01-05 جوامع الکلم المجلد الاول – الرسالة البحرانية ـ مقابله

الرسالة البحرانیة

فی جواب السید حسین بن السید عبدالقاهر البحرانی

فی تبیین کلام الملامحسن الکاشانی فی معنی الفناء فی الله والبقاء بالله

 

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 102 *»

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين و بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زيد الدين الاحسائي قد ارسل الي بعض الساداة (السادة خ‌ل) الصالحين الطالبين للحق و الدين و هو السيد السند السيد حسين بن السيد عبد القاهر بن السيد حسين البحراني في تبيين كلام الملا محسن الكاشاني في معني الفناء في اللّه و البقاء بالله و مايسنح لذلك من المعاني فكتب لي بلغه اللّه اعلي الاماني عبارة الملا فجعلتها كالمتن المحلي و جعلت تلك الكلمات كالشرح لها بل اجلي.

قال اطال اللّه في الخيرات بقائه و اسعده بحسن لقائه و رضاه قال رضي اللّه عنه قال اهل المعرفة المراد بفناء العبد ليس فناء ذاته.

اقول انما قالوا ليس فناء ذاته يعني في اللّه لان ذلك يستلزم الاتحاد و الاتحاد يستلزم مساواة المتحدين او مجانستهما و لايكون ذلك لامتناع ذلك عليه سبحانه و تقدسه عن امكان المساواة و المجانسة و المتصوفة قالوا بذلك المعني يتأولونه فخروا  به من السماء فخطفتهم  (فتخطفهم خ‌ل) الطير و هوت بهم الريح في مكان سحيق و ان كان يوهم علي بعض من ادعي العرفان بانه حق و ذلك لعدم تحقق عرفانه و من اشعارهم فيما تأولوه قول شاعرهم:

جعلت نفسك في نفسي كما   جعل الخمرة في الماء الزلال
فاذا سرّك شي‏ء سرّني   فاذا انت انا في كل حال

و لافائدة في الكلام معهم و لسنا بصدد كلامهم و بالجملة ليس المراد بفناء العبد في اللّه فناء ذاته في اللّه لماقلنا.

قال رضي اللّه عنه بل المراد فناء الجهة البشرية التي له في جهة ربوبية الحق فان كل عبد له جهة من الحضرة الالهية و لكل وجهة هو موليها.

 

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 103 *»

اقول ان مرادهم بفناء العبد في اللّه فناء جهة البشرية التي هي وجوده من اللّه سبحانه في ربوبية الحق سبحانه بان لايكون له اعتبار من نفسه و ليس له التفات الي حال من احواله بل كلها مستغرقة في الاقبال علي اللّه و الالتفات الي جنابه في حركات العبد و سكناته و جميع شئونه كما قال تعالي قل ان صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك امرت و المثل في ذلك واللّه المثل الاعلي مثل عبد عرف مالكه بحيث كانت جهة عبوديته و رقيته فانية في جهة مالكية مولاه بمعني انه في جميع احواله ليس له اعتبار من نفسه لايفعل الا ماامره سيده و لايتحرك و لايسكن الا بمايأمره مولاه فهو مراقب في كل احواله لخدمة مولاه ففي الحقيقة هذا العبد عرف مولاه حق معرفته بحيث فنيت (فنت خ‌ل) جهة عبوديته و رقيته في مالكية مولاه و لو انه فعل شيئاً بغير امر مولاه لكان حينئذ مستقلاً في ذلك الفعل متعيناً في نفسه بحيث يقال ان فعله هذا الشي‏ء ليس فعلا لمولاه لانه ليس بامره و لايكون في هذه الحال فانياً بعبوديته و جهة رقيته في مالكية مولاه بل خالف مقتضي ذلك و في الحال الاول في الحقيقة فعله هو فعل مولاه و لا يلام علي شي‏ء قطّ بخلاف الحال الثاني فانه ملوّم لاستقلاله بفعله فلايكون في فعله فانياً في مالكيته المولي قال اللّه تعالي تحقيقاً كما (لما خ‌ل) في الحال الاول و ما رميت اذ رميت و لكن اللّه رمي فجعل سبحانه فعل نبيه صلی الله عليه و آله مستهلكاً في فعله سبحانه لانه فني فيه بهذا المعني و قوله فان كل عبد له جهة من الحضرة الالهية يعني به ان العبد في كل احواله و شئونه ليس له من نفسه و لا من احد من الخلق حول و لا قوة لان الممكن ابداً مفتقر الي الغير في تحقيق (تحقق خ‌ل) شيئيته و هو في كل احواله متوجه بوجه استعداده لقبول ذلك المدد الذي به قوامه من ذلك الغير الي جهة خاصة به من حضرة المفيض و مثاله الصورة في المرءاة ليس لها قوام بنفسها و لاتحقق و انما تقوّمت بالمدد التي تستمده من المقابل و ذلك المدد هو حقيقتها من الجهة الخاصة بها من المقابل فاذا قابلت المرءاة الوجه من الشخص مثلا

 

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 104 *»

انطبعت فيها صورة الوجه و تلك الصورة المنطبعة لا حقيقة لها الا صورة الوجه و بها قيومية المنطبعة و هي محتاجة الي دوام الاستمداد و الي جهة الوجه تولت المنطبعة و الا لم‌تكن (لم‌يكن خ‌ل) شيئاً و تلك الجهة هي باب الوجه يعني ظاهر الصورة و هي جنابه ايضاً فالوجه ممد (يمد خ‌ل) المنطبعة من هذا الباب و المنطبعة واقفة علي هذا الباب بسؤال استعدادها و قابليتها (قابلياتها خ‌ل) لائذة بامكانها و فقرها لذلك لجناب و اليه الاشارة بقول سيد العابدين عليه السلام الهي وقف السائلون ببابك و لاذالفقراء لجنابك (بجنابك خ‌ل) و لهذا استدل رحمه اللّه مأولاً بقوله تعالي و لكل وجهة هو موليها و لكن هنا سر طوي عن اكثر العارفين و ستر عن اكبر (اكثر خ‌ل) الواصلين و هو قوله تعالي هو موليها لانه ولاها ماتولت بتوليته و هو سرّ خفي من اسرار القدر مقنّع بسر مقنع بسر لايفتح الا بمقلاد من مقاليد اللاهوت و بالجملة فجهة المنطبعة يعني انيتها و شيئيتها في جهة صورة الوجه كما مرّ.

قال رحمه اللّه و هذا الفناء (به خ‌ل) لايحصل الا بالتوجه التام الي جانب الحق المطلق حتي تغلب الجهة الحقية (الحقيقة خ‌ل) علي الجهة الخلقية (اقول خ‌ل) لانك اذا نظرت الي الصورة المنطبعة مع قطع النظر عن الصورة عن صورة الوجه تحقق لها ماهية في نفسها و شيئية قائمة بذاتها و لكنك جهلت الحقيقة و لم‏تعرف الامر علي ما هو عليه في نفس الامر لان حقيقتها ليست شيئاً الا بما ظهر فيها من صورة الوجه المقابل فاذا نظرت بهذا الاعتبار و محوت موهومها صحالك المعلوم من تلك الحقيقة انها هي صورة الوجه المقابل و هو معني غلب الجهة الحقية (الحقيقة خ‌ل) علي الجهة الخلقية فاذا عرفت ذلك و هو فناء جهة المنطبعة في جهة الوجه عرفت المنطبعة بالوجه لا العكس و عرفت الوجه بالوجه قال عليه السلام يا من دل علي ذاته بذاته و قال عليه السلام اللّه اجل من ان يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون به و قال اميرالمؤمنين عليه السلام لو عرفت اللّه بمحمد صلی الله عليه و آله ماعبدته ثم انه رحمه اللّه ضرب مثلا لهذا الفناء كماضربوه فقال كقطعة الفحم المجاورة للنار فانها بسبب المجاورة و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 105 *»

الاستعداد بقبول النارية تشتعل قليلاً قليلاً الي ان تصير ناراً فيحصل منها مايحصل من النار من الاحراق و الانضاج و الاضاءة و غيرها و قبل الاشتعال كانت باردة كدرة و هذا المثال مثال الحال (لحال خ‌ل) العارف الفاني و مثال امره فانه اذا قطع الاعتبارات حتي قطع الاعتبارات انفسها (نفسها خ‌ل) كماقال علي عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة يعني ان الاشارة ايضاً من سبحات الجلال فهي حجاب بل الكشف حجاب و لهذا روي عنهم عليهم السلام ما معناه ان المحبة حجاب بين المحب و المحبوب فاذا كشف (قطع خ‌ل) جميع الاعتبارات تحقق الفناء و حصل له حقيقة المثال يعني مثال الفحمة اذا اشتعلت بالنار انها تكون بصفة النار و هو قول علي عليه السلام و خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها فاذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد انتهي. و اذا (فاذا خ‌ل) تحقق ذلك تحققت محبة اللّه له فيكون كما قال تعالي في الحديث القدسي فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده الذي يبطش بها الحديث و قوله تعالي ايضاً يا عبدي انا اقول للشي‏ء كن فيكون الخ و بهذا الكشف يظهر لك الحجة في قول الحجة عليه السلام لافرق بينك و بينها الاّ انهم عبادك و خلقك ثم بين رحمه الله الطريق الموصل الي ذلك.

فقال و ذلك التوجه لايمكن الاّ بالاجتناب عما يضادّها و يناقضها و هو التقوي مما عداها فالمحبة هي المركب و الزاد هو التقوي يعني ان كل مسافر يريد قطع مسافة يحتاج الي الزاد و الراحلة لانهما شرط الاستطاعة و هذا السفر قبل حصول الشروط و قبل قطع المسافة و البلوغ الي الغاية ابعد من كل سفر لان السفر قد ذكره اللّه تعالي في قوله لم‏تكونوا بالغيه الاّ بشق الاّ الانفس و هذا لم تبلغوا الاّ بكل الانفس و اذا حصلت الشروط كان هذا السفر اقرب من كل سفر قال عليه السلام و ان الراحل اليك قريب المسافة فاخبر عليه السلام بقرب المسافة للراحل لا للمقيم فافهم فالمطية هي

 

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 106 *»

المحبة يعني الصادقة و هي ايثار المحبوب علي كل ماسواه و الطريق الموصل و الثمن المبلغ الي تحصيل هذه الراحلة الطيبة هي القيام الاداب الشرعية و الصبر علي الاخلاق الروحانية قال تعالي مازال العبد يتقرب الي بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به الحديث و اما الزاد فقد امر اللّه بذلك العباد فقال تعالي و تزودوا فان خير الزاد التقوي و هي تقوي اللّه في سرك و تقوي نفسك في احوالك و تقوي الناس في معاملاتهم و مايرتبط و يتعلق بهم و هو معني قوله الاجتناب عمايضادّها و يناقضها في هذه المراتب الثلاث و الضمير في يضادها و يناقضها يعود علي الجهة الحقية و المناقض لها الجهة الخلقية نفسها و جميع مالها من احكام الامكان فمن القيها بحذافيرها حييت بربها قال تعالي في حق موسي و ماتلك بيمينك اي بوجودك يا موسي قال هي عصاي اتوكأ عليها يعني اتوكأ اي اعتمد عليها في تحقق الانية و اهشّ بها علي غنمي من رعاياه و انعامه من جميع امته ولي فيها مأرب اخري، استدلّ بفقرها علي غناك و بجهلها علي علمك و بعجزها علي قدرتك و بحدوثها علي ازليتك و بعدم حصرها علي سرمديتك و بعدم حلولها علي تفردك و غناك و بعدم معرفتها علي قدسك و بمفارقتها علي بينونتك عن خلقك بصفتك الي غير ذلك قال القها يا موسي و استغن بي عما سواي و لاتعتمد علي غيري و لا تلتفت الي شي‏ء فاكلك اليه فالقها بكل اعتبار فاذا هي حية تسعي و هي مثال للبقاء بالله قال خذها بعد ماحييت بالالقاء سنعيدها في قوس ادبر فادبر سيرتها الاولي فافهم فهّمك اللّه.

و اياك و اسم العامرية انني   اخاف عليها من فم المتكلم

و لقد لوّحت لاهل الاشارة علي خوف من فرعون و ملئهم ان يفتنهم قال الشاعر:

اخاف عليك من غيري و مني   و منك و من مكانك و الزمان
و لو اني جعلتك في عيوني   الي يوم القيمة ماكفاني

و لا حول و لا قوة الاّ بالله العلي العظيم و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين و

 

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 107 *»

الحمد لله رب العالمين تمت بقلم منشئها حامداً مصلياً مستغفراً في شهر رمضان سنة الحادية عشرة بعد المأتين و الالف من الهجرة و الحمد لله رب العالمين.