزجٰي و هو العقد الأوّلي ثمّ يحلّ لمناسبة التأليف كما اشرنا اليه في الكلمة اللفظية ثمّ تركيب ( تركب نسخه . م . ص ) الكلمة التامّة و هو العقد الثاني فاشار بامتداد الألف و ارسال الرياح الي الحلّ الأوّل و هو قولي المشار اليه بالانحلال الأوّل اي الحلّ الأوّل .

قلت و الثالثة الحروف المشار اليها بالانعقاد الاوّل و هو السّحاب المُزْجٰي المُثَار من شجر البحر .

اقول المراد بالحروف هنا بمعني الأجزاۤء المفروضة فيه باعتبار متعلقه كما في الكلمة اللفظية و ما يعتبر فيها من الحروف المقطعة من الألف امّا انه يشار اليها بالانعقاد الأول فذلك لازم لاعتبار كل من التأليف الاعتباري و الحقيقي كل بحسبه لأنّها صيغت حروفاً متمايزة من الألف بعد ان كانت نفساً منبثا و اما انها هو السحاب المزجٰي فلملاحظة كون تلك الكلمة سحاباً متراكما كما في التشبيه عند سوقها و توجهها الي موات ارض القابليات فاذا مثّلت بالسحاب كما في تأويل الآية اعني و هو الذي يرسل الرياح بشري بين يدي رحمته حتي اذا اقلّت سحاباً ثقالا سقناه الي بلد ميت فانزلنا به الماۤء الخ ، و ذلك حين تراكمها الذي هو عبارة عن تمامها كانت قبل التمام و التركيب تمثّل بالسحاب المزجي الذي هو اول نشوه فانه ينشؤ بخاراً من شجر في البحر و المراد ان الأبخرة التي تجذبها اشعة الشمس حال دورانها تحدث منها حين صعودها اوضاعا كالشجر و المراد من البحر بحر البخار الصاعد باشعة الشمس و الحاصل السحاب المزجٰي هو ذلك البخار الصاعد قبل التأليف كما قال تعالي يزجي سحابا ثمّ يؤلّف بينه فالبخار الصاعد في السحاب بمنزلة الحروف المقطعة في الكلمة و السحاب المتراكم بمنزلة الكلمة بعد التأليف و دلالة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 335 *»

الكلمة علي المعني بمنزلة نزول الماۤء من السحاب و وقوع الدلالة من الكلمة علي ما يشاكل صفته من المعني الميت المدفون في النفس بمنزلة وقوع الماۤء من السحاب علي ما يشاكل صفته من النبات الكامن في مادته من الأرض الميتة و للفعل و متعلقه من المفعول الذي مادته من هيئة ذلك الفعل ما للكلمة و دلالتها علي المعني و للسحاب و الماۤء النازل منه و ارتباطه بما يشاكله من لطيف الأرض الميتة التي هي مادة النبات من الصفة و التمثيل اي للفعل ما للكلمة و السحاب من الصفة و التمثيل حرفاً بحرف فلذا سمّي بالكلمة و مثّل بالسحاب كما في تأويل الآية المذكورة سابقاً و غيرها .

قلت و الرابعة السحاب المتراكم و الكلمة التّاۤمّة و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و الكاف المستديرة علي نفسِها .

اقول المراد بالسحاب المتراكمِ المشيةُ بلحاظها متعلقة بمفعولها لأنها حينئذٍ لاتعتبر فيها الاعتبارات الأُول كما انّ السحاب المتراكم لايلحظ فيه جهة البخار و صعوده و انعقاده و لهذا قلنا الكلمة التامة هي التي لايلحظ فيها تقطيع الصوت و تأليفه و هي ايضا الكلمة التي انزجر لها العمق الأكبر اي التي انفعل و انقاد و هو اذا اريد بها المشية الامكانية العمق الأكبر الحقيقي الامكان الراجح و اذا اريد بها الكونية فهو الممكنات و جميع الأكوان و هو العمق الأكبر الاضافي و الامكان المساوي المقيّد و الكاف المستديرة علي نفسها تقدّم بعض بيانها .

قلت و هذه المراتب انما تَعدّدَتْ باعتبار التفصيل الفُؤادي في كشفه .

اقول انما تعددت هذه المراتب في مراتبها في نفسها بالقياس الي هيئة تعلقاتها بمتعلقاتها لما بينهما من المشابهة كما بين حركة يد الكاتب و بين الحروف من المشابهة في الهيئات و ذلك باعتبار كشف الفؤاد لا في نفسها لأنّها في نفسها في كمال البساطة الامكانية و لهذا

قلت : و الّا فهي شئ واحد بَس۪يط ليس في الامكان ابسط منه .

اقول انه في نفسه بسيط لعدم وجود شئ قبله يصلح ان يكون جزء

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 336 *»

يتركب منه اذ كل شئ فرض فهو من آثاره فلاتتركب ( فلايتركب نسخه . م . ص ) مما هو من آثاره و كل ما يتميّز في الأوهام او يتصوّر في النفوس او يتعقل بالعقول فهو من اثره او اثر اثره و قولي ليس في الامكان ابسط منه ، لاخراج الواجب تعالي و لاخراج عنوانه لأنّه و ان كان من الممكنات لكنه لايعتبر في الامكان اذ لو اعتبر في الامكان لم‌يعرف الواجب تعالي به لأنّه تعالي ليس في الامكان فلايعرف بما في الامكان فلما كان ما سوي الله سبحانه ممكنا و قد خلق هذا العنوان دليلاً وجب ان يلحظ مجرّداً عن الامكان ليعرف به عز و جل .

قلت خلقه اللّه بنفسه فاقامه بنفسه و امسكه بظلّه .

اقول خلق الله ذلك الفعل الذي هو المشية بنفسه اذ لايحتاج في ايجاد الايجاد الي ايجاد آخر لاستغناۤئه بنفسه عن غيره لا لئلايلزم الدور او التسلسل لأن لزوم الدور او التسلسل ليس هو الدليل الذي نشأ عنه ذلك نعم هو دليل في المناقضة لابطال دعوي المخالفة و كما كان مخلوقاً بنفسه لا بفعل آخر كذلك كان قائما بنفسه لا بشئ آخر اذ ليس شئ غيره الا الفاعل تعالي و الفعل لايقوم بالفاعل قياماً ركنيّا لأنه المراد هنا نعم هو قائم به قياماً صدوريّا لكن نريد بالقيام هنا القيام الركني و كذلك المعني في امسكه بظلّه يعني انه تعالي امسك الفعل بظلّه و الضمير في بظلّه يعود الي الله سبحانه و يكون المراد منه نفس ذلك الفعل كما في الدعاۤء و باسمك الذي استقرّ في ظلك فلايخرج منك الي غيرك ، اذ المراد بالظلّ نفس ذلك الاسم و ان قلت ان الضمير يعود الي الفعل جاز و المراد به نفسه و يعود المعني كالأوّل كما في الدعاۤء يمسك الأشياۤء باظلتها اي بانفسها و المراد انه تعالي يمسك كل شئ بمادة ذلك الشئ اذ كل شئ انما يتقوم بمادته و هي في كل شئ بحسبه .

قلت و ذلك في العمق الاكبر علي حدّه الاعلي فهو المحدّد للعمق الاكبر و العمق الاكبر محدّدٌ له لايفضل احدهما عن الاخر .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 337 *»

اقول يعني ان المشية التي هي الفعل اذ لا مشية لله غير فعله لأنّه تعالي لايفكّر و لايهمّ و لايتروّي هي مطابقة للعمق الأكبر الذي هو الامكان و هو مطابق لها لايزيد الامكان عليها فيكون شئ من الامكان لاتتعلق به المشية و لايزيد علي الامكان فتكون قد وقعت علي غير الامكان و ليس غير الامكان الا الواجب تعالي و الواجب عزوجل لاتتعلق به المشية بل هي مطابقة للامكان و هو مطابق لها لأنّها كفوه فالمشيّة آدم الأوّل و الامكان حوّاه.

قلت و هذا هو فعل اللّه.

اقول يعني ان الوجود المطلق هو فعل الله سبحانه و هو الابداع و الاختراع و الارادة و المشية و هذا ظاهر .

قلت و حيثُ علم بالضرورة ان هيئة المفعول من حيث هو مفعول هيئة الفعل كالكتابة فان هيئتها هيئة حركة اليد فعلي حسب هيئة حركة يد الكاتب تكون كتابته وجب ان تكون تلك الجهات المعتبرة في الفعل علي جهة البساطة و الاتحاد تكون بنحوها في المفعول علي جهة التركيب و التعدّد.

اقول يعني انّ هيئة حركة يد الكاتب للألف كهيئة الألف و لايكون بتلك الحركة حرف الباۤء لأن هيئتها غير هيئة حركة كتابة الألف و هكذا ( و هكذا و نسخه . م . ص ) حُسن الكتابة يدلّ علي اعتدال حركة يد الكاتب و بالعكس لأنّ كل اثر يشابه صفة مؤثره القريب الذي عنه نشأ كما مثّلنا بحركة يد الكاتب فانّ هيئة الحرف تشابه هيئة الحركة المحدثة له و هذا ظاهر بقي شئ و هو ان الحركة في نفسها بسيطة لأنّها الانتقال و التوجه الي جهةٍ مّا و هذا صادق علي جميع وجوه الحركة في احداث كل حرف فهي في الحقيقة بسيطة في كمال البساطة و انما تعتبر فيها المغايرة اذا نسبنا بعض الوجوه الي بعض لا في نفسه بل من جهة تعلّقه بمفعوله الذي هو

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 338 *»

الحرف و اما المغايرة في الحروف فهي حقيقية لأن هيئة كل حرف جزء ماهيته بخلاف مغايرة هيئات وجوه الحركة فانها ليست لذاتها لتكون جزء ماهية ذلك الوجه و انما هي لمتعلقها و الذي هو جزء ماهيتها هو الانتقال المبهم المتعين بالتعلّق بالحرف الخاص فان قلت هذا جزء ماهية الفعل الكلي و الكلام انما هو في الجزئي قلت نحن هكذا نريد لأن وجه المشية المختصة بزيد من حيث خصوص زيد و تعلّقها به لاتصلح لعمرو فالمغايرة حينئذٍ حقيقية و التعدد حقيقي لأنه انما يتحقق مع التعلّق الخاص و التعلقات الخاصة متعددة لكن الوجه المتعلق اذا نظرت اليه في نفسه لم‌تجد المغايرة الا اعتبارية اي باعتبار التعلّق و هو الذي اردناه فهو في نفسه لا تكثّر حقيقي فيه و لا تركيب و لا تعدد و الذي نجده منها فهو باعتبار ارتباطه لمتعلقه و نحن لم‌نجرّده عن التعدد و المغايرة باعتبار تعلّقه لأن تعلقه من حيث الفعل واحد و من حيث المفعول كثير كالوجه المقابل للمرايا فان التعدد و الكثرة و المغايرة انما هي في التعلق من حيث المرايا لا من حيث الوجه و لا من حيث خصوص المقابلة لأن خصوص المقابلة و ان كان فيها مغايرة اعتبارية نظراً الي المرايا و جهاتها لكنها بالنظر الي الوجه و الي نفسها ليس كذلك.

قلت و ان اختلفت المفعولات بحسب مراتبها في قوّة التركيب و ضعفه و ظهوره و خفاۤئه و كثرته و قلّتِه و في كثرة التعدّد و قلّتِها و ظهوره و خفاۤئِه.

اقول يعني انّ الفعل علي حال بساطته في حال واحد و ان اختلفت متعلقاته في التركيب في قوته كما في العوالم السفلية الظاهرة و ضعفه كبسائط المركبات كالافلاك بالنسبة الي الأجسام السفلية و في ظهور التركيب كالأجسام و خفاۤئه كالنفوس و العقول حتي ان اكثر الحكماۤء و المحققين انكروا تركيبها بل جعلوها بسيطة الحقيقة حقيقة و الحق انها مركبة للأدلة العقلية و النقلية و هي كثيرة فمن العقلية ما برهن عليه و علم بالضرورة انّ كل مصنوع فله جهتان جهة من ربّه و جهة من نفسه و هذا ظاهر اذ لايعقل مصنوع بدون ذلك و من النقلية مثل قول الرضا عليه السلام لعمران الصابي ان الله تعالي لم‌يخلق شيئاً فرداً قائماً

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 339 *»

بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ه، و في كثرة التركيب كالعوالم السفلية فانها مركبة من كل جهات ما فوقها و في قلّته كالمفعول الأوّل فانه مركب من فعل و انفعال خاصة و في كثرة التعدد و ذلك كالمركبات من المركبات كما برهن عليه في العلم الطبيعي في تركيب الانسان الفلسفي الذي هو انموزج الانسان الآدمي و انه مركّب في اطوار كثيرة و قد قال عزّ من قائل يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة لنبيّن لكم و هذا ظاهر و في قلّتها اي قلة الكثرة يعني ان الكثرة مختلفة المراتب فكثرة كثيرة اي مكررة من كثرات متعددة و كثرة قليلة اي غير مكرّرة من كثرات متعددة بل من كثرة اولية فان قلتَ لمَ لم‌تقل و قلّته قلتُ قد ذكرت قلّة التعدد سابقا و هنا ذكرت قلّة الكثرة فافهم و في ظهور التعدد كالأمور الكلية و خفاۤئه كالأمور الجزئية فانها في الظاهر لا تعدد فيها مثل زيد و في الواقع و في نفس الأمر هو متعدد و لهذا يسمّي الشخص في الواقع ( يسمّي الشخص الواحد نسخه . م . ص ) بالقرية و البيت و ذلك لتعدد امثاله و اوصافه كما في تأويل قوله تعالي لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا و لملئت منهم رعبا و في قوله تعالي و تلك القري اهلكناهم ، و اسئل القرية التي كنّا فيها و امثال ذلك مما يعرفه اهله و اما تعدد اوصافه فكلام زيد و سمعه و بصره و حرارته و برودته و حركته و سكونه و امثال ذلك من طبايعه و قواه و آثاره و احواله كلها مثله لو برزت لك معه لم‌تفرق بينه و بين وصفه الا انّه يستمد عن نفسه و وصفه يستمد عنه فافهم.

قلت لانها في الفعل علي نحو اشرف ليس في الامكان نحوٌ اشرف منه.

اقول لأنّها اي لأن الجهات المعتبرة في الفعل مما فرض من صفة النشو و التعدد و التركيب المشار اليها سابقا علي نحوٍ اشرف ليس في الامكان نحوٌ اشرف منه و ذلك لأنّ تزييل الفؤاد لها كما اشرنا له لم‌يلحقها لذاتها و لو كان

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 340 *»

باعتبار متعلقاتها و انما فرض لحوقها بها باعتبار متعلقاتها في آية معرفتها في النفوس المجردة فان النفس العليا اعني الفؤاد اذا توجه الي معرفتها كان آية لها و دليلا عليها فتظهر فيه امكانات تلك الجهات في لحاظ متعلقاتها و هذا معني قولنا ليس في الامكان اشرف منه و ذلك لتنزه ذات الفعل عن كل ما يفرض لأن تلك المفروضات آثاره كما تقدّم.

قلت و لهذا كان في اكمل مراتب البساطة الامكانية بحيث لايكاد تعتبر فيه جهة تعدُّدٍ الّا من جهة التعلق .

اقول و ما كان من جهة التعلق لايلحقه و لو بواسطة جهة التعلق الّا في جانب المتعلق و في محل الاعتبار اعني الفؤاد لأنّه آية ذلك التعريف كما مرّ مكررا .

قلت و هذا هو الجواز الراجح الوجود و هو الوجود المطلق اي الوجود لا بشرط و هو المشيّة و العزم علي ذلك هو الارادة .

اقول انّ قولنا هو الجواز الراجح الوجود بالنظر الي قولهم في حق الواجب تعالي واجب الوجود و في حق المحدث ممكن الوجود اي جاۤئزة فمعني العبارة الأولي امتناع العدم عليه و معني الثانية تساوي العدم و الوجود بالنسبة اليه و المشية ليست في رتبة الأوّل و لا مساوية للثاني فلذا قلنا انها راجح ( راجحة نسخه . م . ص ) الوجود و علّة مأخذ الراجحية انّ المقتضي موجود و قد اقتضي شيئاً غير مشروط بغير نفسه فكان مطلقاً غير مقيد و ان ( و انما نسخه . م . ص ) لم‌يجب علي المعني المصطلح عليه لكون المقتضي قائماً بغيره قيام صدور فكان بوجود الاقتضاۤء علي جهة التنجيز ( التخيير نسخه . م . ص ) من الغير راجحا و هو مرادنا بقولنا لا بشرط اذ الوجود بشرط شئ و بشرط لاشئ وجود مقيّد و هو من التساوي بكلا قسميه و قولي و هو المشية ، اشير الي ان

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 341 *»

المشية هي الذكر الأوّل بقرينة قولي و العزم علي ذلك هو الارادة ، و ذلك اشارة الي ما في رواية يونس .

قلت و معني انّها خُلِقت بنفسها انّها خلقت لا بمشيّةٍ غيرها .

اقول و هذا ظاهر و قد تقدّم بيانه فلا فاۤئده في اعادته .

قلت و نظيرها ابونا آدم عليه السلام فانّه لم‌يكن من ابٍ و امٍّ غيرِه و انّما كان بنفسه و كان البشر منه بالتناكح و التناسل فكذلك المشية كانت بنفسها من غير ابٍ و امٍّ غيرِها و كانت الاشياۤء منها بالتناكح و التناسل .

اقول انما كان آدم عليه السلام نظيرها لأنّها هي آدم الأوّل و كانت مركبة من مادة و صورة و المادة النور و الصورة هيكل التوحيد و آدم عليه السلام ابوه مادته و امّه صورته فليس له اب و لا امّ غير مادته و صورته كذلك المشية التي هي آدم الأول ليس لها اب و لا امّ الا المعنويين اي المادة و الصورة و انما كانت بنفسها و كما كانت ذرية آدم ابينا عليه السلام منه بالتناكح و التناسل كما هو معلوم كذلك المشية التي هي آدم الأكبر الاول فان ذريته التي هي وجوه المشية الخاصة بكل مصنوع انما نشأت في انفسها من المشية الكلية بتعلق المشية الكلية بالامكان تعلّقاً خاصا كل تعلّقٍ هو منشأ فعل خاص بخصوص ذلك المتعلق و هذا الفعل هو ذلك الوجه الخاص بذلك المتعلق الخاص و هو اي ذلك الفعل هو ابن تولد من الفعل الكلي اي المشية الكلية بنكاحه اي الكلي للامكان و هو اي نكاحه تعلقه بخصوص متعلق لأن وجود المتعلق الخاص شرط لظهور ذلك الوجه الذي هو الولد كما ان ذلك الوجه علة لوجود ذلك المتعلق و يظهر ان متساوقين كالمشية الكلية مع الامكان الكلي فتلك الوجوه الفعلية الخاصة بكل مصنوع تولدت من المشية الكلية بالتناكح و التناسل فالتعلقات الأولية آباۤء و التعلقات المترتبة علي الأوّلية ابناۤء .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 342 *»

قلت و معني قولنا من غير ابٍ و امٍّ غيرِه في ادمَ (ع‌) انّه كان من ماۤدّته و هو الاب و من صورته و هي الام .
اقول معني قولنا من غير ابٍ و امٍّ غيره ، انّ له اباً و اُمّاً لكنهما ليسا مغايرين له حقيقة لأنه عبارة عن مجموعهما و ليس مرادنا انه لا اب له و لا امّ اصلا حتي المعنويين اذ المتكوّن يمتنع ان يتكوّن من غير اصل سواۤء كان سابق الوجود عليه ام مساوق الوجود كما نحن فيه و المشية التي هي آدم الأكبر الأول كذلك و هو قولي و كذا في المشية و انما مثّلتُ بآدم ابينا لأنه المثل لآدم الأكبر و قد قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الألباب ان الاستدلال علي ما هناك لايعلم الا بما هيٰهنا .

قلت و كذا في المشيّة الا انّهما في المشيّة وُجِدا بانفسهما اي وجد كل واحدٍ بنفسه و بالاخر .

اقول يعني ان مادة آدم ابينا عليه السلام وجدت بفعل الله و كذا صورته اي بفعل الله و بالمادة تبعاً لها و اما مادة المشية يعني آدم الأكبر وجدت بنفسها و بصورتها و صورتها وجدت بنفسها و بمادتها لعدم المغايرة بينهما في انفسهما و عدم كون احدهما علةً او معلولا .

قلت و معني ذلك انه وجد مقبوله بنفسه و قابله بالاخر و لا ايجادَ لهما الا بانفسهما و ما سواها اُوجِد مقبوله بالفعل و قابله بالتبعية علي ما نبيّنه .

اقول معني هذا الذي ذكرناه انه وجد مقبوله اي مادته بنفسه و قابله اي صورته بالآخر اي وجدت مادته بصورته لأنها شرط ظهور المادة فوجودها بها وجود صوري و وجدت صورته بمادته لأنها شرط تحقق الصورة و وجودها بها وجود مادي و هذان في المشية وجود كل بنفسه كما مرّ و لهذا قلنا و لا ايجاد لهما اي للمادة و الصورة الا بانفسهما يعني الوجود الحقيقي فوجود المادة بالمادة و الصورة بالصورة و ان وجدا بالآخر في غير المشية

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 343 *»

للمغايرة لكنهما فيها واحد يعني ان قولنا وجد احدهما بالآخر هو معني وجد بنفسه لأنّ الآخر نفسه اي هو بلا مغايرة و لهذا قلنا و ما سواها اي ما سوي المشية اوجد مقبوله اي مادته بالفعل اي المشية و قابله يعني الصورة بالتبعية علي ما سنبيّنه من ان المراد بكون الماهية اعني الصورة موجودة بالتبعية ليس كما قالوا من انها ليست مجعولة و انما المجعول هو الوجود لكنها لما توجه الجعل الي الوجود انجعلت تبعاً لجعله من غير ان تشمّ رايحة الوجود و الجعل الا تبعاً للوجود علي قول بعضهم و لكنا لانريد هذا المعني و انما نريد بالتبعية انها مجعولة بجعل غير جعل الوجود الا انه مترتب عليه بمعني اخذه منه فنسبته الي جعل الوجود كنسبة الماهية الي الوجود اي نسبة الواحد الي السبعين لاشتقاقه منه كاشتقاقها من الوجود و يأتي توضيحه .

قلت و معني ان الاشياۤء كانت منها بالتناكح و التناسل ان الماۤدّة هي الاب و الصورة هي الام علي ما نبيّن لك فنكحت المادّة الصورة علي كتاب اللّه و سنة نبيه (ص‌) فولدت الصورةُ الشئ .

اقول معني كون الأشياۤء بالتناكح من المشية ان المشية انكحت المادة الصورة فنكحت المادة الصورة بانكاح المشية علي ما كتب الله في الكتاب الوجودي اي التكويني يعني علي نحو انشاۤء ( نحو النشأ نسخه . م . ص ) الحكمي المتقن و علي سنّة نبيه لأنه سبحانه اقامه في ساۤئر عالمه ( عوالمه خ‌ل ) مقامه في الأداۤء فهو يؤدّي الي الخلق عن الله عز و جل في التكويني كما يؤدّي عنه في التشريعي فكان التناكح و التأليف و النّموّ علي مقتضي الحكمة التي هي شرع كتاب الله التكويني و سنّة نبيه عليه السلام كذلك لأنّ الله عزوجل يوجد علي سنّة الحكمة و يكتب المفعولات علي ما هي عليه في نفس الأمر و الواقع و كون ذلك واصلاً الي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 344 *»

المفعولات بواسطة نبيّه صلي الله عليه و آله هو معني سنّته و هو التلقي من الخالق و الأداۤء الي الخلايق فلما نكحتِ المادةُ التي هي الأب الصورةَ التي هي الأم تميّزت الاشياۤء بصورها اي في بطن امّهاتها لأن الصورة هي الأمّ كما يأتي فولدت الأم التي هي الصورة الشئ المتكوّن من المادة و الصورة .

قلت و المشيّة هي ادمُ الاوّل (ع‌) و حوّاۤؤُه هي الجواز و هي كفؤه لاتزيد عليه و لاتنقص عنه كما اشرنا اليه سابقاً فافهم .

اقول و ذلك لما ورد ان الله سبحانه خلق الف‌الف عالم و الف‌الف آدم انتم في آخر تلك العوالم و اولئك الآدميين و في بعض الأخبار لم‌يخلق منها شئ من الطين غيركم و اشارت الأخبار الي ان المراد منها الأطوار و العوالم و يعلم من ذلك ان اوّل تلك الآدميين المشية و حوّاۤء ذلك الآدم هو الجواز و الامكان بقول مطلق يعني ان اريد به المشية الامكانية فالمراد بالجواز حينئذٍ الامكان المطلق الراجح و ان اريد به المشية الكونية فالمراد بالجواز حينئذٍ المقيّد المتساوي و ان تفاوتت مراتبه في السبق الا انها يجمعها كلها الوجود بشرط شئ و قولي و هي كفوه ، معناه انها لاتزيد عليه و لاتنقص عنه و معني هذا كما تقدّم انه لايكون شئ ممكن لاتتعلق به المشية و لايكون شئ من المشية خارجة عن الامكان اذ خارج الامكان ليس الا الوجوب و الوجوب لاتتعلق به مشية ( مشيته خ‌ل ) .

قلت و هذا هو النّار المشار اليها في قوله تعالي و لو لم‌تمسسه نار فمكانه الامكان و وقته السّرمد .

اقول هذا في التاويل هو النار المذكورة في القرءان المجيد يعني ان الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله التي هي الزيت في الآية تكاد ان تخرج في الكون قبل التكوين و ذلك لشدّة قابليتها و قربها من مقام المشية فمثّل للمشية بالنار و للحقيقة المحمّديّة بالدهن و للعقل الكلي المتكوّن من تعلّق

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 345 *»

المشية بالحقيقة المحمّديّة بالمصباح المتكوّن من تعلق النار بالدهن و وقت الفعل هو السرمد و اما اول فائض من الفعل بل و ارض الجرز اللذين هما قبل العقل فعلي احتمال انهما لاحقان بالسرمد لتقدّمهما علي العقل الذي هو مساوق لأوّل الدهر و علي احتمال انهما من الدهريّات لأن السرمد انما هو وقت للفعل و هما من المفعولات لا من الفعل و علي احتمال انهما برزخ بين السرمد و الدهر فيكون وجههما في السرمد و فعلهما في الدهر .

قلت فهو للسرمد كالاطلس للزمان فكما انه ليس محدّبه في مكان و لا زمان و انما المكان و الزمان انتهيا به لم‌يتخلف احد من هذه الثلاثة عن الاخر و كلّما قرب من محدّبه من الجسم و الزمان و المكان لطف و رقّ و كلّما بعُدَ منه كثف و غلظ .

اقول فهو اي المشية بالنسبة الي السرمد كالفلك الاطلس بالنسبة الي الزمان فكما ان محدّب الفلك الأطلس ليس في مكان لأنه محدّد الأمكنة و الجهات و لا في زمان لأن الزمان لايكون الا ظرفا للجسم و ليس وراۤء محدبه جسم ليكون ما خرج من الزمان عن محدبه ظرفا له و هذا هو الحق في هذه المسئلة التي تسافلت دونها عقول الحكماۤء و انحطّت عنها افهام العلماۤء و لقد كثرت فيها الأقوال و اختلفت و تنافرت فيها الآراۤء و اضطربت و الحق هذا و هو ان المكان و الزمان ظرفان للجسم و هما من مشخصاته و المشخصات حدود الماهية و اجزاۤء القابلية و الحدود و الأجزاۤء مقوّمات للشئ فهي جزء ماهيته و لايمكن ان يوجد جسمٌ بلا مكان و لا زمان و لا مكانٌ بلا جسم و لا زمان و لا زمانٌ بلا جسم و لا مكان فكل واحدٍ شرطٌ للآخرَيْن مقوّم لهما فيجب بحكم هذه القواعد الضرورية ان تكون الثلاثة متساوقة اذا وجد واحد وجد الاثنان و اذا فقد فقدا و هذا معني قولي و انما المكان و الزمان انتهيا به لم‌يتخلف احد من هذه الثلاثة عن الآخر و اعلم ان الأجسام علي ثلاثة اقسام: قسم لطيف جدّا تقرب لطافته من عالم المثال كمحدب الفلك الأطلس و قسم كثيف جدّا كالمركبات السفلية مثل الحجارة و التراب الكثيف و قسم متوسط بينهما

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 346 *»

كالأفلاك السبعة و حيث كان مشخصات كل شئ من نوعه في اللطافة و الكثافة و كان المكان و الزمان من المشخصات كما تقدّم وجب ان يكون مكان محدّب محدّد الجهات و زمانه المتساوقين له كما مرّ الطف ما يمكن فيهما بحيث لايبقي لهما وجود فيما فوق ذلك و هما في الافلاك الباقية متوسطان و في الأجرام السفلية كثيفان غليظان كل شئ منهما بحسب ما يشخّصانه و في دليل الحكمة دليل هذا فان سرعة حركة الفلك الأطلس و توسط حركة الأفلاك و بطؤ المتحركات السفلية ذلك و اما فلك الثوابت فبطؤ حركته لكثرة تصادم الحركات المتعددة فيه اذ لكل نجم حركة بخصوصه حركة تدوير او حركة حامل و الذي يقوي في نفسي ثبوت افلاك التداوير لها و بهذه النسبة تعتبر المجرّدات فان الدهر وقتها و هو في العقول كما في المحدّد الطف منه في النفوس كما في الأفلاك السبعة و شدّة كثافته و غلظه في الطبايع و جواهر الهباۤء كالاجرام السفلية فاذا عرفت هذا في الزمان و في الدهر فاعلم ان السرمد ليس فيه تعدّدٌ و لا تغاير فاعتبار التفاوت بالنسبة الي وجوه المشية انما هو باعتبار تعلّقها بمتعلقاتها علي نحو ما ذكرنا و انما ذكرنا هذا التقسيم و التفاوت في الأجسام علي جهة الحقيقة لتعرف هذه النسبة هناك علي جهة الاعتبار و قد اشار تعالي الي شدّة لطافته في قوله تعالي يكاد زيتها يضئ و لو لم‌تمسسه نار و لم‌يكن هذا في ساير الحوادث .

قلت كذلك هذا الوجود اي الجواز الراجح كلّما قرب من نفسه من الفعل و الامكان و السّرمد لطف و رقّ حتّي يكاد يخفي عن نفسه و حتّي يكاد يظهر في كل شئٍ .

اقول يعني انّ هذا الوجود الراجح اعني المشية كلما قَرُبَ من نفسه اي من لحاظ العليّة من الفعل و الامكان و السرمد و مِنْ هنا بيانية اي كل واحد من الفعل و من الامكان الذي هو مكان الفعل و من السرمد الذي هو وقت الفعل

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 347 *»

قرب من نفسه اي من جهة لحاظ عليّته لنفسه لَطُفَ و رَقّ اي لم‌يجد نفسه حتي يكاد يخفي عن نفسه اي لايشعر بنفسه لكمال فناۤئه في وجه بقاۤئه و لم‌يجد نفسه حتي يكاد لايخفي عن شئ من آثاره لكمال ظهوره بها لها .

قلت و كلما بَعُد عن نفسه منها غلظ اي ظهر حتي يكاد يظهر في المفعولات و حتّي يكادَ يفقد منها .

اقول و كل واحد من الثلاثة بَعُدَ عن نفسه اي عن لحاظ عليّته لنفسه منها اي من الثلاثة غَلُظَ يعني ظهر حتي يكاد يظهر في المفعولات التي هي آثاره بالكلية او الجزئية اي الركنية اي حتي يقال ان هذه الأشياۤء هي ذاته و لأجل عدم ملاحظة بعض الصوفية كضرار و اصحابه لعليّته لنفسه قالوا هو جزء الأشياۤء و ركنها الأعظم و ان الأشياۤء مركبة من وجود هو الفعل و من ماهية هي الحدود و المشخصات و ظهر ايضا حتي يكاد يفقد منها اي لايكون علة لها و ذلك عند عدم ملاحظة عليّته لنفسه التي هي عليّته لغيره لأنّ عليّته لنفسه عين عليّته لغيره فاذا لم‌تلاحظ لم‌تعرف المعلولية في المفعولات اذ لاتعرف الا بملاحظة عليّة العلة .

قلت فالامكان و السرمد انْتهيَا به .

اقول يعني انهما انتهيا به و انتهي بهما و انتهي كل واحد منهما بالآخرَيْن.

قلت و كما ان المحدّد و المكان في الزمان و هو و المحدد في المكان و الزمان و المكان في المحدّد اي كلّ واحدٍ من الثلاثة حاوٍ للاثنين كذلك الفعل و الامكان و السرمد كل واحدٍ منها حاوٍ للاثنين الاخرَيْنِ و كل واحدٍ منتهٍ بالاخر من الثلاثة .

اقول هذه الكلمات يعلم معناها مما سبق و هو انّ كل واحد منها حيث وجد وجد الآخران و حيث فقد فقد الآخران في الذات و الصفات و التأثيرات .

قلت الّا ان الوجودات الثلاثة علي اوضاع ثلاثة فالواجب ازله ذاته و مكانه ذاته .

اقول هذا القسم الأوّل مما يقال عليه الوجود و هو الواجب تعالي و هو واحد بكل اعتبار اي في نفس الأمر و في الواقع و في التعقل و في الاحتمال و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 348 *»

الامكان و الفرض لا كثرة فيه و لا تعدّد لا في ذاته و لا في صفاته و لا شريك له في افعاله و لا في عبادته فله التوحيد الخالص ، الا لله الدين الخالص .

قلت و الممكن الذي هو الوجود المقيد و هو جميع المفعولات مكانه غير زمانه و هما غير ذاته .

اقول ان الأشياۤء المخلوقة لايمكن ان تنفكّ عن التأليف المقتضي للتعدد و التكثر و المغايرة فمشخصاته و ان كان انما يتعيّن و يتشخص بها الا انها من حيث انفسها و من حيث مفهومها و قبل التأليف و لو اعتباراً مغايرة له فوجب اعتبار التعدد فيها فخلص التوحيد الحق لله سبحانه .

قلت و امّا الجواز الراجح فمكانه و زمانه بالنسبة اليه باعتبار الاتّحاد و المغايرَة بين بين ليس علي حَدّ الوجوب في الاتحاد و لا علي حد الممكن في التعدد هذا بالنسبة الي نفسه و بالنسبةِ الي ارتباطه بالممكن فمتغايرة مغايرةً ابسط من مغايرة الممكن فافهم .
اقول ان الوجود الراجح اعني المشية اذا اعتبر مكانه الذي هو الامكان و وقته اعني السرمد بالنسبة اليه كانا متحدين معه في نفس الامر و في الواقع مغايرين له في اعتبار الفؤاد فنسبته الي الوجود الحق باعتبار عنوانه اي دليله اعني مقاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان من حيث هي عنوانه و الي الوجود المقيّد اعني المفعولات نسبته التوسط و ذلك باعتبار مدرك الفؤاد فهو بين بين لأنّ الواجب لايدرك من عنوانه التعدّد و الكثرة لا في الواقع و لا في التعقل و الممكن يدرك منه التعدّد في الطرفين و هذا الوجود الراجح لايدرك منه التعدّد في الواقع و يدرك منه في التعقل فهو بين بين و هذا مرادنا من قولنا ليس علي حدّ الوجوب في الاتحاد و لا علي حدّ الممكن في التعدّد و قولي هذا بالنسبة الي نفسه اي هذا التوسط المذكور هو بالنسبة الي نفسه و اما اذا اعتبرنا ذلك بالنسبة الي ارتباطه اي تعلّقه بالممكن المتعدد المتكثر ففيه تغاير و تكثّر باعتبار التعلق كما قلنا في التمثيل بحركة يد الكاتب في تعلّقها بالحروف المتعددة المتغايرة المتكثرة و لكن ليس مثل تغاير متعلقه لأن تعدّد متعلقه و تغايره ذاتيّ و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 349 *»

تعدّده ليس لذاته و انما نسب اليه باعتبار متعلقه و هذا معني قولي فمتغايرة مغايرة ابسط من مغايرة الممكن .

قلت : الفاۤئدة الرابعة في الاشارة الي تقسيم الفعل في الجملة .

اقول هذه الفاۤئدة معنونة بتقسيم الفعل لأنّا لما ذكرنا بعض ما يتعلق ببيانه اقتضي بيانه ذكر تقسيمه الي هذه الأقسام في التسمية باعتبار متعلقه.

قلت اعلم ان الفعل باعتبار مراتبه عند تعلّقه بالمفعولات ينقسم الي اقسام فالاول مرتبة المشية و هي الذكر الاول كما قاله الرضا (ع‌) ليونس.

اقول الفعل اذا كان متعلقا بوجود الشئ اعني كونه يسمّي مشية لأن الوجود هو اول ما يذكر به الشئ و لهذا قال الرضا عليه السلام ليونس تعلم ما المشية قال لا قال هي الذكر الأوّل تعلم ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاۤء تعلم ما القدر قال لا قال هي ( هو نسخه . م . ص ) الهندسة و وضع الحدود من البقاۤء و الفناۤء الحديث ، و معني كون المشية هي الذكر الأوّل ان اول ذكر الله تعالي للشئ ان يذكره بكونه اي بان يوجد كونه و ايجاد الكون الذي هو الوجود هو المشية و المراد بالذكر الأول المعني المصدري و معناه الوجود علي تاويله بالمفعول و علي تاويله بالفاعل هو المشية .

قلت و المراد ان الشئ قبل المشيّة لم‌يكن له ذكر في جميع مراتب الامكان فاوّل ذكره معلوميته في كونه .

اقول يعني انّ الشئ اذا لم‌يكن شيئاً لم‌يذكر لأنّه انما يذكر بانه هو و انه شئ و شيئيته انما هي بوجوده اذ لاشيئية لما لم‌يوجد فاوّل ان يكون مذكوراً كونه شيئا و هو كونه موجودا و هو اول ما يذكر به و الفعل المتعلق بتكوينه هو المشية فلأجل ذلك قال عليه السلام هي الذكر الأول يعني اول ما يذكر به فان قلت كيف يكون هذا اول الذكر و الشئ مذكور في العلم قبل ايجاده قلت قد

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 350 *»

قرّرنا انّ الشئ اول كونه معلوما كونه ممكنا و كونه ممكنا بالمشية الامكانية فهو مذكور في المشية بما هو مشاۤء به ففي المشية الامكانية هو اول ما ذكر بها في امكانه و في الكونية اول ما ذكر بها في كونه فاذا قيل المشية هي الذكر الأول للشئ صدق علي المشيتين الا انه هنا المراد به الذكر الأول الخاص المتشخص المتميّز و هو لايتحقق الا في المشية الكونية و امّا المشية الامكانية فانه و ان كان مذكوراً فيها قبل الكونية الا انه علي وجه كلي لايتخصص به بل يصلح له و لغيره كما اذا اخذت مدادا بالقلم لتكتب به اسم زيد فقبل الكتابة لم‌يكن زيد مذكورا علي جهة الخصوص و التعيّن بالمداد الذي علي القلم لجواز ان يبدو لك فتكتب به اسم عمرو او لاتكتب شيئا فليس مذكوراً بمشيتك الامكانية علي الحقيقة قبل ان تكتب به الا علي جهة الامكان الذي تساوي فيه هو و عمرو و خالد و الجبل و البحر و ما اشبه ذلك فقولي لم‌يكن له ذكر في جميع مراتب الامكان يعني علي جهة الخصوص و التعيّن لا مطلقا و قولي فاوّل ذكره معلوميته في كونه يعني به الذكر الخاص به كما قلنا .

قلت و مثاله فيما يبدو لك ان تفعله فانه لم‌يكن شيئا قبل ان تذكره فاذا ذكرته كان ذكرك له اول مراتب وجوداته و هي كونه .

اقول يعني انّ الشئ الذي تريد فعله لم‌يكن له ذكر منك قبل فعلك و الّا لم‌يكن مفعولا لك او ( و خ‌ل ) انك فعلته قبل هذا فاذا فقد من الأمرين كان عدماً قبل فعلك ليس بمذكور فاذا خطر علي قلبك فعله فانت ذكرته و هو معني انك شئت فعله باوّل خطوره علي قلبك و اذا تأكد العزم كانت الارادة كما يأتي هذا مثال صحيح في حق من تكون منه ارادة و ميل للفعل قبل ان يفعل و يتفكر و يتروّي و اما الواجب عزوجل لم‌يكن كذلك لانه لايفكر و لايهمّ و لايروّي و ليس له ميل الي شئ و لا داعٍ يبعثه علي الفعل و انما ذلك منه سبحانه فعله للشئ من غير سبق شئ علي فعله فاوّل ايجاده وجود زيد هو مشيته تعالي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 351 *»

لايجاد زيد لأن وجوده اول ما ذكره الله و هو وجوده .

قلت : و الثاني الارادة و هي العزيمة علي ما شاۤء و هي ثاني ذكره و معلوميته في عينه و لم‌يكن له وجود قبله الا الذكر الاوّل الذي هو كونه و هو صدور الوجود قبل لزوم الماهيّة له .

اقول هذا هو القسم الثاني من اقسام الفعل باعتبار تسميته من حيث متعلقه و هو الارادة التي هي العزيمة علي ما يشاۤء و يسمّي الفعل بالارادة اذا كان متعلقا بالعين التي هي انيته و ماهيته و هي اي الارادة ثاني ذكره لأن اول ذكره المشية و هذه الرتبة معلوميته في عينه اي انه معلوم بعينه كما انه في الرتبة الأولي معلوم بكونه و انما قلنا هنا انها ثاني ذكره لأن اول ذكره المشية و بعد المشية الارادة و هي ثاني ذكره و قولي الا الذكر الأوّل الذي هو كونه يعني ان ذكره الأول ذكره بكونه اي بوجوده قبل لزوم الماهية به اذ بعد لزومها له تكون العين اي الذات لانها لاتتحقق الا بالكون و اعلم ان الكون لاينفكّ عن العين لتلازمهما في الظهور الا انه في التقدّم الذاتي يكون الكون سابقاً في التحقق علي العين بسبعين سنة و ان كانا في الظهور متساوقين .

قلت و بها تلزمه الماهية و بالمشية كانت الارادة لترتّبها عليها .

اقول و بها اي بالارادة تلزم الماهية للوجود لأنها هي المثبتة لها فيه و انما كانت الارادة متأخرة عن المشية لأن الارادة مترتبة علي المشية و ذلك لأن المشية هي الذكر الأول و الارادة هي العزيمة علي ما يشاۤء فتكون مترتباً عليها اي علي المشية لأنها العزيمة علي المشية و العزيمة علي الشئ مترتبة علي سبق ثبوته .

قلت : و الثالث القدر و هو الهندسة الايجاديّة و فيه ايجاد الحدود من الارزاق و الاجال و البقاۤء و الفناۤء و ضبط المقادير و الهيئات الدهرية و الزمانية من الوقت و المحل و الكم و الكيف و الرتبة و الجهة و الوضع و الكتاب و الاذن و الاعراض و مقادير الاشعّة و جميع النهايات الي انقطاع وجوداته .

اقول هذا هو القسم الثالث من اقسام الفعل باعتبار تسميته من حيث متعلقه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 352 *»

و هو القدر و المراد به فعل الله المتعلق بالحدود و قولي و هو الهندسة الايجادية الخ ، كما هو في قول الرضا عليه السلام ليونس في تفسير القدر و ربما فسّرت بالحدود او عطفت عليها اريد به ما يشملها فان الهندسة هي الحدود المعنوية و الظاهرية كالأرزاق من الغذاۤء و العلوم و تعليم الصناعات و التيسير للأعمال الصالحات و الطالحات و الأسباب المؤدّية الي مسبباتها و كالآجال الابتداۤئية و الانتهاۤئية بمعني انّ كل شئ محدث فله ابتداۤء معيّن و انتهاۤء مقدّر و كالبقاۤء اي انّ كل شئ له بقاۤء في الأكوان مقدّر لايزيد و لاينقص و كالفناۤء من الأكوان كذلك و ضبط المقادير ايضا كذلك يعني انها من التقدير لأنها من المشخصات و كالهيئات الدهرية و الزمانية كالحركات و السكنات و الأوضاع و النسب و كالحدود الستّة اعني الوقت و المحل و الكمّ و الكيف و الرتبة و الجهة الخ ، فان الهيئات الدهرية و الزمانية تشمل جميع الحدود و المقادير و العطف عليها عطف تفسيري او عطف خاصّ علي عام و كالوضع بمعانيه الثلاثة اعني افتقار الجوهر الفرد الي حيّز و ترتّب اجزاۤء الشئ بعضها علي بعض و ترتّب اجزاۤء الشئ علي غيرها بل علي الأمور الخارجية و كالكتاب و المراد به ان كل شئ فمن اسباب كونه و بقاۤئه و توصّله الي ما خلق له ان تكون جميع احواله و اعماله و اقواله و حركاته و سكناته مكتوبة في الكتب الالهية و الألواح السماوية و الأجرام السفلية و غير ذلك لاقتضاۤء الأسباب منها لمسبباتها فمنها المبادي التي بها تكون الأشياۤء و منها النهايات التي تكون عن الأشياۤء مثل الأوّل انّ وجود زيد متوقفٌ علي اثباته في اللوح المحفوظ و في الألواح الجزئية و مثل الثاني وجود امثاله و صفاته و وجوده مقتضٍ لايجاد امثاله و صفاته في وجه اللوح و وجوه الالواح فلو لم‌يقتضِ وجوده ذلك لم‌تقتضِ كتابته في اللوح المحفوظ وجوده لأن المقتضي من نوع واحد و ان اختلف في الشدّة و الضعف و كالأذن يعني انّ كل شئ لايخرج من الامكان الي الاكوان و من الحركة الي السكون و من السكون الي الحركة و من حال الي حال و من الأكوان الي الامكان بمعني انه لاينتقل من شئ الي شئ بل و لايبقي علي حال الا باذن الله سبحانه و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 353 *»

كالأعراض يعني ان كل شئ فجميع ما تنسب اليه من الأعراض بجميع ما يراد منها من مشخصاته و معيّناته و كذلك ما تلحق تلك الأعراض من الأعراض و اعراض الأعراض مثل الحركة و سرعة الحركة و شدّة السرعة و هكذا و كذا مقادير الأشعة و اشعة الأشعة و هكذا اي الي ان تنتهي وجوداتها و هو قولنا و مقادير الأشعة و جميع النهايات الي انقطاع وجوداته اي وجودات الشئ الذاتية و العرضية اللاحقة له و اللاحقة للّاحقة له و كل ذلك من احكام التقدير و متعلّقاته و ما يتعلّق به من الفعل يسمّي قدرا .

قلت و في هذا اول الخلق الثاني و بدء السعادة و الشقاوة و بالارادة كان القدر لترتبه عليها .

اقول و في هذا القسم اعني القدر من اقسام الفعل اول الخلق الثاني يعني ان الصانع اذا اراد ان يصنع شيئا لا بدّ له من مادة يصنع منها الشئ فغير الله سبحانه يأخذ مادة مطلوبه مما صنع الله عز و جل و امّا الله سبحانه فلم‌يكن عنده في ملكه شئ الا ما صنعه فاذا اراد ان يخلق خلقاً خلق مادة ذلك المخلوق و صنعه من تلك المادة كالكاتب فانه يصنع المداد اوّلا ثمّ يكتب منه ما شاۤء فالخلق الأول هو صنع المادة و الخلق الثاني هو الصنع من تلك المادة كما مثّلنا فالمداد هو الخلق الأول و الكتابة هو الخلق الثاني و هو ان يأخذ حصّة من المادة و يقدّرها علي حسب ما يريد فالتقدير هو الخلق الثاني و فيه السعادة و الشقاوة مثل الخشب الذي هو الخلق الأوّل ليس فيه سعادة و لا شقاوة فاذا عمل منه باباً او سريراً او صنماً ثبتت السعادة و الشقاوة في الخلق الثاني لأنه محل التصوير و الصورة هي الأمّ التي يسعد من يسعد في بطنها و يشقي من يشقي في بطنها كما يأتي بيانه ان شاۤء الله و قولي بالارادة كان القدر ، مأخوذ من حديث الكاظم عليه السلام كما في الكافي و انما كان القدر بالارادة لأنها هي صنع المادة التي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 354 *»

يتوقف التقدير عليها و لهذا قلنا لترتبه اي لترتب القدر علي الارادة .

قلت و هذه الاشياۤء المذكورة تجري في الخلق الاوّل علي نحوٍ اشرف و انما ذكرت هنا لانه محل الهندسة و هناك محل بساطة .

اقول يعني ان هذه الأمور المذكورة اعني ايجاد الكون و العين الذي هو الخلق الأول و ايجاد الحدود و الهندسة الذي هو الخلق الثاني و ما فيهما من المراتب و التفصيل يجري في الخلق الأول اي ايجاد الكون و العين فانّا مثلاً نقول في قول الصادق عليه السلام لايكون شئ في الارض و لا في السماۤء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاۤء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر او فقد اشرك علي اختلاف الروايتين و كذا في قوله علي نقض بالضاد المعجمة و بالمهملة علي اختلاف الروايتين و ظاهر الروايات ان المراد بالشي‌ء هنا هو المفعولات من الغيب و الشهادة فانّا نقول انه ايضا جارٍ في الأفعال لعموم الشيئية و لاشتراك الكل في مقتضيات الحكمة فلا فرق في ذلك بين الأفعال و المفعولات بل كل تلك الأمور السبعة تجري في كل شئ من الحوادث في كل شئ بحسبه فالأشرف و الأبسط تكون فيه بنحوٍ اشرف و ابسط نعم هي في الخلق الثاني اظهر و اما في الخلق الأوّل فخفيّة فلأجل ذلك ذكرتها في ذكر الخلق الثاني و لهذا قلت و انما ذكرت هنا اي في الخلق الثاني لأنه محل الهندسة اي الحدود و المقادير و هناك يعني الخلق الأول محل بساطة .

قلت : و الرابع القضاۤء و هو اتمام ما قدّر و تركيبه علي النظم الطبيعي فالقدر كتقدير آلات السرير للطول و العرض و الهيئة و القضاۤء تركيبها سريراً .

اقول : الرابع من الأقسام القضاۤء و هو اتمام ما قدّر يعني ان الصانع اذا اخذ حصّة من المادة و قدّرها علي ما يريد قضاها اي اتمّها علي الصورة المرادة له كالنّجّار اذا اخذ شيئاً من الخشب و قدّره علي هيئة السرير من طول و عرض نظمه و اتمه علي نظمه الطبيعي و هو معني انه قضاه كما قال عزّ من قائل

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 355 *»

فقضيٰهن سبع سموات الآية .

قلت : و الخامس الامضاۤء و هو لازم للقضاۤء و هو اظهاره مبيّن العلل مشروح الاسباب لاجتماع مراتب التعريف لاثار الصفات الفعلية الالهيّة فيه .

اقول : الخامس من الأقسام المذكورة الامضاۤء و هو في الغالب لازم للقضاۤء بمعني انه لاينفك عن القضاۤء و لذا ورد اذا قضاه فقد امضاه ، لأنّ الشئ اذا تمّ كان في الغالب لاتعرض له موانع الامضاۤء من جهة انّ القضاۤء و الاتمام انما يكون من الفاعل لامضاۤئه و قلّ ان تكون الحكمة مقتضية لمجرّد اتمامه خاصّة ثمّ يبدو له محوه نعم من جهة انه بالاتمام لايخرج من امكان المحو و التغيير و التبديل بل جاز عليه ذلك فربما جرت عليه المشية بالتغيير فلذا قلنا في الغالب و معني الامضاۤء اظهار الشئ تامّاً و معني تمامه اشتماله علي جميع ما له و ما يترتب عليه و من ذلك كونه مبيّن العلل مشروح الأسباب ليكون دليلا و مدلولا عليه و لو لم‌تظهر منه آثار المصنوعية لم‌يكن دليلا و لو لم‌تبد منه ظلمة الانية لم‌يستدل عليه و اذا لم‌يعرف منه الجهتان لم‌يحسن ايجاده الذي يتوقف الامضاۤء عليه فلذا قلنا مبيّن العلل مشروح الأسباب لاجتماع مراتب التعريف يعني انه انما خلق ليعرف صانعه و يعرف به صانعه سبحانه فخلقه تعريف من الصانع سبحانه له و لغيره في جميع مراتب وجوده كالكون و العين ( و العين و القدر نسخه . م . ص ) و القضاۤء فانها اي مراتب التعريف و التعرّف فيها اجتمعت في رتبة الامضاۤء لأنه انما يكون بعد التمام فيجب ان يكون مبيّن العلل مشروح الأسباب او ( اذ نسخه . م . ص ) لاتنتظر مرتبة للتعرّف و التعريف بعده و قولي لآثار الصفات الفعلية فيه ، معناه ان الآثار هي آيات التعريف و هي آثار الصفات لا آثار الذات كما توهمه بعضهم فان الذات لا آثار لها و انما الآثار لافعالها و انما قلت الصفات الفعلية لأن الآثار التي هي الآيات انما هي آيات للصفات التي هي جهة المعرفة و ليست آيات للأسماۤء و لا للذات

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 356 *»

لأن الأسماۤء لاتفيد المعرفة و انما تفيد التعين فتصدق مع التشبيه و التعدد و الحدوث و التركيب و كذلك الذات اذ لا آيات لها الا باعتبار افعالها و قولي فيه اي في الامضاۤء لانتهاۤء كل الآثار و التعريف اليه .

قلت فالاربع المراتب الاول هي الاركان للفعل و الخامس بيانها .

اقول يعني ان المشية و الارادة و القدر و القضاۤء هي اركان للفعل الذي يتم به المفعول باعتبار متعلقاتها كما قلنا سابقا فبالمشية كونه و بالارادة عينه و بالقدر حدوده و بالقضاۤء اتمامه فهذه الأقسام و ان كانت واحدة باعتبار ذات الفعل لكنها باعتبار متعلقها اربعة و هي اركان للفعل اي لفعل المفعول الذي به يتمّ و الامضاۤء الذي هو الخامس بيانها كما تقدّم لاجتماع مراتب التعريف لآثار الصفات الفعلية الالهية فيه .

قلت و بالقدر كان القضاۤء و بالقضاۤء كان الامضاۤء .

اقول هذا مأخوذ من حديث الكاظم عليه السلام في قوله فبالمشية كانت الارادة و بالارادة كانت ( كان نسخه . م . ص ) القدر الخ ، بعضه صريح و بعضه في ضمنه .

قلت فهذه الاربعة هي صبح الازل .

اقول قولي فهذه الأربعة انما كانت الي الفعل اربعة مع انه واحد لأن تعدده في الأسماۤء انما هو باعتبار متعلقه .

قلت و النور الذي اشرق من صبح الازل اربعة انوار هي العرش الذي استوي عليه الرحمن برحمانيته التي هي هذه الاربع المراتب من الفعل .

اقول النور الذي اشرق من صبح الأزل مأخوذ من قول اميرالمؤمنين عليه السلام لكميل (ره‌) و معني ذلك الذي اشرق من المشية و هو نور واحد و هو الوجود و هو الحقيقة المحمديّة و هو الماۤء الا انه بعد ارتباط القابليات به كان اربعة انوار و هذا الانقسام من حكم الحكيم عزوجل بمقتضي القابليات و هذه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 357 *»

الأنوار هي مجموع الصفات الرحمانية التي استوي بها الرحمن عزوجل علي عرشه اي ظهر بها يعني اظهر آثار سلطانه و قدرته فيها و بها اعطي كل ذي حق حقه بمقتضي قابليته و انما كانت اربعة لأن مقتضي قابليات الوجودات الكونية اربعة الخلق و الرزق و الموت و الحيوة كما قال عزّ من قائل الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم و هذه الأنوار الأربعة هي العرش فهي اركانه فهو مركب منها فهي العرش و بها ظهر علي العرش اذ العرش له اطلاقات و هذه احدها و قولي التي هي هذه المراتب الأربع من الفعل ، اريد به ان المراتب الأربع من الفعل التي ذكرنا انها تعددت باعتبار متعلقاتها انها بلحاظ تعددها لتعدد متعلقاتها صدر عن كل واحد منها نور و تلك الأنوار الصادرة المتعددة باعتبار قابلياتها هي هذه الأربعة الأنوار التي هي مجموع العرش و اركان العرش بمعني ان العرش مركب منها و ينقسم اليها .

قلت فالنور المشرق عن المرتبة الاولي هو ركن العرش الايمن الاعلي و هو النور الابيض .

اقول الأوّل من الأنوار الأربعة المشرقة من صبح الأزل النور الأبيض هو المشار اليه في آية النور مثل نوره كمشكوة فيها مصباح الآية ، و هو العقل الكلي و عقل الكل كما في الأخبار و كلام الحكماۤء و هو القلم و هو اول الوجودات المقيّدة و هو النور الأبيض و منه ضوء النهار و عنه تصدر الأرزاق بواسطة ميكائيل لأنّ ميكائيل يستمدّ منه في ايصال الارزاق الي المستحقين و طبعه بارد رطب و هو الركن الأيمن الأعلي يعني الأول الباطن و هو اثر المشية من اقسام الفعل .

قلت و النور المشرق عن المرتبة الثانية هو ركن العرش الايمن الاسفل و هو النور الاصفر .

اقول هذا النور الثاني المشرق عن المرتبة الثانية اعني الارادة التي هي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 358 *»

منشأ العين و تمام الخلق الأول و هو الروح المحمدي صلي الله عليه و آله و من نوره خلقت البراق و هو النور الأصفر قال صلي الله عليه و آله الورد الأصفر من عرق البراق و هو الركن الأيمن اي الأول الاضافي الأسفل اي الباطن الاضافي لأنه تحت النور الأول و ظاهره و منه اصفرّت كل صفرة فيما دونه و عنه تصدر الحيوة لكل حيّ بواسطة اسرافيل لأن اسرافيل يستمدّ منه الحيوة و به يفيض الحيوة علي ذوات النفوس و الأرواح و طبعه حارّ رطب و هو اثر الارادة من اقسام الفعل .

قلت و النور المشرق عن المرتبة الثالثة هو ركن العرش الايسر الاعلي و هو النور الاخضر .

اقول هذا هو النور الثالث المشرق عن المرتبة الثالثة من الفعل اعني القدر و هو ركن العرش الأيسر اي الظاهر الأعلي اي الباطن الاضافي و هو النور الأخضر الذي اخضرّ منه كل خُضرة فيما دونه و هو النفس الكلية و اللوح المحفوظ و عنه يصدر الموت لكل ذي روح بواسطة عزرائيل لأنه يستمدّ منه و طبعه بارد يابس و هو اثر القدر من اقسام الفعل .

قلت و النور المشرق عن المرتبة الرابعة هو ركن العرش الايسر الاسفل و هو النور الاحمر .

اقول هذا هو الرابع و هو النور المشرق عن المرتبة الرابعة من الفعل اعني القضاۤء و هو النور الأحمر الذي احمرّت منه كل حمرة مما دونه و هو الطبيعة الكلية و عنه يصدر الخلق بواسطة جبرئيل عليه السلام لأن جبرئيل يستمد منه في ايجاد الأشياۤء و طبعه حارّ يابس قال صلي الله عليه و آله الورد الأحمر من عرق جبرئيل عليه السلام و هو ركن العرش الأيسر الأسفل اي آخرها اعني الأركان و ظاهرها و هو اثر القضاۤء من اقسام الفعل .

قلت فالبياض من المشية لكمال البساطة .

اقول انما كان النور المشرق عن المشية ابيض لكمال بساطتها و هذا النور اثر البسيط فيكون بسيطا و البساطة تقتضي البياض كما ان التركيب يقتضي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 359 *»

السواد و انما قلنا لكمال البساطة لأن جميع الأقسام كلها بسيطة الا ان المشية هو اول الأقسام و اول الايجاد فلايكون وجوده مترتّبا علي غيره بخلاف باقي الأقسام فان كلا منها مترتب علي ما قبله فلايكون كاملاً في البساطة لما لحقه من الترتب علي الغير و اعلم ان العلماۤء اختلفوا في البياض هل هو لون ام لا فقيل انه لون و يدل عليه ما روي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال نور ابيض منه ابيضّ البياض الحديث ، فلو لم‌يكن لوناً لماقال عليه السلام منه ابيضّ البياض ، اذ قوله عليه السلام منه ابيض البياض ، دليل علي ان البياض لون صبغه صانعه من مادة البساطة و قيل انه ليس لونا و يدل عليه الرواية الأخري عنه عليه السلام قوله منه البياض و منه ضوء النهار فقوله منه البياض ، يدل علي انه صفة الوجود الذاتية اذ مقتضاه البياض لبساطته و الحاصل انه علي كل تقدير فمنشأه البساطة .

قلت و الصفرة من الارادة لزيادة الحرارة في البياض .

اقول انما كان النور الصادر عن الارادة اصفر لأن المشية لما كان الصادر عنها ابيض و كانت الارادة التي هي تأكيد المشية زيادة طلب و ميل و هو يقتضي الحرارة زيادة علي المشية و كانت الارادة متعلقة بمتعلق المشية الذي هو قبل تعلقها به ابيض القت الارادة حرارتها علي ذلك البياض الذي قلنا ان طبيعته بارد رطب فكان اصفر لانقلاب برودته الي الحرارة فكان حارّاً رطبا و انما كان الحارّ ( حارّاً رطبا و لون الحارّ نسخه . م . ص ) الرطب في الكلي اصفر لأنه طبع الحيوة و هو معني قولي لزيادة الحرارة في البياض.

قلت و الخضرة من القدر لاختلاط سواد الكثرة من اثر القدر بصفرة اثر الارادة .

اقول انما كان النور الصادر من القدر اخضر لأنّ القدر تصدر عنه الحدود و الهيئات و هي كثيرة و الكثرة سواد كما ان البساطة بياض فلما كانت الكثرة متعلقة بذلك الأصفر لأن التقدير فيه اجتمع السواد و الصفرة ، و الخضرة تتركب

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 360 *»

( تركب خ‌ل ) منهما و هو معني قولِنا لاختلاط سواد الكثرة من اثر القدر بصفرة اثر الارادة كما ذكرنا قبل ذلك .

قلت و الحمرة من القضاۤء لاجتماع بياض المشية بصفرة الارادة في حرارة حكم القضاۤء بالامضاۤء .

اقول انما كان النور الصادر عن القضاۤء احمر لأنّه مركب من النور الأصفر الصادر عن الارادة و من بياض النور الصادر عن المشية فهو مركب منهما بحرارة حكم القضاۤء بالامضاۤء و هو حتم التكوين و اذا اجتمعت الصفرة بالبياض في حرارة معتدلة حصلت الحمرة من الجزئين اعني البياض و الصفرة كالزنجفر فانه مركب من الزيبق الأبيض و الكبريت الأصفر يوضعان بعد مزج بعضهما ببعض في نار معتدلة ليست بشديدة فيتكوّن منهما الزنجفر الأحمر و هو تكوّن طبيعي و العرش مركب من هذه الأربعة الأنوار التي دار عليها الوجود فليس شئ في الأكوان من ذات او صفة غيب او شهادة الا و هو متقوّم بهذه الأربعة .

قلت ثم اعلم انه اذا اطلق خلق قد يراد به جميع المراتب لصدقه عليها لغةً .

اقول لما ذكرت تقسيم الفعل باعتبار متعلقه ذكرت هنا جواز استعمال بعضها مكان بعض فقد يطلق خَلَقَ الذي هو معني شاۤءَ الكون و يراد منه معني بَرَءَ الذي هو معني ارادَ و معني صَوَّرَ الذي هو معني قَدَّرَ و هكذا و ذلك جايز بحسب اللغة الظاهرة المعروفة بين الناس و كثيراً مّا يخاطب اهل الشرع (ع‌) المكلفين بهذا لأنّهم لايعرفون الا ما هو لغتهم و مصطلحهم و قد قالوا عليهم السلام انّا لانخاطب الناس الّا بما يعرفون ، نعم لو اجتمعت الأفعال المختلفة باعتبار متعلقاتها لزم ان يراد من كل فعل ما يخصّه باعتبار متعلّقه كمّا.

قلت و اذا قيل خلق و برأ و صوّر فخلق بمعني شاۤء اي اوجد الكون اي الوجود و برأ بمعني اراد اي اوجد العين اي الماهيّة بالوجود و صوّر بمعني قدّر

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 361 *»

اي اوجد الحدود .

اقول اذا اجتمعت الأفعال دلّ كل فعل منها علي ارادةٍ يخصّه دون ما يصدق عليه لغة فاذا قيل خَلَقَ و بَرَءَ و صَوَّرَ كان خَلَقَ بمعني شاۤءَ و بَرَءَ بمعني ارادَ و صَوَّرَ بمعني قَدَّرَ قال الله سبحانه هو الله الخالق البارئ المصوّر فترتب الأسماۤء الثلاثة علي معانيها المختصة بها مع الاجتماع و الا لمادلّت عليها لأنها اذا صلحت لها و لغيرها في الافتراق و الاجتماع كانت الثلاثة مترادفة مع انها مختلفة المفاهيم فاذا دلّت علي معانيها المختصة بها كانت بمعاني افعال تلك المعاني فخَلَقَ مع الاجتماع في الآية بمعني شاۤءَ الذي هو الذكر الأول و فيه يوجد الكون اي الوجود الذي هو المادة الأولي عندنا و بَرَءَ مع الاجتماع بمعني ارادَ و فيه توجد العين اعني الماهية الأولي يعني بالمعني الأول المتقدّم فاذا قلنا الوجود ( فانا قلنا ان الوجود نسخه . م . ص ) بالمعني الأول هو المادة الأولي المسمّاة في الأجسام مثل الخشب المركب من العناصر الأربعة و الماهية الأولي بالمعني الأوّل هي الصورة النوعية و هي انفعال المادة و هي اي الماهية الأولي في مثل الخشب الصورة الخشبية و اذا قلنا الوجود و الماهية بالمعني الثاني نريد بالوجود الشئ الموجود من حيث هو اثر فعل الله تعالي و نريد بالماهية الشئ الموجود من حيث هو هو فهذا مرادنا من الوجود و الماهية بالمعني الأوّل و بالمعني الثاني فتنبه له فربما نذكر ذلك في موضع لانبيّنه فلاتغفل و صَوَّرَ مع الاجتماع بمعني قَدَّرَ و فيه توجد الحدود و الهيئات الذاتية و العرضية العينية و المعنوية .

قلت و قال الله تعالي الذي خلق فسوّي و الذي قدّر فهدي اي خلق كونه اي وجوده فسوّي عينه بمعني سوّي ماهيّته بوجوده اي جعل فيه ما اذا سئل اجاب .

اقول هذا معني ما تقدّم و هو مع ملاحظة ما تقدّم لايحتاج الي بيان .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 362 *»

قلت و انما جئ بالفاۤء في عطف التسوية دون الواۤو لما بينهما من الملازمة كما مر ذكره و هذا في الخلق الاوّل .

اقول هذا جواب عن سؤال مقدّر بان قيل لمَ اتي بالفاء في عطف سوّٰي علي خَلَقَ و في عطف هَدٰي علي قَدَّرَ دون الواو و لم‌يات بالفاء في عطف الذي قَدَّرَ علي الذي خَلَقَ و الجواب انما جئ بالفاء في عطف التسوية في قوله فسوّٰي لما بين خَلَقَ و سَوّٰي من الملازمة لأن خَلَقَ اثره الوجود و سوّٰي اثره الماهية اي العين و لايتحقق في الظهور احدهما بدون الآخر فلأجل عدم انفكاك احدهما عن الآخر و تلازمهما اتي بالفاۤء الدالة علي الترتيب لأنّ سَوّٰي مترتبٌ علي خَلَقَ و علي عدم المهلة لتلازمهما و خَلَقَ فسَوّٰي يقع في ايجاد المادة و الصورة النوعية و هو قولنا و هذا في الخلق الأول .

قلت : و الذي قدّر فهدي اي وضع حدوده المتقدم ذكرها و هو الخلق الثاني .

اقول قوله تعالي و الذي قدّر اي اوجد حدود ما اراد تعيّنه الشخصي و تميّزه بمشخصاته التي هي تلك الحدود المتقدم ذكرها من الأمور الستّة و الوضع و الأجل و الكتاب و الاذن و قوله فهدي في تقديره لأنّه اجري تقديره علي ما يقتضي الهداية لأن تقديره علي نوع التعريف فيقتضي الهداية ببيان طريق الخير و الشر فاما من قبل طريق الخير فلامتثاله مقتضي التقدير فكان بالتقدير سالكاً طريق الخير و اما من ترك امتثال مقتضي التقدير بعد التعريف جري له التقدير بمشخصات انكاره بعد الهداية الي طريق الاجابة فكان بالتقدير الجاري علي حسب قبوله سالكاً طريق الشرّ فقد هدي للخير بتقديره و انما ضلّ من ضلّ بتركه مقتضي التقدير بعد البيان و اليه الاشارة بقوله تعالي و من يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدي و قوله تعالي و ماكان الله ليضلّ قوماً بعد اذ هديٰهم حتي يبيّن لهم ما يتّقون فابان سبحانه بان الهداية في تقديره و هي تقتضي بيان طريق الخير و الشرّ ليكون المكلّف مختاراً بتمكينه من فعل الطاعة و فعل المعصية و ذلك البيان و التعريف في هذا التقدير فهما متساوقان في

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 363 *»

الظهور و ان كان التقدير سابقاً في الذات و لاجل هذا عطف بالفاۤء المفيدة للترتيب بلا مهلة و التقدير اول الخلق الثاني و تمامه في القضاۤء و كماله في الامضاۤء .

قلت : فهدي اي دلّ علي سبيل الهدي و عطف بالفاۤء لانّ القدر به السعادة و الشقاوة .

اقول : فهدي اي دل علي سبيل الهدي الي آخره كما ذكرنا معناه قبل هذا .

قلت ففيه دلّ علي الهدي فهما متساوقان في الوجود و ان كانت الهداية مغايرة و متأخرة في الذات فعطف بالفاۤء .

اقول قد تقدّم ايضا بيان هذا قبل هذا ( قبل هذه الكلمات نسخه . م . ص ).

قلت ثم ان مراتب الفعل بجميعها اختراع و ابتداع .

اقول معني هذين اللفظين قيل واحد و هو ايجاد المفعول لا من شئ قبله ليس بمحدث و قيل اخترع الشئ لا من شئ و ابتدعه لا لشئ و هما مرويان و قيل الاختراع للكون و الابتداع للعين فمعني الأوّل شاۤء و معني الثاني اراد و يأتي تمام ما نريد بيانه منهما ان‌شاۤء الله .

قلت و قد يطلق احدهما علي الاخر كالمشية و الارادة و كالفقير و المسكين في باب الصدقات و كالجار و المجرور عند النحاة فان افترقا اجتمعا فاذا قيل لك اعط الفقير خمسة دنانير لم‌تجب عليك التفرقة و كذا اعط المسكين ففي الحالين ايهما اعطيت كفاك و اذا قلت زيد في الدار فان قلت زيد مبتدء و الجار خبر صح او المجرور خبر صح و تقول اخترع اي ابتدع و بالعكس و شاۤء اي اراد و بالعكس و اذا اجتمعا افترقا تقول اخترع و ابتدع اي اخترع لا من شئ و ابتدعَ لا لشئ و اخترع الكون و ابتدع العين و تقول شاۤء الكون و اراد العين فاخترع بمعني شاۤء لا من شئ و ابتدع بمعني اراد لا لشئٍ و اذا قيل اعط الفقير خمسة دنانير و المسكين اربعة دنانير وجب التفرقة و بيان ذلك في الفقه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 364 *»

و الاصح عندي ان المسكين اسوء حالاً و اذا قيل الجار و المجرور فرّق بينهما و هو ظاهر .

اقول ان هذا الكلام كله ظاهر لأن المطلوب من هذا الشرح هو بيان المشكل و فتح المغلق لا تفريع علي ما ذكر و لا تأسيس ما لم‌يذكر و تكثير التمثيل و تكرير القيل مبالغة في البيان .

قلت و اعلم انه قيل ان الاختراع اختراعان و الابداع ابداعان .

اقول هذا قول علماۤء الجفر و لهم علي هذا التقسيم تفاريع و احكام يذكرونها في كتبهم لأنه راجع الي فعلية الحروف و الحروف عندنا ما كان معنويا فهو قسمان قسم هو وجوه المشية و الارادة و القدر و القضاۤء و هي بلا شك افعال حقيقية جزئية و قسم هو مفعول و هو فعل كالعقول و النفوس و الملئكة فانها من المفعولات و بها يفعل الله سبحانه ما يترتّب عليها و ما تكون عللا له و اسبابا لايجاد مواده او صوره الجنسية او النوعية او الشخصية او لهما معا فهي من هذه الجهة افعاله تعالي او محالّ افعاله او وسائط افعاله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و القٰي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله الحديث ، يعني عليه السلام النفوس و نفوس الملئكة و ما كان لفظيا فهي افعال ظاهرية كما روي عن الرضا عليه السلام ان الله سبحانه خلق الحروف و جعلها فعلاً منه و المراد انه يقول للشئ كن فيكون فكُن فعله و لكنه متضمن للفعل لأن الايجاد صنع و هو في الحقيقة غير اللفظ الا انه لما كان الظاهر اذا تمّ اقتضي وجود الباطن و تعلّقه به كالجسم للانسان اذا تمّت خلقته من آلات الروح و ما يتوقف عليها حتي ظاهر ظاهره كالشَعر اقتضي وجود الروح و تعلّقها به كانت الحروف اذا رتّبت علي نظمها الطبيعي من المناسبات الذاتية بين بعضها بعضا في الصور و العدد و الطبايع و التواخي و التباغض و النظائر و نظائر النظائر و القوي و ما اشبه ذلك كالترفع و التنزل و التبديل و التوليد من بعضها لبعض و القلب و الطمس و الفتح و الحركات و التفخيم و الترقيق و الشدّة و اللين و التوسط و الجهر و الهمس و القلقلة و ما اشبه ذلك مما يذكرونه في كتبهم

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 365 *»

اقتضت وجود افعالها الباطنة الصنعية و تعلّقها بها و ارتباطها بما عملت له حتي تظهر آثارها علي اكمل وجه و اسرع وقت فلأجل ذلك اجروا فيها احكام الاختراع و الابداع و صفاتهما فقسّموا الاختراع و الابداع باعتبار التوليد و التأثير الي قسمين كما سمعت و تفصيل ذلك عندهم مذكور في كتبهم و انما ذكرت الاشارة الي ذلك لأجل بيان انّها عند اهل العصمة عليهم السلام قد تنسب اليها افعال الله سبحانه .

قلت فالاختراع الاوّل المشية و هو خلق ساكن لايدرك بالسكون .

اقول هذا البيان مركّب من المستفاد من كلام الائمة عليهم السلام و من اصطلاح علماۤء الجفر لأنّ المقصود بيان الفعل علي سبيل الاشارة بما يصلح علي القولين و انما فسّرت المشية التي جعلتها ( جعلها خ‌ل ) عبارة عن الاختراع الأوّل بانّه خلق ساكن لايدرك بالسكون مع ان هذا وارد في وصف القسم الثاني الذي هو الابداع كما هو مروي عن الرضا عليه السلام لأنّ هذا الوصف جارٍ لمطلق الفعل الشامل للقسمين لأنّ المراد بمعني هذا الوصف ان الفعل مخلوق بنفسه قد اقامه الله سبحانه بنفسه فاستقلاله بنفسه و تمامه بنفسه عبارة عن كونه ساكنا اي ليس محتاجاً في ايجاده الي فعل آخر يكون محدثا به بل هو محدث بنفسه فهو اذن ساكن و هذا المعني لايعرف بالسكون الذي هو ضدّ الحركة لأن هذا و الحركة محدثان به فلايجريان عليه و لايتّصف بهما .

قلت و الاختراع الثاني الالف من الحروف .

اقول يحتمل انهم ارادوا بالألف الألف المطلقة الشاملة لللينية (اللّينة نسخه . م . ص ) و المتحركة كما هو مختار الجوهري في الصّحاح فيكون تعداد الحروف علي هذا جارياً علي ما ذكره اهل تهامة من عدّهم الحروف تسعة و عشرين بجعل لام‌الف بعد الهاۤء و قبل الياۤء في ترتيبهم حرفا فيقولون ك ، ل ، م ، ن ، و ، ه ، لا ، ي ، و هذه آخر التسعة و العشرين و اوّلها ا ، ب ، ت ، ث ، ج ، ح ، خ ، الخ ،

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 366 *»

فيجعلون الألف اللينية ( اللينة نسخه . م . ص ) من جملة الحروف و ذكر بعض اهل الجفر ان عددهما واحد و كذا بعض علماء التجويد و يحتمل انهم ارادوا بها الألف المتحركة التي هي اول الحروف المسمّاة بالهمزة و هي اول الحروف مما يلي الجوف و اما الألف اللينية ( اللينة نسخه . م . ص ) فليست من ساير الحروف و انما هي امّ الحروف و هيولي جميعها و هي تمتد من الجوف الي الهواۤء و ليس لها مخرج كساير الحروف و جميع الحروف شعب منها و يشار بها الي النّفَس الرحماني الذي هو اول صادر عن الفعل او الي الفعل الذي برزت الأشياۤء علي صفاته و المتحركة يشيرون بها الي العقل الكلي الذي هو اول الحروف الكونية بحكم ان التدويني مطابق للتكويني و هذا هو المشهور بين اهل العلم فعلي هذا تكون الألف المتحركة اعني الهمزة هي الاختراع الثاني لأنّه مخترع بالاختراع الأوّل الذي هو المشية في الخلق التدويني كما ان العقل الكلي هو الاختراع الثاني في الخلق التكويني و هو مخترع بالمشية في الخلق التكويني و بالألف المتحركة اخترعت الباۤء لأنها تكريره بمعني انها انبساط الألف اللينية ( اللينة نسخه . م . ص) بعد امتدادها فيه اخترعت الباۤء كما ان بالعقل اخترعت النفس الكلية لأنها تنزّله فهو الاختراع الثاني المعنوي و الألف المتحركة الاختراع الثاني اللفظي فالباۤء مركبة من انبساط الألف المتحركة بعد قيامها فلذا كان عدد الباۤء اثنين اشارة الي الرتبتين و النفس مركبة من انبساط العقل بتكثر الصور من معانيه بعد وحدته كذلك فالاختراع الأوّل هو المشية به اخترعت الألف المتحركة التي يشار بها الي العقل الكلي و الاختراع الثاني هو الألف المتحركة المشار بها الي العقل الكلي بها اخترعت الباۤء المشار بها الي النفس الكلية لأنها اخترعت بالعقل الكلي و هذه النفس هي اللوح المحفوظ و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 367 *»

روي عن النبي (ص‌) انه قال ظهرت الموجودات من باۤء بسم الله الرحمن الرحيم ، و اعلم ان الألف الليّنة صورة بلا حركة و الألف المتحركة حركة بلا صورة و لما كانت الحروف اللفظية الفاظا و ارادوا تسميتها ليتميز بعضها عن بعض و الأسماۤء ايضا الفاظ و قد اقتضت الحكمة ان تكون بين الألفاظ و معانيها مناسبة ذاتية كما هو الأصح في المسئلة لأن الاسم ظاهر المسمّي و صفته و لأنه ابلغ في التميز بالعلامة التي هي الاسم مع قدرة الواضع سبحانه علي ذلك و لأنه اكمل فعدمه مع امكانه نقص في الصنع و لايجوز عليه سبحانه وجب ان يجعلوا المسمّي في الاسم اذ لايمكن المناسبة الذاتية بينهما اذا كانا من نوع واحد و احدهما بسيط لكن جعله في الاسم ابلغ من المناسبة الذاتية في الدلالة و انما جعل في اول الاسم لأنه المسمّي و له رتبة الموصوفية و للاسم رتبة الصفة و الموصوف مقدّم في الرتبة و الوجود علي الصفة و لما ارادوا تسمية الألف الليّنة علي القاعدة المذكورة و هي صورة لا حركة لها استعاروا لها الألف المتحركة و هي حركة لئلايلزم الابتداۤء بالساكن فجعلت علي الألف الليّنة فقيل الف و لما ارادوا تسمية الألف المتحركة لم‌يبق لها شئ لأنها انما هي حركة و قد اخذت الليّنة فاستعاروا الهاۤء لها لأنها اقرب الحروف اليها في المخرج كما استعاروا للألف الليّنة تلك الحركة تسمّي بالألف المتحركة لأنها اول ناش من الحروف عنها و هذه الألف المتحركة قد قلنا انها حركة بحت و لا صورة لها و اذا ارادوا كتابتها استعاروا الألف الليّنة لها في مقابلة استعارتها لها في التسمية و لما كانت كل واحدة تحتاج الي الثانية في حالة اطلقت احديٰهما علي الأخري و سمّيا باسم واحد كما قاله الجوهري في الصّحاح لاشتراكهما في الصورة النقشية و كما قال اهل الجفر لاشتراكهما في العدد .

قلت و الابداع الاول الارادة و هو خلق ساكن لايدرك بالسكون .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 368 *»

اقول الابداع هو فعل الله و هو الارادة علي فرض ان بينه و بين الاختراع فرقا و ان الاختراع هو المشية و امّا انه خلق ساكن لايدرك بالسكون فمعناه ما ذكرناه في الاختراع و قد تقدّم في ذكر الاحتمالات في انه هل هو الاختراع او ان الاختراع خلق الشئ لا من شئ و الابداع خلقه لا لشئ او ان الاختراع خلق الكون و الابداع خلق العين كما قلنا في المشية و الارادة لأنهما هما .

قلت و الابداع الثاني الباۤء من الحروف .

اقول هذا الاصطلاح الذي ذكره علماۤء الجفر جريه علي الاحتمال الاخير و هو ان الاختراع خلق الكون و الابداع خلق العين اولي و اظهر ليتّجه كون الباۤء التي هي اللوح المحفوظ المبدع بالابداع بواسطة الألف المتحركة التي هي العقل الكلي ابداعاً لما دونها من الحروف اللفظية كما ان اللوح المحفوظ ابداع لما دونه من الحروف الكونية مع انه مبدع بالاختراع بواسطة العقل الكلي .

قلت و ذلك لان الابداع و الاختراع اول ما خلق الله خلقه بنفسه ثم خلق الحروف بالابداع و جعلها فعلاً منه يقول للشئ كن فيكون .

اقول انما قلنا ان الألف مخترع بالاختراع و هو اي الألف اختراع ايضا و قلنا ان الباۤء مبدعة بالابداع و هي ايضا ابداع ثاني ( ثانٍ خ‌ل ) لقول الرضا عليه السلام علي ما ذكره لعمران الصابي كما نقلتُه بالمعني و هو قولي لأنّ الابداع و الاختراع اول ما خلق الله خلقه بنفسه ثُمّ خلق الحروف بالابداع و جعلها فعلا منه يقول للشئ كن فيكون .

قلت فيشار بالكاف الي الاختراع اي المشية و هي الكاف المستديرة علي نفسها لانها منشأ الكون و بالنون الي الابداع اي الارادة لانها هي منشأ العين .

اقول هذا تفريع علي انّ الحروف اللفظية مظاهر للحروف الكونية و انها مواد افعاله اللفظية المتضمنة لأفعاله المعنوية فيشار بالكاف الي الاختراع اي المشية الخ ، بناۤء علي الاحتمال الأخير و معناه ظاهر .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 369 *»

قلت و بين هذين الحرفين حرف حذف للاعلال فهو ثابت باطنا و ان حذف ظاهراً للاشارة الي بيان المراد منه و هو الماۤء الذي جعل منه كل شئ حي .

اقول بين الكاف و النون من كُنْ حرف حذف للاعلال و هو التقاۤء الساكنين لأنّ النون آخر الأمر فلما بنيت علي السكون التقي ساكنان الواو و النون فحذف الواو لأنه حرف العلّة و هذا المحذوف اعني الواو عددها ستّة اشارة الي الستّة الأيام و هي الأمور التي هي اصول الحدود و هي المذكورة سابقا الكمّ و الكيف و المكان و الوقت و الرتبة و الجهة و ما يتبعها لاحق بها داخل في ضمنها كما تدخل احوال الانسان في تخلقه في الستّة الأيام من اطواره ما بين كل يومين مثلا الستّة الأيام في تخلق الانسان يوم الأحد و هو يوم النطفة و يوم الاثنين و هو يوم العلقة و يوم الثلثا و هو يوم المضغة و يوم الأربعاۤء و هو يوم العظام و يوم الخميس و هو يوم يكسي لحما و يوم الجمعة و هو يوم ينشأ خلقا آخر و ما يتبعها من الاحوال المتخللة بين كل يومين و لما كان الشئ انما يظهر منه المادة و الصورة اللتان هما الوجود و الماهية و ما سواهما غير ظاهر و ان كان موجوداً في خلقته وجب ان يكون ما يدل علي المادة و هي الكاف و ما يدل علي الصورة و هي النون ظاهرين و ما يدل علي الستّة الأيام و هو الواو غير ظاهر لأنّ الستّة الأيام غير ظاهرة في الشئ و ذلك لاستقلاله في ظهوره بمادته و صورته كما استقل الأمر في ظهوره بالكاف و النون و لم‌يحتج في الظهور عند بناۤء كلمة الأمر الي ظهور الواو و قولي للاشارة الي بيان المراد منه ، اريد به انّ الواو انما حذفت لبيان المراد من الواو و من الحذف و المراد هو انه خافٍ في الظهور كما ان الستّة الأيام في الشئ مع وجودها خافية لاتظهر كظهور المادة و الصورة هذا بالنسبة الي المشاۤء و اما بالنسبة الي المشية فالمراد من الواو الخافية في الأمر هو صورة الوجود الخافي في المشية بعد ان قبض ذلك

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 370 *»

الفعل الذي هو المشية باذن الله تعالي من رطوبة هباۤء الامكان اربعة اجزاۤء و من يبوسة جزءا فانحلا في صنعه ماۤء ثُمّ ساقه الي قوابله كالواو في الأمر اللفظي فان ذلك الماء حين قبضه الفعل للتقدير كان كامنا في الصنع ككمون الواو في لفظ كُنْ فيكون مرادي من قولي للاشارة الي البيان المراد منه الوجهين الكمون في المشية و انه هو الماۤء اعني الوجود و الكمون في المشاۤء و انه الماۤء في المشاۤء و انه هو بلّة الماۤء اي رطوبته التي هي صفته و بها تقوّمت مادته في الظهور و هي كامنة في المشاۤء و كذلك حكمه في المشية و ان كان علي نوع الاعتبار من ملاحظة متعلقها كما ذكرنا سابقا و كمونه اشارة الي كمونها في المشاۤء لأنها مشخصاته و في المشية لأنها اثرها و هي الماۤء و هذا علي اللحاظين .

قلت و هو الوجود و هو الدلالة من اللفظ و هو الماۤء من السحاب .

اقول بناۤء علي لحاظ الكمون في المشية و هو الخفاۤء في صنعها و تقديرها تكون الواو اشارة الي الماۤء و الخفاۤء اشارة الي خفاۤء الماۤء الذي هو الوجود في صنع المشية كخفاۤء الماۤء في السحاب و كخفاۤء الدلالة في اللفظ حتي يتمّ فاذا مثّلت المشية بالسحاب مثّل الوجود بالماۤء و اذا مثّلت بالكلمة مثّل بالدلالة و هو معني قولي و هو الوجود يعني من المشية و الدلالة من اللفظ و الماۤء من السحاب .

قلت و هو الاجزاۤء الدخانية المستضيئة عن النار بحفظ الكثافة الدهنية المقاربة للدخانية .

اقول اذا مثّلنا المشية بالنار كما قال تعالي يكاد زيتها يضئ و لو لم‌تمسسه نار كان الوجود هو الأجزاۤء الدخانية المستضيئة عن النار لأنّ نفس الأجزاۤء مثل الماهية و الاستضاۤئة القاۤئمة بها مثل الوجود المشار اليه لكن الاستضاۤئة لاتتقوم الا بالكثافة الدخانية فلذا قلنا و هو الأجزاۤء الدخانية المستضيئة يعني استضاۤئة الأجزاۤء و الا فالأجزاۤء نفسها مع قطع النظر عن استضاۤئتها ليست مثلاً للوجود و انما هي مثل للماهية لأنها هي الزيت المشار اليه في الكتاب و قولي بحفظ الكثافة الدهنية المقاربة للدخانية ، اريد ان الكثافة التي يعبّر عنها بالماهية و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 371 *»

القابلية و هي من الزيت و هي المنفعلة بالاستضاۤئة عن النار لا بقاۤء لها الا بالكثافة المقاربة في التكليس بالنار للدخانية و هي التي تراها في السراج تنشّ لتلاشي رطوبتها فهي تمدّ الدخان كل ما جفّ منها جزء كان دخانا و استضاۤء فهي الحافظة للدخانية بمددها و في هذا اشارة الي عدم استغناۤء الحادث عن المدد في البقاۤء فهو ابدا قاۤئم في بقاۤئه كاوّل صدوره و هو معني قيام الصدور الذي نريده هنا .

قلت و ذلك الحرف هو الواو و الاصل قبل حذف الاعلال كون و هو الستة الايام التي خلق فيها الشئ .

اقول ذلك المحذوف من كون زظ ( كن خ‌ل ) هو الواو و هو ظاهر و قولي و هو الستّة الأيّام التي خلق فيها الشئ ، اريد به بيان الاقتباس من قوله تعالي خلق السموات و الأرض في ستّة ايام يوم العقل و يوم النفس و يوم الطبيعة و يوم المادة و يوم الصورة و يوم الجسم و هي مراتب وجود المصنوع و اطواره كما قلنا في الانسان سابقا و الواو بقواها تشير الي هذه الأيام التي صنع فيها يعني مراتبه و اطواره .

قلت و معني ان الالف هي الاختراع الثاني انها نزلت بتكرّرها فكانت عنها الباۤء فالباۤء تاكيدها لان نزولها انبساطها هكذا و قد كانت قائمة هكذا .

اقول معني كون الألف الاختراع الثاني لأنها فعل ثانٍ و الفعل الأول الاختراع الأول المعبّر عنه بالمشية و الألف و ان كانت مفعولاً من حيث حدوثها عن المشية الكونية الا انها حدثت عنها الباۤء المشار بها الي اللوح المحفوظ كما مرّ و حدثت عنها بواسطة الباۤء الجيم كما يأتي فلذا كانت اختراعا لأن الله سبحانه اخترع بها الباۤء و قد ذكرنا في هذا الكتاب و غيره ان الفعل قسمان فعل

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 372 *»

بنفسه و فعل بغيره و الألف من الفعل القسم الثاني ( و الألف من القسم الثاني نسخه . م . ص ) و كيفية ذلك الاختراع انها تنزلت اي تكررت فكانت الواحدة اثنين لأن ذلك النزول انها كانت قبله قاۤئمة و هي الحالة الأولي حالة الوحدة ثُمّ انبسطت فكانت الحالة الثانية و هو معني الباۤء و صورة القيام هكذا كناية عن بساطتها و صورة الانبساط هكذا كناية عن الكثرة و التعدد و مثال ذلك في مراتب الانسان و اطواره النطفة فان صفتها القيام المكنيّ به عن البساطة اذ هي شئ واحد ليس فيه مغايرة و لا اختلاف فهي مثال الألف الذي يشار به الي العقل فانه ايضا يقال الألف القاۤئم و يراد به العقل الكلي كما قال شاعرهم :

يا ربّ بالألف التي لم‌تعطف و بنقطة هي سرّ تلك الأحرف

و يراد بالنقطة الحقيقة المحمّديّة صلي الله عليه و آله و فلك الولاية المطلقة و العظام اذا كسيت اللحم فان صفتها الانبساط المكنيّ به عن الكثرة و التعدد و المغايرة لأنّ العظام اذا كسيت اللحم تمّت الخلقة فكان رأسه غير يديه و رجليه و عينيه و كل شئ منه غير الآخر فكان متغايراً متكثراً متعددا فهي مثال النفس المعبّر عنها باللوح المحفوظ المشار اليها بالباۤء المسمّاة بالألف المبسوطة كما قال تعالي و كتاب مسطور في رقّ منشور و هذا معني المبسوط المراد هنا فانه كناية عن التعدد و الكثرة و المغايرة فكانت هيئة نقش صورة الباۤء هكذا عبارة عن الكثرة و المغايرة بالنسبة الي الألف لأنه حالة واحدة و يعبّر عنها بالبساطة و للباۤء حالتان كانت قائمة ثمّ انبسطت.

قلت و انعطفت علي الباۤء و مالت فحدثت الجيم هكذا.

اقول يعني ثمّ انعطفت الألف علي الباۤء بعد تحقق الباۤء بتنزل الألف فحدثت عن الألف الجيم بواسطة الباۤء لأنّ مرادنا بتنزل الألف ظهورها بطور من اطوارها و لانريد انها انقلبت باۤءً بحيث لم‌يبق الف بعد الباۤء فلايقال ما هذا الذي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 373 *»

مال علي الباۤء لأن تنزلها في الباۤء او بالباۤء و بالجيم و غيرهما كل ذلك باطوارها فلما مالت علي الباۤء اعني الألف المبسوطة ميلا لايبلغ الانبساط حدثت بها بواسطة الباۤء الجيم هكذا و لو كان الميل هنا يبلغ الانبساط هكذا لكانت الألف باۤءً علي باۤء فحينئذٍ تحدث الدال لا الجيم و السّرّ فيه ان الجيم احمر و الألف ابيض فبمجرد الميل كان اصفر و الصفرة اول مراتب الباۤء كما ان المضغة اول مراتب العظام المكسية لحما فحلّت الصفرة فيه فاجتمع البياض مع الصفرة فحدثت الحمرة التي هي طبع الجيم و هذا جارٍ علي ترتيب البروج لا علي العناصر كما هو مذكور في محله فلذلك قلنا ان الجيم حدثت بميل الألف علي الباۤء اي من ميل صورة الألف الي صورة الباۤء في الظاهر و في التأويل صورة الباۤء هي الصفرة لأنّ الميل حال ثانٍ بعد البساطة.

قلت و معني ان الباۤء الابداع الثاني انها تنزّلت بتكرّرها فكانت عنها الدال هكذا و مالت علي الجيم فكانت الهاۤء هكذا .
اقول معني ان الباۤء ابداع ثانٍ لأن الفعل هو الابداع فحدثت عنه الباۤء و حدثت عنه الدال بواسطة الباۤء فكانت ابداعاً ثانيا و الفعل ابداعاً اوّلا و دليل كونها ابداعاً ثانياً انها تنزلت بتكرّرها علي نحو ما ذكرنا فكانت عنها الدال اي فكانت الدال بالابداع الأوّل بواسطة الباۤء فمادة الدال طوران من اطوار الباۤء و قولي هكذا تمثيل لصورة تنزل الباۤء في تكرّرها و هو كناية عن تنزّل الجواهر النفيسة (النفسية ظ) في جواهر الهباۤء التي هي المواد و صورتا الباۤء اللتان حدثت الدال عنهما مبسوطتان علي الاستقامة الا ان ابتداۤئيهما اعني طرفيهما الأولين مايل كل واحد منهما علي جهة الآخر لما بينهما من التوافق لكونهما من شئ واحد و هو الباۤء و من كونهما ابداعاً ثانياً ايضاً انها مالت علي الجيم بنحو الميل المذكور في ميل الألف علي الباۤء في تكوّن الجيم فكانت عنها الحاء هكذا فالمايل الأول علي الباۤء هو الألف بوحدته لأنه في اول الدور الثاني و ذلك لأن الألف في الدور الأوّل مالت بوحدتها ( اوّلاً خ‌ل ) علي الباۤء فكانت الجيم و مالت ثانياً في الدال بتكرره الذي هو الباۤء علي الباۤء فكانت

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 374 *»

الدال و في الدور الثاني مالت بوحدتها اولاً علي الباۤء فكانت الجيم و بتكرّرها ثانياً علي الجيم فكانت الهاۤء .

قلت و انما كان ميل الباۤء مخالفا لميل الالف لان الالف قاۤئم و ميل القاۤئم الي الانبساط و الباء مبسوط و ميل المبسوط الي الركود .

اقول هذا جوابٌ عن سؤال مقدّر و تقديره اذا كانت الباۤء هي ميل الألف فلا ميل لها زاۤئداً علي انبساطها و الجواب ان الميل اذا كان الي ما هو دون المائل يكون بحال انزل من حاله ( حالة خ‌ل ) الأولي فالألف لما كان قاۤئما يميل بالانبساط و المنبسط يميل بالانحطاط فيكون لها ميل بانحطاط طرفها الأخير الي طرف الجيم الأخير فتحدث الهاۤء و هكذا تأثير الألف و الباۤء في ساير الحروف بنوع ما سمعت و هو مفصّل في محله من علم الجفر و علم الخط.

قلت ثم اعلم ان هذه الحروف التي هذه الحروف اللّفظية مظاهرها قسمان احدهما المرتبة الثالثة من مراتب الفعل و هو السحاب المزجي و الثاني افراد الفعل في فعل الشئ .

اقول هذه الحروف اللفظية مظاهر الحروف المعنوية و اذا اطلقت اريد بها احد اشياۤء لكن المقام يقتضي اثنين لأنّا في باقي الكلام علي الفعل و قد اصطلحنا علي رتبتين منه بتسميتهما حروفا و ذلك بلحاظ انه الكلمة التامة و لها حينئذٍ اعتباران احدهما في اعتبار بدء كونها بنفسها كما مرّ ذكره فانّا قسّمنا ذلك البسيط باعتبار متعلقه المتكثرة عند تعلّقه به علي اربعة اقسام احدها النقطة و الرحمة و ثانيهما ( و ثانيها نسخه . م . ص ) الألف و النفَس الرحماني الأولي و ثالثها الحروف و السحاب المُزجٰي و رابعها الكلمة التامّة فاطلقنا الحروف علي الرتبة الثالثة كما تقدّم و ثانيهما ان هذه الكلمة هي الكلمة التي انزجر لها العمق الأكبر و لها وجوه و هي تعلّقاتها بالأشياۤء فكل شئ كلي او جزئي كبير او صغير لها به تعلق خاص

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 375 *»

لايصلح لغيره و تلك الوجوه حروف من تلك الكلمة كما نسمّيها بانّها وجوه منها و رؤس لها كما يأتي .

قلت و ذلك لان فعل الله سبحانه لجميع الاشياۤء فعل واحد يجمعها علي كثرتها في وحدته قال تعالي و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر ، ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة .

اقول ان فعل الله واحد كما قال تعالي و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و قوله كلمح بالبصر يشير به الي دقيقة لأنّه لما كانت الأشياۤء تنقاد له كلمح البصر دلّ علي انه لايحتاج الي التكرار و لا التأكيد و لا التشديد لأنّ هذه و امثالها تقتضي التعدّد و المعالجة الموجبة لتكثّر الفعل فاخبر تعالي بنفي ذلك بدلالة انقياد الأشياۤء لأمره كلمح بالبصر المستلزم لكمال البساطة و الوحدة و كذلك قوله تعالي ما خلقكم و لابعثكم الا كنفس واحدة فانّ فيه تنبيهاً علي شيئين احدهما هذا المعني و الثاني ان الأشياۤء نفس واحدة لأن العالم اعني ما سوي الله شئ واحد في صورة رجل بل خلق الله الانسان علي صورته فهو انموزج منه و الفعل تعلّق به كتعلق وجه من وجوه الفعل بزيد في ايجاده فلذا قال تعالي ما خلقكم جميعا كل شئ في مكان حدوده و وقت وجوده و لا بعثكم الا كنفس واحدة يعني كخلق زيدٍ و عمرو و لا ريب ان الوجه المختص بصنع شئ لايصلح لغيره لاعتبار الوحدة فيه التي هي مناط التعيين فكذلك العالم كله فكما يكون في ايجاد زيد من الدفعة و التدريج في اجزائه و اوصافه كذلك في العالم الكبير من الدفعة و التدريج و الترتيب و غيرها .

قلت و له باعتبار تعلقه بكل فرد من افراد الموجودات ذات او صفة رأس يختص به هو مشية اللّه الخاۤصة به .

اقول للفعل الذي هو المشية في الكون الذي هو الوجود و هو الارادة في

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 376 *»

العين التي هي الماهية و الانيّة و هو القدر في الحدود و التعيين و هو القضاۤء في الاتمام و هو الامضاۤء في الاعلام بكسر الهمزة باعتبار تعلّقه بايجاد كل فردٍ من افراد الموجودات من ذاتٍ او صفة غيبٍ او شهادة وجه و رأس يختص بايجاد متعلقه من جزئيّ او كليّ و من كل او جزء علي وجه هو مراد الله من ذلك و ذلك الفعل هو مشية الله الخاصّة به فاذا لحظت ان المشية الكلية كلمة الله قلت هذا الرأس المختص بهذا الشئ هو حرف من حروف تلك الكلمة و ان سمّيته ابنا و الكلية آدم الأوّل و هو ابو ذلك الابن جاز و ان سمّيته رأسا من حيث ان تلك الكلمة الكلية ملك او ذات هي برزخ البرازخ جاز و ان سمّيته وجهاً لذلك الشخص لأنه توجه منه خاص بذلك الشئ المحدث به جاز و ان سمّيته وجهاً لرأس كليّ اضافيّ منها جاز و هكذا .

قلت فهذه الرؤس حروف باضافة كل رأس الي فردٍ من الخلق اذا نسبت الي الفعل المطلق و الخلق من جهة الافراد حروف بالنسبة الي المجموع .

اقول هذا تفريع علي ما تقدّم من كون تلك الجهات الجزئية المختص كل واحد منها بمشاۤء تسمّي حروفا و لهذا اذا نسبت تلك الأفعال الجزئية الي الفعل المطلق الكلي و كذلك متعلقات هذه الأفعال الجزئية بالنسبة الي المجموع من المخلوقات تسمّي حروفا و هذا ظاهر يعرف ممّا تقدّم .

قلت و كل فردٍ منها باعتبار اسبابه و شروطه و مقوّماته المذكورة من الوجود و الماهية و الستة المذكورة و الوضع و الاجل و الكتاب و الاذن و غير ذلك و نهايات هذه الاشياۤء المذكورة و اعراضها و اشعّتها الي انقطاع وجوداته كل واحدٍ بوجهٍ مختص به من ذلك الرأس المختص بذلك الفرد من الفعل الكليّ نسبة كل وجهٍ الي ذلك الرأس كنسبة ذلك الرأس الي الفعل الكلي .
اقول: و كل فرد منها باعتبار اسبابه اي كل واحد من المفعولات باعتبار كونه فرداً اذا لوحظت اسبابه اي اسباب تمكينه و تكوينه و تكوّنه من الامكانات و علل الأكوان و شروطه التي يتوقف عليها كونه مما ليس من ذاتياته و مقوّماته المذكورة سواۤء كانت من ذاتياته ام لا من الوجود و مِنْ هنا بيانية

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 377 *»

يعني بيان المقوّمات مطلقا و المراد بالوجود هنا ما هو بالمعني الأوّل اعني المادة و لايدخل علي الظاهر الوجود بالمعني الثاني اعني كونه اثرا اذ لاتتقوم بنيته بكونه اثرا و ان كان في الحقيقة لايتحقق له شيئية اصلاً الا بذلك و الماهية عطف علي الوجود و المراد بها الماهية علي المعني الأوّل اعني الصورة و انفعال الوجود و الكلام فيها علي المعني الثاني اعني هوية الشئ و انيته كالكلام في الوجود علي ما حقّقناه في شرح مشاعر الملاصدرا في ابطال قول صاحب الاشراق انه تعالي لم‌يجعل المشمش مشمشا و الستّة المذكورة اعني الكمّ و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و الوضع بمعانيه الثلثة. و هي الحيّز للجوهر الفرد و ترتيب بعض اجزاۤء الشئ علي بعض و ترتيب اجزاۤئه بالنسبة الي ما خرج عنه و الأجل ابتداۤء الشئ و مدّة بقاۤئه و وقت انقضاۤئه و الكتاب اعني اثبات الشئ و اعراضه و اسبابه و مسبباته و اوضاعه و ما يترتّب عليه و ينسب اليه مطلقا في الواح الأكوان من الذوات و الأعراض و العكوسات و ما اشبه ذلك مما له مدخل في القضاۤء و الامضاۤء و الاذن فيما قضي له الانتقال اليه باسبابه و ما يترتّب عليه و غير ذلك مما يطول ببيانه الكلام و نهايات هذه الأشياۤء اعني الستّة المذكورة و ما بعدها مثل كمّ الكيف و كيف الكيف و كيف الكمّ و كمّ الكمّ و هكذا في ساير ما ذكرنا فان كل واحد منها يجري عليه كلها باعتبار و يكون ذلك بنوع التضايف و التساوق و الاتحاد و اعراضها و اعراض اعراضها و اشعتها و اشعة اشعتها و اشعة الأعراض و اعراض الأشعة الي انقطاع وجوداته الي ان تنتهي نسب كل واحد منها و اوضاعه و مضافاته الداخلة و الخارجة كل واحد من هذه الحوادث المشار اليها متعلق بوجهٍ مختص به لايصلح لغيره الا مع تغييرها فانّه حينئذٍ يصدق عليه الغيرية فيتعلق به اي بذلك مع تغيير يلحقه بنسبة ما يلحق متعلقه من ذلك الرأس المختص بذلك الفرد يعني ان ذلك الوجه الذي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 378 *»

تعلّق بخنصر زيد مثلا غير ما تعلّق ببنصره الا انّهما وجهان من الرأس المختص بزيد و هذا الرأس من الفعل الكلي اعني المشية الكونية الكلية المتعلقة بجميع ما سوي الله تعالي من الكاۤئنات و نسبة ذلك الوجه الي الرأس الذي هو منه كنسبة الرأس الي الفعل الكلي و مثال الكلي كالشجرة و الرؤس كالأغصان و الوجوه كالورق و هذا مجمل و الا فالرؤس لها وجوه و هي رؤس لوجوه دونها كالشجرة فان الأغصان الكبار رؤس لها و لكل رأس وجوه و هي اغصان صغار فان الغصن الكبير فيه اغصان صغار و تلك الأغصان الصغار فيها ايضا غصون اصغر منها في كل غصن حتي تنتهي الي غصن ليس فيها الا الورق .

قلت فهذه حروف لهذه الكلمة و الكلمات الجزئيّة حروف للكلمة الكلية .

اقول هذا تفريع علي ما ذكرناه و هو مبني علي تسمية الفعل بالكلمة التامّة لأن الكلمة مركبة من حروف و قد يكون الجزء حرفاً باعتبار و كلمةً باعتبار آخر فالوجه علي تسميته بالشخص حرف من الكلمة التي هي الرأس و هو اي الرأس الذي هو الكلمة الجزئية حرف من الكلمة الكلية .

قلت فهذا الحكم جار لكل مرتبة من مراتب الفعل في كل مفعول متبوع او تابع او مساوق او مُساوٍ .

اقول يعني ان الحكم باختصاص كل محدث بقدره من الفعل في الكل و الجزء و الكلية و الجزئية و الذاتية و العرضية فايجاد الكل بكل من الفعل و الجزء بجزء منه و الكلي بكلي و الجزئي بجزئي و الذاتي بذاتي و العرضي بعرضي كل بحسبه سواۤء كان المفعول متبوعاً كالموصوف او تابعاً كالصفة او مساوقاً كالفعل و الانفعال او مساوياً كزيد و عمرو .

قلت فالفعل بالنسبة الي من دونه ذات واحدة استفادت الذّوات من ذاتها تذوّتاتها و الصفات من هيئاتها تذوّتاتها و من صفاتها توصيفاتها .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 379 *»

اقول الفعل ذات واحدة لأنه اول الآدميين الذين هم الف‌الف آدم في الف‌الف عالم آخرهم ابونا آدم عليه السلام الذي هو مخلوق من التراب فهذا آدم الأكبر خلقه الله سبحانه بنفسه و اقامه بنفسه و امسكه بنفسه فهو قائم بنفسه قياماً ركنيا و جميع الذوات القائمة بموادها انما استفادت التذوّت منه كما استفادت الكتابة التذوّت اي التشخص و التعين من هيئة حركة يد الكاتب و في هذا تلويح بل تصريح بفساد قول من قال ان الفعل معني نسبي لا تحقّق له و انما التحقّق و التذوّت للفاعل و المفعول و الحق ما ذكرناه و ان كان الفعل ايضا استفاد الذاتية و الشيئية من الله سبحانه بمعني ان الله سبحانه افاده الذاتية لا من ذاته تعالي اذ لايخرج من الأزل شئ و لايدخله شئ و لا من ذات غير ذات الفعل و الا لكان معه تعالي غيره قديم بل اخترع سبحانه ذات الفعل لا من شئ بذات الفعل فاقامه بنفسه علي نحو ما ذكرنا في هذا الشرح سابقا و في كثير من رسائلنا فافهمه ( فتفهّمه نسخه . م . ص ) راشداً فانه دقيق جدا و الحاصل ان الذوات انما كانت ذواتاً بكونها اثراً لها و الاثر يشابه صفة مؤثره فبمشابهتها في صفة التأثير بالتأثير كانت ذواتا فالأشياۤء ذوات بالمشية لتقوّمها بها تقوّم صدور و صفات الأشياۤء تحققت ذواتها من هيئات المشية و معني ذوات الصفات ان ذاتها هو كونها صفة و هذا معني قولنا و الصفات من هيئاتها تذوّتاتها اي استفادت الصفات من هيأت المشية تذوّتاتها يعني انّ تحقق كونها صفة انما ثبت لها من هيئات المشية و استفادت ايضا الصفات من صفات المشية توصيفاتها اي توصيفات الصفات اعني وصفها و وصف الموصوف بها و المراد بقولي اعني وصفها هو جعلها و جعلها صفة و وصف الموصوف بها كل ذلك من تأثير صفات المشية بالمشية.

قلت و رؤس تلك الذات الشريفة المقدسة كثيرة و كل رأس فله وجوه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 380 *»

كثيرة .

اقول هذا من تمام الكلام الأوّل و هو ان الفعل الكلي له رؤس بعدد افراد الموجودات و لكل رأس وجوه كثيرة بعدد جهات كل فرد من افراده و اجزاۤئه و احواله و صفاته منسوبة الي ذلك الرأس كما اشرنا اليه سابقا .

قلت ثم اعلم ان الجعل قد يستعمل في المراتب الاربعة فيطلق علي كل مرتبة استعمل فيها لغةً و يجري حكمه في كل مرتبة بما لها .

اقول ان الجعل قد يستعمل في المراتب الأربعة المشية و الارادة و القدر و القضاۤء فيقال جَعَلَ الكون اي خَلَقَهُ و شاۤءَهُ و جَعَلَ العين اي ارادَها و برءَها و جَعَلَ الحدود اي صَوَّرَها و قَدَّرَها و جَعَلَ تمام الصنع اي قضاهُ و اَتَمَّهُ و يجري حكم الجعل في كل مرتبة من مراتب الفعل بما لها كما مثّلنا به هذا اذا ضمن معناها بان وقع بابتداۤء الصنع .

قلت و كثيراً ما يستعمل في ايجاد اللوازم لملزوماتها قال الله تعالي الحمد للّه الذي خلق السموات و الارض و جعل الظلمات و النور لايجاده النور من المنير و الظلمة من نفس النور من حيث هو .

اقول ان الجعل في الاستعمال من حيث مفهوم مادته و هيئته التركيبية كثيراً مّا يستعمل في احداث اللوازم لملزوماتها و ذلك لأنّ اللوازم كثيراً مّا تخلق من نفس الملزوم اما من حيث هو هو كالظلمة من نفس الكثيف من حيث هو هو و اما من حيث علّة وجوده كالنور من المنير لأنه مخلوق من المنير من جهة علة انارته و هو قبوله للايجاد علي حسب مقتضي الصنع لمحبّة الفاعل لا علي حسب حكم الوضع لأن خَلَقَ الذي هو الفعل حدث به الكون الذي به كان الذكر الأول الذي هو معني المشية و حدثت به العين في مقام تأكده الذي هو معني الارادة و صدرت عنه الملزومات كما في الآية الشريفة من السموات و الأرض و صدر عن الجعل اللوازم التي هي النور و الظلمة كما ذكرنا من صدور

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 381 *»

النور اللازم للقابل بمقتضي محبّة الفاعل و من صدور الظلمة اللازمة للقابل من نفسه بمقتضي حكم الوضع كما هو مذكور هنا .

قلت و يتميز عن تلك المراتب اذا استعمل مع احدها كما في الاية الشريفة .

اقول ان الجعل يكون بمعني المشية و الارادة و القدر و القضاۤء كما ذكرنا اذا اطلق منفرداً عنها و اما اذا ذكر مع واحد منها كان ذلك الواحد مستعملاً فيما يختص به او يكون متضمناً له و يكون الجعل مستعملاً في بعض لوازمه علي نحو ما ذكرنا .

قلت و يستعمل للتصيير و القلب لشئ الي شئ اخر .

اقول و يستعمل الجعل للتصيير بان يصير شئ شيئاً آخر و ينتقل من الحالة الأولي الي حالة ثانية و هو معني القلب مثل قولك جعلت الطين خزفا فانك تريد انك نقلته من حال الطين الي حال الخزف بمعني ان اصل المادة باقٍ فقلبت تلك الماهية برفع صورتها الي ماهية اخري بما البستها من الصورة الثانية و ليس المراد ان اصل المادة اضمحل و الثاني حادث جديد ليكون الجعل بمعني الخلق و انما المراد ان اصل الشئ باقٍ و انما غيّرت الحالة الأولي و هذا معني القلب و التصيير .

قلت و حكمه في استعمالاته الثلاثة حكم ما تقدَّم من الافعال في مراتبها حرفاً بحرفٍ .

اقول ان حكم الجعل في استعمالاته الثلاثة اعني الأوّل استعماله في معني المشية اعني خلق الكون اي الوجود و في معني الارادة اعني خلق العين اي الماهية و في معني التقدير اعني خلق الحدود اي المشخصات المعنويّة و الحسّيّة و الثاني استعماله في ايجاد اللوازم لملزوماتها فاستعماله في موادّ اللوازم النوعية بمعني شاۤءَ و في صور اللوازم النوعية بمعني ارادَ و في حدود اللوازم و مقاديرها بمعني قَدَّرَ و الثالث استعماله في التصيير و القلب من حالٍ الي حال و من شئٍ الي شئٍ آخر و استعماله في مواد المصير و المقلوب او في نفس

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 382 *»

القلب و التصيير بمعني شاۤءَ و خَلَقَ و في صور التصيير و القلب بمعني ارادَ و بَرَءَ و في حدود التصيير و القلب بمعني قَدَّرَ و صَوَّرَ لأن الكون و العين و الحدود و اتمام الشئ تجري في كل شئ من الذوات و الصفات بحسبه لأن الأعراض كالجواهر فيصحّ فيها ما يصحّ في الجواهر كل بنسبته فحكم الجعل في استعمالاته الثلاثة حكم ما استعمل في معناه من الأفعال المذكورة في مراتبها اي المشية في خلق الكون و الارادة في خلق العين و القدر في خلق الحدود المشخصة بلا زيادة و لا نقيصة و هو مرادي بقولي حرفاً بحرف و انما قلت في مراتبها لأن الأفعال قد تستعمل في غير ما ذكر لها فنقول شاۤءَ ايجاد الحدود اي قَدَّرَ فتكون حينئذٍ ليس في مراتبها بل ضمنت معني ذي الرتبة فلو استعمل الجعل في معني استعمال المشية ( معني المشية نسخه . م . ص ) في غير مرتبتها مثل شاۤء الحدود كان الجعل حينئذٍ بمعني قَدَّرَ لا بمعني شاۤء و انما قلتُ في الاستعمالات الثلاثة و لم‌اقل الأربعة لأن المعروف من اطلاق الجعل ظاهراً هو معني الايجاد و في الظاهر القضاۤء ليس فيه معني الايجاد ظاهراً اذ معناه في الظاهر هو الاتمام و هو ليس ايجاداً علي حسب الظاهر و ان كان في نفس الأمر بل و في الواقع انه ايجاد الا انه ليس بمتبادر الي الأفهام فلذا عدلتُ عن الأربعة الي قولي الثلاثة و للعدول علّة ثانية و هي ان استعمال الجعل قبل اتمام الشئ و قضائه لأن بعد الاتمام لايلحقه جعل فاذا تمّ الشئ و لحقه الجعل فانما لحقه باعتبار ما يحدث له من الحالة الثانية المنتظرة و ليست هي كائنة حينئذٍ ليقال عليها الاتمام الذي هو القضاۤء .

قلت فقولهم الجعل البسيط و الجعل المركب ليس بتام في المركب .

اقول هذا تفريع علي ما ذكرنا من ذكر تقسيم الافعال و من استعمال الجعل فيما هو مقتضي مفهومه و في معني بعض الأفعال في رتبته كما تقدّم فانه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 383 *»

يفيدك ان الفعل لايزيد علي مفعوله فان الحركة التي احدثت بها كتابة الباۤء مثلاً لاتزيد عليها و لاتنقص و الا لحدث شئ غيرها و يلزم من هذا ان المجعول اذا اعتبر فيه جهة تعدّد كان ذلك معتبراً في جعله الذي به حدث فاذا فرضت في المفعول جهة تعدّد و مغايرة حصل القطع بوجود مبدء التعدّد من فعله الذي به حدث و عنه صدر و هذا التغاير انما حصل بوجود شئ آخر و هذان الشيئان الحاصلان في الفعل حدث عنهما التغاير في المفعول و يجب ان يختص كل جهة من الجعل بمتعلقها من المجعول بحيث يصدر عنها و لايصدر ذلك المتعلق من شئ من الجهة الأخري بل كل جهة يختص بمتعلقها و لاتصلح لغيره و علي هذا كما لايقال للرأس من الفعل المختص بايجاد زيد انه مركب منه و من ايجاد عمرو لأن كلا من زيد و عمرو غير الآخر و ما يختص بزيد من الرأس من الفعل لايختص بعمرو و لايصلح له و لايتركب منه فلايقال للجعلين انه جعل مركب لأن كل واحد غير الآخر و مجعوله غير مجعول الآخر فهما جعلان بسيطان و التغاير بين زيد و عمرو الموجب للعلم القطعي بتغاير جعليهما و عدم التركيب بينهما هو بعينه التغاير بين الطين و الخزف و بين الوجود و الماهية و بين الكسر و الانكسار و بين جميع الأمور الاعتبارية المتغايرة بمفهومها بعضها مع بعض سواۤء كان التغاير باعتبار نفس الأمر ام الخارجي ام الذهني اذ لايعقل ان يكون شيئان متغايران بجهة من جهات التغاير علي ايّ فرض كان صادرين بجعل واحد بل بجعلين مختلفين كل واحد يختص بجهة غير جهة الآخر لتحقق التغاير بين المجعولين و هذا دليل اِنّيٌّ كما قرّر في محله فتكون الجعلات بسيطات ابدا الا ان يعتبروا جعل الأجزاۤء في المجعولات المركبة و حينئذٍ لايكون جعل بسيطاً ابدا اذ لايوجد مجعول بسيط كما ذكرنا سابقا و رويناه عن الرضا عليه السلام من قوله ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ه‍ ، فعلي كل تقدير لايستقيم

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 384 *»

تقسيمهم الجعل الي بسيط و مركب بل يقال ان الجعل و الفعل واحد كما قال تعالي و ما امرنا الا واحدة و المجعول المركب صدر بجعلات متعددة لا بجعل مركب اذ لايعقل التركيب في الجعل و ما توهموه في حدوث شيئين في الاعتبار بجعل واحد كجعل الوجود و الماهية فتوهم باطل و يأتي بيانه ان شاۤء الله تعالي .

قلت لان التركيب انما يتحقق في شئ ضمّ اليه مساوٍ له او مخالف او مباين و يكون ذلك المركب شيئا واحداً اي يصدر عنه فعل واحد في موضوع واحد و ليس ثمّ مماثل غير ذاته او صفته و الشئ لايتركب من ذاته و صفته في شئ واحد .

اقول هذا معلوم لأنّ الشئ اذا ضمّ اليه مساوٍ له كتراب و تراب مثلا فان المجموع منهما مركب منهما او مخالف كالماۤء و التراب فان الطين مركب منهما او مباين كالوجود و الماهية فان زيداً مركب منهما فاما التراب و التراب و الماۤء و التراب المركب منهما الطين فهي عندهم ظاهرة فان لكل واحد من الجزئين جعلاً علي حدة و للمجموع جعل واحد علي حدة و لا خلاف في هذا لأنه ظاهر و اما الوجود و الماهية ففيه الخلاف و الاختلاف انما نشأ من خفائهما في انفسهما فلذا وقع الاختلاف فيه في انه هو المجعول خاصة و اما الماهية فليست مجعولة بل هي صورة علمية او ليست شيئاً اصلا او انها مجعولة بجعل الوجود يعني ان الجعل للوجود لا للماهية و انما انجعلت بتبعية جعله او انها بنفسها لا بجعل جاعل الي غير ذلك من خرافات الأقوال و لا شك في تعدد الجعل في المساوي و المخالف و تغايره و حينئذٍ يلزم وحدة الجعل و بساطته و اما في المباين كما مثّلنا به فنقول ان كانت الماهية شيئا فهي مجعولة بجعل خاص بها لايصلح للوجود اما انها مجعولة فلأنها غير الله عزوجل و كل ما هو غير الله عزوجل فهو مخلوق لله سبحانه و اما انها بجعل خاص لايصلح للوجود فلأنها ضدّه و المجعول صفة جعله و تاكيد تاثيره فيجب ان يكون جعل الوجود مغايراً لجعل

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 385 *»

الماهية كما انه مغاير للماهية و حينئذٍ يتعدد الجعل و ليس هذه صفة التركيب لأن كل جزء من المجتمع من الجعلات يتعلق بجزء مختص به من المجعولات لايصلح لغيره اصلا و انما هذه صفة الجعلات البسايط اذ مقتضي الجعل المركب لو كان ان يكون كل جزء من اجزائه مؤثراً في كل جزء من اجزاۤء مجعوله المركب و الأمر ليس كذلك و ان اريد الأعم منه و من كون كل جزء منه مختصا بجزء من مجعوله لايصلح لغيره لم‌يوجد الجعل بسيطا كما ذكرنا سابقا و ان لم‌تكن الماهية شيئا فليس جعل الوجود حينئذٍ مركبا بل هو جعل بسيط تعلّق بمجعول بسيط و قولي و ليس ثَمَّ مماثل غير ذاته او صفته الخ ، جواب عن سؤال مقدّر تقديره اذا قلتم ان الماهية مجعولة بجعل هو صفة جعل الوجود فيكون جعل الوجود مركبا اذ لاينفكّ عنه و الجواب ان الشئ لايتركب من ذاته و صفته الفعلية لأن المراد بالصفة هنا الفعلية و ذلك كالقيام فان زيداً لم‌يكن مركباً من ذاته و قيامه و اذا تركب شئ من قيامه فانما تركب من صفة فعله و اثر فعله و هما صفتان معا كالقاۤئم فانه مركب من صفة الحركة الايجادية للقيام و هي اسمها و من اثرها اعني القيام و المدعي هو ان جعل الوجود مركب من نفس الجعل و من صفته اعني جعل الماهية و هو ممتنع لأن الصفة الفعلية اثر للحركة و صادر عنها و كيف يجري عليها ما اجرته فافهم .

قلت و تمثيلهم بقولهم جعلتُ الطين خزفاً فان اريد تغيير الطين و تصيير المتغيّر خزفا فهو جعلانِ كلّ واحدٍ في ماۤدّة و هما رأسان من الجعل الكلي .

اقول هذا بيان تمثيلهم للجعل المركب فان الجعل واحد مع ان اثره مجعولان و لكن اذا سلّمنا لهم ذلك باعتبار تعدّد اثره لم‌نسلّم لهم تركيب الجعل اذ علي تقدير التعدد يكون جعلان بسيطان كل واحد في مادة و بينهما مساوقة وقتية و ان كان احدهما مترتباً علي الآخر و بيان الردّ قولنا فان اريد تغيير الطين و هو بفعل ( بجعل خ‌ل ) غير المتغيّر خزفاً و هو اوّلٌ و جعله خزفاً و هو ثانٍ فلذا قلنا هما جعلان كل جعل في مادة فجعل التغيير في الطين هو الأول و جعل المتغير خزفاً هو الثاني ، مادة الأوّل الطين و مادة الثاني المتغير منه و ان كان الثاني

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 386 *»

مترتباً علي الأول و قولي و هما رأسان من الجعل الكلي ، اريد به الحركة المغيرة للطين عن الحالة الأولي و المصيّرة له خزفا فانهما وجهان من الرأس المتعلق بهذا الشئ و ان شئت قلت رأسان من الجعل الكلي و الجعل يجوز ان يريد (يراد ظ) به الاضافي اعني المختص بالطين في احواله كلّها مثلا و يجوز ان يريد (يراد ظ) به الحقيقي المتعلق بجميع الممكنات و يكون حينئذٍ كون هذين رأسين من الكلي انما هو مع قطع النظر عن الوسايط يعني انهما رأسان منه مع عدم اعتبار الوسايط الكثيرة في خصوص مسئلة الطين .

قلت و ان اريد قلب الطين خزفاً من غير اعتبار تغييره و انما هو حركة واحدة في جهة واحدة فهو جعل واحدٌ .
اقول ان اريد بقولك جعلت الطين خزفا صنع الخزف مع قطع النظر عن نقله عن الحالة الأولي الي الثانية فهو جعل واحد بسيط و هذا ظاهر .

قلت و ان اريد به ما يستعمل في تكوين المتبوع و تكوّن التّابع به كجعل الوجود و انجعال الماهية بجعل الوجود فهذا في الظاهر جعل واحد لشيئين مختلفين .

اقول ان اريد بذلك مثل ما يستعملونه في جعل الوجود و الماهية من جهة الملازمة بينهما فان الماهية لازمة للوجود فاذا جعل انجعلت معه بجعله ففي الظاهر اي علي ما يظهر للناظر بلاتأمل او مع تأمل يرجع فيه الي المتابعة و التقليد و الرجوع الي ما في الكتب و الي القواعد لا الي مقتضي الفطرة هو جعل واحد اذ ليس الا جعل الوجود مثل كَسَرْتهُ فانكسر فانه لم‌يصدر من الفاعل الا فعل الكسر و امّا الانكسار فليس من الفاعل لأنّ ضمير انكسر راجع الي المفعول و ليس من المفعول ايضا لأنّ المفعول انما يتحقق بعد الانكسار مثلا و لا من نفسه لأنّ الشئ لايحدث نفسه فلم‌يبق الا انه كان بتبعيته فعل الكسر و ليس الكسر الصادر من الفاعل متعددا فيكون جعلاً واحدا و هذا علي تقدير التسليم

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 387 *»

لقولهم فانه لايحصل جعل مركب اذ لم‌يصدر الا فعل واحد عن الفاعل و اردت بقولي في الظاهر ، الاشارة الي ان ذلك في الحقيقة متعدد و مع هذا فلايكون التركيب المدعي لان التركيب لايتحقق الا علي نحو ما قلنا سابقا فراجع .

قلت لكن ما انجعلت به الماهية ليس بجعلٍ كجعل الوجود و لا مخالف له و لا معاندٍ له و ان كان في جهتين فلايكون الجعل منهما مركبا لان ما جعلت به الماهية صفة لما جعل به الوجود و اثر له و لايكون الشئ مركبا من ذاته و اثره .

اقول ان ما انجعلت به الماهية ليس علي ما يتوهم كما ذكرنا عنهم قبل من انه ليس بجعل لا من الفاعل و لا من المفعول و لا من نفس الانجعال الخ ، بل هو جعل حقيقي لأن الماهية بعد ثبوت كونها شيئا لا بدّ و ان تكون مجعولة و لايجوز ان يكون ذلك من نفسها و لا من غير جاعل بل تكون مجعولة بجعل جاعل و لايصحّ ان يكون ذلك الجعل هو جعل الوجود لأنها غير الوجود و اذا كان المجعول صفة الجعل و تأكيده امتنع ان يكون جعلها جعله و ان يكون جعلها مخالفاً لجعله و لا معانداً لترتّب وجود جعلها علي وجود جعله فلايكون جعلها نفس جعله لأن الشئ لايترتّب علي نفسه لاستلزام تأخّر المترتب من المترتب عليه و لا مخالفاً و لامعانداً له و الّا لماترتّب عليه لكن لما كانت في الحقيقة صفة لنفس الوجود و مخلوقة من نفسه وجب ان يكون جعلها كذلك فيكون جعلها من جعله و اثراً له فهو كالشعاع من المنير و لايجوز ان يتركب شئ من شئ و اثره او صفته الفعلية فلايكون الجعل مركباً من جعل الوجود و جعل الماهية و اما الشئ كزيد مثلا منهما فهو جعل واحد كما تقدّم و يأتي بيان نسبة جعلها الي جعله ان شاۤء الله تعالي .

قلت فان ما جعل به الوجود كالشمس للنور و ما جعل به الماهية كنفس النور للظِلّ فان جعل الشمس للنور جعل وحده و جعل نفس النور من حيث نفسه للظل جعل وحده مغاير للجعل الاول .

اقول يعني ان الجعل الذي جعل به الوجود الذي يقال له اوّلاً و بالذات مثل الشمس اي ذات مستقلة بنفسها في ايجاد النور و احداثه كما ان جعل

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 388 *»

الوجود مستقل في ايجاد الوجود و احداثه و الجعل الذي جعلت به الماهية صفة لاتتقوّم بنفسها و انما تتقوم بموصوفها فهو كنفس النور للظلّ يعني نفس النور من حيث نفسه يحدث عنه الظل بواسطة حفظ الشمس لنفس النور و الجعلان متغايران كل واحد جعل علي حدة و ان كان الثاني مترتّباً علي الأوّل و صفة له و نسبته اليه في القوة و الضعف نسبة واحد من سبعين و ليست الشمس جاعلة للظل و الا لعاد اليها و كان نورا لكنّه يعود الي الجدار المعبّر به عن نفس النور من حيث نفسه .

قلت و كونه مترتبا عليه و متقوّما به لايلزم منه التركيب لان الشمس لم‌تجعل لنفسها الظل .

اقول هذا جواب عن سؤال مقدّر تقديره انّ جعل الظل مترتّبٌ في الوجود علي جعل النور و لم‌يتقوّم وحده فدلّ علي تركيبه منه و الجواب انّ كونه مترتباً عليه و متقوماً به لايلزم منه التركيب كما هو شأن جميع المعلولات بالنسبة الي عللها مع انها ليست متركبة عنها و ايضا الشمس لم‌تجعل الظلّ لنفسها بان يكون صفة لها ليكون جعلها للنور جعلاً للظلّ فتكون جاعلة له بنفسها كما جعلت النور بنفسها و انما جعلته بنفس النور لنفس النور فلذا بدء منه و اليه يعود و ان كان مترتّباً عليه يعني ان جعل الظلّ انما يكون بجعل النور لأنه صفته من حيث نفسه و الصفة لاتتحقق الا بعد تحقق موصوفها .

قلت و قوله تعالي ثم جعلنا الشمس عليه دليلا لايدل علي انها جاعلة له اذ لو جعلته بجعل النور لكان نوراً اذ ليس فيها ظل و ان جعلته بجعل نفس النور التي هي اصل الظل واقعاً دلّ علي انها حافظة للنّور الجاعل للظل لا جاعلة فلايحصل التركيب حقيقة و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر .

اقول هذا جواب عن سؤال مقدّر تقديره انّ الآية المذكورة دالّة علي ان الظلّ صادر عنها فيكون جعل النور هو جعل الظل و يلزم من ذلك التركيب علي معني ما ذكروا و الجواب ان الآية لاتدلّ علي ذلك لانّ كون الشمس دليلاً ليس

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 389 *»

هو كونها جاعلة و انما دلالتها ( دلالته خ‌ل ) عليه بيان ارتباطه بها في المدّ و القبض لا بكونها جاعلة له و هذا ظاهر علي انها لو جعلته لكان اثراً لجعلها فيكون نورا لأنّه حينئذٍ صفتها و ليس فيها ظل او ظلمة ليستند اليه و ان جعلته بجعل نفس النور كما هو الواقع لأنّ نفس النور من حيث هو هو ظلمة فهي اصل الظلّ حقيقة دلّ قولنا جعلته مع انّ الجعل الصادر عنه الظلّ ليس جعلاً لها في الحقيقة و الا لكان المجعول نوراً علي انها جاعلة لما يكون عنه الظل اذ قولنا جعلته ، لايخلو من ان يكون هذا واقعاً عليه او علي غيره و قد بيّنّا عدم امكان وقوعه علي الظل و الا لكان نورا و اذا وقع علي غيره فليس جايزاً ان يكون ما وقع عليه هذا الجعل اجنبياً من الظل و الا لماافاد شيئا في تحققه بحالٍ من الأحوال فوجب ان يكون ملزومه و هو النور فان النور اذا وجد لزمه انيته و هي علّة الظل و جعل الشمس لها انما هو بجعل لازم لجعل النور و جعل الظل لازم لهذا الجعل اللازم لجعل النور و افاد ذلك كله كون الشمس حافظة للنور لتقوّمه بجعلها تقوّم صدور و لوازمه كلها تابعة له فكانت نسبة الجعلات بعضها الي بعض كنسبة المجعولات بعضها الي بعض فجعلها للظل انما هو بجعل لازم لجعلها للنور و معني قولي و ان جعلته بجعل نفس النور الخ ، ان الشمس انما جعلت ماهية النور بجعل لازم لجعلها لوجود النور و الظل صفة لماهيته لا لوجوده و النور متقوّم بوجوده تقوّماً ركنيّا و وجوده متقوّم لجعل الشمس تقوّماً صدوريّا و الظل متقوّم بماهية النور تقوّماً ركنيّا من حيث ان مادته من صفتها و صدوريّا من حيث ان جعله من جعلها فتكون الشمس حافظة للنور الذي كان جعل الظلّ تابعاً لجعله بالذات لوجوده و بالعرض لماهيته و الضمير في قولي لا جاعلة له يعود الي الظل فكونها دليلاً عليه كما بيّنّا لايستلزم ان يكون مجعولاً لها و اذا كان كل شئ له جعل يختص به لايصلح لغيره من دون تغيير امتنع التركيب في

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 390 *»

الجعل و لو كان جعل بعض الأشياۤء مركباً امتنع ان يكون مركباً من جعلات تامّة مستقلة فلابدّ ان يكون مركباً من اجزاۤء جعل لا من جعلات و علي فرض امكانه فهو جعل بسيط اذ لايصلح جزؤه لجزء من مجعوله غير مشارك فيه و الا لكانت متعددة كما اشرنا سابقا فراجع .

قلت و ان اريد انّ الجعل الذي يحدث عنه شيئان فصاعداً فهو مركب سواۤء كانا في مادتين ام في حالين كجعل الطين خزفاً ام في الملزوم و اللازم كالوجود و الماهية قلنا اذا اصطلحتم علي ذلك فلا بأس و لكن لاتجدون الجعل البسيط قط لان اللّه سبحانه لم‌يخلق شيئا فرداً قاۤئما بذاته للدلالة عليه قال تعالي و من كل شئٍ خلقنا زوجينِ .

اقول ان ارادوا بقولهم الجعل المركب الجعل الذي يحدث عنه شيئان متغايران فلا شك انه في نفسه يسمّي مركّبا سواۤء كان الشيئان في مادتين متمايزتين بالحسّ او في التعقل بان يكون تمايزهما بالاستقلال لا بالمفهوم كزيد و عمرو و كرأس زيد و يده و كالعقل و جوهر الهباۤء و كروحي زيد و عمرو و ما اشبه ذلك ام كانا في حالين كجعل الطين خزفا اذا اعتبر تغيّر ( تغيير نسخه . م . ص ) الطين ثم جعله خزفا ام كانا في المتلازمين الذي يكون فيهما اللازم ناشياً عن الملزوم و متحققا به كالوجود و الماهية لأن الشيئين اذا اعتبر فيهما الاثنينية حقيقة في الواقع وجب ان يكون جعل كل واحد مغايراً لجعل الآخر و الا لم‌يتحقق الاثنينية فيكون الجعل متعددا و لا شكّ في ان مثل ذلك يصدق عليه التركيب فاذا اصطلحتم علي ذلك بان يكون الجعل البسيط هو ما صدر عنه شئ واحد و المركب هو ما صدر عنه شيئان لتلازمهما في الظهور او اعم من ذلك فلا بأس اذ لا مشاحّة في الاصطلاح نفسه و انما المشاحّة فيما يترتّب عليه و هو هنا ان الجعل البسيط لاتجدونه ابدا اذ لايوجد الا فيما يكون تكوّنه بجهة واحدة و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 391 *»

اعتبار واحد و هو ممتنع لما ذكرنا مراراً انّ كل مكوّن لابدّ و ان‌يكون له اعتبار من ربه و هو وجوده و كونه و اعتبار من نفسه و هو ماهيته و عينه و بدون هذين الاعتبارين لايمكن وجوده لأنّ الله سبحانه لم‌يخلق شيئاً فرداً قائماً بذاته للذي اراد من الدلالة عليه كما قال الرضا عليه السلام ثمّ انه عليه السلام استشهد بقوله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين و ايضاً يكون هذا عندنا ليس بمركب لأنّ كل جعل متعلق بمجعوله خاصة فجعل الوجود مثلا متعلق به خاصة و لايجوز ان يتعلق بالماهية لأنّها مخالفة لوصفه فالوجود اصل و اوّل و بالذات فهو يدور علي جعله علي التوالي فلهذا اثني الله تعالي علي العقل فقال ماخلقت خلقا احبّ اليَّ منك بك اثيب و بك اعاقب و لااكملتك الا فيمن احبّ، و انما اثني علي العقل لأنه جري علي جهة وجوده الذي هو حقيقته من ربه فدار في قبوله التكوين علي التوالي و جعل الماهية متعلقاً بها خاصة و لايجوز ان يتعلق بالوجود لانه مخالف لوصفه و لانها لم‌يتحقق في نفسها الا بعد تحقق الوجود فالماهية فرع و ثانٍ و بالعرض فهي تدور علي جعلها علي خلاف التوالي و لأجل هذا ذمّ الله سبحانه الجهل و طرده من نوره و ابعده من رحمته و انما طرده لأنّه جري في قبول تكوّنه علي جهة ماهيته التي هي حقيقته من نفسه فدار في قبوله للتكوين علي خلاف التوالي و اذا كان امر الوجود و الماهية كما سمعت فكيف يصدران من جعل واحد ليصحّ فيه اعتبار التركيب المدعي .

قلت و بالجملة لا فرق في هذه المسئلة بين الجعل و غيره من مراتب الفعل و علي كل حال فالجعل واحد لا تعدّد فيه لذاته قال الله تعالي جعل لكم من انفسكم ازواجاً و من الانعام ازواجاً يذرؤكم فيه اي في الجعل فافرده و جمع المجعولات فافهم ، نعم له رؤس بعدد المجعولات و لكل رأس وجوه بعدد احواله كما تقدم في الفعل فراجع .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 392 *»

اقول و بالجملة اي بقصد اجمال الكلام دون التفصيل ان الجعل و غيره من اقسام الفعل كالمشية و الارادة و القدر و ما اشبه ذلك كلها تقال ( يقال خ‌ل ) عليها الوحدة لأنه حركة ايجادية فهي واحدة و انما تتكثر اسماۤئها باعتبار متعلقاتها و تعدّد وجوهها باعتبار تعدد متعلقاتها و من الاستشهاد علي الوحدة قوله تعالي جعل لكم من انفسكم ازواجا و من الانعام ازواجاً يذرؤكم فيه فافرد ضمير الجعل و هو الذي في قوله فيه مع ذكر تعدد متعلقاته و ذلك علي نحو ما سبق مما ذكرنا و هذا احد التفاسير للآية و عليه تدلّ علي وحدة الفعل بالنسبة الي الكل و اختلاف الوجوه باعتبار اختلاف القابليات كاختلاف انعكاسات نور الشمس عن الزجاجات المختلفة .

قلت : الفاۤئدة الخامسة في تتمة الملحقات ، اعلم انه قد ورد في الاحاديث عنهم تعدّد العوالم و الادميين و اكثر ما ذكر انها الفُ‌الف عالم و الفُ‌الفِ ادم نحن في اخر العوالم و اخر الادميين .

اقول رواه الصدوق (ره‌) في آخر الخصال عن الباقر عليه السلام و المستفاد من الأخبار ان المراد بها مراتب التنزلات و التطورات كما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلام في قوله لقد دوّرتم دورات ثمّ كوّرتم كورات و قوله عليه السلام ان لله في كل يوم ثلاثة عساكر عسكر ينزلون من الأصلاب الي الأرحام و عسكر يخرجون من الأرحام الي الدنيا و عسكر يرتحلون من الدنيا الي الآخرة ، و تصدق هذه العوالم علي اجناس الموجودات و انواعها و اصنافها من الذوات و الصفات فعلي هذا يكون المراد بالعدد المذكور و غيره من الأعداد التي سنذكر بعضها علي سبيل التنبيه ( التنبّه خ‌ل ) مطلق الكثرة لا خصوص العدد مطلقا او خصوص العدد باعتبار خصوص مباديها كما اذا قلنا اثني‌عشر عالما فان ذلك باعتبار اسباب تكوّنها و تكوينها اعني البروج الاثني‌عشر و مع هذا و ان جاز الحصر باعتبار حصر اسبابها و مباديها الّا انه انما

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 393 *»

هو في الكليات و اما الجزئيات فلايمكن لنا حصرها لدوام الامداد و الاستمداد و دوام الفيض فتمتنع الاحاطة بها الا للذي خلقها و هو بكل شئ عليم الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير .

قلت و مراتب اعداد العوالم انما اختلفت في الروايات لاختلاف المقامات كعالم الغيب و الشهادة .

اقول انما لم‌نذكر الواحد لأنّه معروف باسمه كما اذا قلت العالم فانك تريد به ما سوي الله تعالي و اذا اطلق الاثنان اريد به ما ينحصر في الاثنين كعالم الغيب و عالم الشهادة اذ لا ثالث هنا و كالوجوب و الامكان و الظاهر و الباطن و ما اشبه ذلك .

قلت او العوالم ثلاثة عالم الوجوب و هو الازلي تعالي و عالم الرجحان و هو عالم المشية و الارادة و الابداع و عالم الجواز و هو الوجود المقيد المعبر عنه بانه وجود بشرط لا و بشرط شئ اوّله الدّرة و اخره الذرّة .

اقول يعني اذا قيل ثلاثة عوالم من الأمور الصادقة عليها عالم الأزل و عالم الرجحان و عالم الجواز فالأزل هو الله تعالي عزوجل و لايتوهم متوهم ان الأزل ظرف و الواجب تعالي حالّ فيه فيلزم تعدّد القدماۤء بل الأزل هو ذات الحق عزوجل و عالم الرجحان هو الفعل بجميع اصنافه لأنه راجح الوجود حتي قال تعالي في شان اثره اللازم له يكاد زيتها يضيئ و لو لم‌تمسسه نار اي يكاد ان يتحقق بنفسه قبل الايجاد و هذا العالم هو عالم الأمر لأن الموجودات ( الوجودات نسخه . م . ص ) كما تقدّم بهذا اللحاظ ثلاثة : وجود حق و هو الأزل عز و جل و وجود مطلق اي من غير شرط شئ يتوقف وجوده عليه غير نفسه فلذا سمّيناه بالمطلق في مقابلة المقيّد و وجود مقيّد و هو المفعول من الدُّرّة الي الذَّرّة و تمثيلي بالمشية و الارادة و الابداع لا غيرها من اسمائه و لا باقلّ منها و لا باكثر انما هو تبع لكلام الرضا عليه السلام و قد تقدّم ذكر بعض اسمائه و بعض اوصافه و احواله و هذا هو الثاني في

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 394 *»

الذكر و التسمية و عالم الجواز و هو الوجود المقيّد هو الثالث في الذكر و التسمية و هو جميع المفعولات التي احدثها الله سبحانه بفعله و يسمّي هذا الوجود بالوجود المقيّد لتوقف قبوله للايجاد علي شئ اۤخر وجودي او عدمي او هما معا و اول هذا الوجود العقل الكلي المعبّر عنه بالدُرّة و لذا قيل اول ما خلق الله العقل كما روي و آخره الذَرّة اي الثري و يعبّر عن جميع المصنوعات بهذا بان يقال الوجود المقيّد اوله العقل الكلي و آخره الثري و اما قولي بانه وجود بشرط لا و بشرط شئ فهو علي ما اصطلحت عليه فان قولك بشرط شئ و بشرط لاشئ بمعني واحد اذ مآل العبارتين افادة القيد المنافي للاطلاق فالعبارتان في مقابلة لا بشرط في ارادة الوجود الراجح .

قلت و اربعة عوالم هي عالم الخلق و عالم الرّزق و عالم الموت و عالم الحيوة .

اقول ايضا اذا قيل اربعة عوالم فمنها هذه الأربعة العوالم و ذلك انّا لما تتبعنا اصول الخلق و فروعه مما احاطت به عقولنا و وسعته اوهامنا فوجدناه كله يدور علي هذه الأربعة و قد ذكرها سبحانه في معرض الامتنان و اظهار القدرة فقال تعالي الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركاۤئكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه و تعالي عما يشركون و لو كان شئ من الأصول التي يرجع اليها امر من امور ما سوي الله سبحانه لذكره عزوجل و علي خصوص هذا العدد تفرعت الاركان كتربيع الكلمات التي بني عليها الاسلام سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و كتربيع اركان العرش الذي هو مظهر فوّارة القدر و القضاۤء و علل الأسباب و اسباب العلل و كتربيع الطبايع و العناصر التي منها جميع المواد العلوية و السفلية و ما اشبه ذلك و لأجل مقتضي جميع التقوّمات الكونية من الاسباب و المسببات قامت الزوايا في المربع و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 395 *»

لم‌تقم فيما زاد عليه و لا ما نقص عنه اشارة الي تمام نظام الكون بذلك العدد لا بما سواه و من اجل ما اشرنا اليه كان العرش الذي هو محل جميع مبادي الأكوان في الغيب و الشهادة من الأعيان و المعاني مما دخل في الامكان مربّعا فركنه الأحمر يستمد منه جبرئيل عليه السلام بمقتضي الحرارة و اليبوسة للخلق في الجبروت و الملكوت و الملك و ركنه الأبيض يستمد منه ميكائيل عليه السلام بمقتضي الرطوبة و البرودة للرزق في الجبروت و الملكوت و الملك و ركنه الأخضر يستمد منه عزرائيل عليه السلام بمقتضي البرودة و اليبوسة للموت في الجبروت و الملكوت و الملك و ركنه الأصفر يستمد منه اسرافيل عليه السلام بمقتضي الحرارة و الرطوبة للحيوة في الجبروت و الملكوت و الملك و تتفرع الأشياۤء المربعة في الوجود علي ذلك التربيع .

قلت و خمسة عوالم عالم الازل تعالي و عالم السرمد و هو عالم الرجحان و عالم الجبروت و هو عالم المعاني المجرّدة عن المادة و الصورة و المدة و عالم الملكوت و هو عالم الصور المجردة عن الماۤدّة و المدة و عالم الملك اوّله محدد الجهات و اخره الارض .

اقول ان الأزل عزوجل لايدخل في العدد لذاته بوجه من الوجوه و اما ذكره هنا فالمراد به ما يشار به الي العنوان الذي يعرف به الأزل تعالي لا من حيث انه عنوان و دليل فانه من هذه الحيثية لايجوز دخوله في مطلق العدد بوجه من الوجوه و انما تكون العبارة عنه معدودة من حيث هو هو فانه من هذه الحيثية خلق محدث كساير المخلوقات لايعرف به الله الّا انه يحصل به التميّز في الجملة لأن المراد به هنا ما هو غير المذكورات فان الأزل تعالي غير ساير العوالم و ان كانت المغايرة في الحقيقة حدّاً لغيره و اما عالم السرمد فهو عالم الأمر و المشية و هو عالم الرجحان و سمّي عالم الرجحان في مقابلة تسمية الازل بالواجب و تسمية الحادث بالجايز لأن الأمر ليس بواجب الوجود (الوجوب خ‌ل) و لا بممكن الوجود بالامكان الخاص الملحوظ فيه تساوي الطرفين بل طرف وجوده راجح علي عدمه و ان لم‌يكن واجبا و الثالث عالم

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 396 *»

الجبروت و هو عالم العقول و هو عالم المعاني و المراد بالمعاني المعاني الاصطلاحية الخاصّة و هي المجردة عن المادة العنصرية و الصورة المثالية اعني المرتبطة بالمادة العنصرية و المدّة الزمانية لا التجرّد المطلق كما يتوهمه الاكثر من عبارات الحكماۤء المتقدمين فانهم انما ارادوا ما ذكرنا و ما فهم المتأخرون من الحكماۤء و العلماۤء غلط فانهم يريدون بالمجردات العقول و النفوس و الأرواح و يريدون بتجردها التجرد مطلقا يعني انه لا مادة لها اصلا و لا مدّة اصلا و هذا هو التجرد الواجب حتي ان بعض العلماۤء مثل الملا محمدباقر المجلسي (ره‌) في اول البحار حكم بكفر من قال باثبات مجرد غير الله و كذلك غيره لفهمهم انّ المراد بالتجرد التجرد المطلق و كذلك كثير من المتأخرين فهموا ذلك حتي ان الملا صدرا في المشاعر قال ان العقل و ما فوقه كل الأشياۤء بناۤءً علي مذهبه ان بسيط الحقيقة كل الأشياۤء و العقل عنده بسيطة الحقيقة و ما فوقه هو الله تعالي و نحن قد بيّنّا فساد ذلك كله في شرح‌المشاعر من وجهين : الأول انه لا بسيط الا الله سبحانه و كل ما سواه فهو مركب من مادة و صورة لا فرق في ذلك بين العقل و الحجر الا ان مادة العقل من النور الذائب اعني المادة المعنوية و الحجر مادته من النور الجامد اعني المادة العنصرية المحسوسة لأن العقل مخلوق كالحجر و كل مخلوق فله اعتباران اعتبار من ربّه و هو حقيقته ( حقيقة خ‌ل ) من ربه و المراد به الوجود فانه اثر فعله تعالي اخترعه لا من شئ و هو مادته و اعتبار من نفسه و هو ماهيته التي هي صورته و هي هويته و انيته و لايمكن ان يوجد ممكن الا بهذين الاعتبارين نعم هما في كل شئ بنسبته و الثاني انّ قول الملّا صدرا ان بسيط الحقيقة كل الأشياۤء غلط فاحش و شرك ظاهر فان قوله كل الأشياۤء لايصحّ الا اذا كانت معه في رتبة ذاته و لاتكون معه في رتبة ذاته الّا اذا كانت قديمة و القدم منافٍ للكل لاستلزامها التعدد و التركيب و الأشياۤء جمع متعدّد الأفراد و حجته باطلة منقوضة بصحّة مقدماته كما قرّرنا هنا فان قوله هو موجود بسيط فلو صحّ هو موجود سلب عنه غيره لكان مركبا من ذات و من نفي الغير فيلزم بحكم عكس النقيض انه موجود

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 397 *»

لايسلب عنه شئ و هو قولنا بسيط الحقيقة كل الأشياۤء و قوله هذا اذا صحّ بطل لأنه اذا صحّ انه اذا قلت هو موجود سلب عنه شئ لزم منه التركيب فبحكم عكس النقيض هو موجود لايسلب عنه شئ يلزم التركيب منه ايضا لانه لم‌يقل هو موجود بغير قيد بل قال موجود لايسلب عنه شئ و هو مثل قوله موجود سلب عنه شئ فان قلت انما اراد انه موجود مطلق من غير ان يصفه بسلب فلايلزمه التقييد قلت يلزمه بارادته من قوله كل الأشياۤء فانه اذا اعتبر لكل معني يفيد الشمول لزمه اِمّا التقييد بسلب ذلك الغير او التقييد بعدم سلبه و لاينفكّ من التركيب الا اذا لم‌يثبت هناك شيئاً غيره في رتبة ذاته اصلا و حينئذٍ يبطل قوله كل الأشياۤء و يصحّ التوحيد و الا يلزمه التركيب و الكثرة بحكم كل علي اي اعتبار كان فاين يذهب عن الحق و الحاصل ان المجرّد اذا استعمل في الحادث فالمراد به انه مجرّد عن المادة العنصرية و المدّة الزمانية لا مطلقا و هذا هو مراد المتقدمين من المجردات في الحادث لا كما توهمه المتأخرون فكلام صاحب البحار وارد علي هؤلاۤء لا غير و نحن اذا اطلقنا المجرد في الحادث نريد به هذا المعني و لايرد علينا كلام صاحب البحار علي انّ استدلاله ليس بصحيح و ان كان حكمه صحيحا لأنه استدل علي كفر من قال بذلك بعدم وروده في الأخبار و قد غفل عنه في الاخبار فانه وارد فيها مثل ما رواه في الغرر و الدرر عن اميرالمؤمنين عليه السلام و قد سئل عن العالم العلوي فقال عليه السلام صور عالية عن المواد عارية عن القوة و الاستعداد الحديث و مثل قوله عليه السلام في حديث كميل للأعرابي السائل عن النفس و اعلم اني اطلت الكلام هنا لعموم الحاجة اليه و ان كنت مستلزماً ( ملتزما نسخه . م . ص ) علي نفسي عدم البسط في هذا الشرح لأنّ المطلوب منه بيان العبارة خاصة و الرابع عالم الملكوت و المراد به عالم النفوس اعني الصور الجوهرية و عالم الأرواح متردد بين العالمين و برزخ بين الاثنين الجبروت و الملكوت يستعمل مع كل منهما باعتبارين و هذا العالم اهله

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 398 *»

جواهر مقدارية اي ذوات مجردة الا عن الصورة و صورها نفوس الصور المثالية المحسوسة و الخامس عالم الملك اعني عالم الأجسام و اعلاه محدد الجهات و محدبه مساوق في الوجود للزمان و المكان لايسبق شئ من هذه الثلاثة الآخرين في كل مرتبة من مراتب الأكوان في الغيب و الشهادة و هذا العدد اذا اطلق علي شئ من العوالم يراد به هذه و نظايرها مثل المواليد الثلاثة في الجسم و الروح او في المادة و الصورة او في الغيب و الشهادة .

قلت و ستة عوالم عالم العقول و عالم النفوس و عالم الطباۤئع و عالم الهباۤء و عالم المثال و عالم الاجسام .

اقول اذا ذكر ستّة عوالم في الأخبار او في كلام اهل الأسرار فيراد بها عالم العقول اعني عالم المعاني الجوهرية و الذوات المجردة عن المادة العنصرية و الصورة النفسية و المثالية و المدّة الزمانية و هي الاكوان الجوهرية و قد اشرنا اليها قبل هذا و الثاني عالم النفوس اعني الهياكل الجوهرية و هي كلمات اللوح المحفوظ و الكتاب المسطور و الثالث عالم الطبايع و هو مقام الحلّ و الكسر بعد العقد و الصوغ و الاجمال بعد التفصيل الأوّلي و قبل التفصيل الثانوي و معناه ان الأشياۤء بعد تمام تمايزها الأوّل كسرت و اذيبت حتي تساوي عاليها بسافلها و ظاهرها بباطنها و قويّها بضعيفها و رطبها بيابسها و حارّها بباردها الي ان كانت الأجزاۤء المتخالفة جزءاً واحدا و القوي المتعددة قوة واحدة و هذا الواحد البسيط حقيقة للواحد المركب بحيث اذا فصّل هذا الواحد الي الأجزاۤء المتعددة المختلفة عند التركيب و ركب الشئ منها كان مع اجزاۤئه المتخالفة المتباينة في قويٰها و طبايعها الجزئية و صفاتها و كذلك طبيعة واحدة كما هي قبل التفصيل و ان اختلفت ظواهرها بحيث لو انفصل كل شئ من ذلك الشئ المركب و ظهر بحيوته الخاصّة به من فعل الله سبحانه لم‌تفرق بين ذلك الجزء و بين الكل الذي هو الشئ الا انّ الكل يسند عن نفسه و الجزء يسند عن الكل لأنها كلها بطبيعة واحدة لأنها طبيعة واحدة جمدت فتكثرت و ذابت فاتّحدت فلما جمدت ثانياً تكثرت فظهرت الكثرة و بطنت الوحدة فصحّ ان يقال زيد مثلا طبيعة واحدة مع

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 399 *»

اختلاف اجزاۤئه ظاهراً ذاتاً و صفةً و معني كونه طبيعة واحدة لحاظ جملته في هيكل التوحيد بعين الوحدة و عالم الطبايع دوحة كبيرة تنبت ( نبتت خ‌ل ) باوراق كل ورقة طبيعة شئ و الرابع عالم جواهر الهباۤء و المراد بالهباۤء هو الذرّ الذي في الهواۤء الذي كان من جبل طور سيناۤء كما روي عن علي عليه السلام حين جعله تعالي دكّا و هي الحصص الوجودية الجزئية كل ذرّة مادة مخلوقة من خلق الله عزوجل فهي في جعل الله سبحانه و بالنسبة الي سعة ذلك الفضاۤء كالذرّ في الصغر و لذلك قيل لها هباۤء و ذرّ و الخامس عالم المثال و هو الصور القائمة في هواۤء البرزخ المختلفة من المواد و هي مثال و صفة للصور النفسية الجوهرية ابدان لا ارواح لها و هي برزخ بين الملكوت و الملك و وجهها ( الملك وجهها نسخه . م . ص ) الي الدهر و خلفها الي الزمان تتقوم في الأجسام بالمواد و هي امّهات المولدات و آبائها المواد و السادس عالم الأجسام المركب من المواد العنصرية و الصور المثالية و هذه الستّة هي الأيام الستّة التي خلق الله فيها السموات و الأرض لانها في العالم الكبير كالنطفة و العلقة و المضغة و العظام و يكسي لحما ثمّ ينشئ خلقا آخر و نظايرها من العوالم المحصورة بهذا العدد كما رواه القمي (ره‌) في تفسيره للأيام الستّة التي خلق الله فيها السموات و الأرض ما معناه قال الفصول الأربعة و المادة و الصورة و منها ان الانسان مثلا ستّة اشياۤء اربع طبايع حرارة و رطوبة و برودة و يبوسة و نفس و جسد و هذه ستّة ايام هنا ايضا و تحتها عوالم و كل عالم تحته افراد لايحصي عددها الا الله .

قلت و سبعة عوالم عالم النار و عالم الهواۤء و عالم الماۤء و عالم التراب و عالم الجسم و عالم النفس و عالم الروح و هذا معني قولهم كل شئ من الحوادث مثلّث الكيان مربع الكيفية .

اقول و سبعة عوالم عالم النار و هو الاسطقس الأعلي اعني الكرة الأثيرة و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 400 *»

عالم الهواۤء المعروف الذي هو وسط العالم كله و مسكن بني‌آدم الذي هو ( الذين هم نسخه . م . ص ) اشرف الخلق و عالم الماۤء الذي هو فوق الأرض محيطاً بجميع اعلاها و انما كشف عزوجل محل الحيوانات البرية عناية منه تعالي و عالم التراب و هو الأرضون السبع علي اختلاف طبقاتها و ما انعقد منها من الحجر و بعض المعادن و عالم الجسم و هو المركب من الحصص ( حصص نسخه . م . ص ) من هذه العوالم التي قبله اعني عوالم العناصر الأربعة و عالم النفس و عالم الروح و هما العالمان المشار اليهما سابقا و قولي هذا معني قولهم مثلّث الكيان و الكيان لغة في الكون اي مثلّث الكون مربّع الكيفية يعني ان كل شئ في الجملة انما يتمّ تركيبه اذا كان مشتملا علي الاكوان الثلاثة اعني الجسم و النفس و الروح و علي الكيفيات الأربعة اعني الحرارة و الرطوبة و البرودة و اليبوسة و كل شئ تامّ لم‌يخل من هذه الأصول الأربعة و الأكوان الثلاثة و كل واحد من هذه السبعة تحته افراد كثيرة و لهذا قد يقال العوالم سبعة .

قلت و ثمانية عوالم و اذا اطلقت يراد بها احد وجوه كثيرة نذكر منها واحداً علي سبيل التّمثيل عالم الخلق في الدنيا عالم الخلق في الاخرة عالم الرزق في الدنيا عالم الرزق في الاخرة عالم الموت في الدنيا عالم الموت في الاخرة و هو الهلاك الاكبر نعوذ بالله من سخط الله عالم الحيوة في الدنيا عالم الحيوة في الاخرة و اليه الاشارة بقوله تعالي في التأويل و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية .
اقول اذا اطلق لفظ ثمانية عوالم احتمل ارادة اشياۤء كثيرة و نحن نذكر منها شيئاً علي نحو التمثيل ليتميز ( ليميز خ‌ل ) به السبيل الي معرفة البيان و الدليل و ذلك مثل ما ذكرنا سابقا في بيان العوالم الأربعة فانّا ذكرنا هناك الخلق و الرزق و الموت و الحيوة و هذه الأربعة التي دار عليها الوجود اذا اعتبرت في الدنيا و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 401 *»

الآخرة كانت ثمانية كما اشار اليه في تأويل قوله تعالي و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يعني في الآخرة لاجتماع حكم الدنيا و الآخرة يوم القيمة باجتماع حملة العرش الأربعة في الدنيا و حملة في الآخرة و اما ( فاما نسخه . م . ص ) حكم الخلق في الدنيا فظاهر و اما حكمه في الآخرة فبما ( فيما خ‌ل ) يتجدد فيها لأهل الجنة من انواع النعيم الذي لاينفد و لأهل النار من انواع التعذيب و التأليم السرمد و اما حكم الرزق في الدنيا و الآخرة فكما قيل في حكم الخلق و اما الموت في الدنيا فهو ظاهر فلأجل كونه ظاهراً معروفاً لم‌اذكره متبوعاً ببيان بخلاف موت الآخرة فانه لمّا لم‌يكن معلوماً بل المعلوم عدمه اذ الآخرة لا موت فيها لأهل الجنة و لأهل النار فلأجل ذلك عقّبته ببيان فقلت و هو الهلاك الأكبر لأن الموت في الدنيا هو الانقطاع عن الاحباب و المفارقة للأصدقاۤء و الأصحاب و مفارقة النعيم و اهل النار اشدّ ما يعذّبون به فيها بذلك نعوذ بالله من النار و المفارقة في النار لايرجي بعدها تلاقٍ بخلاف مفارقة الدنيا فلذا قيل ان الموت في الآخرة اعظم من الموت في الدنيا باربعة آلاف رتبة و تسعمأة رتبة نستجير بالله من النار و من غضب الجبّار و الحيوة في الدنيا معروفة و امّا الحيوة في الآخرة فهي الحيوة الكبري العظمي التي لا نهاية لها في البقاۤء و لا في العظم و لا في العموم و اما من جهة البقاء فلا انقطاع لها بل هي مستمرّة ابدا لا آخر لها في الامكان و اما في العظم فلأنها تستمرّ في البقاۤء متصاعدة في القوة و المضاعفة لا الي نهاية فهي في كل آنٍ اقوي منها فيما قبله و هكذا حكمها ابدا و اما في العموم فلأن جميع ما في الجنة من جميع الحيوانات و النباتات و الجمادات حية بالحيوة الحيوانية المقرونة بالشعور و الاحساس المقرونين بالتميز و العقل لايوجد فيها شئ يصدق عليه اسم الشيئية الا علي ما وصفنا قال الله سبحانه و ان الدار الآخرة لهي الحيوان و لقد رأيت في المنام كاَنّي اتيت الي بستان من بساتين الجنة و فيه اشجار و زرع و رأيت جميع اوراق تلك الأشجار و الزرع تنظر كل واحدة اليَّ

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 402 *»

بعينين نظر المتعقل و هي ورقة و هي حيوان و هذا مجمل الاشارة الي حيوة الآخرة و الأمر اعظم و اعظم و الحاصل ان الثمانية العوالم بنحو هذا مما يتعلّق بافراد كل واحد و اصنافه و انواعه و اجناسه .

قلت و تسعة عوالم و هي عالم محدد الجهات و عالم فلك الثوابتِ و عوالم الافلاك السبعة و هي عالم القلوب و عالم النفوس و عالم العقول و عالم العلوم و عالم الاوهام و عالم الوجودات الثانية و عالم الخيالات و عالم الافكار و عالم الحيوة .

اقول ايضا اذا قيل العوالم التسعة فقد يراد بها آثار الأفلاك التسعة مثل القلوب الجزئية فانّها ذريّة القلب الكلي الذي هو محدّد الجهات فان جسمه ابٌ للقلوب الجزئية التي هي الموجود في الصدور و هو اللحوم ( للقلوب الجزئية الموجودة في الصدور و هي اللحوم نسخه . م . ص ) الصنوبرية و غيب المحدد ابٌ لغيبها من القلوب المجردة النورانية و هي ذريّته ظاهرها من ظاهره و باطنها من باطنه و الثاني عالم النفوس الجزئية فانّها من فلك الثوابت الذي هو ارض اهل الجنة فباطنها من باطنه و باطنه كتاب الأبرار كلا ان كتاب الأبرار لفي عليين و ما ادريٰك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون و ظاهرها من ظاهره علي نحو ما قلنا في القلوب و الثالث عالم العقول الجزئية و هي من فلك زحل ظاهرها من ظاهره و باطنها من باطنه و المعني كما مرّ و المراد بها هنا التعلّقات المدركة للمعاني الجزئية فان العقل في نفسه هو القلب و هو الذي في الصدر الا انّ وجهه في دماغ الانسان و هو التعقل و المراد بظاهره الذي هو من ظاهر فلك زحل هو الدماغ الذي هو محله و الرابع عالم العلوم و هي صور المعلومات علي ما هي عليه يعني انّ ما كان من المعلومات ذا صورة فالعلم به صورته المنتزعة من خارجه و ما لم‌يكن ذا صورة فالعلم به صورة خارجة بما تشخص به عند العالم و هذا معني قولنا ان العلم صورة المعلوم علي ما هي عليه اي في كونه و مثاله الصورة التي تنتزعه المرآة فانها اذا

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 403 *»

قابلت الشئ انتزعت صورته علي ما هي عليه من التخطيط مثلا و انتزعت بصورة ( صورة نسخه . م . ص ) الهواۤء و المسافة التي بينهما كما هو يعني بغير تخطيط بل بهيئته فصورة الشئ الذهنية علي ما هو عليه في الخارج هو العلم به و هذا خزانة الخيال و هو من فلك المشتري ظاهره من ظاهره و باطنه من باطنه كما مرّ و الخامس عالم الأوهام و هي مبادي الانشاءات النفسانية و هي من فلك المريخ ظاهرها من ظاهر ظاهره و باطنها من ظاهره و من باطنه و قولي من ظاهر ظاهره ، ان المريخ ظاهره المرئي مثلا حارّ يابس نحس و باطن ظاهره بارد رطب سعد فمرادي بالظاهر الذي مع الباطن هو صافي الجسم و محض مادته و صورته الذاتيتين و ظاهر هذا الظاهر هو ما لحق هذا الجسم من العوارض الخارجية الغير الذاتية كما قلنا انه حارّ يابس نحس و ذلك ما اشار اليه سبحانه بقوله اعزّة علي الكافرين و بقوله و ظاهره من قبله العذاب و ذلك الظاهر الذي هو الأصلي هو ما قلنا انه بارد رطب سعد و ذلك ما اشار اليه سبحانه بقوله باطنه فيه الرحمة و بقوله اذلّة علي المؤمنين فالظاهر و ظاهر الظاهر هيٰهنا في الجسم المادي و الباطن المجرد عن المادة و المدّة و اما قولي و باطنها من باطنه فكما مرّ و هنا تفصيل يطول به الكلام و السادس عالم الوجودات الثانية و هي من فلك الشمس ظاهرها من ظاهره و باطنها من باطنه كذلك و المراد من الوجودات الثانية الوجودات الجسمانية المركبة من المادة و الصورة لأنّ الشمس هي منشأ مبادي الأجسام و ذكر الثانية في مقابلة الوجودات الأولي اعني وجود العقول و الأرواح و النفوس و نسبة الوجودات الثانية الي الشمس لانّها المفيضة علي الأسباب العلوية اذ هي تستمد من نفس العقل الكلي فتفيض علي زحل و من صفته فتفيض علي القمر و تستمدّ من نفس الروح و النفس و تفيض علي المشتري و من صفته فتفيض علي عطارد و تستمدّ من نفس الطبيعة و تفيض علي المريخ و من صفتها فتفيض علي الزهرة ثم اذا عملت

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 404 *»

الأسباب في مسبباتها عمل كل واحد من السبعة الأفلاك في مسبباته بنفسه و بواسطة الشمس فلذا نسبت الوجودات الجسمانية الي الشمس و السابع عالم الخيالات و هي من فلك الزهرة ظاهرها من ظاهره و باطنها من باطنه كمااشرنا اليه سابقا و الخيالات مبادي الصور العلمية و اوايل المنتزعات و نقشها في الألواح النفسانية و حكم هذا كما مرّ في الذي قبله و الثامن عالم الأفكار و هي من فلك عطارد الكاتب ظاهرها من ظاهره و باطنها من باطنه علي نحو ما مرّ في عالم القلوب و تأثير فلكه منه و تأثيره بالملئكة الثلاثة سيمون و شمعون و زيتون و التاسع عالم الحيوة الحيوانيّة الحسيّة و هي من فلك القمر و لا بأس بالاشارة الي بيان الحيوة الحيوانية الحسية التي يشترك فيها ساير الحيوانات علي نحو الاختصار و الاقتصار فاعلم ان الجسم الحيواني متقوّم بالدم و الدم متقوم بالعلقة اعني ( اي خ‌ل ) الدم المنعقد في تجاويف الفؤاد الصنوبري في الجانب الأيسر اكثر من الجانب الأيمن و العلقة متقوّمة بدم اصفر فيها هو محل الحرارة الغريزية و الدم الأصفر محل الطبايع الأربع بما تقوّمت به من الأجزاۤء البخارية فانّها اي الأجزاۤء البخارية الحاصلة ( الحاملة خ‌ل ) للطبايع الأربع علي اربعة اقسام جزء ناري حارّ يابس و جزء هوائي حارّ رطب و جزءان مائيان باردان رطبان و جزء ترابي بارد يابس فبحركة فلك القمر بطبيعته و بما لحقه من طبايع الكواكب تلطّفت تلك الأجزاۤء و تكلّست تكليساً صالحا حتي تساوت في اللطافة سماۤء الدنيا فلما ساوته تعلّقت بها الروح الحيوانيّة الحسيّة من مجاورتها له و مشاركتها له في نوع التركيب و مساواتها له في النضج الاعتدالي المقتضي لتعلق الحيوة الحسيّة و الحاصل انّ كل واحد من هذه الأفلاك التسعة فله ذريّة لاتكاد تحصي و انما يطلقون عليها عدد الألف ليس لحصورٍ منَ ( لخصوصِ خ‌ل ) العدد بل انما هو كناية عن الكثرة كما اشرنا اليه سابقا .

قلت و عشرة عوالم و هي هذه التسعة و عالم الاجساد .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 405 *»

اقول و الكلام فيه كغيره و ظاهره ظاهر .

قلت و احدعشر عالماً و هي ميادين التوحيد ستّة منها كثيرة الحيّات و العقارب مظلمة ذات اهوال منكرة هلك فيها خلق كثير و اليه الاشارة بتأويل قوله تعالي و لقد ذرأنا لجهنّم كثيرا من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولۤئك هم الغافلون فادني المراتب الستة و اخسّها الاجسام فمن الناس يعبد جسماً و الثاني المثال و منهم من يعبد شبحا و منهم من يعتقد انه ماۤدة و منهم من يعتقد ان معبوده طبيعةٌ و منهم من يعتقد انه نفس و صورة مجردة و هذه الخمسة دركات الهالكين .

اقول و قولي و هي ميادين التوحيد يعني انّ ميادين التوحيد مما يراد من ذلك في بعض الأحوال و انما خصصتها بالذكر لما في التنبيه علي ذلك من الفوايد فمنها خمسة كما يأتي هي مراتب التوحيد الحق اعلاها لأعلاه و اسفلها لأسفله و الستّة الباقية خمسة منها هي مراتب التوحيد الباطل و هي طرق النيران و لكل منها اهل و سكّان و واحد متردد بين الخمسة الأولي الحق و بين الخمسة الأخري الباطل فامّا هذه الخمسة الباطلة فالأوّل منها من يعتقد ان معبوده جسم كالأجسام و ذلك كالكرامية و بعض الحنابلة و منهم من يعتقد انّه جسم لا كالأجسام و الظاهر انه كالأوّل اذا اريد به التجسيم اللفظي و الا فلا اشكال في كونه من الأول و الثاني من يعتقد انه تعالي صورة و مثال و آية وحدته تشخّص المتشخصات ( المشخصات خ‌ل ) الجنسية و النوعية و الصنفية و الشخصية و هو باطل كالأول و الثالث من يعتقد انّه تعالي مادة الأشياۤء كما ذهب اليه كثير من الصوفية و مثّلوا له بالمداد بالنسبة الي الكتابة و الرابع من يعتقد انه عز و جل طبيعة و حقايق الأشياۤء و طبايعها منه تعالي بالسنخ او بالظل و من قال بانّها في ذاته بنحو اشرف و كذا من قال ان معطي الشئ ليس فاقداً له في ذاته يلزمهم القول بهذا نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدي و الخامس من يعتقد انه تعالي نفس و من قال بانه نفس الكل و العالم جسمه فهو منهم و هذه الخمسة المراتب

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 406 *»

عوالم الضلالة و سلّاك طرق النار لكل باب منهم جزء مقسوم و قولي كثيرة الحيّات و العقارب ، اشير به الي ان هذه الاعتقادات اسباب المسخ التي من صورها الحيّات و العقارب و ساۤئر الحشرات و الحيوانات المنكوسة ناكسوا رؤسهم عند ربهم و الأهوال المنكرة آثار اعتقاداتهم من الأقوال و الأعمال و الأحوال التي ينكرها كل من وقف عليها من المؤمنين العارفين بالله عز و جل فانهم قد هلكوا بها و اهلكوا من اتبعهم و اصغي اليهم و قولي و اليه الاشارة بتاويل قوله تعالي اي و الي كون اعتقاداتهم ذات اهوال منكرة قد هلك فيها خلق كثير منهم و من اتباعهم الاشارة بقوله ( الاشارة بتأويل قوله نسخه . م . ص ) تعالي لقد ذرأنا لجهنم الآية ، و وجه الاشارة انه عز و جل ذرأهم و عيّن طبايعهم و قدّرهم بمقتضي اجابتهم المقرونة بانكار دعوته فانه تعالي خلقهم في الخلق الثاني اعني التقدير بمقتضي اجابتهم المقرونة بانكار دعوته فحكم عليهم بما اتصفوا به من الانكار بعد البيان و هداية النجدين و ذلك علي نحو قوله تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم و اذا خلقهم بقابلياتهم من الاجابات العملية و القولية كان ذلك الصنع و التركيب مؤدّياً الي جهنم بسلوكهم في اعمالهم طريق ما خلقوا عليه و الذي خلقوا عليه هو ما اجابوا اليه مختارين فحق عليهم حكم الله عز و جل في كتابه في هذه الآية و امثالها فافهم فكانت تلك الاجابة ( الاجابات خ‌ل ) القبيحة موجبة لخلقهم كذلك فكانت لهم قلوب لايفقهون بها الاعتقادات الحقّة لهم و لهم اعين لايبصرون بها الآيةَ و لهم آذان لايسمعون بها الموعظة اولئك كالأنعام لما روي انهم مساوون لهم لاشتراكهم فيها في الأرواح الثلاثة روح المدرج و روح القوّة و روح الشهوة فلا فرق بينها و بينهم الا روح الايمان و ليست فيهم بل هم اضل لأنّهم اعطوا الفهم و العقل و التميز و لم‌يعملوا بما اعطوا فسلبت عنهم التأييدات الالهية و اولئك ( الالهية اولئك نسخه . م . ص ) هم الغافلون عما يراد عنهم ( منهم نسخه . م . ص ) و اما السادس و هو

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 407 *»

طريق من يعتقد ان الله سبحانه معنيً فهُم في ذلك علي قسمين : احدهما من يعتقد انه عزوجل معني كساير المعني ( المعاني خ‌ل ) و هذا باطل لأن المعني مميّز عن غيره بمشخصات معنوية كما يتميز معني البيت اعني ما يسكن فيه عن معني الخاتم اعني ما يكون آلة الزينة فان العقل يفرق بين احدهما من الآخر بمميزات معنوية فهو محصور في العقل في جهة معنوية من جهات العقل يؤمي اليها باشارة عقلية و هذا ( هذه خ‌ل ) و امثالها صفات الخلق المحدث فلو عرف سبحانه بشئ من ذلك و نحوه لكان ذلك المعروف حادثا و ثانيهما من يعتقد انه عز و جل معني اي شئ فاذا نزّه ذلك الذي عناه عن الجهات المعنوية و الاشارة ( الاشارات نسخه . م . ص )العقلية و لو كان التنزيه حين يرجع اليه عقله كما هو حال سائر الغافلين دخل في زمرة الموحدين الّا انّ هذه المعرفة اسفل مراتب التوحيد اذ لايدخل في اهل الشهود الذين عناهم سيدالشهداء عليه السلام في بيان حال طريقهم بقوله عليه السلام أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدلّ عليك و متي بعدت حتي تكون الاشارة ( الآثار خ‌ل ) هي التي توصل اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لم‌تجعل له من حبّك نصيبا ، و هذا ما ذكرته فيما يأتي و هو ما

قلت : و امّا السادس و هو من يعتقد ان معبوده معني كما هو معتقد كثير من اهل العقول فان عني ما يشير اليه عقله فقد ابطل لان الاشارة العقلية لاتقع الّا علي محصورٍ دهري و ذلك حادث .

اقول و اما الشقّ الثاني الذي ذهب اليه بعض اصحاب العقول من هذا السادس اعني الاعتقاد بانّه تعالي معني فهو ما اشرت اليه.

قلت و ان اعتقده بدون تخصيص اشارة عقلية فذلك موحّد الّا ان توحيده

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 408 *»

اسفل مراتب التوحيد .

اقول و هذا ما ذكرته قبل هذا فراجعه .

قلت و الخمسة الاخر فهي مراتب الفعل الاربع الاول و الدواة الاولي خامسة التي هي معرفة النفس التي هي معرفة الرب فاعلاها في التوحيد ان يظهر لعبده في الرحمة ثم في الرياح ثم السحاب المزجي ثم في السحاب المتراكم ثم في المداد الاول المسمي بالدواة الاولي .

اقول المراد بهذه الخمسة المراتب مراتب المعرفة بالنسبة الي العارفين لأنّ حقيقة معرفة العبد هي ما ظهر به الرب له من وجوده فحقيقة المعرفة حقيقة العارف من ربّه يعني ظهوره تعالي لعبده به و ذلك الظهور هو اثر الفعل الظاهر و الأثر مشابهٌ لصفة المؤثر التي هي مبدؤه و منشأه و قد قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الألباب انّ ( الاستدلالَ علي خ‌ل ) ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا ، فاذا اعتبرنا الأثر وجدناه في نفسه و ظهوره له خمس مراتب اربع تنسب اليه و واحدة الي اثره لأنّه قبل الظهور يعتبر فيه البطون و هي الأُولي و من حيث البطون هي الثانية و الظاهر هي المرتبة الثالثة و من حيث الظهور هي الرابعة و هذه الاربع مراتب للشئ قبل الظهور تنسب اليه بنفسه و ان كان اعتبارها انما هو من جهة اتصافه بالظهور و الخامسة هي الظهور الذي هو هيئة الفعل و هيئة الفعل منها ما هو متصل به و هو الذي تلبس الفعل به لاينفكّ عنه و منها ما هو منفصل عن الفعل و هو المعبّر عنه بالأثر و بالمعلول و نظر المعلول الي علّته اعني الوجه المتصل بالفعل الذي لاينفكّ عنه اعلي من نظره الي نفسه من حيث كونه اثراً و معلولا و هذه الأربعة اعني الباطن و من حيث الباطن و الظاهر و من حيث الظاهر التي هي اسماۤء الفاعل مركبة و متقوّمة من الأثر الذي به الظهور و من المؤثر الذي هو فعل الظاهر فيكون هذا المركب اسماً للظاهر يعرف به و يتميز به عند العارف به و قد تقدّم انّ هذا الفعل الذي قلنا انه المؤثر له اربع مراتب النقطة و الألف و الحروف و الكلمة و المركب من الأثر و الفعل الذي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 409 *»

قلنا انّه المؤثر له اربع مراتب فالنقطة مع البطون و هو ( البطون هو نسخه . م . ص ) الأولي ( الاوّل خ‌ل ) و هو اعلي الأسماۤء و الألف مع حيثية البطون هو الثاني و الحروف مع الظهور هو الثالث و الكلمة مع حيثية الظهور هو الرابع و هذه الأسماۤء الأربعة هي المقامات و العلامات التي بها يعرف الله تعالي و هي ما ذكره الحجة عليه السلام في دعاۤء كل يوم من شهر رجب في قوله و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك اعضاد و اشهاد و مناة و اذواد و حفظة و روّاد فبهم ملأت سماۤءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت الدعاء ، فالعارف بالأوّل اعلي من العارف بالثاني و هذا الثاني اعلي من العارف بالثالث و العارف بالثالث اعلي من العارف بالرابع فاذا اعتبرت هذا في الصفات العليا الكلية الكبري العامة المطلقة تعين العارفون بها فلايصل الي الأوّل الا محمّد صلي الله عليه و آله و لا الي الثاني الا عليّ بن ابيطالب عليه السلام و هكذا و ان اعتبرت هذا فيما دون ذلك من الصفات كصفات الصفات سواۤء كانت كلية اضافية او جزئية تفاوتت فيها مراتب العارفين كالأنبياۤء و الأوصياۤء و الأولياۤء و العلماۤء و قيمة كل امرء ما يحسنه و قولي و نظر المعلول الي علّته الخ ، اريد بالعلّة الاسم المركب من الأثر و المؤثر لا خصوص المؤثر الذي هو الفعل اذ لايوجد هناك عارف غير الفعل نفسه بنفسه فافهم و اريد بالمداد الأوّل المسمّي بالدواة الأولي الأثر نفسه المعبّر عنه بالوجود الممكن الراجح الثبوت و العارف به ناظر اليه نفسه بمعني انه اثر وصفية (و صفة خ‌ل ) و ظل الفعل و ما اشبه ذلك و هذا طريق عال من طرق المعارف الّا انّ الأربعة الأول اعلي لأنّ العارف هنا ناظر الي نفسه من حيث انه اثر و صنع و هو المراد من قوله عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ، و في الأربعة الأول ناظر الي علته و نظرُه الي علته اعلي من نظره

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 410 *»

الي نفسه و اريد بالنظر الي نفسه من حيث هو اثر هنا للاحتراز عن النظر الي نفسه من حيث هو هو فانه حينئذ جاهل لايجد شيئا لأنه سراب حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا و اعلم انك لو اردت بالمداد الأول و الدواة الأولي ارض الجرز و القابليات جاز ذلك و صدق عليه الأسم الا ان ارادة كونه الوجود الراجح الممكن اولي و اعلم ان هذا الوجود نور الأنوار و قد يذكر في الأخبار بالنور الذي تنورت منه الأنوار و الحقيقة المحمدية و قولي فاَعلاها في التوحيد ان يظهر لعبده في الرحمة الي آخره ، اريد به انه سبحانه يظهر لعبده بفعله او بمفعوله الذي هو عبده و نسبة مراتب المعرفة بعضها الي بعض في القرب و الشرف نسبة الظهور الي مراتبه فالظهور في الرحمة اعلي من الظهور بالألف و الظهور به اعلي من الظهور بالحروف و الظهور بها اعلي من الظهور بالكلمة و الظهور بها اعلي من الظهور بالوجود و الظهور به اعلي من الظهور بارض الجرز فالأربعة الأول و الخامس الذي هو الوجود اعلي المعارف و هي المشار اليها بالهاۤء قال عليه السلام في تفسير الهاۤء مِن هو في قل هو الله احد تثبيت الثابت. .
قلت فالاولي معرفة الباطن في النقطة و الثانية معرفة الباطن من حيث هو باطن بالنفَس الرحماني و الثالثة معرفة الظاهر بالسّحاب المزجَي و الرابعة معرفة الظاهر من حيث هو ظاهر بالسحاب المتراكم و الخامسة معرفة الظهور بالماۤء و هي المقامات المشار اليها سابقا

اقول هذا هو ما اشرت اليه في الشرح قبله و اريد بالماۤء ما ذكرته اعني الوجود و ان اردت به ارض الجرز كان المراد بالماۤء الماۤء الأُجاج .

قلت فهذه احدعشر عالماً خمسة نور و نجاة و خمسة ظلمة و هلاك و واحد فيه ظلمات و رعد و برق يكاد يخطف ابصارهم كلّما اضاۤء لهم مشوا فيه و اذا اظلم عليهم قاموا يا نور النور اهدنا من عندك و افض علينا من فضلك و انشر علينا من رحمتك و انزل علينا من بركاتك .

اقول فهذه اعني جميع طرق ما يقال عليها اسم المعرفة من حق و باطل احدعشر عالماً من خلق الله خلق سبحانه حقها بفضله علي مقتضي عنايته و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 411 *»

باطلها بمقتضي دواعي المبطلين في الواح الثّري و هي كتاب الفجّار المكتوب في السجين و اما الواحد اعني طريق من يري انه عزوجل معني ، ففيه ظلمات من العادات و ( العادات و غواشي نسخه . م . ص ) الدواعي الشهوانية و رعد من زواجر المواعظ و الآيات في الأرض و السموات و برق من داعي ( دواعي خ‌ل ) الفطرة التي فطر المخلوق عليها التي هي صورة الاجابة لدعوة الله .

قلت و اثناعشر عالما من نار و تراب و هواۤء و ماۤء في الجبروت و نار و تراب و هواۤء و ماۤء في الملكوت و نار و تراب و هواۤء و ماۤء في الملك .

اقول اذا سمعت قول اثني‌عشر عالماً او اثني‌عشرالف عالم فمن المراد به العوالم النارية و الهوائية و المائية و الترابية التي هي اما بسيطة او مركبة و غلبت (غلب خ‌ل) عليها واحد من احد الطبايع فان لم‌تلحظ الأفراد قيل اثني‌عشر عالما اذا اريد منها النوع او الجنس او الصنف و ان لحظت الأفراد قيل اثني‌عشر الف عالم و تقديمي التراب علي الهواۤء في الجبروت و الملكوت و تأخيره في الملك اشارة الي ترتيب البروج في عالم الغيب و ترتيب العناصر في عالم الشهادة كما هو رأي بعض علماۤء الجفر حيث جعلوا ترتيب الحروف علي ترتيب طبايع البروج فيما يتعلق بالنفوس و علي ترتيب طبايع العناصر فيما يتعلق بالأجسام .

قلت و هكذا كل عبارة في الروايات و كلام العلماۤء من ذكر العوالم فتصرف الي اعتبار .

اقول يعني انّ كل عبارة دلّت في ذكر العوالم علي عدد في الأحاديث و كذا في عبارات اهل المعرفة انما يراد بها شئ من نوع ما اشرنا اليه فافهم .

قلت ثم اعلم انّ ادم (ع‌) ابو العالم في كل عالم الي الف‌الف عالم و اوّل ادم وُجد هو المشيّة و هو ادم الاكبر و فلك الولاية المطلقة و الحقيقة المحمديّة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 412 *»

و مقام اوْ ادني و عالم فاحببتُ ان اعرف .

اقول هذا اشارة الي ما ذكره الصدوق (ره‌) في آخر الخصال في روايته عن الباقر عليه السلام فانه عليه السلام ذكر في قوله تعالي بل هم في لبس من خلق جديد ان الله قد خلق الف‌الف عالم و الف‌الف آدم و نحن في آخر العوالم و آخر الآدميين ، و يراد منها تنزلات مراتب الامكان و الأكوان الوجودية و اول موجود في الامكان هو الفعل اعني المشية خلقه الله بنفسه و هو آدم الأوّل الأكبر و قد تقدّم بعض الكلام عليه و اولاده المشيّات التي بها كوّنت جزئيات الأشياۤء و كلياتها من المكوّنات المقيدة فان كل شئ كوّنه الله سبحانه بمشية خاصة به لاتكون لغيره الا ببعض المشخصات و كلها اولاد المشية الكلية الأولية التي هي آدم الأوّل و اول مكوّن بآدم الأول الوجود اعني الماۤء الكون الذي هو اصل كل مكوّن محدث من الغيب و الشهادة و قد ذكرنا انه لايمكن فيه من ذاته اكثر من اربعة‌عشر شخصا الا ان يشاۤء الله ان يغيّر ما اجري في حكمته فانه علي كل شئ قدير و هذا آدم الثاني و اولاده تنزلاته و ظهوراته باشعته و مظاهره و هي مائة و اربعة و عشرون الفا و ثاني مكوّن من المكوّن الأوّل العقل الكلي و اولاده العقول الجزئية و هي كلية اضافية و هي مائة و اربعة و عشرون الفا و هذا آدم الثالث و هكذا الروح و الأرواح و النفس و النفوس و الطبيعة و الطبايع و هلمّ جرّا الي عالم الأجسام تترامي العوالم نازلة الي التراب ثم ترجع صاعدة و كلها علي نحو ما قلنا و امّا قولنا و هو آدم الأكبر اعني المشية و فلك الولاية المطلقة و الحقيقة المحمديّة (ص‌) ففيه تسامح في العبارة لان العبارة جارية علي نمط اصطلاح القوم و هم يجعلون الوجود الراجح الذي هو المشية و ما تعلّقت به و هو الوجود المطلق الذي هو امر الله اعني الماۤء الذي به حيوة كل شئ و هو اوّل صادر عن المشية لا من شئ و لازمه الذي هو ارض القابليات و ارض الجرز في رتبة واحدة و هي رتبة الامكان الراجح و الوجود المطلق و بعد هذه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 413 *»

الرتبة الامكان الجايز و الوجود المقيّد الذي اوله العقل الكلي و نحن نجعل اول صادر عن الفعل و لازمه برزخاً بين المطلق و المقيّد فان شئنا قلنا الوجود المطلق الراجح هو المشية و المقيّد هو العقل و ما بعده الي ما تحت الثّري و ما بين المطلق و المقيد برزخ اعلاه مع المطلق و اسفله مع المقيد و ان شئنا قلنا ما بينهما مع المطلق و ان شئنا قلنا ما بينهما مع المقيد فعلي قولنا يكون فلك الولاية محتمل الوجهين فان اريد به المشية فلا اشكال و ان اريد به نور الولي عليه السلام كان هو و الحقيقة المحمديّة الذي هو نور النبي صلي الله عليه و آله مادة للأشياۤء كلها و وجودها الذي هو امر الله الذي به قام كل شئ قياماً ركنيّا لأن الله سبحانه جعله عضداً لخلقه و ليس المراد بذلك ان الأشياۤء اجزاۤء منه اذ ليس ينزل شئ عن مقامه و انما الأشياۤء كوّنت موادها من اشعته و تنزلاته و آثاره و مقام او ادني و عالم فاحببت ان اعرف مثل فلك الولاية في الاحتمالين و اعلم ان تقوّم المشية بالحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله كتقوم حرارة النار بالحديدة حال كونها محمية و كتقوم الفعل بالقيام في قولك قاۤئم ، ففعل القيام كالمشية و القيام كالحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله و القاۤئم كالوجه الذي هو مقاماته تعالي التي لا فرق بينها و بينه الا انّها عباده و خلقه كما انه لا فرق بين قاۤئم و بين زيد الظاهر بالقيام في هذه الجهة الّا انّ قاۤئماً صفة زيد و صنعه لأنه سمّي زيد في حال ظهوره بالقيام بقاۤئم فنحن نطلق الوجود المطلق علي المشية و علي اول صادر عنها لا من شئ و هو الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله .

قلت و كل آدم فهو لم‌يخلق من اب و امّ الّا الاب و الام المعنويين اللذين ذاته تركبت منهما علي نحو ما سبق و هما الوجود و المَاهية اي المادة و الصورة فالاب هو الماۤدة و الام هي الصورة .

اقول اعلم انّ كل آدم من الآدميين الألف‌الف آدم لم‌يكن مخلوقاً من اب و امّ كما هو في ساير اولاده و ذلك كما تري في ابينا آدم عليه السلام و قد اشار الرضا عليه السلام الي نوع مطلق الدليل بقوله عليه السلام قد علم اولوا الألباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا ه‍ ، و هذا الدليل و امثاله مثل قول

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 414 *»

الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية الخ ، و غيره يفيد استدلالاً علي نفي الأب و الأمّ لكل آدم كما في ابينا عليه السلام و استدلالاً علي ثبوت التركيب لكل مخلوق من مادة و صورة و ان المادة هي الأب و الصورة هي الأمّ و هذا معني قولي الا الأب و الأم المعنويين الخ و قولي و هما الوجود و الماهية اريد بهما المادة و الصورة و لذا فسّرتهما بهما فالوجود هو المادة و الصورة هي الماهية ( و الماهية هي الصورة نسخه . م . ص ) سواۤء كان ذلك في عالم الأنوار كالعقول فان وجودها هو مادتها و ماهيتها هي صورتها و هما في العقول مجرّدان عن العناصر و الصور و الزمان اذ كل شئ بحسبه فمادته و صورته من نوع رتبته في الكون الدهري الجبروتي ام في المثال كالصورة في المرآة مثلا فانّ مادتها ظهور المقابل لها و صورتها هيئة المرآة و لونها و صقالتها و هذا من نوع رتبتها في الكون البرزخي الظلي ام في الأجسام فانها مركبة من مادة عنصرية و صورة مثالية و ذلك من نوع رتبتها في الكون الزماني الجسماني اما المادة فتشخص في الحس بالصورة المثالية و مقوّماتها و اما الصورة و ان كانت من المثال فانها انما تظهر في الحسّ حال ارتباطها بالمواد العنصرية و سواۤء كان ذلك في الذوات كما مثّلنا في الأجسام ام في الصفات كما مثّلنا في الصورة في المرآة و سواۤء كان في الغيب كما مثّلنا بالعقول ام في الشهادة كما ذكرنا في الأجسام و سواۤء كان في الخارج كما مثّلنا ام في الأذهان كالأمور المنتزعة من المعاني و الأعيان و الهيئات و غير ذلك فالوجود علي الحق الحقيق بان تطلب معرفته فيما سوي الله سبحانه هو المادة و هو قول بعضهم و هو الصحيح خلافاً للأكثرين و هو الركن الأعظم من كل شئ محدث صدر كونه بمشية الله لأنّ الوجود هو الذي صدر عن فعل الله و معلوم ان الشئ انما هو في الحقيقة عبارة عن المادة و الصورة فان حدّ الانسان الحقيقي التامّ هو الحيوان الناطق مثلا و الحصة الحيوانية هي المادة و الحصة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 415 *»

الناطقية هي الصورة و لم‌يكن له اصل غيرهما و الا لماكان الحدّ بهما تامّاً حقيقيّا و لو كان الوجود غير المادة لماكان الحدّ بدونه تامّا و لماكان الوجود اظهر الأشياۤء لكنه هو المادة اذ هي اظهر الأشياۤء في كل شئ و لكنه لشدّة ظهوره خفي علي الأكثر حتي توهموه شيئاً موهوماً او مفهوماً او ذهنيّاً او معنيً مصدريّا او هو الوجود الحق او فعله و ما اشبه ذلك و كل هذه الاحتمالات باطلة و الحق انّ الوجود المحدث هو المادة في كل شئ بحسبه و الوجود الحق لايعلمه الا هو لأنه هو ذات الله عزوجل و دعوي السنخيّة و الظليّة باطلة و دعوي الاشتراك المعنوي و اللفظي ايضا باطلة اذ لم‌تدخل الذات المقدّسة مع غيره تحت حقيقة واحدة فلايصحّ المعنوي و لايكون بين ذاته عزوجل و بين غيره من كل شئ مناسبة من جميع النسب الأربع فلايصحّ اللفظي فافهم .

قلت و هذا هو المستفاد من كلام اهل العصمة عليهم السلام .

اقول يعني انّ كلامهم عليهم السلام صريح لمن يفهم فيما ذكرته و اذكره بانّ المادة هي الأب و الصورة هي الأمّ كما يأتي بعد هذا.

قلت و امّا ما اصطلح عليه المتقدمون و الحكماۤء من ان الاب هو الصورة و الام هي الماۤدّة و ان الصورة اذا نكحت الماۤدة تولّد عنهما الشئ توهّما منهم انّ النشو و التخلّق في بطن الماۤدّة فهي الامّ فبعيد من جهة المناسبة .

اقول المراد بما استفيد من كلام اهل العصمة عليهم السلام من كون المادة هي الأب و الصورة هي الأمّ ما يأتي عن الصادق عليه‌السلام من قوله ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخ المؤمن لأبيه و امّه ابوه النور و امّه الرحمة ه‍ ، و يأتي بيان وجه الاستدلال به علي المطلوب و مثله قوله عليه السلام السعيد من سعد في بطن امّه و الشقي من شقي في بطن امّه ه‍ ، و يأتي بيانه ايضا و اما ما اصطلح عليه المتقدمون فدليلهم اعتبار ضعيف لأنك اذا وزنت الأشياۤء بالميزان الحق وجدت ذلك كما قلنا و ذلك نحو قولك ان المادة هي تدخل عليها لفظ مِنْ اذا اردت التعبير عنها فتقول صغت الخاتم مِن فضّة ، فالفضّة هي مادة الخاتم لا الصورة و تحقق الخاتم انما يكون في الصورة لا في

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 416 *»

المادة و الّا لكان كل فضّة خاتما كما يكون في الصورة فان كل ما هو بهذه الصورة فهو خاتم سواۤء كان من فضة ام من ذهب ام حديد ام نحاس ام خشب فاذا عرفت هذا فاعلم ان الأمّ خلقت من الأب كما قال تعالي خلقكم من نفس واحدة يعني آدم عليه السلام و خلق منها زوجها يعني حوّاۤء و هذا معلوم انّ حوّاۤء خلقت من آدم عليه السلام و كذلك الصورة خلقت من المادة لا العكس و هذا يطابق تأويل قوله عليه السلام السعيد من سعد في بطن امّه الخ ، اي انّ السعادة و الشقاوة في بطن الصورة الاتري ان الخشب الذي هو مادة السرير و الباب و الصنم ليس فيه حُسن و لا قبح فاذا عمل باباً كان فيه حسن و اذا عمل صنماً كان فيه قبح فكان الحسن و القبح في الصورة لا في المادة فتفهّم ما اشرنا اليه لتعرف الدليل و الاستدلال و يظهر لك ان قولهم و ان كان اصطلاحاً بعيداً من جهة المناسبة خالياً من الفاۤئدة .

قلت و اما من جهة مجرّد الاصطلاح و التسمية مع قطع النظر عن المناسبة فلا محذور و لكنّه لاينفتح به كل بابٍ الّا اذا اريد به هذا الاصطلاح الصواب بل ربّما يقال ان ليس ذلك باصطلاح و انّما الواضع للّغة العربية و هو الله سبحانه و تعالي وضع ذلك كذلك .

اقول ان العادة جرت من اهل كل عرف علي انه اذا ارادوا الاصطلاح علي شئ نقلوه من اللغة لتكون المناسبة بينهما مقرّبة لفهم ذلك الاصطلاح و قولهم ان الصورة هي الأب و المادة هي الأمّ بعيد من المناسبة بدليل ما اشرنا اليه فيما ذكرنا من الروايتين و الاعتبارين نعم لو قصدوا مجرّد الاصطلاح غير ملاحظين للمناسبة جاز و لكن لاتتعدي فاۤئدته فلاتستفاد منه فاۤئدة و لايستنبط منه دليل و اما ما ذكرنا بعد قيام الدليل الخاص عليه فانه مشتمل علي المناسبة التامّة و عظيم الفاۤئدة و افادته الدليل علي كثير من المعارف لو قيل انه اصطلاح و اما علي احتمال انه حقيقة وضعه الواضع علي هذا المعني كما يستفاد من بواطن الأخبار فلا اشكال فيه .

قلت فاذا ظهر لك ما قرّرنا سابقا و نقرّر لاحقاً ظهر الحال من غير حاجة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 417 *»

الي استدلالٍ و لو سلمنا انّ ذلك ليس من اصل وضع اللغة قلنا انّ الاصطلاح المناسب للامر الواقع اولي بالمصير اليه .

اقول اريد بهذا الكلام انّ ما اشرنا اليه غير خفيّ علي كل من نظر في كلامنا اذا لم‌يلاحظ ما قالوا و اما اذا لاحظه ( لاحظ نسخه . م . ص ) في فهمه لذلك بان يجعل قولهم مسلّماً عنده و انما الاشكال في كلامي هل يمكن التوفيق بينه و بين كلامهم فلا ريب انه يخفي عليه لأنّه علي عكس ما قالوا فكيف يوافقه و ايضاً قولي بينه و بين المعني اللغوي علي فرض ان كلامي ليس حقيقة مناسبة تامّة و ذو المناسبة اولي من غير ذي المناسبة بالمصير اليه لأنّ المناسبة اذا حصلت ظهر للمنقول كثير من احكام المنقول منه و تنفتح للعالم بتلك المناسبة ابواب من العلم كثيرة و من تتبع رسائلنا وقف علي كثير منها و الله سبحانه هو الموفّق .

قلت و بيان الاشارة الي المناسبة ان الاصل في المولود هو الاب و التخلّق و التقدير ظاهرا و باطنا انما هو في بطن الام و ان كان المولود مركبا منهما كما روي عن الحسن بن علي بن ابي‌طالبٍ (ع‌) ما معناه ان الانسان خلق من اربعة‌عشر شيئا اربعة من ابيه و اربعة من امّه و ستة من اللّه فالتي من الاب العظم و المخ و العصب و العروق و التي من الام اللحم و الدم و الجلد و الشعر و التي من اللّه الحواس الخمس و النفس فاذا نظرتَ ما من الاب رأيته هو اصل الانسان لأنه هو القسم الاقوي و لهذا كان جانب الاب اقوي و ادخل في امر الميراث و في الولاية و غير ذلك كالمادة لانها هي الجانب الاقوي في الشئ و الصورة هي الجانب الاضعف فيه كالام فان ما منها ظاهر المولود و قشره كاللحم و الدم و الجلد و الشعر يتعلق بما من الاب كالصورة تتعلق بما من الماۤدة بحلولها فيها.

اقول هذا الكلام كله ظاهر لأنّه اتي به بياناً فلايحتاج الي بيان مع ما يأتي من بعده فيه بيان ايضا .

قلت لكن لمّا كان التخلّق الذي هو التصوّر انما يكون في بطن الام و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 418 *»

الاحكام لا تعلّق لها بنفس المادة و الّا لتساوت جميع اشخاص النوع في الاَحْكام و انّما تتعلّق بالصّور لتختص كل صورة بما يناسب لها من الحكم كانت الاحكام منوطة بالصورة كما ان حكم المولود منوط بصورته و لاتكون الّا في بطن امه و من هنا قال (ع‌) السعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه ، لان بطن الام هو محل التخلق و التصور و ذلك هو مناط الاحكام .

اقول الدليل علي ان الصورة هي الأم ان المادة لاتلحقها الأحكام و انما تلحق الصورة فاذا جعلنا المادة هي الأب و الصورة هي الأم صح لنا ما ذكرناه سابقا و ذلك مثل الخشب الصالح للسرير و الصنم لايلحقه من حيث هو حسن و لا قبح فلاتقول هذا الخشب حسَن و هذا الخشب قبيح و ان كان صالحاً لعمل الحسَن و عمل القبيح فاذا صوّر سريراً كان ذلك بتلك الصورة حسَنا و اذا صوّر صنماً كان بهذه الصورة قبيحا فاذا اردتَ مطابقة الظاهر و الباطن و التأويل و نظرت الي قوله عليه السلام السعيد من سعد في بطن امّه و الشقي من شقي في بطن امّه و الي ما قاله بعض المفسّرين تبعا للحكماۤء فيما قرّروا في الطبيعي ان السامري حين اخذ الذهب لما صنعه عجلاً خار و لو صنعه كلباً نبح و لو صنعه انساناً تكلم مع انّ المادة واحدة و هي الذهب و الي ما قاله الفقهاۤء من انه لو نزا كلب علي شاة فاولدها ولداً فان كان بصورة الكلب فهو كلب نجس و حرام و ان كان بصورة الشاة فهو شاة طاهر و حلال و مثله ما روي عن علي عليه السلام وجدتَ ذلك علي ما قلنا مطابقا و علي ما قالوا اولئك مخالفا و هو من جهة انّ الصورة هي الأمّ التي يتشخص فيها المولود بالصورة التي تلحقها الأحكام و تبني عليها و هذا ظاهر .

قلت فاذا ثبت ان الصورة مناط الاحكام ثبت انّها هي الام لا الماۤدّة و الّا لتساوت افراد النوع في الحكم لتساويها في الماۤدة كما مر و نظير ذلك الخشب فانه ماۤدة للسرير و للصنم فان عمل صنما كان فعله حراماً و يجب كسره و ان عمل سريرا كان جاۤئزا فالحكم عليه بالحرمة و الجواز انما هو في الصورة فصارت السعادة مثلاً كالسرير و الشقاوة كالصنم انما هو في بطن الصورة لا في

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 419 *»

بطن الماۤدة و ذكر الاصحاب في الكلب اذا نزا علي شاةٍ فاتت بولدٍ فان كان كلبا فهو حرام و نجس العين و ان كان شاة كان حلالاً و طاهر العين و المادة واحدة و انما الحل و الحرمة في بطن الصورة و هي الام و هذا ظاهر لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد .

اقول هذا الكلام ظاهر و قد ذكرته قبل هذا مكرّرا و هو في نفسه لايحتاج الي البيان .

قلت و الي ما ذكرنا ورد التصريح عن الصادق (ع‌) في قوله (ع‌) ان اللّه خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امّه الرحمة فانظر الي صراحة هذا الحديث في المدعي .

اقول قد ذكرنا قبل انّ المادة في التعبير عنها لابدّ و ان تدخل عليها لفظ مِنْ فتقول صنعت ( صغت نسخه . م . ص ) الخاتم من فضّة ، لأن دخولها في نحو هذا التركيب علامة انّ مدخولها هو المادة اذ لايقال صنعت ( صغت نسخه . م . ص ) الخاتم من الصورة فقوله (ع‌) ان الله خلق المؤمنين من نوره ، صريح في ان النور هو المادة اي الوجود و قد صرّح عليه السلام بانها هي الأب فقال ابوه النور و امّه الرحمة يعني الصورة الانسانية المستقيمة المنقوشة علي هيئات الطاعات و صورها و الدليل علي ان هذا النور هو المادة ما ذكره عليه السلام في تفسير كلام جدّه عليه السلام حين قال اتّقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله قال عليه السلام يعني بنوره الذي خلق منه ، و الذي خلق منه هو المادة و هو النور اي الوجود و هذا ظاهر لا غبار عليه و المراد بالرحمة الحصّة الناطقية و بالنور الحصّة الحيوانية في قولهم الانسان حيوان ناطق فان حيوان هو المادة و ناطق هو الصورة و المراد بالمادة هو الوجود الذي هو اول صادر عن فعل الله تعالي اذ لم‌يصدر عن فعل الله سبحانه الا شئ و الشئ لايتقوم الا بمادة و صورة و المادة هي الصادر عن فعل الله و الصورة هيئة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 420 *»

ذلك الصادر و انفعاله بفعل الله فاشرب صافيا و دع عنك الأوهام .

قلت لان النور هو المادة و المراد به الوجود لقول الصّادق (ع‌) في تفسير قوله (ع‌) اتّقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّٰهِ قال (ع‌) يعني بنوره الذي خلق منه .

اقول هذا هو ما ذكرنا قبل و المراد في هذا الحديث بنور الله هو الوجود و يعبّر عنه تارةً بالفؤاد و انما سمّاه نور الله لأنّه غير ناظر الي نفسه ابدا و انما ينظر الي الله فمثاله في نظره الي الله متوجهاً اليه سبحانه من جهة فعله اي متوجهاً اليه بواسطة توجهه الي فعله الذي منه بدأه مثاله نور السراج في عدم نظره الي نفسه ابدا و انما ينظر الي السراج اعني النار بواسطة نظره الي الشعلة المرئية من السراج منتهياً اليها لأنّها هي التي منها بدؤه النار فافهم و انما لم‌يقل عليه السلام لأنّه ينظر بحقيقته او بوجوده لأنّه حينئذ بمدلول اللفظ ناظر الي نفسه فلايكون حينئذٍ نوراً بل هو ظلمة و عدم فلاتكون له فراسة اصلا .

قلت و الرحمة هي الصورة لان الصّورة هي صبغ للماۤدّة فالرحمة صبغ الوجود و هي الماهية الثانية لان الماهية الاولي شرط لتحقق الوجود في الخلق الاول قبل التكليف و اَمّا في الخلق الثاني حين قال لهم الستُ بربّكم فمن اجاب بلسانه و قلبه خلقه من صورة الاجابة و هي الصورة الانسانيّة حقيقة و هي الصبغ في الرحمة فافهم و من عصي بقلبه خلقه من الصورة الشيطانية و هي الصبغ في الغضب فالسعيد من سعد في صبغ الرحمة قال (ع‌) و هي الام و الشقي من شقي في صبغ الغضب .

اقول المراد من الرحمة في الحديث الشريف المتقدم الصورة بدليل قوله عليه السلام خلقهم من نوره فالنور هو المادة و قوله عليه‌السلام و صبغهم في رحمته فالرحمة هي الصورة لأنه تعالي ركّبهم في خلقهم من مادة و صورة فالرحمة صبغ الوجود لأنها صورة له في خلق المؤمنين و الغضب صبغة ( صبغه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 421 *»

خ‌ل ) في خلق الكافرين و قولي و هي الماهية الثانية اشير به الي ان الخلق الأوّل هو خلق المادة النوعية فتكون مركبة من مادة بسيطة و من ماهية اولي و هي انفعاله و قبوله الايجاد بفعل الله تعالي كالخشب فانه مركب من مادة بسيطة و هي الحصّة من العناصر و من صورة نوعية و هي الحصّة الخشبية و هذا هو الخلق الأوّل للسرير و للصنم اللذين متساويان فيه في الصلوح و لم‌يظهر فيه الحُسن و القبح لأنّ هذه الماهية شرط للتحقق ( التحقق خ‌ل ) في الخلق الأوّل فلاتكون منشأ لظهور الأفعال الاختيارية لأن هذه متساوقة في الظهور للوجود الذي به تكون الشيئية فتكون الماهية الأولي قبل التكليف التفصيلي و ان كانت في الحقيقة هي اجابة التكليف و القبول و التحمل الذي هو علّة الكون و اما الماهية الثانية فهي صبغ الرحمة في خلق المؤمنين كحصّة صورة السرير في ايجاد السرير و هي صبغ الغضب في خلق الكافرين كحصة صورة الصنم في ايجاد الصنم و صبغ الرحمة هو الصورة الانسانية لاشتمالها علي حدود الطاعات التي هي جنود العقل كما في حديث هشام في الكافي و صبغ الغضب هي الصورة الشيطانية لاشتمالها علي حدود المعاصي التي هي جنود الجهل و نريد بحدود الطاعات العلم و الحلم و الاخلاص و الرجاۤء و اليقين و الزهد و الورع و ما اشبه ذلك فان كل واحد منها حدّ تتميز به الطاعات و حدود المعاصي الجهل و الخرق و الريا و القنوط و الشك و الطمع و الخوف و ما اشبه ذلك فان كل واحد منها حدّ تتميز به المعاصي عن الطاعات و الهندسة و التخطيط الذي تميّزت به الصورة انما هو هذه الحدود و اشباهها لأنّ تلك الصور ( الصورة خ‌ل ) معنوية و التصوير الوارد عليها ايضا معنوي فافهم .

قلت و نظيره من المعروف عند الناس في الانسان انه حيوان ناطق فالحيوان مادة تصلح للانسان و الكلب و الصورة لماۤدة الانسان الناطقية فالنطق

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 422 *»

هو الصورة و هي التي يتميز فيها الانسان من الكلب فهي الام التي يشقي في بطنها الشقي و يسعد في بطنها السعيد .

اقول انما قلت من المعروف عند الناس لأنّهم في علومهم و محاوراتهم ينظرون في معرفة الشئ الي ما يفهمون منه و لايفهمون من معني الحيوان الا انه المتحرك بالارادة فيجعلون مفهوم هذا جنساً شاملاً لجميع الحيوانات فيأخذون لكل نوع حصة و يميزون بينها بالصور النوعية اعني الفصول و ينتقلون من ذلك المفهوم الي الموجود المعلوم الخارجي فينظرون في حصّة كل نوع خارجي بذلك المعيار ثمّ حكموا بان تلك الحصص الخارجية متساوية في الرتبة لكونها من حقيقة واحدة و اخطاؤا لأنّهم انما ادركوا الاتحاد من قبل المفهوم و تمشوا منه الي الخارجي المعلوم و في الحقيقة انما اشتركت الحصص في جهة التسمية و اوقاتها و امكنتها متفاوتة تفاوتاً يلزم منه ان الوضع علي السابق قد تحقق و استعمل في وقت و مكان لم‌يوجد المسمّي المتأخر ليريده الواضع فيضع اللفظ بازائه و لم‌يدخل في حقيقة الأول ليكون فرداً منها فاذا وضع اللفظ بازاۤئها دخل في جملة افرادها و انما هو من حقيقةٍ مغايرة لحقيقة الأولي نعم لما كان بين الحقيقتين تقارب و تناسب و هو تناسب السببية و المسببية و تقارب الملزومية و اللازمية حصلت المناسبة الذاتية التي هي علة الوضع بين اللفظ الموضوع للاول و بين الثاني اللازم فحسن الوضع عليه بعد وجوده و لم‌يكن وقته و مكانه وقت المسمّي الأوّل و مكانه ليكون مساوياً له و ليس الوضع عليهما وضعاً واحدا لأنّ الوضع الواحد انما يكون بازاۤء موجود و حين الوضع علي الأوّل لم‌يكن الثاني موجودا و حين وجد الثاني و وضع عليه ما وضع علي الأول لم‌يكن مجتمعاً معه في رتبة واحدة و انما جمعهما مفهوم اللفظ و المفهوم غير المعني المسمّي فاذا قلتَ ان الوضع علي الثاني بالحقيقة قلتُ يجوز ذلك و لكن بمعني انه حقيقة بعد حقيقة كما هو شأن المشتركات اللفظية في كونها باوضاع متعددة نعم قد تتعدد حصص الحيوانية فتكون اذا كان في اللازم و المسبب حصّة واحدة تكون في السبب و الملزوم حصتان لأنّه يشارك

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 423 *»

الأسفل في الحصّة السفلي و ينفرد بالحصّة العليا و يأتي بيان هذا عن قريب ان شاۤء الله عند ذكره فيأتي ان الحصّة الحيوانية المجامعة للناطقية من نوع لايكون جنساً لها و للمجامعة للنابحية و الصاهلية و لما ثبت ان السعادة و الشقاوة انما هي في بطن الأمّ و ان الصورة الشخصية هي التي بها يتميز الشقي و السعيد كما مثّلنا لك في الخشب و السرير و الصنم ثبت ان الصورة هي الأمّ و قد تقدّم ذلك و لما اردت الكلام بالاشارة الي بيان تلك الحصص

قلت ثم اعلم ان الحصة التي في الانسان من الحيوان التي هي المادة و الحصّة التي في الكلب من الحيوان التي هي ماۤدته تجمعهما حقيقة واحدة في الظاهر بلحاظ انّ الحيوان هو المتحرك بالارادة المعروفة عند العوام و عليه جري اصطلاحات العلماۤء في اكثر كتبهم و محاوراتهم .

اقول قد تقدّم معني هذا الكلام و بيانه فلا فاۤئدة في اعادته .

قلت و امّا في الحقيقة فهل هما كذلك و انّما اختلفا باضافة الصورة من جهة قابليّة كلٍ منهما و استعدادها .

اقول ان هذا الكلام و ما بعده في ذكر اختلاف الاحتمالات في الحصّة الحيوانية التي في الانسان و الفرس علي حسب ما تقتضيه ظواهر أدلة لحكمة احدها انها ( انه نسخه . م . ص ) يحتمل ان تكون الحصّتان من حقيقة واحدة تدخلان تحت جنس واحد اذ هو مقتضي اتحاد مفهوم المتحرك بالارادة الصادق عليهما و علي هذا فلم اختلفا في القوة و الضعف حتي كانت في الحيوان اضعف منها في الانسان مع ان مقتضي الاتحاد المذكور ان يكون فيهما من باب التواطي فاجيب بان الاختلاف بين الحصتين مع تساويهما في اصل الهيولي انما حصل من جهة قابلية الحصة التي كانت اقوي و استعدادها و يرد عليه ان القابلية و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 424 *»

الاستعداد المشار اليهما شرط التحقق و قبل التحقق لاشئ و بعد التحقق تكونان من التواطي اذ هما من ذات واحدة و لاتصحّ ان تكونا من المشكّك لأنّ الأفراد المشككة انما تتحق من ذوات متعددة كالأبيض للانسان و القرطاس و القمر او من صفة منبسطة اختلفت رتب اماكنها كالبياض من الأبيض و كالنور من السراج بخلاف الحصّة الذاتية من ذات واحدة فانها لاتصحّ الّا من المتواطي و الا لاختلفت رتب اماكنها فلم‌تكن من ذات واحدة .

قلت ام لا بل كلّ حصّة من حقيقة لان مراتب الوجود متفاوتة و لاينحصر تفاوتها في مراتب المشكك بالقوّة و الضعف ليُقٰالُ ان ما اختلف من المشكك تجمعه حقيقة واحدة بل منه المشكّك و منه الاعراض كالاضواۤء و الانوار و الصفات و الافعال و النسب و ذلك لاتجمعه مع معروضه حقيقة واحدة و ان قلنا ان كل اثر يشابه صفة مؤثره لانّ جهة المشابهة هي الهيئة في الصفة و الاثَرِ .

اقول هذا ثاني الاحتمالات و هو ان كل حصة من حقيقة غير الحقيقة التي منها الحصة الأخري و اختلافهما دليل علي اختلاف اصلهما لأنّ التفاوت الذاتي لايتحقق في الذات الواحدة المتحدة الرتبة و المكان و لاينحصر التفاوت في مراتب المشكك بالقوة و الضعف علي فرض دعوي انّ المشكك تجمع افراده حقيقة واحدة لانّا نقول اوّلاً ان التشكيك انما يكون من انواع المفاهيم المحصلة من الألفاظ او من الحقايق المختلفة المتعددة بسبب وصف اجتمعت فيه او من الأعراض المنبسطة لاختلاف اماكن تلك الحصص و رتبها و هو معني قولي بل منه المشكّك اي من الوجود اذا ( اذ خ‌ل ) اخذ بالمفهوم المعبّر عنه في الفارسية بـ هستي فانه يشمل بهذا المعني كل ما هو شئ فان المشكك و ان اختلفت افراده دخل في الوجود بهذا المعني و هو حقيقة واحدة و ان اختلفت في القوة و الضعف و ذلك كالأبيض و البياض مع اختلاف حقايق الأول و هو الأبيض و الأضواۤء اذا اريد منها المنيرات و اختلاف اماكن الثاني و هو البياض و الأنوار المنبسطة اذا لم‌ترد منها المنيرات و مثل الثاني الصفات القارّة الذاتية و الغير القارّة الفعلية و الأفعال و النسب فان الأفعال تختلف باختلاف متعلقاتها و النسب

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 425 *»

كذلك و الثاني و ما يلحق به لاتجمعه حقيقة واحدة مع معروضاتها فان الصفة ليست في رتبة الموصوف و الفعل ليس في رتبة الفاعل و النسبة ليست في رتبة المنسوب و مع ذلك تجمع الكل حقيقة الوجود بمعني هستي بالفارسية و ان كانت مختلفة الحقايق فيكون من الوجود المشكّك و منه غير المشكّك و هو مختلف الأفراد كالمشكّك و قولي و ان قلنا ان كل اثر يشابه صفة مؤثره ، اريد به ان الأشياۤء مختلفة الحقايق و ان قلنا ان كل واحد منها اثر لعلّته و الأثر يشابه صفة مؤثره و يلزم من هذا اتحادها لاتحاد المشابهة في جهة التشبيه فلايكون مختلفة الحقايق بل نقول هي مختلفة الحقايق ، و المشابهة انما هي في الصفة و الأثر و ذلك لايقتضي الاتحاد في الذات و اجيب بان دليلكم يصحّ بين حصص الأنواع في انفسها اما علي اطلاق كلامكم فلا فانه يتناول الحصص الشخصية فانّا نجد بين افراد النوع الواحد تفاوتاً عظيماً مع الاتفاق في الحقيقة علي ان افراد هذا النوع من المتواطي الذي مقتضاه التساوي فان خصص الدليل بالحصص النوعية صحّ و الا فلا .

قلت ام هما من شئٍ واحدٍ و تتفاوت الحصص بما تكتسب من الصور لا بقابليّتها و اسْتعدادِها .

اقول هذا ثالث الاحتمالات و تقريره ان الحصص الحيوانية الموجودة في انواع الحيوانات و اشخاصها كلها من شئ واحد اي من حقيقة واحدة متحدة الرتبة و المكان و الهيئة و اختلافها في الحيوان الناطق و الحيوان الصاهل و الناهق و في افراد كل نوع انما هو بما تكتسب تلك الحصص من الصور اللاحقة لها اعني الحصص الفصولية ( النوعية خ‌ل ) و في الأفراد بما تكتسب كل حصة من الصورة الشخصية و اختلافها لاختلاف ذلك الاكتساب و الفرق بين هذا الاحتمال و الاحتمال الأوّل ان هذا نسب فيه الاختلاف و تفاوتها في القوّة و الضعف الي ما يصل اليها من الصور و هي في انفسها متساوية تساوي تواطٍ و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 426 *»

الأول نسب الاختلاف و التفاوت في القوة و الضعف الي نفس الحصة المادية و ان كان ذلك انما ظهر بانضمام الصور لأنّ التفاوت من اصل استعداد ذات المادة فهو فيها بالقوة و يكون بالفعل عند ارتباط الصورة بها و يرد علي هذا الاحتمال انّ هذا التفاوت اذا كان في خصوص افراد نوع واحد امكن ان يسند التفاوت بينها الي الاكتساب من الصور اما اذا كان في الأنواع المختلفة فان كانت في رتبة واحدة من الوجود امكن ان يتم فيها هذا التوجيه كما لو فرض بين الفرس و الحمار و البغل و الابل و البقر و الغنم و الكلب و ما اشبه ذلك و لكن اذا فرض بين احد هذه المذكورات و بين الانسان فانّا و ان سلّمنا ان للصورة تأثيراً عظيماً يحصل منه التفاوت العظيم الّا انّ الصورة التي يكون منها مثل هذا التفاوت العظيم لايصلح في الحكمة ان ترتبط بما لايناسبها من المواد فان لون الياقوت مثلا و صفاؤه لايصلح ان يوضع في مادة كثيفة وسخة كالتراب الغير الصافي فلو تعلق به ذلك اللون و ذلك الصفا ضعف اللون و الصفاۤء و كان لايصلح واحد منهما ان ينسب الي الياقوت و انما يرتبطان بمادة صافية لطيفة نقية من الأوساخ و الأعراض و الكدورات فاذا فهمت التمثيل ظهر لك ان هذا التفاوت العظيم بين نوع الانسان و نوع الحمار لايكون من خصوص ما يكتسب من الصور اذ لايبلغ ذلك بالمادة هذا المبلغ من التفاوت العظيم .

قلت و الحقّ في المسئلة انّ ما كان من شئ واحدٍ منها كالحصص المتّخذة من الذات الواحدة او من العرض فهي في الحقيقة واحدة و اختلاف الحصص اذا كانت من شئ واحد انما هو باختلاف اكتسابها من الصور من الاعمال الظاهرة و الباطنة الناشية عن اختلاف مراتب الاجابة في عالم الذرّ و اختلاف الصور في القابلية و الاستعداد بسبب اختلاف انفعالها من الحصَص بسبب تفاوت مراتبها و مشخّصاتها فتتفاضل اذا اجتمعت في الدرجات لكنها

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 427 *»

لاتتجاوز الحقيقة الجامعة لتلك الحصص . اقول هذا رابع الاحتمالات و هو التفصيل و هو الحق الذي تنصره الأدلة العقلية و النقلية و تقريره ما ذكرته في المتن و هو انه اذا كانت الحصص من شئ واحد كما لو اخذت من ذات واحدة او من العرض الواحد فمثال الأول كما اذا اخذت من جرم الشمس مثلا فهي من حقيقة واحدة بسيطة متساوية الأجزاۤء و الحصص المأخوذة منها يجب ان تكون متساوية و الّا لتفاوتت اجزاۤء تلك الحقيقة فلاتكون في نفسها بسيطة متحدة بل تكون مركبة متعددة و هو خلاف المفروض و مثال الثاني كما اذا اخذت من شعاع الشمس او شعاع السراج فانها من حقيقة واحدة متساوية الأجزاۤء بالنسبة الي المنير في كونها ظهوره و انما اختلف في الشدّة و الضعف لاختلاف مواقعها و مواضعها و انما قوي ما كان اقرب الي المنير في المكان و ضعف ما كان ابعد لقوة قابلية الموضع بالقرب و لو كان الموضع البعيد شديد القابلية بان يكون اشدّ من القريب في ذاته انعكس الأمر فكان مع بعده اشدّ استنارة و ذلك كما لو كان البعيد صقيلاً كالمرآة فانه يكون اشدّ استنارة من الأقرب الي المنير اذا كان كثيفا فدلّت هذه الآيات علي انّ المنير متساوي النسبة الي القوابل عنه و انما اختلفت نسبتها اليه من نحو ذواتها فتكون متساوية في نفسها كالتي من الذات و انما اختلفت بما تكتسب من الصور و الصورة تنشأ من الأعمال الظاهرة كالصلوة و الزكوة و الباطنة كالمعارف الحقة و اختلاف الاكتساب ناشٍ من اختلاف مراتب الاجابة في التكليف الأوّل في عالم الذر فاختلفت الصور باختلاف الاجابة في السبق و التقدّم الذي هو لازم الصدق مع الله سبحانه في جميع المواطن في كل شئ بنسبته و هو الذي عبّرنا عنه بالانفعال المنسوب الي الحصص التي هي المواد فانها تختلف في الاستعداد و القابلية لأنه عز و جل اعطي كل شئ خلقه فانبسطت العطية علي مراتب اكوان الشئ فمنها ما يظهر بالوجود و منها ما يظهر مع الوجود و من ذلك ما هو بالفعل و منه ما هو بالقوة و ما بالقوة منه ما هو ناقص يتم بانضمام الصورة اليه او بما تكتسبه المادة من الصورة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 428 *»

و منها ما هو بالعين و منها مع العين كما في الوجود و منها ما هو بالقدر و منها ما هو مع القدر كما في الوجود و منها ما هو بالقضاۤء و منها ما هو مع القضاۤء كما مرّ و الحاصل ان التفاوت نشأ من اختلاف الاستمداد و الاستمداد مستمرّ مع الخلق من اول ما ذكر به ( ما ذكرته خ‌ل ) في العلم الي آخر ما ذكر به ( ما ذكرته خ‌ل ) في العلم و اعلم ان ما كان منها من شئ واحد و حصل بينها التفاضل بسبب ما ذكرنا لايتجاوز تلك الحقيقة سواۤء كان من ذات او صفة فلايكون للفاضل الذي من الشعاع مثلا ان يتجاوز رتبة الشعاع فيلحق بالمنير فيكون من نوع المنير و لا الذي من المنير ان يلحق بعلّته نعم يمكن في حق الفاضل اذا بلغ في التكميل ان يشابه علته و هو نهاية سيره قال اميرالمؤمنين عليه السلام خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيٰها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها فاذا اعتدل مزاجها و فارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد ه‍ ، هذا كله في اصناف الانسان و الجانّ و الملئكة و اما فيما سوي ذلك من جميع الحيوانات فيما يتعلّق بها من التكاليف الظاهرة و الباطنة التي هي منشأ تكوينها و تفاضلها فبنسبة حال كل نوع و كل صنف و كل شخص منها يعرف ذلك بالقياس الي الانسان كل في رتبته و ما منّا الا له مقام معلوم و مرادي بقولي ان ما كان من شئ واحد ، ان الحصص المتعددة في الأنواع المتعددة و الأشخاص المتعددة اذا قيس بعضها الي بعض و كانت هذه الحصص من رتبة واحدة كالفرس و الكلب و الطير و كالطير و الطير و الفرس و الفرس و كالانسان و الانسان و كالمعصوم و المعصوم فافهم .

قلت و ما كان من شيئين مع ما كان من شئ واحدٍ اجتمعا في الرتبة الجامعة كالانسان و الفرس يجتمعان في الحصّة الحيوانية الفلكية الحسّاسة و يتفارقان فيما فوقها فالانسان فيه من الحيوانية حصّتان ذاتية و عرضية و في الفرس حصّة واحدة ذاتية لها هي عرضيّة الانسان و الحصة الذاتية للانسان هي حصّة من النّاطقة القدسيّة .

اقول و ما كان من شيئين يعني اذا قيس شيئان احدهما الي الآخر و كان

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 429 *»

احدهما من حصة و الآخر من حصتين اجتمع الشيئان في حقيقة الحصة السفلي كالفرس مع الانسان فان الفرس فيه حصة واحدة حيوانية فلكية حساسة و الانسان فيه حصتان حصة حيوانية فلكية حساسة فيجتمع مع الفرس في حقيقتها و حصة ناطقة قدسية يفارق الفرس فيها و انما يجتمع مع الفرس في السفلي و مرادي بالناطقة القدسية الحيوانية التي هي المادة لا الناطقة القدسية التي هي الصورة لأنّ التي هي الصورة لا اشكال في كونها متغايرة لصورة النوع الآخر لأنّها هي الفصل و انما الاشكال في حصة الجنس التي هي المادة و كذلك اذا كان احد المتناسبين من شئ او من شيئين و الآخر من ثلاث فانه يجتمع مع ذي الواحدة و يفارقه فيما سواه و يجتمع مع ذي الحصتين في الأُولي و في الثانية و يفارقه في الثالثة حيث كان متفرداً بها و لم‌تكن عند ذي الحصتين و يأتي ذكره ، فما اجتمع فيه ان كان في المساوي كالفرس و الطير و الفرس و الفرس فالحصتان ذاتيتان و ان كان في المتفاضل كالانسان و الفرس و الحسّاسة الفلكية ذاتية في الفرس و عرضية في الانسان بمعني ان الانسان ذاتية الحقيقي هو الحصة الحيوانية القدسية و لكنه اذا تنزّل الي الأجسام ليتحصل منها ما يتكمل به من العلم و العمل لايمكنه الّا بالحصة الحيوانية الحسية الفلكية فهي فيه لأجل تحصيل ما يتكمل به فهي عرضية بالنسبة الي الأولي بمعني ان تركبه منها ليس لنفس ذاتها بل لهذه الغاية و بمعني ثانٍ انها شعاع الأولي و الشعاع عرض فكونها عرضية بهذين المعنيين و ليس المراد بالعرضية انها اجنبية غريبة لم‌تكن منه و لا له بل هي منه و له الا انها مركب الأولي و قشرها و ظاهرها و كذا حكم الانسان بالنسبة الي المعصوم فانه بحكم الحيوان بالنسبة الي الانسان .

قلت فالحيوانية الفلكية الحسّاسة لاتقبل الصورة الانسانية و تقبل صور جميع الحيوانات و يلزم حكم الصورة تلك الحصّة سواۤء قرّت كما في ساۤئر الحيوانات الا نادراً ام تغيّرت كما في الانسان فانها اذا لم‌تكن نفسه مطمئنّةً

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 430 *»

تكون تلك الحصّة الحيوانية الفلكية الحسّاسة ابداً تلبس صور الحيوانات فتلبس في الغضب صورة سبع و في الشهوة صورة خنزير و في النميمة صورة عقرب و هكذا .

اقول هذا تفريع علي ما تقدّم في بعض احكامه فان منها ان الحيوانية الفلكية الحسّاسة و هي الحصة الحيوانية التي هي المادة لاتقبل الصورة الانسانية كما ان الحجر الكثيف الكمد حال كثافته و كمودته لايقبل الشفافيّة لأنّها تناقض صفته هذه و هي الكثافة و الكمودة و انما يقبل الشفافيّة الحجر الصافي الذي لا كثافة فيه و لا كمودة كالزجاج و البلّور و الياقوت و لكن تلك الحصة تقبل صور ( صورة خ‌ل ) جميع الحيوانات فحصة الحيوانية الحساسة الفلكية تقبل صور ( صورة خ‌ل ) السبع و الشاة و الطير و الفرس و هكذا لأنها من رتبة واحدة و لاتنافيها كما يقبل الحجر الكثيف الكمد لون الحمرة و البياض و الصفرة و الخضرة و يلزم تلك الحصة الواحدة حكم كل صورة قبلتها فاذا قبلت صورة الكلب كانت نجسة و طبيعتها الحرارة و اليبوسة و حالها الغضب و اذا قبلت صورة الشاة كانت طاهرة و طبيعتها الهون و الاطمينان و هكذا صور ساير الحيوانات و قولي سواۤء قرّت الخ ، اريد به ان الحصة الحيوانية تصلح لساير صور الحيوانات و لكن اي صورة لبستها قرّت فيها و لاتتغير بان تنتقل عنها و لو في بعض الأحكام الا نادراً كما هو في كلب اهل الكهف و ناقة صالح و عفير حمار النبي صلي الله عليه و آله و ما اشبه ذلك من الحيوانات التي كان لها نوع من الانسانية حتي كان يدرك الاعتقادات الحقّة التي عليها المهتدي من نوع الانسان لا مطلق الاعتقاد الحق و لو بالنسبة الي المعتقد فان ذلك لاينفكّ عنه شئ من الحيوانات كما في النملة فانها تعتقد ان لله سبحانه زبانيين اي قرنين لأنّ كمال نوعها في وجودهما فهي عند الله موحّدة و ان كان حقا في حقها و لكنه في حقنا

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 431 *»

باطل و كفر و معرفة بعض الحيوانات لذلك لايكون بنحو عقول الانسان و لكنه نادر الوقوع و الحصة الحيوانية يستقر فيها حكم ما لبسته من الصور الحيوانية و قولي ام تغيرت ، اريد ان الحصة الحيوانية الفلكية اذا جامعت الحصة الحيوانية القدسية تكون مقهورة تحتها ليس لها اختيار الا انّ ذلك اذا كانت الحيوانية القدسية مؤيّدة بالعلم و العمل و اما اذا لم‌تكن كذلك لم‌تكن الحيوانية الفلكية مقهورة تحتها بل تكون مهملة الناصية فتلبس ما شاۤءت من الصور الحيوانية و تخلع و تلزمها احكام ما لبست و اما ما خلعت فان كانت عن توبة محي الله سبحانه ذلك الحكم يوم القيمة و الا بقي لازماً لها لزوم الظل للشاخص ، سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم و لكم الويل مما تصفون ، فقد تلبس الصور المتعددة علي التعاقب الا انّها لاتظهر في الدنيا لحكم قوله تعالي اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي فتكون ما لبسته مستوراً عن اعين الناس و المعصوم عليه السلام يشاهده و ان لم‌يتب عنه يحشر يوم القيمة في تلك الصورة و هذه تكون في الحصّة الحيوانية التي في الانسان لأنّه لما كان جامعا كان ما لحقه بفاضل جامعيته جامعا فاذا غضب لبس صورة السبع او الكلب و اذا سعي بين الناس بالنميمة لبس صورة العقرب او الحيّة و هكذا فان تاب محي الله سبحانه تلك الصورة و الا حشر فيها ، يا ايّها الانسان انك كادح الي ربك كدحا فملاقيه فمن يعمل مثقال ذرة شرا يره و اما اذا كانت مقهورة تحت الحصة الناطقية بان تكون نفسه مطمئنة بالعلم و العمل علي اليقين فانّها اي الفلكية الحسّاسة لاتلبس شيئاً من صورها اذ لا اختيار لها حينئذٍ و هو معني قولي اذا لم‌تكن نفسه مطمئنة .

قلت و الحصّة الناطقة القدسيّة لاتقبل شيئا من صور الحيوانات و انما تقبل الصورة الانسانية فقط و لاتقبل الصورة الجامعية الكلية و المعصوم عليه السلام فيه ثلاث حصص عرضيتان و هما ما في الانسان و لكنهما فيه قرّتا و اطمأنّتا فلايخرجان عن حكم الثالثة ابداً .

اقول يعني انّ الحصّة الحيوانية القدسية لاتقبل صور الحيوانات لعلوّ رتبتها عن تلك الصور و لأنّ تلك الصور آثار صورتها و الشئ لايجري عليه لذاته ما هو

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 432 *»

اجراه و انما تقبل ما هو منها اعني صورتها و هي حصة من الناطقية لأنّ الأولي نور و النور يقبل الحدود التي من نوعه كالعلم و الحلم و التقوي و الايمان و الأعمال الصالحة و ما اشبه ذلك و هذه الحدود تكون الهندسة منها حصة ناطقية فتلائم الحيوانية القدسية و ايضاً هذه الحيوانية القدسية كما لاتقبل صور الحيوانات لتعاليها عنها كذلك لاتقبل الصورة الجامعية الكلية لتعالي الصورة الجامعة الكلية عنها و لأنّ الحيوانية القدسية آثار صورتها و الشئ لايجري عليه لذاته ما هو اجراه و المعصوم و هو صاحب الحيوانية الجامعة الكلية التي تقبل الصورة الجامعية الكلية فيه ثلاث حصص عرضيتان بالنسبة الي نوريته و هما اللتان في الانسان احدها الحيوانية الفلكية الحسّاسة و هي نفس نفوس الأفلاك و هذه تؤخذ من شعاعها قبضة للانسان و الفرس فاذا فارقت نفس الانسان الحسّاسة و نفس الفرس عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة و هو ظاهر الحيوانية الحسّاسة التي في المعصوم عليه السلام و ثانيها الحيوانية القدسية و هي التي اخذ حصته من شعاعها للمؤمن اعني الذاتية للمؤمن الا انّ هذه و ان كانت اصلا لذاتية المؤمن لكنها عرضية للمعصوم عليه السلام صحبته في طريقه في هبوطه الي عالم الأجسام و ثالثها الكلية الجامعة و هي ذاتيته ( الذاتية خ‌ل ) و الأوليان العرضيتان في المعصوم عليه السلام قرّتا فلاتلبس احديهما صورة غير ما هي عليه من اكمل الصور بها ( لها نسخه . م . ص ) و اشرفها لأنّهما مقهورتان تحت قوّة الجامعة الكلية الالهية فاطمأنتا علي ما راضتهما عليه فلم‌تخرجا عن حكمها ابدا ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاۤء و الله واسع عليم يختص برحمته من يشاء و الله ذو الفضل العظيم .

قلت و هي الحصّة الملكوتية الالهيّة تقبل صورة التوحيد و هي العصمة و مرتبة القطبيّة للوجود و الصورة الجامعية الكليّة .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 433 *»

اقول اعلم انّ الحصّة الملكوتية الالهية التي هي مادة حقيقته عليه السلام اعني بها في محمد صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام الحقيقة المحمديّة و هي اول فاۤئض من مشية الله الكونية و هي كل الفيض من المشية الكونية بلا واسطة اذ لم‌يفض من المشية بلا واسطة غيرها و كل ما سواها انما حدث بواسطتها و انما نطلق ( تطلق خ‌ل ) عليها الحصة مع انها الكل لأنّها بالنسبة الي فعل الله و قدرته علي احداث امثالها حصة مما فاض من المشية الامكانية و لأنّ هذا الاطلاق هو المتعارف و لأنّا لما ذكرناها في بحث الحصص ناسب التعبير عنها بما نعبّر به عن الحصص تقبل صورة التوحيد الأكمل و هذه الصورة هي الجامعة التي تفرّعت عنها هياكل التوحيد يعني ان الحيوانية الملكوتية الالهية هي الذات اي المادة التي تقبل صورة التوحيد الأعلي التي تنزلت بهياكل التوحيد و هذه الهياكل ظهرت آثارها علي القواعد بل بالتوحيد ( آثارها علي القوابل بالتوحيد نسخه . م . ص ) في قابلية القابل و بالشرك في قابلية المشرك و بالايمان في قابلية المؤمن و بالكفر في قابلية الكافر و تنظيره للتفهيم ان لفظ لا اله الا الله وردت علي سلمان بان قل لا اله الا الله فقالها فكان مؤمنا و علي ابي‌لهب فانكرها فكان كافرا و ذلك تاويل قوله تعالي و ننزّل من القرءان ما هو شفاۤء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الّا خسارا و صورة التوحيد العليا هي العصمة اعني المنافية لوقوع الذنب مع التمكن منه و القدرة عليه و لارادته ( الارادة خ‌ل ) مع التمكن منه لأن الصورة اذا كانت في تمام الاستقامة بحيث تكون في تخطيطها و هندستها علي طبق مقتضي المشية و الارادة فان ما هو هكذا لايكون مخالفاً للمشية و الارادة و الّا لماكان مطابقا لهما هف و لاتكون هكذا الا اذا كانت في مرتبة القطبية للوجود بان يكون جميع شؤن الوجود الحق تعالي تدور عليها و ان تكون جميع الوجودات الامكانية تدور عليها لأنّها هي باب تكوينها و كونها و قيامها و بقاۤئها و تكون حينئذٍ محلّ نظر الله من العالم .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 434 *»

قلت فالحصّة الحيوانية الفلكية مركب للناطقة القدسيّة و اثر لها خلقت من فاضلها و الناطقة القدسية اثر للملكوتية الالهية خلقت من فاضلها فلاتجمع هذه الثلاث حقيقة واحدة نعم اذا نظرنا بنظرٍ اخر بان الكل من مراتب الوجود و انّه حيوة و شعور و انما يختلف بحسب مظاهره جاز علي هذا اطلاق الاتحاد في الجملة الّا انّك اذا عرفتَ ما ذكرنا لك من اختلاف الحقائق ظهر لك التغاير .

اقول هذا حاصل ما تقدّم و متفرع عليه و نريد به ان الحيوانية الفلكية الحسّاسة لما كانت آلة ( آية خ‌ل ) للقدسية الناطقية عند نزولها الي عالم الزمان لاستخراج اسراره و علومه بحيث لاتتمكن بدونها لأنّها من نوع هذا العالم نزلت اليه فيها فكانت مركباً لها يحملها الي بلد لم‌تكونوا بالغيه الا بشق الأنفس فمنها ركوبهم و منها ياكلون ، فتوصل بها الي ما فيه ( فتتوصل بها الي ما فيها نسخه . م . ص ) من العلوم و تركبها الي ما سواها لادراك ما استتر فيه و الحساسة ايضاً اثر للقدسية لأنها صفتها و ظهورها بها خلقت من فاضلها اي من شعاعها فاذا نسبتها اليها كان نسبة النور الي المنير و كذلك الناطقة القدسية بالنسبة الي الملكوتية الالهية فلاتكون هذه الثلاث من حقيقة واحدة كما ان الأثر لايكون من حقيقة المؤثر و قولي نعم اذا نظرنا بنظر آخر الخ ، اريد به انا اذا لم‌ننظر الي حقايقها و نظرنا الي ما يصدق عليها من معني الوجود المعبّر عنه بالفارسية بهستي و هو المعني اللغوي او الكون في الأعيان و ان كل ذلك من مراتب الوجود لا فرق فيه بين الذات و الصفة و المؤثر و الأثر و العين و المعني فان الوجود بالمعني الذي ذكرنا صادق علي الكل و الوجود حتي بالمعني المذكور كله شعور و حيوة كما برهنّا عليه في بعض مسائلنا و مباحثاتنا الّا انّ ذلك في كل شئ بحسبه لأنّه انما اختلف حال شعور مراتبه مراتبها و حيوتها لاختلاف مراتبها في القرب و البعد من المبدء صحّ اطلاق الاتحاد عليها و انها من حقيقة واحدة و هي الحقيقة المرادة من مطلق هستي او

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 435 *»

الكون في الاعيان الّا انّ القوم حين قالوا انها من حقيقة واحدة مايريدون به الا انها كلها داخلة تحت جنس واحد و قد بيّنّا لك بطلان قولهم كما سمعت فانظر الي ما قال و لاتنظر الي من قال .

قلت : الفاۤئدة السادسة في الاشارة الي القسم الثالث و هو الوجود المقيّد اوّله الدُّرَّة و آخره الذّرّة .

اقول هذا القسم الثالث من اقسام ما يعبّر عنه بلفظ الوجود كما اشرنا سابقا الي انها ثلاثة : الأول الوجود الحق و نريد به ما يعرف به الوجود الواجب الحق عزوجل و هو المسمّي بالوجه و بالمقامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و بالعنوان و بالوصف الذي ليس كمثله شئ و الثاني الوجود المطلق و نريد به الوجود الممكن الراجح الوجود و هو فعل الله و مشيته و ارادته و ابداعه مع ما تقوم به من اثره و متعلقه من الحقيقة المحمديّة و فلك الولاية المطلقة و الماۤء الذي به حيوة كل شئ و الثالث الوجود المقيّد اي المتوقف في وجوده علي شئ و اوله العقل الكلي اعني عقل الكل و معني هذا ان ما سوي الله عزوجل شخص واحد له عقل واحد و هو هذا العقل و هذا معني قولهم عقل الكل و ليس المراد ان معني الكل ان كل واحد واحد مما سوي الله تعالي فردٌ من افراده و ان هذا العقل عقل تلك الأفراد علي سبيل الانبساط عليها بحيث يكون كل منها له منه حصّة تساوت الحصص ام اختلفت او انه علي جهة البدلية بل هي كلها شخص واحد له عقل واحد و هذا العقل اول مخلوق من المخلوقات المقيّدة اي المتوقفة في وجودها علي شئ و هو الدُّرّة المذكورة في المتن بل في كثير من الأخبار و لهذا رووا اول ما خلق الله العقل و رووا عنه صلي الله عليه و آله انه قال اول ما خلق الله عقلي و روينا ان الله عز و جل خلق العقل و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش الحديث ، و آخره اي آخر الوجود المقيّد تقريباً الذَّرّة و هي الواحدة من الهباۤء و يراد بها الثري او ما تحت الثري يعني ان الوجود المقيد اوّله في البدء و العلو العقل و آخره في اسفل الثري و هو عبارة عن اللوح المكتوب فيه صور الباطل اعني الذي صدره سجين كلا ان كتاب الفجار لفي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 436 *»

سجين و سجين تحت الملك الحامل للأرضين السبع و فوق الثور و الثري تحت الطمطام اعني الظلمة التي تحت جهنم التي تحت الريح العقيم التي تحت البحر الذي تحت الحوت الذي تحت الثور و الثري في مقابلة اللوح المكتوب فيه صور الحق اعني الذي صدره عليون ، كلّا انّ كتاب الابرار لفي عليين و ما تحت الثري هو مبادي تلك الصور ( الصورة خ‌ل ) الباطلة و هي في مقابلة الركن الأصفر الأسفل عن يمين العرش تحت العقل و العقل هو الركن الأعلي عن يمينه و في هذا الركن الأصفر مبادي الصور الحقة فهي في مقابلة ما تحت الثري فقولنا و آخره الذرّة جار علي الجاري علي الألسن في مكالماتهم و الا ففي الحقيقة انه اذا كان اول الوجود المقيد العقل يكون آخره ما يقابل العقل و هو الجهل و هو تحت ما تحت الثري لكن لما كان في كثير من المقامات لايثبت للعقل مقابل بل ربما ( مقابل ربما نسخه . م . ص ) اطلق المقابل علي ما تحت الثري الذي هو مقابل للروح بلحاظ ان الروح كثيراً مّا يطلق و يراد بها العقل كما في قوله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله روحي ، علي احد الاحتمالين احدهما ان المراد بالروح العقل و انه بمعني قوله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله عقلي و ثانيهما ان المراد بها هو معني نفسها البرزخي و ان اوّليّة الروح اضافية و يؤيّد ان الآخر هو ما تحت الثري مع القول بعدم المقابلة للعقل ان الذرة لم‌يرد بها النملة الصغيرة كما في اخبار التكليف الأوّل و هم كالذر يدبّون و انما يراد بها واحدة الذر الذي هو الغبار الظاهر في شعاع الشمس المارّ من الرواشن في البيوت و ذلك ليس مثالا للثري فانه مقابل للنفس الكلية و فيه صور الباطلة المجتثة تامّة الشكل كالصور ( كالصورة خ‌ل ) في المرآة كما في النفس الّا انّ ما في النفس اصلها ثابت لأنّها صور الحق و ما في الثري اصلها مجتث فيكون مباديها التي فيما تحت الثري المقابلة للروح مناسباً للآخرية في مقابلة اولية العقل فافهم .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 437 *»

قلت و كيفية بدئه و هي انه قد اخذ اللّهُ تعالي بفعله باسمه القابض من رطوبة هواۤء الجواز اربعة اجزاۤء قد صعِدت من ارض الامكان ارض الجرز و من هباۤء ارض الجواز جزءاً فقدّرهما في تعفين هاضمة اسمه البديع فانحلّت اليبوسة في الرطوبة و انعقدت الرطوبة باليبوسة فاتحدا و ذلك لما بينهما من المشاكلة .

اقول هذا اشارة الي كيفية تكوينه في بدئه و هو دليل اِنّيٌّ نبه الله سبحانه بعض عباده عليه في كتابه فقال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و بيّن هذا الصادق عليه السلام بقوله العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية الحديث ، و لا ريب ان هذا استدلال بالعبودية المعلولة علي الربوبية العلّة و بيّنه ايضاً الرضا عليه السلام بقوله قد علم اولوا الألباب انّ الاستدلالَ علي ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا ه‍، فتوصلنا بكيفية ما هيٰهنا علي كيفية ما هنالك و هو ان الصانع اذا اراد صنع شئ عمل مادته التي يصنعه منها و هو الخلق الأوّل كصنع المداد للكتابة فانه الخلق الأوّل للكتابة ثم يأخذ منه فيصنع منه الكتابة و هو الخلق الثاني و الاشارة الي ذلك فيما نحن فيه انه قد اخذ سبحانه بفعله يعني بمشيّته و اختراعه باسمه القابض و هو وجه المشية و ركنها الأعلي لأن اركان مشيته و اختراعه اربعة البديع و الرحمن و الباعث و القابض فالبديع له استعمالان قد يستعمل في معني البارد الرطب و قد يستعمل في معني الحارّ الرطب فاذا استعمل في الحارّ الرطب كان بمعني الرحمن و هنا استعملته بمعني الرحمن الحارّ الرطب فلذا قلتُ في تعفين هاضمة اسمه البديع ، لأن التعفين يعني ما به الانحلال لايكون الا بالحرارة و الرطوبة اذ بهما يحصل الهضم و قولي باسمه القابض الذي هو علة الطبيعة الكلية اعني الحارّ اليابس الذي بهما يحصل القبض قد اخذ سبحانه من رطوبة هواۤء الجواز اربعة اجزاۤء هي المادة البسيطة في الخلق الأوّل و نسبت تلك الأجزاۤء الي الهواۤء الذي هو الرطب الحارّ كناية عن الحيوة اذ الحيوة مادة كما سمعت من حصة الحيوان انها هي المادة و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 438 *»

حصة الناطق هي الصورة و هي اليبوسة فان قلت ان الصورة عندك هي الأمّ و هي الباردة الرطبة فكيف قلتَ هنا هي اليبوسة قلت هذه لها ( قلت هذا له نسخه . م . ص ) اعتباران فباعتبار حيوة الكون في الخلق الأوّل تكون المادة هي الرطوبة لأنّها هي الذكر و انما الصورة حدود و تخطيطات ليس لها تأصل في حيوة الكون و باعتبار حيوة العين في الخلق الثاني تكون الصورة هي الرطوبة و آية ذلك انما هي في عمل المكتوم فانه في التدبير الأوّل الذي هو عمل كونه و صنع مادته يكون الماۤء هو الذكَر و هو النار التي تكلسه فاذا فرغ من تدبير المادة و اخذ في التزويج انعكست التسمية و كان الماۤء هو الأنثي الباردة الرطبة بالنسبة الي الذكر و كان الثفل الذي كان يسمّي بالأنثٰي و هو البارد اليابس هو الذكر الحارّ اليابس فكذلك هنا فانّ المادة هي الكون و لا حيوة بدونه فتنسب اليه الرطوبة و الحرارة ، و الصورة هيئة و الهيئة انما تتقوّم بالمادة فحياتها من المادة لا من نفسها فتنسب اليها اليبوسة و البرودة نعم هي في الخلق الثاني تكون منشأ لحيوة جنينها الذي في بطنها يعني انّ احكام السرير مثلا انما تلحقه في الصورة لا في الخشب فحيوة السرير بها لا بالمادة يعني باعتبار خصوص لحوق الأحكام به و الا ففي الحقيقة حيوة السرير و حيوة الصورة لاتوجدان بدون المادة فافهم و كون الأجزاۤء من رطوبة هواۤء الجواز اربعة كما مرّ جارٍ علي مطابقة الوجود في كونه مربعاً منقسماً علي طبق اركان العرش اذ لو زادت علي ذلك بعدت عن نسبة المشاكلة لعدم مشاكلة التراب و لو نقص عنها غلظ فخرج عن الاطلاق المعتبر في جزئية الغذاۤء قد صعدت من ارض الامكان انما صعدت بحرارة الاسم القابض و ارض الجرز اقتباس من قوله تعالي أولم‌يروا انا نسوق الماۤء الي الأرض الجرز يعني بها الأرض المتهيّئة ( المهيّئة خ‌ل ) للنبات يعني ارض القابليات و من هباۤء ارض الجواز يعني به اليبوسة جزء لأنّه كافٍ في الاستمساك و في حصول المشاكلة امّا الاستمساك فلانّوالمادة لاتتقوم الا بصورة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 439 *»

و لو نوعية او جنسية و هذا الجزء الذي هو اليبوسة كافٍ في الاستمساك لأنه صورة للمادة التي هي الأجزاۤء الرطبة و كافٍ في حصول مشاكلة الماۤء للتراب لذوبانه في ذلك الماۤء فقدّرهما في تعفين هاضمة اسمه البديع اي قدّر الأربعة الأجزاۤء من الرطوبة اعني مادة النوع و الجزء الواحد الذي من اليبوسة اعني صورة النوع و الأربعة اثر المشية و الجزء الواحد اثر الارادة ، و التقدير اول الخلق الثاني و هو مراعات نسبة الرطوبة و اليبوسة كما ذكرنا و مراعات مدّة مكثها في الهاضمة و قدر حرارتها في ايّ درجة من درجات الحرارة فانحلت اليبوسة اي الجزء اليابس في الرطوبة اي الأجزاۤء الأربعة لغلبة الرطوبة علي اليبوسة في الابتداۤء و انعقدت الرطوبة يعني الأجزاۤء الأربعة باليبوسة اي الجزء اليابس بمعونة حرارة الهاضمة لأنه قد تألف منهما حرارة و يبوسة في الجملة فحصل بهما الانعقاد في الجملة الذي هو هنا عبارة عن حصول غلظٍ مّا فيه بسبب ما انحل فيه من الجزء اليابس فاتّحدا بسبب انحلال اليبوسة بالرطوبة و انعقاد الرطوبة باليبوسة حتي كانا شيئاً واحدا يعني ماۤءً مشاكلا اي له ملايمة مع الأجزاۤء الارضية بسبب الجزء الأرضي المنحل فيه و ذلك لما بينهما من المشاكلة يعني ان الرطوبة اتّحدت باليبوسة المنحلة فيها لما بينهما من المشاكلة تعليل للاتحاد و المشاكلة الجامعة لهما هي كون الماۤء باردا و كون التراب باردا .

قلت فارتفع من ذلك البحر سحاباً مُزْجيً فتراكم تحت المشية فانحلّ من ذلك السحاب المتراكم بحرارة الارادة ماۤء فدفعه باسمه الباعث فوقع علي البلد الميت و الارض الجرز و هي ارض الجواز و العمق الاكبر فانحلّ منه جزءانِ بما يشاكله من ارض ذلك العمق الاكبر بجزءٍ فاخرج منهما تلك الزروع و الثمرات .

اقول فارتفع من ذلك البحر اي بحر البخار الذي صعد بحرارة الارادة و جذبته المشية بالاسم القابض الذي هو روح الطبيعة الكلية سحاباً مزجيً اي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 440 *»

مرفوعاً الي العلوّ بالاسم القابض فتراكم يعني صار بعضه فوق بعض حتي كان سحاباً ثقالاً تحت المشية يعني في أوّل الجبروت او في البرزخ بين الجبروت و بين الامكان الراجح اعني في عالم الأمر الذي هو اول فاۤئضٍ من الفعل الالهي فلما تراكم تحت المشية انعقدت ببرودة المشية سحابا فانحلّ من ذلك السحاب المتراكم بحرارة الارادة اي توجه الطلب بارادة الصنع و الايجاد ماۤء و هو المادة النوعية فدفعه باسمه الباعث اي بالاسم الذي طبعه البرودة و الرطوبة اعني طبع الحيوة لأن القوة الدافعة هي المركبة من البرودة و الرطوبة فوقع ذلك الماۤء المدفوع المساق علي البلد الميت و هي الأرض التي لا نبات فيها و الأرض الجرز المتهيئة للنبات و تلك الأرض هي ارض القابليات التي اشار اليها تعالي في تأويل آية بالبلد الميت و في تأويل الأُخري بارض الجرز و المراد بهما ارض القابليات و هي ارض الجواز تحت الامكان الراجح و العمق الأكبر الفضاۤء الذي لا نهاية له مقدرة و هذا العمق وصف بالأكبر بالنسبة الي الأعماق التي دونه لا مطلقا فان العمق الأكبر حقيقة مطلقا هو الفضاۤء للامكان الراجح و انما اكبرية هذا العمق اضافية و قد تقدّم انّا نريد بالامكان الراجح الفعل اعني المشية و الاختراع و الارادة و الابداع و ما تحتها من افعاله عز و جل مكانها الامكان الراجح المطلق و العمق الأكبر المطلق و وقتها السرمد و يعبّر عنها بالوجود المطلق اي غير المقيّد بمعني انه لم‌يتوقف في وجوده و ايجاده علي شئ غير نفسه لا كما يفهمه العوام من معني وجوب الوجود الذي يصفون به المعبود تعالي الله عما يشركون و سبحانه و تقدّس عما يصفون فان الذي يشيرون اليه انما يصدق في اعلي مراتب ما يشيرون اليه علي عنوان فعله و اما الوجود المقيد الذي نحن بصدد بيانه فهو الذي يتوقف في وجوده و ايجاده علي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 441 *»

شئ غير نفسه يعني يتوقف في وجوده علي مادة هي اثر للسابق عليها و هو المشية و الأثر هنا هو اول صادر عن المشية المسمّي بالماۤء الأوّل و النّفَس الرحماني و الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله و يتوقف في ايجاده علي المادة و القابلية التي هي الصورة و علي الفعل و الوقت و الكمّ و الكيف و الرتبة و الجهة و المكان فانحلّ منه جزءان بما يشاكله يعني انّ الماۤء الذي وقع علي الأرض الميتة و الأرض الجرز كان مركباً من اربعة اجزاۤء رطوبة و من جزء يبوسة فاتّحدا فكان ( فكانا نسخه . م . ص ) ماءً واحدا فلما وقع ذلك الماۤء الذي كان مركباً من جزئين علي الأرض انحلّ منه اي من الماۤء الواقع الذي كان مركباً من الجزئين جزءان اه و لهذا اتي بالتثنية في بعض العباير يعني انحلّ من المجموع جزءان بما يشاكله من التراب و معني المشاكلة اوّلاً انّ ذلك التراب بينه و بين ذلك الماۤء مقاربة من جهة البرودة الجامعة لهما و من جهة ان في الماۤء جزءً ترابيا و ثانياً انه حين كان الماۤء جزئين يجب ان‌يكون التراب الذي ينحل فيه ليصير منهما المادة الغذاۤئية جزء اذ لو تساويا لماكان المجموع منهما مايعاً رقيقاً يجري في العروق و لو كان الماء ثلاثة اجزاۤء مثلا لرقّ الغذاء لقلّة الترابية فيضعف المغتذي به و يذوب لكثرة الماۤء و قلة الخليط ( الخلط نسخه . م . ص ) فيضعف تماسكه فمعني المشاكلة في هذين الأمرين التقارب في الطبيعة و التقارب في الصفة فاخرج منهما تلك الزروع و الثمرات يعني انه تعالي اخرج من الجزئين اعني جزئي الماۤء و جزء التراب تلك الزروع و الثمرات و الزرع اشارة الي قوله تعالي أولم‌يروا انا نسوق الماۤء الي الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه انعامهم و انفسهم افلايبصرون و الثمرات اشارة الي قوله تعالي سقناه الي بلد ميت فانزلنا به الماۤء فاخرجنا به من كل الثمرات .

قلت و ما فضل من رطوبته بعد تقديره و سقيه في ظلماتٍ ثلاثٍ يأخذه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 442 *»

بالاسم القابض مع قدرِ رُبعِه من لطيف هباۤء ارض الامكانِ و يعمل فيه كما مر ذلك تقدير العزيز العليم و هو قوله تعالي و الارض مددناها و القينا فيها رواسي و انبتنا فيها من كل شئ موزون .

اقول يعني و ما فضل من رطوبة غذاۤء الزروع و الثمرات المشار اليها بعد ما يؤخذ منه لتقدير الغذاۤء و هو جزءان من الماۤء ينحلان مع جزء من التراب و بعد ما يؤخذ منه لسقيه حتي يبلغ اوان تمامه في ظلمات ثلاث متعلق لسقيه و الظلمات الثلاث ظلمة البطن و هي في النبات بطن الأرض و ظلمة الرحم و هي في النبات بطن ساق الشجرة و النخلة و عود السنبلة و ما اشبه ذلك و ظلمة المشيمة و هي في النبات اكمام الطلع و عصف السنبل و ما اشبه ذلك و ما فضل من تلك الرطوبة بعد هذه الأمور اخذه باسمه القابض الذي هو روح اشعة الشمس التي تصعد الأبخرة من الأرض من الأنهار و البحار و الأرض الرطبة مع قدر ربعها من اليبوسة الي طبقة الزمهريرية فتعقدها سحاباً كما كان اوّلا ، هذا في الشهادة و في الغيب بهذا النحو الّا انّها هناك كلها معان مجردة عن المواد الجسمانية و المدد الزمانية سواۤء كانت ذواتا ام صفاتا ( ذوات ام صفات نسخه . م . ص ) ذاتية ام افعالية لأنّ الأشياۤء كلها مشتركة في نوع الايجاد و التكوين علي وتيرة واحدة و لكنها في كل شئ بحسبه فيأخذ ذلك الفاضل عن التقدير و السقي في الظلمات الثلاث بالاسم القابض مع قدر ربعه من لطيف هباۤء ارض الامكان لأنّ غير اللطيف لاينحل في الرطوبة الا بعد تلطيفه و لكنه و ان امكن تلطيفه لكنه لايمكن اصعاده باشعة الاسم القابض مع بقاۤء مقتضي القوابل كما لايمكن اصعاد الصخر الكبار و الجبال بالأشعة الشمسية و ان امكن في القدرة لكن مع تغيير مقتضي القوابل بان يجعل الجبل في مقدار خفّة الذرّة و سهولة ذوبانها و

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 443 *»

انحلالها و هو سهل في القدرة و لكنه لم‌يكن الثقيل حينئذٍ ثقيلاً و الصليب صليبا و قبض الشعاع قبض يسير ( قبضاً يسيراً نسخه . م . ص )
بل لا بدّ من تغيير الأشياۤء عما هي عليه و ذلك منافٍ لمقتضي الحكمة الاجراء (لاجراء ظ)،( لأجزاۤء خ‌ل ) الايجاد علي مقتضي الأسباب ليصح الاستدلال لأولي الألباب و المراد بهذا الامكان الامكان الجايز الذي هو محل الكاۤئنات لا الامكان الراجح الذي هو محل لمشية الامكانات فان الامكان الراجح و ان كان محلاً لمشية الأكوان و لكنه ليس محلاً لمتعلقاتها من الكاۤئنات لأنّ محل متعلقاتها من الكاۤئنات هو الامكان الجايز و اما الامكان الراجح فهو محل لمشية الامكانات و لمتعلقاتها من الامكانات فانها لاتخرج عن الامكان الراجح فاذا البستها ثوب الكون نزل اللابس الي الامكان الجايز و بقي وجهه و اصله علي ما هو عليه في المحل الأعلي فاذا اجتمع الرطب مع اليابس انحلّ اليابس في الرطب و انعقد الرطب باليابس و ذلك في حالة الصعود ثمّ يتراكم و ينعقد سحاباً علي نحو ما ذكرنا سابقا الي آخر التقدير و السقي في الظلمات الثلاث و هلّم جرّا ذلك تقدير العزيز العليم و ذكر الآية الشريفة تنبيه علي دليل ما ذكر من القرآن مثل قوله تعالي و انبتنا فيها اي في الارض من كل شئ موزون اي مقدر و التقدير كما سمعت مما اشرنا اليه فيما سبق و براهين هذا من دليل المجادلة بالتي هي احسن مذكورة في علم الطبيعي المكتوم من اراده طلبه من اهله و الله سبحانه وليّ التوفيق .

قلت و هذا الماۤء النازل من السحاب المتراكم هو الذي ذكره الله عز و جل في قوله تعالي و جعلنا من الماۤء كل شئ حيّ و هو الوجود المقيّد و هو من بعد المشيّة الي ما لا نهاية له من المشيّة و هذا الوجود المسمي بالماۤء علي هذا النحو المذكور يكون في كلّ شئ بحسبه .

اقول هذا بيان للوجود المحدث الذي منه خلق الأشياۤء و المراد به هو المادة الأولي لكل مخلوق لأنّ الذي فاض من فعل الله سبحانه هو النور الذي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 444 *»

خلق منه الأشياۤء كما دلّت عليه النقول عن آل الرسول الفحول صلي الله عليه و آله و اشارت اليه طامحات العقول و قد قدّمنا سابقا انّ علامة المادة في صنع الشئ ان تدخل عليها لفظة مِنْ عند التعبير عنها فتقول صغت الخاتم من فضة و صنعت الباب من الخشب و خلق الله ابن آدم من التراب و من آياته ان خلقكم من تراب ثم اذا انتم بشر تنتشرون ، فالذي تدخل عليه مِنْ هو المادة و هذا بديهي لايحتاج الي تأمّل فظهر لمن نظر انّ اول فاۤئض عن فعل الله هو المادة و هو الوجود ، و الماهية هي الصورة لأنّ الصورة هي المعيّنة و المشخصة و بها تكون الانيّة الاتري ان الخشب الذي هو مادة للباب لايكون باباً و لاتلزمه احكامه لأنه كما يصلح للباب يصلح للسرير و للصنم و ما لايختص بشئ لايخصص و ما لايخصص لاتكون عنه الانيّة كذلك الوجود فانه مادة تصلح لزيد و لعمرو و لايتعين لأحدهما الا بالصورة المعيّنة و هذا الوجود هو الوجود الذي ذكره الله في كتابه علي نحو الاشارة فقال تعالي و جعلنا من الماۤء كل شئ حيّ و ذلك حين اطلق تعالي الميت علي القابلية التي هي الصورة فقال تعالي سقناه لبلد ميت يعني به الماۤء و قال ايضا فاحيي به الأرض بعد موتها كان المساق الذي هو الماۤء الذي هو المادة التي هي الوجود اذ الشئ لايتكوّن و لايحيي الا بمادة و هو اي الوجود المقيّد اوّله العقل الكلي الذي هو اول مخلوق و هو الدُّرّة من بعد المشية يعني ابتداۤء كونه و تحققه مع اختلاف مراتبه و كون بعضها اثراً لبعض من بعد المشية و ظاهر هذا دخول الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله و ارض القابليات في الوجود المقيّد و هو احد الاحتمالين و الاحتمال الآخر انّ الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله و ارض القابليات برزخ بين الفعل الذي هو الوجود المطلق و بين المفعول الذي هو الوجود المقيّد و وقته مركّب من السرمد و الدهر اعلاه من السرمد فعلي الاحتمال الثاني كما هو اولي ان الحقيقة المحمديّة و ارض القوابل لاحقتان بالفعل لتوقف ظهور الفعل عليهما و ان الوجود المقيّد اوله العقل الكلي و ان البعدية المذكورة اول ثبوتها وجود العقل و هو ما بعد المشية كما قلنا منبسطاً في مراتب تطوّراته

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 445 *»

الي ما لا نهاية له في رتبة ( رتبته نسخه . م . ص ) من المشية لأنّه تنزّل الي ان وصل الي التراب حين قال له ادبر فادبر فلما قال له اقبل فاقبل اخذ يصعد في مراتب الاقبال فكان معدنا ثم كان نباتا ثم كان حيوانا ثم كان ملكا ثم كان جنا ثم كان انسانا ثم كان جامعا و هكذا الي المشية اي الي ما كان له من المشية لأنّ العقل لايصل الي المشية بغير واسطة و هذا الوجود اعني المقيد المسمّي بالماۤء كما تقدّم في كل شئ بحسبه ففي العقول نور مجرد عن المادة العنصرية و المدّة الزمانية و الصور الجوهرية و المثالية و في الأرواح نور مجرد عن المادة العنصرية و المدّة الزمانية و الصور النفسية و في النفوس كذلك لكنه ليس مجرّداً عن الصورة الجوهرية و في الطبيعة نور احمر بسيط ذائب مجرد عن متممات قوابل الاجسام و عن المواد العنصرية و في جوهر الهباۤء اي المواد المجردة عن الصورة المثالية نور منعقد لم‌تلزمه الصور المثالية و في المثال ابدان نورانية لا ارواح لها اي ليس لها مواد جوهرية و لا جسمانية و في الأجسام و الزمان و المكان انوار منعقدة لزمتها صورها و مدد مقدّرة و فراغات محدودة و في العناصر طبايع متزاوجة و في المعادن اصول من لطائف العناصر متألفة و في النباتات لطائف اغذية نامية و في الحيوانات شعلات فلكية حساسة و في الصفات هيئات ذاتية و حركات فعلية و صور ظلية و امثال ذلك و كل هذه و ما بينها من الوسائط و البرازخ و الأسباب و الأوضاع و النسب من الوجود المقيّد لأنها مقيّدة في ايجادها و تحققها باشياۤء من بعضها لبعض اقامها عزوجل بامره في سبعة امور مشية و ارادة و قدر و قضاۤء و اذن و اجل و كتاب لو تخلف عنها شئ لم‌توجد فلذا كانت من الوجود المقيد .

قلت و مثاله اذا اردتَ ان تخبر من تخاطبه بقيام زيد اخذتَ من الهواۤء الذي هو امكان اللفظ هواۤء و هو مشتمل علي اربعةِ اجزاۤء من الرطوبة الهواۤئيّة و علي جزءٍ من اليبوسة الهباۤئيّة بالقوة القابضة الي جوفك الذي هو نقطة قلبك اي

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 446 *»

وجهه في الهواۤء فتؤلّف منهما بعد التقدير بالضغط و القلع و القرع حروفاً مشتملةً علي الاجزاۤء الخمسة متّصِفةً بصفات ماۤدّة مقصودك فتؤلّف منها لفظا هيئته كهيئة مقصودك فتدفعه الي الهواۤء الذي هو مكان امكانه فيقع جزءانِ من رطوبةِ لفظك و هي ماۤدّته المناسبة لماۤدّة مقصودِك و جزء من يبوسته و هي هيئته المناسبة لهيئة مقصودِك علي ما يشاكله من ارض هذا العمق و الجرز و هو الهواۤء لانه هو الذي يحفظ لفظك و يوصله الي اذن مخاطبك .

اقول قولي اخذت من الهواۤء الذي هو امكان اللفظ يعني به ان الهواۤء المعروف بالنسبة الي اللفظ المعروف كالامكان بالنسبة الي المواد فان اصول المواد الكونية منبثّة في فضاۤء الامكان كالهواۤء الذي هو اصل مواد الألفاظ الصوتية فانه اي الهواۤء المنبثّة ( الهواء منبث نسخه . م . ص ) في فضاۤء الامكان و هو يشتمل علي اربعة اجزاۤء من الرطوبة الهواۤئية كما مر ذكره و هذه هي مادة وجود المادة النوعية للّفظ و صورتها النوعية التي بها تقوم المادة النوعية هي هذا الجزء اليابس فكانت المادة النوعية للأشخاص التي تحتها من هذين الجزئين اللذين احدهما الأربعة الأجزاۤء الرطبية و ثانيهما الجزء اليابس كما تكون المادة النوعية للكتابة من الزاج و العفص و اخذ ذلك بالقوة القابضة اعني به الجذب الي جوفك و انما اوصلته الي جوفك بالجذب لتتمكن من اخراجه و دفعه الي فضاۤء الهواۤء بالتدريج ممتدا و تتمكن من تفصيله الي ما تريد من الحروف فتقطع منه الحروف التي تريد تأليفها للدلالة علي مقصودك لما بينهما من المناسبة الذاتية و المطابقة الوصفية و بهذه الحروف التي هي مادة لفظك حيوته اي قوامه و حصول الدلالة به لما بينهما اي بين المادتين اعني مادة لفظك و مادة مقصودك من المناسبة الذاتية و المطابقة الوصفية و بصورة لفظك حيوته بالمعني المذكور لما بين صورة لفظك و صورة مقصودك من المناسبة الذاتية و المشابهة الصورية فتؤلف منهما بعد التقدير يعني بعد تقدير الحروف بان تشتق من

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 447 *»

الهواۤء ما يناسب المقصود من الشدّة و اللين و الجهر و الهمس و الاخفاۤء و الظهور و القلقلة و التفشي و ما اشبه ذلك و تؤلفها علي هيئة المقصود في حركاتها و سكونها و تقديم بعض و تأخير بعض كما قال اهل العربية ان مادة لفظ ضَرَبَ الفعل الماضي تدلّ علي الحدث و هيئته تدلّ علي الزمان و تقديرها في اشتقاقها بالضغط يعني تضييق المخرج كالشين و الصاد و القلع كالطاۤء و القاف و القرع كالميم و النون فاذا الّفت حروفا مشتملة علي الأجزاۤء الخمسة اربعة المادة و واحدة الصورة متّصفة بصفات مقصودك كما ذكرنا فتؤلّف منها لفظاً هيئته كهيئة مقصودك فتدفعه الي الهواۤء الذي هو مكان امكانه و محل تكوينه فيقع يعني من ذلك المؤلّف جزءان من رطوبة لفظك رطوبة الأجزاۤء الرطبة و جزء من يبوسة يبوسة الجزء اليابس علي ما يشاكله الخ ، و في بعض العباير من الرسائل اقتصرنا علي ذكر الجزئين من الرطوبة قلنا فيقع جزءان من رطوبة لفظك بدون قولنا و جزء من يبوسة يعني فيقع من ذلك المؤلف اي من مجموعه المركب من الخمسة المذكورة من رطوبة لفظك و انما قلنا من رطوبة لفظك مع ان فيه جزءً يابسا لأنه انحلّ في الرطوبة فكان ماۤءً مشاكلا كما مرّ و هي ان ( و هي اي نسخه . م . ص ) المادة الرطبة التي هي الجزءان مادته المناسبة لمادة مقصودك اعني الاخبار بقيام زيد علي ما يشاكله يعني يشاكل هذا الواقع من ارض هذا العمق و الجرز و هو الهواۤء كما مرّ مكرّراً لأنّه يعني الهواۤء هو الذي يحفظ لفظك و يوصله بدفعك و حماية العقل له عن التهافت و الفناۤء عند البُعد او شدّة الهواۤء او الحجاب فيما لايبلغ الافراط الشديد و يوصله اي يوصل ذلك الهواۤء لأنّه محله الذي يقوم به و ينتقش فيه صورته و يتموّج به الي ان يوصله بمعونة الدافع و الحامي و الحافظ الي اذن مخاطبك الذي تريد افهامه قيام زيد كما يأتي .

قلت ليرتسم في الحسّ المشترك منه صورة مادة لفظك و صورة هيئته فانه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 448 *»

للفظك كالام للجنين و كالارض للماۤء الذي ينزل من السحاب فينبت به النّبات فوقع من لفظك ماۤء علي ارض ذلك المعني و هذا الماۤء هو الوجود لذلك المعني و هو دلالة لفظك بماۤدّته و هيئته الواقعة في الحسّ المشترك الذي هو الام فينبت المعني في بطن تلك الام و هو الخيال بذلك الماۤء الذي هو الدلالة و يحيي بها و لم‌يك ذلك المعني قبل تلك الدلالة شيئا لان الشئ انما سمّي شيئا لانه مُشَاۤءٌ و المشية هي اصل الارادة فافهم .

اقول نريد ان الهواۤء يحفظ اللفظ و يوصله بواسطة العقل الي اُذنك ليرتسم من تلك الاصوات المصوّرة بالهيئة المخصوصة القارعة لطبل اُذنك باصوات حروف ذلك اللفظ في الحس المشترك الذي هو برزخ بين الشهادة و الغيب صورة مادة لفظك و صورة هيئته و هي صورة برزخية مكانها من ارض الاقليم الثامن و اسفلها علي محدّب محدّد الجهات و اعلاها في اسفل الدهر متصلاً بالجسم الذائب اعني جوهر الهباۤء و المواد الجسمانية قبل تعلق الصور بها فان الحسّ المشترك بالنسبة الي ما يقع فيه من صورة مادة اللفظ و هيئته بمنزلة الأمّ للجنين و بمنزلة الأرض بالنسبة الي الماۤء النازل من السحاب لانبات النبات فوقع من لفظك ماۤء و هو دلالته علي المعني علي ارض ذلك المعني و هي النفس التي هي لوح الصور صور المعلوم ( العلوم نسخه . م . ص ) و المراد بالمعني هنا ليس هو المعني الاصطلاحي الذي يكون في العقل و هو ذات نورانية مجردة عن المادة العنصرية و الصورة النفسية و المثالية و المدّة الزمانية و انما المراد بهذا المعني ما ينتقش في النفس من دلالة اللفظ و قابلية النفس و هو يحدث فيها بعد وقوع دلالة اللفظ عليه في النفس و ليس هذا المعني قبل ذلك شيئاً اصلا كما قال الرضا عليه السلام للمأمون في بيان ان الحروف ليس لها معان الا انفسها قال عليه السلام لأنّهلايؤلّف منها ثلاثة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 449 *»

حروف او اربعة او اقل من ذلك او اكثر الا لمعني محدث لم‌يكن قبل ذلك ه‍ ، و ذلك لأن النفس متهيّئة لانتقاش الصور عند ادراك اسباب ايجادها فاذا ادركت اللفظ و هيئته بان وقع عليها دلالته انتقش فيها صورة ما دلت عليه دلالة اللفظ المسموع من صورة مادته و صورته كما مرّ فاللفظ كالسحاب و دلالة مادته و صورته كالمطر النازل من السحاب و النفَس هي الأرض الميتة فاذا نزل عليها الماۤء الذي هو الدلالة تنبت ارض النفس و قابليتها بثمرات الماۤء و هذا الماۤء هو الوجود الذي منه تكوّن ذلك المعني لأنه هو دلالة اللفظ بمادته و هيئته علي ذلك المعني و هذه الدلالة هي الواقعة في الحس المشترك ثم منه الي الخيال ثم منه الي النفس فالحسّ المشترك هو الأمّ اي امّ ذلك المعني المتولد في النفس من تلك الأم و الخيال هو بطن تلك الأم الذي ينبت فيه المعني بذلك الماۤء الذي هو تلك الدلالة و يحيي بها لأنه هو شأن الماۤء و لم‌يكن ذلك المعني قبل تلك الدلالة شيئا كما سمعت عن الرضا عليه السلام و كيف يكون شيئاً قبل ان يكون مشاۤء لأنّ الشئ انما سمّي شيئاً لأنه مشاۤء و قد اشار الي هذا المعني اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة يوم الغدير و الجمعة في الثناۤء علي الله قال عليه السلام و هو منشئ الشئ حين لا شئ اذ كان الشئ من مشيته ، فاشار عليه السلام الي جهة اشتقاقه من المشية و انما قال من مشيته و لم‌يقل من ارادته لأنّ المشية هي اصل الارادة .