01-11 جوامع الکلم المجلد الاول – الرسالة السراجية ـ مقابله

الرسالة السراجیة فی جواب الآخوند الملا مصطفی

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 176 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدللّه رب العالمين و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين.

اما بـعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائى انه قد كتب الى ذو المودة و الصفا الاخوند الملا مصطفى وفّقه اللّه لمايحبّ و يرضى مسائل يريد بيانها على حال لايسع احد فيه البيان من ملازمة الامراض و تشويش البال باختلاف الاحوال و كثرة الاعراض و لم‏يسعنى ردّه لانه اهل للجواب و اقتصرت على اقلّ البيان اعتماداً على فهمه و تسهيلاً على نفسى لما اجد من الموانع و لاجل لايسقط الميسور بالمعسور و الى اللّه ترجع الامور و جعلت عبارته متنا و الجواب شرحا كما هو عادتى ليسهل ادراك معنى الجواب و من اللّه توفيق الهداية و الصواب و اليه المرجع و المـأب.

قال سلمه اللّه الالتماس من جنابكم ان توضحوا بمشكوة فكركم الشريف و بمصباح عقلكم المنور المقدس اللطيف بهذا الحقير فى الشعلة المرئية السراجية النار الغيبية و فعلها و اثر فعلها و مفعولها.

اقول اعلم ان الشعلة المرئية مركبة من وجود و ماهية و هى بمنزله عقل الكل و هو مركب ايضاً من وجود و ماهية يعنى من مادة و صورة فمادته اثر فعل اللّه و هو الوجود الذى هو اول فائض من فعل اللّه و مشيته و هو الماء الذى جعل منه كل شى‏ء حى و صورته انفعاله و قبوله للايجاد و الشعلة المرئية وجودها الذى هو مادتها اثر فعل النار الصادر من تأثير فعل النار الذى هو الحرارة و اليبوسة العرضيتان و اثر فعل النار هو استضائة الدخان و استنارته عن فعل النار و ماهيتها التى هى صورتها انفعال ذلك الدخان بالاستضائة لان دهن السراج لما قربت منه النار حرقته و كلسته حتى كان دخانا فلما وصل الى رتبة الدخانية

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 177 *»

بمس النار انفعل بالاستضائة عنها فالنار التى هى الحرارة و اليبوسة الجوهريتان آية الخالق جل و علا و هى غائبة عن الادراك و الحرارة المدركة من الشعلة تأثير فعلها و الاستضائة المرئية اثر ذلك التأثير الفعلى و محل الاستضائة هو الدخان و الامكان الذى يستمدّ منه الدخان هو الدهن ففعل النار آية المشية و تأثيره آية ايجادها لمفعولها و الدخان آية انفعال الوجود و قابليته و الدهن الذى يستمدّ منه الدخان الحامل للاستضائة المرئية آية الامكان الذى يستمدّ منه تأثر الكائن و قابليته و السراج آية عقل الكل و تفصيل ذلك كله فى قوله تعالى اللّه نور السموات و الارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح فى زجاجة الى آخر الاية.

قال سلمه اللّه تعالى و بينوا ان الدهن أ هو محل لفعل النار او بمنزلة القابلية و ان الدخان و تكليس الدخان اهو اثر النار او اى شى‏ء و ان الاستضائه أ هى مفعول للنار او مفعول لفعل النار و الشعلة المرئية أ هى عبارة عن ظهور النار او عبارة عن ظهور فعل النار.

اقول قد اشرنا قبل ان الدهن بمنزلة الامكان و ان انفعالها منه حتى صار دخانا بمنزلة القابلية لتأثير فعل النار و هذا الانفعال هو تمكين الفاعل هوية المفعول من قبول اثر الفعل و هذا التمكين مساوق للتكوين فى الظهور الكونى متأخر عنه بالذات لترتبه عليه و ان الدخان المستمدّ من الدهن هو محل الاستضائة لانه هو المستضى‏ء عن تأثير فعل النار و تكليسه له و الدخان ليس اثرا للنار و لا لفعلها بل هو من الدهن فلما كلسه فعل النار حتى صار دخانا انفعل بالضياء عن تأثير ذلك الفعل فيه و تكليسه له و اما الاستضائة فهى مفعول النار و لكن النار لاتفعل بنفسها و انما تفعل بفعلها فان قلت انها مفعول للنار فصحيح باعتبار مفعوله بفعلها و ان قلت بانها مفعول لفعل النار فصحيح باعتبار مفعوله بفاعلها و اما الشعلة المرئية فهى عبارة عن ظهور النار بها يعنى ان النار و لاتظهر بذاتها و انما ظهورها عبارة عن اظهار الشعلة الدالة على وجودها و لو قلت ان الشعلة عبارة عن ظهور فعل النار يعنى انها اثره الدال عليه لم‏يكن به بأس.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 178 *»

قال سلمه اللّه تعالى و بعبارة اخرى بينوا و وضحوا فى الشعلة المرئية النار الغيبى الجوهرى و الحرارة و اليبوسة العرضيتين و فعل النار الجوهرى و اثر فعلها و مفعول النار الغيبى الجوهرى و مفعول النار العرضى.

اقول اعلم ان النار الغيبى الجوهرى التى هى عبارة عن حرارة و يبوسة جوهريتين ليست فى الشعلة على جهة الحلول و لا خارجة على نحو العزلة بل يقال هى داخلة فيها لا كشى‏ء داخل و خارجة منها لا كشى‏ء خارج لان النار المشار اليها آية اللّه فى خلقه آية استدلال عليه لا آية تكشف له فهى فى الشعلة ظاهرة بفعلها و تدبيرها و اما الحرارة و اليبوسة العرضيتان فهما متعلقان بالشعلة تعلق المؤثر باثره الصدورى لان الشعلة قائمة بهما قيام صدور كقيام الكلام بتكلم المتكلم و اما فعل النار الجوهرى فهو التكليس و الاحراق و الاضائة بقابلها و هو الدخان و اثر الفعل هو الاضائة و هو المس المذكور فى قوله تعالى يكاد زيتها يضى‏ء و لو لم‏تمسسه نار و المراد باضائة الفعل احداث الاضائة فى الدخان بقابليته للاستضائة و اما قولكم و مفعول النار الغيبى الجوهرى الخ فلايستقيم كونه غيبيا الاّ بالنسبة الى من دونه من آثاره و لايستقيم كونه جوهريا الاّ بالنسبة الى آثاره و معلولاته و اما بالنسبة الى الفعل فهو عرض و ظاهر و هذا ظاهر مما تقدم.

قال سلمه اللّه تعالي و بينوا كيفية ظهور الشعلة المرئية من النار و طريق حدوثها و بعد طبّقوا مراتب ظهور المشية و حدوثها من اللّه سبحانه و تعالى او فعل اللّه تعالى و اثر المشية و مفعول المشية و اثر المشية و محل المشية و ظهوره تعالى و تبارك بفعله.

اقول اما كيفية ظهور الشعلة من النار الخ. فلان النار لما كلّست الدهن حتى كان دخانا بحرارتها اشتعلت فيه فاستنار الدخان باشتعالها فيه كما استنارت الارض و الجدار بانبساط الشمس عليها فكما ان كثافة الجدار و الارض هى قابلية الاستنارة بانبساط شعاع الشمس عليها كذلك كثافة الدخانية هى قابلية الاستنارة باشتعال النار فيها و الاشتعال الذى هو مسّ النار هو ظهور

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 179 *»

تأثير فعلها فى الدخان الذى به القابلية بالاثر الظاهر اى ظهور التأثير بالاثر فالاثر هو النور الظاهر القائم بالدخان ظهر التأثير به فى الاشتعال فيه و هو بمنزلة الوجود الذى هو المادة و التأثير صورة الفعل و هو بمنزلة الايجاد و التكوين و كثافة الدخان بمنزلة الماهية و الصورة و فعل النار بمنزلة المشية و النار التى هى الحرارة و اليبوسة الجوهريتان آية الفاعل الظاهر بمصنوعاته عزوجل و له المثل الاعلى و اثر المشية و مفعولها شى‏ء واحد و هو الوجود و يسمى بالماء و النور و هو محل المشية ايضاً و اما ظهوره تعالى فبفعله و ظهور فعله بمفعوله اذ لا ينفك الفعل عن المفعول.

قال سلمه اللّه تعالى و بينوا ان العقل الاول و وجود محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ما هما اول أ هما اثر المشية او مفعول المشية.

اقول اعلم ان وجود محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هو اول فائض عن فعل اللّه تعالى و هو اثرها و هو متعلق المشية الذى لاتظهر الا به فهو كالانكسار و المشية هو كالكسر و هو الانفعال الراجح المشار اليه بالزيت الذى يكاد يضى‏ء و لو لم‌تمسسه نار كناية عن راجحيته فى الوجود و الظهور و هو المقام الجامع لمعانيه سبحانه اى معانى افعاله فلما بعثه فعل اللّه و كلمته الى الارض الجرز يعنى القابلية ظهر بها العقل فان هذا الوجود بمنزلة الماء و القابلية بمنزلة الارض الجرز و الارض الميتة فنزل عليها اى نزل الوجود المحمدى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الذى هو الماء الى الارض الجرز الذى هو الماهية و القابلية التى ظهر منهما العقل الكلى الذى هو البلد الطيب فوجوده صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اثر المشية و مفعولها و به و بالقابلية ظهر العقل اى عقل الكل فالعقل وجه ذلك الوجود و وزيره.

قال سلمه اللّه تعالى و بينوا ان الامكان و الوجود و وجود محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمنزلة الدهن او بمنزلة الدخان او بمنزلة الاستضائة.

اقول الامكان فى السراج له مراتب منها بمنزلة شجرة الزيتون التى يؤخذ منها الدهن و منها بمنزلة الزيت الذى يوضع فى السراج و تكلّس الاجزاء الى ان تقرب من الدخان بمنزلة التمكن من الامكان ايضاً الاّ انه اخر مراتب انفراده

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 180 *»

عن الكون فى الجملة ليس بعده الاّ التهيّوء للقبول فانه البرزخ بين العارى عن الكون و المصاحب للكون هذا فى طرف الجهة السفلى من ناحية نسبة الممكنات و اما الامكان فى طرف الجهة العليا فالحرارة و اليبوسة العرضيتان بمنزلة المشية الامكانية و تكليس الاجزاء الى ان تقرب من الدخان بمنزلة التمكين المقبول (للقبول ظ‏) من المشية و التهيئة للقبول برزخ للكون ليس بعده الاّ ظهور الكون و الاستضائة ظهور القابل بالمقبول بربط احدهما بالاخر و المراد بالقابل هوية المكون حين التكوين و المراد بالقبول ظهور المكوِّن بكسر الواو بالمكوَّن بفتح الواو حين التكون و المقبول هو النور الذى استنار به الدخان من مسّ النار و هو المسمى بالوجود و الدخان هو الماهية الاولى المسماة بالانوجاد و الماهية الثانية هى عين المكوّن المعتبر فيها القابل و المقبول معا بمنزلة السراج و القابل هو الدخان لانه هو هوية المكون حين التكوين و قولنا حين التكوين لبيان انه قبل التكوين ليس شيئا و قولنا اولاً و المراد بالمقبول ظهور المكون بكسر الواو يعنى الفاعل بالمكون بفتح الواو يعنى المفعول بالذات و هو الوجود الذى هو بمنزلة نور السراج و نعنى بقولنا حين التكون ان النور قبل القبول لايظهر و انما يتحقق ظهوره بالقابلية التى هى المفعول بالعرض و معنى ظهور الفاعل به كظهور النار بالنور الذى استنار به الدخان ان الفاعل فى نفسه لايظهر كما ان النار فى نفسها لاتظهر بل هى ابداً غيب و انما يظهر الفاعل بنوره اى باظهار نوره و هو الوجود كما ان النار انما تظهر بنورها اى باظهار نورها فى الدخان لان المحدث اثر لايتقوم و لا يظهر الاّ فى محل و هو الماهية و القابلية كذلك النور الذى فى السراج لايتقوم و لايظهر الاّ فى محل و هو الدخان.

بقى شى‏ء و هو ان المحدث لا بقاء له الاّ بالمدد و هو ان يمدّ بما هو كبدئه من وجود و ماهية مما هو مذكور به فى العلم الامكانى فكل فيض من الوجود يمدّ به لايظهر الاّ بقابليته كاصل المحدث بل هو هو لانه قائم من الفعل قيام صدور كما فى تأويل قوله تعالى أفعيينا بالخلق الاول بل هم فى لبس من

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 181 *»

خلق جديد لان القابل هو انفعال المقبول كما تقول خلقه فانخلق فلايتحقق خلق الذى به الكون الاّ بـانخلق الذى به التكون فكذك مثاله و دليله و هو السراج لابقاء له الاّ بالمدد حرفا بحرف فما دامت النار موجودة فى رتبة غيبها الذى هو ازلها ففعلها موجود فى رتبة امكانه فاذا جاور فعلها موجِب ظهور اثره بتأثيره كالدهن مثلاً كلّست بفعلها ماجاوره من الدهن حتى صار دخانا فاذا صار دخانا ظهر فيه اثر فعلها فان ذهب الدهن بطل السراج و لم‏يكن له بقاء لانه لا بقاء له الاّ بالمدد و قد ذهب مدده من جهة القابلية و مادام الدهن باقيا فالسراج باق لدوام المدد من طرف القابل و المقبول فاما ما كان من القابل فان النار بفعلها دائما تكلّس منه دخانا و كلما صار شى‏ء منه دخانا استنار بمسّها و اشتعالها فيه لان النار لاتشتعل الاّ فى الدخان فما كان من نحوه كالفحم ألا ترى انك اذا وضعت فيها الخشب لاتشتعل بالخشب بل يصفرّ بحرارتها و يبوستها و يسودّ فاذا لم‏يبق فيه من الرطوبة الذاتية الاّ مايمسكه اشتعلت فيه لما بينهما من المناسبة باليبوستين و هكذا على سبيل الاتصال بالمدد كلما كلّست شيئا منه حتى صار دخانا اشتعلت به و استنار بالاشتعال و تكلّس مايليه بحيث لايكون بين تمام الاشتعال بجزء و بين كون جزء اخر متصل به يكون دخانا فصل فلو حصل فصل و لو قليلا انطفى السراج و لو حصل فصل و لو قليلا بين المحدث و المدد المتجدد بطل و فنى المحدث و لم‏يكن شيئا و آية هذا اذا اردت ذلك تجدها فى صورتك اذا قابلت المرأة فان الصورة لايمكن ان تبقى و لو لحظة بغير مدد المقابلة فاستبصر امرك بماضرب اللّه لك من الامثال كالصورة فى المرءاة و كالسراج و كالكلام من المتكلم و امثال ذلك و اللّه يحفظ لك و عليك.

قال سلمه اللّه تعالي و بينوا فى الشرح مطابقة الممثّل للممثّل له ببيان واضح و تبين كاف بحيث لايكون بعد الشرح خفاء و حجابا لهذا الحقير المحجوب و تصير المسئلة و المطلب واضحا لعبدكم و بينوا ببيان لايمكن ان يكون بيان اتمّ و ابلغ منه فان هذه المسئلة من امهات المسائل و تتفرع عليها اكثر مطالبكم الخ.

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 182 *»

اقول قد اشرت الى ما يمكننى تبيينه من جهة ما تطلبون يحصل لمن عرف ماذكرته جلّ مطالبنا فى كيفية بدى‏ء الخلق بمالاتجده و لامايدانيه فى كتاب الاّ فيما يستفاد من كلام اهل البيت  عليهم‏السلام لان ذلك الذى ذكرته هو ما استفدته من كلماتهم  عليهم‏السلام بما افادوا و تفصّلوا و ليس كل من طلب من كلماتهم وجد، لان مدارك هذه الامور توقيفية و اللّه سبحانه ولى التوفيق و اما قولكم ايدكم اللّه لايكون بيان اتمّ و ابلغ منه فهو على عمومه لايمكن الجواب عنه لان من هو اعلى منى يقدر على اتمّ و ابلغ من قولى و انا ايضا الذى اتمكّن منه و اقدر عليه على اربعة اقسام الاول لايجوز لى بيانه الثانى لااقدر على العبارة عنه الثالث يحتاج الى تطويل ربما يفوت منه المطلب لكثرة المقدمات و ارتباط الاشياء بعضها ببعض و لضيق وقتى و تشويش افكارى لكثرة الاشتغال و اختلاف الاحوال و لضعف بدنى بكثرة الامراض و دواعى الاعراض الرابع ماذكرته لجنابكم و عندى انه كاف فيما اردت واف بما طلبت شاف بما فيه من فتح ابواب الاطلاع على اسرار الكون و اللّه سبحانه ولى التوفيق و العون و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين.

وقع الفراغ من تسويدها بيد مبديها العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائي في ليلة الخميس العاشرة من ذي الحجة الحرام سنة احدي و ثلاثين بعد المأتين و الالف من الهجرة النبوية علي مهاجرها و آله افضل الصلوة و السلام في الولد المحروسة عن حوادث الزمان كرمانشاهان حامدا مصليا مسلما مستغفرا و الحمد لله وحده.