01-03 جوامع الکلم المجلد الاول – جواب السيد ابي‌القاسم اللاهيجاني ـ مقابله

جواب السيد ابی القاسم اللاهیجی

من مصنفات الشیخ الاجل الاوحد المرحوم

الشیخ احمدبن زین الدین الاحسائی اعلی الله مقامه

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 26 *»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي انّه قد التمس مني من تجب علي طاعته و هو جناب سيدنا العالم و مولينا جناب السيد ابي‌القاسم بن المبرور السيّد عبّاس بن المرحوم السيد معصوم اللاهيجاني جواب مساۤئل عرضت له و ليس لي قدرة علي الجواب لما انا فيه من الامراض المعاودة و الاعراض المراودة و لقد احببت ان تكون أتتْ اليّ قبل هذه الايام التي عرضت لي فيها الٰالام لاقضي لجنابه من جواب مساۤئله اقصي المرام الا اني اشير الي بعض المطالب اعتمادا علي فهمه القويم و ادراكه المستقيم لانّ الاقتصار في الجواب بالنسبة الي حالي الأن هو الميسور و هو لايسقط بالمعسور و الي اللّه ترجع الامور.

قال ايده اللّه تعالي: شيخنا اريد من جنابكم و كريم بابكم تحقيق الاوعية الثلاثة من السرمد و الدهر و الزمان.

اقول اعلم ان الاوقات بقول مطلق و هو ما يجري علي السنة كثير من الناس خمسة الازل و السرمد و الابد و الدهر و الزمان فعند المتكلمين ان الثلاثة الاول اوعية للقديم فالازل هو الاول و الابد هو الاخر و السرمد هو ما بينهما و هما طرفاه و هذا باطل لان الاولية اذا غايرت الاخرية كانتا حادثتين و ما بينهما و هو السرمد حادث لانه مسبوق بالغير و متعقّب بالغير فيكون الكل حادثاً و اما غير المتكلمين فلهم في ذلك احوال و اعتبارات لا فاۤئدة في اكثرها و الحق الذي دلّت النصوص من اهل الخصوص عليهم السلام ان الازل هو نفس الذات البحت و هو نفس الابد قال اميرالمؤمنين عليه السلام لم‌يسبق له حالٌ حالاً فيكون اوّلا قبل ان يكون آخراً و يكون باطناً قبل ان يكون ظاهراً و في الدعاۤء عنهم عليهم السلام اللّهمّ انت الابد بلا اَمَدٍ

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 27 *»

و الحاصل الازل و الابد شي‌ء واحد بكلّ اعتبارٍ و هو المعبود الحق عزوجلّ فلايدرك للازل و الابد معني غير ذات الحق سبحانه و الا لزم تعدّد القدماۤء و هو بالعبارة الظاهرة و علي الحقيقة يلزم القول بالمحال لان فرض التعدّد او المتعدّد انّما هو في الممكنات و يستحيل في الوجوب لاستلزام ذلك الحلول و الشمول و الظرفية و اما السرمد فهو مسبوق بالغير و ملحوظ فيه الامتداد و الاستمرار و هي صفات الحوادث و لكن لمّا اريد منه عدم التناهي لا في نفسه و لا الي غيره كان مفارقا للزمان و الدهر لانتهاۤئهما الي غيرهما و مبائناً للازل لكونه مسبوقاً بغيره و الازل ليس مسبوقاً بالغير. و قولنا ان السرمد لاينتهي الي غيره مع انه مسبوق بالغير نريد به ان السرمد هو ظرف المشيّة و ليس قبله شي‌ء من الممكنات ليجوز ان ينتهي اليه و لايصح ان ينتهي الي الازل لان الحادث لاينتهي الي القديم و انّما ينتهي الي مثله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله فحيث لم‌يكن في الامكان قبله غيره كان منتهياً الي نفسه و هو في نفسه غير متناه فصحّ قولنا انه لايتناهَي في نفسه و لا الي غيره و معني كون ما لايتناهي في نفسه و لا الي غيره ظرفا للمشيّة ان المشيّة انما تعلّقت بالامكان الراجح و هو محلّها الذي تقوّمت به تقوّم ظهور و الامكان غير متناهٍ بل هو ممتدٌّ مترامٍ الي غير النهاية و لايقف الي حدٍّ مثلا امكان شي‌ء من الاشياۤء يجوز له ان يلبس كل صورة بلانهاية فيكون عقلاً و يكون روحاً و يكون نفساً و يكون طبيعةً و يكون مادةً و يكون صورةً و يكون جسماً و يكون نوراً و يكون منيراً و يكون حيواناً و انساناً و ملكا و نبيّاً و شيطاناً و سماۤء و ارضاً و جنّةً و ناراً و هكذا بلاغاية و نهاية و كل ذلك بالمشيّة فكان امتدادها في جميع الازمنة و الدهور و الاجناس و الانواع و الاصناف و الاشخاص و جميع اجزاۤء الاشياۤء من كلّ شي‌ء سرمديّاً لان الافراد التي يمكن ان تصدر من امكان واحدٍ بلانهاية مع تباين اوقاتها و امكنتها و رتبها و جهاتها و كمّيّاتها و كيفيّاتها و اوضاعها و كتبها و آجٰالها و مع تراميها الي غير النهاية و تقدّم بعضها علي بعض تتعلّق بها المشيّة في

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 28 *»

 آنٍ واحدٍ كما اشارت اليه اخبارهم عليهم السلام في معني قوله تعالي الرحمن علي العرش استوي يعني من كل شي‌ء فليس شي‌ء اقرب اليه من شي‌ء فهذا معني السّرمد بانه الوقت المستمرّ الذي يكون آنُهُ الواحد يطوي المتعدّدات مع تباين امكنتها و اوقاتها من غير تكثرٍ في انبساطه عليها عند تعلّق الفعل بها من جهته و لا تعدّدٍ لا معنويٍّ و لا صُوري و لا مثاليٍّ و لا جسماني و ان تكثّرت الاشياۤء و تعدّدت من جهتها في انفسها عند تعلّق الفعل بها و تباينت و تباعدت بخلاف الدهر فانه يتكثر و يتعدّد معنويا بما حلّ فيه من العقول و صوريّاً بما حلّ فيه من النفوس و برزخيّاً بما لحق ما حلّ فيه من الاشباح و بخلاف الزمان فانّه يتكثر و يتعدّد بما حلّ فيه تعدّداً حِسِّيّاً و طيّ السرمد للاشياۤء المتعدّدة المتفرّقة بِطيِّ المشيّة و لا كيف لذٰلك لان الكيفَ من آثارِه۪ و لايَجْري عليه ما هو اَجْرَاهُ .

ثم اعلم ان السرمد وقت الفعل المسمي بالمشيّة و الارادة و الابداع و الاختراع و مكانه الامكانات الراجحة و امّا الامكانات الكونيّة فهي ظهوراتها المتخصّصة بالقيودات المشخّصة لها و تعيّناتها باكوانها و قيودها و السرمد ايضاً وقتٌ للافعال المتعلّقة بها الا انّه في الرتبة الامكانيّة وعاۤء للفعل و لمتعلّقه من الامكانات العِلميّة و تعاقبُها فيه سرمدي و اما في الكونيّة فهو وعاۤء للفعل يتجنّس و يتنوّع و يتشخّص بتجنّس الفعل و تنوّعه و تشخّصه مبرّءً في كلّها عن الكيف و امّا متعلّقات هذه الافعال الكونيّة فوعاۤؤها الدّهر و الزمان و البرزخ المؤلّف منهما لانّه وعاۤء للْفعلِ نفسه وَ لِمٰا تَقوَّم به الفعل في اصل تحقّقه فاذا تعلّقَ بشي‌ءٍ من الوجودات المقيّدة اخْتصّ السّرمد بالفعلِ دون المتعلّق الا اَنَّ ظرفيّته للفعل حينئذ بنسبةِ ذاتِ الفعل في التجنّس وَ التّنوع و التشخص لان تجنّس الفعل و تنوّعه و تشخّصه ليس لاحقاً له و لا منسوبا اليه الا باعتبار وقوعه علي المكوّن و تعلّقه به و الا فهو في نفسه مُبرّءٌ عن ذلك كله و السرمد محلّ لايتقدّر الا بتقدّر الحَاۤلِّ علي انّ ظرفيّته انّما هي بالاعتبار لعدم المغايرة بينهما الا بالاعتبار فهو معه علي الحال الامكاني الاوّلي و لهذا كان متعلقات الفعل في

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 29 *»

الراجح مغايرة له بالقوّة و في المساوي بالفعلِ لانّ الوقت و المكان متساويان في النّسبة الي الشي‌ء فلايكون السرمد وعاۤء لشي‌ء من الاكوان و الا لكان من متمّمات قابليتها و يلزم منه كون المفعول مركّبا من المشيّة كما يقوله بعض الصوفية و هو قول لضرار كما حكاه الرضا عليه السلام حين قال له سليمن المروزي الارادة هي الانشاۤء قال يا سليمن هذا الذي عبتموه علي ضرارٍ و اصحابه من قولهم ان كلّ ما خلق اللّه عز و جل في سماۤء او ارض او بر او بحرٍ من كلب او خنزير او قرد او انْسان او داۤبّة ارادة اللّه و ان ارادة اللّه تحيي و تموت و تذهب و تأكل و تشرب و تنكح و تلد و تظلم و تفعل الفواحش و تكفر و تشرك فنبرأ منها و نعاديها و هذا حدّها ه‍ ، اقول اراد سليمن بقوله هي الانشاۤء انها هي المُنْشَأ يعني المفعولات و من الضرورة انّ الفعل غير المفعول و ان كانت هيئة المفعول مشابهة لهيئة تأثير الفعل فيه و الحاصل ان السرمد وقت للفعل ليس قبله شي‌ء ممكن و مثال مثاله و آية آيته و دليل دليله الزمان في الاجسام فاعتبروا يا اولي الابصار الا ان السرمد ملازم للاطلاق كالفعل فاذا تعلّق الفعل بالمقيدات المتمايزات المتعاقبات انسلخ معَ انسلاخ الفعل عن القيود و التمايز و التعاقب في ذاتهما و بقيت المتعلّقاتُ ملزومةً للتمايز و التعاقب المعنويّين في الجبروت و الصوريين في الملكوت و الجسمانيين في الملك و انّما كان السرمد ملازماً للاطلاق كالفعل لانّ تغايرهما انّما هُوَ بالاعتبار اذ ليس ثَمّ تركيب اِلا بالاعتبار و مَا دُونَ ذلك فتركيبه حقيقي سواۤء كان عقلاً ام نفساً ام جسماً و امّا الدهر فهو وقتٌ للمجرّدات عن الماۤدّة العنصريّة و المدّة الزّمانيّة سواۤء كان مجرّدا عن الصور مطلقاً (تامة كانت ام غيرها) كالعقول ام عن الصور التامّة كالارواح ام غير مجرّد كالنفوس و هو قاۤرّ الذّات ظاهراً علي نحو قرار ما فيه من المجردات بمعني انّ فيها التعاقب و التّمايز و الترقّي و الهبوط في كلٍّ من الثلاثة بحسبه الا انّ ذلك في العقول معني (بحسب المعني) و في الارواح رقيقةً و في النفوس صورة و امّا في باطن الامر فهو و ما فيه من المجرّدات يجري فيها ما يجري في الاجسام من التجدد و التّقضّي حرفاً بحرفٍ الا اَنّ ذلك

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 30 *»

خفي و بطيۤ‌ء لسعة ذلك الوقت و شرفه و العقولُ و الارْواح و النفوس باطنُ الاجسام و مكانُها باطن مَكانِ الاَجْسام و وقتُها اي الدّهر باطنُ وقتِ الاجسام يعني الزمان و الاجسام وَ امكِنتُهَا و ازمِنَتُهَا ظواهرُ لتلك و مراكبُ لها لانّ المصنوعات انّما تتقوّم بالبواطن و الظواهر الا انّ ذلك في كل شي‌ء بحسب حاله من العوالم الثلاثة و لايقال انّه كما كان عالم الجبروت و الملكوت مرتبطاً بعالم الملك علي نحو ما ذكرتم يكون عالم الامر بينه و بين عالم الجبروت هذه النسبة فيكون عالم الامر الذي هو الوجود المطلق باطناً لعالم الجبروت لان هذه النسبة انما كانت بين عوالم المفعولات الثلاثة لاحتياجها الي ذلك فانها لايستغني بعضها عن بعض كما اشار اليه ابوعبداللّه عليه السلام في باب حدوث الاسماۤء من الكافي قال عليه السلام فاظهر منها ثلاثة اسماۤء لفاقة الخلق اليها و حجب واحداً منها و هو الاسم المكنون المخزون الخ ، فالثلاثة الاسماۤء التي ظهرت يراد منها الاشارة الي عالم الجبروت و عالم الملكوت و عالم الملك و الاسم المحجوب هو عالم الامر بمعني انّ المحدَث لايتركّب منه فلايظهر الا بهِ لا فيه لان المصنوع لايتركّب من الفعل وَ اِنْ حدث عنه فلاجل الاحتياج في بعض الثلاثة الي بعض تشابهت اوقاتها و امكنتها كما تشابهت ذواتُها و ان اختلفت في حقاۤئقها بخلاف عالم الفعل اماسمعتَ ما قدّمنا من اَنّ اوقاتها تتمايز بنسبة تمايزها و تمايز متعلّقاتها و لم‌يتمايز وقت الفعل (و هو السرمد) بتمايز متعلّقاته كما مرّ فالزمان امتداد مدّة انتقال الجسم الي الامكنة الظاهرة العقليّة او مكثه فيها.

و الدهر باطنه و روحه و هو امتداد معنوي لمُدَدِ انتقال النُّطَفِ المجرّدة الي اماكنها العَقْلية او مكثها فيها و امتداد روحاني لِمُدَد انتقالِ المُضَغ المجرّدة الي اماكنها الروحانيّة او مكثها فيها و امتداد صوري لمُدَدِ انتقال الصور النفسانية المجردة الي اماكنها النفسانية او مكثها فيها و معني مدة انتقال العقول الي اماكنها انها في ترقيها في مراتب ظهورات الافئدة و قربها اليها بالتخلّقِ باخلاقها و تعلّمها منها خلع بعض قيودِها و محو بعض اشاراتها تسبح في تلك الافلاك حتّي تصل الي اقرب مقام من مقامات الافئدة و تختلف مدد الوصول

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 31 *»

باختلاف قابليات العقول و في تنزّلها في ظهورها بالارواح الي ان تتحقق المظاهر و تختلف مدد التنزل ايضاً كما روي في نور قلب محمد صلي اللّه عليه و آله حين تنزّل الي نور روح علي عليه السلام في ثمانين‌الف سنة و ذلك ما روي جابر بن عبداللّه الانصاري في تفسير قوله تعالي كنتم خير امّةٍ اُخْرِجَتْ للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر قال قال رسول اللّه صلی الله عليه و آله: اول ما خلق اللّه نوري ابتدعه من نوره و اشتقّه من جلال عظمته فاقبل يطوف بالقدرة حتي وصل الي جلال العظمة في ثمانين‌الف سنة ثم سجدَ للّهِ تعظيماً ففتق منه نور عليّ فكان نوري محيطاً بالعظمة و نور علي محيطاً بالقدرة ثم خلق العرش و اللوح و الشمس و ضوء النهار و نور الابصار و العقل و المعرفة و ابصار العباد و اسماعهم و قلوبهم من نوري الحديث ، و كتنزل انوارهم عليهم السلام الي ارواح الانبياۤء عليهم السلام في الفِ دهرٍ و الي ارواح المؤمنين في الفِ الف دهرٍ و كذلك مدة انتقال الارواح في ترقّيها الي مَراتب ظهورات العقول و في تنزّلاتها في ظهورها بالنفوس و كذلك مدد انتقال النفوس في ترقيها الي مراتب ظهورات الارواح و في تنزلاتها بالطبائع و كذلك مدد انتقال الطباۤئع في ترقيها الي مراتب ظهور النفوس و في تنزّلاتها بالمواۤدّ و جواهر الهباۤء و هكذا كلّ شي‌ء بحسبه في ترقّيه و تنزلاته و في مكثه و كلّها مدد الدهر الا انّ لطيفه في العقول و متوسطه في النفوس و كثيفه في جواهر الهباۤء و ما في الارواح و الطباۤئع من المدد الدهريّة برازخ بين اللطاۤئف و الكثاۤئف و انّما قلنا في الزمان انه امتداد مدة انتقال الجسم الي الاماكن الظاهرة لان المكان الحقيقي للجسم لايفارقه لانّه من مشخّصاته و هو البعد المخلوق الّذي شغله الجسم بالحصول فيه و لايدرك كونُه مخلوقاً الا بنظر الفؤاد و ذلك لانّ تصوّره انّما هو لو فرض عدم الجسم كان موضع حجمه فارغاً و حينئذٍ يتوهّم كثير انه امر اعتباري و لذا فسّروه بانّه البُعد الموهوم الذي تشغله الاجسام بالحصول فيه و بعض فسّره بانه البُعد المجرد الخ ، يعني موجود و لكنه ليس من عالم الملك و انّما هو من عالم الملكوت و هذا كلام ليس علي ما ينبغي لانّه اِنْ

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 32 *»

 اراد انه قبل حلول الجسم فيه فصحيح و لكنه حينئذٍ لم‌ينزل من الملكوت و كذلك الجسم الحاۤلّ فيه فانه قبل الحلول في المكان و الزمان في جوهر الهباۤء و هو آخر المجردات قبل المثال و انما نَزلا في الملك حين تعلّقَ به مثاله و حلّ في المكان و حين حلّ فيه كان الحاۤلّ و المحَلّ جسمانيّين في المُلْكِ فسبحان من شَقّه و شغله بالجسم الحاۤل فيه رأفةً به و رحمة له .

قال ايده اللّه : و اللّوحينِ المحفوظ و لوح المحو و الاثبات .

اعلم ان اللّوح المحفوظ جوهرة من زمرّدة خضراۤء كتب اللّٰهُ فيه بقلم كلمته ما شاۤء من خلقه و ما فيه من النقوش هي آحاد الموجودات فمن المكتوب فيه جواهر و منه صور و منه طباۤئع و منه مواۤدّ و منه اشباح و منه اجسام و منه اعراض كالحركات و الالوان و الهيئات و النموّ و الذبول و ما اشبه ذلك و اللوح المحفوظ ثلاث طبقات: الاولي فيها جزئيّات الجبروت و الثانية فيها جزئيات الملكوت و الثالثة فيها جزئيات الملك مثلاً هو كتاب مسطور فزيد و عمرو حروف فيه و الجبل حرف و البحر حرفٌ و البرّ حرف و الهواۤء حرف و الغيم حرف و المطر حرف و كلّ قطرة حرف و كل شجرة حرف و كل غصن حرف و كل ورقة حرف و هكذا حال جميع افراد الملك من الحركات و الهيئات و الامثال حال قيامها بموصوفاتها و امّا بعد اتّصاف موصوفاتها بشي‌ء لايجامعها تُمحا من هذه الطبقة فتغيب عن حواۤسّك الظاهرة و تثبت في الطبقة الثانية التي فوقها من الملكوت فتشاهدُهَا هنالك مكتوبة بشَبَحِ مكانها و زمانها ، بيان هٰذا انّك اذَا رأيتَ زيداً في المسجد يومَ السَّبْت يُصلّي فرض الصبح مثلاً رأيته هو و عمله في هذا المكان و الزمان ببصرك لان الجميع في الملك فاذا انتقل الي حالةٍ اخري انمحت الحالة الاولي من هذا اللوح الملكي فغابت عن بصرك الي اللوح الملكوتي فتشاهدها بحيالك هنالك يعني تري مثال زيد في المسجد الملكوتي يوم الجمعة الملكوتي يصلّي فقولنا بِشبَح مكانها و زمانها نريد انّها مُعَلّقة بمصوفاتها (بموصوفاتها ظ) الملكوتية لانَّ الّتي تُشاهِدُ اَمْثِلَةَ ما رأيتَ بعينك كتَبها قلم القدر في اللوح في الطبقة الملكوتية بعد ما سارَتْ عنها الطبقة الملكيّة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 33 *»

 لان الزمان سريع التقضّي و الدّهر قاۤرّ بالنسبة الي تقضّي الزمان .

ثم اعلم ان هذا اللوح المشار اليه بطبقاته الثلاث منه ما يستحيل محوه و منه ما يمكن محوه و لايمحي و منه ما يمحي فالاوّل ما كتب فانه حين كُتِبَ يستحيل اَلايُكتبَ و هذه الدفّة جفّ القلم فيها و الثاني ما كُتِب و يمكن ان يمحي ما كتب و يكتب ضدّه و لكنه من جهة الحكمة و ما حقّت عليه الكلمة و الكرم الابتداۤئي لايمحي و لايغيّر و ذلك مثل اشقاۤء السعداۤء الصالحين المطيعين للّه تعالي و اسعاد الاشقياۤء الطالحين العاصين للّه تعالي فانه سبحانه قادر علي ذلك و لكنه لايفعله ابداً و الثالث ما يمحو و يغيّر و يثبت و ذلك بما قدّر من الاسباب و الموانع التي اقتضتها الحكمة الالهيّة من الابتلاۤء و الاختبار لانتظام التكليف مثاله ان زيداً يقارف المعصية فتحول بينه و بين المدد الالهي الذي به قوامه و بقاۤؤه فيتقدّر بقاۤء قواه التي بها حياته خمس سنين فتنظر الملاۤئكة الموكلون به و بقواه فينتقش في نفوسهم انّه يعيش خمس سنين و ربّما تاب زيدٌ و ندم علي ما عمل فانْدَكَّ الحجاب الحاۤئل بينه و بين المَدد فيقوي اتّصال المدد به فيتقدّر بقاۤء قواه خمسين سنة فتنظر تلك الملاۤئكة الموكّلون به فينمحي ما كان في نفوسهم قبل و ينتقش مكانه في نفوسهم انه يعيش خمسين سنة و مثاله في المحسوس و هو منه ايضاً لو كان جدار مبني من الطين في ارضٍ رخوة فانّك اذا تأمّلتَ فيه انتقش في ذهنك انه يبقي خمس سنين ثم ينهدم لانه من الطين في ارض مترهّلة رخوة ثم بعد حين اتي صاحبُه و رجَّبَه بالجصّ و الصّخر من امامه و خلفه و احكم بناۤءه فلمّا رأيته بعد ذلك انمحَي ما في خيالك سابقاً و انتقش فيه انه يبقي خمسين سنة مثلا فقد كتب اللّه سبحانه بما قدّر من الموانع في تركيب بنية زيد بمعصيته انه يعيش خمس سنين و كتب في نفوس الملاۤئكة بمشاهدتهم لبنية زيد انه يعيش خمس سنين و كتب سبحانه في بنية الجدار بتساهل بانيه و واضعه في الارض الرخوة انّه يبقي خمس سنين ثم ينهدم و كتب في ذهنك باطّلاعك علي حال الجدار انه ينهدم بعد خمس سنين فلمّا تداركت زيداً رحمة اللّهِ عزوجل و تاب و قوي اتّصال المدد به كتب اللّه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 34 *»

 سبحانه في بنية بذلك السبب المقتضي بتقديره انه يعيش خمسين سنة و كتب في نفوس الملاۤئكة بمشاهدتهم لبنيته انه يعيش خمسين سنة و لمّا تَلافَي صاحب الجدار ما قصّر في بناۤئه كتب سبحانه بما قدّر من السبب المقتضي لذلك انه يبقي الجدار خمسين سنة و كتبَ في نفسك بما شاهدتَ من احكام بناۤء الجدار انه يبقي خمسين سنة فقد محا سبحانه ما اثبت في بنية زيد و بنية الجدار بما لحقهما من موانع البقاۤء و ما اثبث في نفوس الملاۤئكة و نفسك بما شاهدتما من لوازم الموانع و اثبت بما قدّر من الاسباب في بنية زيد و بنية الجدار بقاۤء الخمسين سنة و اثبت ذلك في نفوس الملۤئكة و نفسك بما اوقفكما عليه فبنية زيد و بنية الجدار و نفوس الملۤئكة و نفسك في الحالة الاولي الواح المحو و في الحالة الثانية الواح الاثبات فهذا من ذلك فافهم .

قال ايده اللّه: و القضاۤء و القدر و عالم الذر و ما يلايمه من الكلام في الشقاوة و السعادة الاصليين و ان الثانية كيف تلايم مقام التكليف و ما يترتب عليه من العذاب .

اعلم ان القضاۤء و القدر في اصطلاح القوم غير ما اصطلح عليه انا لان القضاۤء عندهم سابق علي القدر و هو عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجتمعة مجملة علي سبيل الابداع و القدر عبارة عن وجودِها في المواد الخارجيّة مفصّلاً واحداً بعد واحدٍ و ربّما جعل بعضهم القضاۤء من احكام الوجوب فقال القضاۤء علمه المحيط بكيفيّة المعلومات و قال و اشرف صفات الذات هو العلم و هو القضاۤء و الحكم و لهم في ذلك تحدّسات و ظنونات استنبطوها ممّا عرفوا من انفسهم و قاسوا بها صفات الحق تعالي عن ذلك علواً كبيراً .

و امّا عندنا فالقدر سابق علي القضاۤء و انّ القدر هو وضع الحدود و الهندسة و القضاۤء اتمام الصنع و نظمه علي ما هو عليه في الوجود الخارجي كما هو طريقة اهل العصمة عليهم السلام و من الاخبار الجامعة لبيان القدر و القضاۤء و ما قبلهما من المراتب ما رواه في الكافي بسنده قال سُئل العالم عليه السلام

 

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 35 *»

كيف علم اللّه قال علم و شاۤء و اراد و قدّر و قضي و امضي فامضي ما قضي و قضي ما قدّر و قدّر ما اراد فبعلمه كانت المشية و بمشيّته كانت الارادة و بارادته كان التقدير و بتقديره كان القضاۤء و بقضاۤئه كان الامضاۤء فالعلم متقدّم المشيّة و المشيّة ثانية و الارادة ثالثة و التقدير واقع علي القضاۤء بالامضاۤء فللّهِ تعالي البداۤء فيما علم متي شاۤء و فيما اراد لتقدير الاشياۤء فاذا وقع القضاۤء بالامضاۤء فلا بداۤء فالعلم بالمعلوم قبل كونه و المشيّة في المشاۤء قبل عينه و الارادة في المراد قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتاً و القضاۤء بالامضاۤء هو المبرم من المفعولات ذوات الاجسام المدركات بالحواس من ذي لون و ريح و وزن و كيل ممّا دبّ و دَرج من انسٍ و جنّ و طيرٍ و سباع و غير ذلك ممّا يدرك بالحواس فلله تعالي فيه البداۤء مما لا عين له فاذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداۤء و اللّه يفعل ما يشاۤء فبالعلم علم الاشياۤء قبل كونها و بالمشيّة عرف صفاتها و حدودها و انشأها قبل اظهارها و بالارادة ميّز انفسها في الوانها و صفاتها و بالتقدير قدّر اقواتها و عرف اوّلها و آخِرها و بالقضاۤء ابانَ للناس اماكنها و دلّهم عليها و بالامضاۤء شرح عللها و ابان امرها ذلك تقدير العزيز العليم هـ، و حيث اراد سلمه اللّه بيان القضاۤء و القدر بطريق غير مخل و تطويل مملّ و هذا لايحصل الا بالاشارة لانها هي التي تطوي البعيد و المقام يقتضي بسطاً في الكلام الا ان الوقوف علي حد مطلبه هو غاية المرام و لنقتصر فيما اردنا علي معني ظاهر هذا الحديث الشريف . فقوله عليه السلام علم و شاۤء و اراد و قدّر و قضي و امضي، يريد بهذا العلم العلم الامكاني الراجح الوجود و هو امكانات الاشياۤء و هذا محل المشيّة الامكانية و هذا هو العلم الذي لايحيطون بشي‌ء و شاۤء هذه المشيّة الكونية المتعلّقة بالاكوان اي وجودات الاشياۤء المتعيّنة و هذا هو العلم الذي يحيطون به باذنه تعالي و اراد هي الارادة العيْنية المتعلّقة باعيان الاشياۤء و بها حدثت القوابل و انفعالات الوجودات و بهذه المشية و الارادة تحقّق الخلق الاوّل الذي هو كالمداد للكتابة و كالخشب للسرير و الباب و غيرهما و في هذا المقام هذه

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 36 *»

المواد صالحة لان تلبس صور السعادة و الشقاوة و القوّة و الضعف و الغني و الفقر و العلم و الجهل و المعرفة و الانكار و ساۤئر الصفات المتضاۤدّة و في هذا المقام كان الناس امّةً واحدة و قدّر هو وضع الحدود من الكم و الكيف و الرزق و اجل الظهور و البقاۤء و الفناۤء و المعرفة و الانكار و الطاعة و المعصية و السعادة و الشقاوة و غير ذلك و في هذا المقام كان الخلق الثاني و التكليف في عالم الذّر و يجري في هذه المراتب الثلاث للّه تعالي البداۤء بالمحو و الاثبات و التغيير في الذوات و الصفات و في ساۤئر الحدود المشار اليها و قضي اتمام ما قدّر مما اراد و شاۤء فيما علم منها و في هذا المقام يكون الغالب امضاۤء ما قضاه لقلّة عروض الموانع المنافية بعد وقوع القضاۤء و لهذا ورد اذا قضي امضي و قد يجري هنا البداۤء فيقضي و لا يمضي و اليه الاشارة بتأويل قوله تعالي أ لم‌تر الي ربّك كيف مدّ الظّلّ و لو شاۤء لجعَله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ثم قبضناه الينا قبضاً يسيراً ، و امضي اي اظهر ما قضاه مُبَيَّنَ العلل مشروح الاسباب لانّ كل شي‌ء خلقه انما خلقه مشابها لهيئة مشيّته المتعلّقة به و هي مظهر الصفات العاۤمّة و العجاۤئب الغير المتناهية فيخرج دليلاً علي شي‌ء و مدلولا لشي‌ء و مثالاً لشي‌ء و له مثال و علة لشي‌ء و معلولاً لشي‌ء و علماً بشي‌ء و معلوماً لشي‌ء و عرضاً لشي‌ء و معروضاً لشي‌ء و هكذا ، و قوله فبعلمه كانت المشية ، يعني ان هذا العلم الامكاني و المشيّة هي الكونيّة و لاتتعلق الا بامكان لتكسوه حلّة الظهور الكوني الخارجي و قوله و بمشيته كانت الارادة ، يعني ان الارادة انّما تتعلق بعين الكون و الكون من المشيّة و قوله و بارادته كان التقدير ، يعني به انّ التقدير انّما يكون في الاعيان اي المواۤدّ التاۤمّة و هي انّما يكون بالارادة و قوله و بتقديره كان القضاۤء ، يعني انَّ القضاۤء انّما يتعلّق بالاشياۤء بعد تقديرها و قوله و بقضاۤئه كان الامضاۤء ، لانه تعالي انّما يمضي اي يظهر و يأذن للمفعول بالخروج بعد اتمامه و قضاۤئِه۪ و قوله فالعلم متقدّم المشية ، يراد به العلم الامكاني الحادث يعني المشيّة الامكانية و متعلّقها من الامكانات الرّاجحة الوجود و قوله و المشيّة ثانية ، المراد بها المشيّة

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 37 *»

 الكونية المتعلّقة بالاكوان المقيّدة و كونها ثانية للعلم و الارادة ثالثة دليل علي ارادة العلم الحادث لدخوله في جملة المعدودات و قوله و التقدير واقع علي القضاۤء بالامضاۤء ، يشير الي انّ التقدير في الماۤدّة ايجاد اسباب القضاۤء من المتمّمات للماهيّة خصوصاً الثانية و قوله فللّه تعالي البداۤء ، الي قوله فلا بداۤء ، يشير الي انّ له تعالي فيما يريد قضاۤءه قبل ان يقضيه في جميع مراتب ما ذكره به قبل القضاۤء البداۤء في محوه و تغييره و تبديله فاذا قضاه و امضاه فلا بداۤء له فيما قضي و امضي و له تعالي المحو و التغيير و التبديل في المقضيّ كيف شاۤء متي شاۤء و قوله فالعلم بالمعلوم قبل كونه ، يعني في امكانه ، و المشية في المشاۤء قبل عينه ، يعني في كونه ، و الارادة في المراد قبل قيامه ، يعني في عينه التي هي ماهيته النوعية قبل قيامه بشي‌ء من مشخّصاته ، و التقدير لهذه المعلومات قبل تفْصيلها و توصيلها عيانا و وقتاً ، يعني انّها قبل التفصيل المربوط بالتوصيل في الخارج و الوقت معلومات اي انّها انّما تتمايز قبل التقدير في العلم المسمي بنون في قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون فهي كالحروف في المداد و كالسرير و الباب و الصنم في الخشب قبل التفصيل المربوط بالتوصيل نعم التقدير في التفصيل قبل التوصيل و امّا التفصيل مع التوصيل فهو القضاۤء فلذا قال قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتاً الذي هو مقام القضاۤء و قوله و القضاۤء بالامضاۤء هو المبرم من المفعولات ، الي قوله  مما يدرك بالحواس ، يشير فيه الي ان القضاء قبل الامضاء قد تقتضي الحكمة تعلق البداء به من محو و تغيير و تبديل و ان كان نادر الوقوع بالنسبة الي عدم التعلّق لملازمة الامضاۤء له غالباً و الي هذا اشار عليه السلام قبل بقوله فاذا وقع القضاۤء بالامضاۤء فلا بداۤء ، يعني انه قبل ارتباط الامضاۤء به قد يقع و يتعلق به البداۤء و يحتمل انه اذا كان القضاۤء خيراً و سعادة و طاعة لايتعلق به البداۤء و ان كان قبل الامضاۤء كما تشير اليه بعض الاخبار بخلاف ما لو كان المقضي شراً و شقاوة و معصية فانه قبل الامضاۤء يكون فيه البداۤء و قوله فاذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداۤء و اللّه يفعل ما يشاۤء ، يراد منه انه اذا وقع المقضي في خارج الوجود و ظاهره فلا بداۤء و قبل ان

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 38 *»

يكون مفهوما مدركا يجوز فيه البداۤء بألايكون مفهوماً مدركاً بمحوه او تغييره او تبديله او بان ينقص من اجل بقاۤئه في الوجود قبل ان يقدّره او بعده لان كل اسباب البقاۤء و الوجود نعمه لاتخرج عن قبضته بعد الاعطاۤء كما هي قبل الاعطاۤء يعطي ما يشاۤء منها من يشاۤء كما يشاۤء و يمنع منها ما يَشاۤء مَنْ يَشاۤء كما يشاۤء و قولُهُ و اللّه يفعل ما يشاۤء ، اشار فيه الي نحو هذا و الَي ما يُسْتَقْبَلُ من اَحْوَال المقضي قوله فبالعلم علم الاشياۤء قبل كونها ، بامكاناتها الراجحة اللازمة لها التي لاتفارقها منذ امكَنَها مخترعها و قوله بالمشية عرف صفاتها و حدودها و انشاۤءها قبل اظهارِها ، اي صفات اكوانها من كم و كيف و حدود اكوانها من رتبة و جهة و انشاۤء اكوانها من مكان و وقت و قوله و بالارادة ميز انفسها في الوانها و صفاتها ، اي ميّز اعيانها في نورها و ظلمتها و صفات اعيانها في اقبال قبولها وَ ادباره و قوله بالتقدير قدّر اقواتها و عرف اوّلها و آخِرَها ، اي قدر آجالها و ارزاقها و قابلياتها و مقبولاتها و اجاباتها و انكاراتها و طاعاتها و معاصيها و جميع اسبابها و مسبّباتها و عرف اوّل اعمالها و احوالها و اقوالها و اَواخرها و اوّل ظهورها و بطونها و آخرهما و قوله و بالقضاۤء ابان للناس اماكنها و دلّهم عليها ، اي ابان محال ظهُورها كالانسان في فوق الارض و الحوت في البحر و السحاب في الهواۤء و النجوم في السماۤء و الاضواۤء في الكثيف و الصور في المرايا و في الماۤء و هكذا و دلّهم عليها بالعقول و النفوس و الاسماع و الابصار و الالفاظ و الاشارات و الاضواۤء و الالوان و المقادير و ما اشبه ذلك و قوله و بالامضاۤء شرح عِللَها و ابان امرها ، يعني شرح عللها فجعل كلّ فرد منها دليلاً و مدلولاً عليه و علما بشي‌ء و معلوماً به و هكذا و شرح هيئة التركيب و مراتب الصنع كما قال تعالي يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة لنبين لكم و هذا من شرح العلل و انما خلقها كذلك لئلايتوهم من الناس انها غير مصنوعة فشرح لهم كثيراً من الادلة منها انه خلق الانسان في اطوار علي التدريج كما في الاۤية المذكورة ذلك تقدير العزيز العليم .

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 39 *»

و اما قوله و عالم الذر و ما يلائمه من الكلام في الشقاوة و السعادة الاصليين ، فاعلم انه انما تم الخلق الاول الذي هو من المشية و الارادة المعبر عنه بالكون و العين الذي هو الهيولي للخلق الثاني كالخشب لما يعمل منه من السرير و الباب و الصنم و غير ذلك بالتكليف الاجمالي المتوجّه الي المكلّفين علي الوجه الكلّي و قبوله كمقبوله و ذلك كالصلوح الكلّي في نوع الخشب من كل جزءٍ منه للسرير و الباب و الصنم و السفينة و ما اشبه ذلك فخرجوا في الوُجود العيني بالتكليف الكلّي الاجمالي متمايزين في ظواهرهم بالمشخّصات الكونيّة متّفقين علي الصلوح النوعي فنثرهم تعالي بيد كلمته بين يدي قَدَرِه۪ حين اخبر عنهم في كتابه العزيز بقوله كان الناس امّة واحدةً يعني في الاجابة النوعية الاجمالية فبعث اللّه النبيين مبشّرين و منذرين و كان تعالي قد نثر النبيين قبل هذا المشهد في المشهد الثاني بالف دهرٍ و ارسل اليهم محمّداً صلی الله عليه و آله و عليهم فقرأ عليهم ما اوحَي اليه ربّه في المشهد الاوّل الذي هو قبل مشهدهم بالف دهرٍ فقال لهم اللّه سبحانه علي لسان محمّدٍ نبيّه صلی الله عليه و آله الستُ بربّكم و محمّد نبيّكم و عليٌّ و الائمةُ من ذرّيته اولياۤؤكم و اَئِمّتكم فقالوا بلَي فبعثهم عليهم السلام بما عهد اليهم علي لسان نبيّه محمّد صلی الله عليه و آله الي الناس و كان الناس كما ذكرنا اوّلاً قد عرض عليهم التكليف الاجمالي و هو ما اعطوه من العهد من انفسهم اَنْ يطيعوه و لم‌يفصّل لهم في هذا المقام خصوصات طاعاته حين اخذ هذا العهد بل طلب منهم مطلق الطاعة فاعطوه من انفسهم ذلك متفقين في الاجابة المطلقة مختلفين في الطويّة و ذلك لان اخذ العهد منهم للّهِ كان علي السنة اولياۤئه عليهم السلام و لم‌يذكروا لهم اسباب طاعتهم للّه تعالي و وساۤئطها و لا خصوص شي‌ء منها فاجابوا التكليف المطلق بالاجابة المطلقة و انطوي بعض منهم علي انه تعالي ان اتّخذ في ذلك وساۤئط من غيرهم و اسباباً من دونهم لم‌يقبلوا فكانوا بالاجابة المجملة المطلقة متساوين فلمّا بعث سبحانه النبيين مبشّرين و منذرين بما عهد اليهم الي الناس في المشهد الثالث باخذ العهد للّه سبحانه بالتكليف التفصيلي و خصوص كل

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 40 *»

طاعة وجب فيها ذكر شراۤئطها و اسباب قبولها و وساۤئطها فقال من انطوي علي الخلاف انما لم‌نعاهد ربّنا الا علي طاعته من غير شراۤئط و وساۤئط و ليس غيرنا الا مثلنا فقالت لهم رسلهم انّ اللّه سبحانه لم‌يكلّفكم الّا بواسطة و لم‌يخاطبكم بذاته و قبلتم ذلك لعجزكم عن التلقّي عنه بدون الواسطة فكيف تقدرون علي طاعته بدون الواسطة لان ما لايوافق محبته و رضاه لايصلح ان يكون طاعة له و لايعلم محبّته و رضاه الا من يقدر علي التلقّي منه قالوا اذا اطعناه بما وقّفنا عليه الواسطة و لم‌يقبل غير ذلك كان الواسطة وليّاً علينا قالت رسلهم لذلك خلقكم و به اقامكم قالوا لانطيع امره بواسطة بل نريد طاعته بغير واسطةٍ فنكثوا ما عاهدوا اللّه عليه و هو تأويل قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدّرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و ايّاماً آمنين فقالوا ربّنا باعد بين اسفارنا و ظلموا انفسهم فجعلناهم احاديث و مزّقناهم كل ممزّق ، و بالعبارة الظاهرة انه سبحانه جعل فيهم الاختيار و هو الصلوح لفعل الشي‌ء و ضده و ندبهم الي ما فيه نجاتهم من غضبه و فوزهم برضاه فاجاب من خلق للاجابة باجٰابته و انكر مَن خُلِق للانكار بانكاره و عدم قبوله و كان ما كان من الفريقين عن اختيارهم و علمهم بعاقبة ما هم عاملون و لذلك جعل فيهم الاختيار و التمكين من فعل الشي‌ء و ضده و التمكن بما جعل فيهم من الارادة الصالحة و الالات الصالحة لكلي الطرفين و انما مكّنهم من خلاف امره ليعملوا بامره مختارين اذ مَن لم‌يقدر علي المعصية لم‌يقدر علي الطّاعة لانّ شرط الطاعة ان يفعل ما امر به مع قدرته علي تركه ليكون فعله طاعة

و قوله سلمه اللّه : في السعادة و الشقاوة الاصليين ، بيانه في اصليّتهما انّه تعالي خلق الوجود و هو ماۤدّة الشي‌ء النورية و لابدّ لها في تقوّمها من ضدّ تستند اليه و يستند اليها فخلق لذلك الماهيّة الظلمانية و هي صورة الوجود اي انفعاله و نعني به انه لمّا خلقه اللّه انخلق فالمحدث الوجود و انحداثه الماهية فكل مخلوق لابد له من اعتبارين اعتبار من خالقه و اعتبار من نفسه فالاول وجوده و مادته خلقها لا من شي‌ء و الثاني ماهيته و صورته خلقها من نفس وجوده كما

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 41 *»

تفهم من قولك خلقه فانخلق فان انخلق صورة ما احدثه اللّه سبحانه فكان هذان محدثين و كل محدث يحتاج في بقاۤئه الي المدد فالفاعل سبحانه يمدّه من نوعه كما يمدّ الطين من الطين و الماۤء من الماۤء و الهواۤء من الهواۤء فلكل ميل الي نوع مدده فللوجود الذي هو نور ميل الي المدد من نوعه الذي هو النور و هو الطاعات و انواع الخيرات و للماهية التي هي ظلمة ميل الي المدد من نوعها الذي هو الظلمة و هو المعاصي و انواع الشرور و قيام كل منهما بمدده كقيام الصورة في المرءاة بمقابلة الشاخص لكن لما كانا منضمين اكتفي احدهما بمدد الاخر في مطلق البقاۤء المتحقق بادني صدق الاسم عليه في اصل ذاتيته بمعني عدم ارتفاعه حقيقته اصلا مع وجود مدد ضدّه في حال انضمامهما لا بمعني بقاۤئه في رتبته من القرب او البعد و ذلك لانه لمّا كان معتمدا و مستنداً الي ضدّه المستمد حصل له مسمي بقاۤئه بالاستناد الي المستمد مثلاً اذا كانا منضمين ظهر زيد و لابد لبقاۤء زيد من بقاۤئهما و لابد لبقاۤئهما من المدد من احدهما او من كل منهما علي التعاقب لا غير لان الاستمداد من كل منهما في حال واحد يلزم منه فناۤؤهما فاذا استمد وجود زيد من النور بتوفيق اللّه سبحانه من الاعمال الصالحات قوي و تماسكت ماهيّته باستنادها اليه الا انها تكون مقهورة تحت سلطنته فلاتكاد تميل الي شي‌ء من نوعها فحينئذ تكون مطمئنّة و راضية و مرضيّة و كاملة و ينقلب لونها من السواد و الظلمة الي الزرقة السماوية و اذا استمدت ماهيته من الظلمة بخذلان اللّه عزوجل من المعاصي قويت و تماسك وجوده باستناده اليها الا انه يكون مقهوراً تحت سلطنتها فلاتكاد يميل الي شي‌ء من الخير فحينئذ يَكون ظالماً جهولاً و مجرماً و اناثاً و شيطاناً مريداً لعنه اللّه ففي صورة استمداد الوجود قربت الماهية من رتبتها البعيدة فكانت اختاً للوجود فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين الا انّ حقيقتها لم‌ترتفع اصلاً و في صورة استمداد الماهية بعد الوجود من رتبته القريبة و من يتولهم منكم فانه منهم انّ اللّه لايهدي القوم الظالمين فلمثل ما اشرنا اليه كانت السعادة و الشقاوة اصليّين و ذلك باعمالهم و ماتُجْزَون الا ما

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 42 *»

كنتم تعملون .

و امّا قوله سلّمه اللّه : و انّ الثانية كيف تلايم مقام التكليف و ما يترتّب عليه من العذاب ، فيريد منه ان الشقاوة و السعادة اذا كانا اصليين كيف يلائم اثباتهما مقام التكليف الخ و بيانه ما اشرنا اليه ان الاصالة المذكورة محدثة بفعل المكلّف الاختياري و انما سمّيا باصليّين لانهما مشخّصات المكلف و مميّزاته عن غيره فهما حدود صورته الشخصيّة و هي مع حدوثها عن فعله و صدورها عن قابليته جزء ماهيته لان ماهيّته لاتتقوّم بحصّة مادته من نوعه الا بها كالسرير فانّ الهيئة الشخصيّة جزء ماهيته التي يفارق بها الباب و السفينة و يغايِرُهما حقيقةً مع ان حدوثها عن قابليّته التي هي الصلوح المشار اليه سابقا فانه هو الاختيار في حَقِّه و لا حقيقة للسرير معقولة و لا محسوسة الا بهذه الصورة الشخصية لانها جزء ماهيته حقيقة و قبل تعلّق هذه الصورة بحصّة السرير من الخشب لم‌يكن للسرير وجود متعيّن الا في العلم خاصّة و هذا اية حكم المكلّف في تشخّصه في التكليف في عالم الذر بالشقاوة و السّعادة فهما فيه اصليتان لانّهما جزء ماهيّته و هذا لاينافي مقام التكليف و ما يترتّب عليه من الثواب و العقاب لانّ هذه الماهيّة التي لاتتحقّق شيئيّة الشي‌ء الا بها انّما حدَثَتْ بقابليّته فوجود القابليّة و الماهية التي هي جزء شيئيّة الشي‌ء و شيئيته مُتَسَاوِقتانِ في الظهور في الاعيان و حدوث ذلك كله باختيار الشي‌ء لانّ تحقق الاختيار فيها مساوق في وجوده لوجودها فاذا ثبت ان الصورة الشخصية جزء الماهية و ان كل واحدٍ من القابل و المقبول حدث بالاختيار و كل ذلك متساوق ثبت ان المكلّفين فاعلون لاعمالهم من طاعة و معصية فلايكون منافيا لمقام التكليف و ما يترتّب عليه من الثواب و العقاب لان المنافاة انما تكون لو كانت الماهيات غير مجعولة او مجعولة بغير اختيار المكلّف او باختياره و لم‌يُيَسّر للموافاة لو ارادها فيلزم من الاول طلب المحال او تحصيل الحاصل لعدم جواز انقلاب الحقاۤئق و تعذر ايجاد الموجود و من الثاني الجبر المنافي للعدل و الحكمة و من الثالث ابطال الكرم و منع المتفضل فضله بل كانت مجعولةً باختياره مشفوعةً

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 43 *»

باللّطف و الرّحمة.

قال سلّمه اللّه : و تحقيق البَداۤء و الاجلين المحتوم و غيره .

اقول: اَمّا البَداۤء فقد تقدّم مٰا يبيّن كيفية ظهوره و سبب تعلّقه و امّا الاشارة الي مصدره القريب من الكيفيّة فاعلم ان الحكمة في الايجاد معرفة الموجد و فاۤئدة المعرفة ابلاغهم جلاۤئل النعم و اطِلاعهم علي عظاۤئم مراتب الجود و الكرم فخلق الخلق ليغمرهم بجزيل نعماۤئه و يعرّفهم عظيم كرمه و آلاۤئه فاقتضت هذه الغاية ايجاد الخلق علي اكمل النظام فيكون اثبات ما لم‌يكن و محو ما كان ثابتاً و ايجاد ما لم‌يوجد و ابقاۤء ما وُجد علي حسب ما يؤدّي الي ابلغ مصلحةٍ تتصوّر في حقّ الخلق فمنها ما تقتضي المصلحَةُ بقاۤءه بقدر ما كتب له من الاجل و منها ما تقتضي تغييره او محوه او اثباته و منها ما تقتضي ابقاءَهُ ازيد مما كُتب له من الاجل فيمحي ما كتب اوّلاً و يزيد في خلقه ما يشاۤء و في كلّ ذلك صلاح لعاۤمّة النظام و لخصوص ما غيّر بزيادةٍ او نقيصَةٍ او اُبْقيَ عَلَي ما ظهر به في الوجود فامرض الصحيح لمصلحته و لمصلحة النظام و اصحّ المريض كذلك و اغني الفقير و افقر الغني و احيي الميت و اماتَ الحيّ كلّ ذلك لمَا ارادَ بهم من الخيرات و النعم العظام ابلاۤء بنعمه و اظهاراً لكرمه ليجزي الذين اساۤؤا بما عملوا و يجزي الذين احسنوا بالحسني و قد ورد عنه صلی الله عليه و آله لو كشف لكم الغطاۤء لمااخترتم الا الواقع او كما قال و مع ذلك فهي آجٰال تتقضّيَ و مُدَدٌ تتصرّم ظهر سر الخليقة علي هيئة الحقيقة و هيئة الحقيقة علي تأثير الحق عزوجل و تَأثير الحق سبحانه بعلمه يعني انّ ما سمعتَ ممّا اشرنا اليه و ما لم‌تسمع انّما ظهر مثالاً و دليلاً حاكيا بهيئتِه هيئة الحقيقة يعني هيئة فعل اللّهِ تعالي و فعل اللّه تعالي انّما ظهر علي هيئة نفسه التي هي تأثير اللّهِ تعالي و تَأثير اللّه سبحانه انّما اظهره اللّه و احدثه علي هيئة نفسه بعلمه تعالي و هذا سرّ الخليقة و تطوّراتها في اطوارها باوطارِها و هذا العلم المشار اليه هو العلم الاشراقي الذي يسمونه عليهم السلام بوقوع العلم علي المَعلوم و هو العلم الراجح الوجود و هو ظهور العلم الذاتي به و ذلك الظهور هو سر الاسرار الجارية علي هياكله

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 44 *»

الاقدار.

و قوله: و الاجلين المحتوم و غيره، بيانه ان المحتوم هو حدّ التقدير لمدّة البقاۤء المقدّر و هو خلق من خلق اللّهِ و حجر محجور يحدثه اللّه بدواعي سرِّ الخليقة المشار اليه قبل و بيان هذا البيان ان الفيض الابتداعي الذي ملأ العمق الاكبر ليس له انقطاع و لاانتهاۤء فاذا وجد به القابل له اسْتمر انبساطه علي القابل و هذا الاستمرار هو علّة البقاۤء و الدوام حتي ينزل الحجاب و الحجر المحجور كاشراق الشمس ما دامت موجودة و هي مقابلة للجدار فان الاستضاۤءة ابداً باقية ما استمرت المقابلة فاذا اقتضت المصلحة عدم الاستضاۤءة بسرّ الخليقة احدث حجاباً حاۤئلاً بينها و بين الجدار و هذا الحجاب انما احدثه حين اراد رفع الاستضاۤءة و كان هذا الحجاب غاۤئباً في الامكان الراجح لم‌يحضر فاذا اريد الرفع دُعِيَ فجاۤء فاذا جاۤء لايستأخر الاستضاۤءة سَاعة و لاتستقدم فهذا الحجر المحجور و الحجاب المستور هو الاجل المحتوم المذكور كان غائباً في الامكان فان اقتضت المصلحة حضوره دعي فجاۤء و ان اقتضت تَأخيره لم‌تدع و هو الاجل المقضي الذي يزيد و ينقص و معني انه يدعي انّه يكوّن من خزانة الامكان الراجح فافهم .

قال سلّمه اللّه : و سرّ اربعيّة الاركان لعرش الرحمن و حال حملتها الاربعة و سرّ انهم يومئذ يصيرون ثمانية كلها بطريق التوسط من غير ايجاز مخل و لا اطناب ممل ، انتهي كلامه اعلي اللّه مقامه .

اقول: امّا سرّ اربعية الاركان لعرش الرحمن فلان الوجود الذي يمكن حصره بالاجمال اربعة اقسام و عليها يدور النظام من الايجادات و الاحكام و هي الخلق و الرزق و الموت و الحيوة و اليه الاشارة بقوله تعالي اللّه الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركاۤئكم من يفعل من ذلكم من شي‌ء سبحانه و تعالي عما يشركون فتحدّي عباده المناۤدّين له بشي‌ء من ذلك و لو كان شي‌ء خامس لجاز ان يقال اذا لم‌يجز ان تفعل الشركاۤء شيئاً من هذه الاربعة جاز ان تفعل من غيرها و تصدق به الشركة و انّما قلنا الوجود الذي يمكن حصره

 

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 45 *»

بالاجمال لان حصره بالتفصيل ان كان بالامكان لزم الانقطاع و هو ليس بمنقطع في الامكان و لا محدود فيه و ان كان في الامكان لان الامكان غير متناهٍ في الامكان و اليه الاشارة بقوله تعالي خالدين فيها ما دامت السموات و الارض الا ما شاۤء ربّك عطاۤء غير مجذوذ و قال تعالي و فاكهة كثيرة لا مقطوعة و لا ممنوعة و قولنا الذي يمكن حصره احترازاً عن الوجود الحق تعالي لان هذه الاربعة المشتملة علي جميع وجودات الامكان بعض مظاهر الحق فان الحيوة الذاتية و العلم الذاتي و القدرة و البقاۤء و السّمع و البصر الذاتيات و غير ذلك من الصفات الذاتية و العنايات الالهية لاتدخل في معني يمكن الا مظاهرها الفعليّة و الحاصل انه لمّا انحصرت وجودات الامكان في الاربعة و كانت مبادي ايجاداتها داخلة في الصفة الرحمانية ظهر الرحمن بهذه الصفة علي جامع حواملها الّذي يسع تلك الايجادات و هو العرش و هو عبارة عن اربعة ملاۤئكة اي مسمَّين في الجملة بهذا الاسم و هم في الحقيقة خلق اعظم من الملۤئكة و لهم اسماۤء كثيرة في كلام الائمة عليهم السلام و في كلام العلماۤء و الحكماۤء ففي كلام سيّدالساجدين عليهم السلام ان العرش مركب من اربعة انوار نور منه احمرت الحمرة و نور اصفر منه اصفرّت الصفرة و نور اخضر منه اخضرت الخضرة و نور ابيض منه البياض و منه ضوء النهار او كما قال و المراد من النور الاحمر هو الملك الذي علي ملاۤئكة الحجب و منه مظهر الخلق و المتلقّي عنه جبرئيل و هو ركن العرش الاسفل الايسر و هو المسمي بالطبيعة الكليّة و النور الاصفر هو الملك الذي هو روح من امر اللّه و منه مظهر الحيوة و المتلقّي عنه اسرافيل و هو ركن العرش الاسفل الايمن و هو المسمي بالروح في قوله صلی الله عليه و آله اول ما خلق اللّه روحي و بعض العرفاۤء يسميه بالبراق بناۤءً علي طريقتهم في التأويل و النور الاخضر و هو الملك الذي علي ملاۤئكة الحجب و منه مظهر الممات و المتلقّي من صفته عزراۤئيل و هو الركن العرش الاعلي الايسر و هو المسمّي باللوح و الكتاب المسطور و هو المسمي بالنفس الكلية و النور الابيض و هو الملك المسمي بالروح و روح القدس و المسمي بالعقل

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 46 *»

 الكلّي و بالقلم و الملك المتلقّي من صفته ميكاۤئيل و هو الركن العرش الاعلي الايمن و هو المراد من قوله صلی الله عليه و آله اوّل ما خلق اللّه عقلي و العقل او نوري و انّما قلنا من صفته في الاخضر و الابيض لان الاخضر يتلقي من ذاته ميكاۤئيل و الابيض يتلقي من ذاته جبرئيل و هنا تفاصيل كثيرة لسنا بصددها و هذه الاربعة الذين هم اركان العرش المسمّون بالعالين هم اوعية جميع آثار الرحمانية و مظاهرها و هم الحافظون لها و حَملتُها و الاربعة المتلقّون منهم يعني جبرئيل و ميكاۤئيل و اسرافيل و عزراۤئيل هم المؤدّون عن العالين الحافظين الي قوابل الموجودات احكام الامور الاربعة الخلق و الرزق و الممات و الحيوة ففي الدنيا حملة العرش اربعة فان اريد الحمل الذي هو الحفظ فهم العالون و ان اريد الحمل الذي هو التأدية فهم جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل و عزراۤئيل هذا في الدنيا و في الاۤخرة يحمل ثمانية و يراد به وجوهاً منها حملة الحفظ و حملة التأدية كما مرّ و منها احكام الاربعة في الدنيا و في الاخرة او في الرجعة فان اريد علي هذا في الاخرة فالمراد من الموت هلاك الدّين و هو شقاوة الابد نعوذ باللّه و منها اذا اريد به الدين فالثمانية نوح و ابراهيم و موسي و عيسي و محمد و علي و الحسن و الحسين صلي اللّه عليه و آله و عليهم و منها اَنْ يراد به الاعم فيكون المراد بالحملة الثمانية هؤلاۤء الثمانية عليهم السلام فانهم حافظون للاكوان الوجوديّة و الأكوان الشرعيّة امّا من كلّ واحدٍ بنسبة مقامه منها و امّا علي التوزيع بمعني ان نوحاً و ابراهيم و موسي و عيسي حاملون لبعضٍ منها علي قدر احتمالهم و محمداً و علياً و الحسن و الحسين صلي اللّه عليه و آله و عليهم حاملون للكلّ علي الانفراد و الاجتماع اذ كلّ واحد منهم صلي اللّه عليهم علة تامّة لكل شي‌ء من التكوينيّة و شرعها و التشريعيّة و وجودها و منها انّ العدد باعتبار ادراك عاۤمة الخلق لذلك ففي الدنيا يدركون اربعة و في الٰاخرة ثمانية و منها ان ذكر الثمانية باعتبار حمل اربعة لظاهر تلك الامور و حمل اربعة لباطنها و امثال ذلك و فيه وجوه لا فاۤئدة في ذكرها اوْ لايحسن ذكر بعضها و الحمد للّه رب العالمين و لا حول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم و صلي اللّه علي محمد و آله

 

«* جوامع الکلم جلد 1 صفحه 47 *»

 الطاهرين .

و كتب احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي ضحي الثالث من جميٰدي‌الثانية سنة ثلاثين بعد المأتين و الالف حامداً مصلياً مسلماً مستغفراً